Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
وَدِينُ الْإِسْلَامِ يَأْمُرُنَا أَنْ نُعِينَ الْفَقِيرَ وَالضَّعِيفَ، فَالْمَلِكُ أَحَقُّ أَنْ يُسَاعِدَ عَلَى ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، لَا سِيَّمَا وَالْمَسِيحُ يُوصِي بِذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ، وَيَأْمُرُ بِالرَّحْمَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَيْرِ الشَّامِلِ كَالشَّمْسِ وَالْمَطَرِ.
وَالْمَلِكُ وَأَصْحَابُهُ إذَا عَاوَنُونَا عَلَى تَخْلِيصِ الْأَسْرَى وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِم كَانَ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ لَهُم فِي ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
أَمَّا فِي الْآخِرَةِ: فَإِنَّ اللهَ يُثِيبُ عَلَى ذَلِكَ وَيَأْجُرُ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِمَّا لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الْمَسِيحِيَّينَ الَّذِينَ لَا يَتَّبِعُونَ الْهَوَى.
أَمَّا فِي الدُّنْيَا: فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ أَقْدَرُ عَلَى الْمُكَافَأةِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرَّ مِن كُلِّ أَحَدٍ، وَمَن حَارَبُوهُ فَالْويلُ كُلَّ الْوَيْلِ لَهُ.
ثُمَّ إنَّ فِي بِلَادِهِمْ مِن النَّصَارَى أَضْعَافَ مَا عِنْدَكُمْ مِن الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ فِيهِمْ مِن رُؤُوسِ النَّصَارَى مَن لَيْسَ فِي الْبَحْرِ مِثْلُهُم إلَّا قَلِيلٌ.
وَأَمَّا أُسَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ فِيهِمْ مَن يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَلَا مَن يَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَإِنَّمَا نَسْعَى فِي تَخْلِيصِهِمْ لِأجْلِ اللهِ تَعَالَى رَحْمَةً لَهُم وَتَقَرُّبًا إلَيْهِ يَوْمَ يَجْزِي اللهُ الْمُصَدَّقِينَ وَلَا يُضَيَّعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.
وَاَلَّذِي أَخْتِمُ بِهِ الْكِتَابَ الْوَصِيَّةَ بِالشَّيْخِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَبِغَيْرِهِ مِن الْأسْرَى وَالْمُسَاعَدَةِ لَهُمْ، وَالرِّفْق بِمَن عِنْدَهُم مِن أَهْلِ الْقُرْآَنِ، وَالِامْتِنَاعِ مِن تَغْيِيرِ دِينِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَسَوْفَ يَرَى الْمَلِكُ عَاقِبَةَ ذَلِكَ كُلَّهِ.
وَنَحْنُ نَجْزِي الْمَلِكَ عَلَى ذَلِكَ بِأَضْعَافِ مَا فِي نَفْسِهِ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي قَاصِدٌ لِلْمَلِكِ الْخَيْرَ؛ لِأنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِذَلِكَ وَشَرَعَ لَنَا أَنْ نُرِيدَ الْخَيْرَ لِكُلَّ أَحَدٍ وَنَعْطِفَ عَلَى خلقِ اللهِ، وَنَدْعُوهُم إلَى اللهِ وَإِلَى دِينِهِ وَنَدْفَع عَنْهُم شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنَّ.
وَاللهُ الْمَسْؤُولُ أَنْ يُعِينَ الْمَلِكَ عَلَى مَصْلَحَتِهِ الَّتِي هِيَ عِنْدَ اللهِ الْمَصْلَحَةُ، وَأَنْ يُخَيِّرُ لَهُ مِن الْأَقْوَالِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ اللهِ، وَيَخْتِمَ لَهُ بِخَاتِمَةِ خَيْرٍ.
стр. 2417
وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ الْمُرْسَلِينَ، وَلَا سِيَّمَا مُحَمَّدٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ (١).
* * *
(قاعدة في الحسبة)
٣٤٨٣ - هَذِهِ قَاعِدَةٌ فِي الْحِسْبَةِ (٢): أَصْلُ ذَلِكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ جَمِيعَ الْوِلَايَاتِ فِي الْإِسْلَامِ مَقْصُودُهَا أَنْ يَكُونَ الدَّينُ كُلُّهُ للهِ، وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا.
وَكُلُّ بَنِي آدَمَ لَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُم لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا بِالِاجْتِمَاعِ وَالتَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ؛ فَالتَّعَاوُنُ وَالتَّنَاصُرُ عَلَى جَلْبِ مَنَافِعِهِمْ، وَالتَّنَاصُرُ لِدَفْعِ مَضَارِّهِمْ؛ وَلِهَذَا يُقَالُ: الْإِنْسَانُ مَدَنِيٌّ بِالطَّبْعِ.
فَإِذَا اجْتَمَعُوا فَلَا بُدَّ لَهُم مِن أُمُورٍ يَفْعَلُونَهَا يَجْتَلِبُونَ بِهَا، وَأُمُورٍ يَجْتَنِبُونَهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَفْسَدَةِ، وَيَكُونُونَ مُطِيعِينَ لِلْآمِرِ بِتِلْكَ الْمَقَاصِدِ وَالنَّاهِي عَن تِلْكَ الْمَفَاسِدِ، فَجَمِيعُ بَنِي آدَمَ لَا بُدَّ لَهُم مِن طَاعَةِ آمِرٍ وَنَاهٍ. стр. 2418
وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ مِن طَاعَةِ آمِرٍ وَنَاهٍ: فَمَعْلُومٌ أَنَّ دُخُولَ الْمَرْءِ فِي طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ خَيْرٌ لَهُ (١)، وَهُوَ الرَّسُولُ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الْمَكْتُوبُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَن الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُم الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِم الْخَبَائِثَ، وَذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ.
وَإِذَا كَانَ جِمَاعُ الدِّينِ وَجَمِيعُ الْوِلَايَاتِ هُوَ أَمْرٌ وَنَهْيٌ؛ فَالْأَمْرُ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ: هُوَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ الَّذِي بَعَثَهُ بِهِ: هُوَ النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهَذَا نَعْتُ النَّبِيَّ وَالْمُؤْمِنِينَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]، وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَادِرٍ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ.
وَيَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى الْقَادِرِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُ.
وَالْقُدْرَةُ هُوَ السُّلْطَانُ وَالْوِلَايَةُ، فَذَوُو السُّلْطَانِ أَقْدَرُ مِن غَيْرِهِمْ، وَعَلَيْهِم مِن الْوُجُوبِ مَا لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ مَنَاطَ الْوُجُوبِ فوَ الْقُدْرَةُ، فَيَجِبُ عَلَى كُلَّ إنْسَانٍ بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
٣٤٨٤ - إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ، وَعَاقِبَة الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ، وَلِهَذَا يُرْوَى: "اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِن كَانَت كَافِرَةً، وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِن كَانَت مُؤْمِنَةً".
٣٤٨٥ - يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَلِيَّ أَمْرٍ أَنْ يَسْتَعِينَ بِأَهْلِ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ، وَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ اسْتَعَانَ بِالْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ، وَإِن كَانَ فِيهِ كَذِبٌ وَظُلْمٌ؛ فَإِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ وَبِأَقْوَام لَا خَلَاقَ لَهُمْ، وَالْوَاجِبُ إنَّمَا هُوَ فِعْلُ الْمَقْدُورِ، وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَو عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "مَن قَلَّدَ رَجُلًا عَلَى عِصَابَةٍ стр. 2419
وَهُوَ يَجِدُ فِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَن هُوَ أَرْضَى للهِ مِنْهُ فَقَد خَانَ اللهَ وَخَانَ رَسُولَهُ وَخَانَ الْمُؤْمِنِينَ" (١).
٣٤٨٦ - جَمِيعُ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ هِيَ فِي الْأَصْلِ وِلَايَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَمَنَاصِبُ دِينِيَّةٌ (٢)، فَأَيُّ مَن عَدَلَ فِي وِلَايَةٍ مِن هَذِهِ الْوِلَايَاتِ فَسَاسَهَا بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ وَأَطَاعَ اللهَ وَرَسُولَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَهُوَ مِن الْأَبْرَارِ الصَّالِحِينَ، وَأَيُّ مَن ظَلَمَ وَعَمِلَ فِيهَا بِجَهْل فَهُوَ مِن الْفُجَّارِ الظَّالِمِينَ، إنَّمَا الضَّابِطُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤].
٣٤٨٧ - وَأَمَّا الْمُحْتَسِبُ فَلَهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَن الْمُنْكرِ مِمَّا لَيْسَ مِن خَصَائِصِ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ وَأَهْل الدِّيوَانِ وَنَحْوهمْ، وَكَثِيرٌ مِن الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ وُلَاةِ الْأُمُورِ، فَمَن أَدَّى فِيهِ الْوَاجِبَ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ فِيهِ، فَعَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَ الْعَامَّةَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي مَوَاقِيتِهَا، وَيُعَاقِبَ مَن لَمْ يُصَلِّ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ، وَأَمَّا الْقَتْلُ فَإِلَى غَيْرِهِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ أَعْرَفُ الْمَعْرُوفِ مِن الْأَعْمَالِ، وَهِيَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ وَأَعْظَمُ شَرَائِعِهِ، وَهِيَ قَرِينَةُ الشَّهَادَتَيْنِ.
وَأَمْرُهَا أَعْظَمُ مِن أَنْ يُحَاطَ بِهِ فَاعْتِنَاءُ وُلَاةِ الْأَمْرِ بِهَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ اعْتِنَائِهِمْ بِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ.
٣٤٨٨ - لَيْسَ لِأهْلِ السُّوقِ أَنْ يَبِيعُوا الْمُمَاكِسَ بِسِعْر، وَيَبِيعُوا الْمُسْتَرْسِلَ الَّذِي لَا يُمَاكِسُ أَو مَن هُوَ جَاهِلٌ بِالسِّعْرِ بِأَكْثَرَ مِن ذَلِكَ السِّعْرِ، هَذَا مِمَّا يُنْكَرُ عَلَى الْبَاعَةِ. стр. 2420
وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تَلَقِّي السِّلَعِ؛ فَإنَّ الْقَادِمَ جَاهِلٌ بِالسِّعْرِ؛ وَلِذَلِكَ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لَبَادٍ وَقَالَ: "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُم مِن بَعْضٍ" (١).
وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا قَوْلُهُ: "لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لَبَادٍ"؟
قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارٌ.
وَهَذَا نَهْيٌ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِن ضَرَرِ الْمُشْتَرِينَ؛ فَإِنَّ الْمُقِيمَ إذَا تَوَكَّلَ لِلْقَادِمِ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهَا، وَالْقَادِمُ لَا يَعْرِفُ السِّعْرَ ضَرَّ ذَلِكَ الْمُشْتَرِيَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُم مِن بَعْضٍ".
٣٤٨٩ - رَوَى مُسْلِمٌ (٢) فِي "صَحِيحِهِ" عَن مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: "لَا يَحْتَكِرُ إلَّا خَاطئٌ"، فَإِنَّ الْمُحْتَكِرَ هُوَ الَّذِي يَعْمَدُ إلَى شِرَاءِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ مِن الطَّعَامِ فَيَحْبِسُهُ عَنْهُم وَيُرِيدُ إغْلَاءَهُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِلْخَلْقِ الْمُشْتَرِينَ، وَلِهَذَا كَانَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُكْرِهَ النَّاسَ عَلَى بَيْعِ مَا عِنْدَهُم بِقِيمَةِ الْمِثْل عِنْدَ ضَرُورَةِ النَّاسِ إلَيْهِ.
وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ السِّعْرَ:
أ - مِنْهُ مَا هُوَ ظُلْمٌ لَا يَجُوزُ.
ب - وَمِنْهُ مَا هُوَ عَدْلٌ جَائِزٌ.
فَإِذَا كَانَ النَّاسُ يَبِيعُونَ سِلَعَهُم عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ مِن غَيْرِ ظُلْمٍ مِنْهُمْ، وَقَد ارْتَفَعَ السِّعْرُ: إمَّا لِقِلَّةِ الشَّيءِ، وَإِمَّا لِكَثْرَةِ الْخَلْقِ: فَهَذَا إلَى اللهِ، فَإِلْزَامُ الْخَلْقِ أَنْ يَبِيعُوا بِقِيمَةٍ بِعَيْنِهَا إكْرَاهٌ بِغَيْرِ حَقّ.
وَأمَّا الثَّانِي: فَمِثْلُ أَنْ يَمْتَنِعَ أَرْبَابُ السِّلَعِ مِن بَيْعِهَا مَعَ ضَرُورَةِ النَّاسِ إلَيْهَا إلَّا بِزِيَادَة عَلَى الْقِيمَةِ الْمَعْرُوفَةِ، فَهُنَا يَجِبُ عَلَيْهِم بَيْعُهَا بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، وَلَا مَعْنَى لِلتَّسْعِيرِ إلَّا إلْزَامَهُم بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، فَيَجِبُ أَنْ يَلْتَرِمُوا بِمَا أَلْزَمَهُم اللهُ بِهِ. стр. 2421
وَأَبْلَغُ مِن هَذَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ قَدِ الْتَزَمُوا أَلَّا يَبِيعَ الطَّعَامَ أَو غَيْرَهُ إلَّا أُنَاسٌ مَعْرُوفُونَ، لَا تُبَاعُ تِلْكَ السَّلَعُ إلَّا لَهُم، ثُمَّ يَبِيعُونَهَا هُم، فَلَو بَاعَ غَيْرُهُم ذَلِكَ مُنِعَ .. : فَهَهُنَا يَجِبُ التَّسْعِيرُ عَلَيْهِمْ، بِحَيْثُ لَا يَبِيعُونَ إلَّا بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، وَلَا يَشْتَرُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ إلَّا بِقِيمَةِ الْمِثْل بِلَا تَرَدُّدٍ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أحَدٍ مِن الْعُلَمَاءِ.
