← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

٣٣٦٧ - مَوْتُ الشَّهِيدِ أَيْسَرُ مِن كُلّ مِيتَةٍ وَهِيَ أَفْضَلُ الْمِيتَاتِ. ٣٣٦٨ - كَتَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ إلَى الْمَلِكِ النَّاصِرِ بَعْدَ وَقْعَةِ جَبَلِ كسروان بِسَبَبِ فُتُوحِ الْجَبَلِ: مِن الدَّاعِي أَحْمَد ابْنِ تَيْمِيَّة إلَى سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ وَمَن أَيَّدَ الله فِي دَوْلَتِهِ الدِّينَ وَأَعَزَّ بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ وَقَمَعَ فِيهَا الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ، وَالْخَوَارجِ الْمَارِقِينَ، نَصَرَهُ اللهُ وَنَصَرَ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَأَصْلَحَ لَهُ وَبِهِ أُمُورَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَأَحْيَا بِهِ مَعَالِمَ الْإِيمَانِ، وَأَقَامَ بِهِ شَرَائِعَ الْقُرْآنِ، وَأَذَلَّ بِهِ أَهْلَ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ. سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ .. أَمَّا بَعْدُ، فَقَد صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَأَعَزَّ جُنْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، وَأَنْعَمَ الله عَلَى السُّلْطَانِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي دَوْلَتِهِ نِعَمًا لَمْ تُعْهَدْ فِي الْقُرُونِ الْخَالِيَةِ. وَذَلِكَ: أَنَّ السُّلْطَانَ -أَتَمَّ اللهُ نِعْمَتَهُ- حَصَلَ لِلْأُمَّةِ بِيُمْنِ وِلَايَتِهِ وَحُسْنِ نِيَّتِهِ وَصِحَّةِ إسْلَامِهِ وَعَقِيدَتِهِ وَبَرَكَةِ إيمَانِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَفَضْلِ هِمَّتِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَثَمَرَةِ تَعْظِيمِهِ لِلدِّينِ وَشِرْعَتِهِ وَنَتِيجَةِ اتِّبَاعِهِ كِتَابَ اللهِ وَحِكْمَتِهِ: مَا هُوَ شَبِيةٌ بِمَا كَانَ يَجْرِي فِي أَلَّامِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَمَا كَانَ يَقْصِدُهُ أَكَابِرُ الْأَئِمَّةِ الْعَادِلِينَ: مِن جِهَادِ أَعْدَاءِ اللهِ الْمَارِقِينَ مِن الدِّينِ وَهم صِنْفَانِ: أ- أَهْلُ الْفُجُورِ وَالطُّغْيَانِ، وَذَوُو الْغَئ وَالْعُدْوَانِ، الْخَارِجُونَ عَن شَرَائِعِ الْإِيمَانِ، طَلَبًا لِلْعُلُوّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادِ، وَتَرْكًا لِسَبِيلِ الْهدَى وَالرَّشَادِ، وَهَؤُلَاءِ هُم التَّتَارُ وَنَحْوُهُم مِن كُلِّ خَارجٍ عَن شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَإِن تَمَسَّكَ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَو بِبَعْضِ سِيَاسَةِ الْإِسْلَامِ. ب- وَالصِّنْفُ الثانِي: أَهْلُ الْبِدَعِ الْمَارِقُونَ، وَذَوُو الضَّلَالِ الْمُنَافِقُونَ، الْخَارِجُونَ عَن السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، الْمُفَارِقُونَ لِلشِّرْعَةِ وَالطَّاعَةِ. وَذَلِكَ: أَنَ هَؤُلَاءِ وَجِنْسَهُم مِن أَكَابِرِ الْمُفْسِدِينَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ، فَإِنَّ اعْتِقَادَهُم: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَأَهْلَ بَدْرٍ وَبَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَجُمْهُورَ

стр. 2347

الْمُهَاجِرِينَ وَالْأنْصَارَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانِ وَأئِمَّةَ الْاِسْلَامِ وَعُلَمَاءَهُم أَهْلَ الْمَذَاهِبِ الْأرْبِعَةِ وَغَيْرَهُمْ، وَمَشَايِخَ الْإِسْلَامِ وَعُبَّادَهُم وَمُلُوكَ الْمُسْلِمِينَ وَأَجْنَادَهُم وَعَوَامَّ الْمُسْلِمِينَ وَأَفْرَادَهُمْ: كُلُّ هَؤُلَاءِ عِنْدَهُم كُفَّارٌ مُرْتَدُّونَ، أَكْفَرُ مِن الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ لِأنَّهُم مُرْتَاونَ عِنْدَهُمْ، وَالْمُرْتَدُّ شَرٌّ مِن الْكافِرِ الْأَصْلِيِّ. وَلهَذَا السَّبَبِ يُقَدِّمُونَ (١) الفرنج وَالتَّتَارَ عَلَى أَهْلِ الْقُرْاَنِ وَالْإِيمَانِ، وَلهَذَا لَمَّا قَدِمَ التَّتَارُ إلَى الْبِلَادِ وَفَعَلُوا بِعَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ مَا لَا يُحْصَى مِن الْفَسَادِ، وَأَرْسَلُوا إلَى أهْلِ قُبْرُصَ فَمَلَكُوا بَعْضَ السَّاحِلِ، وَحَمَلُوا رَايَةَ الصَّلِيبِ، وَحَمَلُوا إلَى قُبْرُصَ مِن خَيْلِ الْمُسْلِمِينَ وَسِلَاحِهِمْ وَأسْرَاهُم مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إلَّا اللهُ، وَأقِيمَ سُوقُهُم بِالسَّاحِلِ عِشْرِينَ يَوْمًا يَبِيعُونَ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ وَالْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ عَلَى أهْلِ قُبْرُصَ، وَفَرِحُوا بِمَجِيءِ التَّتَارِ هُم وَسَائِرُ أَهْلِ هَذَا الْمَذْهَبِ الْمَلْعُونِ، مِثْل أهْلِ جَزَيْنَ وَمَا حَوَالَيْهَا، وَجَبَلِ عَامِلٍ وَنَوَاحِيهِ. فَصْلٌ تَمَامُ هَذَا الْفَتْحِ وَبَرَكتُهُ تُقَدِّمُ مَرَاسِمَ السُّلْطَانِ بِحَسْمِ مَادَّةِ أهْلِ الْفَسَادِ وَإِقَامَةِ الشَّرِيعَةِ فِي الْبِلَادِ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُحَارِبِينَ وَأمْثَالَهُم قَالُوا: نَحْنُ قَوْمٌ جُهَّالٌ، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا يُعَلِّمُونَنَا وَيَقُولُونَ لنَا: أَنْتُمْ إذا قَاتَلْتُمْ هَؤُلَاءِ تَكُونُونَ مُجَاهِدِينَ، وَمَن قُتِلَ مِنْكُمْ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَفِي هَؤُلَاءِ خَلْقٌ كثِيرٌ لَا يُقِرُّونَ بِصَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ، وَلَا يُحَرِّمُونَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، مِن جِنْسِ الْإِسْمَاعِيلِيَّة وَالْنُصَيْرِيَّة وَالْحَاكِمِيَّةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ، وَهُم كُفَّارٌ أَكْفَرُ مِن الْيَهُودِ

стр. 2348

وَالنَّصَارَى بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِين (١). فَتَقَدُّمُ الْمَرَاسِيم السُّلْطَانِيَّة بِإِقَامَةِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ: مِن الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَتَبْلِيغِ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُرَى هَؤُلَاءِ مِن أَعْظَمِ الْمَصَالِحِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَأَبْلَغِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَاللهُ هُوَ الْمَسْؤُولُ أنْ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَى سُلْطَانِ الْإِسْلَامِ خَاصَّةً وَعَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ. ٣٣٦٩ - وَكَتَبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ- لَمَّا قَدِمَ الْعَدُوُّ مِن التَّتَارِ سَنَةَ تِسْعِ وَيسْعِينَ وَسِتِّمِائَةِ إلَى حَلَبَ وَانْصَرَفَ عَسْكَرُ مِصْرَ وَبَقِيَ عَسْكَرُ الشَّامِ: .. اعْلَمُوا -أَصْلَحَكُمْ اللهُ- أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَد ثَبَتَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمَّتي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُم مَن خَذَلَهُم وَلَا مَن خَالَفَهُم إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ (٢). وَثَبَتَ أَنَّهُم بِالشَّامِ. فَهَذِهِ الْفِتْنَةُ قَد تَفَرَّقُ النَّاسُ فِيهَا ثَلَاثُ فِرَقٍ: الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ، وَهُم الْمُجَاهِدُونَ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ. وَالطَّائِفَةُ الْمُخَالِفَةُ، وَهُم هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَمَن تَحَئزَ إلَيْهِم مِن خبالة الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ.

стр. 2349

وَالطَّائِفَةُ الْمُخَذِّلَةُ، وَهُم الْقَاعِدُونَ عَن جِهَادِهِمْ، وَإِن كَانُوا صَحِيحِي الْإِسْلَامِ. فَلْيَنْظُر الرَّجُلُ أَيَكُونُ مِن الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ أَمْ مِن الْخَاذِلَةِ أَمْ مِن الْمُخَالِفَةِ؟ فَمَا بَقِيَ قِسْمٌ رَابعٌ. وَاعْلَمُوا- أَصْلَحَكمْ اللهُ- أَنَّ النُّصْرَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْعَاقِبَة لِلْمُتَّقِينَ، وَأَنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ. وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ مَقْهُورُونَ مَقْمُوعُونَ، وَاللهُ نَاصِرُنَا عَلَيْهِمْ، وَمُنْتَقِمٌ لَنَا مِنْهُمْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. فَأَبْشِرُوا بِنَصْرِ اللهِ تَعَالَى وَبِحُسْنِ عَاقِبَتِهِ ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]. وَهَذَا أَمْرٌ قَد تيَقَّنَّاهُ وَتَحَقَّقْنَاهُ وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَاعْلَمُوا- أَصْلَحَكُم اللهُ- أَنَّ مِن أَعْظَم النّعَم عَلَى مَن أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيْرًا أَنْ أَحْيَاهُ إلَى هَذَا الْوَقْتِ الَّذِي يُجَدِّدُ اللهُ فِيهِ الَدِّينَ، وَيُحْيِي فِيهِ شِعَارَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَحْوَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدِينَ، حَتَّى يَكُونَ شَبِيهًا بِالسَّابِقِينَ الْأَوَّلينَ مِن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَمَن قَامَ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِذَلِكَ كَانَ مِن التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان، الَّذِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُم جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَشْكُرُوا اللهَ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْمِحْنَةِ الَّتِي حَقِيقَتهَا مِنْحَة كَرِيمَة مِن اللهِ، وَهَذِهِ الْفِتْنَةِ الَّتِي فِي بَاطِنِهَا نِعْمَةٌ جَسِيمَةٌ، حَتَّى- وَاللهِ- لَو كَانَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ- كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ- حَاضِرِينَ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَكَانَ مِن أَفْضَلِ أَعْمَالِهِمْ جِهَادُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ.

