← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وَيجِبُ قَسْمُهَا بَيْنَهُم بِالْعَدْلِ، فَلَا يُحَابَى أَحَدٌ لَا لِرِيَاسَتِهِ وَلَا لِنَسَبِهِ وَلَا لِفَضْلِهِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَخُلَفَاؤُهُ يَقْسِمُونَهَا. لَكِنْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ مَن ظَهَرَ مِنْهُ زِيَادَةُ نِكَايَةٍ؛ كَسَرِيَّة تَسَرَّتْ مِن الْجَيْشِ، أَو رَجُلٍ صَعِدَ حِصْنًا عَالِيًا فَفَتَحَهُ، أَو حَمَلَ عَلَى مُقَدَّمِ الْعَدُوِّ فَقَتَلَهُ فَهَزَمَ الْعَدُوَّ وَنَحْو ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَخُلَفَاءَهُ كَانُوا يُنَفِّلُونَ لِذَلِكَ. وَكَانَ يُنَفِّلُ السّرِيَّةَ فِي الْبِدَايَةِ الرّبعَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ، وَهَذَا النَّفْلُ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّهُ يَكُونُ مِن الْخُمُسِ. وَقَالَ بَعْضُهُم: إنَّهُ يَكُونُ مِن خمُسِ الْخُمُسِ؛ لِئَلَّا يُفَضِّلَ بَعْضَ الْغَانِمِينَ عَلَى بَعْضٍ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَجُوزُ مِن أَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ وَإِن كَانَ فِيهِ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِمَصْلَحَة دِينِيَّةٍ لَا لِهَوَى النَّفْسِ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الشَّامِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. كَذَلِكَ -عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ- لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ: مَن أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ؛ كَمَا روِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَد قَالَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، إذَا رَأَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً رَاجِحَةً عَلَى الْمَفْسَدَةِ. فَإِذَا تَرَكَ الْإِمَامُ الْجَمْعَ وَالْقِسْمَةَ وَأَذِنَ فِي الْأخْذِ إذْنًا جَائِزًا، فَمَن أَخَذَ شَيْئًا بِلَا عُدْوَانٍ حَلَّ لَهُ بَعْدَ تَخْمِيسِهِ، وَكُلُّ مَا دَلَّ عَلَى الْإِذْنِ فَهُوَ إذْنٌ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يَأْذَن أَو أَذِنَ إذْنًا غَيْرَ جَائِزٍ: جَازَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِقْدَارَ مَا يُصِيبُهُ بِالْقِسْمَةِ مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فِي ذَلِكَ. وَمَن حَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَمْعَ الْغَنَائِمِ وَالْحَالُ هَذِهِ وَأَبَاحَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ فِيهَا ما يَشَاءُ: فَقَد تَقَابَلَ الْقَوْلَانِ تَقَابُلَ الطَّرَفَيْنِ، وَدِينُ اللهِ وَسَطٌ. وَالْعَدْلُ فِي الْقِسْمَةِ: أَنْ يُقْسَمَ لِلرَّاجِلِ سَهْمٌ وَللْفَارِسِ ذِي الْفَرَسِ الْعَرَبِيِّ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ؛ هَكَذَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ.

стр. 2382

وَإِذَا كَانَ الْمَغْنُومُ مَالًا -قَد كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ قَبْلَ ذَلِكَ مِن عَقَارٍ أَو مَنْقُولٍ وَعُرِفَ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ- فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَيْهِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا الصَّدَقَاتُ: فَهِيَ لِمَن سَمَّى اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ. فَالْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ: يَجْمَعُهَا مَعْنَى الْحَاجَةِ إلَى الْكِفَايَةِ، فَلَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ. وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا: هُم الَّذِينَ يَجْبُونَهَا ويحْفَظُونَهَا وَيَكْتمونَهَا وَنَحْو ذَلِكَ. وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ: فَنَذْكُرُهُم -إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- فِي مَالِ الْفَيْءِ. وَفِي الرِّقَابِ: يَدْخُلُ فِيهِ إعَانَةُ الْمُكَاتِبِينَ، وَافْتِدَاءُ الْأَسْرَى، وَعِتْقُ الرِّقَابِ، هَذَا أَقْوَى الْأَقْوَالِ فِيهَا. وَالْغَارِمِينَ: هُم الَّذِينَ عَلَيْهِم دُيُون لَا يَجِدُونَ وَفَاءَهَا فَيُعْطُونَ وَفَاءَ دُيُونِهِمْ وَلَو كَانَ كَثِيرًا، إلَّا أَنْ يَكُونُوا غَرِمُوهُ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى فَلَا يُعْطَونَ حَتَّى يَتُوبُوا. وَفِي سَبِيلِ اللهِ: وَهُم الْغُزَاةُ الَّذِينَ لَا يُعْطَونَ مِن مَالِ اللهِ مَا يَكْفِيهِمْ لِغَزْوِهِمْ، فَيُعْطَونَ مَا يَغْزُونَ بِهِ، أَو تَمَامَ مَا يَغْزُونَ بِهِ مِن خَيْلٍ وَسِلَاحٍ وَنَفَقَةٍ وَأُجْرَةٍ. وَالْحَجُّ مِن سَبِيلِ اللهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (١).

стр. 2383

وَابْنُ السَّبِيلِ: هُوَ الْمُجْتَازُ مِن بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ. وَأَمَّا الْفَيءُ: فَأَصْلُهُ مَا ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَشْرِ الَّتِى أَنْزَلَهَا اللهُ فِي غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ بَعْدَ بَدْرٍ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]؛ أَيْ: مَا حَرَّكْتُمْ وَلَا سُقْتُمْ خَيْلًا وَلَا إبِلًا. وَلهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَّ الْفَيءَ هُوَ مَا أُخِذَ مِن الْكُفَّارِ بِغَيْرِ قِتَالٍ؛ لِأَنَّ إيجَافَ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ هُوَ مَعْنَى الْقِتَالِ، وَسُمِّيَ فَيْئًا؛ لِأَنَّ اللهَ أَفَاءَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ أَيْ: رَدَّهُ عَلَيْهِم مِن الْكُفَّارِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى إنَّمَا خَلَقَ الْأمْوَالَ إعَانَةً عَلَى عِبَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ؛ فَالْكَافِرُونَ بِهِ أَبَاحَ أَنْفُسَهُم الَّتِي لَمْ يَعْبُدُوهُ بِهَا، وَأَمْوَالَهُم الَّتِي لَمْ يَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى عِبَادَتِهِ: لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُ، وَأَفَاءَ إلَيْهِم مَا يَسْتَحِقُّونَة، كَمَا يُعَادُ عَلَى الرَّجُلِ مَا غُصِبَ مِن مِيرَاثِهِ وَإن لَمْ يَكُن قَبَضَهُ قَبْلَ ذَلِكَ. ٣٤٢٤ - وَأَمَّا الْمَصَارِفُ: فَالْوَاجِبُ أَنْ يَبْدَأَ فِي الْقِسْمَةِ بِالْأهَمِّ فَالْأَهَمِّ مِن مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ: كَعَطَاءِ مَن يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ مَنْفَعَةٌ عَامَّة. فَمِنْهُم الْمُقَاتِلَةُ: الَّذِينَ هُم أَهْلُ النُّصْرَةِ وَالْجِهَادِ وَهُم أَحَقُّ النَّاسِ بِالْفَيءِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِمْ. وَأَمَّا سَائرُ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ فَلِجَمِيعِ الْمَصَالِحِ وِفَاقًا إلَّا مَا خُصَّ بِهِ نَوْعٌ كَالصَّدَقَاتِ وَالْمَغْنَمِ. وَمِنَ الْمُسْتَحَقِّينَ: ذَوُو الْحَاجَاتِ؛ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ قَد اخْتَلَفُوا هَل يُقَدَّمُونَ فِي غَيْرِ الصَّدَقَاتِ مِن الْفَيْءِ وَنَحْوِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ؟. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُم يُقَدَّمُونَ؛ فَإِنَّ

стр. 2384

النبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَدِّمُ ذَوِي الْحَاجَاتِ، كَمَا قَدَّمَهُم فِي مَالِ بَنِي النَّضِيرِ. وَلَا يَجُوزُ لِلإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَ أَحَدًا مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ لِهَوَى نَفْسِهِ. لَكِنْ يَجُوزُ -بَل يَجِبُ- الْإِعْطَاءُ لِتَأْلِيفِ مَن يَحْتَاجُ إلَى تَأْلِيفِ قَلْبِهِ، وَإِن كَانَ هُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ ذَلِكَ، كَمَا أَبَاحَ اللهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْعَطَاءَ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم مِن الصَّدَقَاتِ، وَكَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُم مِن الْفَيءِ وَنَحْوِهِ، وَهُم السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فِي عَشَائِرِهِمْ. وَهَذَا النَّوْعُ مِن الْعَطَاء وَإِن كَانَ ظَاهِرُهُ إعْطَاءَ الرُّؤَسَاءِ وَتَرْكُ الضُّعَفَاءِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُلوكُ؛ فَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ؛ فَإِذَا كَانَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ كَانَ مِن جِنْسِ عَطَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ، وَإِن كَانَ الْمَقْصُودُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ كَانَ مِن جِنْسِ عَطَاءِ فِرْعَوْنَ. ٣٤٢٥ - الْأَمْوَالُ الَّتِي لَهَا أَصْل فِي كِتَابِ اللهِ الَّتِي يَتَوَلَّى قَسْمَهَا وُلَاةُ الْأمْرِ ثَلَاثَةٌ: أ- مَالُ الْمَغَانِمِ: وَهَذَا لِمَن شَهِدَ الْوَقْعَةَ، إلَّا الْخُمُسَ فَإِنَّ مَصْرِفَهُ مَا ذَكَرَهُ اللهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤١]. وَالْمَغَانِمُ مَا أخِذَ مِن الْكُفَّارِ بِالْقِتَالِ، فَهَذه الْمَغَانِمُ وَخُمُسُهَا. ب- وَالثَّانِي: الْفَيءُ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَشْرِ حَيْثُ قَالَ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾؛ أَيْ: مَا حَرَّكْتُمْ وَلَا أَعْمَلْتُمْ وَلَا سُقْتُمْ، يُقَالُ: وَجَفَ الْبَعِيرُ يَجِفُ وُجُوفًا وأوجفته: إذَا سَارَ نَوْعًا مِن السَّيْرِ. فَهَذَا هُوَ الْفَيْءُ الَّذِي أَفَاءَهُ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَهُوَ مَا صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ إيجَافِ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَن الْقِتَال؛ أَيْ: مَا قَاتَلْتُمْ عَلَيْهِ.