وَمَا احْتَاجَ إلَى بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ عُمُومُ النَّاسِ فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يُبَاعَ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْلِ، إذَا كَانَت الْحَاجَةُ إلَى بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ عَامَّةً.
٣٤٩٠ - قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الْفُقَهَاءِ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ كَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ وَأَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِمْ: إنَّ هَذِهِ الصِّنَاعَاتِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا تَتِمُّ مَصْلَحَةُ النَّاسِ إلَّا بِهَا؛ كَمَا أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ فَيَكونُ فَرضًا عَلَى الْأَعْيَانِ.
٣٤٩١ - طَلَبُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ فَرْضٌ عَلَى الْكفَايَةِ إلَّا فِيمَا يَتَعَيَّنُ؛ مِثْل طَلَبِ كُلَّ وَاحِدٍ عِلْمَ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ وَمَا نَهَاهُ عَنْهُ؛ فَإِنَّ هَذَا فَرْضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ، كَمَا أَخْرَجَاهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن يُرِد اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدَّينِ" (١)، وَكُلُّ مَن أَرَادَ اللهُ بِهِ خَيْرًا لَا بُدَّ أَنْ يُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ، فَمَن لَمْ يُفَقِّهْهُ فِي الدَّينِ لَمْ يُرِد الله بِهِ خَيْرًا.
وَالدِّينُ: مَا بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَه، وَهُوَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْءِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ.
٣٤٩٢ - الْعَاجِزُ عَن الْجِهَادِ بِنَفْسِهِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْجِهَادُ بِمَالِهِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ إحْدَى الرَّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد؛ فَإِنَّ اللهَ أَمَرَ بِالْجِهَادِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن الْقُرْآنِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. стр. 2422
فَمَن عَجَزَ عَن الْجِهَادِ بِالْبَدَنِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْجِهَادُ بِالْمَالِ، كَمَا أَنَّ مَن عَجَزَ عَن الْجِهَادِ بِالْمَالِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْجِهَادُ بِالْبَدَنِ.
٣٤٩٣ - إذَا امْتَنَعَ النَّاسُ مِن بَيْعِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِم بَيْعُهُ: فَهُنَا يُؤمَرُونَ بِالْوَاجِبِ، وَيُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِهِ.
وَكَذَلِكَ مَن وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنِ الْمِثْل فَامْتَنَعَ أَنْ يَبِيعَ إلَّا بِأَكْثَرَ مِنْهُ: فَهُنَا يُؤْمَرُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَيُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ بِلَا رَيْبٍ.
وَمَن مَنَعَ التَّسْعِيرَ مُطْلَقًا مُحْتَجًّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ، وَإِنَّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى الله وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يُطَالِبُني بِمَظْلِمَةٍ فِي دَم وَلَا مَالٍ" (١): فَقَد غَلِطَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ قَضِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ لَيْسَتْ لَفْظًا عَامًّا، وَلَيْسَ فِيهَا أَنَّ أَحَدًا امْتَنَعَ مِن بَيْعٍ يَجِبُ عَلَيْهِ، أَو عَمَلٍ يَجِبُ عَلَيْهِ، أَو طَلَبَ فِي ذَلِكَ أَكْثَرَ مِن عِوَضِ الْمِثْلِ.
٣٤٩٤ - إذَا قُدِّرَ أنَّ قَوْمًا اُضْطُرُّوا إلَى سُكْنَى فِي بَيْتِ إنْسَانٍ إذَا لَمْ يَجِدُوا مَكَانًا يَأْوُونَ إلَيْهِ إلَّا ذَلِكَ الْبَيْتَ: فَعَلَيْهِ أَنْ يُسَكِّنَهُمْ.
وَكَذَلِكَ لَو احْتَاجُوا إلَى أَنْ يُعِيرَهُم ثِيَابًا يَسْتَدْفِئُونَ بِهَا مِن الْبَرْدِ، أَو إلَى آلَاتٍ يَطْبُخُونَ بِهَا، أَو يَبْنُونَ أَو يَسْقُونَ: يَبْذُلُ هَذَا مَجَّانًا.
وَإِذَا احْتَاجُوا إلَى أَنْ يُعِيرَهُم دَلْوًا يَسْتَقُونَ بِهِ، أَو قِدْرًا يَطْبُخُونَ فِيهَا، أَو فَأْسًا يَحْفِرُونَ بِهِ: فَهَل عَلَيْهِ بَذْلُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْل لَا بِزِيَادَةٍ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ بَذْلِ ذَلِكَ مَجَّانًا إذَا كَانَ صَاحِبُهَا مُسْتَغْنِيًا عَن تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ وَعِوَضِهَا؛ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧]. стр. 2423
وَفِي السُّنَنِ عَن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الْمَاعُونَ عَارِيةَ الدَّلْوِ وَالْقِدْرِ وَالْفَأْسِ.
٣٤٩٥ - مَا احْتَاجَ إلَيْهِ النَّاسُ حَاجَةً عَامَّةً فَالْحَقُّ فِيهِ للهِ؛ وَلهَذَا يَجْعَلُ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ حُقُوقًا للهِ تَعَالَى، وَحُدُودًا للهِ، بِخِلَافِ حُقُوقِ الْآدَمِيّينَ وَحُدُودِهِمْ، وَذَلِكَ مِثْلُ حُقُوقِ الْمَسَاجِدِ، وَمَالِ الْفَيْءِ، وَالصَّدَقَاتِ، وَالْوَقْفِ عَلَى أَهْلِ الْحَاجَاتِ، وَالْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمِثْل حَدِّ الْمُحَارَبَةِ وَالسَّرِقَةِ وَالزنى وَشُرْبِ الْخَمْرِ؛ فَإِنَّ الَّذِي يَقْتُلُ شَخْصًا لِأَجْلِ الْمَالِ يُقْتَلُ حَتْمًا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ الْعَفُوُّ عَنْة، بِخِلَافِ مَن يَقْتُلُ شَخْصًا لِغَرَضٍ خَاصٍّ؛ مِثْل خصُومَةٍ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّ هَذَا حَقٌّ لِأَوْليَاءِ الْمَقْتُول، إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا، وَإِن أَحَبُّوا عَفَوْا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَحَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ إلَى الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ: لَيْسَ الْحَقُّ فِيهَا لِوَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.
٣٤٩٦ - نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن تَلَقِّي الْجَلَبِ، وَجعَلَ لِلْبَائِعِ إذَا هَبَطَ إلَى السُّوقِ الْخِيَارُ؛ وَلهَذَا كَانَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ نَهَى عَن ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِن ضَرَرِ الْبَائِعِ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْل وَغَبْنِهِ، فَأَثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ الْخِيَارَ لِهَذَا الْبَائِعِ.
وَهَل هَذَا الْخِيَارُ فِيهِ ثَابِتٌ مطْلَقًا أَو إذَا غُبنَ؟ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ إذَا غُبنَ.
وَفِي الْجُمْلَةِ: فَقَد نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ الَّذِي جِنْسُهُ حَلَالٌ حَتَّى يَعْلَمَ الْبَائِعُ بِالسَّعْرِ وَهُوَ ثَمَنُ الْمِثْلِ، وَيَعْلَمُ الْمُشْتَرِي بِالسِّلْعَةِ.
وَصَاحِبُ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ يَقُولُ: لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَ حَيْثُ شَاءَ، وَقَد اشْتَرَى مِن الْبَائِعِ، كَمَا يَقُولُ: وَلِلْبَادِي أَنْ يُوَكِّلَ الْحَاضِرَ.
وَلَكِنَّ الشَّارعَ رَاعَى الْمَصْلَحَةَ الْعَامَّةَ؛ فَإِنَّ الْجَالِبَ إذَا لَمْ يَعْرِف السِّعْرَ كَانَ جَاهِلًا بِثَمَنِ الْمِثْلِ، فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي غَارًّا لَهُ؛ وَلِهَذَا أَلْحَقَ مَالِكٌ وَأَحْمَد
стр. 2424
بِذَلِكَ كُلَّ مُسْتَرْسِلٍ، وَالْمُسْتَرْسِلُ: الَّذِي لَا يُمَاكِسُ وَالْجَاهِلُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ؛ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْجَالِبِينَ الْجَاهِلِينَ بِالسَّعْرِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ لَا يَبِيعَ مِثْل هَؤُلَاءِ إلَّا بِالسَّعْرِ الْمَعْرُوفِ وَهُوَ ثَمَنُ الْمِثْل، وَإِن لَمْ يَكُن هَؤُلَاءِ مُحْتَاجِينَ إلَى الِابْتِيَاعِ مِن ذَلِكَ الْبَائِعِ، لَكِنْ لِكَوْنِهِمْ جَاهِلِينَ بِالْقِيمَةِ، أَو مُسْلِمِينَ إلَى الْبَائِع غَيْرَ مُمَاكِسين لَهُ، وَالْبَيْعُ يُعْتَبَرُ فِيهِ الرِّضَا، وَالرِّضا يَتْبَعُ الْعِلْمَ، وَمَن لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ غَبْنٌ فَقَد يَرْضَى وَقَد لَا يَرْضَى، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ غُبِنَ وَرَضِيَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَرْضَ بِثَمَنِ الْمِثْل لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى سَخَطِهِ.
وَلِهَذَا أَثْبَتَ الشَّارعُ الْخِيَارَ لِمَن لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ أَو التَّدْلِيسِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَيْع الصِّحَّةُ وَأَنْ يَكونَ الْبَاطِنُ كَالظَّاهِرِ، فَإِذَا اشْتَرَى عَلَى ذَلِكَ فَمَا عُرِفَ رِضَاهُ إلَّا بِذَلِكَ، فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ فِي السِّلْعَةِ غِشًّا أَو عَيْبًا فَهُوَ كَمَا لَو وَصَفَهَا بِصِفَةٍ وَتبَيَّنَتْ بِخِلَافِهَا، فَقَد يَرْضَى وَقَد لَا يَرْضَى، فَإِنْ رَضِيَ وَإِلَّا فَسَخَ الْبَيْعَ.
٣٤٩٧ - الْعُقُوبَةُ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى ذَنْبٍ ثَابِتٍ، وَأَمَّا الْمَنْعُ وَالِاحْتِرَاز فَيَكُونُ مَعَ التُّهْمَةِ.
٣٤٩٨ - الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَن الْمُنْكَرِ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ (١)؛ فَإِنَّ اللهَ يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ.
وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ وَاجِبَةٌ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ.
٣٤٩٩ - التَّعْزِيرُ أَجْنَاسٌ، فَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالتَّوْبِيخِ وَالزَّجْرِ بِالْكَلَامِ، وَمِنْهُ مَا стр. 2425
يَكُونُ بِالْحَبْسِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالنَّفْيِ عَن الْوَطَنِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِالضَّرْبِ.
وَأَمَّا أَكْثَرُ التَّعْزِيرِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ أَحَدُهَا: عَشْرُ جَلَدَاتٍ.
وَالثَّانِي: دُونَ أَقَلَّ الْحُدُودِ؛ إمَّا تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطًا؛ وَإِمَّا تِسْعَةٌ وَسَبْعُونَ سَوْطًا.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّرُ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَطَائِفَةٍ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
لَكِنْ إنْ كَانَ التَّعْزِيرُ فِيمَا فِيهِ مُقَدَّرٌ لَمْ يَبْلُغْ بِهِ ذَلِكَ الْمُقَدَّرَ؛ مِثْل التَّعْزِيرِ عَلَى سَرِقَةٍ دُونَ النِّصَابِ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْقَطْعَ، وَالتَّعْزِيرِ عَلَى الْمَضْمَضَةِ بِالْخَمْرِ لَا يَبْلُغُ بِهِ حَدَّ الشُّرْبِ، وَالتَّعْزِيرِ عَلَى الْقَذْفِ بِغَيْرِ الزنى لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ، عَلَيْهِ دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ.
وَمَن لَمْ يَنْدَفِعْ فَسَادُهُ فِي الْأَرْضِ إلَّا بِالْقَتْلِ قُتِلَ؛ مِثْل الْمُفَرِّقِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالدَّاعِي إلَى الْبِدَعِ فِي الدِّينِ.
وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْمُخْتَصَرَةُ مَوْضِعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُحْتَسِبَ لَيْسَ لَهُ الْقَتْلُ وَالْقَطْعُ.
٣٥٠٠ - التَّعْزِيرُ بِالْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةِ مَشْرُوعٌ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَمَذْهَبِ أَحْمَد فِي مَوَاضِعَ بِلَا نِزَاعٍ عَنْهُ، وَفِي مَوَاضِعَ فِيهَا نِزَاعٌ عَنْهُ، وَالشَّافِعِيّ فِي قَوْلٍ، وَإِن تَنَازَعُوا فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مِثْل إبَاحَتِهِ سَلْبَ الَّذِي يَصْطَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ لِمَن وَجَدَهُ، وَمِثْل أَمْرِهِ بِكَسْرِ دِنَانِ الْخَمْرِ وَشَقِّ ظُرُوفِهِ، وَمِثْل أَمْرِهِ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرو بِحَرْقِ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ.
وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ: مَا فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ؛ حَيْثُ رَأَى رَجُلًا قَد شَابَ
стр. 2426
اللَّبَنَ بِالْمَاءِ لِلْبَيْعِ فَأرَاقَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا ثَابِت عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁.