стр. 2350

٣٣٧٠ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ -فِيمَا أَعْلَمُ- عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي التَّطَوُّعَاتِ أَفْضَلُ مِن الْجِهَادِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مِن الْحَجِّ، وَأَفْضَلُ مِن الصَّوْمِ التَّطَوُّعِ، وَأَفْضَلُ مِن الصَّلَاةِ التَّطَوُّعِ. وَالْمُرَابَطَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِن الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، حَتَّى قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِن أَنْ أوَافِقَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأسْوَدِ. فَقَد اخْتَارَ الرِّبَاطَ لَيْلَة عَلَى الْعِبَادَةِ فِي أَفْضَلِ اللَّيَالِي عِنْدَ أَفْضَلِ الْبِقَاعِ؛ وَلهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يُقِيمُونَ بِالْمَدِينَةِ دُونَ مَكَّةَ؛ لَمَعَانٍ مِنْهَا: أَنَّهُم كَانُوا مُرَابِطِينَ بِالْمَدِينَةِ. فَإِنَّ الرّبَاطَ هُوَ الْمَقَامُ بِمَكَان يُخِيفُهُ الْعَدُوُّ ويُخِيفُ الْعَدُوَّ. فَمَن أَقَامَ فِيهِ بِنِيَّةِ دَفْعِ الْعَدُوِّ فَهُوَ مُرَابِطٌ، وَالْأعْمَالُ بِالنِّيَّاَتِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِن ألْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِن الْمَنَازِل" رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ وَصَحَّحُوهُ (١). وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِم" (٢) عَن سَلْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِن صِيَامِ شَهْرٍ وَقيَامِهِ، وَمَن مَاتَ مُرَابِطًا أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ، وَأجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ مِن الْجَنَّةِ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ"؛ يَعْني: مُنْكرًا وَنَكِيرًا. فَهَذَا فِي الرِّبَاطِ فَكَيْفَ الْجِهَادُ؟ ٣٣٧١ - وَقَالَ -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ-: .. إِنَّ هَذِهِ الْفِتْنَةَ (٣) الَّتِي اُبْتُلِيَ بِهَا

стр. 2351

الْمُسْلِمُونَ مَعَ هَذَا الْعَدُوِّ الْمُفْسِدِ الْخَارجِ عَن شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ: قَد جَرَى فِيهَا شَبِيةٌ بِمَا جَرَى لِلْمُسْلِمِينَ مَعَ عَدُوِّهِمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْمُغَازِي الَّتِي أَنَزَلَ اللهُ فِيهَا كُتُبَهُ، وَابْتَلَى بِهَا نَبِيَّهُ وَالْمُومِنِينَ، مِمَّا هُوَ أُسْوَة لِمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَيَنْبَغِي لِلْعُقَلَاءِ أَنْ يَعْتَبِرُوا بِسُنَّةِ اللهِ وَأَيَّامِهِ فِي عِبَادِهِ، وَدَأْبِ الْأُمَمِ وَعَادَاتهمْ، لَا سِيَّمَا فِي مِثْل هَذِهِ الْحَادِثَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي طَبَّقَ الْخَافِقَيْنِ خَبَرُهَا، وَاسْتَطَارَ فِي جَمِيعِ دِيَارِ الْإِسْلَامِ شَرَرُهَا، وَأَطْلَعَ فِيهَا النِّفَاقُ نَاصِيَةَ رَأسِهِ، وَكَشَّرَ فِيهَا الْكُفْرُ عَن أَنْيَابِهِ وَأَضْرَاسِهِ، وَكَادَ فِيهِ عَمُودُ الْكِتَابِ أَنْ يُجْتَثَّ وَيخْتَرِمَ، وَحَبْلُ الْإِيمَانِ أَنْ يَنْقَطِعَ وَيَصْطَلِمَ، وَعُقْرُ دَارِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَحِلَّ بِهَا الْبَوَارُ، وَأَنْ يَزُولَ هَذَا الدِّينُ بِاسْتِيلَاءِ الْفَجَرَةِ التَّتَارِ، وَظَنَّ الْمُنَافِقُونَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ أَنَّ مَا وَعَدَهُم اللهُ وَرَسُولُهُ إلَّا غُرُورًا، وَأَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ حِزْبُ اللهِ وَرَسُولِهِ إلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا، وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِم وَظَنُّوا ظَنَّ السَّوْءِ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا،

стр. 2352

وَنَزَلَتْ فِتْنَةٌ تَرَكتِ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ، وَأنْزَلَتِ الرَّجُلَ الصَّاحِيَ مَنْزِلَةَ السَّكْرَانِ، وَتَرَكَت الرَّجُلَ اللَّبِيبَ لِكَثْرَةِ الْوَسْوَاسِ لَيْسَ بِالنَّائِمِ وَلَا الْيَقِظَانِ، وَتَنَاكَرَتْ فِيهَا قُلُوبُ الْمَعَارِفِ وَالْإخْوَانِ، حَتَّى بَقِيَ لِلرَّجُلِ بنَفْسِهِ شُغْل عَن أَنْ يُغِيثَ اللَّهْفَانَ، وَمَيَّزَ اللهُ فِيهَا أَهْلَ الْبَصَائِرِ وَالْإِيقَانَ، مِنَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ أَو نِفَاقٌ وَضَعْفُ إيمَانِ، وَرَفَعَ بِهَا أَقْوَامًا إلَى الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ، كمَا خَفَضَ بِهَا أَقْوَامًا إلَى الْمَنَازِلِ الْهَاوِيةِ، وَكَفَّرَ بِهَا عَن آخَرِينَ أعْمَالَهُم الْخَاطِئَةَ. وَكَانَت هَزِيمَةُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعَامِ الْمَاضِي بِذُنُوب ظَاهِرَةٍ، وَخَطَايَا وَاضِحَةٍ، مِن فَسَادِ النِّيَّاتِ، وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، وَالظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْإعْرَاضِ عَن حُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنةِ، وَعَن الْمُحَافَظَةِ عَلَى فَرَائِضِ اللهِ، وَالْبَغْيِ عَلَى كَثِيرٍ مِن الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِأَرْضِ الْجَزِيرَةِ وَالرُّومِ. فَكَانَ مِن حِكْمَةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ بِالْمُؤمِنِينَ أَن ابْتَلَاهُم بِمَا ابْتَلَاهُم بِهِ لِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمنُوا، ويُنِيبُوا إلَى رَبِّهِمْ، وَليَظْهَرَ مِن عَدُوِّهِمْ مَا ظَهَرَ مِنْهُ مِن الْبَغْي وَالْمَكْرِ، وَالنَّكْثِ وَالْخُرُوجِ عَن شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، فَيَقُومُ بِهِم مَا يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ النَّصْرَ، وَبِعَدُوِّهِمْ مَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الِانْتِقَامَ. فَقَد كَانَ فِي نُفُوسِ كَثِيرٍ مِن مُقَاتِلَةِ الْمُسْلِمِينَ وَرَعِيَّتِهِمْ مِن الشَّرِّ الْكَبِيرِ مَا لَو يَقْتَرِنُ بِهِ ظَفَرٌ بِعَدُوِّهِم -الَّذِي هُوَ عَلَى الْحَالِ الْمَذْكُورَةِ- لَأوْجَبَ لَهُم ذَلِكَ مِن فَسَادِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَا لَا يُوصَفُ، كَمَا أَنَّ نَصْرَ اللهِ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَانَ رَحْمَةً وَنعْمَةً، وَهَزِيمَتَهُم يَوْمَ أُحُدٍ كَانَ نِعْمَةً وَرَحْمَةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنَّ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَقْضِي اللهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إلَّا كَانَ خَيْرًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدِ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ إنْ أَصَابَتْهُ سَرًّاءُ فَشَكَرَ اللهَ كانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِن أَصَابَتْة ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ" (١). قَالَ الشَّيْخُ: ﵀: كَتَبْت أَوَّلَ هَذَا الْكِتَابِ بَعْدَ رَحِيلِ قازان وَجُنُودِهِ، لَمَّا

стр. 2353

رَجَعْتُ مِن مِصْرَ فِي جمَادَى الْآخِرَةِ، وَأَشَاعُوا أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُم أَحَدٌ، ثُمَّ لَمَّا بَقِيَتْ تِلْكَ الطَّائِفَةُ اشْتَغَلْنَا بِالِاهْتِمَامِ بِجِهَادِهِمْ، وَقَصْدَ الذَّهَابِ إلَى إخْوَانِنَا بِحَمَاة وَتَحْرِيضِ الْأمَرَاءِ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى جَاءَنَا الْخَبَرُ بانْصِرَافِ الْمُتبقّينَ مِنْهُمْ، فَكَتَبْته فِي رَجَبٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَالْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ (١). ٣٣٧٢ - قَالَ الْإِمَامَانِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا: إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي شَيْءٍ فَانْظُرُوا مَاذَا عَلَيْهِ أَهْلُ الثَّغْرُ فَإِنَّ الْحَقَّ مَعَهُم؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. ٣٣٧٣ - لَنْ يَخَافَ الرَّجُلُ غَيْرَ اللهِ إلَّا لِمَرَض فِي قَلْبِهِ، كَمَا ذَكَرُوا أَنَّ رَجُلًا شكَا إلَى أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ خَوْفَهُ مِن بَعْضِ الْوُلَاةِ فَقَالَ: لَو صَحَحْت لَمْ تَخَفْ أَحَدًا. أَيْ: خَوْفُك مِن أَجْلِ زَوَالِ الصِّحَّةِ مِن قَلْبِك (٢). وَلهَذَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ لَا يَخَافُوا حِزْبَ الشَّيْطَانِ؛ بَل لَا يَخَافُونَ غَيْرَهُ تَعَالَى فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]؛ أَيْ: يُخَوِّفُكُمْ أَوْليَاءَهُ. وَقَالَ لِعُمُومِ بَنِي إسْرَائِيلَ تَنْبِيهًا لنا: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾ [البقرة: ٤٠]. ٣٣٧٤ - إنَّ الْمَنَايَا مَحْتُومَةٌ، فَكَمْ مَن حَضَرَ الصُّفُوفَ فَسَلِمَ، وَكَمْ مِمَن فَرَّ مِن الْمَنِيَّةِ فَصَادَفَتْهُ، كَمَا قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ -لَمَّا احْتُضِرَ- لَقَد حَضَرْت كَذَا وَكَذَا صَفًّا، وَإنَّ بِبَدَنِي بِضْعًا وَثَمَانِينَ مَا بَيْنَ ضَرْبَةٍ بِسَيْف، وَطَعْنَةٍ

стр. 2354

بِرُمْح، وَرَمْيَةٍ بِسَهْمِ، وها أنا ذا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي كَمَا يَمُوتُ الْبَعِيرُ، فَلَا نَامَتْ أَعْيُنُ الْجُبَنَاءِ. ٣٣٧٥ - إنَّ فِكَاكَ الْأَسَارَى مِن أَعْظَمِ الْوَاجِبَاتِ، وَبَذْلَ الْمَالِ الْمَوْقُوفِ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ مِن أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ. * * * (أنواع الجهاد ومتى يجب كفاية أو عينًا ؟) ٣٣٧٦ - الجهاد منه: ما هو باليد، ومنه ما هو بالقلب، والدعوة، والحجة، واللسان، والرأي والتدبير، والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه. ٣٣٧٧ - يستحب أن يدعو سرًّا، قال أبو داود: باب ما يدعى عند اللقاء، ثم روى بإسناد جيد عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا غزا قال: "اللَّهُمَّ أنت عضدي ونصيري بك أحول وبك أصول وبك أقاتل .. " وكان غير واحد منهم شيخنا يقول هذا عند قصد مجلس علم. ٣٣٧٨ - من عجز عن الجهاد ببدنه وقدر على الجهاد بماله: وجب عليه الجهاد بماله وهو نص أحمد .. فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله. وعلى هذا: فيجب على النساء الجهاد في أموالهن إن كان فيها فضل، وكذلك في أموال الصغار إذا احتيج إليها، كما تجب النفقات والزكاة وينبغي أن يكون محل الروايتين في واجب الكفاية، فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه، فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعًا. ٣٣٧٩ - إِنَّ جِهَادَ الْكُفَّارِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَسْبُوقًا بِدَعْوَتِهِمْ؛ إذ لَا عَذَابَ إلَّا عَلَى مَن بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ، وَكَذَلِكَ عُقُوبَةُ الْفُسَّاقِ لَا تَثْبُتُ إلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ.

