← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

فعل ذلك لأفضى إلى الهرج والفساد؛ لأنَّ كلَّ واحد يضرب غيره ويدعي أنه استحق ذلك؛ فهذا مما ينبغي أن يقتصر فيه على ولي الأمر المطاع كالسلطان ونوابه. وإنما الخلاف فيما إذا غلب على ظن الرجل أن أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر لا يطاع فيه هل يجب عليه حينئذٍ؟ على قولين: أصحهما: أنه يجب وإن لم يقبل منه إذا لم يكن مفسدة الأمر راجحة على مفسدة الترك، كما بقي نوح ﵇ ألف سنة إلا خمسين عامًا ينذر قومه، ولما قالت الأمة من أهل القرية الحاضرة البحر لواعظي الذين يعدون في السبت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾ [الأعراف: ١٦٤] أي: نقيم عذرنا عند ربنا، وليس هداهم علينا، بل الهداية إلى الله. [مختصر الفتاوى المصرية ٥٨٠] ٣٣٠٨ - من لم بحب ما أحبه الله وهو المعروف وببغض ما أبغضه الله تعالى وهو المنكر: لم يكن مؤمنًا، فلهذا لم يكن وراء إنكار المنكر بالقلب حبة خردل من إيمان. لكن من الناس من ينكر بعض الأمور دون بعض؛ فيكون في قلبه إيمان ونفاق، كما ذكر ذلك من ذكره من السلف حيث قالوا: القلوب أربعة: أ- قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن. ب- وقلب أغلف، فهو قلب الكافر. ت- وقلب منكوس، فذلك قلب المنافق. ج- وقلب فيه مادتان، مادة تمده بالإيمان، ومادة تمده بالنفاق، فذلك خلط عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا. [مختصر الفتاوى المصرية ٥٨٠] ٣٣٠٩ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فإذا غلب على ظنه أن غيره لا يقوم به تعيِّن عليه ووجب عليه ما يقدر عليه من ذلك؛ فانْ تركه

стр. 2312

كان عاصيًا لله ولرسوله، وقد يكون فاسقًا وقد يكون كافرًا. [مختصر الفتاوى المصرية ٥٨١] ٣٣١٠ - ينبغي لمن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر أن يكون فقيهًا قبل الأمر، رفيقًا عند الأمر، ليسلك أقرب الطرق في تحصيله حليمًا بعد الأمر؛ لأن الغالب أن لا بد أن يصيبه أذى. [مختصر الفتاوى المصرية ٥٨١] * * * (مسائل الخلاف هل فيها إنكار ؟) ٣٣١١ - قولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها: ليس بصحيح؛ فإن الإنكار: أ- إما أن يتوجه إلى القول بالحكم. ب- أو العمل. أما الأول: فإن كان القول يخالف سُنَّة أو إجماعًا قديمًا: وجب إنكاره وفاقًا، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول: المصيب واحد، وهم عامة السلف والفقهاء. وأما العمل: فإن كان على خلاف سُنَّة أو إجماع وجب إنكاره أيضًا بحسب درجات الإنكار، كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سُنَّة وإن كلان قد اتبع بعض العلماء. وأما إذا لم يكن في المسألة سُنَّة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ: فلا ينكر على من عمل بها مجتهدًا أو مقلدًا، وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد كما اعتقد ذلك طوائف من الناس. والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد -ما لم يكن فيه دليل يجب العمل به وجوبًا ظاهرًا؛ مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه-:

стр. 2313

فيسوغ إذا عدم ذلك الاجتهادُ؛ لتعارض الأدلة المقاربة أو لخفاء الأدلة فيها. وليس في ذكر كون المسألة قطعية طعن على من خالفها من المجتهدين. [الآداب الشرعية ١/ ١٦٩] * * * (آداب المحتسب) ٣٣١٢ - الصبر على أذى الخلق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن لم يستعمل لزم أحد أمرين: أ- إما تعطيل الأمر والنهي. ب- وإما حصول فتنة ومفسدة أعظم من مفسدة ترك الأمر والنهي، أو مثلها أو قريب منها. وكلاهما معصية وفساد، قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان: ١٧]. فمن أمر ولم يصبر، أو صبر ولم يأمر، أو لم يأمر ولم يصبر: حصل من هذه الأقسام الثلاثة مفسدة، وإنما الصلاح في أن يأمر ويصبر، وفي "الصحيحين" (١) عن عبادة قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا وعلى أثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق حيث ما كنا لا نخاف في الله لومة لائم، ونهى رسول الله ﷺ عن القتال في الفتنة. فأهل البدع من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم يرون قتالهم والخروج عليهم إذا فعلوا ما هو ظلم أو ما ظنّوه هم ظلمة ويرون ذلك من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٢).

стр. 2314

وآخرون من المرجئة وأهل الفجور قد يرون ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ظنًّا أن ذلك من باب ترك الفتنة، وهؤلاء يقابلون لأولئك (١). [الآداب الشرعية ١/ ١٥٧] ٣٣١٣ - إِذَا كَانَ مِن الْمُحَرَّمَاتِ مَا لَو نَهَى عَنْهُ حَصَلَ مَا هُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْهُ لَمْ يَنْهَ عَنْه، وَلَمْ يُبِحْهُ أيْضًا. وَلهَذَا لَا يَجُوزُ إنْكَارُ الْمُنْكَرِ بِمَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ؛ وَلهَذَا حُرِّمَ الْخرُوجُ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ بِالسَّيْفِ؛ لِأَجْلِ الْأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ؛ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ مِن فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ وَاجِبٍ (٢) أَعْظَمُ مِمَّا يَحْصُلُ بِفِعْلِهِمُ الْمُنْكَرَ وَالذُّنُوبَ، وَإِذَا كَانَ قَوْمٌ عَلَى بِدْعَةٍ أَو فُجُورِ وَلَو نُهُوا عَن ذَلِكَ وَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَرٌّ أَعْظَمُ مِمَّا هُم عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ وَلَمْ يُمْكِنْ مَنْعُهُم مِنْهُ وَلَمْ يَحْصُلْ بِالنَّهْيِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ: لَمْ يُنْهَوْا عَنْهُ. بِخِلَافِ مَا أمَرَ اللهُ بِهِ الْأنْبِيَاءَ وَأَتْبَاعَهُم مِن دَعْوَةِ الْخَلْقِ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهم يَحْصُلُ بِهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى مَفْسَدَتِهَا. فَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ إذَا زَادَ شَرُّهُ بِالنَّهْيِ وَكَانَ النَّهْيُ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً: كَانَ حَسَنًا. وَأَمَّا إذَا زَادَ شَرُّهُ وَعَظُمَ وَلَيْسَ فِي مُقَابَلَتِهِ خَيْرٌ يَفُوتُهُ: لَمْ يُشْرَعْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَتِهِ مَصْلَحَةٌ زَائِدَةٌ، فَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إلَى شَرٍّ أعْظَمَ مِنْة لَمْ يُشْرَعْ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْآمِرُ لَا صَبْرَ لَهُ فَيُوذَى فَيَجْزَعُ جَزَعًا شَدِيدًا يَصِيرُ بِهِ مُذْنِبًا، وينْتَقِصُ بِهِ إيمَانُهُ وَدِينُهُ، فَهَذَا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ خَيْرٌ لَا لَهُ وَلَا لِأولَئِكَ؛ بِخِلَافِ مَا

стр. 2315

إذَا صَبَرَ وَاتَّقَى اللهَ وَجَاهَدَ وَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ بَلِ اسْتَعْمَلَ التَّقْوَى وَالصَّبْرَ؛ فَإِنَّ هَذَا تَكُونُ عَاقِبَتُهُ حَمِيدَةً، وَأُولَئِكَ قَد يَتُوبُونَ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِم بِبَرَكَتِهِ، وَقَد يُهْلِكُهُم بِبَغْيِهِمْ وَيكُونُ ذَلِكَ مَصْلَحَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٥]. [١٤/ ٤٧٢ - ٤٧٣] ٣٣١٤ - مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر فأنكر عليهم من كان معي، فانكرت عليه، وقلت له: إنما حوم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم (١). [أعلام الموقعين ٣/ ١٣] ٣٣١٥ - إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستلزمًا من الفساد أكثر مما فيه من الصلاح: لم يكن مشروعًا، وقد محره أئمة السُّنَّة القتال في الفتنة التي يسميها كثير من أهل الأهواء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن ذلك إذا كان يوجب فتنة هي أعظم فسادًا مما في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يُدفع أدنى الفسادين بأعلاهما، بل يُدفع أعلاهما باحتمال أدناهما. [الاستقامة: ٣٤١] ٣٣١٦ - إِذَا قَوِيَ أهْلُ الْفُجُورِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُم إصْغَاءٌ إلَى الْبِرِّ؛ بَل يُؤذُونَ النَّاهِيَ لِغَلَبَةِ الشُّحِّ وَالْهَوَى وَالْعُجْبِ سَقَطَ التَّغْيِيرُ بِاللِّسَانِ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَبَقِيَ بِالْقَلْبِ. [١٤/ ٤٧٩ - ٤٨٠] ٣٣١٧ - اللهُ سُبْحَانَهُ قَد أَمَرَنَا بِالْأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ، وَالْأمْرُ بِالشَّيْءِ مَسْبُوقٌ بِمَعْرِفَتِهِ، فَمَن لَا يَعْلَمُ الْمَعْرُوفَ لَا يُمْكِنُهُ الْآمْرُ بِهِ، وَالنَّهْيُ عَن الْمُنْكَرِ مَسْبُوقٌ بِمَعْرِفَتِهِ، فَمَن لَا يَعْلَمُهُ لَا يُمْكِنُهُ النَّهْيُ عَنْه. [١٥/ ٣٣٧] ٣٣١٨ - إِنَّ الْإنْكارَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ قَبْلَ الْإِنْكَارِ بِالْيَدِ. [١٥/ ٣٣٨]

стр. 2316

٣٣١٩ - مَن أصرَّ على ترك الجماعة: يُنكو عليه، ويقاتَل أيضًا في أحد الوجهين عند من استحبها، وأما من أوجبها فإنه عنده يقاتل ويفسق إذا قام عنده الدليل المبيح للمقاتلة والتفسيق؛ كالبغاة بعد زوال الشبهة. [الآداب الشرعية ١/ ١٦٩] ٣٣٢٠ - من كان قادرًا على إراقة الخمر وجب عليه إراقتها ولا ضمان عليه، وأهل الذمة إذا أظهروا الخمر فمانهم يعاقبون عليه أيضا بإراقتها وشق ظروفها وكسر دِنَانها، وإنْ كنا لا نتعرض لهم إذا أسرّوا ذلك بينهم (١). [الآداب الشرعية ١/ ٢٦٢] ٣٣٢١ - إِذَا رَأيْت إمَامًا قَد غَلَّظَ عَلَى قَائِلٍ مَقَالَتَهُ، أَو كَفَّرَهُ فِيهَا: فَلَا يُعْتَبَرُ هَذَا حُكْمًا عَامًّا فِي كُلِّ مَن قَالَهَا، إلَّا إذَا حَصَلَ فِيهِ الشُّرْطُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّغْلِيظَ عَلَيْهِ وَالتَّكْفِيرَ لَهُ؛ فَإِنَّ مَن جَحَدَ شَيْئًا مِن الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ، وَكَانَ حَدِيثَ الْعَهْدِ بِالْإسْلَامِ، أَو نَاشِئًا بِبَلَدِ جَهْلٍ: لَا يَكْفُرُ حَتَّى تَبْلُغَهُ الْحُجَّةُ النَبّوَيَّةُ. وَكَذَلِكَ الْعَكْسُ: إذَا رَأيْت الْمَقَالَةَ الْمُخْطِئَةَ قَد صَدَرَتْ مِن إمَامٍ قَدِيمِ فَاغْتُفِرَتْ؛ لِعَدَمِ بُلُوغِ الْحُجَّةِ لَهُ: فَلَا يُغْتَفَرُ لِمَن بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ مَا اُغْتُفِرَ لِلأوَّلِ؛

стр. 2317

فَلِهَذَا يُبَدَّعُ مَن بَلَغَتْهُ أَحَادِيثُ عَذَابِ الْقَبْرِ وَنَحْوِهَا إذَا أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَلَا تبَدَّع عَائِشَةُ وَنَحْوُهَا مِمَن لَمْ يَعْرِفْ بِأَنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ فِي قُبُورِهِمْ. فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فَتَدَبَّرْهُ فَإِنَّهُ نَافِعٌ (١). [٦/ ٦١] * * * (حكم الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنْكَرِ وآدابه) (٢) ٣٣٢٢ - الْأمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَن الْمُنْكَرِ لَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ؛ بَل هُوَ عَلَى الْكفَايَةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَلَمَّا كَانَ الْجِهَادُ مِن تَمَامِ ذَلِكَ كَانَ الْجِهَادُ أيْضًا كَذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ مَن يَقُومُ بِوَاجِبِهِ أَثِمَ كُلُّ قَادِرٍ بِحَسَبِ قُدْرَتهِ؛ إذ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ بِحَسَبِ قُدْرَتهِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإيمَانِ" (٣). وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَن الْمُنْكَرِ وَإِتْمَامَهُ بِالْجِهَادِ: هُوَ مِن أَعْظَمِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي أُمِرْنَا بِهِ؛ وَلهَذَا قِيلَ: لِيَكُن أمْرُك بِالْمَعْرُوفِ (٤) وَنَهْيُك عَن الْمُنْكَرِ غَيْرَ مُنْكَرٍ. وَإِذَا كَانَ هُوَ مِن أعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ والمستحبات فَالْوَاجِبَاتُ والمستحبات لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلَحَةُ فِيهَا رَاجِحَةَ عَلَى الْمَفْسَدَةِ؛ إذ بِهَذَا بُعِثَت الرُّسُلُ، وَنَزَلَت الْكُتُبُ، وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ؛ بَل كُلُّ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ فَهُوَ صَلَاحٌ. وَقَد أَثْنَى اللهُ عَلَى الصَّلَاحِ وَالْمُصْلِحِينَ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وَذَمَّ الْمُفْسِدِينَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ.