стр. 2385

فَمَا قَاتَلُوا عَلَيْهِ كَانَ لِلْمُقَاتِلَةِ، وَمَا لَمْ يُقَاتِلُوا عَلَيْهِ فَهُوَ فَيْءٌ؛ لِأَنَّ اللهَ أَفَاءَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَهَذَا الْفَيْءُ لَمْ يَكُن مِلْكًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَد: كَانَ مِلْكًا لَهُ. وَأَمَّا مَصْرِفُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ: فَقَد اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ يُصْرَفَ مِنْه أَرْزَاق الْجُنْدِ الْمُقَاتِلِينَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الْكُفَّارَ؛ فَإِنَّ تَقْوِيَتَهُم تُذِلُّ الْكُفَّارَ فَيُؤْخَذُ مِنْهُم الْفيْءُ. وَتَنَازَعُوا هَل يُصْرَفُ فِي سَائِرِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَمْ تُخْتَصُّ بِهِ الْمُقَاتِلَةُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد، لَكِنَّ الْمَشْهُورَ فِي مَذْهَبِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ: أَنَّهُ لَا يُخْتَصُّ بِهِ الْمُقَاتِلَةُ؛ بَل يُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ كُلِّهَا. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ: يُعْطَى مَن فِيهِ مَنْفَعَةٌ عَامَّةٌ لِأَهْلِ الْفَيءِ. ج- وَأَمَّا الْمَالُ الثَّالِثُ؛ فَهُوَ الصَّدَقَاتُ الَّتِي هِيَ زَكَاةُ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ: زَكَاةُ الْحَرْثِ وَهِيَ الْعُشُورُ وَأَنْصَافُ الْعُشُورِ الْمَأْخُوذَةُ مِنَ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، وَزَكَاةُ الْمَاشِيَةِ وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ، وَزَكَاةُ النَّقْدَيْنِ. فَهَذَا الْمَالُ مَصْرِفُهُ مَا ذَكَرَهُ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠]. إذَا تَبَيَّنَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ فَنَقُولُ: مَن كَانَ مِن ذَوِي الْحَاجَاتِ: كَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْغَارِمِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ: فَهَؤُلَاءِ يَجُوزُ بَل يَجِبُ أَنْ يُعْطَوا مِن الزَّكَوَاتِ، وَمِن الْأَمْوَالِ الْمَجْهُولَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَذَلِكَ يُعْطَوا مِن الْفَيْءِ مِمَّا فَضَلَ مِن الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ. سَوَاءٌ كَانُوا مُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ الْوَاجِبِ عَلَى الْكِفَايَةِ أَو لَمْ يَكونُوا، وَسَوَاءٌ

стр. 2386

كَانوا فِي زَوَايَا أَو رَبْطٍ أَو لَمْ يَكُونُوا، لَكِنْ مَن كَانَ مُمَيَّزًا بِعِلْم أَو دِينٍ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى غَيْرِهِ. وَيُعْطَى قُضَاةُ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَاؤُهُم مِنْهُ مَا يَكْفِيهِمْ، وَيُدْفَعُ مِنْهُ أَرْزَاق الْمُقَاتِلَةِ وَذَرَارِيِّهِمْ، لَا سِيَّمَا مِن بَنِي هَاشِمٍ الطالبيين والعباسيين وَغَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَتَعَيَّنُ إعْطَاؤُهُم مِن الْخُمُسِ وَالْفَيءِ وَالْمَصَالِحِ؛ لِكَوْنِ الزَّكَاةِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ. وَالْفَقِيرُ الشَّرْعِيُّ الْمَذْكورُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ مِن الزَّكَاةِ وَالْمَصَالِحِ وَنَحْوِهِمَا: .. كُلُّ مَن لَيْسَ لَهُ كِفَايَةٌ تَكْفِيهِ وَتَكْفِي عِيَالَهُ فَهُوَ مِن الْفقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَن لَا مَالَ لَهُ وَهُوَ عَاجِز عَن الْكَسْبِ: فَإِنَّهُ يُعْطَى مَا يَكْفِيهِ .. مِثْلُ: أ- الصَّانِعِ الَّذِي لَا تَقُومُ صَنْعَتُهُ بِكِفَايَتِهِ. ب - وَالتَّاجِرِ الَّذِي لَا تَقُومُ تِجَارَتُة بِكِفَايَتِهِ. ج - وَالْجُنْدِيِّ الَّذِي لَا يَقُومُ إقْطَاعُهُ بِكِفَايَتِهِ. د - وَالْفَقِيرِ وَالصُّوفِيَّ الَّذِي لَا يَقُومُ مَعْلُومُهُ مِن الْوَقْفِ بِكِفَايَتِهِ. هـ - وَالشَّاهِدِ وَالْفَقِيهِ الَّذِي لَا يَقُومُ مَا يَحْصُلُ لَهُ بِكِفَايَتِهِ. وَمَن كَانَ مِن هَؤُلَاءِ مُنَافِقًا أَو مُظْهِرًا لِبِدْعَة تُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ مِن بِدَعِ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْعِبَادَاتِ: فَإِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ، وَمِن عُقُوبَتِهِ أَنْ يُحْرَمَ حَتَّى يَتوبَ. وَعَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ مَعَ إعْطَاءِ الْفُقَرَاءِ بَل وَالْأَغْنِيَاءِ: بِأَنْ يُلْزِمُوا هَؤُلَاءِ بِاتِّباعِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ.

стр. 2387

٣٤٢٦ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ حنين: "لَيْسَ لِي مِمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ" (١)؛ أَيْ: لَيْسَ لَهُ بِحُكْمِ الْقَسْمِ الَّذِي يُرْجَعُ فِيهِ إلَى اجْتِهَادِهِ وَنَظَرِهِ الْخَاصّ إلَّا الْخُمُسُ، وَلهَذَا قَالَ: "وهو مردود عليكم" بِخِلَافِ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ، فَإِنَّهُ لِمَن شَهِدَ الْوَقْعَةَ. وَلهَذَا كَانَت الْغَنَائِمُ يُقَسِّمُهَا الْأُمَرَاءُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَالْخُمُسُ يُرْفَعُ إلَى الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ الَّذِينَ خَلَفُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي أُمَّتِهِ (٢)؛ فَيُقَسِّمُونَهَا بِأمْرِهِمْ، فَأَمَّا أَرْبَعَةُ الأخْمَاسِ فَإنَّمَا يَرْجِعُونَ فِيهَا لِيُعْلَمَ حُكْمُ اللهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا يَسْتَفْتِي الْمُسْتَفْتِي، وَكَمَا كَانُوا فِي الْحُدُودِ لِمَعْرِفَةِ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ، وَالنَّبِيُّ ﷺ أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُم مِن غَنَائِمِ حنين مَا أَعْطَاهُمْ؛ فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ كَانَ مِن الْخُمُسِ، وَقِيلَ: إنَّه كَانَ مِن أَصْلِ الْغَنِيمَةِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَهُوَ فَعَلَ ذَلِكَ لِطِيبِ نُفُوسِ الْمُؤمِنِينَ بِذَلِكَ؛ وَلهَذَا أَجَابَ مَن عَتَبَ مِن الْأنْصَارِ بِمَا أَزَالَ عَتْبَهُ وَأَرَادَ تَعْوِيضَهُم عَن ذَلِكَ. ٣٤٢٧ - الْعَطَاءُ إذَا كَانَ لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ: لَمْ يُنْظَرْ إلَى الْآخِذِ هَل هُوَ صَالِحُ النِّيَّةِ أَو فَاسِدُهَا. وَلَمَّا كَانَ عَامَ حنين قَسَمَ غَنَائِمَ حنين بَيْنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم مِن أَهْلِ نَجْدٍ وَالطُّلَقَاءِ مِن قُرَيْشٍ كعُيَيْنَة بْنِ حِصْنٍ وَالْعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ وَأَمْثَالِهِمْ، وَبَيْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرو وَصَفْوَانِ بْنِ أُمَيَّةَ وَعِكْرِمَةَ بْن أَبِي جَهْلٍ وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْب وَابْنِهِ مُعَاوِيةَ وَأَمْثَالِهِمْ مِن الطُّلَقَاءِ الَّذِينَ أَطْلَقَهُم عَامَ الْفَتْحِ، وَلَمْ يُعْطِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ شَيْئًا.

стр. 2388

أَعْطَاهُم لِيَتَأَلَّفَ بِذَلِكَ قُلُوبَهُم عَلَى الْإِسْلَامِ، وَتَأْلِيفُهُم عَلَيْهِ مَصْلَحَة عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. وَاَلَّذِينَ لَمْ يُعْطِهِمْ: هُم أَفْضَلُ عِنْده، وَهُم سَادَاتُ أَوْليَاءِ اللهِ الْمُتَّقِينَ، وَأَفْضَلُ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ بَعْد النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ. وَاَلَّذِينَ أَعْطَاهُمْ: مِنْهُم مَن ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَامِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَعَامَّتُهُم أَغْنِيَاءُ لَا فُقَرَاءُ. فَلَو كَانَ الْعَطَاءُ لِلْحَاجَةِ مُقَدَّمًا عَلَى الْعَطَاءِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ: لَمْ يُعْطِ النَّبِيُّ ﷺ هَؤُلَاءِ الْأَغْنِيَاءَ السَّادَةَ الْمُطَاعِينَ فِي عَشَائِرِهِمْ وَيَدَعُ عَطَاءَ مَن عِنْدَهُ مِن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ هُم أَحْوَجُ مِنْهُم وَأَفْضَلُ. وَبِمِثْل هَذَا طَعَنَ الْخَوَارجُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ لَهُ أَوَّلُهُم: يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ فَإنَّك لَمْ تَعْدِلْ، وَقَالَ: إنَّ هَذ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ تَعَالَى (١).

стр. 2389

٣٤٢٨ - مَالُ الدِّيوَانِ الْإِسْلَامِي لَيْسَ كلُّهُ وَلَا أَكْثَر حَرَامًا؛ بَل فِيهِ مِن أَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ وَالْفَيْءِ وَأَمْوَالِ الْمَصَالِحِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللهُ، وَفِيهِ مَا هُوَ حَرَامٌ أَو شبْهَةٌ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الَّذِي أَعْطَاهُ مِن الْحَرَامِ لَمْ يَكُن لَهُ أَخذ ذَلِكَ، وَإِن جَهِلَ الْحَالَ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ ذَلِكَ. * * * (الغنائم وقسمتها) ٣٤٢٩ - تحريق رحل الغال من باب التعزير، لا الحد الواجب، فيجتهد فيه الإمام بحسب المصلحة، ومن العقوبة المالية حرمانه ﷺ السلب للمددي لما كان في أخذه عدوانًا على ولي الأمر. ٣٤٣٠ - إذا قال الإمام: من أخذ شيئًا فهو له، أو فضَّل بعض الغانمين على بعض، وقلنا: ليس له ذلك على رواية: هل تباح لمن لا يعتقد جواز أخذه؟. والواجب أن يقال: يباح الأخذ مطلقًا، لكن يشترط أن لا يظلم غيره، وإذا لم يغلب على ظنه واحد من الأمرين فالحل أقرب. ولو ترك قسمة الغنيمة وترك هذا القول وسكت سكوت الإذن في الانتهاب وأقر على ذلك فهو إذن، فمان الإذن تارة يكون بالقول، وتارة يكون بالفعل، وتارة يكون بالإقرار على ذلك؛ فالثلاث في هذا الباب سواء، كما في إباحة المالك في أكل طعامه ونحو ذلك، بل لو عرف أنه راض بذلك فيما يرون أن يصدر منه قول ظاهر أو فعل ظاهر أو إقرار، فالرضى منه بتغيير إذنه بمنزلة الدال على ذلك؛ إذ الأصل رضاه، حتى لو أقام الحدّ وعقَدَ الأنكحة مَن رَضِيَ الإمامُ بفعله ذلك كان بمنزلة إذنه على أكثر أصولنا، فإنّ الإذن العرفي عندنا كاللفظي، والرضى الخاص كالإذن العام، فيجوز للإنسان أن

стр. 2390

يأكل طعام من يعلم رضاه بذلك لِمَا بينهما من المودة، وهذا أصل في الإباحة والوكالات والولايات، لكن لو ترك القسمة ولم يرض بالانتهاب إما لعجزه أو لأخذه المال ونحو ذلك، أو أجاز القسمة فهنا مَن قدر على أخذ مبلغ حقه من هذا المال المشترك فله ذلك؛ لأنَّ مالكيهِ متعينون، وهو قريب من الورثة؛ لكن يُشترط انتفاء المفسدة من فتنة أو نحوها. ٣٤٣١ - الإقطاع اليوم إقطاع استغلال، ليس له بيعه ولا هبته باتفاق الأئمة، ولا ينتقل إلى ورثته، بخلاف ما كان في العصور الأولى. وما يأخذه الجندي ليس أجرة للجهاد؛ لأنه لو كان أجرة كان لفعل الجهاد، وإنما عليهم أن يقاتلوا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله للهِ، وأجرهم على الله، فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. والإقطاع الذي يأخذونه معاونة لهم، ورزقًا لنفقة عيالهم ولإقامة الخيل والسلاح، وفي الحديث: "مثل الدي يغزو من أمتي في سبيل الله مثل أم موسى ترضع ابنها وتأخذ أجرها" (١)، فهي ترضعه لما في قلبها عليه من الشفقة والرحمة، لا لأجل أجرها؛ كذلك المجاهد يغزو لما في قلبه من الإيمان بالله والدار الآخرة، لا لأجل المال. وإذا كان الله قد أمر المسلمين من الصحابة وغيرهم أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم وأوجب عليهم عشر أموالهم من الخارج من الأرض فكيف لا يجب على من يعطي مالًا ليجاهد؟ وقد قال النبي ﷺ : "من جهز غازيًا فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا" (٢). فالذي يعطي المجاهد يكون مجاهدًا بماله،