стр. 2355

٣٣٨٠ - سئلتُ عمن عليه دين وله ما يوفيه وقد تعين الجهاد؟ فقلت: من الواجبات ما يقدم على وفاء الدين؛ كنفقة النفس والزوجة والولد الفقير، ومنها ما يقدم وفاء الدين عليه كالعبادات من الحج والكفارات، ومنها ما لا يقدم عليه إلا إذا خوطب به كصدقة الفطر، فإن كان الجهاد المتعين لدفع الضرر كما إذا حضره العدو أو حضر هو الصف قدم على وفاء الدين كالنفقة، وأولى، وإن كان حال استنفار الإمام فقضاء الدين أولى؛ إذ الإمام لا ينبغي له استنفار المدين مع الاستغناء عنه ولذلك قلت: لو ضاف المال عن إطعام جياع والجهاد الذي يتضرر بتركه قدمنا الجهاد وإن مات الجياع، كما في مسألة التترس وأولى، فإن هناك نقتلهم بفعلنا وهنا يموتون بفعل الله. ٣٣٨١ - العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده. ٣٣٨٢ - يجب على القَعَدة لعذر أن يخلفوا الغزاة في أهليهم وأموالهم. ٣٣٨٣ - كثيرًا ما يكون ثواب بعض المستحبات أو واجبات الكفاية أعظم من ثواب واجب، كما لو تصدق بألف درهم وزكى بدرهم. ٣٣٨٤ - سئل (١) عن رجل قدم يريد الغزو ولم يحج فنزل على قوم ثبطوه عن الغزو وقالوا: إنك لم تحج تريد الغزو، قال أبو عبد الله: يغزو ولا عليه، فإن أعانه الله حج، ولا نرى بالغزو قبل الحج بأسًا. قال أبو العباس: هذا مع أنَّ الحج واجب على الفور عنده، لكن تأخيره

стр. 2356

لمصلحة الجهاد كتأخير الزكاة الواجبة على الفور لانتظار قوم أصلح من غيرهم، أو لضرر أهل الزكاة، وكتأخير الفوائت للانتقال عن مكان الشيطان ونحو ذلك، وهذا أجود ما ذكره بعض أصحابنا في تأخير النبي ﷺ الحج إن كان وجب عليه مقدمًا. وكلام أحمد يقتضي الغزو وإن لم يبق معه مال للحج؛ لأنه قال: فإن أعانه الله حج. * * * (وجوبُ الجهاد، وإعانة الناس بالنفس والمال) ٣٣٨٥ - الْأصْلُ أَنَّ إعَانَةَ النَّاسِ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ عَلَى الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَالسُّكنَى: أَمْرٌ وَاجِبٌ، وَللْإِمَامِ أَنْ يُلْزِمَ بِذَلِكَ ويُجْبِرَ عَلَيْهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؛ بَل إيجَابُ الشَّارع لِلْجِهَادِ الَّذِي فِيهِ الْمُخَاطَرَةُ بِالنَّفْسِ وَالْمَالِ لِأَجْلِ هِدَايَةِ النَّاسِ فِي دِينِهِمْ: أبْلَغُ مِن هَذَا كُلِّهِ، فَإِذَا كَانَت الشَّجَاعَةُ الَّتِي يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا وَالْكَرَمُ الَّذِي يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ وَاجِبًا فَكَيْفَ بِالْمُعَاوَضَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا؟ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَفْعَلُونَ هَذَا بِحكْمِ الْعَادَاتِ وَالطّبَاعِ وَطَاعَةِ السُّلْطَانِ، غَيْرَ مُسْتَشْعِرِينَ مَا فِي ذَلِكَ مِن طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَطَاعَةِ أُولي الْأَمْرِ فِيمَا أَمَرَ اللهُ بِطَاعَتِهِمْ فِيهِ. وَلهَذَا يَعُدُّونَ ذَلِكَ ظُلْمًا وَعَنَاءً، وَلَو عَلِمُوا أَنَّهُ طَاعَةٌ للهِ: احْتَسَبُوا أَجْرَهُ، وَزَالَت الْكَرَاهَةُ، وَلَو عَلِمُوا الْوُجُوبَ الشَّرْعِيَّ لَمْ يَعُدُّوهُ ظُلْمًا. وَكَذَلِكَ إذَا احْتَاجُوا إلَى الْقِتَالِ وَالْجِهَادِ بِالنَّفْسِ وَبَذَلُوا أَمْوَالًا مِن بَيْتِ الْمَالِ أَو مِن غَيْرِهِ؛ فَإِنَّ الْجِهَادَ وَإِن كَانَ فِيهِ مُخَاطَرَةٌ بِالنَّفْسِ ويُخَافُ فِيهِ الضَّرَرُ، لَكِنَّهُ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ إذَا بُذِلَ لِلْإِنْسَانِ الْمَالُ؛ فَإِنَ مَصْلَحَةَ الدِّينِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِوُجُوبِهِ، وَعَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَالِ نَفْسِهِ، فَإِذَا بُذِلَ لَهُ الْمَالُ كَانَ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ.

стр. 2357

فَمَن كَانَ مِن أَهْلِ صِنَاعَاتِ الْقِتَالِ: رَمْيًا وَضَرْبًا وَطَعْنًا وَرُكُوبًا وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" (١). وَكَذَلِكَ التُّجَّارُ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الْجِهَادِ: عَلَيْهِم بَيْعُ ذَلِكَ، وَإِذَا احْتَاجَ الْعَسْكَرُ إلَى خُرُوجِ قَوْمٍ تجَّارٍ فِيهِ لِبَيْعِ مَا لَا يُمْكِنُ الْعَسْكَرُ حَمْلهُ مِن طَعَامٍ وَلبَاسٍ وَسِلَاحٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَالتَّجَارَةُ كَالصِّنَاعَةِ. وَالْإِمَامُ الْعَدْلُ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيمَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ (٢)، وَغَيْرُ الْعَدْلِ تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيمَا عُلِمَ أَنَّهُ طَاعَةٌ كَالْجِهَادِ (٣). * * * (هل يطيع والديه في تركه أو ترك غيره ؟) ٣٣٨٦ - قال أبو بكر في زاد المسافر: من أغضب والديه وأبكاهما يرجع فيضحكهما. قال الشيخ تقي الدين بعد قول أبي بكر هذا: مقتضى قوله: أن يُبَرَّا في جميع المباحات، فما أمراه ائتمر، وما نهياه انتهى، ثم ذكر الشيخ تقي الدين: نصوص أحمد تدل على أنه لا طاعة لهما في ترك الفرض، وهي صريحة في عدم ترك الجماعة وعدم تأخير الحج. وروى المروذي عن علي بن عاصم: أنه سئل عن الشبهة فقال: أَطِعْ والديك. وذكر الشيخ تقي الدين رواية المروذي ثم قال: وقال في رواية ابن إبراهيم فيما هو شبهة فتعرض عليه أمه أن يأكل، فقال: إذا علم أنه حرام بعينه فلا يأكل، قال الشيخ تقي الدين: مفهوم هذه الرواية أنهما قد يطاعان إذا لم

стр. 2358

يُعلم أنه حرام، ورواية المروذي فيها أنهما لا يطاعان في الشبهة، وكلامه يدل على أنه لولا الشبهة لوجب الأكل؛ لأنه لا ضرر عليه فيه وهو يطيب نفسهما. * * * (جهاد الدفع) ٣٣٨٧ - إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب؛ إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والدٍ ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا. لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية؟ كلام أحمد فيه مختلف. وقتال الدفع: مثل أن يكون العدو كثيرًا لا طاقة للمسلمين به، لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين، فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا. ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم، فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف عنه بحال، ووقعة أحد من هذا الباب. ٣٣٨٨ - يجوز أن يغمس المسلم نفسه في صف الكفار لمصلحة، ولو غلب على ظنه أنهم يقتلونه. ٣٣٨٩ - يستعان باليهود والنصارى ولا يستعان باهل الأهواء كالرافضة والقدرية والجهمية وفروعهم والخوارج. ٣٣٩٠ - قال أبو علي بن الحسين بن أحمد بن المفضل البلخي: دخلت

стр. 2359

على أحمد بن حنبل فجاءه رسول الخليفة يسأله عن الاستعانة بأهل الأهواء فقال أحمد: لا يستعان بهم، قال: يستعان باليهود والنصارى ولا يستعان بهم؟ قال: إن النصارى واليهود لا يدعون إلى أديانهم وأصحاب الأهواء داعية، عزاه الشيخ تقي الدين إلى مناقب البيهقي وابن الجوزي يعني للإمام أحمد، وقال: فالنهي عن الاستعانة بالداعية لما فيه من الضرر على الأمة. * * * (من يعتبر برأيه في أمور الجهاد) ٣٣٩١ - الواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا، دون أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا. * * * (الحالة السياسية عام سبعمائة) ٣٣٩٢ - أَمَّا الطَّائِفَةُ بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَنَحْوِهِمَا فَهُم فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمُقَاتِلُونَ عَن دِينِ الْإِسْلَامِ، وَهُم مِن أَحَقِّ النَّاسِ دُخولًا فِي الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ: "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِن أُمّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَق لَا يَضُرُّهُم مَن خَالَفَهُم وَلَا مَن خَذَلَهُم حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ" (١)، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ (٢): "لَا يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ". وَقَد جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي صِفَةِ الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ "أَنَّهُم بِأَكْنَافِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ" (٣)، وَهَذ الطَّائِفَةُ هِيَ الَّتِي بِأَكْنَافِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ الْيَوْمَ.

стр. 2360

وَمَن يَتَدَبَّرُ أَحْوَالَ الْعَالَم فِي هَذَا الْوَقْتِ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَةَ هِيَ أَقْوَمُ الطَّوَائِفِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ: عِلْمًا وَعَمَلًا وَجِهَادًا عَن شَرْقِ الْأرْضِ وَغَرْبِهَا؛ فَإِنَّهُم هُم الَّذِينَ يُقَاتِلونَ أَهْلَ الشَّوْكَةِ الْعَظِيمَةِ مِن الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، وَمُغَازِيهِمْ مَعَ النَّصَارَى وَمَعَ الْمُشْرِكِينَ مِن التُّرْكِ وَمَعَ الزَّنَادِقَةِ الْمُنَافِقِينَ مِن الدَّاخِلِينَ فِي الرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمْ كالإسْماعيليَّة وَنَحْوِهِمْ مِن الْقَرَامِطَةِ مَعْرُوفَة مَعْلُومَةٌ قَدِيمًا وَحَدِيثًا. وَالْعِزُّ الَّذِي لِلْمُسْلِمِينَ بِمَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا هُوَ بِعِزِّهِمْ، وَلهَذَا لَمَّا هُزمُوا سنَةَ تِسْعٍ وَتسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ دَخَلَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِن الذُّلِّ وَالْمُصِيبَةِ بِمَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللهُ. وَالْحِكَايَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَة لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا. وَذَلِكَ أنَّ سُكانَ الْيَمَنِ فِي هَذَا الْوَقْتِ ضِعَافٌ عَاجِزُونَ عَن الْجِهَادِ أَو مُضَيِّعُونَ لَهُ، وَهُم مُطِيعُونَ لِمَن مَلَكَ هَذِهِ الْبِلَادَ، حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُم أَرْسَلُوا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِهَؤُلَاءِ. وَمَلِكُ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا جَاءَ إلَى حَلَبَ جَرَى بِهَا مِن الْقَتْلِ مَا جَرَى. وَأَمَّا سُكَّانُ الْحِجَازِ فَأَكْثَرُهُم أَو كَثِيرٌ مِنْهُم خَارِجُونَ عَن الشَّرِيعَةِ، وَفِيهِمْ مِن الْبِدع وَالضَّلَالِ وَالْفُجُورِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا الله، وَأَهْلُ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ فِيهِمْ مُسْتَضْعَفُونَ عَاجِزُونَ. وَإِنَّمَا تَكُونُ الْقُوَّةُ وَالْعِزَّةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِغَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِهَذِهِ الْبِلَادِ، فَلَو ذَلَّتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى- لَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِالْحِجَازِ مِن أذَلِّ النَّاسِ، لَا سِيَّمَا وَقَد غَلَبَ فِيهِم الرَّفْضُ، وَمُلْكُ هَؤُلَاءِ التَّتَارِ الْمُحَارِبِينَ للهِ وَرَسُولِهِ الْآنَ مَرْفُوضٌ، فَلَو غَلَبُوا لَفَسَدَ الْحِجَاز بِالْكُلِّيَّةِ. وَأَمَّا بِلَادُ إفْرِيقِيَّةَ فَأَعْرَابُهَا غَالِبُونَ عَلَيْهَا وَهُم مِن شَرِّ الْخَلْقِ؛ بَل هُم مُسْتَحِقُّونَ لِلْجِهَادِ وَالْغَزْوِ.

