← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

تُقْصَدُ بِالْبَيْعِ أَصْلًا، وإِنَّمَا مَقْصُودُهُ أَنَّ الْوَظِيفَةَ الَّتِي كَانَ يَأْخُذُهَا نُوَّابُ السُّلْطَانِ تُسْقِطُ عَنْهُ الْحُقُوقَ، وَيأْخُذُ هَذَا الْبَائِعُ بَعْضَهَا أَو عِوَضَهَا مِنْهُ؛ لِأنَّ الْبَائِعَ كَانَت تَسْقُطُ عَنْهُ. وَهَذَا يُشْبِهُ مَا يُطْلَقُ مِن بَيْتِ الْمَالِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ إطْلَاقًا لِمَن وَفَدَ عَلَى السُّلْطَانِ أَو خَرَّجَ بَرِيدًا أَو غَيْرَ ذَلِكَ. وَهَذَا إنَّمَا يُعْطَاهُ إذَا عَمِلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ، فَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ وَلَا عِوَضُهُ لَمْ يُعْطَه. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَإِذَا كَانَ هَذَا لِلْعَارِضِ لَا هُوَ وَلَا صَاحِبُ التَّوْقِيعِ لَمْ يُطْلَقْ لَهُ شَيءٌ. وَحِينَئِذٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ عَلَى الْمُشْتَرِي شَيْئًا، وَلَيْسَ مَا ذُكِرَ لَازِمًا حَتَّى يَجِبَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ؛ بَل غَايَتُهُ إنْ قِيلَ بِالْجَوَازِ كَانَ جَائِزًا وَالْحَالَةُ هَذِهِ (١). ٣٥٣١ - وَسئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ أَخَذَ سَنَةَ الْغَلَاءِ غَلَّةً (٢) وَقَالَ لَهُ: قَاطِعْنِي (٣) فِيهَا قَالَ لَهُ: حَتَّى يَسْتَقِرَّ السِّعْرُ (٤)، وَصَبَرَ أَشْهُرًا (٥)، وَحَضَرَ فَأَخَذَ حَظَّهُ بِمِائَة وَخَمْسِينَ إرْدَبًّا (٦) فَهَل لَهُ ثَمَنٌ أَو غَلَّةٌ؟ فَأَجَابَ: الصَّحِيحُ فِي هَذِهِ الْمَسْألَةِ أنَّ لَهُ مَا تَرَاضَيَا وَهُوَ الْمِائَةُ وَالْخَمْسُونَ، سَوَاءٌ قِيلَ: إنَّ الْوَاجِبَ كَانَ أَوَّلًا هُوَ السِّعْرُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد أَنَّ الْبَيْعَ بِالسِّعْرِ صَحِيحٌ.

стр. 2452

أَو قِيلَ: إنَّ الْبَيْعَ كَانَ بَاطِلًا وَأَنَّ الْوَاجِبَ رَدُّ الْبَدَل، فَإِنَّهُمَا إذَا اصْطَلَحَا عَن الْبَدَلِ بِقِيمَتِهِ -وَقْتَ الِاصْطِلَاحِ- جَازَ الصّلْحُ وَلَزِمَ. ٣٥٣٢ - يَجُوزُ بَيْعُ الْمُشَاعِ بِاتّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا مَضَتْ بِذَلِكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مِثْلُ قَوْلِهِ الَّذِي فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١): "أيُّمَا رَجُلٍ كَانَ لَهُ شِرْكٌ فِي أَرْضٍ أَو ربْعَةٍ أَو حَائِطٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِن شَاءَ تَرَكَ، فَإِنْ بَاعَ قَبْلَ أَنْ يُؤْذِنَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثمَنِ". فإذَا بَاعَ نَصِيبَهُ وَسَلَّمَ الْجَمِيعَ إلَى الْمُشْتَرِي وَتَعَذَّرَ عَلَى الشَّرِيكِ الِانْتِفَاعُ بِنَصِيبِهِ: كَانَ ضَامِنًا لِنَصِيبِ الشَّرِيكِ. فَإِمَّا أَنْ يُمَكّنَهُ مِن نَصِيبِهِ، وإِمَّا أَنْ يَضْمَنَهُ لَه بِقِيمَتِهِ. ٣٥٣٣ - بَيْعُ الزَّيْتِ جَائِزٌ وإِن لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ زيتِهِ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبِّ الْقُطْنِ وَالزَّيْتُونِ وَنَحْوِهِمَا مِن الْمُنْعَصِرَاتِ وَالْمَبِيعَاتِ مُجَازَفَةً (٢). ٣٥٣٤ - لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَانِ فِي الدَّرَاهِمِ: هَل تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعُقُودِ والقبوض حَتَى فِي الْغَصْبِ وَالْوَدِيعَةِ؟ فَقِيلَ: تتعَيَّنُ مُطْلَقًا كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأحْمَد فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ. وَقِيلَ: لَا تتعَيَّنُ مُطْلَقًا كَقَوْلِ ابْنِ قَاسِمٍ. وَقِيلَ: تَتَعَيَّنُ فِي الْغَصْبِ وَالْوَدِيعَةِ، دُونَ الْعَقْدِ؛ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. ٣٥٣٥ - إنَّ حَقَّ الْمَظْلُومِ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ مَالِ الظَّالِمِ وَإِن فَاتَت الْعَيْنُ؛ لِكَوْنِ هَذَا بَدَلُ مَالِهِ. وَيكُونُ مَا يَزِيدُ مِن الْمَالِ مِن نَمَاءٍ وَرِبْحٍ وَغَيْرِهِ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِهِ.

стр. 2453

لَكِنْ يُقَالُ عَلَى هَذَا: الْمَظْلُومُ لَيْسَ لَهُ إلَّا قَدْرُ حَقّهِ، وَأَمَّا الزّيَادَةُ الثَّانِيَةُ الَتِي حَصَلَتْ بِتَصَرُّفِ الظَّالِمِ فَهِيَ مَبْنِيَّة عَلَى وَقْفِ الْعُقُودِ (١)، فَمَن قَالَ: إنَّ الْعُقُودَ لَا تُوقَفُ يَقُولُ: مَا قَبَضَهُ الْبَائِغ الظَّالِمُ مِن الْمُشْتَرِي لَمْ يَمْلِكْهُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وَالثَّمَنُ الَّذِي أدَّاهُ وَقَد غَصَبَهُ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ دُونَ النَّاسِ الَّذِينَ ظَلَمَهُمْ، وَمَا فِي يَدِهِ لَا يَمْلِكُهُ؛ بَل هُوَ لِأُنَاسٍ مَجْهُولِينَ لَا يَعْرِفُهُمْ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي مَالِهِمْ إلَّا بِإِذْنِهِمْ. وَعَلَى هَذَا فَفِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ: إنَّ وَليَّ الْأَمْرِ كَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ مِمَّن لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ عَلَى الْغَائِبِينَ يَقْضِي الدُّيُونَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِم لِلْبَائِعِ بِالْأَمْوَالِ الَّتِي فِي يَدِهِ لَهُمْ. وَقِيلَ: إنَّ الْبَائِعَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ الَّذِي عَلَيْهِم مِمَّا لَهُم فِي يَدِهِ مِن الْمَالِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْذَانِ حَاكِمٍ وَهَذَا أَصَحُّ؛ فَإِنَّ الْمَعْلُومَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مِن مَالِ مَن هُوَ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْحَاكِمِ، كَمَا أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِلضَّيْفِ الْمَظْلُومِ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِن زَرْعِ الْمُضيفِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَكَمَا أَمَرَ الْمَرْأَةَ أَنْ تَأْخُذَ مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ بِلَا إذْنِ الزَّوْجِ. لَكِنْ إذَا كَانَ الْحَقُّ مَجْحُودًا: فَقَد قَالَ: "أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَن ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَن خَانَك" (٢)، فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْإِنْسَانُ قَد بَاعَ غَيْرَة سِلْعَةً بَيْعًا فَاسِدًا،

стр. 2454

وَقَبَضَ مِنْهُ الثَّمَنَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ مِن هَذِهِ السِّلْعَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. ٣٥٣٦ - إِنَّ النَّاسَ إذَا اضْطُرُّوا إلَى مَا عِنْدَ الْإِنْسَانِ مِن السِّلْعَةِ وَالْمَنْفَعَةِ: وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبْذَلَ لَهُم بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، وَمَنْعُهُ أَنْ لَا يَبِيعَ سِلْعَةً حَتَّى يَبِيعَ مِقْدَارًا مُعَيَّنًا. ٣٥٣٧ - إِنَّ التَّحْرِيمَ فِي حَقِّ الْآدَمِيّينَ إذَا كَانَ مِن أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْجَانِبِ الآخَرِ؛ كَمَا لَو اشْتَرَى الرَّجُلُ ملْكَهُ الْمَغْصُوبَ مِن الْغَاصِبِ، فَإنَّ الْبَائِعَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُ الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَخْذُ مِلْكِهِ وَلَا بَذْلُ مَا بَذَلَهُ مِن الثَّمَنِ؛ وَلهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَجُوزُ رِشْوَةُ الْعَامِلِ لِدَفْعِ الظُّلْمِ لَا لِمَنْعِ الْحَقِّ، وَإِرْشَاؤُهُ حَرَامٌ فِيهِمَا. وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا إذَا جَحَدَ الزَّوْجُ طَلَاقَهَا فَافْتَدَتْ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْخلْعِ فِي الظَّاهِرِ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ مَا بَذَلَتْهُ وَيُخَلِّصُهَا مِن رِقِّ اسْتِيلَائِهِ. ٣٥٣٨ - نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الْعُلَمَاءِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ مَن اشْتَرَى شَيْئًا فَظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ مَغْصُوبٌ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَالِكَهُ: فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ ويَأْخُذَ ثَمَنَهُ، وَلَكِنْ يَتَصَدَّقَ بِالرِّبْحِ. ٣٥٣٩ - قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَا خَيْرَ فِيمَن لَا يُحِبُّ الْمَالَ: يَعْبُدُ بِهِ رَبَّهُ، ويُؤَدِّي بِهِ أَمَانتَهُ، وَيَصُونُ بِهِ نَفْسَهُ، وَيَسْتَغْنِي بِهِ عَن الْخَلْقِ. وَفِي "السُّنَنِ" (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاَثة حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُم: النَّاكحُ يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُكَاتَبُ يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالْغَارِمُ يُرِيدُ الْوَفَاءَ". فَذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُؤْمِنُ: عِفَّةَ فَرْجِهِ، وَتَخْلِيصَ رَقَبَتِهِ، وَبَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ.

стр. 2455

فَاَخْبَرَ أَنَّ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ مِن عِبَادَةِ اللهِ، وَقَضَاءُ الدُّيُونِ، وَصِيَانَةُ النَّفْسِ، وَالِاسْتِغْنَاءُ عَن النَّاسِ: لَا تُتَمَّمُ إلَّا بِالْمَالِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَمَن لَا يُحِبُّ أَدَاءَ مِثْل هَذَا الْوَاجِبِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا يَقُومُ الدِّينُ إلَّا بِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. ٣٥٤٠ - لَا يَجُوزُ لِلدَّلَّالِ -الَّذِي هوَ وَكِيلُ الْبَائِعِ فِي الْمُنَادَاةِ (١) - أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمَن يَزِيدُ بِغَيْرِ عِلْمِ الْبَائِعِ؛ فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَزِيدُ وَيَشْتَرِي فِي الْمَعْنَى، وَهَذَا خِيَانَةٌ لِلْبَائِعِ، وَمَن عَمِلَ مِثْل هَذَا لَمْ يُحب أَنْ يَزِيدَ أَحَدٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَنْصَح الْبَائِعَ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ وَإِنْهَاءِ الْمُنَادَاةِ. وَإِذَا تَوَاطَأَ جَمَاعَةٌ عَلَى ذَلِكَ: فَإِنَّهُم يَسْتَحِقُّونَ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ الَّذِي يَرْدَعُهُم وَأَمْثَالَهُم عَن مِثْل هَذِهِ الْخِيَانَةِ، وَمِن تَعْزِيرِهِمْ أَنْ يُمْنَعُوا مِن الْمُنَادَاةِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهمْ. ٣٥٤١ - الْبَيْعُ بِتَخْبِيرِ الثَّمَنِ (٢): جَائِزٌ، سَوَاءٌ: كَانَ مُرَابَحَة أَو مُوَاضَعَةً أَو تَوْلِيَة أَو شَرِكَةً، لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَوِيَ عِلْمُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ، فَإِذَا كَانَ الْبَائِعُ قَد اشْتَرَاهُ إلَى أَجَلٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْلَمَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ، فَإِنْ أَخْبَرَهُ بِثَمَنٍ مُطْلَقٍ وَلَمْ يُبَيّنْ لَهُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ إلَى أَجَلٍ فَهَذَا جَائِز ظَالِمٌ. ٣٥٤٢ - إِنَّ مَن اشْتَرَى سِلْعَةً عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ لَمْ يَكُن لَهُ أَنْ يُخْبِرَ بِالثَّمَنِ مِن غَيْرِ بَيَانِ الْحَالِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ إذ هَذَا مِن نَوْعِ الْخِيَانَةِ. وَالْبَيْعُ بِتَخْبِيرِ الثَّمَنِ أَصْلُهُ الصِّدْقُ وَالْبَيَانُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا وإن كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكةُ بَيْعِهِمَا" (٣).