стр. 2318

فَحَيْثُ كَانَت مَفْسدَةُ الْأمْرِ وَالنَّهْيِ أَعْظَمَ مِن مَصْلَحَتِهِ: لَمْ تكنْ مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ (١) وَإِن كَانَ قَد تُرِكَ وَاجِبٌ وَفُعِلَ مُحَرَّمٌ (٢). إذ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَّقِيَ اللهَ فِي عِبَادِهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ هُدَاهُمْ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٥٥]، وَالِاهْتِدَاءُ إنَّمَا يَتِمُّ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ، فَإِذَا قَامَ الْمُسْلِمُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِن الْأَمْرِ بالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ كَمَا قَامَ بِغَيْرِهِ مِن الْوَاجِبَاتِ: لَمْ يَضرَّه ضَلَالُ الضُّلَّالِ (٣). وَذَلِكَ يَكُونُ تَارَةً بِالْقَلْبِ، وَتَارَةً بِاللِّسَانِ، وَتَارَةً بِالْيَدِ. فَأَمَّا الْقَلْبُ: فَيَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ؛ إذ لَا ضَرَرَ فِي فِعْلِهِ، وَمَن لَمْ يَفْعَلْهُ فَلَيْسَ هُوَ بِمُؤمِن؛ كَمَا قَالَ النَّبِيِّ ﷺ : "وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ". وَهُنَا يَغْلَطُ فَرِيقَانِ مِن النَّاسِ: أ- فَرِيق يَتْرُكُ مَا يَجِبُ مِن الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ تَأْوِيلًا لِهَذِهِ الْآيَةِ؛ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فِي خطْبَتِهِ: إنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥] وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَإِنِّي سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:"إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُم اللهُ بِعِقَاب مِنْهُ" (٤). ب- وَالْفَرِيقُ الثَّانِي: مَن يُرِيدُ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى إمَّا بِلِسَانِهِ وَإِمَّا بِيَدِهِ مُطْلَقًا،

стр. 2319

مِن غَيْرِ فِقْهٍ وَحِلْمٍ وَصَبْرٍ وَنَظَرٍ فِيمَا يَصْلُحُ مِن ذَلِكَ وَمَا لَا يَصْلُحُ، وَمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يَقْدِرُ. وَلهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ، وَنَهَى عَن قِتَالِهِمْ مَا أقَامُوا الصَّلَاةَ. وَلهَذَا كَانَ مِن أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لُزُومُ الْجَمَاعَةِ وَتَرْكُ قِتَالِ الْأَئِمَّةِ وَتَرْكُ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ. وَعَلَى هَذَا: إذَا كَانَ الشَّخْصُ أَو الطَّائِفَةُ جَامِعيْنِ بَيْنَ مَعْرُوفٍ وَمُنْكَرٍ بِحَيْثُ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمَا؛ بَل إمَّا أَنْ يَفْعَلُوهُمَا جَمِيعًا، أَو يَتْرُكُوهَا جَمِيعًا: لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْمَرُوا بِمَعْرُوف وَلَا أَنْ يُنْهُوا مِن مُنْكَرٍ، بل يُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ أَكْثَرَ: أَمَرَ بِهِ وَإِن اسْتَلْزَمَ مَا هُوَ دُونَهُ مِن الْمُنْكَرِ. وَلَمْ يَنْهَ عَن مُنْكَرٍ يَسْتَلْزِمُ تَفْوِيتَ مَعْرُوفٍ أَعْظَمَ مِنْهُ؛ بَل يَكُونُ النَّهْيُ حِينَئِذٍ مِن بَابِ الصَّدِّ عَن سَبِيلِ اللهِ، وَالسَّعْيِ فِي زَوَالِ طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَزَوَالِ فِعْلِ الْحَسَنَاتِ. وَإِن كَانَ الْمُنْكَرُ أَغْلَبَ: نَهَى عَنْهُ وَإِن اسْتَلْزَمَ فَوَاتَ مَا هُوَ دُونَهُ مِن الْمَعْرُوفِ. وَيكُونُ الْأَمْرُ بِذَلِكَ الْمَعْرُوفِ الْمُسْتَلْزِمِ لِلْمُنْكرِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ: أَمْرًا بِمُنْكَر وَسَعْيًا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ. وَإِن تكَافَأَ الْمَعْرُوفُ وَالْمُنْكَرُ الْمُتَلَازِمَانِ: لَمْ يُؤمَرْ بِهِمَا وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُمَا. وَمِن هَذَا الْبَابِ: إقْرَارُ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أبي وَأَمْثَالِهِ مِن أَئِمَّةِ النِّفَاقِ وَالْفُجُورِ؛ لِمَا لَهُم مِن أَعْوَانٍ، فَإِزَالَةُ مُنْكَرِهِ بِنَوْع مِن عِقَابِهِ: مُسْتَلْزِمَةٌ إزَالَةَ مَعْرُوفٍ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ بِغَضَبِ قَوْمِهِ وَحَمِيَّتِهِمْ، وَبِنُفُورِ النَّاسِ إذَا سَمِعُوا أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ.

стр. 2320

فَلَا بُدَّ مِن الْعِلْمِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا، وَلَا بُدَّ مِن الْعِلْمِ بِحَالِ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ، وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِن الرِّفْقِ. وَلَا بُذَ أَيْضًا أَنْ يَكونَ حَلِيمًا صَبُورًا عَلَى الْأَذَى؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ أَذًى، فَإِنْ لَمْ يَحْلَمْ وَيَصْبِرْ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان: ١٧]. فَلَا بُدَّ مِن هَذِهِ الثَّلَاثَةِ: أ- الْعِلْمُ. ب- وَالرِّفْقُ. ج- وَالصَّبْرُ. الْعِلْمُ قَبْلَ الْأمْرِ وَالنَّهْي، وَالرِّفْقُ مَعَهُ، وَالصَّبْرُ بَعْدَة، وَإِن كَانَ كُلٌّ مِن الثَّلَاثَةِ مُسْتَصْحَبًا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِهَذِهِ الْخِصَالِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ مِمَّا يُوجِبُ صُعُوبَة عَلَى كَثِيرٍ مِن النُّفُوسِ، فَيَظُنُّ أَنَهُ بِذَلِكَ يَسْقُطُ عَنْهُ فَيَدَعُهُ؛ وَذَلِكَ مِمَّا يَضرُّهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَضُرُّهُ الْأَمْرُ بِدُونِ هَذِهِ الْخِصَالِ أَو أَقَلَّ؛ فَإِنَّ تَرْكَ الْأَمْرِ الْوَاجِبِ مَعْصِيَة، فَالْمُنْتَقِلُ مِن مَعْصِيَةٍ إلَى مَعْصِيَةٍ أَكْبَرَ مِنْهَا كَالْمُسْتَجِيرِ مِن الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ. وَمِن الْمَعْلُومِ بِمَا أَرَانَا اللهُ مِن آيَاتِهِ فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِنَا وَبِمَا شَهِدَ بِهِ فِي كِتَابِهِ: أَنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبُ الْمَصَائِبِ .. وَأَنَّ الطَّاعَةَ سَبَبُ النِّعْمَةِ، فَإِحْسَانُ الْعَمَلِ سَبَبٌ لِإِحْسَانِ اللهِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. [٢٨/ ١٢١ - ١٣٨] ٣٣٢٣ - مَن فَعَلَ شَيْئًا مِن الْفنْكَرَاتِ كَالْفَوَاحِشِ وَالْخَمْرِ وَالْعُدْوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن رَأَى

стр. 2321

مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ" (١). فَإنْ كَانَ الرَّجُلُ مُتَسَتِّرًا بِذَلِكَ، وَلَيْسَ مُعْلِنًا لَهُ: أُنْكِرَ عَلَيْهِ سِرًّا وَسُتِرَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن سَتَرَ عَبْدًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" (٢). إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ. وَالْمُتَعَدِّي لَا بُدَّ مِن كَفّ عُدْوَانِهِ، وَإِذَا نَهَاهُ الْمَرْءُ سِرًّا فَلَمْ يَنْتَهِ فَعَلَ مَا يَنْكَفُّ بِهِ مِن هَجْرٍ وَغَيْرِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ أَنْفَعَ فِي الدِّينِ. وَأَمَّا إذَا أَظْهَرَ الرَّجُلُ الْمُنْكَرَاتِ: وَجَبَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ عَلَانِيَةً، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ غِيْبَةٌ (٣)، وَوَجَبَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَانِيَةً بِمَا يَرْدَعُهُ عَن ذَلِكَ مِن هَجْرٍ وَغَيْرِهِ، فَلَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَلَا يُرَدُّ ﵇ إذَا كَانَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ مُتَمَكِّنًا مِن ذَلِكَ مِن غَيْرِ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ. وَينْبَغِي لِأَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ أَنْ يَهْجُرُوهُ مَيِّتًا كَمَا هَجَرُوهُ حَيًّا إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ كَف لِأَمْثَالِهِ مِن الْمُجْرِمِينَ فَيَتْرُكُونَ تَشْيِيعَ جِنَازَتهِ. [٢٨/ ٢١٧ - ٢١٨] ٣٣٢٤ - لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَحْضُرَ الْأَمَاكِنَ الَّتِي يَشْهَدُ فِيهَا الْمُنْكَرَاتِ وَلَا يُمْكِنُهُ الْإِنْكَارُ إلَّا لموجِب شَرْعِيٍّ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَمْرٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ دِينِهِ أَو دُنْيَاهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِن حُضُورِهِ، أَو يَكُونُ مُكْرَهًا. فَأَمَّا حُضُورُهُ لِمُجَرَّدِ الْفُرْجَةِ وَإِحْضَارُ امْرَأَتِهِ تُشَاهِدُ ذَلِكَ: فَهَذَا مِمَّا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ وَمُرُوءَتِهِ إذَا أَصَرَّ عَلَيْهِ (٤). [٢٨/ ٢٣٩]

стр. 2322

٣٣٢٥ - خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُوبِ الْإِنْكَارِ عَلَى هَؤُلَاءِ الْفُسَّاقِ الَّذِينَ يَسْكرُونَ مِن الْحَشِيشَةِ؛ بَل الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأئِمَّةِ أنَّ قَلِيلَهَا وَكَثِيرَهَا حَرَامٌ؛ بَل الصَّوَابُ أَنَّ آكِلَهَا يُحَدُّ، وَأَنَّهَا نَجِسَةٌ، فَإِذَا كَانَ آكِلُهَا لَمْ يَغْسِلْ مِنْهَا فَمَهُ كَانَت صَلَاتُهُ بَاطِلَةً وَلَو غَسَلَ فَمَهُ مِنْهَا أيْضًا فَهِيَ خَمْرٌ. [٢٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩] * * * (ضوابط الْحُبّ وَالْبُغْض) ٣٣٢٦ - الْحُبُّ وَالْبُغْضُ يَتْبَعُهُ ذَوْقٌ عِنْدَ وُجُودِ الْمَحْبُوبِ وَالْمُبْغَضِ وَوَجْدٌ وَإِرَادَةٌ وَغيْرُ ذَلِكَ، فَمَن اتَّبَعَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ مِمَّن اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِن اللهِ؛ بَل قَد يَصْعَدُ بِهِ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يَتَّخِذَ إلَهَهُ هَوَاهُ. وَاتِّبُاعُ الْأهْوَاءِ فِي الدِّيَانَاتِ أَعْظَمُ مِن اتِّبُاعِ الْأَهْوَاءِ فِي الشَّهَوَاتِ (١). فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أنْ يَنْظُرَ فِي نَفْسِ حُبِّهِ وَبُغْضِهِ، وَمِقْدَارِ حُبِّهِ وَبُغْضِهِ: هَل هُوَ مُوَافِقٌ لِأَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ؟ وَهُوَ هُدَى اللهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ؛ بِحَيْثُ يَكونُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْحَبِّ وَالْبُغْضِ، لَا يَكُونُ مُتَقَدِّمًا فِيهِ بَيْنَ يَدَي اللهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِنَّهُ قَد قَالَ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، وَمَن أَحَبَّ أو أَبْغَضَ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ فَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَي اللهِ وَرَسْولِهِ. وَمُجَرَّدُ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ هَوًى؛ لَكِنَّ الْمُحَرَّمَ اتِّبَاعُ حُبِّهِ وَبُغْضِهِ بغَيْرِ هُدًى مِن الله، وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [ص: ٢٦] فَأَخْبَرَ أنَّ مَن اتَّبَعَ هَوَاهُ أَضَلَّهُ ذَلِكَ عَن سَبِيلِ اللهِ، وَهُوَ هُدَاهُ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ، وَهُوَ السَّبِيلُ إلَيْهِ. [٢٨/ ١٣٢ - ١٣٤] ٣٣٢٧ - لَمَّا كَانَ الْعَمَلُ لَا بُدَّ فِيهِ مِن شَيْئَيْنِ:

стр. 2323

أ- النِّيَّةُ. ب- وَالْحَرَكَةُ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّام" (١)، فَكُلُّ أحَدٍ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، لَهُ عَمَل وَنِيَّةٌ، لَكِنَ النِّيَّةَ الْمَحْمُودَةَ الَّتِي يَتَقَبَّلُهَا اللهُ ويُثِيبُ عَلَيْهَا: أنْ يُرَادَ اللهُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ. وَالْعَمَلُ الْمَحْمُودُ: الصَّالِحُ، وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ. [٢٨/ ١٣٥] ٣٣٢٨ - إِنَ الْقَصْدَ وَالْعَمَلَ إنْ لَمْ يَكُن بِعِلْم: كَانَ جَهْلًا وَضَلَالًا وَاتِّبَاعًا لِلْهَوَى. [٢٨/ ١٣٦] ٣٣٢٩ - إِذَا كَانَ الْكُفْرُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ سَبَبَ الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ: فَقَد يُذْنِبُ الرَّجُلُ أَو الطَّائِفَةُ، ويَسْكُتُ آخَرُونَ عَن الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن ذُنوبِهِمْ، وَيُنْكِرُ عَلَيْهِم آخَرُونَ إنْكَارًا مَنْهِيًّا عَنْهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن ذُنُوبِهِمْ، فَيَحْصُلُ التَّفَرُّقُ وَالِاخْتِلَافُ وَالشَّرُّ، وَهَذَا مِن أعْظَمِ الْفِتَنِ وَالشُّرُورِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا؛ إذِ الْإِنْسَانُ ظَلُومٌ جَهُولٌ، وَالظُّلْمُ وَالْجَهْلُ أَنْوَاعٌ. فَيَكونُ ظُلْمُ الْأوَّلِ وَجَهْلُهُ مِن نَوْعٍ، وَظُلْمُ كُلّ مِن الثَّانِي وَالثَّالِثِ وَجَهْلِهِمَا مَن نَوْعٍ آخَرَ وَآخَرَ. وَمَن تَدَبَّرَ الْفِتَنَ الْوَاقِعَةَ رَأَى سَبَبَهَا ذَلِكَ، وَرَأَى أَنَ مَا وَقَعَ بَيْنَ أُمَرَاءِ الْأُمَّةِ وَعُلَمَائِهَا، وَمَن دَخَلَ فِي ذَلِكَ مِن مُلُوكِهَا وَمَشَايِخِهَا، وَمَن تَبِعَهُم مِن الْعَامَّةِ مِن الْفِتَنِ: هَذَا أصْلُهَا. [٢٨/ ١٤٢ - ١٤٣] ٣٣٣٠ - فِي "الصَّحِيحِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "إَّياكُمْ وَالشُّحَّ فَإِنَّهُ أهْلَكَ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ: أمَرَهُم بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُم بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا، وَأَمَرَهُم بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا" (٢).

стр. 2324

فَهَذَا الشُّحُّ الَّذِي هُوَ شِدَّةُ حِرْصِ النَّفْسِ: يُوجِبُ الْبُخْلَ بِمَنْعِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَالظُّلْمَ بِأَخْذِ مَالِ الْغَيْرِ، ويُوجِبُ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ، ويُوجِبُ الْحَسَدَ، وَهُوَ: كَرَاهَةُ مَا اخْتَصَّ بِهِ الْغَيْرُ. وَالْحَسَدُ فِيهِ بُخْل وَظُلْم؛ فَإِنَّهُ بُخْل بِمَا أُعْطِيهِ غَيْرُهُ، وَظُلْمُهُ بِطَلَبِ زَوَالِ ذَلِكَ عَنْهُ. [٢٨/ ١٤٤] ٣٣٣١ - أُمُورُ النَّاسِ تَسْتَقِيمُ فِي الدُّنْيَا مَعَ الْعَدْلِ الَّذِي فِيهِ الِاشْتِرَاكُ فِي أَنْوَاعِ الْإِثْمِ: أَكْثَرُ مِمَّا تَسْتَقِيمُ مَعَ الظُّلْمِ فِي الْحُقُوقِ وَإِن لَمْ تَشْتَرِكْ فِي إثْمٍ؛ وَلهَذَا قِيلَ: إنَّ اللهَ يُقِيمُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإن كَانَت كَافِرَة، وَلَا يُقِيمُ الظَّالِمَةَ وَإِن كَانَت مُسْلِمَةً. ويُقَالُ: الدُّنْيَا تَدُومُ مَعَ الْعَدْلِ وَالْكُفْرِ وَلَا تَدُومُ مَعَ الظُّلْمِ وَالْإِسْلَامِ. وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ ذَنْب أَسْرَعَ عُقُوبَةً مِن الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ"؛ فَالْبَاغِي يُصْرَعُ فِي الدُّنْيَا وَإِن كَانَ مَغْفُورًا لَهُ مَرْحُومًا فِي الْآخِرَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَدْلَ نِظَامُ كُلِّ شَيءٍ، فَإِذَا أُقِيمَ أَمْرُ الدُّنْيَا بِعَدْل: قَامَتْ وَإِن لَمْ يَكُن لِصَاحِبِهَا فِي الْآخِرَةِ مِن خَلَاقٍ. وَمَتَى لَمْ تَقُمْ بِعَدْل: لَمْ تَقُمْ وَإِن كَانَ لِصَاحِبِهَا مِن الْإِيمَانِ مَا يُجْزَى بِهِ فِي الْآخِرَةِ. [٢٨/ ١٤٦] ٣٣٣٢ - النَّفْسُ فِيهَا: أ- دَاعِي الظُّلْمِ لِغَيْرِهَا بِالْعُلُوِّ عَلَيْهِ وَالْحَسَدِ لَهُ، وَالتَّعَدِّي عَلَيْهِ فِي حَقِّهِ. ب- وَدَاعِي الظُّلْمِ لِنَفْسِهَا بِتَنَاوُلِ الشَّهَوَاتِ الْقَبِيحَةِ كَالزنى وَأَكْلِ الْخَبَائِثِ، فَهِيَ قَد تَظْلِمُ مَن لَا يَظْلِمُهَا، وَتُؤْثِرُ هَذ الشَّهَوَاتِ وَإِن لَمْ تَفْعَلْهَا. فَإِذَا رَأَتْ نُظَرَاءَهَا قَد ظَلَمُوا وَتَنَاوَلُوا هَذِهِ الشَّهَوَاتِ صَارَ دَاعِي هَذِهِ الشَّهَوَاتِ أَو الظُّلْمِ فِيهَا أَعْظَمَ بِكَثِيرِ. فَكَمْ مِمَّن لَمْ يُرِدْ خَيْرًا وَلَا شَرًّا حَتَى رَأَى غَيْرَهُ -لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ نَظِيرهُ-

стр. 2325

يَفْعَلُهُ فَفَعَلَهُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ كَأَسْرَابِ الْقَطَا، مَجْبُولُونَ عَلَى تَشَبُّهِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضِ (١). [٢٨/ ١٤٦ - ١٥٠] ٣٣٣٣ - النَّاسُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أ- قَوْمٌ لَا يَقُومُونَ إلا فِي أَهْوَاءِ نُفُوسِهِمْ، فَلَا يَرْضَوْنَ إلَّا بِمَا يُعْطَونَهُ، وَلَا يَغْضَبُونَ إلَّا لِمَا يحرَمونه، فَإِذَا أُعْطِيَ أَحَدُهُم مَا يَشْتَهِيهِ مِن الشَّهَوَاتِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ زَالَ غَضَبُة وَحَصَلَ رِضَاهُ، وَصَارَ الْأَمْرُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ مُنْكَرًا- يَنْهَى عَنْهُ وَيُعَاقَبُ عَلَيْهِ، وَيذُمُّ صَاحِبَهُ وَيغْضَبُ عَلَيْهِ-: مَرْضِيًّا عِنْدَهُ. ب- وَقَوْمٌ يَقُومُونَ دِيَانَةً صَحِيحَةً يَكُونُونَ فِي ذَلِكَ مُخْلِصِينَ للهِ، مُصْلِحِينَ فِيمَا عَمِلُوهُ، وَيسْتَقِيمُ لَهُم ذَلِكَ حَتَّى يَصْبِرُوا عَلَى مَا أُوذُوا، وَهَؤُلَاءِ هُم الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَهُم مِن خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. ج- وَقَوْمٌ يَجْتَمِعُ فِيهِمْ هَذَا وَهَذَا، وَهُم غَالِبُ الْمُؤمِنِينَ، فَمَن فِيهِ دِينٌ وَلَهُ شَهْوَةٌ: تَجْتَمِعُ فِي قُلُوبِهِم إرَادَة الطَّاعَةِ وَإِرَادَةُ الْمَعْصِيَةِ، وَرُبَّمَا غَلَبَ هَذَا تَارَةً وَهَذَا تَارَةً. وَهَذِهِ الْقِسْمَةُ الثُّلَاثِيَّةُ كَمَا قِيلَ: الْأَنْفُسُ ثَلَاث: أَمَّارَةٌ، وَمُطَمْئِنَةٌ، وَلَوَّامَةٌ. فَالْأَوَّلُونَ: هُم أَهْلُ الْأَنْفُسِ الْأَمَّارَةِ الَّتِي تَأْمُرُهُ بِالسُّوءِ. وَالأوْسَطُونَ: هُم أَهْلُ النُّفُوسِ الْمُطْمَئِنَّةِ. وَالْآخَرُونَ: هُم أَهْلُ النُّفُوسِ اللَّوَّامَةِ الَّتِي تَفْعَلُ الذَّنْبَ ثُمَّ تَلُومُ عَلَيْهِ وَتتلَوَّنُ: تَارَةً كَذَا وَتَارَةً كَذَا، وَتَخْلِطُ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا. ٣٣٣٤ - رُوِيَ عَن الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: لَو فَكَّرَ النَّاسُ كُلُّهُم فِي سُورَةِ (وَالْعَصْرِ) لَكَفَتْهُمْ.

стр. 2326

وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فَإِن اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ خَاسِرُونَ، إلَّا مَن كَانَ فِي نَفْسِهِ مُؤمِنًا صَالِحًا، وَمَعَ غَيْرِهِ مُوصِيًا بِالْحَق مُوصِيًا بِالصَّبْرِ. [٢٨/ ١٥٢] ٣٣٣٥ - لَا يُمْكِنُ الْعَبْدُ أَنْ يَصْبِرَ إنْ لَمْ يَكن لَهُ مَا يَطْمَئِنُّ بِهِ وَيتَنَعَّمُ بِهِ وَيغْتَذي بِهِ، وَهُوَ الْيَقِينُ. [٢٨/ ١٥٣] ٣٣٣٦ - الْمُؤْلِم: إنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ دَفْعُهُ أَثَارَ الْغَضَبَ، وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يُمْكنُ دَفْعُهُ أَثَارَ الْحُزْنَ؛ وَلهَذَا يَحْمَرُّ الْوَجْهُ عِنْدَ الْغَضَبِ لِثَوَرَانِ الدَّمِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ الْقُدْرَةِ، وَيَصْفَرُّ عِنْدَ الْحُزْنِ لِغَوْرِ الدَّمِ عِنْدَ اسْتِشْعَارِ الْعَجْزِ. [٢٨/ ١٥٩] ٣٣٣٧ - وَلهَذَا كَانَ النَّاسُ أرْبَعَةَ أَصْنَافٍ: أ- مَن يَعْمَلْ للهِ بِشَجَاعَةٍ وَسَمَاحَةٍ: فَهَؤُلَاءِ هُم الْمُؤمِنُونَ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلْجَنَّةِ. ب- وَمَن يَعْمَلْ لِغَيْرِ اللهِ بِشَجَاعَةٍ وَسَمَاحَةٍ: فَهَذَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن خَلَاقٍ. ج- وَمَن يَعْمَلْ للهِ لَكِنْ لَا بِشَجَاعَةٍ وَلَا سَمَاحَةٍ: فَهَذَا فِيهِ مِن النِّفَاقِ وَنَقْصِ الْإِيمَانِ بِقَدْرِ ذَلِكَ. د- وَمَن لَا يَعْمَلْ للهِ وَلَيْسَ فِيهِ شَجَاعَةٌ وَلَا سَمَاحَةٌ: فَهَذَا لَيْسَ لَهُ دُنْيَا وَلَا آخِرَةٌ. [٢٨/ ١٦٤ - ١٦٥] ٣٣٣٨ - لَمَّا كَانَ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ مِن الِابْتِلَاءِ وَالْمِحَنِ مَا يُعَرّضُ بِهِ الْمَرْءَ لِلْفِتْنَةِ: صَارَ فِي النَّاسِ مَن يَتَعَلَّلُ لِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ بِأَنَّهُ يَطْلُبُ السَّلَامَةَ مِن الْفِتْنَةِ، كَمَا قَالَ عَن الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ الْآيَةَ [التوبة: ٤٩]. فَمَن تَرَكَ الْقِتَالَ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ لِئَلَّا تكُونَ فِتْنَة: فَهُوَ فِي الْفِتْنَةِ سَاقِطٌ بِمَا وَقَعَ فِيهِ مِن ريبِ قَلْبِهِ، وَمَرَضِ فُؤَادِهِ، وَتَرْكِهِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِن الْجِهَادِ.