стр. 2391

والمجاهد يجاهد بنفسه، وأجر كل واحد منهما على الله لا ينقص أحدها من الآخر شيئًا، ولم يكن هذا أجيرًا لهذا. ٣٤٣٢ - يحرم تعشير الأموال والكُلَف التي ضربها الملوك على الناس، ذكره ابن حزم وشيخنا. ٣٤٣٣ - لم ينص الإمام أحمد على أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالقهر ولا على عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك. فالصواب أنهم يملكونها ملكًا مقيدًا لا يساوي ملك المسلمين من كل وجه. وإذا أسلموا وفي أيديهم أموال المسلمين فهي لهم، نص عليه الإمام أحمد، وقال في رواية أبي طالب: ليس بين المسلمين اختلاف في ذلك. قال أبو العباس: وهذا يرجع إلى أن كل ما قبضه الكفار من الأموال قبضًا يعتقدون جوازه فإنه يستقر لهم بالإسلام؛ كالعقود الفاسدة والأنكحة والمواريث وغيرها؛ ولهذا لا يضمنون ما أتلفوه على المسلمين بالإجماع. وما باعه الإمام من الغنيمة أو قسمه وقلنا لم يملكوه ثم عرف ربه فالأشبه أن المالك لا يملك انتزاعه من المشتري مجانًا؛ لأنَّ قبضَ الإمام بحقِّ ظاهرًا وباطنًا. ويشبه هذا ما يبيعه الوكيل والوصي ثم يتبين مودعًا أو مغصوبًا أو مرهونًا، وكذا القبض، والقبض منه واجب، ومنه مباح، وكذلك صرفه منه واجب، ومنه مباح. ٣٤٣٤ - المكوس إذا قطعها الإمام الجند فهي حلال لهم إذا جهل مستحقها، وكذلك إذا رتبها للفقراء والفقهاء وأهل العلم. * * *

стр. 2392

(الفيء ومصرفه) ٣٤٣٥ - لا حق للرافضة في الفيء (١). ٣٤٣٦ - ليس لولاة الأمور أن يستأثروا منه بما فوق الحاجة؛ كالإقطاع يصرفونه فيما لا حاجة إليه، أو إلى من يهوونه. ٣٤٣٧ - ويقدم المحتاج على غيره في الأصح عن أحمد. ٣٤٣٨ - عمال الفيء إذا خانوا فيه وقبلوا هدية أو رشوة فمن فرض له دون أجرته أو دون كفايته وكفاية عياله بالمعروف لم يستخرج منه ذلك القدر. قال: وإن قلنا: لا يجوز لهم الأخذ خيانة، فإنه يلزم الإمام الإعطاء، فهو كأخذ المضارب حصته أو الغريم دينه بلا إذن فلا فائدة في استخراجه ورده إليهم، بل إن لم يصرفه الإمام في مصارفه الشرعية، لم يعن على ذلك. ٣٤٣٩ - وَأَمَّا مَذْهَبُ عُمَرَ فِي الْفَيءِ: فَإِنَّهُ يجْعَلُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فِيهِ حَقًّا، لَكِنَّهُ يُقَدِّمُ الْفُقَرَاءَ وَأَهْلَ الْمَنْفَعَةِ. وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فَسَوَّى بَيْنَهُم فِي الْعَطَاءِ إذَا اسْتَوَوْا فِي الْحَاجَةِ، وَإِن كَانَ بَعْضُهُم أَفْضَلَ فِي دِينِهِ، وَقَالَ: إنَمَا أَسْلَمُوا للهِ وَأُجُورُهُم عَلَى اللهِ، وَإِنَّمَا هَذِهِ الدُّنْيَا بَلَاغٌ. * * * (باب الأمان والهدنة) ٣٤٤٠ - لا يصح إلا حيث جاز تأخير الجهاد مدة معلومة لازمة، قال شيخنا: وجائزة.

стр. 2393

وإذا قال: هادناكم ما شئنا أو شاء فلان لم يصح في الأصح؛ كقوله: نُقِرُّكم ما أَقرَّكم الله، واختار شيخنا صحته أيضًا. ٣٤٤١ - وَسُئِلَ عَن يَهُودِيٍّ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ الْكِلَابُ أَبْنَاءُ الْكِلَاب يَتَعَصَّبُونَ عَلَيْنَا وَكَانَ قَد خَاصَمَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ. فَأَجَابَ ﵀: إذَا كَانَ أَرَادَ بِشَتْمِهِ طَائِفَةً مُعَيَّنَةً مِن الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ عُقُوبَةً تَزْجُرُهُ وَأَمْثَالَهُ عَن مِثْل ذَلِكَ. وَأَمَّا إنْ ظَهَرَ مِنْهُ قَصْدُ الْعُمُومِ: فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ بِذَلِكَ، وَيَجِبُ قَتْلُهُ. ٣٤٤٢ - لَو صَالَحَ الْإِمَامُ قَوْمًا مِن الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ وَلَا خَرَاجٍ: لَمْ يَجُزْ إلَّا لِلْحَاجَةِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ. أَمَّا إذَا فَتَحْنَا الْأَرْضَ فَتْحَ صُلْحٍ وَأَهْلُهَا مُشْرِكُونَ مِن غَيْرِ أَهْلِ الْجِزْيَةِ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إقْرَارُهُم بِغَيْرِ جِزْيَةٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. ٣٤٤٣ - مَن قَالَ مِن الْفُقَهَاءِ مِن أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: إنَّ الْهُدْنَةَ لَا تَصِحُّ إلَّا مُؤَقَّتَة: فَقَوْلُهُ -مَعَ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِأُصُولِ أَحْمَد- يَرُدُّهُ الْقُرْآنُ وَتَرُدُّة سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي أكْثَرِ الْمُعَاهَدِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ مَعَهُم وَقْتاً، فَأَمَّا مَن كَانَ عَهْدُهُ مُوَقَّتًا فَلَمْ يُبَحْ لَهُ نَقْضُهُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ [التوبة: ٤] * * * (أخذ الجزية) ٣٤٤٤ - الجزية شُرعت عقوبة وعوضًا عن حقن الدم عند أكثر العلماء، وأجرةً عن سكنى الدار عند بعضهم، ومن قال بالثاني لا يسقطها بإسلام من وجبت عليه ولا بموته، ولا جزية على عبد مسلم، وفي عبد الكافر نزاع لأحمد وغيره.

стр. 2394

٣٤٤٥ - اختار أبو العباس في رده على الرافضي أخذ الجزية من جميع الكفار، وأنه لم يبق أحدٌ من مشركي العرب بعد، بل كانوا قد أسلموا. وقال في الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة: من أخذها من الجميع أو سوى بين المجوس وأهل الكتاب فقد خالف الكتاب والسُّنَّة. ٣٤٤٦ - لا يبقى في يد راهب مال إلا ما يتبلغ به فقط. ويجب أن يؤخذ منه مال كالورق التي في الديورة والمزارع إجماعًا. ومن له تجارة منهم أو زراعة وهو مخالطهم أو معاونهم على دينهم كمن يدعو إليه من راهب وغيره تلزمه الجزية، وحكمه حكمهم بلا نزاع. ٣٤٤٧ - اتفقوا على التسوية بين اليهود والنصارى لتقابلهما وتعارضهما. ٣٤٤٨ - العشور التي تؤخذ من تجار أهل الحرب تدخل في أحكام الجزية وتقديرها على الخلاف. ٣٤٤٩ - الرُّهْبَانُ الَّذِينَ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قَتْلِهِمْ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُم: هُم الْمَذْكُورُونَ فِي الْحَدِيثِ الْمَأثُورِ عَن خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَهُ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا بَعَثَهُ أَمِيرًا عَلَى فَتْحِ الشَّامِ فَقَالَ لَهُ فِي وَصِيَّتِهِ: "وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا قَد حَبَسُوا أَنْفُسَهُم فِي الصَّوَامِعِ، فَذَرُوهُم وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُم لَهُ". وَإِنَّمَا نَهَى عَن قَتْلِ هَؤُلَاءِ: لِأَنَّهُم قَوْمٌ مُنْقَطِعُونَ عَن النَّاسِ، مَحْبُوسُونَ فِي الصَّوَامِعِ، يُسَمَّى أَحَدُهُم حَبِيسًا، لَا يُعَاوِنُونَ أَهْلَ دِينِهِمْ عَلَى أَمْرٍ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَصْلًا، وَلَا يُخَالِطُونَهُم فِي دُنْيَاهُمْ، وَلَكِنْ يَكتَفِي أَحَدُهُم بِقَدْرِ مَا يَتَبَلَّغُ بِهِ. فَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي قَتْلِهِمْ كَتَنَازُعِهِمْ فِي قَتْلِ مَن لَا يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ لَا بِيَدِهِ وَلَا لِسَانِهِ؛ كَالْأَعْمَى وَالزَّمِنِ وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَنَحْوِهِ؛ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.

стр. 2395

فَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ: لَا يُقْتَلُ إلَّا مَن كَانَ مِن الْمُعَاوِيينَ لَهُم عَلَى الْقِتَالِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِلَّا كَانَ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. وَمِنْهُم مَن يَقُولُ: بَل مُجَرَّدُ الْكُفْرِ هُوَ الْمُبِيحُ لِلْقَتْلِ. وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ لِأَنَّهُم أَمْوَالٌ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَنْبَنِي أَخْذُ الْجِزْيَةِ. وَأَمَّا الرَّاهِبُ الَّذِي يُعَاوِنُ أَهْلَ دِينِهِ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ لَهُ رَأيٌ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فِي الْقِتَالِ أَو نَوْعٍ مِن التَّحْضِيضِ: فَهَذَا يُقْتَلُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ إذَا قدِرَ عَلَيْهِ، وَتُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ وَإِن كَانَ حَبِيسًا مُنْفَرِدًا فِي مُتَعَبَّدِهِ، فَكَيْفَ بِمَن هم كَسَائِرِ النَّصَارَى فِي مَعَايِشِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِم النَّاسَ، وَاكْتِسَابِ الْأمْوَالِ بِالتِّجَارَاتِ وَالزِّرَاعَاتِ وَالصِّنَاعَاتِ؟ * * * (بناء الكنائس في مدائن المسلمين) ٣٤٥٠ - إنَّ مِن الْعِلْمِ الْمُتَوَاقَرِ أَنَّ الْقَاهِرَةَ بُنِيَتْ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِأَكْثَرَ مِن ثَلَاثمِائَةِ سَنَةٍ، بُنِيَتْ بَعْدَ بَغْدَادَ وَبَعْدَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَوَاسِطَ. وَقَد اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَا بَنَاهُ الْمُسْلِمُونَ مِن الْمَدَائِنِ لَمْ يَكُن لِأَهْلِ الذِّمَّةِ أَنْ يُحْدثُوا فِيهَا كَنِيسَةً؛ مِثْل مَا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ صُلْحًا، وَأَبْقَوْا لَهُم كَنَائِسَهُم الْقَدِيمَةَ، بَعْدَ أَنْ شَرَطَ عَلَيْهِم فِيهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أَنْ لَا يُحْدِثُوا كَنِيسَةً فِي أَرْضِ الصُّلْحِ، فَكَيْفَ فِي مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ؟ بَل إذَا كَانَ لَهُم كَنِيسَةٌ بِأَرْضِ الْعَنْوَةِ كَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَبَنَى الْمُسْلِمُونَ مَدِينَةً عَلَيْهَا فَإنَّ لَهُم أَخْذَ تِلْكَ الْكنِيسَةِ؛ لِئَلَّا تُتْرَكَ فِي مَدَائِنِ الْمُسْلِمِينَ كَنِيسَةٌ بِغَيْرِ عَهْدٍ؛ فَإِنَّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد (١) بِإسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ

стр. 2396

عَبَّاسٍ ﵄ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ بِأَرْض وَلَا جِزْيَة عَلَى مُسْلِمٍ". ٣٤٥١ - الْمَدِينَةُ الَّتِي يَسْكُنُهَا الْمُسْلِمُونَ وَالْقَرْيَةُ الَّتِي يَسْكُنُهَا الْمُسْلِمُونَ وَفِيهَا مَسَاجِدُ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَظْهَرَ فِيهَا شَيءٌ مِن شَعَائِرِ الْكُفْرِ، لَا كَنَائِسَ وَلَا غَيْرهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُم عَهْدٌ فَيُوَفَّى لَهُم بِعَهْدِهِمْ. فَلَو كَانَ بِأرْضِ الْقَاهِرَةِ وَنَحْوِهَا كَنِيسَةٌ قَبْلَ بِنَائِهَا لَكَانَ لِلْمُسْلِمِينَ أَخْذُهَا؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ عَنْوَةٌ، فَكَيْفَ وَهَذِهِ الْكَنَائِسُ مُحْدَثَةٌ أَحْدَثَهَا النَّصَارَى؟ فَإِنَّ الْقَاهِرَةَ بَقِيَ وُلَاةُ امُورِهَا نَحْو مِائَتَي سَنَةٍ عَلَى غَيْرِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ (١)، وَكَانُوا يُظْهِرُونَ أَنَّهُم رَافِضَةٌ وَهُم فِي الْبَاطِنِ: إسْمَاعِيلِيَّة ونصيرية وَقَرَامِطَةٌ بَاطِنِيَّةٌ، كَمَا قَالَ فِيهِمْ الْغَزَالِيُّ -رحمه الله تَعَالَى- فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِم: ظَاهِرُ مَذْهَبِهِم الرَّفْضُ وَبَاطِنُهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ. وَهَؤُلَاءِ أَعْظَمُ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَمُلُوكِهِمْ، ثُمَّ الرَّافِضَة بَعْدَهُمْ (٢). ٣٤٥٢ - قَد عَرَفَ الْعَارِفُونَ بِالْإِسْلَامِ: أَنَّ الرَّافِضَةَ تَمِيلُ مَعَ أَعْدَاءِ الدِّينِ، وَلَمَّا كَانُوا مُلُوكَ الْقَاهِرَةِ كَانَ وَزِيرُهُم مَرَّةً يَهُوديًّا، وَمَرَّة نَصْرَانِيًّا أَرْمِينِيًّا، وَقَوِيَت النَّصَارَى بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّصْرَانِيِّ الْأَرْمِينِيِّ، وَبَنَوْا كَنَائِسَ كَثِيرَةً بِأرْضِ مِصْرَ فِي دَوْلَةِ أُولَئِكَ الرَّافِضَةِ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانُوا يُنَادُونَ بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ: مَن لَعَنَ وَسَبَّ فَلَهُ دِينَارٌ وإرْدَبٌّ.

стр. 2397

وَفِي أَيَّامِهِمْ أَخَذَت النَّصَارَى سَاحِلَ الشَامِ مِن الْمُسْلِمِينَ حَتَّى فَتَحَهُ نورُ الدِّينِ وَصَلَاحُ الدِّينِ. وَفِي أَيَّامِهِمْ جَاءَت الفرنج إلَى بلبيس وَغَلَبُوا مِن الفرنج؛ فَإِنَّهُم مُنَافِقُونَ، وَأَعَانَهُم النَّصَارَى، وَاللهُ لَا يَنْصُرُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ هم يُوَالُونَ النَّصَارَى، فَبَعَثُوا إلَى نُورِ الدِّينِ يَطْلُبُونَ النَّجْدَةَ، فَأَمَدَّهُم بِأَسَدِ الدِّينِ وَابْنِ أَخِيهِ صَلَاحِ الدِّينِ، فَلَمَّا جَاءَت الْغُزَاةُ الْمُجَاهِدُونَ إلَى دِيَارِ مِصْرَ قَامَت الرَّافِضةُ مَعَ النَّصَارَى فَطَلَبُوا قِتَالَ الْغزَاةِ الْمُجَاهِدِينَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَرَتْ فُصُولٌ يَعْرِفُهَا النَّاسُ حَتَّى قَتَلَ صَلَاحُ الدِّينِ مُقَدِّمَهُم شَاوَرَ. وَمِن حِينَئِذٍ ظَهَرَتْ بِهَذِهِ الْبِلَادِ كَلِمَة الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ. فَبِهَذَا السَّبَبِ وَأَمْثَالِهِ كَانَ إحْدَاثُ الْكَنَائِسِ فِي الْقَاهِرَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَد كَانَ فِي بَرِّ مِصْرَ كَنَائِسُ قَدِيمَةٌ، لَكِنْ تِلْكَ الْكَنَائِس أَقَرَّهُم الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا حِينَ فَتَحُوا الْبِلَادَ؛ لأنَّ الْفَلَّاحِينَ كَانُوا كُلُّهُم نَصَارَى وَلَمْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ، وإِنَّمَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ الْجُنْدُ خَاصَّةً. وَهَكَذَا الْقَرْيَةُ الَّتِي يَكُونُ أَهْلُهَا نَصَارَى وَلَيْسَ عِنْدَهُم مُسْلِمُونَ وَلَا مَسْجِدٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِذَا أَقَرَّهُم الْمُسْلِمُونَ عَلَى كَنَائِسِهِمْ الَّتِي فِيهَا جَازَ ذَلِكَ كَمَا فَعَلَهُ الْمُسْلِمُونَ. وَأَمَّا إذَا سَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ وَبَنَوْا بِهَا مَسَاجِدَهُمْ: فَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :"لَا تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ بِأَرْض" (١)، وَفي أَثَرٍ آخَرَ: "لَا يَجْتَمِعُ بَيْتُ رَحْمَةٍ وَبَيْتُ عَذَابٍ". فَكَانَ وُلَاةُ الْأمُورِ الَّذِينَ يَهْدِمُونَ كَنَائِسَهُم وَيُقِيمُونَ أَمْرَ اللهِ فِيهِمْ كعُمَر بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهَارُونَ الرَّشِيدِ وَنَحْوِهِمَا: مُؤَيّدِينَ مَنْصُورِينَ، وَكَانَ الَّذِينَ هُم بِخِلَافِ ذَلِكَ مَغْلُوبِينَ مقهُورِينَ.

стр. 2398

وَإِنَّمَا كَثُرَت الْفِتَنُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَفَرَّقوا عَلَى مُلُوكِهِمْ مِن حِينِ دَخَلَ النَّصَارَى مَعَ وُلَاةِ الْأمُورِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي دَوْلَةِ الْمُعِزِّ وَوِزَارَةِ الْفَائِزِ، وَتَفَرُّقِ الْبَحْرِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَد أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُم كَنَائِسَ كَثِيرَةً مِن أَرْضِ الْعَنْوَةِ بَعْدَ أَنْ أقِرُّوا عَلَيْهَا فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِ مِن الْخُلَفَاءِ، وَلَيْسَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَن أَنْكَرَ ذَلِكَ. فَعُلِمَ أَنَّ هَدْمَ كَنَائِس الْعَنْوَةِ جَائِزٌ إذَا لَمْ يَكُن فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَإِعْرَاضُ مَن أَعْرَضَ عَنْهُم كَانَ لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْو ذَلِكَ مِن الْأَسْبَابِ كَمَا أَعْرَضَ النَّبِيُّ ﷺ عَن إجْلَاءِ الْيَهُودِ حَتَّى أَجْلَاهُم عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁. ٣٤٥٣ - وَسُئِلَ: عَن نَصْرَانِيٍّ قِسِّيسٍ بِجَانِبِ دَارِهِ سَاحَةٌ بِهَا كَنِيسَةٌ خَرَابٌ لَا سَقْفَ لَهَا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَحدٌ مِن الْمُسْلِمِينَ وَقْتَ خَرَابِهَا، فَاشْتَرَى الْقِسِّيسُ السَّاحَةَ وَعَمَّرَهَا وَأَدْخَلَ الْكَنِيسَةَ فِي الْعِمَارَةِ وَأَصْلَحَ حِيطَانَهَا وَعَمَّرَهَا. فَأَجَابَ: لَيْسَ لَه أَنْ يُحْدِثَ مَا ذَكَرَهُ مِنَ الْكَنِيسَةِ، وَإِن كَانَ هُنَاكَ آثَارُ كَنِيسَةٍ قَدِيمَةٍ بِبَرِّ الشَّامِ، فَإِنَّ بَرَّ الشَّامِ فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عنْوَةً وَمَلَكُوا تِلْكَ الْكَنَائِسَ، وَجَازَ لَهُم تَخْرِيبُهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي وُجُوبِ تَخْرِيبِهَا. ٣٤٥٤ - لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَرْضَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ تُحْبَسَ عَلَى الدِّيَارَاتِ وَالصَّوَامِعِ، وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهَا؛ بَل لَو وَقَفَهَا ذِمِّيٌّ وَتَحَاكَمَ إلَيْنَا لَمْ نَحْكُمْ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ، فَكيْفَ بِحَبْسِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَعَابِدِ الْكُفَّارِ الَّتِي يُشْرَكُ فِيهَا بِالرَّحْمَنِ وَيُسَبُّ اللهُ وَرَسُولُهُ فِيهَا أَقْبَحَ سَبٍّ؟ وَكَانَ مِن سَبَبِ إحْدَاثِ هَذِهِ الْكَنَائِسِ وَهَذِهِ الْأَحْبَاسِ عَلَيْهَا شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَنِي عُبَيْدٍ الْقَدَّاحَ - الَّذِينَ كَانَ ظَاهِرُهُم الرَّفْضَ وَبَاطِنُهُم

стр. 2399

النِّفَاقَ- يستوزرون تَارَةً يَهُودِيًّا وَتَارَةً نَصْرَانِيًّا، وَاجْتَلَبَ ذَلِكَ النَّصْرَانِيُّ خَلْفًا كَثِيرًا وَبَنَى كَنَائِسَ كَثِيرَةً. وَالثَّانِي: اسْتِيلَاءُ الْكُتَّابِ مِن النَّصَارَى عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَيُدَلِّسُونَ فِيهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا يَشَاؤُونَ. * * * (شروط نُصُوصِ الْوَعْدِ والْوَعِيدِ، وحكم لعن الْمُعيّن) ٣٤٥٥ - لعن الكفار مطلقًا حسن لما فيهم من الكفر، وأما لعن المعين فينهى عنه وفيه نزاع، وتركه أولى. ٣٤٥٦ - المنصوص عن أحمد الذي قرره الخلال اللعن المطلق، لا المعين، كما قلنا في نصوص الوعيد والوعد، وكما نقول في الشهادة بالجنة والنار؛ فإنا نشهد بأن المؤمنين في الجنة وأن الكافرين في النار، ونشهد بالجنة والنار لمن شهد له الكتاب والسُّنَّة، ولا نشهد بذلك لمعين إلا من شهد له النص أو شهد له الاستفاضة على قول، فالشهادة في الخبر كاللعن في الطلب، والخبر والطلب نوعا الكلام؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "إن الطعانين واللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة" (١)، فالشفاعة ضد اللعن، كما أن الشهادة ضد اللعن. ثم قال في الرد على الرافضي: لا يجوز، واحتج بنهيه ﵇ عن لعنة الرجل الذي يُدعى حمارًا. ٣٤٥٧ - تَنَاوُلُ نُصُوصِ الْوَعْدِ لِلشَّخْصِ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَكُونَ عَمَلُة خَالِصًا لِوَجْهِ اللهِ مُوَافِقًا لِلسُّنَّةِ. وَكَذَلِكَ تَنَاوُلُ نُضوصِ الْوَعِيدِ لِلشَّخْصِ مَشْرُوطٌ بِألَا يَكُونَ مُتَأوِّلًا وَلَا مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا، فَإِنَّ اللهَ عَفَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَن الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ.