стр. 2361

وَأَمَّا الْمَغْرِبُ الْأَقْصَى فَمَعَ اسْتِيلَاءِ الْإِفْرِنْجِ عَلَى أَكْثَرِ بِلَادِهِمْ لَا يَقُومُونَ بِجِهَادِ النَّصَارَى هُنَاكَ؛ بَل فِي عَسْكَرِهِمْ مِن النَّصَارَى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الصُّلْبَانَ خَلْقٌ عَظِيمٌ، لَو اسْتَوْلَى التتارُ عَلَى هَذِهِ الْبِلَادِ لَكَانَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ مَعَهُم مِن أَذَلِّ النَّاسِ، لَا سِيَّمَا وَالنَّصارَى تَدْخُلُ مَعَ التَّتَارِ فَيَصِيرُونَ حِزْبًا عَلَى أَهْلِ الْمَغْرِبِ. فَهَذَا وَغَيْرُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الْعِصَابَةَ الَّتِي بِالشَّامِ وَمِصْرَ فِي هَذَا الْوَقْتِ هُم كَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ، وَعِزُّهُم عِزُّ الْإِسْلَامِ، وَذُلُّهُم ذُلُّ الْإِسْلَامِ، فَلَو اسْتَوْلَى عَلَيْهِم التَّتَارُ لَمْ يَبْقَ لِلْإِسْلَامِ عِزٌّ، وَلَا كَلِمَةٌ عَالِيَة، وَلَا طَائِفَة ظَاهِرَةٌ عَالِيَةٌ يَخَافُهَا أَهْلُ الْأرْضِ تُقَاتِل مِنْهُ. فَمَن قَفَزَ عَنْهُم إلَى التَّتَارِ كَانَ أَحَقَّ بِالْقِتَالِ مِن كَثِيرٍ مِن التَّتَارِ؛ فَإِنَّ التَّتَارَ فِيهِم الْمُكْرَهُ وَغَيْرُ الْمُكْرَهِ. * * * (لا يستعان بأهل الذمة) ٣٣٩٣ - لا يستعان بأهل الذمة في عمالة ولا كتابة؛ لأنه يلزم منه مفاسد أو يفضي إليها. وسئل أحمد في رواية أبي طالب عن الاستعانة بهم في مثل الخراج فقال: لا يستعان بهم في شيء، ومن تولى منهم ديوانًا (١) للمسلمين ينقض عهده، ومن ظهر منه أذى للمسلمين أو سعى في فساد لم يجز استعماله، لكن إن تاب ومضت مدة ظهر معها صدق توبته جاز استعماله، وغيره أولى منه بكل حال، فإن أبا بكر ﵁ عهد: ألا يستعمل من أهل الردة أحد وإن عاد إلى الإسلام؛ لما يخاف من فساد نياتهم. * * *

стр. 2362

(أصناف من يقاتل والغرض من قتالهم) ٣٣٩٤ - إذا قدر على كافر حربي فنطق بالشهادتين وجب الكف عنه، بخلاف الخارجين عن الشريعة؛ كالمرتدين الذين قاتلهم أبو بكر ﵁، أو الخوارج الذين قاتلهم علي: كالخرمية، والتتار، وأمثال هذه الطوائف ممن نطق بالشهادتين ولا يلتزم شرائع الإسلام. وأما الحربي إذا نطق بها: كف عنه، ثم إن لم يصلِّ فإنه يستتاب، فإن صلى وإلا قتله الإمام، وليس لأحدٍ من الرعية قتله (١)، إنما يقتله ولي الأمر عند مالك والشافعي وأحمد؛ وعند أبي حنيفة يعاقبه بدون القتل. وأما إذا كان في طائفة ممتنعين عن الصلاة ونحوها، فهؤلاء يقاتلون كقتال المرتدين والخوارج، ومن قدر عليه قتله، فيجب الفرق بين المقدور عليه وبين قتال الطائفة الممتنعة التي تحتاج إلى قتال. ٣٣٩٥ - يجب جهاد الكفار واستنقاذ ما بأيديهم من بلاد المسلمين وأسراهم، ويجب على المسلمين أن يكونوا يدًا واحدة على الكفار، وأن يجتمعوا ويقاتلوا على طاعة الله ورسوله والجهاد في سبيله، ويدعوا المسلمين إلى ما كان عليه السلف من الصدق وحسن الأخلاق، فإن هذا من أعظم أصول الإسلام وقواعد الإيمان. ٣٣٩٦ - لما بدلت اليهود التوراة ونسخت لم يبقوا مسلمين حيث كفروا ببعض الكتاب وآمنوا ببعض. ٣٣٩٧ - إِنَّ الْيَهُودَ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهَا غَلَبَت الْعَرَبَ؛ بَل كَانُوا مَغْلُوبِينَ مَعَهُمْ،

стр. 2363

وَكَانُوا يُحَالِفُونَ الْعَرَبَ؛ فَيُحَالِفُ كُلُّ فَرِيقٍ فَرِيقًا، كَمَا كَانَت قُرَيْظَةُ حُلَفَاءَ الْأَوْسِ، وَكَانَت النَّضِيرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ. فَالْيَهُودُ -مِن حِينِ ضرِبَتْ عَلَيْهِم الذِّلَّةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا إلَّا بِحَبْلٍ مِن اللهِ وَحَبْل مِن النَّاسِ- لَمْ يَكُونُوا بِمُجَرَّدِهِمْ يَنْتَصِرُونَ لَا عَلَى الْعَرَبِ وَلَا غَيْرِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُقَاتِلُونَ مَعَ حُلَفَائِهِمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَالذِّلَّةُ ضُرِبَتْ عَلَيْهِم مِن حِينِ بُعِثَ الْمَسِيحُ ﵇ فَكَذَّبُوهُ. ٣٣٩٨ - الزنديق وهو المنافق كمرتد .. وكذا قال ابن الجوزي بعد أن ذكر: هل جهادهم بالكلام أم بالسيف؟ وأورد على الثاني أنه لم يقع؟ فأجاب أنه إذا أظهروه. وكذا قال شيخنا: هذا كان أولًا ثم نزل: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦١]، فعلم أنهم إن أظهروه كما كانوا قتلوا. ٣٣٩٩ - قتال التتار ولو كانوا مسلمين هو مثل قتال الصديق ﵁ مانعي الزكاة، ويأخذ مالهم وذريتهم، وكذا المتحيز إليهم ولو ادعى إكراهًا. ومن أجهز على جريح لم يأثم ولو تشهد. ومن أخذ منهم شيئا: خمَّسَ وبقيته له. ومن ابتاع منهم مال مسلم: أخذه ربه، وإن جهله أعطى ما اشتراه به، وهو للمصالح. ٣٤٠٠ - من قفز إلى بلد العدو ولم يندفع ضرره (١) إلا بقتله (٢) جاز قتله؛ كالصائل.

стр. 2364

٣٤٠١ - الرافضة الجبلية يجوز أخذ أموالهم وسبي حريمهم، يُخَرَّج على تكفيرهم. ٣٤٠٢ - يجب أنْ يُحال بين الرافضي وبين أولاده في حال حياتهم؛ لأنه لا بد أن يفسد دينهم. ٣٤٠٣ - التمثيل: إن مثل الكفار بالمسلمين فالمثلة حق لهم، فلهم فعلها للاستيفاء وأخذ الثأر، ولهم تركها، والصبر أفضل، وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادةٌ في الجهاد ولا نكالٌ لهم عن نظيرها، فأما إن كان في التمثيل السائغ لهم دعاءٌ إلى الإيمان أو زجرٌ لهم عن العدوان فإنه هنا من إقامة الحدود والجهاد المشروع، ولم تكن القضيّة (١) في أحد كذلك؛ فلهذا كان الصبر أفضل. فأما إن كانت المثلة حقًّا لله تعالى (٢): فالصبر هناك واجب (٣)، كما يجب حيث لا يمكن الانتصار، ويحرم الجزع. ٣٤٠٤ - مَن كَانَ مِن الْمُحَارِبِينَ قَد قَتَلَ فَإِنَّهُ يقتلُهُ الْإِمَامُ حَدًّا، لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ بِحَال بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَا يَكُون أَمْرُهُ إلَى وَرَثَةِ الْمَقْتُولِ، بِخِلَافِ مَا لَو قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا لِعَدَاوَة بَيْنَهُمَا أَو خُصُومَةٍ أَو نَحْوِ ذَلِكَ مِن الْأسْبَابِ الْخَاصَّةِ، فَإِنَّ هَذَا دَمُهُ لِأَوْليَاءِ الْمَقْتُولِ: إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِن أَحَبُّوا عَفَوْا، وَإِن أَحَبُّوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، لِأَنَّهُ قَتَلَهُ لِغَرَض خَاصٍّ. وَأَمَّا الْمُحَارِبُونَ فَإِنَّمَا يَقْتُلُونَ لِأَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ، فَضَرَرُهُم عَامّ؛ بِمَنْزِلَةِ السُّرَّاقِ، فَكان قَتْلُهُم حَدًّا للهِ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، حَتَّى لَو كَانَ

стр. 2365

الْمَقْتُولُ غَيْرَ مُكَافِئٍ لِلْقَاتِلِ مِثْل أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ حُرًّا وَالْمَقْتُولُ عَبْدًا، أَو الْقَاتِلُ مُسْلِمًا وَالْمَقْتُولُ ذِمِّيًّا او مُسْتَأْمَنًا، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَل يُقْتَلُ فِي الْمُحَارَبَةِ؟ وَالْأقْوَى أَنَّهُ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ قُتلَ لِلْفَسَادِ الْعَامِّ حَدًّا كَمَا يُقطعُ إذَا أَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَكَمَا يُحْبَسُ بِحُقُوقِهِمْ. وَإِذَا كَانَ الْمُحَارِبُونَ الْحَرَامِيَّةُ جَمَاعَةً فَالْوَاحِدُ مِنْهُم بَاشَرَ الْقَتْلَ بِنَفْسِهِ وَالْبَاقونَ لَهُ أَعْوَان ورِدء لَهُ، فَقَد قِيلَ: إنَّهُ يُقْتَلُ الْمُبَاشِرُ فَقَطْ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ يُقْتَلُونَ وَلَو كَانُوا مِائَةً، وَأَنَّ الرِّدء وَالْمُبَاشِرَ سَوَاءٌ، وَهَذَا هُوَ الْمَأثُورُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ؛ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَتَلَ رَبِيئَةَ الْحُحَارِبِينَ، وَالرَّبِيئَةُ هُوَ النَّاظِرُ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَى مَكانٍ عَالٍ يَنْظُرُ مِنْهُ لَهُم مَن يَجِيءُ، وَلِأَنَّ الْمُبَاشِرَ إنَّمَا تَمَكَنَ مِن قَتْلِهِ بِقُوَّةِ الرّدْءِ وَمَعُونَتِهِ. وَالطَّائِفَة إذَا انْتَصَرَ بَعْضهَا بِبَعْضٍ حَتَّى صَارُوا مُمْتَنِعِينَ فَهُم مُشْتَرِكُونَ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ كَالْمُجَاهِدِينَ. وَهَكَذَا الْمُقْتَتِلُونَ عَلَى بَاطِلٍ لَا تَأْوِيلَ فِيهِ؛ مِثْل الْمُقْتَتِلِينَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ وَدَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ؛ كَقَيْس وَيمَن وَنَحْوِهِمَا: هُمَا ظَالِمَتَانِ. وَتَضمنُ كُلُّ طَائِفَةٍ مَا أَتْلَفَتْهُ لِلْأُخْرَى مِن نَفْسٍ وَمَالٍ، وَإِن لَمْ يُعْرفْ عَيْنُ الْقَاتِلِ؛ لِأنَّ الطَّائِفَةَ الْوَاحِدَةَ الْمُمْتَنِعَ بَعْضُهَا بِبَعْضُهَا كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ، وَعَيْنُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. وَلهَذَا كَانَ فِي مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ أَنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ يُقْتَلُ مِنْهُم الرِّدْءُ وَالْمُبَاشِرُ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَتَلَ رَبِيئَةَ الْمُحَارِبِينَ، وَهُوَ النَّاظِرُ الَّذِي يَنْظُرُ لَهُم الطَّرِيقَ. فالمتعاونون عَلَى الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ تَجِبُ عَلَيْهِم الْعُقُوبَةُ بِالضَّمَانِ وَغَيْرِهِ، وَلهَذَا قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ: إنَّ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْن عَلَى عَصَبِيَّةٍ وَرِياسَةٍ تَضْمَنُ كُلُّ طَائِفَةٍ مَا أتْلَفَتْ لِلْأُخْرَى مِن نَفْسٍ وَمَالٍ.