وَهَذَا كَمَا يُتْلِفُ مِن الْبَدَنِ الْمَحَلَّ الَّذِي قَامَتْ بِهِ الْمَعْصِيَةُ؛ فَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ، وَتُقْطَعُ رِجْلُ الْمُحَارِبِ وَيَدُهُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي قَامَ بِهِ الْمُنْكرُ فِي إتْلَافِهِ نهْيٌ عَن الْعَوْدِ إلَى ذَلِكَ الْمُنْكَرِ، وَلَيْسَ إتْلَافُ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ بَل إذَا لَمْ يَكُن فِي الْمَحَلِّ مَفْسَدَةٌ جَازَ إبْقَاؤُهُ أَيْضًا؛ إمَّا للهِ وإِمَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، كَمَا أَفْتَى طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ: أَنَّ الطَّعَامَ الْمَغْشُوشَ مِن الْخُبْزِ وَالبَطّيخِ وَالشِّوَاءِ كَالْخُبْزِ وَالطَّعَامِ الَّذِي لَمْ يَنْضَجْ وَكَالطَّعَامِ الْمَغْشُوشِ وَهُوَ: الَّذِي خُلِطَ بِالرَّدِيءِ وَأَظْهَرَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ جَيّد وَنَحْو ذَلِكَ: يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِن إتْلَافِهِ.
وَإِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَد أَتْلَفَ اللَّبَنَ الَّذِي شِيبَ لِلْبَيْعِ: فَلَأَنْ يَجُوزُ التَّصَدُّقُ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأوْلَى؛ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ عُقُوبَةُ الْغَاشِّ وَزَجْرُهُ عَن الْعَوْدِ، وَيَكُونُ انْتِفَاعُ الْفُقَرَاءِ بِذَلِكَ أَنْفَعَ مِن إتْلَافِهِ، وَعُمَرُ أَتْلَفَهُ لِأَنَّه كَانَ يُغْنِي النَّاسَ بِالْعَطَاءِ، فَكَانَ الْفُقَرَاءُ عِنْدَهُ فِي الْمَدِينَةِ إمَّا قَلِيلًا وَإِمَّا مَعْدُومِينَ.
٣٥٠١ - أَكْثَرُ مَن يَدَّعِي نَسْخَ النُّصُوصِ بِمَا يَدَّعِيهِ مِن الْإِجْمَاعِ إذَا حُقّقَ الْأَمْر عَلَيْهِ لَمْ يَكُن الْإِجْمَاعُ الَّذِي ادَّعَاهُ صَحِيحًا؛ بَل غَايَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ فِيهِ نِزَاعًا.
٣٥٠٢ - كُلُّ مَا كَانَ مِن الْعَيْنِ أَو التَّألِيفِ الْمُحَرَّمِ: فَإِزَالَتُهُ وَتَغْيِيرُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ مِثْل إرَاقَةِ خَمْرِ الْمُسْلِمِ، وَتَفْكِيكِ آلَاتِ الْمَلَاهِي، وَتَغْيِيرِ الصُّوَرِ الْمُصَوَّرَةِ، وإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ إتْلَافِ مَحِلِّهَا تَبَعًا لِلْحَالِ، وَالصَّوَابُ جَوَازُهُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا.
وَالصَّوَابُ أنَّ كلَّ مُسْكرٍ مِن الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَهُوَ حَرَامٌ، ويدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ وَالْحَشِيشَة القنبية وَغَيْرُ ذَلِكَ.
стр. 2427
٣٥٠٣ - وَأَمَّا التَّغْرِيمُ: فَمِثْلُ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِن أَهْلِ السُّنَنِ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِيمَن سَرَقَ مِن الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ قَبْلَ أَنْ يُؤوِيَهُ إلَى الْجَرِينِ: أَنَّ عَلَيْهِ جَلَدَاتٍ نَكَالٍ وَغُرْمُهُ مَرَّتَيْنِ، وَفِيمَن سَرَقَ مِن الْمَاشِيَةِ قَبْلَ أَنْ تُؤْوَى إلَى الْمَرَاحِ: أَنَ عَلَيْهِ جَلَدَاتٍ نَكَالٍ وَغُرْمُهُ مَرَّتَيْنِ.
وَكَذَلِكَ قَضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي الضَّالَّةِ الْمَكْتُومَةِ أَنَّهُ يُضَعَّفُ غُرْمُهَا، وَبِذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ؛ مِثْلُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَأَضْعَفَ عُثْمَانُ بْنُ عفان فِي الْمُسْلِمِ إذَا قَتَلَ الذِّمِّيَّ عَمْدًا أنَّهُ يُضَعَّفُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ؛ لِأَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَأَخَذَ بِذَلِكَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ.
٣٥٠٤ - الثوَابُ وَالْعِقَابُ يَكُونَانِ مِن جِنْسِ الْعَمَلِ فِي قَدَرِ اللهِ وَفي شَرْعِهِ، فَإنَّ هَذَا مِن الْعَدْلِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْض؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ [النساء: ١٤٩]، وَقَالَ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١) [النور: ٢٢].
* * * стр. 2428
كتاب البيع (١)
(الْعُقُود تَصِحُّ بِكُلِّ مَا دَلَّ عَلَى مَقْصُودِهَا مِن قَوْلٍ أَو فِعْلٍ)
٣٥٠٥ - كل ما عدَّه الناس بيعًا أو هبة: من متعاقب، أو متراخ، من قول، أو فعل، انعقد به البيع والهبة.
٣٥٠٦ - صِفَةُ الْعُقُودِ: الْفُقَهَاءُ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أنَّ الْأصْلَ فِي الْعُقُودِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا بِالصِّيغَةِ وَهِيَ الْعِبَارَاتُ الَّتِي قَد يَخُصُّهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِاسْمِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّهَا تَصِحُّ بِالْأَفْعَالِ فِيمَا كَثُرَ عَقْدُهُ بِالْأَفْعَالِ؛ كَالْمَبِيعَاتِ стр. 2429
بِالْمُعَاطَاةِ، وَكَالْوَقْفِ فِي مِثْل مَن بَنَى مَسْجِدًا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنَّهَا تَنْعَقِدُ بِكُلِّ مَا دَلَّ عَلَى مَقْصُودِهَا مِن قَوْلٍ أَو فِعْلٍ، فَكُلُّ مَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا وَإِجَارَةً فَهُوَ بَيْعٌ وَإِجَارَةٌ.
وإِن اخْتَلَفَ اصْطِلَاحُ النَّاسِ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْأَفْعَالِ: انْعَقَدَ الْعَقْدُ عِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ بِمَا يَفْهَمُونَهُ بَيْنَهُم مِن الصِّيَغِ وَالْأَفْعَالِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ مُسْتَمِرٌّ لَا فِي شَرْعٍ وَلَا فِي لُغَةٍ؛ بَل يَتَنَوَّعُ بِتَنَوُّعِ اصْطِلَاحِ النَّاسِ كَمَا تتنَوَّعُ لُغَاتُهُمْ.
وَقَد ذَكَرَ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابُ أَحْمَد؛ كَالْقَاضِي أبِي يَعْلَى وَابْنِ عَقِيلٍ والمتأخرين: أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي نِكَاحِ الْكُفَّارِ إلَى عَادَتِهِمْ، فَمَا اعْتَقَدُوهُ نِكَاحًا بَيْنَهُم جَازَ إقْرَارُهُم عَلَيْهِ إذَا أَسْلَمُوا وَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا، إذَا لَمْ يَكُن حِينَئِذٍ مُشْتَمِلًا عَلَى مَانِعٍ، وَإِن كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنِكَاحٍ لَمْ يَجُزْ الْإِقْرَارُ عَلَيْهِ.
فَهَذِهِ الْأمُورُ الَّتِي اعْتبَرَهَا الشَّارعُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ حِكْمَتُهَا بَيِّنَةٌ.
فَأمَّا الْتِزَامُ لَفْظٍ مَخْصُوصٍ فَلَيْسَ فِيهِ أَثَرٌ وَلَا نَظَرٌ.
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْجَامِعَةُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مِن أَنَّ الْعُقُودَ تَصِحُّ بِكُلِّ مَا دَلَّ عَلَى مَقْصُودِهَا مِن قَوْلٍ أَو فِعْلٍ: هِيَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا أُصُولُ الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ الَّتِي تَعْرِفُهَا الْقُلُوبُ.
وَذَلِكَ أنَّ اللهَ قَالَ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، وَقَالَ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. فَإِنَّ الدَّلَالَةَ فِيهَا مِن وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ اكْتَفَى بِالتَّرَاضِي فِي الْبَيْعِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٤]، وَبِطِيبِ النَّفْسِ فِي التَّبَرُّعِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤].
فَتِلْكَ الْآيَةُ فِي جِنْسِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي جِنْسِ التَّبَرُّعَاتِ، وَلَمْ
стр. 2430
يَشْتَرِطْ لَفْظًا مُعَيَّنًا وَلَا فِعْلًا مُعَيّنًا يَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي وَعَلَى طِيبِ النَّفْسِ.
وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِن عَادَاتِ النَّاسِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ أَنَّهُم يَعْلَمُونَ التَّرَاضِيَ وَطِيبَ النَّفْسِ بِطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ جَاءَت فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ مُعَلَّقًا بِهَا أَحْكَامٌ شَرْعِيَّةٌ، وَكُلُّ اسْمٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِن حَدٍّ:
أ - فَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ حَدُّهُ بِاللُّغَةِ؛ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
ب - وَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ بِالشَّرْعِ؛ كَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ وَكَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجّ.
ج - وَمَا لَمْ يَكن لَهُ حَدٌّ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ: فَالْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى عُرْفِ النَّاسِ؛ كَالْقَبْضِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : "مَن ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ" (١).
وَمَعْلومٌ أَنَّ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ وَالْهِبَةَ وَنَحْوَهَا لَمْ يَحُدَّ الشَّارعُ لَهَا حَدًّا، لَا فِي كِتَابِ اللهِ وَلَا سنَّةِ رَسُولِهِ، وَلَا نُقِلَ عَن أَحَدٍ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُ عَيَّنَ لِلْعقُودِ صِفَةً مُعَيَّنَةً مِن الْأَلْفَاظِ أَو غَيْرِهَا أَو قَالَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: مِن أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِالصِّيَغِ الْخَاصَّةِ.
وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ.
فَإِذَا لَمْ يَكُن لَهُ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي اللُّغَةِ كَانَ الْمَرْجِع فِيهِ إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ، فَمَا سَمَّوْهُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ، وَمَا سَمَّوْهُ هِبَةً فَهُوَ هِبَةٌ.
الْوَجْهُ الثالِثُ: أَنَّ تَصرُّفَاتِ الْعِبَادِ مِن الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ نَوْعَانِ:
أ - عِبَادَاتٌ يَصْلُحُ بِهَا دِينُهُمْ. стр. 2431
ب - وَعَادَاتٌ يَحْتَاجُونَ إلَيْهَا فِي دُنْيَاهُمْ.
فَبِاسْتِقْرَاءِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ نَعْلَمُ أَنَّ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللهُ أَو أَحَبَّهَا لَا يَثْبُتُ الْأَمْرُ بِهَا إلَّا بِالشَّرْعِ.
وَأَمَّا الْعَادَاتُ فَهِيَ مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ فِي دُنْيَاهُم مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ: عَدَمُ الْحَظْرِ، فَلَا يُحْظرُ مِنْهُ إلَّا مَا حَظَرَهُ اللهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ هُمَا شَرْعُ اللهِ، وَالْعِبَادَةُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مَأْمُورًا بِهَا، فَمَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّه مَأْمُورٌ بِةِ كَيْفَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ عِبَادَةٌ؟
وَمَا لَمْ يَثْبُتْ مِن الْعَادَاتِ (١) أَنَّه مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَيْفَ يُحْكَمُ عَلَى أَنَّهُ مَحْظُورٌ؟
وَلهَذَا كَانَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ مِن فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ: إنَّ الْأَصْلَ فِي الْعِبَادَاتِ التَّوْقِيفُ، فَلَا يُشْرَعُ مِنْها إلَّا مَا شَرَعَهُ اللهُ تَعَالَى، وإِلا دَخَلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
وَالْعَادَاتُ الْأَصْلُ فِيهَا الْعَفْوُ، فَلَا يُحْظرُ مِنْهَا إلَّا مَا حَرَّمَهُ وإِلَّا دَخَلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ [يونس: ٥٩].
وَمِمَّا يَلْتَحِقُ بِهَذَا: أَنَّ الْإِذْنَ الْعُرْفِيَّ فِي الْإِبَاحَةِ أَوِ التَّمْلِيكِ أَو التَّصَرُّفِ بِطَرِيقِ الْوِكَالَةِ: كَالْإِذْنِ اللَّفْظِيِّ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِن الْوِكَالَةِ وَالْإِبَاحَةِ يَنْعَقِدُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِن قَوْلٍ وَفعْلٍ.
وَالْعِلْمُ بِرِضَى الْمُسْتَحِقِّ يَقُومُ مَقَامَ إظْهَارِهِ لِلرِّضَى. стр. 2432
وَعَلَى هَذَا يُخرَّجُ مُبَايَعَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّان بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَكَانَ غَائِبًا، وَإِدْخَالُهُ أَهْلَ الْخَنْدَقِ إلَى مَنْزِل أَبِي طَلْحَةَ وَمَنْزِلِ جَابِرٍ بِدُونِ اسْتئْذَانِهِمَا؛ لِعِلْمِهِ أَنَّهُمَا رَاضِيَانِ بِذَلِكَ.