стр. 2456

فَمَا كَانَ مِن الْأُمُورِ الَّتِي إذَا اطَّلَعَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا لَمْ يَشْتَرِ بِذَلِكَ الثَّمَنِ: كَانَ كِتْمَانُهُ خِيَانَةً. ٣٥٤٣ - إِنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ مَقْبُوضٌ، فَإِذَا كَانَ مَكِيلًا أَو مَوْزُونًا وَبَاعَهُ بِمَكِيلٍ أَو مَوْزُونٍ وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَقَد بَاعَ مَكِيلًا بِمَكِيلٍ وَلَمْ يَقْبِضهُ، وَأمَّا إذَا قَبَضَهُ فَهَذَا جَائِزٌ. ٣٥٤٤ - وَسُئِلَ: عَن مَرِيضٍ طَلَبَ مِن رَجُلٍ أَنْ يُطَبِّبَهُ وَيُنْفِقَ عَلَيْهِ فَفَعَلَ، فَهَل لِلْمُنْفِقِ أَنْ يُطَالِبَ الْمَرِيضَ بِالنَّفَقَةِ؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَ يُنْفِقُ طَالِبًا لِلْعِوَضِ لَفْظًا أَو عُرْفًا فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْعِوَضِ. ٣٥٤٥ - يجوز تصرفه فيما بيده بالوقف وغيره حتى تقوم حجة شرعية بأنه ليس ملكًا له؛ لكن لا يحكم بالوقف حتى يثبت الملك. ٣٥٤٦ - مكة المشرفة فتحت عنوة، ويجوز بيعها لا إجارتها؛ فإن استأجرها فالأجرة ساقطة يحرم بذلها. ٣٥٤٧ - جوز شيخنا بيع الصفة والسلم حالًا إن كان في ملكه (١)، قال: وهو المراد بقوله ﷺ لحكيم بن حزام: "لا تبع ما ليس عندك" (٢) فلو لم يجز السلم حالًا لقال: لا تبع هذا، سواء كان عنده أو لا.

стр. 2457

وأما إذا لم يكن عنده: فإنما يفعله لقصد التجارة والربح، فيبيعه بسعر، ويشتريه بأرخص، ويلزمه تسليمه في الحال، وقد يقدر عليه، وقد لا تحصل له تلك السلعة إلا بثمن أعلى مما تسلف فيندم. وإن حصلت بسعر أرخص من ذلك: ندم المسلف؛ إذ كان يمكنه أن يشتريه بذلك الثمن. فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة؛ كبيع العبد الآبق والبعير الشارد يباع بدون ثمنه، فإن حصل: ندم البائع، وإن لم يحصل: ندم المشتري. ٣٥٤٨ - في التلخيص وغيره: لا يصح بيع لحم في جلد أو معه اكتفاء برؤية الجلد فإنه بيع رؤوس وسموط، قال شيخنا في حيوان مذبوح: يجوز بيعه مع جلده جميعًا، كما قبل الذبح كقول جماهير العلماء، كما يعلمه إذا رآه حيًا. ومنعه بعض متأخري الفقهاء ظنًّا أنه بيع غائب بدون رؤية ولا صفة. قال شيخنا: وكذلك يجوز بيع اللحم وحده والجلد وحده، وأبلغ من ذلك "أن النبي ﷺ وأبا بكر في سفر الهجرة، اشتريا من رجل شاة، واشترطا له رأسها وجلدها وسواقطها، وكذلك كان أصحابه ﵇ يتبايعون. ٣٥٤٩ - يجوز بيع الطير لقصد صوته إذا جاز حبسه. ٣٥٥٠ - إن باعه لبنًا موصوفًا في الذمة واشترط كونه من هذه الشاة أو البقرة: صح. واحتج ﵀ بما في "المسند" أن النبي ﷺ : "نهى أن يسلم في حائط بعينه" إلا أن يكون قد بدا صلاحه، وقال: أسلمت إليك في عشرة أوسق من تمر هذا الحائط جاز، كما يجوز أن يقول: ابتعت منك عشرة أوسق من هذه الصبرة، ولكن التمر يتأخر قبطه إلى كمال صلاحه.

стр. 2458

٣٥٥١ - يجوز بيع الكلاء ونحوه الموجود في أرضه إذا قصد استنباته. ٣٥٥٢ - لو باع ولم يسم الثمن صح بثمن المثل كالنكاح. ٣٥٥٣ - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْعَهْدِ مَا يَحْرُمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِن الْمُعَامَلَاتِ الْفَاسِدَةِ. ٣٥٥٤ - مَن كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعٌ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِن الصِّيغَةِ مِن الْجَانِبَيْنِ: .. يَجِبُ أَنْ يَعْمَلَ بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ لَهُ وَعَلَيْهِ، لَيْسَ لِأَحَد أَنْ يَعْتَقِدَ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ فِيهَا لَهُ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ فِيهَا عَلَيْهِ، كَمَن يَعْتَقِدُ أَنَّهُ إذَا كَانَ جَارًا اسْتَحَقَّ شُفْعَةَ الْجِوَارِ، وَإِذَا كَانَ مُشْتَرِيًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شُفْعَةُ الْجَارِ. فَلَيْسَ لِأَحَد أَنْ يَعْتَقِدَ فِي مَسْأَلَةِ نِزَاعِ مِثْل هَذَا بِاتَّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنَّ مَضْمُونَ هَذَا أَنْ يُحَلِّلَ لِنَفْسِهِ مَا يُحَرِّمُهُ عَلَى مِثْلِهِ، وَيُحَرِّمَ عَلَى مِثْلِهِ مَا يُحَلِّلُهُ لِنَفْسِهِ، وَيُوجِبَ عَلَى غَيْرِهِ -الَّذِي هُوَ مِثْلُهُ- مَا لَا يُوجِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيُوجِبَ لِنَفْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ مَا لَا يُوجِبُهُ لِمِثْلِهِ، وَمَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ؛ بَل وَمِن كُلِّ دِينٍ أَنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ، وَمَن اعْتَقَدَ جَوَازَ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ. * * * (باب الشروط في البيع) ٣٥٥٥ - تصح الشروط التي لم تخالف الشرع في جميع العقود، فلو باع جارية وشرط على المشتري إن باعها فهو أحق بها بالثمن صح البيع والشرط. سأل أبو طالب الإمام أحمد عمن اشترى أمة يشترط أن يتسرى بها لا للخدمة قال: لا بأس به. وهذا من أحمد يقتضي أنه إذا شرط على البائع فعلًا أو تركًا في البيع مما هو مقصود للبائع أو للمبيع نفسه صح البيع والشرط كاشتراط العتق، وكما

стр. 2459

اشترط عثمان لصهيب وقف داره عليه، ومثل هذا أن يبيعه بشرط أن يعلمه، أو شرط ألا يخرجه من ذلك البلد، أو شرط ألا يستعمله في العمل الفلاني، أو أن يزوجه، أو يساويه في المطعم، أو لا يبيعه، أو لا يهبه. فإذا امتنع المشتري من الوفاء فهل يجبر عليه أو يفسخ؟ على وجهين، وهو قياس قولنا: إذا شرط في النكاح ألا يسافر بها أو ألا يتزوج عليها؛ إذ لا فرق في الحقيقة بين الزوجة والمملوك. ٣٥٥٦ - الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: فِي الْعُقُودِ وَالشُّرُوطِ فِيهَا، فِيمَا يَحِلُّ مِنْهَا وَيَحْرُمُ، وَمَا يَصِحُّ مِنْهَا وَيَفْسُدُ، وَمَسَائِلُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَاَلَّذِي يُمْكِنُ ضَبْطُهُ فِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: الْأصْلُ فِي الْعُقُودِ وَالشُّرُوطِ فِيهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ: الْحَظْرُ، إلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِجَازَتهِ، فَهَذَا قَوْلُ أهْلِ الظَّاهِرِ وَكَثِيرٌ مِن أُصُولِ أَبِي حَنِيفَةَ تَنْبَنِي عَلَى هَذَا. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ وَالشُّرُوطِ الْجَوَازُ وَالصِّحَّةُ، وَلَا يَحْرُمُ مِنْهَا ويبْطُلُ إلَّا مَا دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ وإِبْطَالِهِ نَصًّا أَو قِيَاسًا عِنْدَ مَن يَقُولُ بِهِ. وَأُصُولُ أَحْمَد الْمَنْصُوصَةُ عَنْهُ: أَكثَرُهَا يَجْرِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَمَالِكٌ قَرِيبٌ مِنْهُ، لَكنَّ أَحْمَد أَكْثَرُ تَصْحِيحًا لِلشُّرُوطِ، فَلَيْسَ فِي الْفُقَهَاءِ الْأرْبَعَةِ أكْثَرُ تَصْحِيحًا لِلشُّرُوطِ مِنْهُ. وَجِمَاعُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمِلْكَ يُسْتَفَادُ بِهِ تَصَرفَاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ، فَكَمَا جَازَ بِالْإجْمَاعِ اسْتِثْنَاءُ بَعْضِ الْمَبِيعِ، وَجَوَّزَ أَحْمَد وَغَيْر اسْتِثْنَاءَ بَعْضِ مَنَافِعِهِ جَوَّزَ أَيْضًا اسْتِثْنَاءَ بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ. وَعَلَى هَذَا فَمَن قَالَ: هَذَا الشَّرْطُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، قِيلَ لَهُ: أَيُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ، أَو مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُطْلَقًا؟

стр. 2460

فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ: فَكُلُّ شَرْطٍ كَذَلِكَ. وَإِن أَرَادَ الثَّانِيَ: لَمْ يُسلَّمْ لَهُ، وإِنَّمَا الْمَحْذُورُ: أَنْ يُنَافِيَ مَقْصُودَ الْعَقْدِ؛ كَاشْتِرَاطِ الطَّلَاقِ فِي النّكَاحِ، أَو اشْتِرَاطِ الْفَسْخِ فِي الْعَقْدِ. فَأَمَّا إذَا شَرَطَ مَا يُقْصَدُ بِالْعَقْدِ: لَمْ يُنَافِ مَقْصُودَهُ. هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ: بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالِاعْتِبَارِ مَعَ الِاسْتِصْحَابِ وَعَدَمِ الدَّليلِ الْمُنَافِي. فَقَد جَاءَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بِالْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَاثِيقِ وَالْعُقُودِ وَبِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَرِعَايَةِ ذَلِكَ، وَالنَّهْيِ عَن الْغَدْرِ وَنَقْضِ الْعُهُودِ وَالْخِيَانَةِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَ جِنْسُ الْوَفَاءِ وَرِعَايَةُ الْعَهْدِ مَأْمُورًا بِهِ: عُلِمَ أَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ الْعُقُودِ وَالشُّرُوطِ؛ إذ لَا مَعْنَى لِلتَّصْحِيحِ إلَّا مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ اثَرُهُ وَحَصَلَ بِهِ مَقْصُودُهُ. وَمَقْصُودُ الْعَقْدِ: هُوَ الْوَفَاءُ بِهِ، فَإِذَا كَانَ الشَّارعُ قَد أَمَرَ بِمَقْصُودِ الْعُهُودِ دَلَّ عَلَى أنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الصِّحَّةُ وَالْإبَاحَةُ. وَقَد رَوَى التِّرْمِذِيُّ (١) وَالْبَزَّارُ مِن حَدِيثِ كثيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المزني عَن أبِيهِ عَن جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَو أَحَلَّ حَرَامًا، وَالْمُسْلِمُونَ علَى شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَو أَحَلَّ حَرَامًا" قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَه مِنْهُ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ؛ لَكِنَّ كثيرَ بْنَ عَمْرٍو ضَعَّفَهُ الْجَمَاعَةُ، وَضَرَبَ أحْمَد عَلَى حَدِيثهِ فِي "الْمُسْنَدِ" فَلَمْ يُحَدّثْ بِهِ. فَلَعَلَّ تَصْحِيحَ الترْمِذِيِّ لَهُ لِرِوَايَتهِ مِن وُجُوهٍ.