стр. 2400

وَالسيّئَاتُ الَّتِي يَرْتَكِبُهَا أَهْلُ الذُّنُوبِ تَزُولُ بِالتَّوْبَةِ، وَقَد. تَزُولُ بِحَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ وَمَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ، وَقَد تَزُولُ بِصَلَاةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَبِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ. فَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَخْتَارُونَ فِيمَن عُرِفَ بِالظُّلْمِ وَنَحْوِهِ مَعَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ لَهُ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ فِي الظَّاهِرِ -كَالْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ وَأَمْثَالِهِ- أَنَّهُم لَا يَلْعَنُونَ أَحَدًا مِنْهُم بِعَيْنِهِ؛ بَل يَقُولُونَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨]، فَيَلْعَنُونَ مَن لَعَنَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ عَامًّا .. وَلَا يَلْعَنُونَ الْمُعَيَّنَ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" وَغَيْرِهِ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُدْعَى حِمَارًا وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْلِدُهُ، فَأُتِيَ بِهِ مَرَّةً فَلَعَنَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَلْعَنْهُ، فَإنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ" (١). وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّعْنَةَ مِن بَابِ الْوَعِيدِ، وَالْوَعِيدُ الْعَامُّ لَا يُقْطَعُ بِهِ لِلشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ لِأحَدِ الْأسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ: مِن تَوْبَةٍ، أَو حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ، أَو مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ، أَو شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأمَّةِ: أَنَّا لَا نَلْعَنُ مُعَيّنًا مُطْلَقًا، وَلَا نُحِبُّ مُعَيّنا مُطْلَقًا. * * *

стр. 2401

(تشميت العاطس وإذا كان كافرًا أو ذِمِّيًّا أو [ما] (١) شابة) ٣٤٥٨ - قال القاضي: إنه روي عن النبي ﷺ لفظان: أحدهما: "يهديكم الله" (٢)، الثاني: "يرحمكم الله" (٣) كذا قال: وصوابه: "يغفر الله لكم" (٤) قاله الشيخ تقي الدين. ٣٤٥٩ - قال ابن تميم: لا يشمت الرجل الشابة ولا تشمته، وقال حرب: قلت لأحمد: الرجل يشمت المرأة إذا عطست فقال: إن أراد أن يستنطقها يسمع كلامها فلا؛ لأن الكلام فتنة، وإن لم يرد ذلك فلا بأس أن يشمتها، قال الشيخ تقي الدين: فيه عموم في الشابة. ٣٤٦٠ - قال الشيخ تقي الدين: وقد نص أحمد على أنه لا يستحب تشميت الذمي. * * * (السلام على الكفار وتهنئتهم وتعزيتهم وعيادة مرضاهم) ٣٤٦١ - إذا سلم أحدهم وجب الرد عليه عند أصحابنا وعند عامة العلماء لصحة الأحاديث عنه ﵇ بالرد. ٣٤٦٢ - قال الشيخ تقي الدين: إذا سلم الذمي على المسلم فإنه يرد عليه مثل تحيته، وإن قال: أهلًا وسهلًا فلا بأس. وتحرم البداءة بالسلام، وفي الحاجة احتمال، نقل أبو داود فيمن له حاجة إليه: لا يعجبني، ومثله: كيف أنت؟ أو أصبحت؟ أو حالك؟ نص عليه وجوزه شيخنا (٥).

стр. 2402

وقال الشيخ تقي الدين: إن خاطبه بكلام غير السلام مما يؤنسه له فلا بأس بذلك. ٣٤٦٣ - تجوز عيادة أهل الذمة، وتهنئتهم وتعزيتهم، ودخولهم المسجد للمصلحة الراجحة كرجاء الإسلام. قال العلماء: يعاد الذمي ويعرض عليه الإسلام. * * * (من الشروط عليهم) ٣٤٦٤ - يمنع أهل الذمة من إظهار الأكل في نهار رمضان؛ فإن هذا من المنكر في دين الإسلام. وليس لهم إظهار شيء من شعائر دينهم في دار الإسلام لا وقت الاستسقاء ولا عند لقاء الملوك. ويُمنعون من المقام في الحجاز، وهو مكة، والمدينة واليمامة، والينبع، وفدك، وتبوك، ونحوها وما دون المنحنى وهو عقبة الصوان من الشام كمعان. وإن أبى الذمي بذل الجزية أو الصغار أو التزام حكمنا ينقض عهده. ٣٤٦٥ - سابُّ الرسول ﷺ يقتل ولو أسلم (١)، وهو مذهب أحمد. ٣٤٦٦ - من قطع الطريق على المسلمين أو تجسس عليهم أو أعان أهل الحرب على سبي المسلمين أو أسرهم وذهب بهم إلى دار الحرب ونحو ذلك مما فيه مضرة على المسلمين: فهذا يقتل ولو أسلم.

стр. 2403

٣٤٦٧ - إذا شرط ولي الأمر على التجار الداخلين إلى بلاد الإسلام، وهم من أهل الحرب أن يضمنوا ما أخذه أهل الحرب منهم لتجار المسلمين جاز ذلك وكان شرطًا صحيحًا؛ لأن غايته أنه ضمان مجهول أو ضمان ما لم يجب، فهو كضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التاجر للناس من الديون، وهذا جائز عند أكثر العلماء مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، كما في قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾ [يوسف: ٧٢]، ولأن هؤلاء الطائفة الممتنعة ينصر بعضهم بعضًا فهم كالشخص الواحد، فإذا اشترطوا أن تجارهم يدخلون بلاد الإسلام بشرط ألا يأخذوا للمسلمين شيئاً، وما أخذوه كانوا ضامنين له، والمضمون يؤخذ من أموال التجار جاز ذلك؛ ولهذا قال النبي ﷺ للأسير العقيلي حين قال: يا محمد علام أوخذ؟ فقال: "بجريرة حلفائك من ثقيف" (١) وأسره النبي ﷺ وحبسه لينال بذلك من حلفائه مقصوده. ٣٤٦٨ - لو أسرنا حربيًّا لأجل تخليص من أسروه منا جاز باتفاق المسلمين. ولنا أن نحبسه حتى يردوا أسيرنا، ولو أخذنا مال حربي حتى يردوا علينا ما أخذوه لمسلم جاز، فإذا اشترط عليهم ذلك في عقد الأمان جاز. ٣٤٦٩ - ليس لأهل الذمة إظهار شيء من شعائر دينهم في ديار المسلمين، لا في أوقات الاستسقاء ولا في وقت مجيء النوائب، ويمنعون من إظهار التوراة، ولا يرفعون أصواتهم بالقراءة وصلاتهم، وعلى ولي الأمر منعهم من ذلك. ٣٤٧٠ - لا يُمنع أهل الذمة مِن ركوب جنس الخيل، فلو ركبوا البراذين التي لا زينة فيها والبغال على هذه الصفة فلا منع.

стр. 2404

٣٤٧١ - يمنعون من تعلية البنيان على جيرانهم المسلمين، وقال العلماء: ولو في ملك مشترك بين مسلم وذمي؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ٣٤٧٢ - ما فتحه المسلمون -كأرض خيبر التي فتحت على عهد النبي ﷺ وكعامَّة أرض الشام وبعض مدنها وكسواد العراق إلا مواضع قليلة فتحت صلحًا وكأرض مصر؛ فإن هذه الأقاليم فتحت عنوة على خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وقد روي في أرض مصر أنها فتحت صلحًا، وروي أنها فتحت عنوة، وكلا الأمرين صحيح، على ما ذكره العلماء المتأملون للروايات الصحيحة في هذا الباب؛ فإنها فتحت أولًا صلحًا، ثم نقض أهلها العهد فبعث عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵄ يستمده فأمده بجيش كثير فيه الزبير بن العوام ففتحها المسلمون الفتح الثاني عنوة .. - فما فتحه المسلمون عنوة: فقد ملكهم الله إياه، كما ملكهم ما استولوا عليه من النفوس والأموال والمنقول والعقارَ. ويدخل في العقار معابد الكفار ومساكنهم وأسواقهم ومزارعهم وسائر منافع الأرض، كما يدخل في المنقول سائر أنواعه من الحيوان والمتاع والنقد. وليس لمعابد الكفار خاصة تقتضي خروجها عن ملك المسلمين؛ فإن ما يقال فيها من الأقوال ويفعل فيها من العبادات: إما أن يكون مبدلًا أو محدثًا لم يشرعه الله قط، أو يكون الله نهى عنه بعد ما شرعه. وقد أوجب الله على أهل دينه جهاد أهل الكفر حتى يكون الدين كله للهِ، وتكون كلمة الله هي العليا، ويرجعوا عن دينهم الباطل إلى الهدى ودين الحق الذي بعث الله به خاتم المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، ويعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.

стр. 2405

٣٤٧٣ - هل يجوز للإمام عقد الذمة مع بقاء المعابد بأيديهم؟ فيه خلاف معروف في مذاهب الأئمة الأربعة: منهم من يقول: لا يجوز تركها لهم؛ لأنه إخراج ملك المسلمين عنها وإقرار الكفر بلا عهد قديم. ومنهم من يقول: بجواز إقرارهم فيها إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما أقر النبي ﷺ أهل خيبر فيها، وكما أقر الخلفاء الراشدون الكفار على المساكن والمعابد. فمن قال بالأول قال: حكم الكنائس حكم غيرها من العقار، منهم من يوجب إبقاءه كمالك في المشهور عنه وأحمد في رواية، ومنهم من يخير الإمام فيه بين الأمرين بحسب المصلحة، وهذا قول الأكثرين وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، وعليه دلت سُنَّة رسول الله ﷺ حيث قسم نصف خيبر وترك نصفها لمصالح المسلمين. ومن قال بجواز إقرارها بأيديهم فقوله أوجه وأظهر، فإنهم لا يملكون بهذا الإقرار رقاب المعابد كما يملك الرجل ماله، كما أنهم لا يملكون ما ترك لمنافعهم المشتركة كالأسواق والمراعي، كما لم يملك أهل خيبر ما أقرهم فيه رسول الله ﷺ من المساكن والمعابد، ومجرد إقرارهم ينتفعون بها ليس تمليكًا، كما لو أقطع المسلم بعض عقار بيت المال ينتفع بغلته أو سلم إليه مسجد أو رباط ينتفع به لم يكن ذلك تمليكًا له؛ بل ما أقروا فيه من كنائس العنوة يجوز للمسلمين انتزاعها منها إذا اقتضت المصلحة ذلك، كما انتزعها أصحاب النبي ﷺ من أهل خيبر بأمره بعد إقرارهم فيها، وقد طلب المسلمون في خلافة الوليد بن عبد الملك أن يأخذوا من النصارى بعض كنائس العنوة التي خارج دمشق، فصالحوهم على إعطائهم الكنيسة التي داخل البلد وأقر ذلك عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين (١) ومن معه في عصره من أهل

стр. 2406

العلم؛ فإن المسلمين لما أرادوا أن يزيدوا جامع دمشق بالكنيسة التي إلى جانبه وكانت من كنائس الصلح لم يكن لهم أخذها قهرًا، فاصطلحوا على المعاوضة بإقرار كنائس العنوة التي أرادوا انتزاعها، وكان ذلك الإقرار عوضًا عن كنيسة الصلح التي لم يكن لهم أخذها عنوة. ٣٤٧٤ - متى انتقض عهدهم: جاز أخذ كنائس الصلح منهم فضلًا عن كنائس العنوة كما أخذ النبي ﷺ ما كان لقريظة والنضير لما نقضوا العهد؛ فإن ناقض العهد أسوأ حالًا من الكافر الأصلي؛ ولذلك لو انقرض أهل مصر من الأمصار ولم يبق من دخل في عهدهم فإنه يصير للمسلمين جميع عقارهم ومنقولهم من المعابد وغيرها فيئًا، فإذا عقدت الذمة لغيرهم كان كالعهد المبتدأ وكان لمن يعقد لهم الذمة أن يقرهم في المعابد، وله أن لا يقرهم بمنزلة ما فتح ابتداء، فإنه لو أراد الإمام عند فتحه هدم ذلك جاز بإجماع المسلمين، ولم يختلفوا في جواز هدمه، وإنما اختلفوا في جواز بقائه، وإذا لم تدخل في العهد كانت فيئًا للمسلمين. وهذا الجواب حكمه فيما كان من معابدهم قديمًا قبل فتح المسلمين. أمَّا ما حدث بعد ذلك فإنه يجب إزالته، ولا يُمَكَّنون من إحداث البِيَع والكنائس، كما شرط عليهم عمر بن الخطاب ﵁ في الشروط المشهورة عنه: "ألا يجددوا في مدائن الإسلام ولا فيما حولها كنيسة ولا صومعة ولا ديرًا ولا قلاية"؛ امتثالًا لقول رسول الله ﷺ :"لا تكون قبلتان ببلد واحد" (١) رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد، ولما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لا كنيسة في الإسلام. وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ومذهب جمهورهم في القرى، وما زال من يوفقه الله من ولاة أمور المسلمين ينفذ ذلك ويعمل به مثل عمر بن