وَلَمَّا دَعَاهُ ﷺ اللَّحَّامُ سَادِس سِتَّةٍ: اتَّبَعَهُم رَجُلٌ فَلَمْ يُدْخِلْهُ حَتَّى اسْتَأْذَنَ اللَّحَّامُ الدَّاعِيَ (١).
٣٥٠٧ - إِنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا تَعَاقَدُوا بَيْنَهُم عُقُودًا وَلَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ لَا تَحْرِيمَهَا وَلَا تَحْلِيلَهَا: فإِنَّ الْفُقَهَاءَ جَمِيعَهُم -فِيمَا أَعْلَمُهُ- يُصَحِّحُونَهَا إذَا لَمْ يَعْتَقِدُوا تَحْرِيمَهَا، وإِن كَانَ الْعَاقِدُ لَمْ يَكُن حِينَئِذٍ يَعْلَمُ تَحْلِيلَهَا لَا بِاجْتِهَادٍ وَلَا بِتَقْلِيدٍ.
٣٥٠٨ - مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ مِن مَذْهَبِهِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ وَالْإِجَارَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى صِيغَةٍ؛ بَل يَثْبُتُ ذَلِكَ بِالْمُعَاطَاةِ، فَمَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا أَو هِبَةً أَو إجَارَةً فَهُوَ كَذَلِكَ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ ذَكَرَ الْبَيْعَ وَالْإِجَارَةَ وَالْعَطِيَّةَ مُطْلَقًا فِي كِتَابِهِ، لَيْسَ لَهَا حَدٌّ فِي اللُّغَةِ وَلَا الشَّرْعِ، فَيَرْجِعُ فِيهَا إلَى الْعُرْفِ.
وَالْمَقْصُودُ بِالْخِطَابِ: إفْهَامُ الْمَعَانِي، فَأَيُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَقْصُودُ الْعَقْدِ انْعَقَدَ بِهِ.
وَعَلَى هَذَا قَاعِدَةُ النَّاسِ، إذَا اشْتَرَى أَحَدٌ لِابْنِهِ أمَةً وَقَالَ: خذْهَا لَك اسْتَمْتِعْ بِهَا وَنَحْو ذَلِكَ كَانَ هَذَا تَمْلِيكًا عِنْدَهُمْ. стр. 2433
٣٥٠٩ - أُصُولُ مَالِكٍ فِي الْبُيُوعِ أَجْوَدُ مِن أُصُولِ غَيْرِهِ؛ فَإِنَّه أَخَذَ ذَلِكَ عَن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ الَّذِي كَانَ يُقَالُ: هُوَ أَفْقَهُ النَّاسِ فِي الْبُيُوعِ، كَمَا كَانَ يُقَالُ: عَطَاء أَفْقَهُ النَّاسِ فِي الْمَنَاسِكِ، وَإِبْرَاهِيمُ أَفْقَهُهُم فِي الصَّلَاةِ، وَالْحَسَنُ أَجْمَعُهُم لِذَلِكَ كُلِّهِ.
وَلهَذَا وَافَقَ أَحْمَد كلَّ وَاحِدٍ مِن التَّابِعِينَ فِي أغْلَبِ مَا فُضِّلَ فِيهِ لِمَن اسْتَقْرَأَ ذَلِكَ مِن أَجْوِبَتِهِ، وَالْإِمَامُ احْمَد مُوَافِقٌ لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ فِي الْأَغْلَبِ.
٣٥١٠ - كَرِهَ مَن كَرِهَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَيْعَ الْأَرْضِ الخراجية؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُشْتَرِيَ لَهَا إذَا أَدَّى الْخَرَاجَ عَنْهَا أَشْبَهَ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِي الْتِزَامِ الْجِزْيَةِ، فَإِنَّ الْخَرَاجَ جِزْيَةُ الْأَرْضِ، وَإِن لَمْ يُؤَدِّهَا ظَلَمَ الْمُسْلِمِينَ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِمْ مِنَ الْأَرْضِ.
لَمْ يَكْرَهُوا بَيْعَهَا لِكَوْنِهَا وَقْفًا؛ فَإنَّ الْوَقْفَ إنَّمَا مُنِعَ مِن بَيْعِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الْوَقْفَ، وَلهَذَا لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَالْأَرْضُ الخراجية تَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ بِاتَّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَتَجُوزُ هِبَتُهَا، وَالْمُتَّهِبُ الْمُشْتَرِي يَقُومُ فِيهَا مَقَامَ الْبَائِعِ؛ فَيُؤَدِّي مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْخَرَاجِ، وَلَيْسَ فِي بَيْعِهَا مَضَرَّةٌ لِمُسْتَحِقِّي الْخَرَاجِ كَمَا فِي بَيْعِ الْوَقْفِ.
وَأعْجَبُ مِن ذَلِكَ: أَنَّ طَائِفَة مِن هَؤُلَاءِ قَالُوا: مَكَّةُ إنَّمَا كرِهَ بَيْعُ رِبَاعِهَا لِكَوْنِهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَلَمْ تقْسَمْ أَيْضًا، وَهُم قَد قَالُوا مَعَ جَمِيعِ النَّاسِ: إنَّ الْأَرْضَ الْعَنْوَةَ الَّتِي جُعِلَتْ أَرْضُهَا فَيْئًا يَجُوزُ بَيْعُ مَسَاكِنِهَا، وَالْخَرَاجُ إنَّمَا جُعِلَ عَلَى الْمَزَارعِ لَا عَلَى الْمَسَاكِنِ، فَلَو كَانَت مَكَّةُ قَد جُعِلَتْ أَرْضُهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَجُعِلَ عَلَيْهَا خَرَاجٌ: لَمْ يَمْتَنِعْ بَيْعُ مَسَاكِنِهَا لِذَلِكَ، فَكَيْفَ وَمَكَّةُ أَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِ أَهْلِهَا عَلَى مَا كَانَت عَلَيْهِ مَسَاكِنُهَا وَمَزَارِعُهَا، وَلَمْ يَقْسمْهَا وَلَمْ يَضْرِبْ عَلَيْهَا خَرَاجًا؛ وَلهَذَا قَالَ مَن قَالَ: إنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، وَلَا رَيْبَ أَنَّهَا فُتِحَتْ عُنْوَةً
стр. 2434
كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَطْلَقَ أَهْلَهَا جَمِيعَهُم فَلَمْ يَقْتُلْ إلَّا مَن قَاتَلَهُ، وَلَمْ يَسْبِ لَهُم ذُرِّيَّةً، وَلَا غَنِمَ لَهُم مَالًا، وَلهَذَا سُمُّوا الطُّلَقَاءَ.
وَلهَذَا كَانَتِ الْأَقْوَالُ فِي إجَارَةِ دُورِهَا وَبَيْعِ رِبَاعِهَا ثَلَاثَةً:
قِيلَ: لَا يَجُوزُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ الْأَمْرَانِ (١).
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ رِبَاعِهَا وَلَا يَجُوزُ إجَارَتُهَا.
وقد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَرْضِ إذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً: هَل يَجِبُ قَسْمُهَا كَخَيْبَر لِأَنَّهَا مَغْنَمٌ، أَو تَصِيرُ فَيْئًا كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْحَشْرِ وَلَيْسَتِ الْأرْضُ مِنَ الْمَغْنَمِ، أَو يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيمَا بَيْنَ هَذَا وَهَذَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى التَّخْيِيرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَغَيْرِهِمَا.
وَلَو فَتَحَ الْإِمَامُ بَلَدًا وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ أَهْلَهُ يُسْلِمونَ وَيُجَاهِدُونَ: جَازَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِم بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَهْلِ مَكَّةَ، فَإنَّهُم أَسْلَمُوا كُلُّهُم بِلَا خِلَافٍ، بِخِلَافِ أَهْلِ خَيْبَرَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُم أَحَدٌ، فَأَولَئِكَ قَسَمَ أَرْضَهُم لِأَنَّهُم كَانُوا كفَّارًا مُصِرِّينَ عَلَى الْكُفْرِ، وَهَؤُلَاءِ تَرَكَهَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُم كُلَّهُم صَارُوا مُسْلِمِينَ، وَالْمَقْصُودُ بِالْجِهَادِ أَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَأَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّة للهِ.
وَقَد كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُم لِيَتَأَلَّفَهُم عَلَى الْإِسْلَامِ، فَكَيْفَ لَا يَتَأَلَّفُهُم بِإِبْقَاءِ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ؟ стр. 2435
٣٥١١ - مَسْألَة السّفْتجَة (١): كَرِهَهَا مَن كَرِهَهَا، وَالصَّحِيحُ أنَّهَا لَا تُكْرَهُ؛ لِأنَّ الْمُقْتَرِضَ يَنْتَفِعُ بِهَا أَيْضًا، فَفِيهَا مَنْفَعَةٌ لَهُمَا جَمِيعًا إذَا أقْرَضَهُ.
٣٥١٢ - التَّحْقِيقُ: أَنَّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إنْ عَرَفَا الْمَقْصُودَ انْعَقَدَتْ [أي: الإجارة]، فَأَيُّ لَفْظٍ مِنَ الْأَلْفَاظِ عَرَفَ بِهِ الْمُتَعَاقِدَانِ مَقْصُودَهُمَا انْعَقَدَ بِهِ الْعَقْدُ.
وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ، فَإنَّ الشَّارعَ لَمْ يَحُدَّ فِي أَلْفَاظِ الْعُقُودِ حَدًّا؛ بَل ذَكَرَهَا مُطْلَقَةً، فَكَمَا تَنْعَقِدُ الْعُقُودُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْفَارِسِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَلْسُنِ الْعَجَمِيَّةِ: فَهِيَ تَنْعَقِدُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلهَذَا وَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ وَغَيْرُهُ.
وَطَردُ هَذَا النِّكَاح، فَإنَّ أَصَحَّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظ يَدُلُّ عَلَيْهِ، لَا يَخْتَصُّ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَأبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ؛ بَل نُصُوصُهُ لَمْ تَدُلُّ إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ.
٣٥١٣ - الشَّارعُ أَمَرَ الْإِنْسَانَ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعَقْدَ عَلَى الْأَعْيَانِ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ إلَى أَنْ تُخْلَقَ، فَنَهَى عَن بَيْعِ السِّنِينَ (٢)، وَبَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَبَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَعَن بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ.
٣٥١٤ - لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ؛ بَل وَلَا عَن أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ بَيْعَ الْمَعْدُومِ لَا يَجُوزُ، لَا لَفْظٌ عَامٌّ وَلَا مَعْنًى عَامٌّ، وَإِنَّمَا فِيهِ النَّهْيُ عَن بَيْعِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ مَعْدُومَةٌ، كَمَا فِيهِ النَّهْيُ عَن بَيْعِ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ стр. 2436
مَوْجُودَةٌ، وَلَيْسَتِ الْعِلَّةُ فِي الْمَنْعِ لَا الْوُجُودَ وَلَا الْعَدَمَ؛ بَل الَّذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَن بَيْعِ الْغَرَرِ.
وَالْغَرَرُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، سَوَاءٌ كَانَ مَوْجُودًا أَو مَعْدُومًا؛ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا قَد لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ بَل قَد يَحْصُلُ وَقَد لَا يَحْصُل هُوَ غَرَرٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِن كَانَ مَوْجُودًا، فَإِنَّ مُوجَبَ الْبَيْعِ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ، وَالْبَائِعُ عَاجِزٌ عَنْهُ، وَالْمُشْتَرِي إنَّمَا يَشْتَرِيهِ مُخَاطَرَةً وَمُقَامَرَةً، فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَخْذُهُ كَانَ الْمُشْتَرِي قَد قَمَرَ الْبَائِعَ، وإِن لَمْ يُمْكِنْهُ أَخْذُهُ كَانَ الْبَائِعُ قَد قَمَرَ الْمُشْتَرِيَ.
وَهَكَذَا الْمَعْدُومُ الَّذِي هُوَ غَرَرٌ نَهَى عَن بَيْعِهِ لِكَوْنِهِ غَرَرًا لَا لِكَوْنِهِ مَعْدُومًا.
٣٥١٥ - النَّبِيُّ ﷺ جَوَّزَ بَيْعَ الثَّمَرِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ مُسْتَحِقٌّ الْإِبْقَاءَ إلَى كَمَالِ الصَّلَاحِ، وَعَلَى الْبَائِعِ السَّقْيُ وَالْخِدْمَةُ إلَى كَمَالِ الصَّلَاحِ، وَيَدْخلُ فِي هَذَا مَا هُوَ مَعْدُومٌ لَمْ يُخْلَقْ، وَهَذَا إذَا قُبِضَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَبْضِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ، فَقَبْضُهُ (١) يُبِيحُ لَهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ فِي أظْهَرِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَدَ، وَقَبْضُهُ لَا يُوجِبُ انْتِقَالَ الضَّمَانِ إلَيْهِ، بَل إذَا تَلِفَ الثَّمَرُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ كَانَ مِن ضَمَانِ الْبَائعِ (٢).
وَقَد ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَنِ النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنْ بِعْت مِن أَخِيك ثَمَرَةً فَاَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأخُذَ مِن مَالِ أَخِيك شَيْئًا، بِمَ يَأخُذُ أحًدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ ".
وَلَيْسَ مَعَ الْمُنَازعِ دَلِيل شَرْعِيٌّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ قَبْضٍ جَوَّزَ التَّصَرُّفَ يَنْقُلُ الضَّمَانَ وَمَا لَمْ يُجَوِّزْ التَّصَرُّفَ لَمْ يَنْقُلِ الضَّمَانَ؛ بَل قَبْضُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ يُجَوِّزُ стр. 2437
التَّصَرُّفَ وَلَا يَنْقُلُ الضَّمَانَ (١).