стр. 2461

وَقَد رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ أَيْضًا عَن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ البيلماني عَن أَبِيهِ عَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "النَّاسُ عَلَى شُرُوطِهِمْ مَا وَافَقَت الْحَقَّ". وَهَذِهِ الْأَسَانِيدُ -وَإِن كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهَا ضعِيفًا- فَاجْتِمَاعُهَا مِن طُرُقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَقَد وَرَدَتْ شُبْهَةٌ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ حَتَّى تَوَهَّمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَنَاقِضٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَل كُلُّ مَا كَانَ حَرَامًا بِدُونِ الشَّرْطِ: فَالشَّرْطُ لَا يُبِيحُهُ؛ كَالرِّبَا، وَكَالْوَطْءِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَكَثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ. وَأَمَّا مَا كَانَ مُبَاحًا بدُونِ الشَرْطِ: فَالشَّرْطُ يُوجِبُهُ؛ كَالزِّيَادَةِ فِي الْمَهْرِ وَالثَّمَنِ وَالْمُثْمنِ وَالرَّهْنِ وَتَأَخِيرِ الِاسْتِيفَاءِ. وَأَمَّا الِاعْتِبَارُ فَمِن وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْعُقُودَ وَالشُّرُوطَ مِن بَابِ الْأَفْعَالِ الْعَادِيَّةِ، وَالْأَصْلُ فِيهَا عَدَمُ التَّحْرِيمِ، فَيُسْتَصْحبُ عَدَم التَّحْرِيمِ فِيهَا حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّحْرِيمِ، كَمَا أَنَّ الْأَعْيَانَ: الْأَصْلُ فِيهَا عَدَمُ التَّحْرِيمِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]، عَامٌّ فِي الْأَعْيَانِ وَالْأَفْعَالِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَرَامًا لَمْ تَكُنْ فَاسِدَةً؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ إنَّمَا يَنْشَأُ مِن التَّحْرِيمِ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ فَاسِدَةً كَانَت صَحِيحَةً. وَالشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ قَد تَبْطُلُ لِكَوْنِهَا قَد تُنَافِي مَقْصُودَ الشَّارعِ (١) مِثْل اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ (٢)؛ فَإِنَ هَذَا لَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَلَا مَقْصُودَهُ، فَإِنَّ مَقْصُودَهُ: الْمِلْكُ، وَالْعِتْقُ قَد يَكونُ مَقْصُودًا لِلْعَقْدِ.

стр. 2462

فَإِنَّ اشْتِرَاءَ الْعَبْدِ لِعِتْقِهِ يُقْصَدُ كَثِيرًا، فَثُبُوتُ الْوَلَاءِ لَا يُنَافِي مَقْصُودَ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يُنَافِي كِتَابَ اللهِ وَشَرْطَهُ، كَمَا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: "كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ" (١)، فَإِذَا كَانَ الشَّرْطُ مُنَافِيًا لِمَقْصودِ الْعَقْدِ كَانَ الْعَقْدُ لَغْوًا، وَإِذَا كَانَ مُنَافِيًا لِمَقْصُودِ الشَّارعِ كَانَ مُخَالِفًا للهِ وَرَسُولِهِ. فَأَمَّا إذَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا: فَلَمْ يَكُن لَغْوًا وَلَا اشْتَمَلَ عَلَى مَا حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ: فَلَا وَجْهَ لِتَحْرِيمِهِ بَل الْوَاجِبُ حِلُّهُ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مَقْصُودٌ لِلنَّاسِ يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ؛ إذ لَوْلَا حَاجَتُهُم إلَيْهِ لَمَا فَعَلُوهُ، فَإِنَّ الْإِقْدَامَ عَلَى الْفِعْلِ مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ : "مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِن كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، كِتَابُ اللهِ أَحَقُّ وَشَرْطُهُ أَوْثَق" .. : إنَّمَا يَشْمَلُ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ لَا بِعُمُومِهِ وَلَا بِخُصُوصِهِ، فَإِنَّ مَا دَلَّ كِتَابُ اللهِ عَلَى إبَاحَتِهِ بِعُمُومِهِ فَإِنَّهُ فِي كِتَابِ اللهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَنَا: هَذَا فِي كِتَابِ اللهِ يَعُمُّ مَا هوَ فِيهِ بِالْخُصُوصِ وَبِالْعُمُومِ. يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي ثَبَتَ جَوَازُهُ بِسُنَّةٍ أَو إجْمَاعٍ: صَحِيحٌ بِالِاتِّفَاقِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي كِتَابِ اللهِ، وَقَد لَا يَكُونُ فِي كِتَابِ اللهِ بِخُصُوصِهِ، لَكِنْ فِي كِتَابِ اللهِ الْأَمْرُ بِاتَّبَاعِ السُّنَّةِ وَاتَّبَاعِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ فِي كِتَابِ اللهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. يَبْقَى أَنْ يُقَالَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ: فَإِذَا كَانَ كِتَابُ اللهِ أَوْجَبَ الْوَفَاءَ بِالشُّرُوطِ عُمُومًا، فَشَرْطُ الْوَلَاءِ دَاخِلٌ فِي الْعُمُومِ. فَيُقَالُ: الْعُمُومُ إنَّمَا يَكُونُ دَالًّا إذَا لَمْ يَنْفِهِ دَلِيلٌ خَاصٌّ؛ فَإِنَّ الْخَاصَّ يُفَسِّرُ الْعَامَّ، وَهَذَا الْمَشْرُوطُ قَد نَفَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِنَهْيِهِ عَن بَيْعِ الْوَلَاءِ، وَعَن هِبَتِهِ،

стр. 2463

وَقَوْله: "مَنِ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَو تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (١). وأُصُولُ أَحْمَد وَنُصُوصُهُ تَقْتَضِي جَوَازَ شَرْطِ كُلِّ تَصَرُّفٍ فِيهِ مَقْصُودٌ صَحِيحٌ وَإِن كَانَ فِيهِ مَنْعٌ مِن غَيْرِهِ. ٣٥٥٧ - إذا شرط البائع نفع المبيع لغيره مدة معلومة: فمقتضى كلام أصحابنا جوازه؛ فإنهم احتجوا بحديث أم سلمة: "أنها أعتقت سفينة وشرطت عليه أن يخدم النبي ﷺ ما عاش"، واستثناء خدمة غيره في العتق كاستثنائها في البيع. ٣٥٥٨ - شرط البراءة من كل عيب: باطل، وعلَّله جماعة من أصحابنا بأنه خيار يثبت بعد البيع فلا يسقط قبله كالشفعة. ومقتضى هذا التعليل صحة البراءة من العيوب بعد عقد البيع. والصحيح في مسألة البيع بشرط البراءة مِن كلِّ عيب، والذي تقضي به الصحابة وعليه أكثر أهل العلم: أن البائع إذا لم يكن علم بذلك العيب فلا رد للمشتري، لكن إذا ادعى (٢) أن البائع علم بذلك فأنكر البائع: حلف (٣) أنه لم يعلم، فإن نَكَل قضي عليه. ٣٥٥٩ - لو قال: بعتك إن جئتني بكذا، أو إن رضي زيد: صح البيع والشرط، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. ٣٥٦٠ - وإن علق عتق عبده ببيعه (٤) وكان قصده بالتعليق اليمين دون التبرر بعتقه: أجزأه كفارة يمين. وإن قصد به التقرب: كان عتقه مستحقًّا كالنذر فلا يصح بيعه، ويكون العتق معلقًا على صورة البيع. * * *

стр. 2464

(البيوع الباطلة وغير اللازمة) ٣٥٦١ - بَيْعُ الْمُكْرَهِ بِغَيْرِ حَقَّ بَيْعٌ غَيْرُ لَازِمٍ بِاتَّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٢٩/ ١٩٩] ٣٥٦٢ - بَيْعُ الْمِلْكِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ وَلَا وِلَايَةَ عَلَيْهِ: بَيْعٌ بَاطِلٌ، وَالْوَاجِبُ أَنْ يَرُدَّ إلَى الْمُشْتَرِي مَا أَعْطَاهُ مِن الثَّمَنِ، وَيَرُدَّ إلَى الْمَالِكِ مِلْكَهُ. [٢٩/ ٢٠٣] ٣٥٦٣ - إذا لم ير المبيع ولم يوصف له: فالبيع باطل، وعليه رده بمثله أو قيمته. [٢٩/ ٢٢٢] ٣٥٦٤ - بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ بِغَيْرِ صِفَة: بَيْعٌ بَاطِلٌ يَجِبُ فِيهِ رَدُّ الْمَبِيعِ (١) أَو رَدُّ بَدَلِهِ (٢)، وَلَا يَسْتَحِقُّ فِيهِ الثَّمَنَ الْمُسَمَّى. فَكَيْفَ إذَا قَالَ: هَذَا يُسَاوِي السَّاعَةَ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَا أَبِيعُكَهُ بِكَذَا، أَكْثَرُ مِنْهُ إلَى أَجَلٍ؟ فَهَذَا رِبًا؛ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: إذَا قَوَّمْت نَقْدًا وَبِعْت نَقْدًا فَلَا بَأْسَ، وَإِذَا قَوَّمْت نَقْدًا وَبِعْت إلَى أَجَلٍ فَتِلْكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ. وَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي قَد فَسَخَ الْبَيْعَ لِفَوَاتِ الصِّفَةِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ رَدُّ الْمَبِيعِ إلَى الْبَائِعِ بِعَيْنِهِ، وَلَا حِفْظُهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ أَحَدٍ، فَبَاعَهُ وَحَفِظَ لَهُ ثَمَنَهُ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ الثَّمَنِ إذَا كَانَ قَد بَاعَهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ. [٢٩/ ٣٠٦ - ٣٠٧] ٣٥٦٥ - اختار أبو العباس صحة البيع بغير صفة، وهو بالخيار إذا رآه، وهو رواية عن أحمد ومذهب الحنفية (٣).

стр. 2465

وضعفه في موضع آخر (١). [المستدرك ٤/ ٧] ٣٥٦٦ - بَيْعُ نَصِيبِ الْغَيْرِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِوِلَايَةٍ أَو وِكَالَةٍ، وَإِذَا لَمْ يُجِزْهُ الْمُسْتَحِقُّ بَطَلَ بِاتِّفَاقِ الأَئِمَّةِ، لَكِنْ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ بِقِسْطِهِ مِن الثَّمَنِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ أَو إجَازَتهِ. وَإِن كَانَ الْمَكَانُ مِمَّا يُقْسَمُ بِلَا ضَرَرٍ فَلَهُ (٢) إلْزَامُ الشَّرِيكِ بِالْقِسْمَةِ. وَإِن كَانَ مِمَّا لَا يُقْسَمُ إلَّا بِضَرَرٍ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِبَيْعِ الْجَمِيعِ لِيَقْتَسِمَا الثَّمَنَ. [٢٩/ ٢٣٥ - ٢٣٦] * * * (البيوع المحرمة والمكروهة) ٣٥٦٧ - لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْعِنَبِ لِمَن يَعْصِرُهُ خَمْرًا. [٢٩/ ٢٣٦] ٣٥٦٨ - يصح ابتياع كتب الزندقة ليحرقها. [المستدرك ٣/ ٢١١] ٣٥٦٩ - مَن بَاعَ خَمْرًا لَمْ يَمْلِكْ ثَمَنَهُ، فَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي قَد أَخَذَ الْخَمْرَ فَشَرِبَهَا: لَمْ يُجْمَعْ لَهُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ؛ بَل يُؤْخَذُ هَذَا الْمَالُ فَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قِيلَ فِي مَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ عِوَضٌ عَن عَيْنٍ أَو مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ إذَا كَانَ الْعَاصِي قَد اسْتَوْفَى الْعِوَضَ. وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَو بَاع ذِمَّيٌّ لِذِمِّيّ خَمْرًا سِرًّا: فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِن ذَلِكَ، وَإِذَا تَقَابَضَا جَازَ أَنْ يُعَامِلَهُ الْمُسْلِمُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ الَّذِي قَبَضَهُ مِن ثَمَنِ الْخَمْرِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ ﵁: "وَلُّوهُم بَيْعَهَا وَخُذُوا مِنْهُم أَثْمَانَهَا". [٢٨/ ٦٦٧] ٣٥٧٠ - من استولى على ملك إنسان بلا حق ومنعه إياه حتى يبيعه إياه فهو كبيع المكره بلا عوض. [المستدرك ٤/ ٥]