стр. 2327

فَتَدَبَّرْ هَذَا؛ فَإِنَّ هَذَا مَقَائم خَطِرٌ؛ فَإِنَّ النَّاسَ هُنَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أ- قِسْمٌ يَأْمُرُونَ وَينْهَوْنَ وَيُقَاتِلُونَ؛ طَلَبًا لِإِزَالَةِ الْفِتْنَةِ الَّتِي زَعَمُوا، وَيكُونُ فِعْلُهُم ذَلِكَ أَعْظَمَ فِتْنَةَ؛ كَالْمُقْتَتِلِينَ فِي الْفِتْنَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْأُمَّةِ. ب- وَأقْوَامٌ يَنْكُلُونَ عَن الْأمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْقِتَالِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ، وَتَكُونُ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ لِئَلَّا يُفْتَنوا، وَفم قَد سَقَطُوا فِي الْفِتْنَةِ. وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِم الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ وَتَرْكُ الْمَحْظُورِ، وَهُمَا مُتَلَازِمَانِ (١). [٢٨/ ١٦٥ - ١٦٧] ٣٣٣٩ - قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وَأُولُو الْأمْرِ: أَصْحَابُ الْأَمْرِ وَذَوُوه، وَهُم الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ، وَذَلِكَ يَشْتَرِكُ فِيهِ أَهْلُ الْيَدِ وَالْقُدْرة وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْكلَامِ؛ فَلِهَذَا كَانَ أُولُو الْأمْرِ صِنْفَيْنِ: الْعُلَمَاءُ وَالأُمَرَاءُ. فَإِذَا صَلَحُوا صَلَحَ النَّاسُ وَإِذَا فَسَدُوا فَسَدَ النَّاسُ؛ كَمَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ للأحمسية لَمَّا سَأَلَتْهُ: مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الْأمْرِ؟ قَالَ: مَا اسْتَقَامَتْ لَكُمْ أَئِمَّتكُمْ. ويدْخُلُ فِيهِم الْمُلُوكُ وَالْمَشَايخُ وَأَهْلُ الدِّيوَانِ، وَكُلُّ مَن كَانَ مَتْبُوعًا فَإِنَّهُ مِن أُولي الْأَمْرِ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِن هَؤُلَاءِ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَينْهَى عَمَّا نَهَى عَنْهُ، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَن عَلَيْهِ طَاعَتُهُ أَنْ يُطِيعَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَلَا يُطِيعُهُ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ. [٢٨/ ١٧٠] ٣٣٤٠ - ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (٢) عَن النَّبِيِّ ﷺ : "إن أَوَّلَ ثَلَاَثةٍ تُسْجَرُ بِهِم جَهَنَّمُ: رَجُل تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ وَأقرَأهُ لِيَقُولَ النَّاسُ: هُوَ عَالِمٌ وَقَارِئٌ؛ وَرَجُلٌ قَاتَلَ وَجَاهَدَ لِيَقُولَ النَّاسُ: هُوَ شُجَاعٌ وَجَرِئٌ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ

стр. 2328

وَأَعْطَى لِيَقُولَ الناسُ: جَوَادٌ سَخِيٌّ"، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ هُم بِإِزَاءِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ بَعْدَ النَّبِيِّينَ مِن الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّ مَن تَعَلَّمَ الْعِلْمَ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رُسُلَة وَعَلَّمَهُ لِوَجْهِ اللهِ كَانَ صِدِّيقًا (١)، وَمَن قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَقُتِلَ كَانَ شَهِيدًا، وَمَن تَصَدَّقَ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ كَانَ صَالِحًا. [٢٨/ ١٧١] ٣٣٤١ - لفْظُ السُّنَّةِ فِي كَلَامِ السَّلَفِ: يَتَنَاوَلُ السُّنَّةَ فِي الْعِبَادَاتِ وَفِي الِاعْتِقَادَاتِ، وَإِن كَانَ كَثِيرٌ مِمَن صَنَّفَ فِي السُّنَّةِ يَقْصِدُونَ الْكَلَامَ فِي الِاعْتِقَادَاتِ، وَهَذَا كَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبي بْنِ كَعْب وَأَبِي الدَّرْدَاء ﵃: اقْتِصَادٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِن اجْتِهَادٍ فِي بِدْعَةٍ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ (٢). [٢٨/ ١٧٨] * * * (الهجر والسلام) ٣٣٤٢ - فأما هجر المسلم العدل في اعتقاده وأفعاله فقال ابن عقيل: يكره، وكلام الأصحاب خلافه، ولهذا قال الشيخ تقي الدين ﵀: اقتصاره في الهجرة على الكراهة ليس بجيد، بل من الكبائر، على نص أحمد: الكبيرة ما فيه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة، وقد صح قوله ﷺ : "فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار" (٣). [المستدرك ٣/ ٢١٢] ٣٣٤٣ - إن اقتصر الراد على لفظ: "وعليك"، كما رد النبي ﷺ على الأعرابي (٤)، وهو مقتضى الكتاب؛ فمان المضمر كالمظهر، إلا أن يقال: إذا

стр. 2329

وصله بكلام فله الاقتصار بخلاف ما إذا سكت، ولولا أن الرد الواجب يحصل به لما أجزأ الاقتصار عليه في الرد على الذمي. [المستدرك ٣/ ٢١٢] ٣٣٤٤ - روى أبو جعفر عن ابن عباس مرفوعًا: "إني لأرى لرد جواب الكتاب علي حقًّا كما أرى ردَّ جواب السلام" (١)، قال الشيخ تقي الدين: وهو المحفوظ عن ابن عباس؛ يعني: موقوفًا. [المستدرك ٣/ ٢١٢] ٣٣٤٥ - قال أبو داود: قلت لأحمد، أسلم على المخنث؟ قال: لا أدري: السلام اسم من أسماء الله ، قال الشيخ تقي الدين: فقد توقف في السلام على المخنث. [المستدرك ٣/ ٢١١] ٣٣٤٦ - ذكر الشيخ تقي الدين في فتاويه: أنه لا ينبغي أن يسلم على من لا يصلي، ولا يجيب دعوته. [المستدرك ٣/ ٢١١] ٣٣٤٧ - [يَجُوز السَّلَامُ عَلَى الصِّبْيَانِ تَأْدِيبًا لَهُمْ، وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي .. أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إجْمَاعًا] (٢)، قَالَ الشَّيْخُ تَقِي الدِّينِ: فَأَمَّا الْحَدَثُ الْوَضِيءُ فَلَمْ يَسْتَثْنُوهُ، وفِيهِ (٣) نَظَرٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُشْبِهُ مَسْألَةَ النَّظَرِ إلَيْهِ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ. [المستدرك ٣/ ٢١٢] ٣٣٤٨ - ذكر الشيخ تقي الدين أن ابتداء السلام واجب في أحد القولين في مذهب أحمد وغيره. [المستدرك ٣/ ٢١٢] * * *

стр. 2330

كتاب الجهاد ٣٣٤٩ - جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين؛ فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولًا حتى يخرج إليهم (١). [المستدرك ٣/ ٢١٣] ٣٣٥٠ - الْجِهَادُ وَإِن كَانَ فَرضًا عَلَى الْكِفَايَةِ: فَجَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ يُخَاطَبُونَ بِهِ ابْتِدَاءً، فَعَلَيْهِم كُلّهمْ اعْتِقَادُ وُجُوبِهِ، وَالْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهِ إذَا تَعَيَّنَ؛ وَلهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِغَزْوٍ مَاتَ عَلَى شُعْبَةِ نِفَاقٍ". رَوَاه مُسْلِمٌ (٢). [٧/ ١٦] ٣٣٥١ - جِنْسُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مَن جِنْسِ النُّسُكِ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩]. ٣٣٥٢ - إِذَا تَرَكَ النَّاسُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَد يَبْتَلِيهِمْ بِأَنْ يُوقِعَ بَيْنَهُم الْعَدَاوَةَ، حَتَّى تَقَعَ بَيْنَهُم الْفِتْنَةُ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ؛ فَإِنَّ النَّاسَ إذَا اشْتَغَلُوا بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ جَمَعَ اللهُ قُلُوبَهُمْ، وَأَلَّفَ بَيْنَهُمْ، وَجَعَلَ بَأسَهُم عَلَى عَدُوِّ اللهِ وَعَدُوِّهِمْ، وإِذَا لَمْ يَنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ عَذَّبَهُم اللهُ بِأَنْ يَلْبِسَهُم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَهُم بَأْسَ بَعْضٍ. [١٥/ ٤٤ - ٤٥]

стр. 2331

٣٣٥٣ - الْجِهَادُ مَقْصُودُهُ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَأَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ؛ فَمَقْصُودُهُ إقَامَةُ دِينِ اللهِ، لَا اسْتِيفَاءُ الرَّجُلِ حَظَّهُ. وَلهَذَا كَانَ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُجَاهِدُ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ أَجْرُهُ فِيهِ عَلَى اللهِ، فَاِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِن الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُم وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُم الْجَنَّةَ، حَتَّى إنَّ الْكُفَّارَ إذَا أَسْلَمُوا أَو عَاهَدُوا لَمْ يَضْمَنُوا مَا أَتْلَفُوة لِلْمُسْلِمِينَ مِن الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ؛ بَل لَو أَسْلَمُوا وَبِأَيْدِيهِمْ مَا غَنِمُوهُ مِن أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ مِلْكًا لَهُم عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد، وَهُوَ الَّذِي مَضَتْ بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشدِينَ. وَلهَذَا كَانَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ الْمُتَأوِّلينَ لَا يَضْمَنونَ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ بِالتَّأْوِيلِ، كَمَا لَا يَضْمَنُ أَهْلُ الْعَدْلِ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ بِالتَّأْوِيلِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَكَذَلِكَ أَصَحُّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمُرْتَدِّينَ، فَإِنَّ الْمُرْتَدَّ وَالْبَاغِيَ الْمُتَأَوِّلَ وَالْمُبْتَدِعَ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَعْتَقِدُ أَحَدُهُم أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ، فَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ مُتَأَوِّلًا، فَإِذَا تَابَ مِن ذَلِكَ كَانَ كَتَوْبَةِ الْكَافِرِ مِن كُفْرِهِ؛ فَيُغْفَرُ لَهُ مَا سَلَفَ مِمَّا فَعَلَهُ مُتَأوِّلًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَن يَعْتَقِدُ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ بَغْيٌ وَعُدْوَانٌ؛ كَالْمُسْلِمِ إذَا ظَلَمَ الْمُسْلِمَ، وَالذِّمِّيِّ إذَا ظَلَمَ الْمُسْلِمَ، وَالْمُرْتَدِّ الَّذِي أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ وَلَيْسَ بمُحَارَب؛ بَل هُوَ فِي الظَّاهِرِ مُسْلِمٌ أَو مُعَاهَدٌ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَضْمَنُونَ مَا أَتْلَفُوهُ بِالِاتِّفَاقِ. فَالْمَأْمُورُ الْمَنْهِيُّ إنْ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ أَذَى الْآمِرِ النَّاهِي جَائِز لَهُ (١): فَهُوَ مِن الْمُتَأَوِّلينَ، وَحَقُّ الْآمِرِ النَّاهِي دَاخِل فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى، فَإِذَا تَابَ سَقَطَ الْحَقَّانِ (٢)، وَإِن لَمْ يَتُبْ كَانَ مَطْلُوبًا بِحَقِّ اللهِ الْمُتَضَمِّنِ حَقَّ الْآدَمِيِّ.