стр. 2407

عبد العزيز الذي اتفق المسلمون على أنه إمام هدى؛ فروى الإمام أحمد عنه أنه كتب إلى نائبه عن اليمن أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين؛ فهدمها بصنعاء وغيرها. وروى الإمام أحمد عن الحسن البصري أنه قال: من السُّنَّة أن تهدم الكنائس التي في الأمصار القديمة والحديثة. وكذلك هارون الرشيد في خلافته أمر بهدم ما كان في سواد بغداد، وكذلك المتوكل لما ألزم أهل الكتاب بشروط عمر استفتى أهل وقته في هدم الكنائس والبيع فأجابوه فبعث بأجوبتهم إلى الإمام أحمد فأجابه بهدم كنائس سواد العراق وذكر الآثار عن الصحابة والتابعين، فمما ذكره ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أيما مصر مصرته العرب- يعني: المسلمين- فليس للعجم - يعني: أهل الذمة-، أن يبنوا فيه كنيسة، ولا يضربوا فيه ناقوسًا، ولا يشربوا فيه خمرًا، وأيما مصر مصرته العجم ففتحه الثه على العرب فإن للعجم ما في عهدهم، وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم، ولا يكلفوهم فوق طاقتهم. ٣٤٧٥ - كلُّ مِصْرٍ مَصَّره العرب فليس للعجم أن يبنوا فيه بيعةٌ، ولهم رمُّ ما تشعث منها، وعنه (١): وبناؤها إذا انهدمت، وعنه: منعهما، اختاره الأكثر، قاله ابن هبيرة؛ كمنع الزيادة، قال شيخنا: ولو في الكيفية، وقال: لا أعلى ولا أوسع اتفاقًا. ٣٤٧٦ - الكنائس ليست ملكًا لأحد، وأهل الذمة ليس لهم منع من يعبد الله فيها؛ لأنا صالحناهم عليه. والعابد بينهم وبين الغافلين: أعظمُ أجرًا (٢). * * *

стр. 2408

(لا يقال لزائر كنائسهم: يا حاج، ولا لمن يزور القبور والمشاهد) ٣٤٧٧ - إذا زار أهل الذمة كنيسة بيت المقدس فهل يقال لهم: يا حاج مثلًا؟ لا ينبغي أن يقال لهم ذلك تشبيهًا بحاج البيت الحرام، ومن اعتقد أن زيارتها قربة فقد كفر، فإن كان مسلمًا فهو مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، فإن جهل أن ذلك محرم عرف ذلك، فإن أصر فقد كفر وصار مرتدًّا، ومن قال لأحدهم: يا حاج فإنه يعاقب عقوبة بليغة تردعه عن مثل هذا الكلام الذي فيه تشبيه القاصدين للكنائس بالقاصدين لبيت الله الحرام، وفيه تعظيم لذلك النصراني وللكنيسة، وهو بمنزلة من يشبه أعياد النصارى بأعياد المسلمين ويعظمها، وأمثال ذلك مما فيه تشبيه الذين كفروا من أهل الكتاب بأهل الإيمان وقد قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ [القلم: ٣٥]. ٣٤٧٨ - يلزم تمييز قبورهم عن قبورنا تمييزًا ظاهرًا كالحياة وأولى، ذكره شيخنا وألا يتكنوا بكنية المسلمين؛ كأبي القاسم، وأبي عبد الله، وكذا اللقب؛ كعز الدين، ونحوه. ومِن حمل سِلاحٍ والعملِ به، وتعلُّمِ المقاتَلَة والطعانِ والرميِ وركوبِ الخيل. ٣٤٧٩ - قال ابن القيم ﵀: ولما أحرقت النصارى أموال المسلمين بالشام ودورهم وراموا إحراق جامعهم الأعظم حتى أحرقوا منارته، وكادوا لولا دفاع الله أن يحترق كله، وعلم من علم بذلك من النصارى وواطؤوا عليه وأقروه ورضوا به ولم يعلموا به ولي الأمر فاستفتى فيهم ولي الأمر من حضره من الفقهاء وأفتيناه بانتقاض عهد من فعل ذلك وأعان عليه بوجه من الوجوه، أو رضي به وأقر عليه، وأن حدَّه القتل حتمًا لا تخيير للإمام فيه كالأسير، بل صار القتل له حدًّا، والإسلام لا يسقط القتل إذا كان حدًّا ممن هو تحت الذمة

стр. 2409

ملتزمًا لأحكام الله؛ بخلاف الحربي إذا أسلم فإن الإسلام يعصم دمه وماله ولا يقتل بما فعله قبل الإسلام، فهذا له حكم، والذمي الناقض للعهد إذا أسلم له حكم آخر، وهذا الذي ذكرناه هو الذي تقتضيه نصوص الإمام أحمد وأصوله، ونص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، وأفتى به في غير موضع. ٣٤٨٠ - من تولى منهم ديوانًا للمسلمين انتقض عهده؛ لأنه من الصغار. ٣٤٨١ - كل ما يفعل في أعياد الكفار من الخصائص التي يعظم بها فليس للمسلم أن يفعل شيئًا منها، قال النبي ﷺ : "من تشبه بقوم فهو منهم" (١)، وقال ﷺ : "ليس منا من تشبه بغيرنا" (٢). وقد شارط عمر بن الخطاب ﵁ أهل الكتاب ألا يظهروا شيئًا من شعائر الكفار لا الأعياد ولا غيرها، واتفق المسلمون على نهيهم عن ذلك كما شرطه عليهم أمير المؤمنين، وسواء قصد المسلم التشبه بهم أو لم يقصد ذلك بحكم العادة التي تعودها، فليس له أن يفعل ما هو من خصائصهم، وكل ما فيه تخصيص عيدهم بلباس وطعام ونحو ذلك فهو من خصائص أعيادهم، وليس ذلك من دين المسلمين. وكذلك التزين يوم عيد النصارى من المنكرات، وصنعة الطعام الزائد عن العادة، وتكحيل الصبيان .. وعمل الولائم، وجمع الناس على الطعام في عيدهم، ومن فعل هذه الأمور يتقرب بها إلى الله تعالى راجيًا بركتها فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ فإن هذا من إخوان النصارى، كما لو عظم رجل

стр. 2410

الصليب وصلى إلى المشرق، وتعمد بالعمودية فإن من فعل هذا فهو كافر مرتد يجب قتله شرعًا وإن أظهر مع ذلك الإسلام. وأما القمار فيه فإنه حرام في كل وقت فيه وفي غيره. وكذلك البخور فيه ونحو ذلك. وبالجملة: فليس ليوم عيدهم مزية على غيره، ولا يفعل فيه شيء مما يميزونه هم به. ولكن لو صامه الرجل قصدًا لمخالفتهم فقد كرهه كثير من العلماء، كما روي عن أنس بن مالك، والحسن البصري، وأحمد بن حنبل، وغيرهم ﵃؛ لأن من تخصيص أعياد الكفار بالصوم نوع تعظيم لها، وإن كانوا هم لا يصومونه فكيف إذا كان التعظيم من جنس ما يفعلونه؟ ألا ترى أن اليهود كانوا يتخذون يوم عاشوراء عيذا فيصومونه ويظهرون السرور فيه، وأمر النبي ﷺ بصيامه مرة واحدة قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان سقط وجوبه وبقي صومه مستحبًّا ثم إن النبي ﷺ لما قيل له إن اليهود والنصارى يتَّخذونه عيدًا قال: "لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع" (١)، فقال أكثر أهل العلم: مراده صوم التاسع والعاشر؛ لئلا يخص يوم عاشوراء بالصوم، كما نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم، وكان يقول: "صوموا يومًا قبله أو يومًا بعده" (٢)، وهو ﷺ فعل هذا في عاشوراء بعد أن كان أمر بصيامه ليخالف اليهود ولا يشاركهم في إفراد تعظيمه، هذا مع أن عاشوراء لم يشرع فيه غير الصوم باتفاق علماء المسلمين. * * *

стр. 2411

(الرسالة القبرصيّة) ٣٤٨٢ - وَقَالَ -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ-: (١) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِن أَحْمَد ابْنِ تَيْمِيَّة إلَى سرجوان عَظِيمِ أَهْلِ مِلَّتِهِ وَمَن تَحُوطُ بِهِ عِنَايَتُهُ مِن رُؤَسَاءِ الدِّينِ وَعُظَمَاءِ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْكُتَّابِ وَأَتْبَاعِهِمْ، سَلَامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الْهُدَى. أمَّا بَعْدُ: فَإِنَّا نَحْمَدُ إلَيْكُم اللهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ إلَهَ إبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى عِبَادِهِ الْمُصْطَفِينَ وَأَنْبِيَائِهِ الْمُرْسَلِينَ، وَيَخُصُّ بِصَلَاتِهِ وَسَلَامِهِ أُولِي الْعَزْمِ الَّذِينَ هُم سَادَةُ الْخَلْقِ وَقَادَةُ الْأُمَمِ، الَّذِينَ خُصُّوا بِأَخْذِ الْمِيثَاقِ وَهُم: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ، وَأَظْهَرَ فِيهِمْ آثَارَ مَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتهِ وَرَحْمَتهِ، وَجَعَلَ الْمَقْصُودَ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ فِيمَا أَمَرَهُم بِهِ هُوَ عِبَادَتهُ. وَأَصْلُ ذَلِكَ هُوَ مَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ، فَمَن هَدَاهُ الله صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ آتَاهُ رَحْمَةً وَعِلْمًا، وَمَعْرِفَةً بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا، وَرَزَقَهُ الْإنَابَةَ إلَيْهِ، وَالْوَجَلَ لِذِكْرِهِ وَالْخُشُوعَ لَهُ وَالتَّأَلُّهَ لَهُ، فَحَنَّ إلَيْهِ حَنِينَ النُّسُورِ إلَى أَوْكَارِهَا، وَكَلَفَ (٢) بِحُبِّهِ تَكَلُّفَ الصَّبِيَّ بِأُمَّهِ، لَا يَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ رَغْبَةً وَرَهْبَةً وَمَحَبَّةً، وَأَخْلَصَ دِينَهُ لِمَن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة لَهُ رَبَّ الْأوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، خَالِقِ مَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ، عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الَّذِي أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَقَد أَخْبَرَ الْحَوَارِيُّونَ عَن خَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ أَنَّهُ يُبْعَثُ مِن أَرْضِ الْيَمَنِ، وَأَنَّهُ

стр. 2412

يُبْعَثُ بِقَضِيبِ الْأَدَب وَهُوَ السَّيْفُ، وَأَخْبَرَ الْمَسِيحُ أَنَّهُ يَجِيءُ بِالْبَيَّنَاتِ وَالتَّأْوِيلِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ جَاءَ بِالأَمْثَالِ. وَهَذَا بَابٌ يَطُولُ شَرْحُهُ. وَإِنَّمَا نَبَّهَ الدَّاعِي (١) لِعَظِيمِ مِلَّتِهِ وَأَهْلِهِ (٢) لما بَلَغَنِي مَا عِنْدَهُ مِن الدِّيَانَةِ وَالْفَضْلِ وَمَحَبَّةِ الْعِلْمِ وَطَلَبِ الْمُذَاكَرَةِ، وَرَأَيْت الشَّيْخَ أَبَا الْعَبَّاسِ المقدسي (٣) شَاكِرًا مِن الْمَلِكِ: مِن رِفْقِهِ وَلُطْفِهِ وَإِقْبَالِهِ عَلَيْهِ وَشَاكِرًا مِن الْقِسِّيسِينَ وَنَحْوِهِمْ. وَنَحْنُ قَوْمٌ نُحِبُّ الْخَيْرَ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَنُحِبُّ أَنْ يَجْمَعَ اللهُ لَكُمْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (٤). وَلَمَّا قَدِمَ مُقَدَّمُ الْمَغُولِ غازان وَأَتْبَاعُهُ إلَى دِمَشْقَ، وَكَانَ قَد انْتَسَبَ إلَى الْإِسْلَامِ، لَكِنْ لَمْ يَرْضَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ بِمَا فَعَلُوهُ؛ حَيْثٌ لَمْ يَلْتَزِمُوا دِينَ اللهِ، وَقَد اجْتَمَعَتُ بِهِ وَبِأُمَرَائِهِ وَجَرَى لِي مَعَهُم فُصُولٌ يَطُولُ شَرْحُهَا لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ قَد بَلَغَت الْمَلِكَ؛ فَأَذَلَّهُ اللهُ وَجُنُودَهُ لَنَا، حَتَّى بَقِينَا نَضْرِبُهُم بِأَيْدِينَا وَنَصْرُخُ فِيهِمْ بِأَصْوَاتِنَا، وَكَانَّ مَعَهُم صَاحِبَ سيسَ (٥) مِثْلُ أَصْغَرِ غُلَامٍ يَكُونُ، حَتَّى كَانَ بَعْض الْمُؤَذِّنِينَ الَّذِينَ مَعَنَا يَصْرُخُ عَلَيْهِ وَيَشْتُمُهُ وَهُوَ لَا يَجْتَرِئُ أَنْ يُجَاوِبَهُ، حَتَّى إنَّ وُزَرَاءَ غازان ذَكَرُوا مَا يَنُمُّ عَلَيْهِ مِن فَسَادِ النِّيَّةِ لَهُ (٦)، وَكُنْتُ حَاضِرًا لَمَّا جَاءَت رُسُلُكُمْ إلَى نَاحِيَةِ السَّاحِلِ، وَأَخْبَرَنِي التَّتَارُ بِالْأمْرِ الَّذِي أَرَادَ صَاحِبُ سِيسَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ فِيهِ، حَيْثُ مَنَّاكُمْ بِالْغُرُورِ، وَكَانَ التّتَارُ مِن أَعْظَمِ النَّاسِ شَتِيمَة لِصَاحِبِ سِيسَ وَإِهَانَة لَهُ.