стр. 2466

٣٥٧١ - بيع الحرير للكفار حديث عمر ﵁ يقتضي جوازه؛ بخلاف بيع الخمر؛ فإن الحرير ليس حرامًا على الإطلاق، وعلى قياسه بيع آنية الذهب والفضة لهم؛ وإذا جاز بيعها لهم جاز صنعتها لبيعها منهم، وجاز عملها لهم بالأجرة. [المستدرك ٤/ ٥] ٣٥٧٢ - [بَيْعُ الْحَمَّامِ وَشِرَاؤُهُ وَإِجَارَتُهُ وَبِنَاؤُهُ: مَكْرُوهٌ نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: الَّذِي يَبْنِي حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ لَيْسَ بِعَدْلٍ؛ لِأَنَّهُ غَالِبًا يَشْتَمِلُ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ مِن كَشْفِ الْعَوْرَاتِ وَنَظَرِهَا وَدُخُولِهَا النِّسَاءَ] (١). وَفِي مَجْمُوعِ أَبِي حَفْصٍ فِي الْإِجَارَةِ: نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَن رَجُلٍ لَهُ حَمَّامٌ تُقِيمُهُ غَلَّتُهُ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ؟ قَالَ: لَا يَبِيعُهُ عَلَى أَنَّهُ حَمَّامٌ، يَبِيعُهُ عَلَى أَنَّهُ عَقَارٌ وَيَهْدِمُ الْحَمَّامَ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَقَالَ: وَكَذَلِكَ الْأَبْنِيَةُ الْمُصَوَّرَةُ كَنَائِسَ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَبْنِيٌّ لِلْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ، وَمَا هُوَ مُصَوَّرٌ عَلَى صُورَةِ الْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ، ويُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ عَلَى مَنْفَعَةٍ مُبَاحَةٍ؛ مِثْلُ الْحَرِيرِ الْمُفَصَّلِ لِلرِّجَالِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ لِلرَّجُلِ وَآنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. [المستدرك ٤/ ٥ - ٦] ٣٥٧٣ - قال ابن القيم ﵀: أما تحريم بيع الميتة فيدخل فيه كل ما يسمى ميتة سواء مات حتف أنفه أو ذكي ذكاة لا تفيد حله، ويدخل فيه أبعاضها أيضًا، ولهذا استشكل الصحابة ﵃ تحريم بيع الشحم مع ما لهم فيه من المنفعة فأخبرهم النبي ﷺ أنه حرام وإن كان فيه ما ذكروا من المنفعة. وهذا موضع اختلف فيه الناس لاختلافهم في فهم مراده ﷺ وهو أن قوله: "لا هو حرام" (٢) هل هو عائد إلى البيع، أو عائد إلى الأفعال التي سألوا عنها؟ فقال شيخنا: هو راجع إلى البيع فإنه ﷺ لما أخبرهم أن الله حرم بيع

стр. 2467

الميتة قالوا: إن في شحومها من المنافع كذا وكذا يعنون فهل ذلك مسوغ لبيعها؟ فقال: "لا هو حرام". [المستدرك ٤/ ٦] ٣٥٧٤ - لا يصح برقم مجهول، ولا بما ينقطع سعره (١)، أو كما يبيع الناس على الأصح فيهن. وصححه شيخنا بثمن المثل؛ كنكاح، وأنه مسألة السعر، وأخذه من مسألة التحالف. [المستدرك ٤/ ٧ - ٨] ٣٥٧٥ - لا يصح بيع ما قصد به الحرام كعصير يتخذه خمرًا إذا علم ذلك كمذهب أحمد وغيره، أو ظن، وهو أحد القولين. ويؤيده أن الأصحاب قالوا: لو ظن المؤجر أن المستأجر يستأجر الدار لمعصية كبيع الخمر ونحوه: لم يجز له أن يؤجره تلك الدار ولم تصح الإجارة، والبيع والإجارة سواء. [المستدرك ٤/ ٨] ٣٥٧٦ - إن جمع البائع بين عقدين مختلفي الحكم بعوضين متميزين: لم يكن للمشتري أن يقبل أحدهما بعوضه. [المستدرك ٤/ ٩] ٣٥٧٧ - يحرم الشراء على شراء أخيه، وإذا فعل ذلك كان للمشتري الأول مطالبةُ البائع بالسلعة وأخذ السلعة أو عوضها. ٣٥٧٨ - تحرم مسألة التورق، وهو رواية عن أحمد (٢).

стр. 2468

٣٥٧٩ - قوله: [يَحْرُمُ سَوْمُهُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ مَعَ الرَّضَا صَرِيحًا] (١)؛ كَشِرَائِهِ وَبَيْعِهِ عَلَيْهِ زَمَنَ خِيَارٍ (٢). وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ: "وَمَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إلَى قَوْلٍ بِأَنَّهُ عَام فِي الْحَالَيْنِ؛ يَعْنِي: مُدَّةَ الْخِيَارِ وَبَعْدَهَا وَلَو لَزِمَ الْعَقْدُ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن أَصْحَابِنَا، وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ وَإِن لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن الْفَسْخِ بِنَفْسِهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ فَإِنَّهُ إذا رَغِبَ فِي رَدَ السِّلْعَةِ الْأُولَى عَلَى بَائِعِهَا فَإِنَّهُ يَتَسَبَّبُ إلَى رَدَّهَا بِأَنْوَاعٍ مِن الطُّرُقِ الْمُقْتَضِيَةِ لِضَرُورَةٍ وَلَو بِالْإِلْحَاحِ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَمَا أَدَّى إلَى ضَرَرِ الْمُسْلِمِ كَانَ مُحَرَّمًا". انْتَهَى. وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَن ذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ الْبَغْدَادِيَّةِ، وَأَجَابَ بِأَنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ أَصْحَابِهِ مِثْل أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ زَمَنِ الْخِيَارِ وَعَدَمِهِ. [المستدرك ٤/ ٩ - ١٠] ٣٥٨٠ - يكره للرجل أن يحب غلو أسعار المسلمين ويكره الرخص. ويكره المال المكسوب من ذلك، كما قال من قال من الأئمة: إن مالًا جمع من عموم المسلمين لمال سوء. قال أحمد: لا ينبغي أن يتمنى الغلاء. [المستدرك ٤/ ١٠] ٣٥٨١ - من ضمن مكانًا للبيع ويشتري فيه وحده كره الشراء منه بلا حاجة، ويحرم عليه أخذ زيادة بلا حق. [المستدرك ٤/ ١٠] ٣٥٨٢ - لا يربح على المسترسل أكثر من غيره. وله أن يأخذه منه بالقيمة المعروفة بغير اختياره. قال أبو طالب: قيل لأحمد: إن ربح الرجل في العشرة خمسة يكره ذلك؟ قال: إذا كان أجله إلى سنة أو أقل بقدر الربح فلا بأس به.

стр. 2469

وهذا يقتضي كراهة الربح الكثير الذي يزيد على قدر الأجل؛ لأنه شبه بيع المضطر، وهذا يعم بيع المرابحة والمساومة. [المستدرك ٤/ ١٠] ٣٥٨٣ - إذا اتفق أهل السوق على ألا يزيدوا في سلعة، لهم فيها غرض؛ ليشتريها أحدهم ويتقاسموها: فهذا يضر بالمسلمين أكثر من تلقي الركبان. أما إذا اتفق اثنان وفي السوق من يزيد: فلا يحرم ذلك؛ لأن باب المزايدة مفتوح. [المستدرك ٤/ ١٠ - ١١] ٣٥٨٤ - لا يجوز أن يطلب بالسلعة ثمنًا كثيرًا ليغري المشتري بها فيدفع ما يزيد على قيمتها إذا كان جاهلًا بالقيمة. [المستدرك ٤/ ١١] * * * (حكم بَيْع الْمَغْشُوشِ) ٣٥٨٥ - بَيْعُ الْمَغْشُوشِ الَّذِي يُعْرَفُ قَدْرُ غِشَّهِ إذَا عَرَّفَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ وَلَمْ يُدَلِّسْهُ عَلَى غَيْرِهِ: جَائِزٌ؛ كَالْمُعَامَلَةِ بِدَرَاهِمِنَا الْمَغْشُوشَةِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ قَدْرُهُ مَجْهُولًا؛ كَاللَّبَنِ الَّذِي يُخْلَطُ بِالْمَاءِ: فَهَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَإِن عَلِمَ الْمُشْتَرِي أنَّهُ مَغْشُوشٌ (١).

стр. 2470

وَمَن بَاعَ مَغْشُوشًا: لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ مِن الثَّمَنِ إلَّا مِقْدَارُ ثَمَنِ الْغِشّ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَة لِصَاحِبِهِ أو يَتَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ إنْ تَعَذرَ رَدُّهُ. مِثْلُ: مَن يَبِيعُ مَعِيبًا مَغْشُوشًا بِعَشَرَةٍ، وَقِيمَتُهُ لَو كَانَ سَالِمًا عَشَرَةٌ، وَبِالْعَيْبِ قِيمَتُهُ ثَمَانِيَةٌ، فَعَلَيْهِ إنْ عَرَفَ الْمُشْتَرِيَ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الدَّرْهَمَيْنِ إن اخْتَارَ، وَإِلَّا رَدَّ إلَيْهِ الْمَبِيعَ، وَإِن لَمْ يَعْرِفْهُ تَصَدَّقَ عَنْهُ بِالدِّرْهَمَيْنِ. [٢٩/ ٣٦١ - ٣٦٢] ٣٥٨٦ - الْأَرْشُ (١) الْوَاجِبُ بِسَبَبِ الْعَيْبِ فِي الثَّمَنِ (٢) - إنْ كَانَ الثَّمَنُ لَمْ

стр. 2471

يَقْبِضْهُ الْمُشْتَرِي -: سَقَطَ مِن الثَّمَنِ (١) قَدْرُ الْأَرْشِ. وَإِن كَانَ قَبَضَهُ لِلْبَائِعِ أَو وَكِيلِهِ فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْبَائِعَ بِالْأَرْشِ، ثُمَّ الْوَكِيلُ إنْ ضَمِنَ عُهْدَةَ الْمَبِيعِ أَو لَمْ يُسَمِّ مُوَكِّلَهُ فِي الْعَقْدِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلْأَرْشِ فَيَجُوزُ مُطَالَبَتُهُ بِهِ. وَإِن سَمَّاهُ فِي الْعَقْدِ وَلَمْ يَضْمَن الْعُهْدَةَ فَهَل يَكُونُ ضَامِنًا لِذَلِكَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. [٢٩/ ٣٦٤] ٣٥٨٧ - وَسُئِلَ- قَدَّسَ الله رُوحَهُ وَنَوَّرَ ضَرِيحَهُ-: عَن دَارٍ بَيْنَ شَخْصَيْنِ بَاعَهَا أَحَدُهُمَا عَن نَفْسِهِ وَعَن شَرِيكِهِ بِالْوِكَالَةِ لِشَخْصٍ آخَرَ، ثُمِّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ بَنَى فَوْقَ مَا اشْتَرَاهُ بِنَاءً كَبِيرًا، وَمِن حُقُوقِهِ قَنَاةٌ مُلَاصِقَةٌ جِدَارَ تُرْبَةٍ، فَنَدَّت الْجِدَار، وَسَرَت النَّدَاوَةُ إلَى الْقَبْرِ، فَرَفَعَ مُلَّاكُ التُّرْبَةِ الْمُشْتَرِيَ لِلْحِسْبَةِ، فَشَهِدَت الْبَيِّنَةُ أَرْبَابُ الْخِبْرَةِ بِتَنْدِيَةِ الْجِدَارِ وَوُصُولِ ذَلِكَ إلَى الْقَبْرِ، وَأَنَّ الْقَنَاةَ مُحْدَثَةٌ عَلَى الْجِدَارِ، وَأَنَّهُ ضَرَرٌ يَجِبُ إزَالَتُهَا مِن مَكَانِهَا فَأُلْزِمَ لْزِمَ الْمُشْتَرِي بِنَقْلِهَا، فَهَل مَا أَحْدَثَهُ الْمُشْتَرِي مِن الْبِنَاءِ وَالْهَدْمِ يَمْنَعُ الرَّدَّ أَمْ لَا؟ وَإِذَا مَنَعَ فَهَل يَثْبُتُ الْأَرْشُ؟ فَأَجَابَ: أَمَّا الْقَنَاةُ إذَا كَانَت مُحْدَثَةً حَيْثُ لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهَا: فَإِنَّهُ يُلْزَمُ مُحْدِثُهَا بِإِزَالَةِ مَا لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهُ. وَالْمُشْتَرِي إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ بَل اعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا حَقُّ لِلْمِلْكِ لَا يَجُوزُ إزَالَتُهُ فَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ: كَانَ هَذَا عَيْبًا. فَإِذَا بَنَى فِي الْعَقَارِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ عَيْبٌ: فَلَيْسَ إلَّا الْأَرْشُ دُونَ الرَّدِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ: كَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي أَصَحَّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَفِي الْأُخْرَى -وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ-: لَه الرَّدُّ أَيْضًا، وَيَكُونُ شَرِيكًا لِلْبَائِعِ بِمَا أَحْدَثَهُ مِن الزِّيَادَةِ فِيهِ، وَلَا يُلْزَمُ بِالْهَدْمِ مَجَّانًا؛ لِأَنَّهُ بَنَى بِحَقًّ.