стр. 2332

فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَافِرًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا. فَهَؤُلَاءِ كَلٌّ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ الشَّرْعِيَّةَ بِحَسَبِهِ. وَإِن كَانَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا: فَإِذَا قَد عَفَا اللهُ عَنْهُ خَطَأَهُ، فَإِذَا كَانَ قَد حَصَلَ بِسَبَب اجْتِهَادِهِ الْخَطَأِ أَذًى لِلْآمِرِ النَّاهِي بِغَيْرِ حَق فَهُوَ كَالْحَاكِمِ إذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطأ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَذى لِلْمُسْلِمِ، أَو كَالشَّاهِدِ أَو كَالْمُفْتِي (١). فَإِذَا كَانَ الْخَطَأُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ الْمُخْطِئِ: كَانَ هَذَا مِمَّا ابْتَلَى الله بِهِ هَذَا الْاَمِرَ النَّاهِيَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾ [الفرقان: ٢٠] فَهَذَا مِمَّا يَرْتَفِعُ عَنْهُ الْإِثْمُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَكَذَلِكَ الْجَزَاءُ عَلَى وَجْهِ الْعُقُوبَةِ. وَلَكِنْ قَد يُقَالُ: قَد يَسْقُطُ الْجَزَاءُ عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ الَّذِي يَجِبُ فِي الْعَمْدِ ويثْبُتُ الضَّمَانُ الَّذِي يَجِبُ فِي الْخَطَأِ، كَمَا تَجِبُ الدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، وَكَمَا يَجِبُ ضَمَانُ الْأَمْوَالِ الَّتِي يُتْلِفُهَا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ فِي مَالِهِ .. فَكَذَلِكَ هَذَا الَّذِي ظَلَمَ خَطَأً (٢). لَكِنْ يُقَالُ: يفَرَّقُ بَيْنَ مَا كَانَ الْحَقُّ فِيهِ للهِ وَحَقُّ الْآدَمِيِّ تَبَعٌ لَهُ، وَمَا كَانَ حَقًّا لِآدَمِيِّ مَحْضًا أَو غَالِبًا، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَن الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادُ مِن هَذَا الْبَابِ (٣)، مُوَافِق لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ لَا يُوجِبُونَ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ ضَمَانَ

стр. 2333

مَا أَتْلَفُوهُ لِأَهْلِ الْعَدْلِ بِالتَّأوِيلِ، وَإِن كَانَ ذَلِكَ خَطَأً مِنْهُمْ، لَيْسَ كُفْرًا وَلَا فِسْقًا. وَإِذَا قَدَرَ عَلَيْهِم أَهْلُ الْعَدْلِ لَمْ يَتْبَعُوا مُدْبِرَهُمْ، وَلَمْ يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَمْ يَسْبُوا حَرِيمَهُمْ، وَلَمْ يَغْنَمُوا أَمْوَالَهُمْ، فَلَا يُقَاتِلُونَهُم عَلَى مَا أَتْلَفُوهُ مِن النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ إذَا أَتْلَفُوا مِثْل ذَلِكَ أَو تَمَلَّكُوا عَلَيْهِم. فَتَبَيَّنَ أَنَ الْقِصَاصَ سَاقِطٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِن بَابِ الْجِهَادِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْأَجْرُ عَلَى اللهِ، وَهَذَا مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِحَقَ الْعَبْدِ الْاَمِرِ النَّاهِي. وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: هَل يُقْتَصُّ مِنْهُ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى طَمَع مِنْهُ فِي جَانِب الْحَق؟ فَيُقَالُ: مَتَى كَانَ فِيمَا فَعَلَهُ إفْسَادٌ لِجَانِبِ الْحَقّ كَانَ الْحَقّ فِي ذَلِكَ للهِ وَرَسُولِهِ؛ فَيُفْعَلُ فِيهِ مَا يُفْعَلُ فِي نَظِيرِهِ، وَإِن لَمْ يَكُن فِيهِ أَذًى لِلْآمِرِ النَّاهِي. لَكِنَّ الْإِنْسَانَ تُزَيِّنُ لَهُ نَفْسُهُ أَنَّ عَفْوَهُ عَن ظَالِمِهِ يُجَرّيهِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَل قَد ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّه قَالَ: "وَمَا تَوَاضعَ أَحَدٌ للهِ إلَّا رَفَعَهُ اللهُ" (١). فَاَلَّذِي يَنْبَغِي فِي هَذَا الْبَابِ أَنْ يَعْفوَ الْإِنْسَانُ عَن حَقِّهِ، ويسْتَوْفِيَ حُقُوقَ اللهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.

стр. 2334

٣٣٥٤ - الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُم الَّذِينَ أَعْطَاهُم النَّبِيُّ ﷺ مِن غَنَائِم خَيْبَرَ فِيمَا أَعْطَاهُم قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِن الْخُمُسِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ مِن أَصْلِ الْغَنِيمَةِ وَهَذَا أَظْهَرُ. فَإِنَّ الَّذِي أَعْطَاهُم إيَّاهُ هُوَ شَيْءٌ كَثِيرٌ لَا يَحْتَمِلُهُ الْخُمُسُ. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْسِمَهَا بِاجْتِهَادِهِ كَمَا يَقْسِمُ الْفَيءَ بِاجْتِهَادِهِ إذَا كَانَ إمَامَ عَدْلٍ قَسَمَهَا بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ. وَقَد قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ مِن خَيْبَرَ لِأَهْلِ السَّفِينَةِ الَّذِينَ قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرَ وَلَمْ يَقْسِمْ لِأَحَد غَابَ عَنْهَا غَيْرُهُمْ. ٣٣٥٥ - قَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ لِعُمَر بْنِ الْخَطَّابِ: إنَّ الْعَدُوَّ إذَا رَأَيْنَاهُم قَد لَبِسُوا الْحَرِيرَ وَجَدْنَا فِي قُلُوبِنَا رَوْعَةً، فَقَالَ: وَأَنْتُمْ فَالْبَسُوا كَمَا لَبِسُوا. وَقَد أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ بِالرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ؛ لِيُرِيَ الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُمْ، وَإِن لَمْ يَكُن هَذَا مَشْرُوعًا قَبْلَ هَذَا. فَفَعَلَ لِأَجْلِ الْجِهَادِ مَا لَمْ يَكُن مَشْرُوعًا بِدُونِ ذَلِكَ. ٣٣٥٦ - فِي السُّنَنِ (١) عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّ اللهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاَثةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ، الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَالْمُمِدَّ بِهِ"؛ وَهَذَا لِأَنَّ هَذ الْأَعْمَالَ هِيَ أَعْمَالُ الْجِهَادِ، وَالْجِهَادُ أَفْضَلُ مَا تَطَوَّعَ بِهِ الْإِنْسَانُ، وَتَطَوُّعُهُ أَفْضَلُ مِن تَطَوُّعِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ. وَلهَذَا كَانَ الرّبَاطُ فِي الثُّغُورِ أَفْضَلَ مِن الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَالْعَمَلُ بِالرّمْحِ وَالْقَوْسِ فِي الثّغُورِ أَفْضَلَ مِن صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. وَأَمَّا فِي الْأَمْصَارِ الْبَعِيدَةِ مِن الْعَدُوِّ فَهُوَ نَظِيرُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ.

стр. 2335

وَتَعَلُّمُ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ هُوَ مِن الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِمَن يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ ، فَمَن عَلَّمَ غَيْرَهُ ذَلِكَ كَانَ شَرِيكَهُ فِي كُلِّ جِهَادٍ يُجَاهِدُ بِهِ، لَا ئنْقَصُ أَحَدُهُمَا مِن الْأَجْرِ شَيْئًا؛ كَاَلَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُ الْعِلْمَ. ٣٣٥٧ - لِبَاسُ الْحَرِيرِ عِنْدَ الْقِتَالِ لِلضَّرُورَةِ: يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يَقُومَ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي دَفْعِ السّلَاحِ وَالْوِقَايَةِ. وَأَمَّا لِبَاسُهُ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ فَفِيهِ لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَأَمَّا يَسِيرُ الْحَرِيرِ مِثْلُ الْعَلَمِ الَّذِي عَرْضُهُ أَرْبَعَةُ أَصَابعَ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ مُطْلَقًا. وَفِي الْعَلَمِ الذَّهَبِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَظْهَرُ جَوَازُهُ أَيْضًا؛ فَإِنَّ فِي السُّنَنِ عَن النَّبِيِّ ﷺ "أنَّهُ نَهَى عَن الذَّهَبِ إلَّا مُقَطَّعًا" (١). ٣٣٥٨ - رِسَالَة مِن شَيْخِ الْإِسْلَامِ -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ- إلَى أَصْحَابِهِ وَهُوَ فِي حَبْسِ الإسكندرية قَالَ: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١]، وَاَلَّذِي أُعَرِّفُ بِهِ الْجَمَاعَةَ أَحْسَنَ اللهُ إلَيْهِم فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَأَتَمَّ عَلَيْهِم نِعْمَتَهُ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، فَإِنِّي -وَاللهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ- فِي نِعَمٍ مِن اللهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَهَا فِي عُمْرِي كُلِّهِ، وَقَد فَتَحَ اللهُ مِن أَبْوَابِ فَضْلِهِ وَنعْمَتِهِ وَخَزَائِنِ جُودِهِ وَرَحْمَتِهِ مَا لَمْ يَكُن بِالْبَالِ، وَلَا يَدُورُ فِي الْخَيَالِ. فَإِنَّ اللَّذَّةَ وَالْفَرْحَةَ وَالسُّرُورَ وَطِيبَ الْوَقْتِ وَالنَّعِيمَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ التَّعْبِير عَنْهُ: إنَّمَا هُوَ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ وَتَوْحِيدِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ، وَانْفِتَاحِ الْحَقَائِقِ الْإِيمَانِيَّةِ وَالْمَعَارِفِ الْقُرْآنِيَّةِ. وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا نَعِيمٌ يُشْبِهُ نَعِيمَ الْآخِرَةِ إلَّا نَعِيمَ الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ. وَلَيْسَ لِلْقُلُوبِ سُرُورٌ وَلَا لَذَّةٌ تَامَّةٌ إلَّا فِي مَحَبَّةِ اللهِ وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِمَا

стр. 2336

يُحِبُّهُ، وَلَا تُمْكِنُ مَحَبَّتُهُ إلَّا بِالْإِعْرَاضِ عَن كُلِّ مَحْبُوبٍ سِوَاهُ، وَهَذَا حَقِيقَةُ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ. وَلهَذَا كَانَ الدِّينُ مَجْمُوعًا فِي التَّوْحِيدِ وَالِاسْتِغْفَارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]. وَكُلَّمَا قَوِيَ التَّوْحِيدُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ قَوِيَ إيمَانُهُ وَطُمَأنِينَتُهُ وَتَوَكُّلُهُ ويقِينُهُ. وَالْخَوْفُ الَّذِي يَحْصُلُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ هُوَ الشِّرْكُ الَّذِي فِي قُلُوبِهِم قَالَ الله تَعَالَى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥١]. وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨] بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ؛ وَبِالْيَدِ وَاللّسَانِ، وَهَذَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَكِنَّ الْجِهَادَ الْمَكِّيَّ بِالْعِلْمِ وَالْبَيَانِ، وَالْجِهَادَ الْمَدَنِيَّ مَعَ الْمَكّيِّ بِالْيَدِ وَالْحَدِيدِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢] وَسُورَةُ الْفُرْقَانِ مَكِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا جَاهَدَهُم بِاللِّسَانِ وَالْبَيَانِ، وَلَكِنْ يَكُفُّ عَنِ الْبَاطِلِ. وَفِي الْجُمْلَةِ: مَا يُبَيِّنُ نِعَمَ اللهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيَّ وَأَنَا فِي هَذَا الْمَكَانِ: أَعْظَمُ قَدْرًا وَأَكْثَرُ عَدَدًا، مَا لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُ، وَأَكْثَرُ مَا يَنْقُصُ عَلَيَّ الْجَمَاعَةُ، فَأَنَا أُحِبُّ لَهُم أَنْ يَنَالُوا مِن اللَّذَّةِ وَالسُّرُورِ وَالنَّعِيمِ مَا تَقَرُّ بِهِ أَعْيُنُهُمْ، وَأَنْ يُفْتَحَ لَهُم مِن مَعْرِفَةِ اللهِ وَطَاعَتِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ مَا يَصِلُونَ بِهِ إلَى أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَأُعَرِّفُ أَكْثَرَ النَّاسِ قَدْرَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِالذَّوْقِ وَالْوَجْدِ، لَكِنْ مَا مِن مُؤْمِنٍ إلَّا لَهُ نَصِيبٌ مِن ذَلِكَ، ويسْتَدِلُّ مِنْهُ بِالْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِيرِ، وَإِن كَانَ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ الْكَبِيرَ، وَأَنَا أَعْرِفُ أَحْوَالَ النَّاسِ وَالْأَجْنَاسِ وَاللَّذَّاتِ. وَالْمَقْصُودُ إخْبَارُ الْجَمَاعَةِ بِأَنَّ نِعَمَ اللهِ عَلَيْنَا فَوْقَ مَا كَانَت بِكَثِيرٍ كَثِيرٍ، وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللهِ فِي زِيَادَةٍ مِن نِعَمِ اللهِ، وَإِن لَمْ يُمْكِنْ خِدْمَة الْجَمَاعَةِ بِاللِّقَاءِ