стр. 2366

فَأَوْجَبُوا الضَّمَانَ عَلَى مَجْمُوعِ الطَّائِفَةِ وَإِن لَمْ يُعْرَفْ عَيْنُ الْمُتْلِفِ. وَإِن كَانَ قَدْرُ الْمَنْهُوبِ مَجْهُولًا لَا يُعْرَفُ مَا نَهَبَ هَؤُلَاءِ مِن هَؤُلَاءِ، وَلَا قَدْرُ مَا نَهَبَ هَؤُلَاءِ مِن هَؤُلَاءِ: فَإِنَّهُ يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى التَّسَاوِي؛ كَمَنِ اخْتَلَطَ فِي مَالِهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ وَلَمْ يَعْرِفْ أَيَّهمَا أَكْثَرُ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ نِصْفَ مَالِهِ، وَالنِّصْفُ الْبَاقِي لَة حَلَالٌ؛ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالْعمَّالِ عَلَى الْأَمْوَالِ فَإِنَّهُ شَاطَرَهُمْ، فَأَخَذَ نِصْفَ أَمْوَالِ عُمَّالِهِ عَلَى الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقَ، فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّهُ اخْتَلَطَ بِأَمْوَالِهِمْ شَيْءٌ مِن أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَعْرِفْ لَا أَعْيَانَ الْمَمْلُوكِ وَلَا مِقْدَارَ مَا أَخَذَهُ هَؤُلَاءِ مِن هَؤُلَاءِ وَلَا هَؤُلَاءِ مِن هَؤُلَاءِ. بَل يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْوَاحِدِ أَقَلُّ مِن حَقِّهِ وَأَكْثَرُ، فَفِي مِثْل هَذَا يُقَرُّ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى مَا فِي يَدِهِ إذَا تَابَ مِن التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَإِنَّ الْمَجْهُولَ كَالْمَعْدُومِ، يَسْقطُ التَّكْلِيفُ بِهِ ويُزَكِّي ذَلِكَ الْمَالَ كَمَا يُزَكِّيهِ الْمَالِكُ. وَإِن عَرَفَ أَنَّ فِي مَالِهِ حَلَالًا مَمْلُوكًا وَحَرَامًا لَا يعْرِفُ مَالِكَهُ وَعَرَفَ قَدْرَهُ: فَإِنَّهُ يَقْسِمُ الْمَالَ عَلَى قَدْرِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَيَأْخُذُ قَدْرَ الْحَلَالِ، وَأَمَّا الْحَرَامُ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَن أَصْحَابِهِ، كَمَا يَفْعَلُ مَن عِنْدِهِ أَمْوَالٌ مَجْهُولَةُ الْمُلَّاكِ مِن غصوب وَعَوَارِيّ وَوَدَائِعَ؛ فَإِنَ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا، وَهَذَا هُوَ الْمَأثُورُ فِي مِثْل ذَلِكَ عَن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وَإِن لَمْ يَعْرِفْ مِقْدَارَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ: فَإِنَّهُ يَجْعَلُ الْمَالَ نِصْفَيْنِ يَأْخذُ لِنَفْسِهِ نِصْفَهُ، وَالنِّصْفُ الثَّانِي يُوْصِلُهُ إلَى أَصْحَابِهِ إنْ عَرَفَهُم وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ. وَمَا تَصَدَّقَ بِهِ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ: فَيُعْطَى مِنْهُ مَن يَسْتَحِقُّ الزَّكَاةَ، وَيُقْرَى مِنْهُ الضَّيْفُ، ويُعَانُ فِيهِ الْحَاجُّ، ويُنْفَقُ فِي الْجِهَادِ وَفِي أَبْوَابِ الْبِرِّ الَّتِي يُحِبُّهَا اللهُ وَرَسُولُهُ، كَمَا يُفْعَلُ بِسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمَجْهُولَةِ، وَهَكَذَا يَفْعَلُ مَن تَابَ مِنَ الْحَرَامِ وَبِيَدِهِ الْحَرَامٌ لَا يَعْرِفُ مَالِكَهُ.

стр. 2367

٣٤٠٥ - الْقَتْلُ الْمَشْرُوعُ: هُوَ ضَرْبُ الرَّقَبَةِ بِالسَّيْفِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَرْوَحُ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ. وَأَمَّا الصَّلْبُ الْمَذْكُورُ فَهُوَ رَفْعُهُم عَلَى مَكَانٍ عَالٍ لِيَرَاهُم النَّاسُ وَيَشْتَهِرَ أَمْرُهُمْ، وَهُوَ بَعْدَ الْقَتْلِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُم مَن قَالَ: يُصَلَّبُونَ ثُمَّ يُقَتَّلُونَ وَهُم مُصَلَّبُونَ. وَقَد جَوَّزَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَتْلَهُم بِغَيْرِ السَّيْفِ. فَأَمَّا التَّمْثِيلُ فِي الْقَتْلِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْقِصَاصِ .. وَالتَّرْكُ أَفْضَلُ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٦، ١٢٧]. قِيلَ: إنَّهَا نَزَلَتْ لَمَّا مَثَّلَ الْمُشْرِكُونَ بِحَمْزَة وَغَيْرِهِ مِن شُهَدَاءَ أُحُدٍ ﵃، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :"لَئِنْ أَظْفَرَنِي اللهُ بِهِم لَأُمَثِّلَنَّ بِضِعْفَيْ مَا مَثَّلُوا بِنَا"؛ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَإِن كَانَت قَد نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ، مِثْل قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ثُمَّ جَرَى بِالْمَدِينَةِ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْخِطَابَ فَأْنْزِلَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بَل نَصْبِرُ". وَلَو شَهَرُوا السِّلَاحَ فِي الْبُنْيَانِ -لَا فِي الصَّحْرَاءِ- لِأَخْذِ الْمَالِ فَقَد قِيلَ: إنَّهُم لَيْسُوا مُحَارِبِينَ بَل هُم بِمَنْزِلَةِ الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ يُدْرِكُهُ الْغَوْثُ إذَا اسْتَغَاثَ بِالنَّاسِ. وَقَالَ أَكْثَرُهُم: إنَّ حُكْمَهُم فِي الْبُنْيَانِ وَالصَّحْرَاءِ وَاحِدٌ .. بَل هُم فِي الْبُنْيَانِ أَحَقُّ بِالْعُقُوبَةِ مِنْهُم فِي الصَّحْرَاءِ؛ لِأَنَّ الْبُنْيَانَ مَحَلُّ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَلِأَنَّهُ مَحَلُّ تَنَاصُرِ النَّاسِ وَتَعَاوُنهِمْ فَإِقْدَامُهُم عَلَيْهِ يَقْتَضِي شِدَّةَ الْمُحَارَبَةِ وَالْمُغَالَبَةِ .. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.

стр. 2368

وَلَو حَارَبُوا بِالْعَصَا وَالْحِجَارَةِ الْمَقْذُوفَةِ بِالْأيْدِي أَو الْمَقَالِيعِ وَنَحْوِهَا: فَهُم مُحَارِبُونَ أَيْضًا. فَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْمُسْلِمِينَ: أَنَّ مَن قَاتَلَ عَلَى أَخْذِ الْمَالِ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِن أَنْوَاعِ الْقِتَالِ: فَهُوَ مُحَارِبٌ قَاطِعٌ (١)، كَمَا أَنَ مَن قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكُفَّارِ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِن أنْوَاعِ الْقِتَالِ فَهُوَ حَرْبِيٌّ، وَمَن قَاتَلَ الْكفَّارَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِسَيْفٍ أَو رُمْحٍ أَو سَهْمٍ أو حِجَارَةٍ أَو عَصًا فَهُوَ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ يَقْتُلُ النُفُوسَ سِرًّا لِأَخْذِ الْمَالِ .. فَهَل هُم كَالْمُحَارِبِينَ؟ أَو يَجْرِي عَلَيْهِم حُكْمُ الْقَوَدِ؟ .. وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ؛ بَل قَد يَكُونُ ضَرَرُ هَذَا أَشَدَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُدْرى بِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِمْ، فَأَمَّا إذَا طَلَبَهُم السُّلْطَانُ أَو نُوَّابُهُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ بِلَا عُدْوَانٍ فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُم بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَيْهِم كُلّهمْ، وَمَتَى لَمْ يَنْقَادُوا إلَّا بِقِتَال يُفْضِي إلَى قَتْلِهِمْ كُلّهِمْ قُوتِلُوا وَإِن أَفْضَى إلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانُوا قَد قَتَلُوا أو لَمْ يَقْتُلُوا. لَكِنْ قِتَالهُم لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ قِتَالِ الْكُفَّارِ إذَا لَمْ يَكُونُوا كُفَّارًا، وَلَا تُؤْخَذُ أَمْوَالُهُم إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَخَذُوا أَمْوَالَ النَّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ فَإِنَّ عَلَيْهِم ضَمَانَهَا فَيُؤْخَذُ مِنْهُم بِقَدْرِ مَا أَخَذُوا وَإِن لَمْ نَعْلَمْ عَيْنَ الْآخِذِ. وَكَذَلِكَ لَو عُلِمَ عَيْنهُ؛ فَإِنَّ الرِّدْءَ وَالْمُبَاشِرَ سَوَاءٌ كَمَا قُلْنَاهُ، لَكِنْ إذَا عُرِفَ عَيْنهُ كَانَ قَرَارُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ، ويُرَدُّ مَا يُؤخَذُ مِنْهُم عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الرَّدُّ عَلَيْهِم كَانَ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، مِن رِزْقِ الطَّائِفَةِ الْمُقَاتِلَة لَهُم وَغَيْرِ ذَلِكَ.

стр. 2369

بَلِ الْمَقْصُودُ مِن قِتَالِهِمْ التَّمَكُّنُ مِنْهُم لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ، وَمَنْعهمْ مِنَ الْفَسَادِ، فَإِذَا جُرِحَ الرَّجُل مِنْهُم جُرْحًا مُثْخَنًا لَمْ يُجْهَزْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَد وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ. وَإِذَا هَرَبَ وَكَفَانَا شَرَّهُ لَمْ نَتَّبِعْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حَدٌ أَو نَخَافُ عَاقِبَتَهُ، وَمَن أُسر مِنْهُم أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ الَّذِي يُقَائم عَلَى غَيْرِهِ. فَأَمَّا إذَا تَحَيَّزُوا إلَى مَمْلَكَةِ طَائِفَةٍ خَارِجَةٍ عَن شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَأَعَانُوهُم عَلَى الْمُسْلِمِينَ قُوتِلُوا كَقِتَالِهِمْ. وَأَمَّا مَن كَانَ لَا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَلَكِنَّهُ يَأخُذُ خفَارَةً أَو ضَرِيبَة مِن أَبْنَاءِ السَّبِيلِ عَلَى الرُّؤُوسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَحْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا مكاس عَلَيْهِ عُقُوبَةُ المكاسين، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ قَتْلِهِ وَلَيْسَ هُوَ مِن قُطَّاعِ الطَّرِيقِ؛ فَإِنَّ الطَّرِيقَ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ، مَعَ أَنَّهُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الغامدية: "لَقَد تَابَتْ تَوْبَةً لَو تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ" (١). وَيجُوزُ لِلْمَظْلُومِينَ -الَّذِينَ تُرَادُ أَمْوَالُهُم- قِتَالُ الْمُحَارِبِينَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُبْذَلَ لَهُم مِنَ الْمَالِ لَا قَلِيل وَلَا كَثِيرٌ إذَا أَمْكَنَ قِتَالُهُمْ. وَهَذَا الَّذِي تُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ: "الصَّائِلُ "، وَهُوَ الظَّالِمُ بِلَا تَأْوِيل وَلَا وِلَايَةٍ. فَإِذَا كَانَ مَطْلُوبُهُ الْمَالَ جَازَ دَفْعُهُ بِمَا يُمْكِنُ، فَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بالْقِتَال قوتِلَ، وَإِن تَرَكَ الْقِتَالَ وَأَعْطَاهُم شَيْئًا مِنَ الْمَالِ جَازَ. وَأمَّا إذَا كَانَ مَطْلُوبُهُ الْحُرْمَةَ؛ مِثْل أَنْ يَطْلُبَ الزنى بِمَحَارِمِ الْإِنْسَانِ، أَو يَطْلُبَ مِنَ الْمَرْأَةِ أَو الصَّبِيِّ الْمَمْلُوكِ أَو غَيْرِهِ الْفُجُورَ بِهِ: فَإِنَّه يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ عَن نَفْسِهِ بِمَا يُمْكِنُ وَلَو بِالْقِتَالِ، وَلَا يَجُوزُ التَّمْكِينُ مِنْهُ بِحَال، بِخِلَافِ

стр. 2370

الْمَالِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّمْكِينُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ بَذْلَ الْمَالِ جَائِزٌ، وَبَذْلَ الْفُجُورِ بِالنَّفْسِ أَو بِالْحُرْمَةِ غَيْرُ جَائِزٍ. وَلَو كَانَت لَهُم شَوْكَةٌ قَوِيَّةٌ تَحْتَاجُ إلَى تَأْلِيفٍ فَأَعْطَى الْإِمَامُ مِنَ الْفَيْءِ وَالْمَصَالِحِ وَالزكَاةِ لِبَعْضِ رُؤَسَائِهِمْ يُعِينُهُم عَلَى إحْضَارِ الْباقِينَ أَو لِتَرْكِ شَرِّهِ فَيَضْعُفُ الْبَاقُونَ وَنَحْوُ ذَلِكَ: جَازَ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ مِن الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَقَد ذَكَرَ مِثْل ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأُصُولِ الشَّرِيعَةِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرْسِلَ الْإِمَامُ مَن يَضْعُفُ عَن مُقَاوَمَةِ الْحَرَامِيَّةِ، وَلَا مَن يَأخُذُ مَالًا مِنَ الْمَأخُوذِينَ: التُّجَّارُ وَنَحْوُهُم مِن أَبْنَاءِ السَّبِيلِ؛ بَل يُرْسِلُ مِنَ الْجُنْدِ الْأَقْوِيَاءَ الْأُمَنَاءَ، إلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَلِكَ فَيُرْسِلُ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ. ٣٤٠٦ - مَن آوَى مُحَارِبًا أَو سَارِقًا أَو قَاتِلًا وَنَحْوَهُم مِمَن وَجَبَ عَلَيْهِ حَدٌّ أَو حَق للهِ تَعَالَى أَو لِآدَمِيِّ وَمَنَعَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ الْوَاجِبَ بِلَا عُدْوَانٍ فَهُوَ شَرِيكُهُ فِي الْجُرْمِ، وَقَد لَعَنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، رَوَى مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" عَن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :"لَعَنَ اللهُ مَن أَحْدَثَ حَدَثًا أَو آوَى مُحْدِثًا" (١). وَإِذَا ظُفِرَ بِهَذَا الَّذِي آوَى الْمُحْدِثَ فَإِنَّهُ يُطلَب مِنْهُ إحْضَارهُ أَو الْإِعْلَام بِهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ عُوقِبَ بِالْحَبْسِ وَالضرْبِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ حَتَّى يُمَكنَ مِن ذَلِكَ الْمحدِثِ. وَلَو كانَ رَجُلًا يَعْرِفُ مَكَانَ الْمَالِ الْمَطْلُوبِ بِحَقّ أَو الرَّجُلَ الْمَطْلُوبَ بِحَقّ وَهُوَ الَّذِي يَمْنَعُهُ فَإِنَّه يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعْلَامُ بِهِ وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ كِتْمَانُهُ، فَإِنَّ هَذَا مِن بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَذَلِكَ وَاجِبٌ.