٣٥١٦ - الصَّحِيحُ أَنَّ الْعَرَايَا يُلْحَقُ بِهَا مَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا.
٣٥١٧ - الصَّلِيبُ لَا يَجُوزُ عَمَلُهُ بِأُجْرَة وَلَا غَيْرِ أُجْرَةٍ، وَلَا بَيْعُهُ صَلِيبًا، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَصْنَامِ وَلَا عَمَلُهَا.
وَمَن أَخَذَ عِوَضًا عَن عَيْنٍ مُحَرَّمَةٍ أَو نَفْعٍ اسْتَوْفَاهُ؛ مِثْل أُجْرَةِ حَمَّالِ الْخَمْرِ، وَأجْرَةِ صَانِعِ الصَّلِيبِ، وَأُجْرَةِ الْبَغِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَلْيَتَصَدَّقْ بِهَا (٢)، وَلْيَتُبْ مِن ذَلِكَ الْعَمَلِ الْمُحَرَّمِ، وَتَكُونُ صَدَقَتُهُ بِالْعِوَضِ كَفَّارَةً لِمَا فَعَلَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا الْعِوَضَ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ خَبِيثٌ.
وَلَا يُعَادُ إلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ قَد اسْتَوْفَى الْعِوَضَ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ مَن نَصَّ مِنَ الْعُلَمَاءِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي مِثْل حَامِلِ الْخَمْرِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ (٣). стр. 2438
٣٥١٨ - مَن جَوَّزَ بَيْعَ الْبُسْتَانِ مِن الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لِبدُوِّ الصَّلَاحِ فِي بَعْضِهِ فَقِيَاسُ قَوْلِهِ: جَوَازُ بَيْعِ المقثاة إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهَا.
وَالْمَعْدُومُ هُنَا فِيهَا كَالْمَعْدُومِ مِن أَجْزَاءِ الثَّمَرَةِ؛ فَإنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَى ذَلِكَ أَكثَرَ؛ إذ تَفْرِيقُ الْأَشْجَارِ فِي الْبَيْعِ أَيْسَرُ مِن تَفْرِيقِ الْبِطِّيخَاتِ وَالْقِثَّاءَاتِ وَالْخِيَارَاتِ، وَتَمْيِيزِ اللَّقْطَةِ عَن اللَّقْطَةِ لَو لَمْ يَشُقَّ: فَإِنَّه أَمْرٌ لَا يَنْضَبِط؛ فَإِنَّ اجْتِهَادَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مُتَفَاوِتٌ.
٣٥١٩ - فِي "صحيح مُسْلِمٍ" (١) عَن أَبِي رَافِعٍ: "أَنَّ رَسُولَ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِن رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إبِلٌ مِن إبِلِ الصَّدَقَةِ فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَرَجَعَ إلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إلَّا خِيَارًا رباعيًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَعْطِهِ إيَّاهُ فَإنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُم قَضَاءً". فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِسْلَافِ فِيمَا سِوَى الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ مِن الْحَيَوَانِ وَنَحْوِهِ، كَمَا عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ وَالْحَدِيثِ، خِلَافًا لِمَن قَالَ مِن الْكُوفِيِّينَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَرْضَ مُوجِبُهُ رَدُّ الْمِثْلِ، وَالْحَيَوَانُ لَيْسَ بِمِثْلِيٍّ.
وَفيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَثْبُث مِثْلُ الْحَيَوَانِ تَقْرِيبًا فِي الذِّمَّةِ .. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى
стр. 2439
أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ: هُوَ التَّقْرِيبُ، وإِلَّا فَيَعِزُّ وُجُودُ حَيَوَانٍ مِثْلُ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ.
٣٥٢٠ - مِن مَسَائِلِ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ: مَا قَد عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي كَثِيرٍ مِن بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَو أَكْثَرِهَا لَا سِيَّمَا دِمَشْقُ، وَذَلِكَ أَن الْأَرْضَ تَكُونُ مُشْتَمِلَةً عَلَى غِرَاسٍ وَأَرْضٍ تَصْلُحُ لِلزرْعِ، وَرُبَّمَا اشْتَمَلَتْ مَعَ ذَلِكَ عَلَى مَسَاكِنَ، فَيُرِيدُ صَاحِبُهَا أَنْ يُؤَاجرَهَا لِمَن يَسْقِيهَا وَيَزْرَعُهَا أَو يُسْكِنُهَا مَعَ ذَلِكَ، فَهَذَا -إذَا كَانَ فِيهَا أَرْضٌ وَغِرَاسٌ- مِمَّا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِحَال، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيّينَ وَالشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ أَحْمَد عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ إذَا كَانَ الشَّجَرُ قَلِيلًا، وَكَانَ الْبَيَاضُ الثُّلُثَيْنِ أَو أَكْثَرَ، وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَكْرَى دَارًا فِيهَا نَخَلَاتٌ قَلِيلَةٌ أَو شَجَرَاتُ عِنَبٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
وَذَكَرَ ابُو عُبَيْدٍ: أَنَّ الْمَنْعَ مِن إجَارَةِ الْأرْضِ الَّتِي فِيهَا شَجَرٌ كَثِيرٌ: إجْمَاعٌ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أنَّه يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا شَجَرٌ، وَدُخُولُ الشَّجَرِ فِي الْإِجَارَةِ مُطْلَقًا .. وَهَذَا الْقَوْلُ كَالْإِجْمَاعِ مِن السَّلَفِ، وإِن كَانَ الْمَشْهُورُ عَن الْأئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ خِلَافَهُ.
فَقَد رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ -وَرَوَاهُ عَنْهُ حَرْبٌ الكرماني فِي مَسَائِلِهِ- قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ عَن هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَن أَبِيهِ أَنَّ أسيد بْنَ حضير تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَدَعَا عُمَرُ غُرَمَاءَهُ فَقَبَّلَهُم أَرْضَهُ سنِينَ وَفِيهَا النَّخْل وَالشَّجَرُ.
وَالْغَرَضُ مِن هَذَا: أَنَّ تَحْرِيمَ مِثْل هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْأُمَّةُ الْتِزَامَهُ قَطُّ؛ لِمَا فِيهِ مِن الْفَسَادِ الَّذِي لَا يُطَاقُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ (١)؛ بَل هُوَ أَشَدُّ مِن стр. 2440
الْأَغْلَالِ وَالْآصَارِ الَّتِي كَانَت عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ وَوَضَعَهَا اللهُ عَنَّا عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَمَن اسْتَقْرَأَ الشَّرِيعَةَ فِي مَوَارِدِهَا وَمَصَادِرِهَا وَجَدَهَا مَبْنِيَّةً عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] .. فَكُلُّ مَا احْتَاجَ النَّاسُ إلَيْهِ فِي مَعَاشِهِمْ وَلَمْ يَكُن سَبَبُهُ مَعْصِيَةً - هِيَ تَرْكُ وَاجِبٍ أَو فِعْلُ مُحَرَّمٍ - لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِم؛ لِأَنَّهُم فِي مَعْنَى الْمُضْطَرّ الَّذِي لَيْسَ بِبَاغٍ وَلَا عَادٍ.
وَإِن كَانَ سَبَبُهُ مَعْصِيَةً كَالْمُسَافِرِ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ اُضْطُرَّ فِيهِ إلَى الْمَيْتَةِ، وَالْمُنْفِقِ لِلْمَالِ فِي الْمَعَاصِي حَتَّى لَزِمَتْهُ الدُّيُونُ: فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالتَّوْبَةِ، وَيُبَاحُ لَهُ مَا يُزِيلُ ضرُورَتَهُ، فَتُبَاحُ لَهُ الْمَيْتَةُ، ويُقْضَى عَنْهُ دَيْنُهُ مِن الزَّكَاةِ.
وَإِن لَمْ يَتُبْ: فَهُوَ الظَّالِمُ لِنَفَسِهِ الْمُحْتَالُ.
وَهَذَا الْقَوْلُ الْمَأْثُورُ عَن السَّلَف الَّذِي اخْتَارَة ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ قِيَاسُ أُصُولِ أَحْمَد وَبَعْضِ أُصُولِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى (١).
فَإِنْ قِيلَ: الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ هُنَا غَرَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَد يُثْمِرُ قَلِيلًا وَقَد يُثْمِرُ كَثِيرًا.
يُقَالُ: وَمِثْلُهُ فِي إكْرَاء الْأَرْضِ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ غَرَرٌ أَيْضًا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ؛ فَإِنَّهَا قَد تُنْبِتُ قَلِيلًا وَقَد تُنْبِتُ كَثِيرًا.
وَإِن قِيلَ: الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُنَاكَ التَّمَكُّنُ مِن الِازْدِرَاعِ لَا نَفْسُ الزَّرْعِ النَّابِتِ.
قِيلَ: وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ هُنَا التَّمَكُّنُ مِن الِاسْتِثْمَارِ، لَا نَفْسُ الثَّمَرِ الْخَارج، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِمَا إنَّمَا هُوَ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ.
وَإِنَّمَا يَجِبُ الْعِوَضُ بِالتَّمَكنِ مِن تَحْصِيلِ ذَلِكَ، كَمَا أنَّ الْمَقْصُودَ بِاكْتِرَاءِ الدَّارِ إنَّمَا هُوَ السُّكْنَى وإِن وَجَبَ الْعِوَضُ بِالتَّمَكُّنِ مِن تَحْصِيلِ ذَلِكَ. стр. 2441
فَظَهَرَ بِهِ أَنَّ الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ مِن بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ زُهوِّهَا وَبَيْعِ الْحَبِّ قَبْلَ اشْتِدَادِهِ لَيْسَ هُوَ -إنْ شَاءَ اللهُ- إكْرَاؤُهَا لِمَن يُحصِّلُ ثَمَرَتهَا وَزَرْعهَا بِعَمَلِهِ وَسَقْيِهِ، وَلَا هَذَا دَاخِلٌ فِي نَهْيِهِ لَفْظًا وَلَا مَعْنًى.
يُوَضِّحُ ذَلِكَ: أَنَّ الْبَائِعَ لِثَمَرَتِهَا عَلَيْهِ تَمَامُ سَقْيِهَا وَالْعَمَلُ عَلَيْهَا حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْمُشْتَرِي مِن الْجِذَاذِ، كَمَا عَلَى بَائِعِ الزَّرْعِ تَمَامُ سَقْيِهِ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْمُشْتَرِي مِن الْحَصَادِ؛ فَإِنَّ هَذَا مِن تَمَامِ التَّوْفِيَةِ، وَمَئُونَةُ التَّوْفِيَةِ عَلَى الْبَائِعِ كَالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ.
وَأَمَّا الْمُكْرِي لَهَا لِمَن يَخْدِمُهَا حَتَّى تُثْمِرَ فَهُوَ كَمُكْرِي الْأَرْضِ لِمَن يَخْدمُهَا حَتَّى تَنْبُتَ، لَيْسَ عَلَى الْفكْرِي عَمَلٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ التَّمْكِينُ مِن الْعَمَلِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الثَّمَرُ وَالزرْعُ.
لَكِنْ يُقَالُ: طَرْدُ هَذَا: أَنْ يَجُوزَ إكْرَاءُ الْبَهَائِمِ لِمَن يَعْلِفُهَا وَيَسْقِيهَا وَيحْتَلِبُ لَبَنَهَا.
قِيلَ: إذَا جَوَّزنا عَلَىْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنْ تُدْفَعَ الْمَاشِيَةُ إلَى مَن يَعْلِفُهَا ويَسْقِيهَا بِجُزْءٍ مِن دَرِّهَا وَنَسْلِهَا (١): جَازَ دَفْعُهَا إلَى مَن يَعْمَلُ عَلَيْهَا لِدَرِّهَا وَنَسْلِهَا بِشَيءٍ مَضْمُونٍ.
وإِن قِيلَ: فَهَلَّا جَازَ إجَارَتُهَا لِاحْتِلَابِ لَبَنِهَا كَمَا جَازَ إجَارَةُ الظّئْرِ؟
قِيلَ: .. الْقِيَاسُ: جَوَازُهُ.
وَلَو كَانَ لِرَجُلٍ غَنَمٌ فَاسْتَأجَرَ غَنَمَ رَجُلٍ ليُرْضِعَهَا: لَمْ يَكُن هَذَا مُمْتَنِعًا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُسْتَأجِرُ هُوَ الَّذِي يَحْلِبُ اللَّبَنَ، أَو هُوَ الَّذِي يَسْتَوْفِيهِ: فَهَذَا مُشْتَرٍ لِلَبَنِ، لَيْسَ مُسْتَوْفِيًا لِمَنْفَعَة، وَلَا مُسْتَوْفِيًا لِلْعَيْنِ بِعَمَل، وَهُوَ شَبِيةٌ بِاشْتِرَاءِ الثَّمَرَةِ، وَاحْتِلَابُهُ كَاقْتِطَافِهَا، وَهُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: "لَا يُبَاعُ لَبَنٌ فِي ضَرْعٍ". стр. 2442
بِخِلَافِ مَا لَو اسْتَأجَرَهَا لِأنْ يَقُومَ عَلَيْهَا وَيحْتَلِبَ لَبَنَهَا فَهَذَا نَظِيرُ اكْتِرَاءِ الْأرْضِ وَالشَّجَرِ.
فَصْلٌ
هَذَا إذَا أَكْرَاهُ الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ، أَو الشَّجَرَةَ وَحْدَهَا لِأَنْ يَخْدِمَهَا وَيَأْخُذَ الثَّمَرَةَ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ.