стр. 2472

وَخِيَارُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ عَلَى التَّرَاخِي عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأحْمَد فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِمَا. فَإِذَا ظَهَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى الرضا مِن قَوْلٍ أَو فِعْلٍ: سَقَطَ خِيَارُهُ بِالِاتِّفَاقِ. فَإِذَا بَنَى بَعْدَ عِلْمِهِ بِالْعَيْبِ: سَقَطَ خِيَارُهُ. وَأَمَّا إذَا أَشْهَدَ بِطَلَبِ الْأَرْشِ: اسْتَحَقَّهُ، كَانَ (١) لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يَسْقُطُ الْأَرْشُ بِتَصَرُّفِهِ، وَالْبَائِعُ يُطَالَبُ بِالدَّركِ مِن أَرْشٍ أَو رَدٍّ فِيمَا بَاعَهُ مِن مِلْكِهِ. وَأَمَّا إذَا بَاعَهُ مِن مِلْكِ مُوَكّلِهِ: أ - فَإِنْ كَانَ لَمْ يُسَمِّهِ فِي الْبَيْعِ طُولِبَ أَيْضًا بِدَركِ الْمَبِيعِ. ب - وَإِن كَانَ سَمَّاهُ: فَهَل يَجُوزُ مُطَالَبَتُهُ وَيَكُونُ ضَامِنًا لِعُهْدَةِ الْمَبِيعِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد. وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي أُلْزِمَ بِالْأَرْشِ لِأَجْلِ الْقَنَاةِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إحْدَاثُهَا: فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْبَائِعَ الْغَارّ لَهُ بِأَرْشِ مَا لَزِمَهُ بِغَرَرِهِ. [٢٩/ ٣٦٥ - ٣٦٧] * * * (بيع الغرر) ٣٥٨٨ - حَرَّمَ -تعالى- فِي كِتَابِهِ أَكْلَ أَمْوَالِنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ، وَذَمَّ الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَذَمَّ الْيَهُودَ عَلَى أَخْذِهِم الرِّبَا وَقَد نُهُوا عَنْهُ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ مَا يُؤْكَلُ بِالْبَاطِلِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ وَالتَّبَرُّعَاتِ، وَمَا يُؤْخَذُ بِغَيْرِ رضا الْمُسْتَحِقِّ وَالِاسْتِحْقَاقِ.

стр. 2473

وَأَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ فِي الْمُعَاوَضَةِ نَوْعَانِ ذَكَرَهُمَا اللهُ فِي كِتَابِهِ هُمَا: الرِّبَا وَالْمَيْسِرُ. ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَصَّلَ مَا جَمَعَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ، فَنَهَى ﷺ عَن بَيْعِ الْغَرَرِ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرهُ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَالْغَرَرُ: هُوَ الْمَجْهُولُ الْعَاقِبَةِ، فَإِنَّ بَيْعَهُ مِن الْمَيْسِرِ الَّذِي هُوَ الْقِمَارُ. وَأَمَّا الرِّبَا: فَتَحْرِيمُهُ فِي الْقُرْآنِ أَشَدُّ .. وَذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْكَبَائِرِ. وَذَلِكَ: أَنَّ الرِّبَا أَصْلُهُ إنَّمَا يَتَعَامَلُ بِهِ الْمُحْتَاجُ، وَإِلَّا فَالْمُوسِرُ لَا يَأْخُذُ أَلْفًا حَالَّةً بِأَلْف وَمِائَتَيْنِ مُؤَجَّلَةٍ إذَا لَمْ يَكُن لَهُ حَاجَةٌ لِتِلْكَ الْأَلْفِ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُ الْمَالَ بِمِثْلِهِ وَزِيَادَةً إلَى أَجَل مَن هُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فَتَقَعُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ ظُلْمًا لِلْمُحْتَاجِ بِخِلَافِ الْمَيْسِرِ، فَإِنَّ الْمَظْلُومَ فِيهِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ وَلَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الْعَقْدِ. ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ أَشْيَاءَ مِمَّا يَخْفَى فِيهَا الْفَسَادُ لِإِفْضَائِهَا إلَى الْفَسَادِ الْمُحَقَّقِ - كَمَا حَرَّمَ قَلِيلَ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى كَثِيرِهَا - مِثْلُ رِبَا الْفَضْلِ؛ فَإِنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ قَد تَخْفَى؛ إذِ الْعَاقِلُ لَا يَبِيعُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ إلَّا لِاخْتِلَافِ الصِّفَاتِ. وَأَمَّا الْغَرَرُ: فَإِنَّهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أ- إمَّا الْمَعْدُومُ كَحَبَلِ الْحَبَلَةِ وَبَيْعِ السَّنِينَ. ب - وَإِمَّا الْمَعْجُوزُ عَن تَسْلِيجهِ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ. ج- وَإِمَّا الْمَجْهُولُ الْمُطْلَقُ، أَو الْمُعَيَّنُ الْمَجْهُولُ جِنْسُهُ أَو قَدْرُهُ؛ كَقَوْلِهِ: بِعْتُك عَبْدًا، أَو بِعْتُك مَا فِي بَيْتِي، أَو بِعْتُك عَبِيدِي. وَمَفْسَدَةُ الْغَرَرِ أَقَلُّ مِن الرِّبَا؛ فَلِذَلِكَ رُخِّصَ فِيمَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْهُ؛ فَإِنَّ تَحْرِيمَهُ أَشَدُّ ضَرَرًا مِن ضَرَرِ كَوْنِهِ غَرَرًا؛ مِثْل بَيْعِ الْعَقَارِ جُمْلَةً وإِن لَمْ يُعْلَمْ دَوَاخِلُ الْحِيطَانِ وَالْأَسَاس. وَمِثْل بَيْعِ الْحَيَوَانِ الْحَامِلِ أَو الْمُرْضِعِ وَإِن لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ الْحَمْلِ أَو

стр. 2474

اللَّبَنِ، وَإِن كَانَ قَد نُهِي عَن بَيْعِ الْحَمْلِ مُفْرَدًا، وَكَذَلِكَ اللَّبَنُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَكَذَلِكَ بَيْعُ الثَّمَرَةِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا؛ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مُسْتَحقٌّ الْإِبْقَاءَ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ؛ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَإِن كَانَت الْأَجْزَاءُ الَّتِي يَكْمُلُ الصَّلَاحُ بِهَا لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ. وَجَوَّزَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا بَاعَ نَخْلًا قَد أُبِّرَتْ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ثَمَرَتَهَا؛ فَيَكُونُ قَد اشْتَرَى ثَمَرَةً قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، لَكِنْ على وَجْهِ الْبَيْعِ لِلْأَصْلِ. فَظَهَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ مِنَ الْغَرَرِ الْيَسِيرِ ضِمْنًا وَتَبَعًا مَا لَا يَجُوزُ مِن غَيْرِهِ. وَلَمَّا احْتَاجَ النَّاسُ إلَى الْعَرَايَا أَرْخَصَ فِي بَيْعِهَا بِالْخَرْصِ، وَلَمْ يُجَوِّزْ الْمُفَاضَلَةَ الْمُتَيَقَّنَةَ. [٢٩/ ٢٢ - ٢٦] ٣٥٨٩ - أَمَّا الْغَرَرُ: فَأَشَدُّ النَّاسِ فِيهِ قَوْلًا أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ ﵄، أَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَإِنَّهُ يُدْخِلُ فِي هَذَا الِاسْمِ مِن الْأَنْوَاعِ مَا لَا يُدْخِلُهُ غَيْرُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ؛ مِثْل الْحَبَّ وَالثَّمَرِ فِي قِشْرِهِ الَّذِي لَيْسَ بِصَوَّان؛ كَالْبَاقِلَاءِ وَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ فِي قِشْرِهِ الْأَخْضَرِ وَكَالْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ الْجَدِيدَ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ. وَأَمَّا مَالِكٌ: فَمَذْهَبُهُ أَحْسَنُ الْمَذَاهِبِ فِي هَذَا، فَيُجَوِّزُ بَيْعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَجَمِيعَ مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ، أَو يَقِلّ غَرَرُهُ بِحَيْثُ يُحْتَمَلُ فِي الْعُقُودِ، حَتَّى يُجَوِّزَ بَيْعَ المقاثي جُمْلَةً، وَبَيْعَ الْمغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ كَالْجَزَرِ وَالْفُجْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَحْمَد قَرِيبٌ مِنْهُ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، وَيُجَوّزُ -عَلَى الْمَنْصوصِ عَنْهُ- أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ عَبْدًا مُطْلَقًا، أَو عَبْدًا مِن عَبِيدِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَزِيدُ جَهَالَتُهُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ (١). [٢٩/ ٣١ - ٣٣]

стр. 2475

وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ أصُولُ مَالِكِ وَأُصُولُ أَحْمَد وَبَعْضُ أُصُولِ غَيْرِهِمَا: هُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ غَالِبُ مُعَامَلَاتِ السَّلَفِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُ النَّاسِ فِي مَعَاشِهِمْ إلَّا بِهِ. [٢٩/ ٤٥] ٣٥٩٠ - إنَّمَا حَرَّمَ اللهَ سُبْحَانَهُ عَلَيْنَا الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْأَعْيَانِ؛ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، أَو مِنَ التَّصَرُّفَاتِ؛ كَالْمَيْسِرِ وَالرِّبَا وَمَا يَدْخُلُ فِيهِمَا مِن بُيُوعِ الْغَرَرِ وَغَيْرِهِ: لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي نَبَّهَ اللهُ عَلَيْهَا وَرَسُولُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١]، فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ: أَنَّ الْمَيْسِرَ يُوقِعُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ، سَوَاءٌ كَانَ مَيْسِرًا بِالْمَالِ أَو بِاللَّعِبِ؛ فَإِنَّ الْمُغَالَبَةَ بِلَا فَائِدَةٍ وَأَخْذَ الْمَالِ بِلَا حَقَّ يُوقِعُ فِي النُّفُوسِ ذَلِكَ. وَإِذَا كَانَت مَفْسَدَةُ بَيْعِ الْغَرَرِ هِيَ كَوْنهُ مَظِنَّةَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَأَكْلِ الْأَمْوَالِ بِالْبَاطِلِ: فَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ إذَا عَارَضَتْهَا الْمَصْلَحَة الرَّاجِحَةُ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا، كَمَا أَنَّ السِّبَاقَ بِالْخَيْلِ وَالسَّهَامِ وَالْإِبِلِ لَمَّا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ جَازَ بِالْعِوَضِ، وَإِن لَمْ يَجُزْ غَيْرُهُ بِعِوَض. وَكَمَا أَنَّ اللَّهْوَ الَّذِي يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ إذَا لَمْ يَكُن فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِن كَانَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ .. : صَارَ هَذَا اللَّهْوُ حَقًّا. وَمَعْلُومٌ أنَّ الضَّرَرَ عَلَى النَّاسِ بِتَحْرِيمِ هَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ أَشَدُّ عَلَيْهِم مِمَّا قَد