стр. 2371

وَلَيْسَ هَذَا بِمُطَالَبَة لِلرَّجُلِ بِحَقّ وَجَب عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا عُقُوبَةٍ عَلَى جِنَايَةِ غَيْرِهِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥] … فَإِنَّمَا يُعَاقَبُ عَلَى ذَنْبِ نَفْسِهِ، وَهوَ أَنْ يَكُونَ قَد عَلِمَ مَكَانَ الظَّالِمِ الَّذِي يُطْلبُ حُضُورهُ لِاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، أَو يَعْلَمُ مَكَانَ الْمَالِ الَّذِي قَد تَعَلَّقَ بِهِ حُقُوقُ الْمُسْتَحِقِّينَ فَيَمْتَنِعُ مِنَ الْإِعَانَةِ وَالنُّصْرَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. ٣٤٠٧ - مَن كَانَ مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ يُؤوِي أَهْلَ الْحَرْبِ أَو يُعَاوِنُهُم عَلَى الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّهُ قَد انْتَقَضَ عَهْدُهُ، وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ، وَالْوَاجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأمُورِ أَلَّا يَتْرُكُوا مِثْل هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤْمَنُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مَوْضِعٍ يُخَافُ ضَرَرُهُم عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَو يُنْقَلُ إلَيْهِم أَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ قَد انْتَقَضَ عَهْدُهُ وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ. ٣٤٠٨ - كُلُّ مَن بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَى دِينِ اللهِ الَّذِي بَعَثَهُ بِهِ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهُ ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. ٣٤٠٩ - مَن لَمْ يَكُن مِن أَهْلِ الْمُمَانَعَةِ وَالْمُقَاتِلَةِ كَالنِّسَاءِ وَالصّبْيَانِ وَالرَّاهِبِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ وَنَحْوِهِمْ فَلَا يُقْتَلُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ بِقَوْلِهِ أَو فِعْلِهِ. وَإِن كَانَ بَعْضُهُم يَرَى إبَاحَةَ قَتْلِ الْجَمِيعِ لِمجَرَّدِ الْكُفْرِ إلَّا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ؛ لِكَوْنِهِمْ مَالًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْقِتَالَ هُوَ لِمَن يُقَاتِلُنَا إذَا أَرَدْنَا إظْهَارَ دِينِ اللهِ. ٣٤١٠ - ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ أَمَرَ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ .. فَثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ يُقَاتَلُ مَن خَرَجَ عَن شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ وَإِن تَكَلَّمَ بِالشَّهَادَتَيْنِ.

стр. 2372

٣٤١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الطَّائِفَة الْمُمْتَنِعَةِ لَو تَرَكَت السُّنَّةَ الرَّاتِبَةَ كَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ هَل يَجُوزُ قِتَالُهَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. فَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ وَالْمحَرَّمَاتُ الظَاهِرَةُ وَالْمُسْتَفِيضَةُ فَيُقَاتَلُ عَلَيْهَا بِالِاتِّفَاقِ (١). وَقِتَالُ هَؤُلَاءِ وَاجِبٌ ابْتِدَاءً بَعْدَ بُلُوغِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ إلَيْهِم بِمَا يُقَاتَلُونَ عَلَيْهِ. فَأَمَّا إذَا بَدَؤُوا الْمُسْلِمِينَ فَيَتَأَكَّدُ قِتَالُهُم كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي قِتَالِ الْمُمْتَنِعِينَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ قُطَّاعِ الطُّرُقِ. فَأَمَّا إذَا أَرَادَ الْعَدُوُّ الْهُجُومَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ دَفْعُهُ وَاجِبًا عَلَى الْمَقْصُودِينَ كُلِّهِمْ وَعَلَى غَيْرِ الْمَقْصُودِينَ؛ لِإِعَانَتِهِمْ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]، وَكَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَصْرِ الْمُسْلِمِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الرَّجُلُ مِن الْمُرْتَزَقَةِ لِلْقِتَالِ أَو لَمْ يَكُنْ (٢). وَهَذَا يَجِبُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ مَعَ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ، وَالْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ، كَمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ لَمَّا قَصَدَهُم الْعَدُوُّ عَامَ الْخَنْدَقِ لَمْ يَأذَن اللهُ فِي تَرْكِهِ لِأَحَد، كَمَا أَذِنَ فِي تَرْكِ الْجِهَادِ ابْتِدَاءً لِطَلَبِ الْعَدُوِّ الَّذِي قَسَمَهُم فِيهِ إلَى قَاعِدٍ وَخَارجٍ؛ بَل ذَمَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ : ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾ [الأحزاب: ١٣].

стр. 2373

فَهَذَا دَفْعٌ عَن الدِّينِ وَالْحُرْمَةِ وَالْأنْفَسِ، وَهُوَ قِتَالُ اضْطِرَارٍ، وَذَلِكَ قِتَالُ اخْتِيَارٍ لِلزِّيَادَةِ فِي الدِّينِ وَإِعْلَائِهِ وَلِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ كَغَزَاةِ تبُوكَ وَنَحْوِهَا. فَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْعُقُوبَةِ هُوَ لِلطَّوَائِفِ الْمُمْتَنِعَةِ. فَأمَّا غَيْر الْمُمْتَنِعِينَ مِن أَهْلِ دِيَارِ الْإِسْلَامِ وَنَحْوِهِمْ فَيَجِبُ إلْزَامُهُم بِالْوَاجِبَاتِ الَّتِي هِيَ مَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا مِن أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ وَالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ٣٤١٢ - أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ عَن شَرِيعَةٍ مِن شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ: فَإِنَهُ يَجِبُ قِتَالُهَا حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ. فَلَو قَالوا: نُصَلِّي وَلَا نُزَكِّي، أَو نصَلِّي الْخَمْسَ وَلَا نُصَلِّي الْجُمعَةَ وَلَا الْجَمَاعَةَ، أَو نَقُومُ بِمَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ وَلَا نُحَرِّمُ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ، أَو لَا نَتْرُكُ الرِّبَا وَلَا الْخَمْرَ وَلَا الْمَيْسِرَ، أَو نتَبعُ الْقُرْآنَ وَلَا نَتَّبعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلَا نَعْمَلُ بِالْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ عَنْهُ، أَو نَعْتَقِدُ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى خَيْرٌ مِن جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ أَهْلَ الْقِبْلَةِ قَد كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُم مُؤْمِنٌ إلَّا طَائِفَة قَلِيلَة (١)، أَو قَالُوا: إنَّا لَا نُجَاهِدُ الْكُفَّارَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ (٢)، أَو غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأمُورِ الْمُخَالِفَةِ لِشَرِيعَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَّتِهِ وَمَا عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّهُ يَجِبُ جِهَادُ هَذِهِ

стр. 2374

الطَّوَائِفِ جَمِيعِهَا كَمَا جَاهَدَ الْمُسْلِمُونَ مَانِعِي الزَّكَاةِ، وَجَاهَدُوا الْخَوَارجِ وَأَصْنَافَهُمْ، وَجَاهَدُوا الخرمية وَالْقَرَامِطَةَ وَالْبَاطِنِيَّةَ وَغَيْرَهُم مِن أَصْنَافِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ الْخَارِجِينَ عَن شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كتَابِهِ: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال: ٣٩]، فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الذينِ للهِ وَبَعْضُهُ لِغَيْرِ اللهِ: وَجَبَ قِتَالُهُم حَتَّى يَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ للهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة؛ ٥]، فَلَمْ يَأْمُرْ بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ إلَّا بَعْدَ التَّوْبَةِ مِن جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ، وَبَعْدَ إقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ. ٣٤١٣ - قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]، فَكَلُّ مَن خَرَجَ عَن سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَشَرِيعَتِهِ: فَقَد أَقْسَمَ اللهُ بِنَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ أَنَّهُ لَا يُؤمِنُ حَتَّى يَرْضَا بِحُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي جَمِيعِ مَا يَشْجُرُ بَيْنَهُم مِن أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَحَتَّى لَا يَبْقَى فِي قُلُوبِهِم حَرَفي مِن حُكْمِهِ (١). ٣٤١٤ - وسُئل الشيخ: مَا تَقُولُ الْفُقَهَاءُ أَئِمَّةُ الدِّينِ: فِي هَؤُلَاءِ التَّتَارِ الَّذِينَ قَدِمُوا سَنَةَ تِسْع وَتسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَفَعَلُوا مَا اشْتَهَرَ مَن قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ وَسَبْيِ بَعْضِ الذَّرَارِيِّ وَالنَّهْبِ لِمَن وَجَدُوهُ مِن الْمُسْلِمِينَ وَهَتَكُوا حُرُمَاتِ الدِّينِ.

стр. 2375

وَادَّعَوْا مَعَ ذَلِكَ التَّمَسُّكَ بِالشَّهَادَتَيْنِ .. فَهَل يَجُوزُ قِتَالُهُم أَو يَجِبُ؟ فَأَجَابَ: .. هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الْمَسْؤُولُ عَنْهُمْ: عَسْكَرُهُم مُشْتَمِلٌ عَلَى قَوْمٍ كفَّارٍ مِن النَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ، وَعَلَى قَوْمٍ مُنْتَسِبِينَ إلَى الْإِسْلَامِ- وَهُم جُمْهُورُ الْعَسْكَرِ- يَنْطِقُونَ بِالشَّهَادَتَيْنِ إذَا طُلِبَتْ مِنْهُمْ، وَيُعَظِّمُونَ الرَّسُولَ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مَن يُصَلِّي إلَّا قَلِيلًا جِدًّا، وَصَوْمُ رَمَضَانَ أَكْثَرُ فِيهِمْ مِن الصَّلَاةِ، وَالْمُسْلِمُ عِنْدَهُم أعْظَمُ مِن غَيْرِهِ، وَللصَّالِحِينَ مِن الْمُسْلِمِينَ عِنْدَهُم قَدْرٌ، وَعِنْدَهُم مِن الْإِسْلَامِ بَعْضُهُ، وَهُم مُتَفَاوِتُونَ فِيهِ. لَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّتُهُم وَاَلَّذِي يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ: مُتَضَمِّنٌ لِتَرْكِ كَثِير مِن شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ أَو أَكْثَرِهَا. فَإِنَّهُم أَوَّلًا: يُوجِبُونَ الْإِسْلَامَ وَلَا يُقَاتِلُونَ مَن تَرَكَهُ؛ بَل مَن قَاتَلَ عَلَى دَوْلَةِ الْمَغُولِ عَظَّمُوهُ وَتَرَكُوهُ وَإِن كَانَ كَافِرًا عَدُوًّا للهِ وَرَسُولِهِ، وَكُلُّ مَن خَرَجَ عَن دَوْلَةِ الْمَغُولِ أَو عَلَيْهَا اسْتَحَلُّوا قِتَالَهُ وَإِن كَانَ مِن خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ. فَلَا يُجَاهِدُونَ الْكُفَّارَ وَلَا يُلْزِمُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِالْجِزْيَةِ وَالصَّغَارِ وَلَا يَنْهَوْنَ أَحَدًا مِن عَسْكَرِهِمْ أَنْ يَعْبُدَ مَا شَاءَ مِن شَمْسٍ أَو قَمَرٍ أَو غَيْرِ ذَلِكَ. بَل الظَّاهِرُ مِن سِيرَتِهِمْ أَنَّ الْمُسْلِمَ عِنْدَهُم بِمَنْزِلَةِ الْعَدْلِ أَو الرَّجُلِ الصَّالِحِ، أَو الْمُتَطَوِّعِ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَالْكَافِرُ عِنْدَهُم بِمَنْزِلَةِ الْفَاسقِ فِي الْمُسْلِمِينَ أَو بِمَنْزِلَةِ تَارِكِ التَّطَوُّعِ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا: عَامَّتُهُم لَا يُحَرِّمُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُم إلا أَنْ يَنْهَاهُم عَنْهَا سُلْطَانُهُمْ؛ أَيْ: لَا يَلْتَزِمُونَ تَرْكَهَا، وَإِذَا نَهَاهُم عَنْهَا أَو عَن غَيْرِهَا أَطَاعُوهُ لِكَوْنِهِ سُلْطَانًا لَا بِمُجَرَّدِ الدِّينِ. وَعَامَّتُهُم لَا يَلْتَزِمُونَ أَدَاءَ الْوَاجِبَاتِ لَا مِن الصَّلَاةِ وَلَا مِن الزَّكَاةِ وَلَا مِن