стр. 2413

وَمَعَ هَذَا: فَإِنَّا كُنَّا نُعَامِلُ أَهْلَ مِلَّتِكُمْ بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِم وَالذَّبِّ عَنْهُمْ. وَقَد عَرَفَ النَّصَارَى كُلُّهُم أَنِّي لَمَّا خَاطَبْت التَّتَارَ فِي إطْلَاقِ الْأَسْرَى وَأَطْلَقَهُم غازان وقطلوشاه، وَخَاطَبْت مَوْلَايَ فِيهِمْ فَسَمَحَ بِإِطْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ لِي: لَكِنَّ مَعَنَا نَصَارَى أَخَذْنَاهُم مِن الْقُدْسِ فَهَؤُلَاءِ لَا يُطْلَقُونَ. فَقُلْت لَهُ: بَل جَمِيعُ مَن مَعَك مِن الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ هُم أَهْلُ ذِمَّتِنَا؛ فَإِنَّا نفْتِكَهُم وَلَا نَدَعُ أَسِيرًا لَا مِن أَهْلِ الْمِلَّةِ وَلَا مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَأَطْلَقْنَا مِن النَّصَارَى مَن شَاءَ اللهُ. فَهَذَا عَمَلُنَا وَإِحْسَانُنَا وَالْجَزَاءُ عَلَى اللهِ. وَكَذَلِكَ السَّبْيُ الَّذِي بِأَيْدِينَا مِن النَّصَارَى يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ إحْسَانَنَا وَرَحْمَتَنَا وَرَأْفَتَنَا بِهِم؛ كَمَا أَوْصَانَا خَاتَمُ الْمُرْسَلِينَ حَيْثُ قَالَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ: "الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" (١). قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]. وَمَعَ خُضُوعِ التَّتَارِ لِهَذِهِ الْمِلَّةِ وَانْتِسَابِهِم إلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ، فَلَمْ نُخَادِعْهُم وَلَمْ نُنَافِقْهمْ؛ بَل بَيَّنَّا لَهُم مَا هُم عَلَيْهِ مِن الْفَسَادِ وَالْخُرُوجِ عَن الْإِسْلَامِ الْمُوجِبِ لِجِهَادِهِمْ، وَأَنَّ جُنُودَ اللهِ الْمُؤَيَّدَة، وَعَسَاكِرَهُ الْمَنْصُورَةَ الْمُسْتَقِرَّةَ بِالدَّيَارِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ: مَا زَالَتْ مَنْصُورَة عَلَى مَن نَاوَأَهَا، مُظَفَّرَةً عَلَى مَن عَادَاهَا، وَفِي هَذِهِ الْمُدَّةِ لَمَّا شَاعَ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ التَّتَارَ مُسْلِمُونَ أَمْسَكَ الْعَسْكَر عَن قِتَالِهِمْ، فَقتلَ مِنْهُم بِضْعَة عَشَرَ أَلْفًا، وَلَمْ يُقْتلْ مِن الْمُسْلِمِينَ مِائَتَانِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ الْعَسْكَرُ إلَى مِصْرَ وَبَلَغَهُ مَا عَلَيْهِ هَذِهِ الطَّائِفَةُ الْمَلْعُونَةُ مِن الْفَسَادِ وَعَدَمِ الدِّينِ: خَرَجَتْ جُنُودُ اللهِ وَلِلْأَرْضِ مِنْهَا وَئِيدٌ (٢)، قَد مَلَأَت السَّهْلَ

стр. 2414

وَالْجَبَلَ، فِي كَثْرَةٍ وَقُوَّةٍ وَعدَّةٍ وَإِيمَانٍ وَصِدْقٍ، قَد بَهَرَت الْعُقُولَ وَالْألْبَابَ، مَحْفُوفَةٌ بِمَلَائِكَةِ اللهِ الَّتِي مَا زَالَ يُمدُّ بِهَا الْأُمَّةَ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُخْلِصَةَ لِبَارِئِهَا، فَانْهَزَمَ الْعَدُوُّ بَيْنَ أَيْدِيهَا وَلَمْ يَقِفْ لِمُقَابَلَتِهَا. ثُمَّ أَقْبَلَ الْعَدُوُّ ثَانِيًا فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ مِن الْعَذَابِ مَا أَهْلَكَ النُّفُوسَ وَالْخَيْلَ، وَانْصَرَفَ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ، وَصَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهُوَ الْآنُ فِي الْبَلَاءِ الشَّدِيدِ، والتعكيس الْعَظِيمِ، وَالْبَلَاءِ الَّذِي أَحَاطَ بِهِ. وَالْإسْلَامُ فِي عِزَّ مُتَزَايدٍ، وَخَيْرٍ مُتَرَافِدٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَد قَالَ: "إنَّ اللهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فِي رَأْسِ كُلَّ مِائَةِ سَنَةٍ مَن يُجَدِّدُ لَهَا أَمْرَ دِينِهَا" (١). وَهَذَا الدِّينُ فِي إقْبَالٍ وَتَجْدِيدٍ، وَأَنَا نَاصِحٌ لِلْمَلِكِ وَأَصْحَابِهِ وَاللهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَالْفُرْقَانَ. فَيَا أَيُّهَا الْمَلِكُ، كَيْفَ تَسْتَحِلُّ سَفْكَ الدِّمَاءِ وَسَبْيَ الْحَرِيمِ وَأَخْذَ الْأَمْوَالِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ مِنَ اللهِ وَرُسُلِهِ؟ ثُمَّ أَمَا يَعْلَمُ الْمَلِكُ أَنَّ بِدِيَارِنَا مِنَ النَّصَارَى أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْأَمَانِ مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُم إلَّا اللهُ وَمُعَامَلَتُنَا فِيهِمْ مَعْرُوفَةٌ، فَكَيْفَ يُعَامِلُونَ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي لَا يَرْضَا بهَا ذُو مُرُوءَةٍ وَلَا ذُو دِينٍ، لَسْت أَقُولُ عَن الْمَلِكِ وَأَهْلِ بَيْته وَلَا إخْوَتِهِ، فَإِنًّ أَبَا الْعَبَّاسِ شَاكِرٌ لِلْمَلِكِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ كَثِيرًا مُعْتَرِفًا بِمَا فَعَلُوهُ مَعَهُ مِن الْخَيْرِ، وَإِنَّمَا أَقُولُ عَن عُمُومِ الرَّعِيَّةِ، أَلَيْسَ الْأَسْرَى فِي رَعِيَّةِ الْمَلِكِ؟ أَلَيْسَتْ عُهُودُ الْمَسِيحِ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ تُوَصِّي بِالْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ؟ فَأَيْنَ ذَلِكَ؟ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْهُم إنَّمَا أُخِذُوا غَدْرًا وَالْغَدْرُ حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ وَالشَّرَائِعِ وَالسِّيَاسَاتِ.

стр. 2415

فَكيْفَ تَسْتَحِلُّونَ أَنْ تَسْتَوْلُوا عَلَى مَن أُخذَ غَدْرًا؟ أَفَتأْمَنُونَ مَعَ هَذَا أَنْ يُقَابِلَكُمْ الْمُسْلِمُونَ بِبَعْضِ هَذَا وَتَكُونُونَ مَغْدُورِينَ؟ واللهُ نَاصِرُهُم وَمُعِينُهُمْ، لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَالْأُمَّةُ قَد امْتَدَّتْ لِلْجِهَادِ، وَاسْتَعَدَّتْ لِلْجَلَّادِ، وَرَغِبَ الصَّالِحُونَ وَأَوْلِيَاءُ الرَّحْمَنِ فِي طَاعَتِهِ، وَقَد تَوَلَّى الثُّغُورَ السَّاحِلِيَّةَ أُمَرَاءُ ذَوُو بَأْسٍ شَدِيدٍ، وَقَد ظَهَرَ بَعْضُ أَثَرِهِمْ وَهُم فِي ازْدِيَادٍ. ثُمَّ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِن الرِّجَالِ الفداوية الَّذِينَ يَغْتَالُونَ الْمُلُوكَ فِي فُرُشِهَا وَعَلَى أَفْرَاسِهَا، مَن قَد بَلَغَ الْمَلِكُ خَبَرهُم قَدِيمًا وَحَدِيثًا. وَنَحْنُ إذَا رَأَيْنَا مِن الْمَلِكِ وَأَصْحَابِهِ مَا يَصْلُحُ عَامَلْنَاهُم بِالْحُسْنَى، وَإِلَّا فَمَن بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللهُ. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِن أَيْسَرِ الْأمُورِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَا مَا غَرَضِي السَّاعَةَ إلَّا مُخَاطَبَتُكُمْ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَالْمُعَاوَنَةُ عَلَى النَّظَرِ فِي الْعِلْمِ وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَفِعْلِ مَا يَجِبُ. فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْمَلِكِ مَن يَثِقُ بِعَقْلِهِ وَدِينِهِ فَلْيَبْحَثْ مَعَهُ عَن أُصُولِ الْعِلْمِ وَحَقَائِقِ الْأَدْيَانِ، وَلَا يَرْضَا أَنْ يَكُونَ مِن هَؤُلَاءِ النَّصَارَى الْمُقَلِّدِينَ الَّذِينَ لَا يَسْمَعُونَ وَلَا يَعْقِلُونَ، إنْ هُم إلَّا كَالْأَنْعَامِ؛ بَل هُم أَضَلُّ سَبِيلًا. وَمِن الْعَجَبِ كُلَّ الْعَجَبِ أنْ يَأْسِرَ النَّصَارَى قَوْمًا غَدْرًا أَو غَيْرَ غَدْرٍ وَلَمْ يُقَاتِلُوهُمْ، وَالْمَسِيحُ يَقُولُ: "مَن لَطَمَك عَلَى خَدِّك الْأَيْمَنِ فَأَدِرْ لَهُ خَدَّك الْأَيْسَرَ، وَمَن أَخَذَ رِدَاءَك فَأَعْطِهِ قَمِيصَك". وَكُلَّمَا كَثُرَتِ الْأَسْرَى عِنْدَكُمْ كَانَ أَعْظَمَ لِغَضبِ اللهِ وَغَضَبِ عِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ السُّكُوتُ عَلَى أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فِي قُبْرُصَ سِيَّمَا وَعَامَّةُ هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى قَوْمٌ فُقَرَاءُ وَضُعَفَاءُ لَيْسَ لَهُم مَن يَسْعَى فِيهِمْ، وَهَذَا أَبُو الْعَبَّاسِ مَعَ أَنَّهُ مِن عُبَّادِ الْمُسْلِمِينَ وَلَهُ عِبَادَةٌ وَفَقْرٌ، وَفِيهِ مَشْيَخَةٌ، وَمَعَ هَذَا فَمَا كَادَ يَحْصُلُ لَهُ فِدَاؤُهُ إلَّا بِالشَّدَّةِ.