стр. 2337

فَأَنَا دَاعٍ لَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ؛ قِيَامًا بِبَعْضِ الْوَاجِبِ مِن حَقِّهِمْ؛ وَتَقَرُّبًا إلَى اللهِ تَعَالَى فِي مُعَامَلَتِهِ فِيهِمْ (١). ٣٣٥٩ - كِتَابُ الشَّيْخِ إلَى وَالِدَتِهِ يَقُولُ فِيهِ: مِن أَحْمَد ابْنِ تَيْمِيَّة إلَى الْوَالِدَةِ السَّعِيدَةِ أَقَرَّ اللهُ عَيْنَيْهَا بِنِعَمِهِ وَأَسْبَغَ عَلَيْهَا جَزِيلَ كَرَمِهِ وَجَعَلَهَا مِن خِيَارِ إمَائِهِ وَخَدَمِهِ، سَلَامُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَة اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. تَعْلَمُونَ أَنَّ مُقَامَنَا السَّاعَةَ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ إنَّمَا هُوَ لِأُمُور ضَرُورِيَّةٍ، مَتَى أَهْمَلْنَاهَا فَسَدَ عَلَيْنَا أَمْرُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَلَسْنَا -وَاللهِ- مُخْتَارِينَ لِلْبُعْدِ عَنْكُمْ، وَلَو حَمَلَتْنَا الطُّيُورُ لَسِرْنَا إلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ الْغَائِبَ عُذْرُهُ مَعَهُ، وَأَنْتُمْ لَو اطَّلَعْتُمْ عَلَى بَاطِنِ الْأُمُورِ فَإِنَّكُمْ -وَللهِ الْحَمْدُ- مَا تَخْتَارُونَ السَّاعَةَ إلَّا ذَلِكَ، وَلَمْ نَعْزِمْ عَلَى الْمُقَامِ وَالِاسْتِيطَانِ شَهْرًا وَاحِدًا؛ بَل كُلَّ يَوْمٍ نَسْتَخِيرُ اللهَ لنَا وَلَكُمْ، وَادْعُوا لنَا بِالْخِيَرَةِ (٢)، فَنَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ أَنْ يَخِيرَ لنَا وَلَكُمْ وَللْمُسْلِمِينَ مَا فِيهِ الْخِيَرَةُ فِي خَيْبر وَعَافِيَةٍ. وَمَعَ هَذَا فَقَد فَتَحَ اللهُ مِن أَبْوَاب الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ وَالْهِدَايَةِ وَالْبَرَكَةِ مَا لَمْ يَكُن يَخْطُرُ بِالْبَالِ وَلَا يَدُورُ فِي الْخَيَالِ (٣). وَنَحْنُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَهْمُومُونَ بِالسَّفَرِ مُسْتَخِيرُونَ اللهَ ، فَلَا يَظُنُّ الظَّانُّ أَنَا نُؤْثِرُ عَلَى قُرْبِكُمْ شَيْئًا مِن أُمُورِ الدُّنْيَا قَطُّ، بَل وَلَا نُؤْثِرُ مِن أُمُورِ الدِّينِ مَا يَكُونُ قُرْبُكُمْ أَرْجَحَ مِنْهُ (٤). وَلَكِنْ ثَمَّ أُمُورٌ كِبَارٌ نَخَافُ الضَّرَرَ الْخَاصَّ وَالْعَامَّ مِن إهْمَالِهَا، وَالشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ.

стр. 2338

وَالْمَطْلُوبُ كَثْرَةُ الدُّعَاءِ بِالْخِيَرَةِ، فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَلَا نَعْلَمُ، وَيَقْدِرُ وَلَا نَقْدِرُ وَهُوَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. وَالتَّاجِرُ يَكُونُ مُسَافِرًا فَيَخَافُ ضَيَاعَ بَعْضِ مَالِهِ فَيَحْتَاجُ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ أَمْرٌ يُجَلُّ عَنِ الْوَصْفِ (١). ٣٣٦٠ - وَقَالَ الشَّيْخُ: بَعْدَ حَمْدِ اللهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةِ عَلَى نَبِيّهِ ﷺ ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللهَ -وَلَهُ الْحَمْدُ- قَد أَنْعَمَ عَلَيَّ مِن نِعَمِهِ الْعَظِيمَةِ وَمِنَنِهِ الْجَسِيمَةِ وَاَلَائِهِ الْكَرِيمَةِ مَا هُوَ مُسْتَوْجِبٌ لِعَظِيمِ الشُّكْرِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الطَّاعَةِ وَاعْتِيَادِ حُسْنِ الصَّبْرِ عَلَى فِعْلِ الْمَأمُورِ. فتَعْلَمُونَ -رَضِيَ اللهُ عَنْكُمْ- أَنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يُؤْذَى أَحَدٌ مِن عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ -فَضْلًا عَن أَصْحَابِنَا- بِشَيء أَصْلًا، لَا بَاطِنًا وَلَا ظَاهِرًا، وَلَا عِنْدِي عَتْبٌ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا لَوْمٌ أَصْلًا؛ بَل لَهُم عِنْدِي مِن الْكَرَامَةِ وَالْإِجْلَالِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا كَانَ كُلٌّ بِحَسَبِهِ، وَلَا يَخْلُو الرَّجُلُ: أ- إمَّا أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُصِيبًا. ب- أَو مُخْطِئًا. ج- أَو مُذْنِبًا. فَالْأوّلُ: مَأجُورٌ مَشْكُورٌ. وَالثانِي مَعَ أَجْرِهِ عَلَى الِاجْتِهَادِ: فَمَعْفُوٌّ عَنْة مَغْفُورٌ لَهُ. وَالثَّالِثُ: فَاللهُ يَغْفِرُ لنَا وَلَهُ وَلسَائِرِ الْمُومِنِينَ. فَنَطْوِي بِسَاطَ الْكَلَامِ الْمُخَالِفِ لِهَذَا الْأَصْلِ؛ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: فُلَانٌ قَصَّرَ، فُلَانٌ مَا عَمِلَ، فُلَانٌ أُوذِيَ الشَّيْخُ بِسَبَبِهِ، فُلَانٌ كَانَ سَبَبَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، فُلَانٌ

стр. 2339

كَانَ يَتَكَلَّمُ فِي كَيْدِ فُلَانٍ، وَنَحْو هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي فِيهَا مَذَمَّةٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ وَالْإِخْوَانِ. فَإِنِّي لَا أُسَامِحُ مَن آذَاهُم مِن هَذَا الْبَابِ (١). وَتَعْلَمُونَ أَيْضًا: أَنَّ مَا يَجْرِي مِن نَوْعِ تَغْلِيظٍ أَو تَخْشِينٍ عَلَى بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَالْإِخْوَانِ، مَا كَانَ يَجْرِي بِدِمَشْقَ، وَمِمَّا جَرَى الْآنَ بِمِصْر: فَلَيْسَ ذَلِكَ غَضَاضَةً وَلَا نَقْصًا فِي حَق صَاحِبِهِ، وَلَا حَصَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ تَغَيُّر مِنَّا وَلَا بُغْضٌ؛ بَل هُوَ بَعْدَ مَا عُومِلَ بِهِ مِن التَّغْلِيظِ وَالتَّخْشِينِ أَرْفَعُ قَدْرًا، وَأَنْبَهُ ذِكْرًا، وَأَحَبُّ وَأَعْظَمُ. وَإِنَّمَا هَذِهِ الْأُمُورُ هِيَ مِن مَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي يُصْلِحُ اللهُ بهَا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْيَدَيْنِ، تَغْسِلُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَقَد لَا يَنْقَلِعُ الْوَسَخُ إلَّا بِنَوْع مِن الْخُشُونَةِ، لَكِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ مِن النَّظَافَةِ وَالنّعُومَةِ مَا نَحْمَدُ مَعَهُ ذَلِكَ التَّخْشِين. وَتَعْلَمونَ -رَضِيَ اللهُ عَنْكُمْ-: أَنَّ مَا دُونَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مِن الْحَوَادِثِ يَقَعُ فِيهَا مِن اجْتِهَادِ الْآرَاءِ وَاخْتِلَافِ الْأَهْوَاءِ وَتَنَوُّعِ أَحْوَالِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ -مِن نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ- مَا لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَعْرَى عَنْهُ نَوْعُ الْإِنْسَانِ. فَلَا أُحِبُّ أَنْ يُنْتَصَرَ مِن أَحَدٍ بِسَبَبِ كَذِبِهِ عَلَيَّ، أَو ظُلْمِهِ وَعُدْوَانِهِ، فَإِنِّي قَد أَحْلَلْت كُلَّ مُسْلِمٍ. وَأَنَا أُحِبُّ الْخَيْرَ لِكُلّ الْمُسْلِمِينَ، وَأُرِيدُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِن الْخَيْرِ مَا أُحِبُّهُ لِنَفْسِي. وَاَلَّذِينَ كَذَبُوا وَظَلَمُوا فَهُم فِي حِلٍّ مِن جِهَتِي.

стр. 2340

وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِحُقُوقِ اللهِ: فَإِنْ تَابُوا تَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَحُكْمُ اللهِ نَافِذٌ فِيهِمْ، فَلَو كَانَ الرَّجُلُ مَشْكُورًا عَلَى سوءِ عَمَلِهِ لَكُنْتُ أَشْكُرُ محلَّ مَن كَانَ سَبَبًا فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَن خَيْرِ الدُّنْيَا والآخرة. ٣٣٦١ - وَكَتَبَ أَيْضًا (١): .. فَإِنَّ الشَّيْطَانَ اسْتَعْمَلَ حِزْبَهُ فِي إفْسَادِ دِينِ اللهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتبهُ. وَمِن سُنَّةِ اللهِ: أَنَّهُ إذَا أَرَادَ إظْهَارَ دِينِهِ أَقَامَ مَن يُعَارِضُهُ فَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ. وَاَلَّذِي سَعَى فِيهِ حِزْبُ الشَّيْطَانِ لَمْ يَكُن مُخَالَفَةً لِشَرْعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَحْدَهُ؛ بَل مُخَالَفَةً لِدِينِ جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ. وَكَانُوا قَد سَعَوْا فِي أَنْ لَا يَظْهَرَ مِن جِهَةِ حِزْبِ اللهِ وَرَسُولِهِ خِطَابٌ وَلَا كِتَابٌ، وَجَزِعُوا مِن ظُهُورِ الإخنائية، فَاسْتَعْمَلَهُم اللهُ تَعَالَى حَتَّى أَظْهَرُوا أَضْعَافَ ذَلِكَ وَأَعْظَمَ، وَأَلْزَمَهُم بِتَفْتِيشِهِ وَمُطَالَعَتِهِ، وَمَقْصُودُهُم إظْهَارُ عُيُوبِهِ وَمَا يَحْتَجُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ إلَّا مَا هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَظَهَرَ لَهُم جَهْلُهُم وَكَذِبُهُم وَعَجْزُهُمْ، وَشَاعَ هَذَا فِي الْأَرْضِ، وَأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلَّا اللهُ. ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامًا وَقَالَ: بَل جِهَادُنَا فِي هَذَا مِثْلُ جِهَادِنَا يَوْمَ قازان وَالْجَبَلِيَّة وَالْجَهْمِيَّة والاتحادية وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَذَلِكَ مِن أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ. ٣٣٦٢ - ظُلْمُ الْمُقَاتِلَةِ بِتَرْكِ الْجِهَادِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مِن أَعْظَمٍ ظُلْمٍ يَكُونُ. ٣٣٦٣ - مَضَتِ السُّنَّةُ بِأَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ يَلْزَمُ؛ كَالشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ؛ يَعْنِي: أَنَّ مَا حَفِظَهُ مِن عِلْمِ الدِّينِ وَعِلْمِ الْجِهَادِ لَيْسَ لَهُ إضَاعَتُهُ؛ لِقَوْلِ