стр. 2376

الْحَجِّ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا يَلْتَزِمُونَ الْحُكْمَ بَيْنَهُم بِحُكْمِ اللهِ؛ بَل يَحْكُمُونَ بِأَوْضَاعِ لَهُم تُوَافِق الْإِسْلَامَ تَارَةً وَتُخَالِفُهُ أُخْرَى. وَقِتَالُ هَذَا الضَّرْبِ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ مَن عَرَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَعَرَفَ حَقِيقَةَ أَمْرِهِمْ. نَعَمْ، يَجِبُ أَنْ يُسْلَكَ فِي قِتَالِهِ الْمَسْلَكَ الشَّرْعِيَّ مِن دُعَائِهِمْ إلَى الْتِزَامِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ إنْ لَمْ تَكُن الدَّعْوَةُ إلَى الشَّرَائِعِ قَد بَلَغَتْهُمْ، كَمَا كَانَ الْكَافِرُ الْحَرْبِيُّ يُدْعَى أَوَّلًا إلَى الشَّهَادَتَيْنِ إنْ لَمْ تكُن الدَّعْوَةُ قَد بَلَغَتْهُ. فَإِنَّ اتَّفَقَ مَن يُقَاتِلُهُم عَلَى الْوَجْهِ الْكَامِلِ: فَهُوَ الْغَايَةُ فِي رِضْوَانِ اللهِ وَإِعْزَازِ كَلِمَتِهِ، وَإِقَامَةِ دِينهِ، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ. وَإِن كَانَ فِيهِمْ (١) مَن فِيهِ فُجُورٌ وَفَسَادُ نِيَّةٍ، بأَنْ يَكُونَ يُقَاتِلُ عَلَى الرِّيَاسَةِ، أَو يَتَعَدَّى عَلَيْهِم فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، وَكَانَت مَفْسَدَةُ تَرْكِ قِتَالِهِمْ أَعْظَمَ عَلَى الدِّينِ مِن مَفْسَدَةِ قِتَالِهِمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: كَانَ الْوَاجِبُ أَيْضًا قِتَالَهُم دَفْعًا لِأَعْظَمِ الْمُفْسِدَتَيْنِ بِالْتِزَامِ أَدْنَاهُمَا؛ فَإِنَّ هَذَا مِن أُصُولِ الْإِسْلَامِ الَّتِي يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهَا (٢). وَلهَذَا كَانَ مِن أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْغَزْوُ مَعَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ؛ فَإِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ وَبِأَقْوَام لَا خَلَاقَ لَهُم، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَّفِق الْغَزْوُ إلا مَعَ الْأُمَرَاءِ الْفُجَّارِ أَو مَعَ عَسْكَرٍ كَثِيرِ الْفُجُورِ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِن أَحَدِ أَمْرَيْنِ: أ- إمَّا تَرْكُ الْغَزْوِ مَعَهُمْ، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ اسْتِيلَاءُ الْآخَرِينَ الَّذِينَ هُم أَعْظَمُ ضَرَرًا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا.

стр. 2377

ب- وَإِمَّا الْغَزْوُ مَعَ الْأَمِيرِ الْفَاجِرِ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ دَفْعُ الْأَفْجَرِينَ، وَإِقَامَةُ أَكْثَرِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَإِن لَمْ يُمْكِنْ إقَامَةُ جَمِيعِهَا، فَهَذَا هوَ الْوَاجِبُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَكُلّ مَا أَشْبَهَهَا؛ بَل كَثِيرٌ مِن الْغَزْوِ الْحَاصِلِ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ لَمْ يَقَعْ إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. فَإِذَا أَحَاطَ الْمَرْءُ عِلْمًا بِمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِن الْجِهَادِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الْأُمَرَاءُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَبِمَا نَهَى عَنْهُ مِن إعَانَةِ الظَّلَمَةِ عَلَى ظُلْمِهِمْ: عَلِمَ أَنَّ الطَّرِيقَةَ الْوُسْطَى الَّتِي هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ الْمَحْضِ جِهَادُ مَن يَسْتَحِقُّ الْجِهَادَ؛ كَهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمَسْؤُولِ عَنْهُم مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ وَطَائِفَةٍ هِيَ أَوْلَى بِالْإِسْلَامِ مِنْهُمْ، إذَا لَمْ يُمْكِنْ جِهَادُهُم إلَّا كَذَلِكَ، وَاجْتِنَابُ إعَانَةِ الطَّائِفَةِ الَّتِي يَغْزُو مَعَهَا عَلَى شَيءٍ مِن مَعَاصِي اللهِ؛ بَل يُطِيعُهُم فِي طَاعَةِ اللهِ، وَلَا يُطِيعُهُم فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إذ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوق فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ خِيَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا. وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُل فكَلَّفٍ، وَهِيَ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ طَرِيقِ الحرورية وَأَمْثَالِهِمْ مِمَن يسلك مَسْلَكَ الْوَرَعِ الْفَاسِدِ النَّاشِئِ عَن قِلَّةِ الْعِلْمِ، وَبَيْنَ طَرِيقَةِ الْمُرْجِئَةِ وَأَمْثَالِهِمْ مِمَن يَسْلُكُ مَسْلَكَ طَاعَةِ الْأمَرَاءِ مُطْلَقًا وَإِن لَمْ يَكُونُوا أَبْرَارًا. ٣٤١٥ - اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُم عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَإِن كَانُوا يُصَلُّونَ الْخَمْسَ وَيَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ. وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُن لَهُم شُبْهَةٌ سَائِغَةٌ، فَلِهَذَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ (١)، وَهُم يُقَاتَلُونَ عَلَى مَنْعِهَا وَإِن أَقَرُّوا بِالْوُجُوبِ كَمَا أَمَرَ اللهُ.

стр. 2378

٣٤١٦ - رَوَى مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ قِصَّةَ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ، وَفِيهَا: أَنَّ الْغُلَامَ أَمرَ بِقَتْلِ نَفْسِهِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ ظُهُورِ الدِّينِ، وَلهَذَا جَوَّزَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ أَنْ يَنْغَمِسَ الْمُسْلِمُ فِي صَفِّ الْكُفَّارِ وَإِن غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُم يَقْتُلُونَهُ؛ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَة لِلْمُسْلِمِينَ. ٣٤١٧ - قِتَالُ التَّتَارِ الَّذِينَ قَدِمُوا إلَى بِلَادِ الشَّامِ وَاجِبٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، وَالدِّينُ هُوَ الطَّاعَةُ، فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الدِّينِ للهِ وَبَعْضُهُ لِغَيْرِ اللهِ وَجَبَ الْقِتَالُ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ؛ وَلهَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الطَّائِفِ لَمَّا دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامٍ وَالْتَزَمُوا الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ، لَكِن امْتَنَعوا مِن تَرْكِ الرِّبَا، فَبَيَّنَ اللهُ أَنَهُم مُحَارِبُونَ لهُ وَلرَسُولِهِ إذَا لَمْ يَنْتَهُوا عَن الرِّبَا. وَالرِّبَا هُوَ آخِرُ مَا حَرَّمَهُ اللهُ، وَهُوَ مَالٌ يُؤخَذُ بِرضى صَاحِبِهِ. فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ مُحَارِبِينَ للهِ وَرَسُولِهِ يَجِبُ جِهَادُهُمْ، فَكَيْفَ بِمَن يَتْرُكُ كَثيرًا مِن شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ أَو أَكْثَرَهَا كَالتَّتَارِ؟ وَقَد اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ الطَّائِفَةَ الْمُمْتَنِعَةَ إذَا امْتَنَعَتْ عَن بَعْضِ وَاجِبَاتِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهَا.

стр. 2379

٣٤١٨ - أَمَرَ النَّبِي ﷺ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَنْ تَخْرُجَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِن جَزِيرَةِ الْعَرَبِ- وَهِيَ الْحِجَازُ- فَأَخْرَجَهُم عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ ﵁ من الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ وَينْبُعَ وَالْيَمَامَةِ وَمَخَالِيف هَذِهِ الْبِلَادِ (١). فَمَا كَانَ دُونَ وَادِي الْمُنْحَنَى فَهُوَ مِن الشَّامِ: مِثْل مَعَانٍ. وَأَمَّا الْعُلَى وَتَبُوكَ وَنَحْوُهمَا: فَهُوَ مِن أَرْضِ الْحِجَازِ. * * * (هل قاتل الصحابة للجن ؟) ٣٤١٩ - لَمْ يُقَاتِلْ أَحَدٌ مِن الْإِنْسِ لِلجِنِّ، لَا عَلِيٌّ وَلَا غَيْرُهُ؛ بَل عَلِي كَانَ أجَلَّ قَدْرًا مِن ذَلِكَ، وَالْجِنُّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الصَّحَابَةَ يُقَاتِلُونَ كُفَّارَ الْجِنِّ، لَا يَحْتَاجُونَ فِي ذَلِكَ إلَى قِتَالِ الصَّحَابَةِ مَعَهُمْ. * * * (الاسترقاق) ٣٤٢٠ - الرق الشرعى سببه الكفر، لَمَّا لم يسلم ويعبد الله أباح الله للمسلم أن يستعبده. ٣٤٢١ - سئل أبو العباس عن سبي ملطية مسلميها ونصاراها: فحرم مال المسلمين وأباح سبي النصارى وذريتهم ومالهم كسائر الكفار؛ إذ لا ذمة لهم ولا عهد؛ لأنهم نقضوا عهدهم السابق من الأئمة بالمحاربة وقطع الطريق وبما فيه الغضاضة علينا والإعانة على ذلك، ولا يعقد لهم الأمن عن قتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وهؤلاء التتر لا يقاتلونهم على ذلك؛ بل بعد إظهار إسلامهم لا يقاتلون الناس على الإسلام؛ ولهذا وجب قتال التتر حتى يلتزموا شعائر الإسلام،

стр. 2380

ومنها الجهاد وإلزام أهل الذمة بالجزية والصغار، ونواب التتر، الذين يسمون الملوك لا يجاهدون على الإسلام، وهم تحت حكم التتر. ونصارى أهل ملطية وأهل المشرق ويهودهم لو كان لهم ذمة وعهد من ملك مسلم يجاهدهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية كأهل المغرب واليمن لما لم يعاملوا أهل مصر والشام معاملة أهل العهد جاز لأهل مصر والشام غزوهم واستباحة دمهم ومالهم؛ لأن أبا جندل وأبا بصير حاربا أهل مكة مع أن بينهم وبين النبي ﷺ عهدًا، وهذا باتفاق الأئمة؛ لأن العهد والذمة إنما يكون من الجانبين، والسبي المشتبه يحرم استرقاقه. ٣٤٢٢ - يحكم بإسلام الطفل إذا مات أبواه أو كان نسبه منقطعًا؛ مثل كونه ولد زنا، أو منفيًّا بلعان. وقاله غير واحد من العلماء. * * * (الأموال السلطانية ومصارفها) ٣٤٢٣ - الْأَمْوَالُ السُّلْطَانِيَّةُ الَّتِي أَصْلُهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: أ- الْغَنِيمَةُ. ب- وَالصَّدَقَةُ. ج- وَالْفَيءُ. فَأَمَّا الْغَنِيمَةُ: فَهِيَ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنَ الْكُفَّارِ بِالْقِتَالِ، ذَكَرَهَا اللهُ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ الَّتِي أَنْزَلَهَا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ وَسَمَّاهَا أَنْفَالًا؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ. فَالْوَاجِبُ فِي الْمَغْنَمِ تَخْمِيسُهُ، وَصَرْفُ الْخُمُسِ إلَى مَن ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى، وَقِسْمَةُ الْبَاقِي بَيْنَ الْغَانِمِينَ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: الْغَنِيمَةُ لِمَن شَهِدَ الْوَقْعَةَ. وَهُم الَّذِينَ شَهِدُوهَا لِلْقِتَالِ، قَاتَلُوا أَو لَمْ يُقَاتِلُوا.