стр. 2476

يُتَخَوَّفُ فِيهَا مِن تَبَاغُضٍ وَأَكْلِ مَالٍ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الْغَرَرَ فِيهَا يَسِيرٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْحَاجَةُ إلَيْهَا مَاسَّةٌ، وَالْحَاجَةُ الشَّدِيدَةُ يَنْدَفِعُ بِهَا يَسِيرُ الْغَرَرِ. وَالشَّرِيعَةُ جَمِيعُهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَفْسَدَةَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلتَّحْرِيمِ إذَا عَارَضَتْهَا حَاجَةٌ رَاجِحَةٌ أُبِيحَ الْمُحَرَّمُ، فَكَيْفَ إذَا كَانَت الْمَفْسَدَةُ مُنْتَفِيَة؟ [٢٩/ ٤٦ - ٤٩] ٣٥٩١ - لَا أَعْلَمُ عَن النَّبِيِّ ﷺ سُنَّةً صَرِيحَةً بِأَنَّ الْمَبِيعَ التَّالِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن الْقَبْضِ يَكُونُ مِن مَالِ الْبَائِعِ وَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ إلَّا حَدِيثَ الْجَوَائِحِ. وَلَو لَمْ يَكُن فِيهِ سُنَّةٌ لَكَانَ الِاعْتِبَارُ الصَّحِيحُ يُوَافِقُهُ، وَهُوَ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: "بِمَ يَأْخُدُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقّ؟ (١) فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لِلثَّمَرَةِ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِن جذَاذِهَا عِنْدَ كَمَالِهَا وَنُضْجِهَا لَا عِنْدَ الْعَقْدِ، كَمَا أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِن اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَتَلَفُ الثُّمَرَةِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن الْجِذَاذِ كَتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ. فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ كَوْنَهُ كَانَ مَعْدُومًا، فَإِنَّهُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَأَمْنِهِ الْعَاهَةَ يَزِيدُ أَجْزَاءً لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةَ وَقْتَ الْعَقْدِ. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الْأَمْنَ مِنَ الْعَاهَاتِ النَّادِرَةِ، فَإِنَّ هَذَا لَا سَبِيلَ إلَيْهِ. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ ذَهَابُ الْعَاهَةِ الَّتِي يَتَكَرَّرُ وُجُودُهَا، وَهَذِهِ إنَّمَا تُصِيبُ الزَّرْعَ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ، وَقَبْلَ ظُهُورِ النُّضْجِ فِي الثَّمَرِ. وَبَيْعُ الثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ بَعْدَ كَمَالِ صَلَاحِهِ مُتَعَذَّرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكْمُلُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَإِيجَابُ قَطْعِهِ عَلَى مَالِكِهِ فِيهِ ضَرَرٌ مُرْبٍ عَلَى ضَرَرِ الْغَرَرِ. فَتَبَيَّنَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدَّمَ مَصْلَحَةَ جَوَازِ الْبَيْعِ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ عَلَى مَفْسَدَةِ الْغَرَرِ الْيَسِيرِ، كَمَا تَقْتَضِيهِ أُصُولُ الْحِكْمَةِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا ﷺ وَعَلَّمَهَا أُمَّتَهُ.

стр. 2477

وَمَن طَرَدَ الْقِيَاسَ الَّذِي انْعَقَدَ فِي نَفْسِهِ، غَيْرَ نَاظِرٍ إلَى مَا يُعَارِضُ عِلَّتَهُ مِن الْمَانِعِ الرَّاجِحِ: أَفْسَدَ كَثِيرًا مِن أَمْرِ الدّينِ وَضَاقَ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وَدِينُهُ (١). [٢٩/ ٥٠ - ٥١] ٣٥٩٢ - دَلَّ الْكِتَابُ فِى قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] وَالسُّنَّةُ فِي حَدِيثِ بروع بِنْتِ وَاشِقٍ، وَإِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ: عَلَى جَوَازِ عَقْدِ النِّكَاحِ بِدُونِ فَرْضِ الصَّدَاقِ، وَتَسْتَحِقُّ مَهْرَ الْمِثْل إذَا دَخَلَ بِهَا بِإِجْمَاعِهِمْ وَإِذَا مَاتَ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ الْمُتَّبِعِينَ لِحَدِيثِ بروع بِنْتِ وَاشِقٍ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَهْرَ الْمِثْل مُتَقَارِبٌ لَا مَحْدُودٌ، فَلَو كَانَ التَّحْدِيدُ مُعْتَبَرًا فِي الْمَهْرِ مَا جَازَ النِّكاحُ بِدُونِهِ. فَظَهَرَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ الْعِوَضَ عَمَّا لَيْسَ بِمَال -كَالصَّدَاقِ، وَالْكتَابَةِ، وَالْفِدْيَةِ فِي الْخُلْعِ، وَالصُّلْحِ عَن الْقِصَاصِ، وَالْجِزْيَةِ، وَالصُّلْحِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ-: لَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنْ يُعْلَمَ الثَّمَن وَالْأُجْرَة. وَلَا يُقَاسُ عَلَى بَيْعِ الْغَرَرِ كُلُّ عَقْدٍ عَلَى غَرَرٍ؛ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ إمَّا أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ، أَو لَيْسَتْ هِيَ الْمَقْصُودَ الْأَعْظَمَ مِنْهَا. وَمَا لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودَ إذَا وَقَعَ فِيهِ غَرَرٌ لَمْ يُفْضِ إلَى الْمَفْسَدَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَيْعِ؛ بَل يَكُونُ إيجَابُ التَّحْدِيدِ فِي ذَلِكَ فِيهِ مِن الْعُسْرِ وَالْحَرَجِ الْمَنْفِيِّ شَرْعًا مَا يَزِيد عَلَى ضَرَرِ تَرْكِ تَحْدِيدِهِ. [٢٩/ ٤٣ - ٥٥] * * *

стр. 2478

(النهي عن الْجَمْع بَيْنَ السَّلَفِ وَالْبَيْعِ، والقرض الذي يجرُّ نفعًا، وحكم بيع الأمانة) ٣٥٩٣ - رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرُو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنُ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك". رَوَاهُ الْأَئِمَةُ الْخَمْسَةُ (١): أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي وَالتِّرْمِذِي وَابْنُ مَاجَه، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَنَهَى ﷺ عَن أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ سَلَفٍ وَبَيْعٍ، فَإِذَا جَمَعَ بَيْنَ سَلَفٍ وَإِجَارَةٍ فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ سَلَفٍ وَبَيْعٍ أَو مِثْله. وَكُلُّ تَبَرُّعٍ يَجْمَعُهُ إلَى الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ مِثْل: الْهِبَةِ وَالْعَارِيَة وَالْعُرْيَةِ وَالْمُحَابَاةِ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: هِيَ مِثْلُ الْقَرْضِ. فَجِمَاعُ مَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ مُعَاوَضَةٍ وَتبَرُّعٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّبَرُّعَ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الْمُعَاوَضَةِ لَا تَبَرُّعًا مُطْلَقًا، فَيَصِيرُ جُزْءًا مِن الْعِوَضِ. فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعِوَضٍ: جَمَعَا بَيْنَ أَمْرَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ؛ فَإِنَّ مَن أَقْرَضَ رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَبَاعَهُ سِلْعَةً تُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ بِأَلْف: لَمْ يَرْضَ بِالْإِقْرَاضِ إلَّا بِالثَّمَنِ الزَّائِدِ لِلسِّلْعَةِ، وَالْمُشْتَرِي لَمْ يَرْضَ بِبَذْلِ ذَلِكَ الثَّمَنِ الزَّائِدِ إلَّا لِأَجْلِ الْأَلْفِ الَّتِي اقْتَرَضَهَا، فَلَا هَذَا بَاعَ بَيْعًا بِأَلْف، وَلَا هَذَا أَقْرَضَ قَرضًا مَحْضًا؛ بَل الْحَقِيقَةُ: أَنَّهُ أَعْطَاهُ الْأَلْفَ وَالسِّلْعَةَ بِأَلْفَيْنِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ: "مُدِّ عَجْوَةٍ"، فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ أَخْذَ أَلْفٍ بِأَكْثَرَ مِن أَلْفٍ: حَرُمَ بِلَا تَرَدُّدٍ، وَإِلَّا خَرَجَ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ. [٢٩/ ٦٢ - ٦٣] ٣٥٩٤ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ اشْتَرَى مِن رَجُلٍ دَارًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهِيَ تُسَاوِي أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ إنَّ الْمُشْتَرِيَ أَجَّرَ الْبَائِعَ الدَّارَ مُدَّةً مِن الشُّهُورِ بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ

стр. 2479

فِي تَارِيخِهِ عَلَى الْفَوْرِ، وَهُوَ بَيْنَهُمَا بَيْعُ أَمَانَةٍ فِي الْبَاطِنِ، هَل يَصِحُّ هَذَا الْعَقْدُ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ أَنْ يَأْخُذَ أَحَدُهُمَا مِن الْآخَرِ دَرَاهِمَ وَيَنْتَفِعُ الْمُعْطِي بِعَقَارِ الْآخَرِ مُدَّةَ مَقَامِ الدَّرَاهِمِ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا أَعَادَ الدَّرَاهِمَ إلَيْهِ أَعَادَ إلَيْهِ الْعَقَارَ: فَهَذَا حَرَامٌ بِلَا رَيْبٍ، وَهَذَا دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ مِثْلِهَا وَمَنْفَعَةِ الدَّارِ، وَهُوَ الرِّبَا الْبَيِّنُ. وَقَد اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُقْرِضَ مَتَى اشْتَرَطَ زِيادَةً عَلَى قَرْضِهِ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا، وَكَذَلِكَ إذَا تَوَاطَآ عَلَى ذَلِكَ فِي أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ. وَقَد صَحَّ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يَضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك" (١)، حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْجَمْعَ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَقْرَضَهُ وَبَاعَهُ: حَابَاهُ فِي الْبَيْعِ لِأَجْلِ الْقَرْضِ، وَكَذَلِكَ إذَا آجَرَهُ وَبَاعَهُ. وَمَا يُظْهِرُونَهُ مِن بَيْعِ الْأَمَانَةِ (٢) الَّذِي يَتَّفِقُونَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا جَاءَهُ بِالثَّمَنِ

стр. 2480

أَعَادَ إلَيْهِ الْمَبِيعَ: هُوَ بَاطِلٌ بِاتَّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، سَوَاءٌ شَرَطَهُ فِي الْعَقْدِ، أَو تَوَاطَآ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَقْدِ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ. وَالْوَاجِبُ فِي مِثْل هَذَا أَنْ يُعَادَ الْعَقَارُ إلَى رَبِّهِ وَالْمَالُ إلَى رَبّهِ، وَيُعَزَّرَ كُلٌّ مِن الشَّخْصَيْنِ إنْ كَانَا عَلِمَا بِالتَّحْرِيمِ. وَالْقَرْضُ الَّذِي يَجُرُّ مَنْفَعَةً قَد ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهُ عَن غَيْرِ وَاحِدٍ مِن الصَّحَابَةِ؛ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ وَأَنَسِ بْن مَالِكٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُ. فَإِذَا وَفَّاهُ الْمُقْرِضُ خَيْرًا مِن قَرْضِهِ بِلَا مُوَاطَأَةٍ جَازَ ذَلِكَ، وَإِن وَفَّاهُ أَكْثَرَ مِن قَرْضِهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا زِيادَةٌ بَعْدَ وَفَاءِ الْقَرْضِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَهْدَى إلَيْهِ قَبْلَ الْوَفَاءِ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَحْسِبْهُ مِن الْقَرْضِ كَانَ الْقَرْضُ بَاقِيًا فِي ذِمَّتِهِ عَلَى أَنْ يَأْخُذَهُ مَعَ الْهَدِيَّةِ، وَالْهَدِيَّةُ إنمَا كَانَت بِسَبَبِ الْقَرْضِ. وَأَمَّا صُورَتُهُ: وَهُوَ أَنْ يَتَوَاطَآ عَلَى أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ الْعَقَارَ بِثَمَن، ثُمَّ يُؤَجِّرَهُ إيَّاهُ إلَى مُدَّةٍ، وَإِذَا جَاءَهُ بِالثَّمَنِ أَعَادَ إلَيْهِ الْعَقَارَ: فَهُنَا الْمَقْصُودُ أنَّ الْمُعْطِيَ شَيْئًا أَدَّى الْأُجْرَةَ مُدَّةَ بَقَاءِ الْمَالِ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَخْذِ الْمَنْفَعَةِ وَبَيْنَ عِوَضِ الْمَنْفَعَةِ، الْجَمِيعُ حَرَامٌ. وَهَذَا وَإِن كَانَ قَد رَخَّصَ فِيهِ طَائِفَةٌ مِن الْفُقَهَاء (١)؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ، وَأَنَّ الْمُوَاطَأَةَ وَالنّيَّةَ لَا تُؤَثّرُ فِي الْعُقُودِ، فَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ: تَحْرِيمُ مِثْل ذَلِكَ، وَأَنَّ النِّيَّاتِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْعُقُودِ. [٢٩/ ٣٣٣ - ٣٣٦] ٣٥٩٥ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ بَاعَ زَوْجَتَهُ دَارًا بَيْعَ أَمَانَةٍ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَقَد اسْتَوْفَت الدَّرَاهِمَ مِن الْأُجْرَةِ، فَهَل يَجُوزُ لَهَا أَخْذُ شَيْءٍ آخَرَ وَقَد أَخَذَت الْأَرْبَعَمِائَةِ؟