стр. 2341

النَّبِيِّ ﷺ : "مَن قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ أَجْذَمُ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ: "مَن تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ نَسِيَهُ فَلَيْسَ مِنَّا" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). وَكَذَلِكَ الشُّرُوعُ فِي عَمَلِ الْجِهَادِ، فَإِنَ الْمسْلِمِينَ إذَا صافوا عَدُوًّا أَو حَاصَرُوا حِصْنًا لَيْسَ لَهُم الِانْصِرَاف عَنْهُ حَتَّى يَفْتَحُوه، وَلذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَنْزِعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ" (٢). فَالْمُرْصَدُونَ لِلْعِلْمِ عَلَيْهِم لِلْأُمَّةِ حِفْظُ عِلْمِ الدِّينِ وَتَبْلِيغُهُ، فَإِذَا لَمْ يُبَلِّغوهُم عِلْمَ الدِّينِ أَو ضَيَّعُوا حِفْظَهُ: كَانَ ذَلِكَ مِن أَعْظَمِ الظُّلْمِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة: ١٥٩]، فَإِنَّ ضَرَرَ كِتْمَانِهِمْ تَعَدَّى إلَى الْبَهَائِمِ وَغَيْرِهَا؛ فَلَعَنَهُم اللَّاعِنُونَ حَتَّى الْبَهَائِمُ. كَمَا أَنَّ مُعَلّمَ الْخَيْرِ يُصَلّي عَلَيْهِ اللهُ وَمَلَائِكَتُهُ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْبَحْرِ وَالطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ. وَكَذَلِكَ كَذِبُهُم فِي الْعِلْمِ مِن أَعْظَمِ الظُّلْمِ، وَكَذَلِكَ إظْهَارُهُم لِلْمَعَاصِي وَالْبِدَعِ الَّتِي تَمْنَعُ الثّقَةَ بِأَقْوَالِهِمْ، وَتَصْرِفُ الْقُلُوبَ عَن اتِّبَاعِهِمْ وَتَقْتَضِي مُتَابَعَةَ النَّاسِ لَهُم فِيهَا: هِيَ مِن أَعْظَمِ الظُّلْمِ، وَيسْتَحِقُّونَ مِن الذَّمِّ وَالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَن أَظْهَرَ الْكَذِبَ وَالْمَعَاصِيَ وَالْبِدَعَ مِن غَيْرِهِمْ. فَتَرْكُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِتَبْلِيغِ الدِّينِ كَتَرْكِ أَهْلِ الْقِتَالِ لِلْجِهَادِ. ٣٣٦٤ - الْهَجْرُ الشَّرْعِيُّ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى التَّرْكِ لِلْمُنْكَرَاتِ. وَالثَّانِي: بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا.

стр. 2342

فَالْأوّلُ: هُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨]. فَهَذَا يُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَشْهَدُ الْمُنْكَرَاتِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مِثْل قَوْمٍ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ يَجْلِسُ عِنْدَهُم، وَقَوْمٌ دُعُوا إلَى وَليمَةٍ فِيهَا خَمْرٌ وَزَمْرٌ لَا يُجِيبُ دَعْوَتَهُم وَأَمْثَالَ ذَلِكَ. بِخِلَافِ مَن حَضَرَ عِنْدَهُم لِلْإِنْكَارِ عَلَيْهِم أَو حَضَرَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلهَذَا يُقَالُ: حَاضِرُ الْمُنْكَرِ كَفَاعِلِهِ. وَهَذَا الْهَجْرُ مِن جِنْسِ هَجْرِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ عَن فِعْلِ الْمُنْكَرَاتِ، كَمَا قَالَ ﷺ : "الْمُهَاجِرُ مَن هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ" (١). وَمِن هَذَا الْبَابِ: الْهِجْرَةُ مِن دَارِ الْكفْرِ وَالْفُسُوقِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ هَجْرٌ لِلْمَقَامِ بَيْنَ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ لَا يُمَكِّنُونَهُ مِن فِعْلِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ. وَمِن هَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ٥]. النَّوْعُ الثَّانِي: الْهَجْرُ عَلَى وَجْهِ التَّادِيبِ، وَهُوَ هَجْرُ مَن يُظْهِرُ الْمُنْكَرَاتِ يُهْجَرُ حَتَّى يَتُوبَ مِنْهَا، كَمَا هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفوا حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَوْبَتَهُمْ، حِينَ ظَهَرَ مِنْهُم تَرْكُ الْجِهَادِ الْمُتَعَيِّنِ عَلَيْهِم بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَمْ يَهْجُرْ مَن أَظْهَرَ الْخَيْرَ، وَاِن كَانَ مُنَافِقًا، فَهُنَا الْهَجْرُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّعْزِيرِ. وَالتَّعْزِيرُ يَكُونُ لِمَن ظَهَرَ مِنْهُ تَرْكُ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلُ الْمُحَرَّمَاتِ؛ كَتَارِكِ الضَلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالتَّظَاهُرِ بِالْمَظَالِمِ وَالْفَوَاحِشِ، وَالدَّاعِي إلَى الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ الَّتِي ظَهَرَ أَنَّهَا بِدَعٌ.

стр. 2343

وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ مَن قَالَ مِن السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ: إنَّ الدُّعَاةَ إلَى الْبِدَعِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُم وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُمْ، وَلَا يُؤْخَذُ عَنْهُم الْعِلْمُ وَلَا يُنَاكَحُونَ، فَهَذِهِ عُقُوبَة لَهُم حَتَى يَنْتَهوا؛ وَلهَذَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِ الدَّاعِيَةِ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَةَ أَظْهَرَ الْمُنْكَرَاتِ فَاسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ بِخِلَافِ الْكَاتِمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَرًّا مِن الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُ عَلَانِيَتَهُم وَيكِلُ سَرَائِرَهُم إلَى اللهِ مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ. فَالْمُنْكَرَاتُ الظَّاهِرَةُ يَجِبُ إنْكَارُهَا، بِخِلَافِ الْبَاطِنَةِ فَإِنَّ عُقُوبَتَهَا عَلَى صَاحِبِهَا خَاصَّةً. وَهَذَا الْهَجْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْهَاجِرِينَ فِي قُوَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ، وَقِلَّتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ، فَإِنَ الْمَقْصُودَ بِهِ زَجْرُ الْمَهْجُورِ وَتَأْدِيبُهُ وَرُجُوعُ الْعَامَّةِ عَن مِثْل حَالِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ رَاجِحَةً بِحَيْثُ يُفْضِي هَجْرهُ إلَى ضَعْفِ الشَرِّ وَخِفْيَتِهِ كَانَ مَشْرُوعًا، وَإِن كَانَ لَا الْمَهْجُورُ وَلَا غَيْرُهُ يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ بَل يُزِيدُ الشَّرَّ، وَالْهَاجِرُ ضَعِيفٌ بِحَيْثُ يَكُونُ مَفْسَدَةُ ذَلِكَ رَاجِحَةً عَلَى مَصْلَحَتِهِ لَمْ يُشْرَع الْهَجْرُ؛ بَل يَكونُ التَّألِيفُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعَ مِن الْهَجْرِ. وَالْهَجْرُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعُ مِن التَّأْلِيفِ. وَإِذَا عُرفَ هَذَا: فَالْهِجْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ مِن الْأَعْمَالِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا وَرَسُولُهُ، فَالطَّاعَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ خَالِصَةً للهِ وَأَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِأَمْرِهِ فَتَكُونُ خَالِصَةً للهِ صَوَابًا، فَمَن هَجَرَ لِهَوَى نَفْسِهِ أَو هَجَرَ هَجْرًا غَيْرَ مَأْمُورٍ بِهِ: كَانَ خَارِجًا عَن هَذَا. وَمَا أَكْثَرَ مَا تَفْعَلُ النُّفُوسُ مَا تَهْوَاهُ ظَانَّة أَنَّهَا تَفْعَلُهُ طَاعَةً للهِ (١).

стр. 2344

وَالْهَجْرُ لِأجْلِ حَظِّ الْإِنْسَانِ لَا يَجُوزُ أَكْثَرَ مِن ثَلَاثٍ .. فَإِذَا الْهَجْرُ لِحَقِّ الْإِنْسَانِ حَرَام، وَإِنَّمَا رُخِّصَ فِي بَعْضِهِ، كَمَا زخصَ لِلزَّوْجِ انْ يَهْجُرَ امْرَأَتَهُ فِي الْمَضْجَعِ إذَا نَشَزَتْ، وَكَمَا رُخِّصَ فِي هَجْرِ الثَّلَاثِ. فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْهَجْرِ لِحَقِّ اللهِ وَبَيْنَ الْهَجْرِ لِحَق نَفْسِهِ، فَالْأَوَّلُ مَأمُوز بِهِ وَالثَّانِي مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَهَذَا لِأَنَّ الْهَجْرَ مِن بَابِ "الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ" فَهُوَ مِن جِنْسِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَهَذَا يُفْعَلُ لِأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَيكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ، وَالْمُؤمِنُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَادِيَ فِي اللهِ ويُوَالِيَ فِي اللهِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُؤْمِنٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُوَالِيَهُ وَإِن ظَلَمَهُ؛ فَإنَّ الظُّلْمَ لَا يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ الْإِيمَانِيَّةَ. فَلْيَتَدَبَّر الْمُؤمِنُ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، فَمَا أَكْثَرَ مَا يَلْتَبِسُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الْمُؤْمِنَ تَجِبُ مُوَالَاتُهُ وَإِن ظَلَمَك وَاعْتَدَى عَلَيْك، وَالْكَافِرُ تَجِحث مُعَادَاتُهُ وَإِن أَعْطَاك وَأَحْسَنَ إلَيْك (١). وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي الرَّجُلِ الْوَاحِدِ خَيْرٌ وَشَرٌّ وَفُجُورٌ وَطَاعَةٌ وَمَعْصِيَةٌ وَسُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ: اسْتَحَقَّ مِن الْمُوَالَاةِ وَالثَّوَابِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِن الْخَيْرِ، وَاسْتَحَقَّ مِن الْمُعَادَاتِ وَالْعِقَابِ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِن الشَّرّ، فَيَجْتَمِعُ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ مُوجِبَاتُ الْإِكْرَامِ وَالْإِهَانَةِ، فَيَجْتَمِعُ لَهُ مِن هَذَا وهذا. ٣٣٦٥ - وَسُئِلَ ﵀: عَن بَلَدِ "مَارِدِينَ" (٢) هَل هِيَ بَلَدُ حَرْبٍ أَمْ بَلَدُ سِلْمٍ؟ وَهَل يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُقِيمِ بِهَا الْهِجْرَةُ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَمْ لَا؟

стр. 2345

فَأجَابَ: الْحَمْدُ للهِ، دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالُهُم مُحَرَّمَة حَيْثُ كَانُوا فِي مَارِدِينَ أَو غَيْرِهَا، وَإِعَانَةُ الْخَارِجِينَ عَن شَرِيعَةِ دِينِ الْإِسْلَامِ مُحَرَّمَةٌ سَوَاءٌ كَانُوا أَهْلَ مَارِدِينَ أَو غَيْرَهُم. وَالْمُقِيمُ بِهَا إنْ كَانَ عَاجِزًا عَن إقَامَةِ دِينِهِ وَجَبَتْ الْهِجْرَةُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا اُسْتُحِبَّتْ وَلَمْ تَجِبْ. وَأَمَّا كَوْنُهَا دَارَ حَرْبٍ أَو سِلْمٍ فَهِيَ فرَكَّبَةٌ: فِيهَا الْمَعْنَيَانِ، لَيْسَتْ بِمَنْزِلَةِ دَارِ السِّلْمِ الَّتِي تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ؛ لِكَوْنِ جُنْدِهَا مُسْلِمِينَ، وَلَا بِمَنْزِلَةِ دَارِ الْحَرْبِ الَّتِي أَهْلُهَا كُفَّارٌ؛ بَل هِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ يُعَامَلُ الْمُسْلِمُ فِيهَا بِمَا يَسْتَحِقُّهُ، ويُقَاتَلُ الْخَارجُ عَن شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ. ٣٣٦٦ - الْأَمْرُ بِالْجِهَادِ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: أَكْثَرُ مِن أَنْ يُحْصَرَ. وَلهَذَا كَانَ أَفْضَلَ مَا تَطَوَّعَ بِهِ الْإِنْسَانُ، وَكَانَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ أَفْضَلَ مِنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَمِنَ الصَّلَاةِ التَّطَوُّعِ وَالصَّوْمِ التَّطَوُّعِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "رَأْسُ الْأَمْرِ الإِسْلَامُ وَعَمُودهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ" (١)، وَقَالَ: "إن فِي الْجَنَّةِ لَمِائَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ الدَّرَجَةِ وَالدَّرَجَةِ كمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ" مُتَفَق عَلَيْهِ (٢). وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، لَمْ يَرِدْ فِي ثَوَابِ الْأَعْمَالِ وَفَضْلِهَا مِثْلُ مَا وَرَدَ فِيهِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ؛ فَإِنَّ نَفْعَ الْجِهَادِ عَامّ لِفَاعِلِهِ وَلغَيْرِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَمُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ، فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ مِن مَحَبَّةِ اللهِ تَعَالَى وَالْإِخْلَاصِ لَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَتَسْلِيمِ النَّفْسِ وَالْمَالِ لَهُ، وَالصَّبْرِ وَالزُّهْدِ وَذِكْرِ اللهِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْأعْمَالِ: عَلَى مَا لَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عَمَل آخَرُ.