стр. 2381

وَيجِبُ قَسْمُهَا بَيْنَهُم بِالْعَدْلِ، فَلَا يُحَابَى أَحَدٌ لَا لِرِيَاسَتِهِ وَلَا لِنَسَبِهِ وَلَا لِفَضْلِهِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ يَقْسِمُونَهَا. لَكِنْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ مَن ظَهَرَ مِنْهُ زِيَادَةُ نِكَايَةٍ؛ كَسَرِيَّة تَسَرَّتْ مِن الْجَيْشِ، أَو رَجُلٍ صَعِدَ حِصْنًا عَالِيًا فَفَتَحَهُ، أَو حَمَلَ عَلَى مُقَدَّمِ الْعَدُوِّ فَقَتَلَهُ فَهَزَمَ الْعَدُوَّ وَنَحْو ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَخُلَفَاءَهُ كَانُوا يُنَفِّلُونَ لِذَلِكَ. وَكَانَ يُنَفِّلُ السّرِيَّةَ فِي الْبِدَايَةِ الرّبعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَهَذَا النَّفْلُ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّهُ يَكُونُ مِن الْخُمُسِ. وَقَالَ بَعْضُهُم: إنَّهُ يَكُونُ مِن خمُسِ الْخُمُسِ؛ لِئَلَّا يُفَضِّلَ بَعْضَ الْغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَجُوزُ مِن أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ وَإِن كَانَ فِيهِ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِمَصْلَحَة دِينِيَّةٍ لَا لِهَوَى النَّفْسِ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الشَّامِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. كَذَلِكَ -عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ- لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ: مَن أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ؛ كَمَا روِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَد قَالَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، إذَا رَأَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً عَلَى الْمَفْسَدَةِ. فَإِذَا تَرَكَ الْإِمَامُ الْجَمْعَ وَالْقِسْمَةَ وَأَذِنَ فِي الْأخْذِ إذْنًا جَائِزًا، فَمَن أَخَذَ شَيْئًا بِلَا عُدْوَانٍ حَلَّ لَهُ بَعْدَ تَخْمِيسِهِ، وَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَى الْإِذْنِ فَهُوَ إذْنٌ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَأْذَن أَو أَذِنَ إذْنًا غَيْرَ جَائِزٍ: جَازَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِقْدَارَ مَا يُصِيبُهُ بِالْقِسْمَةِ مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ. وَمَن حَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَمْعَ الْغَنَائِمِ وَالْحَالُ هَذِهِ وَأَبَاحَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ فِيهَا ما يَشَاءُ: فَقَد تَقَابَلَ الْقَوْلَانِ تَقَابُلَ الطَّرَفَيْنِ، وَدِينُ اللهِ وَسَطٌ. وَالْعَدْلُ فِي الْقِسْمَةِ: أَنْ يُقْسَمَ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَللْفَارِسِ ذِي الْفَرَسِ الْعَرَبِيِّ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ؛ هَكَذَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ.

стр. 2382

وَإِذَا كَانَ الْمَغْنُومُ مَالًا -قَد كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ قَبْلَ ذَلِكَ مِن عَقَارٍ أَو مَنْقُولٍ وَعُرِفَ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ- فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَيْهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا الصَّدَقَاتُ: فَهِيَ لِمَن سَمَّى اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ. فَالْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ: يَجْمَعُهَا مَعْنَى الْحَاجَةِ إلَى الْكِفَايَةِ، فَلَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ. وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا: هُم الَّذِينَ يَجْبُونَهَا ويحْفَظُونَهَا وَيَكْتمونَهَا وَنَحْو ذَلِكَ. وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ: فَنَذْكُرُهُم -إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- فِي مَالِ الْفَيْءِ. وَفِي الرِّقَابِ: يَدْخُلُ فِيهِ إعَانَةُ الْمُكَاتِبِينَ، وَافْتِدَاءُ الْأَسْرَى، وَعِتْقُ الرِّقَابِ، هَذَا أَقْوَى الْأَقْوَالِ فِيهَا. وَالْغَارِمِينَ: هُم الَّذِينَ عَلَيْهِم دُيُون لَا يَجِدُونَ وَفَاءَهَا فَيُعْطُونَ وَفَاءَ دُيُونِهِمْ وَلَو كَانَ كَثِيرًا، إلَّا أَنْ يَكُونُوا غَرِمُوهُ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى فَلَا يُعْطَونَ حَتَّى يَتُوبُوا. وَفِي سَبِيلِ اللهِ: وَهُم الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا يُعْطَونَ مِن مَالِ اللهِ مَا يَكْفِيهِمْ لِغَزْوِهِمْ، فَيُعْطَونَ مَا يَغْزُونَ بِهِ، أَو تَمَامَ مَا يَغْزُونَ بِهِ مِن خَيْلٍ وَسِلَاحٍ وَنَفَقَةٍ وَأُجْرَةٍ. وَالْحَجُّ مِن سَبِيلِ اللهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (١).

стр. 2383

وَابْنُ السَّبِيلِ: هُوَ الْمُجْتَازُ مِن بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ. وَأَمَّا الْفَيءُ: فَأَصْلُهُ مَا ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَشْرِ الَّتِى أَنْزَلَهَا اللهُ فِي غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ بَدْرٍ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]؛ أَيْ: مَا حَرَّكْتُمْ وَلَا سُقْتُمْ خَيْلًا وَلَا إبِلًا. وَلهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّ الْفَيءَ هُوَ مَا أُخِذَ مِن الْكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ؛ لِأَنَّ إيجَافَ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ هُوَ مَعْنَى الْقِتَالِ، وَسُمِّيَ فَيْئًا؛ لِأَنَّ اللهَ أَفَاءَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ أَيْ: رَدَّهُ عَلَيْهِم مِن الْكُفَّارِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى إنَّمَا خَلَقَ الْأمْوَالَ إعَانَةً عَلَى عِبَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ؛ فَالْكَافِرُونَ بِهِ أَبَاحَ أَنْفُسَهُم الَّتِي لَمْ يَعْبُدُوهُ بِهَا، وَأَمْوَالَهُم الَّتِي لَمْ يَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى عِبَادَتِهِ: لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ، وَأَفَاءَ إلَيْهِم مَا يَسْتَحِقُّونَة، كَمَا يُعَادُ عَلَى الرَّجُلِ مَا غُصِبَ مِن مِيرَاثِهِ وَإن لَمْ يَكُن قَبَضَهُ قَبْلَ ذَلِكَ. ٣٤٢٤ - وَأَمَّا الْمَصَارِفُ: فَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ فِي الْقِسْمَةِ بِالْأهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِن مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ: كَعَطَاءِ مَن يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ مَنْفَعَةٌ عَامَّة. فَمِنْهُم الْمُقَاتِلَةُ: الَّذِينَ هُم أَهْلُ النُّصْرَةِ وَالْجِهَادِ وَهُم أَحَقُّ النَّاسِ بِالْفَيءِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِمْ. وَأَمَّا سَائرُ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ فَلِجَمِيعِ الْمَصَالِحِ وِفَاقًا إلَّا مَا خُصَّ بِهِ نَوْعٌ كَالصَّدَقَاتِ وَالْمَغْنَمِ. وَمِنَ الْمُسْتَحَقِّينَ: ذَوُو الْحَاجَاتِ؛ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ قَد اخْتَلَفُوا هَل يُقَدَّمُونَ فِي غَيْرِ الصَّدَقَاتِ مِن الْفَيْءِ وَنَحْوِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ؟. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُم يُقَدَّمُونَ؛ فَإِنَّ

стр. 2384

النبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَدِّمُ ذَوِي الْحَاجَاتِ، كَمَا قَدَّمَهُم فِي مَالِ بَنِي النَّضِيرِ. وَلَا يَجُوزُ لِلإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ لِهَوَى نَفْسِهِ. لَكِنْ يَجُوزُ -بَل يَجِبُ- الْإِعْطَاءُ لِتَأْلِيفِ مَن يَحْتَاجُ إلَى تَأْلِيفِ قَلْبِهِ، وَإِن كَانَ هُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ، كَمَا أَبَاحَ اللهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْعَطَاءَ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم مِن الصَّدَقَاتِ، وَكَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُم مِن الْفَيءِ وَنَحْوِهِ، وَهُم السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فِي عَشَائِرِهِمْ. وَهَذَا النَّوْعُ مِن الْعَطَاء وَإِن كَانَ ظَاهِرُهُ إعْطَاءَ الرُّؤَسَاءِ وَتَرْكُ الضُّعَفَاءِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُلوكُ؛ فَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ؛ فَإِذَا كَانَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ كَانَ مِن جِنْسِ عَطَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ، وَإِن كَانَ الْمَقْصُودُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ كَانَ مِن جِنْسِ عَطَاءِ فِرْعَوْنَ. ٣٤٢٥ - الْأَمْوَالُ الَّتِي لَهَا أَصْل فِي كِتَابِ اللهِ الَّتِي يَتَوَلَّى قَسْمَهَا وُلَاةُ الْأمْرِ ثَلَاثَةٌ: أ- مَالُ الْمَغَانِمِ: وَهَذَا لِمَن شَهِدَ الْوَقْعَةَ، إلَّا الْخُمُسَ فَإِنَّ مَصْرِفَهُ مَا ذَكَرَهُ اللهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤١]. وَالْمَغَانِمُ مَا أخِذَ مِن الْكُفَّارِ بِالْقِتَالِ، فَهَذه الْمَغَانِمُ وَخُمُسُهَا. ب- وَالثَّانِي: الْفَيءُ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَشْرِ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾؛ أَيْ: مَا حَرَّكْتُمْ وَلَا أَعْمَلْتُمْ وَلَا سُقْتُمْ، يُقَالُ: وَجَفَ الْبَعِيرُ يَجِفُ وُجُوفًا وأوجفته: إذَا سَارَ نَوْعًا مِن السَّيْرِ. فَهَذَا هُوَ الْفَيْءُ الَّذِي أَفَاءَهُ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَهُوَ مَا صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَن الْقِتَال؛ أَيْ: مَا قَاتَلْتُمْ عَلَيْهِ.

стр. 2385

فَمَا قَاتَلُوا عَلَيْهِ كَانَ لِلْمُقَاتِلَةِ، وَمَا لَمْ يُقَاتِلُوا عَلَيْهِ فَهُوَ فَيْءٌ؛ لِأَنَّ اللهَ أَفَاءَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْفَيْءُ لَمْ يَكُن مِلْكًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد: كَانَ مِلْكًا لَهُ. وَأَمَّا مَصْرِفُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ: فَقَد اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ يُصْرَفَ مِنْه أَرْزَاق الْجُنْدِ الْمُقَاتِلِينَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الْكُفَّارَ؛ فَإِنَّ تَقْوِيَتَهُم تُذِلُّ الْكُفَّارَ فَيُؤْخَذُ مِنْهُم الْفيْءُ. وَتَنَازَعُوا هَل يُصْرَفُ فِي سَائِرِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَمْ تُخْتَصُّ بِهِ الْمُقَاتِلَةُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ فِي مَذْهَبِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يُخْتَصُّ بِهِ الْمُقَاتِلَةُ؛ بَل يُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ كُلِّهَا. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ: يُعْطَى مَن فِيهِ مَنْفَعَةٌ عَامَّةٌ لِأَهْلِ الْفَيءِ. ج- وَأَمَّا الْمَالُ الثَّالِثُ؛ فَهُوَ الصَّدَقَاتُ الَّتِي هِيَ زَكَاةُ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ: زَكَاةُ الْحَرْثِ وَهِيَ الْعُشُورُ وَأَنْصَافُ الْعُشُورِ الْمَأْخُوذَةُ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، وَزَكَاةُ الْمَاشِيَةِ وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ، وَزَكَاةُ النَّقْدَيْنِ. فَهَذَا الْمَالُ مَصْرِفُهُ مَا ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠]. إذَا تَبَيَّنَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ فَنَقُولُ: مَن كَانَ مِن ذَوِي الْحَاجَاتِ: كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْغَارِمِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ: فَهَؤُلَاءِ يَجُوزُ بَل يَجِبُ أَنْ يُعْطَوا مِن الزَّكَوَاتِ، وَمِن الْأَمْوَالِ الْمَجْهُولَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ يُعْطَوا مِن الْفَيْءِ مِمَّا فَضَلَ مِن الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ. سَوَاءٌ كَانُوا مُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ الْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ أَو لَمْ يَكونُوا، وَسَوَاءٌ
следующие страницы →