стр. 2481

فَأَجَابَ: الْمَقْصُودُ بِهَذَا وَأَمْثَاله أَنْ يُعْطِيَهُ الْمَالَ وَيَسْتَغِلَّ الْعَقَارَ عَن مَنْفَعَةِ الْمَالِ، فَمَا دَامَ الْمَالُ فِي ذِمَّةِ الْآخِذِ فَإِنَّهُ يَسْتَغِلُّ الْعَقَارَ، وَإِذَا رَدَّ عَلَيْهِ الْمَالَ أَخَذَ الْعَقَارَ، وَهَذَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِن قَصَدَا ذَلِكَ وَأَظْهَرَا صُورَةَ بَيْعٍ: لَمْ يَجُزْ عَلَى أَصَحّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا. وَمَن صَحَّحَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْعُهُ شَرْعِيًّا. فَإِذَا شَرَطَ أَنَّهُ إذَا جَاءَ بِالثَّمَنِ أَعَادَ إلَيْهِ الْعَقَارَ: كَانَ هَذَا بَيْعًا بَاطِلًا، وَالشَّرْطُ الْمُقَدَّمُ عَلَى الْعَقْدِ كَالْمُقَارِنِ لَهُ فِي أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ. وَحِينَئِذٍ: فَمَا حَصَلَ لِلْمَرْأَةِ مِن الْأُجْرَةِ بَعْدَ أَنْ عَلِمَت التَّحْرِيمَ تَحْسِبُهُ مِن رَأْسِ الْمَالِ. وَمَا قَبَضَتْهُ قَبْلَ ذَلِكَ: فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ الْمَذْكورِ. وَإِن اصْطَلَحَا عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ أَحْسَنُ. وَمَا قَبَضَتْهُ بِعَقْدٍ مُخْتَلَفٍ تَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا رَدُّهُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ (١). [٢٩/ ٣٩٥ - ٣٩٦] وَقَالَ ﷺ : "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صحِيحٌ.

стр. 2482

فَحَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ شَيْئًا وَيُقْرِضُهُ مَعَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يُحَابِيهِ فِي الْبَيْعِ لِأَجْلِ الْقَرْضِ حَتَّى يَنْفَعَهُ، فَهُوَ رِبًا. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَغَيْرُهَا تُبَيِّنُ أَنَّ مَا تَوَاطَأَ عَلَيْهِ الرَّجُلَانِ بِمَا يَقْصِدَانِ بِهِ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْهَا إلَى أَجَلٍ: فَإِنَّهُ رِبًا، سَوَاءٌ كَانَ يَبِيعُ ثُمَّ يَبْتَاعُ، أَو يَبِيعُ وَيُقْرِضُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. [٢٩/ ٤٣٢، ٣٠/ ٣٥ - ٣٦] * * * العقود ٣٥٩٦ - تَنَازَعُوا فِي عُقُودِ السَّكْرَانِ؛ كَطَلَاقِهِ، وَفي أَفْعَالِهِ الْمُحَرَّمَةِ؛ كَالْقَتْلِ وَالزنى هَل يُجْرَى مَجْرَى الْعَاقِلِ، أَو مَجْرَى الْمَجْنُونِ؟. اَلَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ النُّصُوصُ وَالْأصُولُ وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ: أَنَّ أَقْوَالَهُ هَدَرٌ- كَالْمَجْنونِ- لَا يَقَعُ بِهَا طَلَاقٌ وَلَا غَيْرُهُ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَد قَالَ: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ، وَالْقَلْبُ هوَ الْمَلِكُ الَّذِي تَصْدُرُ الْأقْوَالُ وَالْأَفْعَالُ عَنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا يَقُولُ لَمْ يَكُن ذَلِكَ صَادِرًا عَن الْقَلْبِ؛ بَل يُجْرِي مَجْرَى اللَّغْوِ، وَالشَّارعُ لَمْ يُرَتِّبْ الْمُؤَاخَذَةَ إلَّا عَلَى مَا يَكْسِبُهُ الْقَلْبُ مِن الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وَلَمْ يُؤَاخِذْ عَلَى أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا الْقَلْبُ وَلَمْ يَتَعَمَّدْهَا، وَكَذَلِكَ مَا يُحَدِّثُ بِهِ الْمَرْءُ نَفْسَهُ لَمْ يُؤَاخَذْ مِنْهُ إلَّا بِمَا قَالَهُ أَو فَعَلَهُ. وَأَمَّا إذَا كَانَ يَعْلَمُ مَا يَقُولُ: فَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا قَاصِدًا لِمَا يَقُولُهُ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ، وَإِن كَانَ مُكْرَهًا فَإِنْ أكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَقْوَالُهُ كُلُّهَا لَغْوٌ، مِثْلُ كُفْرِهِ وَإِيمَانِهِ وَطَلَاقِهِ وَغَيْرِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَأَمَّا ثُبُوتُ بَعْضِ الْأحْكَامِ كَضَمَانِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ إذَا أَتْلَفَهَا مَجْنُونٌ أَو

стр. 2483

نَائِمٌ أَو مُخْطِئٌ أَو نَاسٍ فَهَذَا مِن بَابِ الْعَدْلِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، لَيْسَ هُوَ مِن بَابِ الْعُقُوبَةِ. [١٤/ ١١٥ - ١١٩] ٣٥٩٧ - الْأَصْلُ حَمْلُ الْعُقُودِ عَلَى الصِّحَّةِ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ. [٢٩/ ٤٦٦] ٣٥٩٨ - إِنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْعُقُودِ بِالْمَعَانِي وَالْمَقَاصِدِ، لَا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، هَذَا أَصْلُ أَحْمَد وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَهَذَا كَالسَّلَمِ الْحَالِّ فِي لَفْظِ الْبَيْعِ، وَالْخُلْعِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، وَالْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. [٣٠/ ١١٢] ٣٥٩٩ - أمَّا الْعُقُودُ الَّتِي يُشْتَرَطُ الْقَبْضُ فِي لُزُومِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا؛ كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالرَّهْنِ وَالْوَقْفِ -عِنْدَ مَن يَقُولُ إنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي لُزُومِهِ-: فَهَذَا يَصِحُّ فِي الْمُشَاعِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَالِكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَلَمْ يُجَوِّزْهَا أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ: لِأنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِيهَا، وَقَبْضُهَا غَيْرُ مُمْكِنٍ قَبْلَ الْقِسْمَةِ. [٣١/ ٢٧٢] * * * (كيفيّة التخلص من الأموال المحرمة وَالْمَقْبُوضَةِ بعقودٍ لا تُبَاح بِالْقَبْضِ، أو التي لا يُعلم صاحبُها) ٣٦٠٠ - مَا فِي الْوُجُودِ مِن الْأَمْوَالِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْمَقْبُوضَةِ بِعُقُودٍ لَا تُبَاحُ بِالْقَبْضِ إنْ عَرَفَهُ الْمُسْلِمُ اجْتَنبهُ، فَمَن عَلِمْتُ أَنَّهُ سَرَقَ مَالًا أَو خَانَهُ فِي أَمَانَتِهِ، أَو غَصَبَة فَأَخَذَهُ مِن الْمَغْصُوبِ قَهْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ: لَمْ يَجُزْ لِي أنْ آخُذَهُ مِنْهُ، لَا بِطَرِيقِ الْهِبَةِ وَلَا بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ، وَلَا وَفَاءً عَن أُجْرةٍ، وَلَا ثَمَنَ مَبِيعٍ، وَلَا وَفَاءً عَن قَرْضٍ، فَإِنَّ هَذَا عَيْنُ مَالِ ذَلِكَ الْمَظْلُومِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَالُ قَبَضَهُ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ فِي مَذْهَبِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ جَازَ لِي أَنْ أَسْتَوْفِيَهُ مِن ثَمَنِ الْمَبِيعِ وَالْأُجْرَةِ وَالْقَرْضِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الدُّيُونِ. وَإِن كَانَ مَجْهُولَ الْحَالِ فَالْمَجْهُولُ كَالْمَعْدُومِ، وَالْأَصْلُ فِيمَا بِيَدِ الْمُسْلِمِ

стр. 2484

أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لَهُ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ مَلَكَهُ، أَو يَكُونَ وَليًّا عَلَيْهِ؛ كَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَوَليِّ الْيَتِيمِ وَوَليِّ بَيْتِ الْمَالِ، أَو يَكُونَ وَكِيلًا فِيهِ. فَإِذَا لَمْ أَعْلَمْ حَالَ ذَلِكَ الْمَالِ الَّذِي بِيَدِهِ بَنَيْت الْأمْرَ عَلَى الْأَصْلِ. وإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَهَذَا الْمَظْلُومُ الَّذِي أُخِذَ مَالُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ بِبَيْعٍ أَو أُجْرَةٍ، وَأُخِذَ مِنْهُ، وَالْمُشْتَرِي لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ، ثُمَّ يُنْقَلُ مِن الْمُشْتَرِي إلَى غَيْرِهِ ثُمَّ إلَى غَيْرِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ أولَئِكَ لَمْ يَظْلِمُوهُ، وَإِنَّمَا ظَالِمُهُ مَن اعْتَدَى عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَو عَلِمَ بِهِم فَهَل لَهُ مُطَالَبَتُهُم بِمَا لَمْ يَلْتَزِمُوا ضَمَانَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ الظَّالِمَ إذَا أَوْدَعَ مَالَهُ عِنْدَ مَن لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ غَاصِبٌ فَتَلِفَت الْوَدِيعَةُ، فَهَل لِلْمَالِكِ (١) أَنْ يُطَالِبَ الْمُودَعَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ إذَا عَلِمْنَا فِيمَا بَعْدُ أَنَّهُ مَسْرُوقٌ، فَعَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ لَا يَجِبُ عَلَيْنَا إلَّا مَا الْتَزَمْنَاهُ بِالْعَقْدِ؛ أَيْ: لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْنَا إلَّا ضَمَانُ مَا الْتَزَمْنَاهُ بِالْعَقْدِ (٢). لَكِنْ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ هُنَا فِي مَسْأَلَة وَهِيَ أَنَّهُ: هَل لِلْمَالِكِ تَضْمِينُ هَذَا الْمَغْرُورِ الَّذِي تَلِفَ الْمَالُ تَحْتَ يَدِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى الْغَارِّ بِمَا غَرِمَهُ بِغُرُور، أَمْ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمَغْرُورِ إلَّا بِمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد. وَقَالُوا فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّ هَذَا يَلْزَمُ الْغَارَّ الظَّالِمَ .. لَا يَلْزَمُ الْمَغْرُورَ الْمُشْتَرِيَ إلَّا مَا الْتَزَمَهُ بِالْعَقْدِ وَهُوَ الثَّمَنُ فَقَطْ. وإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ مِن بَاب الْعَدْلِ الْوَاجِبِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيّينَ وَهُوَ يَجِبُ الْعَمْدُ وَالْخَطَأُ. [٢٩/ ٣٢٣ - ٣٢٧]

стр. 2485

٣٦٠١ - الِاسْتِئْجَارُ عَلَى مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ؛ كَالزنى وَاللِّوَاطِ وَالْغِنَاءِ وَحَمْلِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: بَاطِلٌ، لَكِنْ إذَا اسْتَوْفَى تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ وَمَنَعَ الْعَامِلَ أُجْرَتَهُ كَانَ غَدْرًا وَظُلْمًا أَيْضًا. وَقَد اسْتَوْفَيْتُ مَسْأَلَةَ الِاسْتِئْجَارِ لِحَمْلِ الْخَمْرِ فِي كِتَابِ "الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ" بَيَّنْتُ أَنَّ الصَّوَابَ مَنْصُوصُ أَحْمَد: أَنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِالْأُجْرَةِ وَأَنَّهَا لَا تَطِيبُ لَهُ؛ إمَّا كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ أَو تَحْرِيمٍ. لَكِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا كَانَ جِنْسُهُ مُبَاحًا كَالْحَمْلِ (١)، بِخِلَافِ الزِّنَا (٢).