فَإِنْ بَاعَهُ الثَّمَرَةَ فَقَطْ وَأَكْرَاهُ الْأَرْضَ لِلسُّكْنَى: فَهُنَا لَا يَجِيءُ إلَّا الْأَصْلُ الْأَوَّلُ الْمَذْكورُ عَن ابْنِ عَقِيلٍ وَبَعْضُهُ عَن مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: إذَا كَانَ الْأَغْلَبُ هوَ السُّكْنَى، وَهُوَ أَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، فَيَجُوزُ فِي الْجَمْعِ مَا لَا يَجُوزُ فِي التَّفْرِيقِ كَمَا تَقَدَّمَ مِن النَّظَائِرِ.
وَهَذَا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِن السُّكْنَى وَالثَّمَرَةِ مَقْصُودًا لَهُ.
وَعَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ: فَيَجُوزُ وإِن كَانَ الثَّمَرُ لَمْ يَطْلُعْ بِحَالٍ، سَوَاءٌ كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا أَو أَجْنَاسًا مُتَفَرِّقَةً كَمَا يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً أَصْلًا وَإِنَّمَا جَاءَت لِأَجْلِ جُذَاذِ الثَّمَرَةِ؛ مِثْل أَنْ يَشْتَرِيَ عِنبًا او بَلَحًا ويُرِيدُ أَنْ يُقِيمَ فِي الْحَدِيقَةِ لِقِطَافِهِ: فَهَذَا لَا يَجُوز قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ.
وَلَو لَمْ تَكُن السُّكْنَى مَقْصُودَةً وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ ابْتِيَاعُ ثَمَرَةٍ فِي بُسْتَانٍ ذِي أَجْنَاسٍ وَالسَّقْيُ عَلَى الْبَائِعِ: فَهَذَا عِنْدَ اللَّيْثِ يَجُوزُ، وَهُوَ قِيَاسُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَن أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَقَرَّرْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْجِنْسَيْنِ كَالْحَاجَةِ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَ بَيْعِ الثَّمَرَةِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَرُبَّمَا كَانَ أَشَدَّ؛ فَإِنَّهُ قَد لَا يُمْكِنُ بَيْعُ كُلِّ جِنْسٍ عِنْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، فَإِنَّهُ فِي كثِيرٍ مِن الْأَوْقَاتِ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ، وَفِي بَعْضِهَا إنَّمَا يَحْصُلُ بِضَرَر كَثِيرٍ.
وَهُوَ قِيَاسُ مَا قَرَّرْنَاهُ مِن جَوَازِ بَيْعِ المقثاة جَمِيعِهَا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا؛ لِأَنَّ
стр. 2443
تَفْرِيقَ بَعْضِهَا مُتَعَسِّرٌ أَو مُتَعَذّرٌ؛ كَتَعَسُّرِ تَفْرِيقِ الْأَجْنَاسِ فِي الْبُسْتَانِ الْوَاحِدِ، وَإِن كَانَت الْمَشَقَّةُ فِي المقثاة أوْكَدَ؛ وَلهَذَا جَوَّزَهَا مَن مَنَعَ الْأجْنَاسَ كَمَالِكٍ.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الطورَةُ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَن بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَكْرَاهُ الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ لِيَعْمَلَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ -كَمَا قَرَّرْتُمْ- لَيْسَ بِدَاخِل فِي الْعُمُومِ؛ لِأنَّهُ إجَارَةٌ لِمَن يَعْمَلُ، لَا بَيْعٌ لِعَيْن.
وَأَمَّا هَذَا فَبَيْعٌ لِلثَّمَرَةِ فَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ، فَكَيْفَ تُخَالِفُونَ النَّهْيَ؟
قُلْنَا: الْجَوَابُ عَن هَذَا كَالْجَوَاب عَمَّا يَجُوزُ بالسُّنَّةِ وَالْإجْمَاعِ مِن ابْتِيَاعِ الشَّجَرِ مَعَ ثَمَرَةِ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ (١)، وَابْتِيَاعِ الأرْضِ مَعَ زَرْعِهَا الَّذِي لَمْ يَشْتَدَّ حَبُّهُ، وَمَا نَصَرْنَاهُ مِن ابْتِيَاعِ المقاثي مَعَ أنَّ بَعْضَ خَضِرِهَا لَمْ يُخْلَقْ.
وَجَوَابُ ذَلِكَ كُلِّهِ بِطَرِيقَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أنْ يُقَالَ: إنَّ النَّهْيَ لَمْ يَشْمَلْ بِلَفْظِهِ هَذِهِ الصُّورَةَ .. فَإنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أنَّ الْمُرَادَ بِالثَّمَرِ هُنَا الرُّطَبُ دُونَ الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي أنْ نَقُولَ: وَإِن سَلَّمْنَا الْعُمُومَ اللَّفْظِيَّ لَكِنْ لَيْسَتْ هِيَ مُرَادَةً؛ بَل هِيَ مَخْصُوصَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِن الْأدِلَّهِ التِي تَخُصُّ مِثْل هَذَا الْعُمُومِ؛ فَإنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فِي الثَّمَرِ التَّابع لِشَجَرِهِ، حَيْثُ قَالَ النُّبِيُّ ﷺ : "مَن ابْتَاعَ نَخْلًا لَمْ يُؤبَّرْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إلَّا أنْ يَشْتَرِطُ الْمُبْتَاعُ" أخْرَجَاهُ (٢) مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَجَعَلَهَا لِلْمُبْتَاعِ إذَا اشْتَرَطَهَا بَعْدَ التَّأْبِيرِ، وَمَعْلُومٌ أنَّهَا حِينَئِذٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا مُفْرَدَةً.
وَأمَّا نَهْيُهُ ﷺ عَن الْمُعَاوَمَةِ الَّذِي جَاءَ مُفَسَّرًا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِأَنَّهُ بَيْعُ стр. 2444
السِّنِينَ: فَهُوَ -وَاللهُ أَعْلَمُ- مِثْلُ نَهْيِهِ عَن بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، إنَّمَا نَهَى أَنْ يَبْتَاعَ الْمُشْتَرِي الثَّمَرَةَ الَّتِي يَسْتَثْمِرُهَا رَبُّ الشَّجَرَةِ، وَأَمَّا اكْتِرَاءُ الْأَرْضِ وَالشَّجَرَةِ حَتَّى يَسْتَثْمِرَهَا فَلَا يَدْخلُ هَذَا فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ، وَإِنَّمَا هُوَ نَوْعٌ مِن الْإِجَارَةِ.
وَنَظِيرُ هَذَا: مَا تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ جَابِرٍ فِي "الصَّحِيحِ" (١) مِن أَنَّهُ "نَهَى عَن كِرَاءِ الْأَرْضِ"، وَأَنَّهُ "نَهَى عَن الْمُخَابَرَةِ"، وَأَنَّهُ "نَهَى عَن الْمُزَارَعَةِ"، وَأَنَّهُ قَالَ: "لَا تكروا الأرْضَ": فَإنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ: الْكِرَاءُ الَّذِي كَانُوا يَعْتَادُونَهُ، كمَا جَاءَ مُفَسَّرًا، وَهِيَ الْمُخَابَرَةُ وَالْمُزَارَعَةُ الَّتِي كَانُوا يَعْتَادُونَهَا، فَنَهَاهُم عَمَّا كَانُوا يَعْتَادُونَهُ مِن الْكِرَاءِ وَالْمُعَاوَمَةِ الَّذِي يَرْجِعُ حَاصِلُهُ إلَى بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تَصْلُحَ، وَإِلَى الْمُزَارَعَةِ الْمَشْرُوطِ فِيهَا جُزْءٌ مُعَيَّن.
٣٥٢١ - إكْرَاءُ الشَّجَرِ لِلِاسْتِثْمَارِ يَجْرِي مَجْرَى إكْرَاءِ الْأَرْضِ لِلِازْدِرَاعِ، وَاسْتِئْجَارِ الظِّئْرِ لِلرِّضَاعِ.
وَذَلِكَ: أَنَّ الْفَوَائِدَ الَّتِي تُسْتَخْلَفُ مَعَ بَقَاءِ أُصُولِهَا تَجْرِي مَجْرَى الْمَنَافِعِ وإِن كَانَت أَعْيَانًا، وَهِيَ ثَمَرُ الشَّجَرِ، وَلَبَن الْآدَمِيَّاتِ وَالْبَهَائِمِ، وَالصُّوف وَالْمَاء الْعَذْبِ: فَإِنَّهُ كُلَّمَا خُلِقَ مِن هَذِهِ شَيءٌ فَأُخذ خَلق الله بَدَلَهُ مَعَ بَقَاء الْأصْلِ كَالْمَنَافِعِ سوَاءٌ.
وَلهَذَا جَرَتْ فِي الْوَقْفِ وَالْعَارِية وَالْمُعَامَلَةِ بِجُزْءٍ مِن النَّمَاءِ مَجْرَى الْمَنْفَعَةِ؛ فَإِنَّ الْوَقْفَ لَا يَكُون إلَّا فِيمَا ينْتَفعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ، فَإِذَا جَازَ وَقْفُ الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ أَو الرِّبَاعِ لِمَنْفَعَتِهَا فَكَذَلِكَ وَقْفُ الْحِيطَانِ لِثَمَرَتِهَا، وَوَقْفُ الْمَاشِيَةِ لِدَرِّهَا وَصُوفِهَا، وَوَقْفُ الْآبَارِ وَالْعُيُونِ لِمَائِهَا، بِخِلَافِ مَا يَذْهَبُ بِالِانْتِفَاعِ كَالطَّعَامِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُوقَفُ.
٣٥٢٢ - مَن اسْتَقْرَأَ الشَّرِيعَةَ تبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ إذَا احْتَاجَ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهَا بِلَا ضَرَرٍ يَزِيدُ عَلَى حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ: وَجَبَتْ. стр. 2445
فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ وَمَعَ حَاجَةِ رَبِّ الْمَالِ المُكافِيَة لِحَاجَةِ الْمُعْتَاضِ: فَرَبُّ الْمَالِ أَوْلَى؛ فَإِنَ الضَّرَرَ لَا يُزَالُ بِالضَّرَرِ، وَالرَّجُلُ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِن وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، "وَابْدَأ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَن تَعُولُ".
وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ حَسَنَةٌ مُنَاسِبَةٌ وَلَهَا شَوَاهِدُ كَثيرَة فِي الشَّرِيعَةِ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَوُجُوبُ الْمُعَاوَضَاتِ مِن ضَرُورَةِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ؛ إذ الْإِنْسَانُ لَا يَنْفَرِدُ بِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ؛ بَل لَا بُدَّ لَهُ مِن الِاسْتِعَانَةِ بِبَنِي جِنْسِهِ، فَلَو لَمْ يَجِبْ عَلَى بَنِي آدمَ أَنْ يَبْذُلَ هَذَا لِهَذَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَهَذَا لِهَذَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَفَسَدَ النَّاسُ، وَفَسَدَ أَمْرُ دُنْيَاهُم وَدِينِهِمْ، فَلَا تَتِمُّ مَصَالِحُهُم إلَّا بِالْمُعَاوَضَةِ، وَصَلَاحُهَا بِالْعَدْلِ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ لَهُ الْكُتُبَ وَبَعَثَ بِهِ الرُّسُلَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
وَلَا ريبَ أَنَّ النفوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى بَذْلِ الْمُعَاوَضَةِ لِحَاجَتِهَا إلَيْهَا؛ فَالشَّارعُ إذَا بُذِلَ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ بِلَا إكْرَاهٍ: لَمْ يَشْرَعِ الْإِكْرَاهَ وَرَدَّ الْأَمْر إلَى التَّرَاضِي فِي أَصْلِ الْمُعَاوَضَةِ وَفِي مِقْدَارِ الْعِوَضِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يُبْذَلْ:
أ - فَقَد يُوجِبُ الْمُعَاوَضَةَ تَارَةً.
ب - وَقَد يُوجِبُ عِوَضا مُقَدَّرًا تَارَةً.
ج - وَقَد يُوجِبُهُمَا جَمِيعًا.
د - وَقَد يُوجِبُ التَّعْوِيضَ لِمَعَانٍ (١) أُخْرَى.
مِثَالُ الْأوَّلِ: مَن عَلَيْهِ دَيْن فَطُولِبَ بِهِ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا عَرَضٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ لِيُوفِيَهُ الدَّيْنَ، فَإِنَّ وَفَاءَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ، وَلَا يَتِمُّ إلَّا بِالْبَيْعِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَللْحَاكِمِ أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَى بَيْعِ الْعَرَضِ فِي وَفَاءِ دَيْنِهِ، وَلَهُ أَنْ стр. 2446
يَبِيعَ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ؛ لِأنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ عَلَيْهِ فَقَبِلَ النِّيَابَةَ، فَقَامَ ذُو السُّلْطَانِ فِيهِمْ مَقَامَهُ؛ كَمَا يَقُومُ فِي تَوْفِيَةِ الدَّيْنِ وَتَزْوِيجِ الْأيِّمِ مِن كُفْئِهَا إذَا طَلَبَتْهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَبِالْجُمْلَةِ: فَكُلُّ مَن وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ مَالٍ إذَا لَمْ يُمْكِنْ أَدَاؤُهُ إلَّا بِالْبَيْعِ صَارَ الْبَيْعُ وَاجِبًا يُجْبَرُ عَلَيْهِ ويُفْعَلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ.
وَمِثَالُ الثَّانِي: الْمُضْطَرُّ إلَى طَعَامِ الْغَيْرِ إذَا بَذَلَهُ لَهُ بِمَا يَزِيدُ عَلَى الْقِيمَةِ، فَإنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ وَأَنْ يَكُونَ بَيْعُهُ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُمَا أجْبِرَ عَلَيْهِمَا، وَإِن بَذَلَ أَحَدُهُمَا أُجْبِرَ الْآخَرُ.