стр. 2416

وَدِينُ الْإِسْلَامِ يَأْمُرُنَا أَنْ نُعِينَ الْفَقِيرَ وَالضَّعِيفَ، فَالْمَلِكُ أَحَقُّ أَنْ يُسَاعِدَ عَلَى ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، لَا سِيَّمَا وَالْمَسِيحُ يُوصِي بِذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ، وَيَأْمُرُ بِالرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَيْرِ الشَّامِلِ كَالشَّمْسِ وَالْمَطَرِ. وَالْمَلِكُ وَأَصْحَابُهُ إذَا عَاوَنُونَا عَلَى تَخْلِيصِ الْأَسْرَى وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِم كَانَ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ لَهُم فِي ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. أَمَّا فِي الْآخِرَةِ: فَإِنَّ اللهَ يُثِيبُ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْجُرُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الْمَسِيحِيَّينَ الَّذِينَ لَا يَتَّبِعُونَ الْهَوَى. أَمَّا فِي الدُّنْيَا: فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَقْدَرُ عَلَى الْمُكَافَأةِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرَّ مِن كُلِّ أَحَدٍ، وَمَن حَارَبُوهُ فَالْويلُ كُلَّ الْوَيْلِ لَهُ. ثُمَّ إنَّ فِي بِلَادِهِمْ مِن النَّصَارَى أَضْعَافَ مَا عِنْدَكُمْ مِن الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ فِيهِمْ مِن رُؤُوسِ النَّصَارَى مَن لَيْسَ فِي الْبَحْرِ مِثْلُهُم إلَّا قَلِيلٌ. وَأَمَّا أُسَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ فِيهِمْ مَن يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَلَا مَن يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَإِنَّمَا نَسْعَى فِي تَخْلِيصِهِمْ لِأجْلِ اللهِ تَعَالَى رَحْمَةً لَهُم وَتَقَرُّبًا إلَيْهِ يَوْمَ يَجْزِي اللهُ الْمُصَدَّقِينَ وَلَا يُضَيَّعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَاَلَّذِي أَخْتِمُ بِهِ الْكِتَابَ الْوَصِيَّةَ بِالشَّيْخِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَبِغَيْرِهِ مِن الْأسْرَى وَالْمُسَاعَدَةِ لَهُمْ، وَالرِّفْق بِمَن عِنْدَهُم مِن أَهْلِ الْقُرْآَنِ، وَالِامْتِنَاعِ مِن تَغْيِيرِ دِينِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَسَوْفَ يَرَى الْمَلِكُ عَاقِبَةَ ذَلِكَ كُلَّهِ. وَنَحْنُ نَجْزِي الْمَلِكَ عَلَى ذَلِكَ بِأَضْعَافِ مَا فِي نَفْسِهِ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي قَاصِدٌ لِلْمَلِكِ الْخَيْرَ؛ لِأنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِذَلِكَ وَشَرَعَ لَنَا أَنْ نُرِيدَ الْخَيْرَ لِكُلَّ أَحَدٍ وَنَعْطِفَ عَلَى خلقِ اللهِ، وَنَدْعُوهُم إلَى اللهِ وَإِلَى دِينِهِ وَنَدْفَع عَنْهُم شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنَّ. وَاللهُ الْمَسْؤُولُ أَنْ يُعِينَ الْمَلِكَ عَلَى مَصْلَحَتِهِ الَّتِي هِيَ عِنْدَ اللهِ الْمَصْلَحَةُ، وَأَنْ يُخَيِّرُ لَهُ مِن الْأَقْوَالِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ اللهِ، وَيَخْتِمَ لَهُ بِخَاتِمَةِ خَيْرٍ.

стр. 2417

وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ الْمُرْسَلِينَ، وَلَا سِيَّمَا مُحَمَّدٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ (١). * * * (قاعدة في الحسبة) ٣٤٨٣ - هَذِهِ قَاعِدَةٌ فِي الْحِسْبَةِ (٢): أَصْلُ ذَلِكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَ الْوِلَايَاتِ فِي الْإِسْلَامِ مَقْصُودُهَا أَنْ يَكُونَ الدَّينُ كُلُّهُ للهِ، وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا. وَكُلُّ بَنِي آدَمَ لَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُم لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا بِالِاجْتِمَاعِ وَالتَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ؛ فَالتَّعَاوُنُ وَالتَّنَاصُرُ عَلَى جَلْبِ مَنَافِعِهِمْ، وَالتَّنَاصُرُ لِدَفْعِ مَضَارِّهِمْ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ: الْإِنْسَانُ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ. فَإِذَا اجْتَمَعُوا فَلَا بُدَّ لَهُم مِن أُمُورٍ يَفْعَلُونَهَا يَجْتَلِبُونَ بِهَا، وَأُمُورٍ يَجْتَنِبُونَهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَفْسَدَةِ، وَيَكُونُونَ مُطِيعِينَ لِلْآمِرِ بِتِلْكَ الْمَقَاصِدِ وَالنَّاهِي عَن تِلْكَ الْمَفَاسِدِ، فَجَمِيعُ بَنِي آدَمَ لَا بُدَّ لَهُم مِن طَاعَةِ آمِرٍ وَنَاهٍ.

стр. 2418

وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِن طَاعَةِ آمِرٍ وَنَاهٍ: فَمَعْلُومٌ أَنَّ دُخُولَ الْمَرْءِ فِي طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ خَيْرٌ لَهُ (١)، وَهُوَ الرَّسُولُ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الْمَكْتُوبُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَن الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُم الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِم الْخَبَائِثَ، وَذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ. وَإِذَا كَانَ جِمَاعُ الدِّينِ وَجَمِيعُ الْوِلَايَاتِ هُوَ أَمْرٌ وَنَهْيٌ؛ فَالْأَمْرُ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ: هُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ الَّذِي بَعَثَهُ بِهِ: هُوَ النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهَذَا نَعْتُ النَّبِيَّ وَالْمُؤْمِنِينَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]، وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَادِرٍ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ. وَيَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْقَادِرِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُ. وَالْقُدْرَةُ هُوَ السُّلْطَانُ وَالْوِلَايَةُ، فَذَوُو السُّلْطَانِ أَقْدَرُ مِن غَيْرِهِمْ، وَعَلَيْهِم مِن الْوُجُوبِ مَا لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ مَنَاطَ الْوُجُوبِ فوَ الْقُدْرَةُ، فَيَجِبُ عَلَى كُلَّ إنْسَانٍ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ٣٤٨٤ - إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ، وَعَاقِبَة الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ، وَلِهَذَا يُرْوَى: "اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِن كَانَت كَافِرَةً، وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِن كَانَت مُؤْمِنَةً". ٣٤٨٥ - يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَلِيَّ أَمْرٍ أَنْ يَسْتَعِينَ بِأَهْلِ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ اسْتَعَانَ بِالْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ، وَإِن كَانَ فِيهِ كَذِبٌ وَظُلْمٌ؛ فَإِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ وَبِأَقْوَام لَا خَلَاقَ لَهُمْ، وَالْوَاجِبُ إنَّمَا هُوَ فِعْلُ الْمَقْدُورِ، وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَو عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "مَن قَلَّدَ رَجُلًا عَلَى عِصَابَةٍ

стр. 2419

وَهُوَ يَجِدُ فِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَن هُوَ أَرْضَى للهِ مِنْهُ فَقَد خَانَ اللهَ وَخَانَ رَسُولَهُ وَخَانَ الْمُؤْمِنِينَ" (١). ٣٤٨٦ - جَمِيعُ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ هِيَ فِي الْأَصْلِ وِلَايَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَمَنَاصِبُ دِينِيَّةٌ (٢)، فَأَيُّ مَن عَدَلَ فِي وِلَايَةٍ مِن هَذِهِ الْوِلَايَاتِ فَسَاسَهَا بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ وَأَطَاعَ اللهَ وَرَسُولَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَهُوَ مِن الْأَبْرَارِ الصَّالِحِينَ، وَأَيُّ مَن ظَلَمَ وَعَمِلَ فِيهَا بِجَهْل فَهُوَ مِن الْفُجَّارِ الظَّالِمِينَ، إنَّمَا الضَّابِطُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]. ٣٤٨٧ - وَأَمَّا الْمُحْتَسِبُ فَلَهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَن الْمُنْكرِ مِمَّا لَيْسَ مِن خَصَائِصِ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ وَأَهْل الدِّيوَانِ وَنَحْوهمْ، وَكَثِيرٌ مِن الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ وُلَاةِ الْأُمُورِ، فَمَن أَدَّى فِيهِ الْوَاجِبَ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ فِيهِ، فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَ الْعَامَّةَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي مَوَاقِيتِهَا، وَيُعَاقِبَ مَن لَمْ يُصَلِّ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ، وَأَمَّا الْقَتْلُ فَإِلَى غَيْرِهِ. وَذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ أَعْرَفُ الْمَعْرُوفِ مِن الْأَعْمَالِ، وَهِيَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ وَأَعْظَمُ شَرَائِعِهِ، وَهِيَ قَرِينَةُ الشَّهَادَتَيْنِ. وَأَمْرُهَا أَعْظَمُ مِن أَنْ يُحَاطَ بِهِ فَاعْتِنَاءُ وُلَاةِ الْأَمْرِ بِهَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ اعْتِنَائِهِمْ بِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ. ٣٤٨٨ - لَيْسَ لِأهْلِ السُّوقِ أَنْ يَبِيعُوا الْمُمَاكِسَ بِسِعْر، وَيَبِيعُوا الْمُسْتَرْسِلَ الَّذِي لَا يُمَاكِسُ أَو مَن هُوَ جَاهِلٌ بِالسِّعْرِ بِأَكْثَرَ مِن ذَلِكَ السِّعْرِ، هَذَا مِمَّا يُنْكَرُ عَلَى الْبَاعَةِ.

стр. 2420

وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تَلَقِّي السِّلَعِ؛ فَإنَّ الْقَادِمَ جَاهِلٌ بِالسِّعْرِ؛ وَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لَبَادٍ وَقَالَ: "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُم مِن بَعْضٍ" (١). وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَوْلُهُ: "لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لَبَادٍ"؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارٌ. وَهَذَا نَهْيٌ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِن ضَرَرِ الْمُشْتَرِينَ؛ فَإِنَّ الْمُقِيمَ إذَا تَوَكَّلَ لِلْقَادِمِ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهَا، وَالْقَادِمُ لَا يَعْرِفُ السِّعْرَ ضَرَّ ذَلِكَ الْمُشْتَرِيَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُم مِن بَعْضٍ". ٣٤٨٩ - رَوَى مُسْلِمٌ (٢) فِي "صَحِيحِهِ" عَن مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: "لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطئٌ"، فَإِنَّ الْمُحْتَكِرَ هُوَ الَّذِي يَعْمَدُ إلَى شِرَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ مِن الطَّعَامِ فَيَحْبِسُهُ عَنْهُم وَيُرِيدُ إغْلَاءَهُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِلْخَلْقِ الْمُشْتَرِينَ، وَلِهَذَا كَانَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُكْرِهَ النَّاسَ عَلَى بَيْعِ مَا عِنْدَهُم بِقِيمَةِ الْمِثْل عِنْدَ ضَرُورَةِ النَّاسِ إلَيْهِ. وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ السِّعْرَ: أ - مِنْهُ مَا هُوَ ظُلْمٌ لَا يَجُوزُ. ب - وَمِنْهُ مَا هُوَ عَدْلٌ جَائِزٌ. فَإِذَا كَانَ النَّاسُ يَبِيعُونَ سِلَعَهُم عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ مِن غَيْرِ ظُلْمٍ مِنْهُمْ، وَقَد ارْتَفَعَ السِّعْرُ: إمَّا لِقِلَّةِ الشَّيءِ، وَإِمَّا لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ: فَهَذَا إلَى اللهِ، فَإِلْزَامُ الْخَلْقِ أَنْ يَبِيعُوا بِقِيمَةٍ بِعَيْنِهَا إكْرَاهٌ بِغَيْرِ حَقّ. وَأمَّا الثَّانِي: فَمِثْلُ أَنْ يَمْتَنِعَ أَرْبَابُ السِّلَعِ مِن بَيْعِهَا مَعَ ضَرُورَةِ النَّاسِ إلَيْهَا إلَّا بِزِيَادَة عَلَى الْقِيمَةِ الْمَعْرُوفَةِ، فَهُنَا يَجِبُ عَلَيْهِم بَيْعُهَا بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّسْعِيرِ إلَّا إلْزَامَهُم بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، فَيَجِبُ أَنْ يَلْتَرِمُوا بِمَا أَلْزَمَهُم اللهُ بِهِ.
следующие страницы →