стр. 2346

٣٣٦٧ - مَوْتُ الشَّهِيدِ أَيْسَرُ مِن كُلّ مِيتَةٍ وَهِيَ أَفْضَلُ الْمِيتَاتِ. ٣٣٦٨ - كَتَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَى الْمَلِكِ النَّاصِرِ بَعْدَ وَقْعَةِ جَبَلِ كسروان بِسَبَبِ فُتُوحِ الْجَبَلِ: مِن الدَّاعِي أَحْمَد ابْنِ تَيْمِيَّة إلَى سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ وَمَن أَيَّدَ الله فِي دَوْلَتِهِ الدِّينَ وَأَعَزَّ بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ وَقَمَعَ فِيهَا الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَالْخَوَارجِ الْمَارِقِينَ، نَصَرَهُ اللهُ وَنَصَرَ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَأَصْلَحَ لَهُ وَبِهِ أُمُورَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَأَحْيَا بِهِ مَعَالِمَ الْإِيمَانِ، وَأَقَامَ بِهِ شَرَائِعَ الْقُرْآنِ، وَأَذَلَّ بِهِ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ. سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ .. أَمَّا بَعْدُ، فَقَد صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَأَعَزَّ جُنْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، وَأَنْعَمَ الله عَلَى السُّلْطَانِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي دَوْلَتِهِ نِعَمًا لَمْ تُعْهَدْ فِي الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ. وَذَلِكَ: أَنَّ السُّلْطَانَ -أَتَمَّ اللهُ نِعْمَتَهُ- حَصَلَ لِلْأُمَّةِ بِيُمْنِ وِلَايَتِهِ وَحُسْنِ نِيَّتِهِ وَصِحَّةِ إسْلَامِهِ وَعَقِيدَتِهِ وَبَرَكَةِ إيمَانِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَفَضْلِ هِمَّتِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَثَمَرَةِ تَعْظِيمِهِ لِلدِّينِ وَشِرْعَتِهِ وَنَتِيجَةِ اتِّبَاعِهِ كِتَابَ اللهِ وَحِكْمَتِهِ: مَا هُوَ شَبِيةٌ بِمَا كَانَ يَجْرِي فِي أَلَّامِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَمَا كَانَ يَقْصِدُهُ أَكَابِرُ الْأَئِمَّةِ الْعَادِلِينَ: مِن جِهَادِ أَعْدَاءِ اللهِ الْمَارِقِينَ مِن الدِّينِ وَهم صِنْفَانِ: أ- أَهْلُ الْفُجُورِ وَالطُّغْيَانِ، وَذَوُو الْغَئ وَالْعُدْوَانِ، الْخَارِجُونَ عَن شَرَائِعِ الْإِيمَانِ، طَلَبًا لِلْعُلُوّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ، وَتَرْكًا لِسَبِيلِ الْهدَى وَالرَّشَادِ، وَهَؤُلَاءِ هُم التَّتَارُ وَنَحْوُهُم مِن كُلِّ خَارجٍ عَن شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَإِن تَمَسَّكَ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَو بِبَعْضِ سِيَاسَةِ الْإِسْلَامِ. ب- وَالصِّنْفُ الثانِي: أَهْلُ الْبِدَعِ الْمَارِقُونَ، وَذَوُو الضَّلَالِ الْمُنَافِقُونَ، الْخَارِجُونَ عَن السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، الْمُفَارِقُونَ لِلشِّرْعَةِ وَالطَّاعَةِ. وَذَلِكَ: أَنَ هَؤُلَاءِ وَجِنْسَهُم مِن أَكَابِرِ الْمُفْسِدِينَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، فَإِنَّ اعْتِقَادَهُم: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَأَهْلَ بَدْرٍ وَبَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَجُمْهُورَ

стр. 2347

الْمُهَاجِرِينَ وَالْأنْصَارَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانِ وَأئِمَّةَ الْاِسْلَامِ وَعُلَمَاءَهُم أَهْلَ الْمَذَاهِبِ الْأرْبِعَةِ وَغَيْرَهُمْ، وَمَشَايِخَ الْإِسْلَامِ وَعُبَّادَهُم وَمُلُوكَ الْمُسْلِمِينَ وَأَجْنَادَهُم وَعَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْرَادَهُمْ: كُلُّ هَؤُلَاءِ عِنْدَهُم كُفَّارٌ مُرْتَدُّونَ، أَكْفَرُ مِن الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ لِأنَّهُم مُرْتَاونَ عِنْدَهُمْ، وَالْمُرْتَدُّ شَرٌّ مِن الْكافِرِ الْأَصْلِيِّ. وَلهَذَا السَّبَبِ يُقَدِّمُونَ (١) الفرنج وَالتَّتَارَ عَلَى أَهْلِ الْقُرْاَنِ وَالْإِيمَانِ، وَلهَذَا لَمَّا قَدِمَ التَّتَارُ إلَى الْبِلَادِ وَفَعَلُوا بِعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ مَا لَا يُحْصَى مِن الْفَسَادِ، وَأَرْسَلُوا إلَى أهْلِ قُبْرُصَ فَمَلَكُوا بَعْضَ السَّاحِلِ، وَحَمَلُوا رَايَةَ الصَّلِيبِ، وَحَمَلُوا إلَى قُبْرُصَ مِن خَيْلِ الْمُسْلِمِينَ وَسِلَاحِهِمْ وَأسْرَاهُم مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إلَّا اللهُ، وَأقِيمَ سُوقُهُم بِالسَّاحِلِ عِشْرِينَ يَوْمًا يَبِيعُونَ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ وَالْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ عَلَى أهْلِ قُبْرُصَ، وَفَرِحُوا بِمَجِيءِ التَّتَارِ هُم وَسَائِرُ أَهْلِ هَذَا الْمَذْهَبِ الْمَلْعُونِ، مِثْل أهْلِ جَزَيْنَ وَمَا حَوَالَيْهَا، وَجَبَلِ عَامِلٍ وَنَوَاحِيهِ. فَصْلٌ تَمَامُ هَذَا الْفَتْحِ وَبَرَكتُهُ تُقَدِّمُ مَرَاسِمَ السُّلْطَانِ بِحَسْمِ مَادَّةِ أهْلِ الْفَسَادِ وَإِقَامَةِ الشَّرِيعَةِ فِي الْبِلَادِ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُحَارِبِينَ وَأمْثَالَهُم قَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ جُهَّالٌ، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا يُعَلِّمُونَنَا وَيَقُولُونَ لنَا: أَنْتُمْ إذا قَاتَلْتُمْ هَؤُلَاءِ تَكُونُونَ مُجَاهِدِينَ، وَمَن قُتِلَ مِنْكُمْ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَفِي هَؤُلَاءِ خَلْقٌ كثِيرٌ لَا يُقِرُّونَ بِصَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ، وَلَا يُحَرِّمُونَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، مِن جِنْسِ الْإِسْمَاعِيلِيَّة وَالْنُصَيْرِيَّة وَالْحَاكِمِيَّةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ، وَهُم كُفَّارٌ أَكْفَرُ مِن الْيَهُودِ

стр. 2348

وَالنَّصَارَى بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِين (١). فَتَقَدُّمُ الْمَرَاسِيم السُّلْطَانِيَّة بِإِقَامَةِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ: مِن الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَبْلِيغِ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُرَى هَؤُلَاءِ مِن أَعْظَمِ الْمَصَالِحِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَأَبْلَغِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَاللهُ هُوَ الْمَسْؤُولُ أنْ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَى سُلْطَانِ الْإِسْلَامِ خَاصَّةً وَعَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. ٣٣٦٩ - وَكَتَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ- لَمَّا قَدِمَ الْعَدُوُّ مِن التَّتَارِ سَنَةَ تِسْعِ وَيسْعِينَ وَسِتِّمِائَةِ إلَى حَلَبَ وَانْصَرَفَ عَسْكَرُ مِصْرَ وَبَقِيَ عَسْكَرُ الشَّامِ: .. اعْلَمُوا -أَصْلَحَكُمْ اللهُ- أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَد ثَبَتَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُم مَن خَذَلَهُم وَلَا مَن خَالَفَهُم إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ (٢). وَثَبَتَ أَنَّهُم بِالشَّامِ. فَهَذِهِ الْفِتْنَةُ قَد تَفَرَّقُ النَّاسُ فِيهَا ثَلَاثُ فِرَقٍ: الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ، وَهُم الْمُجَاهِدُونَ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ. وَالطَّائِفَةُ الْمُخَالِفَةُ، وَهُم هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَمَن تَحَئزَ إلَيْهِم مِن خبالة الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ.

стр. 2349

وَالطَّائِفَةُ الْمُخَذِّلَةُ، وَهُم الْقَاعِدُونَ عَن جِهَادِهِمْ، وَإِن كَانُوا صَحِيحِي الْإِسْلَامِ. فَلْيَنْظُر الرَّجُلُ أَيَكُونُ مِن الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ أَمْ مِن الْخَاذِلَةِ أَمْ مِن الْمُخَالِفَةِ؟ فَمَا بَقِيَ قِسْمٌ رَابعٌ. وَاعْلَمُوا- أَصْلَحَكمْ اللهُ- أَنَّ النُّصْرَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْعَاقِبَة لِلْمُتَّقِينَ، وَأَنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ. وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مَقْهُورُونَ مَقْمُوعُونَ، وَاللهُ نَاصِرُنَا عَلَيْهِمْ، وَمُنْتَقِمٌ لَنَا مِنْهُمْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. فَأَبْشِرُوا بِنَصْرِ اللهِ تَعَالَى وَبِحُسْنِ عَاقِبَتِهِ ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. وَهَذَا أَمْرٌ قَد تيَقَّنَّاهُ وَتَحَقَّقْنَاهُ وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَاعْلَمُوا- أَصْلَحَكُم اللهُ- أَنَّ مِن أَعْظَم النّعَم عَلَى مَن أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيْرًا أَنْ أَحْيَاهُ إلَى هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي يُجَدِّدُ اللهُ فِيهِ الَدِّينَ، وَيُحْيِي فِيهِ شِعَارَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَحْوَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ، حَتَّى يَكُونَ شَبِيهًا بِالسَّابِقِينَ الْأَوَّلينَ مِن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَمَن قَامَ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِذَلِكَ كَانَ مِن التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان، الَّذِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُم جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَشْكُرُوا اللهَ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْمِحْنَةِ الَّتِي حَقِيقَتهَا مِنْحَة كَرِيمَة مِن اللهِ، وَهَذِهِ الْفِتْنَةِ الَّتِي فِي بَاطِنِهَا نِعْمَةٌ جَسِيمَةٌ، حَتَّى- وَاللهِ- لَو كَانَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ- كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ- حَاضِرِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَكَانَ مِن أَفْضَلِ أَعْمَالِهِمْ جِهَادُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.

стр. 2350

٣٣٧٠ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ -فِيمَا أَعْلَمُ- عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّطَوُّعَاتِ أَفْضَلُ مِن الْجِهَادِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِن الْحَجِّ، وَأَفْضَلُ مِن الصَّوْمِ التَّطَوُّعِ، وَأَفْضَلُ مِن الصَّلَاةِ التَّطَوُّعِ. وَالْمُرَابَطَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِن الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، حَتَّى قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِن أَنْ أوَافِقَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأسْوَدِ. فَقَد اخْتَارَ الرِّبَاطَ لَيْلَة عَلَى الْعِبَادَةِ فِي أَفْضَلِ اللَّيَالِي عِنْدَ أَفْضَلِ الْبِقَاعِ؛ وَلهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يُقِيمُونَ بِالْمَدِينَةِ دُونَ مَكَّةَ؛ لَمَعَانٍ مِنْهَا: أَنَّهُم كَانُوا مُرَابِطِينَ بِالْمَدِينَةِ. فَإِنَّ الرّبَاطَ هُوَ الْمَقَامُ بِمَكَان يُخِيفُهُ الْعَدُوُّ ويُخِيفُ الْعَدُوَّ. فَمَن أَقَامَ فِيهِ بِنِيَّةِ دَفْعِ الْعَدُوِّ فَهُوَ مُرَابِطٌ، وَالْأعْمَالُ بِالنِّيَّاَتِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِن ألْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِن الْمَنَازِل" رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ وَصَحَّحُوهُ (١). وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِم" (٢) عَن سَلْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِن صِيَامِ شَهْرٍ وَقيَامِهِ، وَمَن مَاتَ مُرَابِطًا أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَأجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ مِن الْجَنَّةِ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ"؛ يَعْني: مُنْكرًا وَنَكِيرًا. فَهَذَا فِي الرِّبَاطِ فَكَيْفَ الْجِهَادُ؟ ٣٣٧١ - وَقَالَ -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ-: .. إِنَّ هَذِهِ الْفِتْنَةَ (٣) الَّتِي اُبْتُلِيَ بِهَا
следующие страницы →