حَتَّى إنَّهُ لَو امْتَنَعَ عَن بَذْلِ الطَّعَامِ فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُقَاتِلِ عَن نَفْسِهِ.
وَأَمَّا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ: فَنَهْيُهُ ﷺ عَن أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ لِمَا فِيهِ مِن إضْرَارِ الْمُشْتَرِي إذَا تَوَكَّلَ الْحَاضِرُ لِلْقَادِمِ بِسِلْعَتِهِ فِي الْبَيْعِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا.
٣٥٢٣ - ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ مِن أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: أَنَّ أُصُولَ الصِّنَاعَاتِ كَالْفِلَاحَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَالْبِنَايَةِ: فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهَا فَرْضٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، وَأَمَّا مَعَ إمْكَانِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا فَلَا تَجِبُ.
٣٥٢٤ - الَّذِي يُكْرَهُ مِن شِرَاءِ الأرْضِ الخراجية: إنَّمَا كَانَ لِأنَّ الْمُشْتَرِيَ يَشْتَرِيهَا فَيَرْفَعُ الْخَرَاجَ عَنْهَا وَذَلِكَ إسْقَاطٌ لِحَقِّ الْمُسْلِمِينَ كَمَا كَانُوا أَحْيَانًا يَقْطَعُونَ بَعْضَهَا لِبَعْضِ الْمُحَارِبِينَ إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ، لَا إقْطَاعَ اسْتِغْلَالٍ كَإِقْطَاعِ الْمَوَاتِ، فَهَذَا الِانْتِفَاعُ وَالْإِقْطَاعُ يُسْقِطُ حَقَّ الْمُسْلِمِينَ مِن الرَّقَبَةِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَالْخُلَفَاءُ أَخَذُوهُ مِن الْغُزَاةِ لِتَكُونَ مَنْفَعَتُهُ دَائِمَةً لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا قُطِعَتْ مَنْفَعَتُهُ عَن الْمُسْلِمِينَ صَارَ ظُلْمًا لَهُمْ.
فَاَمَّا إذَا اشْتَرَاهَا وَعَلَيْهِ مِن الْخَرَاجِ مَا عَلَى الْبَائِعِ: فَهُوَ كَمَا لَو وَلَّاهُ إيَّاهَا بِلَا حَقّ، وَكَمَا لَو وَرِثَهَا؛ فَإِنَّ الْإِرْثَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ: أَنَّ الْوَارِثَ أَحَقُّ بِهَا
стр. 2447
بِالْخَرَاجِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ إعْطَاءَهَا لِمَن أُعْطَيَتْه بِالْخَرَاجِ قَد قِيلَ: إنَّهُ بَيْعٌ بِالثَّمَنِ الْمُقَسَّطِ الدَّائِمِ.
وَالتحْقِيقُ: أَنَّهَا معَامَلَة قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، ذَاتُ شَبَهٍ مِن الْبَيْعِ وَمِن الْإِجَارَةِ .. فَإِنَّهُ لَمْ يَمْلِكِ الْعَيْنَ مُطْلَقًا وَلَمْ يَسْتَأْجِرْهَا، وَإِنَّمَا مَلَكَ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ مُؤَبَّدَةً.
يُوَضحُ ذَلِكَ: أَنَّ أَصْلَ الْخَرَاجِ (١) فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧]، فَإنَّ هَذَا فَرْقٌ بَيْنَ الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدَ أَضَافَ الْقُرَى إلَيْهِم فَعُلِمَ اخْتِصَاصُهُم بِهَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَلَو أَخَذَهُ ذِمِّيٌّ مِن الذِّمِّيِّ الْأَوَّلِ بِالْخَرَاجِ وَعَاوَضَهُ عَلَى ذَلِكَ عِوَضًا لَمْ يَكُن فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ أَصْلًا فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهِ.
لِأَنَّهُ إنْ قِيلَ: إَّنهُ وَقْفٌ، فَهَذَا لَا يُخْرِجُهُ بِهَذِهِ الْمُعَاوَضَةِ عَن أَنْ يَكُونَ وَقْفَا؛ بَل مُسْتَحَقُّ أَهْلِ الْوَقْفِ بَاقٍ كَمَا كَانَ، وَبَيْعُ الْوَقْفِ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِإِزَالَةِ حَقِّ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَهَذَا لَا يَزُولُ، بَل هُوَ بِمَنْزِلَةِ إجَارَةِ أَرْضِ الْوَقْفِ بِأكْثَرَ مِمَّا اسْتَأجَرَهَا، فَكَأنَّهُ قَالَ: أكريتك هَذِهِ الْأرْضَ بِمَا عَلَيَّ مِن الْخَرَاجِ وَبِالزِّيَادَةِ الَّتِي تُعَجِّلُهَا إلَيَّ، وَلهَذَا يَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَةِ مَن هِيَ فِي يَدِهِ، وَالْوَقْفُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، فَإذَا جَازَ انْتِقَالُهُ بِالْأِرْثِ عَلَى صِفَةِ مَا كَانَ -وَالْهِبَةُ مِثْلُهُ- فَكَذَلِكَ الْمُعَاوَضَةُ سَوَاءٌ سُمِّيَتْ بَيْعًا أَو إجَارَةً.
وَلهَذَا جَوَّزَ أَحْمَد إصْدَاقَ الْأرْضِ الخراجية وَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا جَازَ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا وَأُجْرَةً، وَمَا كَانَ ثَمَنًا كَانَ مُثَمَّنًا.
فَهَذَا بَابٌ يَنْبَغِي تَأَمُّلُهُ.
٣٥٢٥ - بُيُوتُ مَكَّةَ: أَحْسَنُ مَا فِيهَا أنَّه لَا تَجُوزُ إجَارَتُهَا؛ بَل يَجِبُ بَذْلُهَا стр. 2448
لِلْمُحْتَاجِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَهَذَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْآثَارُ وَالْقِيَاسُ (١).
وَأَمَّا الْمَنْعُ مِن بَيْعِهَا فَفِيهِ نَظَرٌ، فَلَو كَانَ الْمَانِعُ كَوْنَ فَتْحِهَا عَنْوَةً لَمَا مُنعَ إجَارَتهَا.
بَل الصَّوَابُ: أَنَّ الْمَانِعَ مِن إجَارَتهَا كَوْنُهَا أرْضَ الْمَشَاعِرِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِي اسْتِحْقَاقِ الِانْتِفَاعِ بِهَا جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]، فَالسَّاكِنُونَ بِهَا أَحَقُّ بِمَا احْتَاجُوا إلَيْهِ؛ لِأنَّهُم سَبَقُوا إلَى الْمُبَاحِ، كَمَن سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ مِن مَسْجِدٍ أَو طَرِيقٍ أَو سُوقٍ.
وَأَمَّا الْفَاضِلُ فَعَلَيْهِم بَذْلُهُ.
أَو لِأنَّ الْمَكِّيَّ لَمَّا صَارَ النَّاسُ يُهْدُونَ إلَيْهِم الْهَدَايَا، وَتَجِبُ عَلَيْهِم قِسْمَتُهَا فِيهِمْ، صَارَ يَجِبُ عَلَى الْمَكِّيِّينَ إنْزَالُ النَّاسِ فِي مَنَازِلهِمْ مُقَابَلَةً لِلإحْسَانِ بِالْإِحْسَانِ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَد يَكُونُ هُوَ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِإبْقَائِهَا بِيَدِ أَرْبَابِهَا مِن غَيْرِ خَرَاجٍ مَضْرُوبِ عَلَيْهِم أَصْلًا؛ لِأنَّ لِلْمُقِيمِينَ بِمَكَّةَ حَقًّا وَعَلَيْهِم حَقٌّ، لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا مِن الْأَمْصَارِ.
وَمِن هُنَا يَصِيرُ التَّعْلِيلُ بِفَتْحِهَا عَنْوَةَ مُنَاسِبًا لِمَنْعِ إجَارَتهَا -كَمَا ذَكَرْنَاهُ- لَا إلْحَاقًا لَهَا بِسَائِرِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ.
٣٥٢٦ - مَن يَمْلِكُ مَاءً نَابِعًا مِثْل أنْ يَمْلِكَ بِئْرًا مَحْفُورَةً فِي مِلْكِهِ -ويدْخُلُ فِي لَفْظِ الْبِئْرِ: مَا يُنْصَبُ عَلَيْهِ الدُّولَابُ وَمَا لَا يُنْصَبُ، أو يَمْلِكُ عَيْنَ مَاء فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ - فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْبِئْرَ وَالْعَيْنَ جَمِيعًا.
وإِنَّمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: لَو بَاعَ الْمَاءَ بِدُونِ الْقَرَارِ: هَل يَصِحُّ بَيْعُهُ لِكَوْنِهِ стр. 2449
يُمْلكُ أَو لَا يَصِحُّ لِكَوْنِهِ لَا يُمْلكُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَهُوَ مَنْصُوصٌ لِلشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا بَيْعُ الْبِئْرِ وَالْعَيْنِ بِكَمَالِهَا أَو بَيْعُ جُزْءٍ مِنْهَا: "فَمَا عَلِمْت فِيهِ تَنَازُعًا إذَا كَانَت الْأَرْضُ مَمْلُوكَةً، وَقَد نَدَبَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى شِرَاءِ بِئْرِ رُومَةَ مِن مَالِكِهَا الْيَهُودِيِّ، فَاشْتَرَى عُثْمَانُ بْنُ عفان نِصْفَهَا وَحَبَسَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ دَلْوُهُ مِنْهَا كَدَلْوِ وَاحِدٍ مِن الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَمَّا رَأَى الْيَهُودِيُّ ذَلِكَ بَاعَهُ النِّصْفَ الْآخَرَ فَاشْتَرَاهُ عُثْمَانُ، وَجَعَلَ الْبِئْرَ كُلَّهَا حَبْسًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ".
وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْفُقَهَاءُ عَلَى عِدَّةِ مَسَائِلَ؛ مِثْل وَقْفِ الْمُشَاعِ، وَيكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي مِثْل ذَلِكَ: هَل فِيهِ شُفْعَةٌ؟
فَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ فِيهِ الشُّفْعَةَ كَأَبي حَنِيفَةَ .. وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَن الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهِ.
وَالْأظْهَرُ وُجُوبُ الشُّفْعَةِ فِي ذَلِكَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهم اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ بَيْعِ ذَلِكَ، وَجَوَازُ هِبَةِ ذَلِكَ أَظْهَرُ مِن جَوَازِ بَيْعِهِ.
٣٥٢٧ - قَوْلُهُ: "النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ" (١): فَهُوَ حَدِيثْ مَعْرُوفٌ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ، وَقَد اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَ الْكَلَأَ النَّابِتَ فِي الْأَرْضِ الْمُبَاحَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَمَن سَبَقَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ.
وَأَمَّا النَّابِتُ فِي الْأرْضِ الْمَمْلُوكَةِ: فَإِنَّهُ إنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَإِن كَانَ مُسْتَغْنِيًا عَنْهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، وَأكْثَرُهُم يُجَوِّزُونَ أَخْذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ، ويُجَوِّزُونَ رَعْيَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ. стр. 2450
كَذَلِكَ الْمَاءُ: إنْ كَانَ نَابِعًا فِي أَرْضٍ مُبَاحَةٍ فَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِن كَانَ نَابِعًا فِي مِلْكِ رَجُلٍ فَعَلَيْهِ بَذْلُ فَضْلِهِ لِمَن يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلشُّرْبِ لِلْآدَمِيِّينَ وَالدَّوَابِّ بِلَا عِوَضٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ.
٣٥٢٨ - عَلَى صَاحِبِ النَّحْلِ الْعُشْرُ، يَصْرِفُهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن الْعُلَمَاءِ كَأبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ؛ لِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَن النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ.
وَهَذِهِ الطُّلُولُ (١) هي أَحَقُّ بِالْبَذْلِ مِن الْكلَأِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الطُّلُولَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْمَعَهَا إلَّا النَّحْلُ.
لَكِنْ إذَا كَانَت لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فَنَحْلُهُ أَحَقُّ بِالْجِنَاءِ فِي أَرْضِهِ، فَإِذَا كَانَ جَنْيُ تِلْكَ النَّحْلَ تَضْرِبُهُ فَلَهُ الْمَنْعُ مِن ذَلِكَ.
٣٥٢٩ - وَسُئِلَ: عَمَّن هَاجَرَ مِن بَلَدِ التتر وَلَمْ يَجِدْ مَرْكُوبًا فَاشْتَرَى مِن التتر مَا يَرْكَبُ بِهِ، فَهَل عَلَيْهِ الثَّمَنُ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ؟
فَأَجَابَ: نَعَمْ، إذَا اشْتَرَى مِنْهُم فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ الثَّمَنَ لِمَن بَاعَهُ وَإِن كَانَ تتريًّا (٢).
٣٥٣٠ - وَسُئِلَ: عَن تَاجِرٍ رُسمَ لَهُ بِتَوْقِيع سُلْطَانِيٍّ بِالْمُسَامَحَةِ بِأَنْ لَا يُؤخَذَ مِنْهُ شَيءٌ عَلَى مَتْجَرِهِ، فَتَاجَرَ سَفْرَةً (٣)، فَبَاعَ التَّوْقِيعَ الَّذِي بِيَدِهِ لِتَاجِرٍ آخَرَ؛ لِأَجْلِ الْإِطْلَاقِ الَّذِي فِيهِ (٤)، فَهَل يَصِحُّ بَيْعُ مَا فِي التَّوْقِيعِ؟ ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ لِلتَّوْقِيعِ بَطَلَ سَفَرُهُ، وَلَمْ يَنْتَفِعْ، فَهَل يَلْزَمُهُ أَدَاءُ الثَّمَنِ؟
فَأَجَابَ: هَذَا الْبَيْعُ لَيْسَ مَقْصُودُهُ بَيْعَ الْوَرَقَةِ؛ فَإِنَّ قِيمَتَهَا يَسِيرَةٌ؛ بَل لَا стр. 2451
تُقْصَدُ بِالْبَيْعِ أَصْلًا، وإِنَّمَا مَقْصُودُهُ أَنَّ الْوَظِيفَةَ الَّتِي كَانَ يَأْخُذُهَا نُوَّابُ السُّلْطَانِ تُسْقِطُ عَنْهُ الْحُقُوقَ، وَيأْخُذُ هَذَا الْبَائِعُ بَعْضَهَا أَو عِوَضَهَا مِنْهُ؛ لِأنَّ الْبَائِعَ كَانَت تَسْقُطُ عَنْهُ.
وَهَذَا يُشْبِهُ مَا يُطْلَقُ مِن بَيْتِ الْمَالِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ إطْلَاقًا لِمَن وَفَدَ عَلَى السُّلْطَانِ أَو خَرَّجَ بَرِيدًا أَو غَيْرَ ذَلِكَ.
وَهَذَا إنَّمَا يُعْطَاهُ إذَا عَمِلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ، فَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ وَلَا عِوَضُهُ لَمْ يُعْطَه.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَإِذَا كَانَ هَذَا لِلْعَارِضِ لَا هُوَ وَلَا صَاحِبُ التَّوْقِيعِ لَمْ يُطْلَقْ لَهُ شَيءٌ.
وَحِينَئِذٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْمُشْتَرِي شَيْئًا، وَلَيْسَ مَا ذُكِرَ لَازِمًا حَتَّى يَجِبَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ؛ بَل غَايَتُهُ إنْ قِيلَ بِالْجَوَازِ كَانَ جَائِزًا وَالْحَالَةُ هَذِهِ (١).
٣٥٣١ - وَسئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ أَخَذَ سَنَةَ الْغَلَاءِ غَلَّةً (٢) وَقَالَ لَهُ: قَاطِعْنِي (٣) فِيهَا قَالَ لَهُ: حَتَّى يَسْتَقِرَّ السِّعْرُ (٤)، وَصَبَرَ أَشْهُرًا (٥)، وَحَضَرَ فَأَخَذَ حَظَّهُ بِمِائَة وَخَمْسِينَ إرْدَبًّا (٦) فَهَل لَهُ ثَمَنٌ أَو غَلَّةٌ؟
فَأَجَابَ: الصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْألَةِ أنَّ لَهُ مَا تَرَاضَيَا وَهُوَ الْمِائَةُ وَالْخَمْسُونَ، سَوَاءٌ قِيلَ: إنَّ الْوَاجِبَ كَانَ أَوَّلًا هُوَ السِّعْرُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد أَنَّ الْبَيْعَ بِالسِّعْرِ صَحِيحٌ. стр. 2452
أَو قِيلَ: إنَّ الْبَيْعَ كَانَ بَاطِلًا وَأَنَّ الْوَاجِبَ رَدُّ الْبَدَل، فَإِنَّهُمَا إذَا اصْطَلَحَا عَن الْبَدَلِ بِقِيمَتِهِ -وَقْتَ الِاصْطِلَاحِ- جَازَ الصّلْحُ وَلَزِمَ.
٣٥٣٢ - يَجُوزُ بَيْعُ الْمُشَاعِ بِاتّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا مَضَتْ بِذَلِكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِثْلُ قَوْلِهِ الَّذِي فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١): "أيُّمَا رَجُلٍ كَانَ لَهُ شِرْكٌ فِي أَرْضٍ أَو ربْعَةٍ أَو حَائِطٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِن شَاءَ تَرَكَ، فَإِنْ بَاعَ قَبْلَ أَنْ يُؤْذِنَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثمَنِ".
فإذَا بَاعَ نَصِيبَهُ وَسَلَّمَ الْجَمِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي وَتَعَذَّرَ عَلَى الشَّرِيكِ الِانْتِفَاعُ بِنَصِيبِهِ: كَانَ ضَامِنًا لِنَصِيبِ الشَّرِيكِ.
فَإِمَّا أَنْ يُمَكّنَهُ مِن نَصِيبِهِ، وإِمَّا أَنْ يَضْمَنَهُ لَه بِقِيمَتِهِ.
٣٥٣٣ - بَيْعُ الزَّيْتِ جَائِزٌ وإِن لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ زيتِهِ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبِّ الْقُطْنِ وَالزَّيْتُونِ وَنَحْوِهِمَا مِن الْمُنْعَصِرَاتِ وَالْمَبِيعَاتِ مُجَازَفَةً (٢).
٣٥٣٤ - لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ فِي الدَّرَاهِمِ: هَل تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعُقُودِ والقبوض حَتَى فِي الْغَصْبِ وَالْوَدِيعَةِ؟
فَقِيلَ: تتعَيَّنُ مُطْلَقًا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأحْمَد فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ.
وَقِيلَ: لَا تتعَيَّنُ مُطْلَقًا كَقَوْلِ ابْنِ قَاسِمٍ.
وَقِيلَ: تَتَعَيَّنُ فِي الْغَصْبِ وَالْوَدِيعَةِ، دُونَ الْعَقْدِ؛ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
٣٥٣٥ - إنَّ حَقَّ الْمَظْلُومِ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ مَالِ الظَّالِمِ وَإِن فَاتَت الْعَيْنُ؛ لِكَوْنِ هَذَا بَدَلُ مَالِهِ.
وَيكُونُ مَا يَزِيدُ مِن الْمَالِ مِن نَمَاءٍ وَرِبْحٍ وَغَيْرِهِ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ. стр. 2453
لَكِنْ يُقَالُ عَلَى هَذَا: الْمَظْلُومُ لَيْسَ لَهُ إلَّا قَدْرُ حَقّهِ، وَأَمَّا الزّيَادَةُ الثَّانِيَةُ الَتِي حَصَلَتْ بِتَصَرُّفِ الظَّالِمِ فَهِيَ مَبْنِيَّة عَلَى وَقْفِ الْعُقُودِ (١)، فَمَن قَالَ: إنَّ الْعُقُودَ لَا تُوقَفُ يَقُولُ: مَا قَبَضَهُ الْبَائِغ الظَّالِمُ مِن الْمُشْتَرِي لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَالثَّمَنُ الَّذِي أدَّاهُ وَقَد غَصَبَهُ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ دُونَ النَّاسِ الَّذِينَ ظَلَمَهُمْ، وَمَا فِي يَدِهِ لَا يَمْلِكُهُ؛ بَل هُوَ لِأُنَاسٍ مَجْهُولِينَ لَا يَعْرِفُهُمْ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِمْ إلَّا بِإِذْنِهِمْ.
وَعَلَى هَذَا فَفِيهِ قَوْلَانِ:
قِيلَ: إنَّ وَليَّ الْأَمْرِ كَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ مِمَّن لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ عَلَى الْغَائِبِينَ يَقْضِي الدُّيُونَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِم لِلْبَائِعِ بِالْأَمْوَالِ الَّتِي فِي يَدِهِ لَهُمْ.
وَقِيلَ: إنَّ الْبَائِعَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ الَّذِي عَلَيْهِم مِمَّا لَهُم فِي يَدِهِ مِن الْمَالِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْذَانِ حَاكِمٍ وَهَذَا أَصَحُّ؛ فَإِنَّ الْمَعْلُومَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِن مَالِ مَن هُوَ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْحَاكِمِ، كَمَا أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِلضَّيْفِ الْمَظْلُومِ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِن زَرْعِ الْمُضيفِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَكَمَا أَمَرَ الْمَرْأَةَ أَنْ تَأْخُذَ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ بِلَا إذْنِ الزَّوْجِ.
لَكِنْ إذَا كَانَ الْحَقُّ مَجْحُودًا: فَقَد قَالَ: "أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَن ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَن خَانَك" (٢)، فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْإِنْسَانُ قَد بَاعَ غَيْرَة سِلْعَةً بَيْعًا فَاسِدًا، стр. 2454
وَقَبَضَ مِنْهُ الثَّمَنَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ مِن هَذِهِ السِّلْعَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
٣٥٣٦ - إِنَّ النَّاسَ إذَا اضْطُرُّوا إلَى مَا عِنْدَ الْإِنْسَانِ مِن السِّلْعَةِ وَالْمَنْفَعَةِ: وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبْذَلَ لَهُم بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، وَمَنْعُهُ أَنْ لَا يَبِيعَ سِلْعَةً حَتَّى يَبِيعَ مِقْدَارًا مُعَيَّنًا.
٣٥٣٧ - إِنَّ التَّحْرِيمَ فِي حَقِّ الْآدَمِيّينَ إذَا كَانَ مِن أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْجَانِبِ الآخَرِ؛ كَمَا لَو اشْتَرَى الرَّجُلُ ملْكَهُ الْمَغْصُوبَ مِن الْغَاصِبِ، فَإنَّ الْبَائِعَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُ الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُ مِلْكِهِ وَلَا بَذْلُ مَا بَذَلَهُ مِن الثَّمَنِ؛ وَلهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَجُوزُ رِشْوَةُ الْعَامِلِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ لَا لِمَنْعِ الْحَقِّ، وَإِرْشَاؤُهُ حَرَامٌ فِيهِمَا.
وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا إذَا جَحَدَ الزَّوْجُ طَلَاقَهَا فَافْتَدَتْ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْخلْعِ فِي الظَّاهِرِ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ مَا بَذَلَتْهُ وَيُخَلِّصُهَا مِن رِقِّ اسْتِيلَائِهِ.
٣٥٣٨ - نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الْعُلَمَاءِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ مَن اشْتَرَى شَيْئًا فَظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ مَغْصُوبٌ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَالِكَهُ: فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ ويَأْخُذَ ثَمَنَهُ، وَلَكِنْ يَتَصَدَّقَ بِالرِّبْحِ.
٣٥٣٩ - قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَا خَيْرَ فِيمَن لَا يُحِبُّ الْمَالَ: يَعْبُدُ بِهِ رَبَّهُ، ويُؤَدِّي بِهِ أَمَانتَهُ، وَيَصُونُ بِهِ نَفْسَهُ، وَيَسْتَغْنِي بِهِ عَن الْخَلْقِ.
وَفِي "السُّنَنِ" (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاَثة حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُم: النَّاكحُ يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُكَاتَبُ يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْغَارِمُ يُرِيدُ الْوَفَاءَ".
فَذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُؤْمِنُ: عِفَّةَ فَرْجِهِ، وَتَخْلِيصَ رَقَبَتِهِ، وَبَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ. стр. 2455
فَاَخْبَرَ أَنَّ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ مِن عِبَادَةِ اللهِ، وَقَضَاءُ الدُّيُونِ، وَصِيَانَةُ النَّفْسِ، وَالِاسْتِغْنَاءُ عَن النَّاسِ: لَا تُتَمَّمُ إلَّا بِالْمَالِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَمَن لَا يُحِبُّ أَدَاءَ مِثْل هَذَا الْوَاجِبِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا يَقُومُ الدِّينُ إلَّا بِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ.
٣٥٤٠ - لَا يَجُوزُ لِلدَّلَّالِ -الَّذِي هوَ وَكِيلُ الْبَائِعِ فِي الْمُنَادَاةِ (١) - أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمَن يَزِيدُ بِغَيْرِ عِلْمِ الْبَائِعِ؛ فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَزِيدُ وَيَشْتَرِي فِي الْمَعْنَى، وَهَذَا خِيَانَةٌ لِلْبَائِعِ، وَمَن عَمِلَ مِثْل هَذَا لَمْ يُحب أَنْ يَزِيدَ أَحَدٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْصَح الْبَائِعَ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ وَإِنْهَاءِ الْمُنَادَاةِ.
وَإِذَا تَوَاطَأَ جَمَاعَةٌ عَلَى ذَلِكَ: فَإِنَّهُم يَسْتَحِقُّونَ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ الَّذِي يَرْدَعُهُم وَأَمْثَالَهُم عَن مِثْل هَذِهِ الْخِيَانَةِ، وَمِن تَعْزِيرِهِمْ أَنْ يُمْنَعُوا مِن الْمُنَادَاةِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهمْ.
٣٥٤١ - الْبَيْعُ بِتَخْبِيرِ الثَّمَنِ (٢): جَائِزٌ، سَوَاءٌ: كَانَ مُرَابَحَة أَو مُوَاضَعَةً أَو تَوْلِيَة أَو شَرِكَةً، لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَوِيَ عِلْمُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ، فَإِذَا كَانَ الْبَائِعُ قَد اشْتَرَاهُ إلَى أَجَلٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِثَمَنٍ مُطْلَقٍ وَلَمْ يُبَيّنْ لَهُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ إلَى أَجَلٍ فَهَذَا جَائِز ظَالِمٌ.
٣٥٤٢ - إِنَّ مَن اشْتَرَى سِلْعَةً عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ لَمْ يَكُن لَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِالثَّمَنِ مِن غَيْرِ بَيَانِ الْحَالِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ إذ هَذَا مِن نَوْعِ الْخِيَانَةِ.
وَالْبَيْعُ بِتَخْبِيرِ الثَّمَنِ أَصْلُهُ الصِّدْقُ وَالْبَيَانُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وإن كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكةُ بَيْعِهِمَا" (٣). следующие страницы →