стр. 2486

وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَهْرَ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَحُلْوَانَ الْكَاهِنِ خَبِيثٌ، وَالْحَاكِمُ يَقْضِي بِعُقُوبَةِ الْمُسْتَأْجِرِ الْمُسْتَوْفِي لِلْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ فَتَكُونُ عُقُوبَتُهُ لَهُ عِوَضًا عَن الْأَجْرِ. فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ: فَهَل يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ وَإِن كَانَ لَا يَحِلُّ الْأَخْذُ لِحَقِّ اللهِ؟ فَهَذَا مُتَقَوِّمٌ. وَإِن لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَانَ فِي ذَلِكَ دَركٌ لِحَاجَتِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الْمُحَرَّمَ وَيُعْذَرُ، وَلَا يُعَاقِبُهُ فِي الْآخِرَةِ إلَّا عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ لَا عَلَى الْغَدْرِ وَالظُّلْمِ. وَهَذَا الْبَحْثُ يَتَّصِلُ بِالْبَحْثِ فِي أَحْكامِ سَائِر الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وقُبُوضِهَا. [٣٠/ ٢٠٩ - ٢١٠] ٣٦٠٢ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ مُرَابٍ خَلَّفَ مَالًا وَوَلَدًا، وَهُوَ يَعْلَمُ بِحَالِهِ، فَهَل يَكُونُ الْمَالُ حَلَالًا لِلْوَلَدِ بِالْمِيرَاثِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: أَمَّا الْقَدْرُ الَّذِي يَعْلَمُ الْوَلَدُ أَنَّهُ رِبًا فَيُخْرِجُهُ: إمَّا أَنْ يَرُدَّهُ إلَى أَصْحَابِهِ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ. وَالْبَاقِي لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ. لَكِنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَبَهَ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُهُ إذَا لَمْ يَجِبْ صَرْفُهُ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ أَو نَفَقَةِ عِيَالٍ. وَإِن كَانَ الْأَبُ قَبَضَهُ بِالْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ الَّتِي يُرَخِّصُ فِيهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: جَازَ لِلْوَارِثِ الِانْتِفَاعُ بِهِ. وَإن اخْتَلَطَ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ وَجَهِلَ قَدْرَ كُلِّ مِنْهُمَا: جَعَلَ ذَلِكَ نِصْفَيْنِ. [٢٩/ ٣٠٧] ٣٦٠٣ - الْقَبْضُ الَّذِي لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ: هُوَ الظُّلْمُ الْمَحْضُ، فَأَمَّا الْمَقْبُوضُ

стр. 2487

بِعَقْدٍ فَاسِدٍ كَالرِّبَا وَالْمَيْسِرِ وَنَحْوِهِمَا: فَهَل يُفِيدُ الْمِلْكَ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ لِلْفُقَهَاءِ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّانِي: لَا يُفِيدُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَعْرُوفِ مِن مَذْهَبِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إنْ فَاتَ أَفَادَ الْمِلْكَ، وَإِن أَمْكَنَ رَدُّهُ إلَى مَالِكهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فِي وَصْفٍ وَلَا سِعْرٍ لَمْ يُفِد الْمِلْكَ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَن مَذْهَبِ مَالِكٍ (١). [٢٩/ ٣٢٧ - ٣٢٨] ٣٦٠٤ - قال ابن القيم ﵀: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي كَسْبِ الزَّانِيَةِ إِذَا قَبَضَتْهُ، ثُمَّ تَابَتْ هَل يَجِبُ عَلَيْهَا رَدُّ مَا قَبَضَتْهُ إِلَى أَرْبَابِهِ، أَمْ يَطِيبُ لَهَا، أَمْ تَصَّدَّقُ بِهِ؟ [قِيلَ: هَذَا يَنْبَنِي عَلَى قَاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ مِن قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَنَّ مَن قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ شَرْعًا، ثُمَّ أَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْهُ: - فَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ قَد أُخِذَ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ، وَلَا اسْتَوْفَى عِوَضَهُ: رَدَّهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ عَلَيْهِ: قَضَى بِهِ دَيْنًا يَعْلَمُهُ عَلَيْهِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ: رَدَّهُ إِلَى وَرَثَتِهِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ: تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ. فَإِنِ اخْتَارَ صَاحِبُ الْحَقِّ ثَوَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: كَانَ لَهُ. وَإِن أَبَى إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ مِن حَسَنَاتِ الْقَابِضِ: اسْتَوْفَى مِنْهُ نَظِيرَ مَالِهِ، وَكَانَ ثَوَابُ الصَّدَقَةِ لِلْمُتَصَدِّقِ بِهَا، كَمَا ثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃.

стр. 2488

- وَإِن كَانَ الْمَقْبُوضُ بِرِضَا الدَّافِعِ وَقَدِ اسْتَوْفَى عِوَضَهُ الْمُحَرَّمَ؛ كَمَن عَاوَضَ عَلَى خَمْرٍ أَو خِنْزِيرٍ، أَو عَلَى زِنًى أَو فَاحِشَةٍ: فَهَذَا لَا يَجِبُ رَدُّ الْعِوَضِ عَلَى الدَّافِعِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَة بِاخْتِيَارِهِ، وَاسْتَوْفَى عِوَضَهُ الْمحَرَّمَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ لَهُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ إِعَانَةً لَهُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَتَيْسِيرَ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي عَلَيْهِ. وَمَاذَا يُرِيدُ الزَّانِي وَفَاعِلُ الْفَاحِشَةِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَنَالُ غَرَضَهُ وَيسْتَرِدُّ مَالَهُ؟ فَهَذَا مِمَّا تُصَانُ الشَّرِيعَةُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِهِ، وَلَا يَسُوغُ الْقَوْلُ بِهِ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّلْمِ وَالْفَاحِشَةِ وَالْغَدْرِ. وَمِن أَقْبَحِ الْقَبِيحِ أنْ يَسْتَوْفِيَ عِوَضَهُ مِنَ الْمَزْنِيِّ بِهَا، ثُمَّ يَرْجِع فِيمَا أَعْطَاهَا قَهْرًا، وَقُبْحُ هَذَا مُسْتَقِرٌّ فِي فِطَرِ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ، فَلَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ. وَلَكِنْ لَا يَطِيبُ لِلْقَابِضِ أَكْلُهُ؛ بَل هُوَ خَبِيث كَمَا حَكَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَكِنَّ خُبْثَهُ لِخُبْثِ مَكْسَبِهِ، لَا لِظُلْمِ مَن أُخِذَ مِنْهُ، فَطَرِيقُ التَّخَلُّصِ مِنْهُ، وَتَمَامُ التَّوْبَةِ: بِالصَّدَقَةِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَاجَتِهِ، وَيتَصَدَّقَ بِالْبَاقِي، فَهَذَا حُكْمُ كُلِّ كَسْبٍ خَبِيثٍ لِخُبْثِ عِوَضِهِ عَيْنًا كَانَ أَو مَنْفَعَةً. وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْحُكْمِ بِخُبْثِهِ: وُجُوبُ رَدِّهِ عَلَى الدَّافِعِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِخُبْثِ كَسْبِ الْحَجَّامِ، وَلَا يَجِبُ رَدُّهُ عَلَى دَافِعِهِ] (١). وَقَد تَوَقَّفَ شَيْخُنَا فِي وُجُوبِ رَدِّ عِوَضِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى بَاذِلِهِ، أوِ الصَّدَقَةِ بِهِ فِي كِتَابِ "اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ لِمُخَالَفَةِ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ"، وَقَالَ: الزَّانِي وَمُسْتَمِعُ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ قَد بَذَلُوا هَذَا الْمَالَ عَن طِيبِ نَفُوسِهِمْ، فَاسْتَوْفَوُا الْعِوَضَ الْمُحَرَّمَ، وَالتَّحْرِيمُ الَّذِي فِيهِ لَيْسَ لِحَقِّهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى، وَقَد فَاتَتْ هَذِهِ الْمَنْفَعَةُ بِالْقَبْضِ، وَالْأُصُولُ تَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا رَدَّ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ رَدَّ الْآخَرَ، فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْمُستَأْجِرِ رَدُّ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَالَ،

стр. 2489

وَهَذَا الَّذِي اسْتُوْفِيَتْ مَنْفَعَتُهُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي أَخْذِ مَنْفَعَتِهِ، وَأَخْذِ عِوَضِهَا جَمِيعًا مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْعِوَضُ خَمْرًا أَو مَيْتَةً، فَإِنَّ تِلْكَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي فَوَاتِهَا، فَإِنَّهَا لَو كَانَت بَاقِيَةً لَأَتْلَفْنَاهَا عَلَيْهِ، وَمَنْفَعَةُ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ لَو لَمْ تَفُتْ، لَتَوَفَرَتْ عَلَيْهِ بحَيْثُ كَانَ يَتَمَكَّنُ مِن صَرْفِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ فِي أَمْرٍ آخَرَ، أَعْنِي مَن صَرَفَ الْقُوَّةَ الًّتِي عَمِلَ بِهَا. ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ سُؤَالًا، فَقَالَ: فَيُقَالُ عَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَقْضُوا بِهَا إِذَا طَالَبَ بِقَبْضِهَا. وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: قِيلَ: نَحْنُ لَا نَأْمُرُ بِدَفْعِهَا وَلَا بِرَدِّهَا كَعُقُودِ الْكُفَّارِ الْمُحَرَّمَةِ، فَإِنَّهُم إِذَا أَسْلَمُوا قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يُحْكَمْ بِالْقَبْضِ، وَلَو أَسْلَمُوا بَعْدَ الْقَبْضِ لَمْ يُحْكَمْ بِالرَّدِّ، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأُجْرَةُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُعْتَقِدًا لِتَحْرِيمِهَا بِخِلَافِ الْكَافِرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا طَلَبَ الْأُجْرَةَ، فَقُلْنَا لَهُ: أَنْتَ فَرَّطْتَ حَيْثُ صَرَفْتَ قُوَّتَكَ فِي عَمَلٍ يَحْرُمُ، فَلَا يُقْضَى لَكَ بِالْأُجْرَةِ. فَإِذَا قَبَضَهَا، وَقَالَ الدَّافِعُ هَذَا الْمَالَ: اقْضُوا لِي بِرَدِّهِ، فَإِنِّي أَقَبَضْتُهُ إِيَّاهُ عِوَضًا عَن مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ، قُلْنَا لَهُ: دَفَعْتَهُ مُعَاوَضةً رَضِيتَ بِهَا، فَإِذَا طَلَبْتَ اسْتِرْجَاعَ مَا أخَذَ، فَارْدُدْ إِلَيْهِ مَا أَخَذْتَ إِذَا كَانَ لَهُ فِي بَقَائِهِ مَعَهُ مَنْفَعَةٌ، فَهَذَا مُحْتَمَلٌ. قَالَ: وَإِن كَانَ ظَاهِرُ الْقِيَاسِ رَدُّهَا، لِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، انْتَهَى. إلى أن قال ابن القيم ﵀: فَأَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِهَا لِيُرِيقَهَا، أَو لِيَنْقُلَ الْمَيْتَةَ إِلَى الصَّحْرَاءِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِهَا، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَجُوزُ حِينَئذٍ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مُبَاحٌ، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الْأُجْرَةُ جِلْدَ الْمَيْتَةِ لَمْ تَصِحَّ، وَاسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَإِن كَانَ قَد سَلَخَ الْجِلْدَ وَأَخَذَهُ، رَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، هَذَا قَوْلُ شَيْخِنَا. وَقَد نَصَّ أحمد فِي رِوَايَةِ أبي النضر، فِيمَن حَمَلَ خَمْرًا، أَو خِنْزِيرًا، أَو مَيْتَةً لِنَصْرَانِيٍّ: أَكْرَهُ أَكْلَ كِرَائِهِ، وَلَكِنْ يُقْضَى لِلْحَمَّالِ بِالْكِرَاءِ. وَإِذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ، فَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةً.

стр. 2490

فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي هَذَا النَّصِّ عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ. إِحْدَاهَا: إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ ابن أبي موسى: وَكَرِهَ أحمد أَنْ يُؤَجِّرَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ لِحَمْلِ مَيْتَةٍ أَو خِنْزِيرٍ لِنَصْرَانِيٍّ. فَإِنْ فَعَلَ: قُضِيَ لَهُ بِالْكِرَاءِ، وَهَل يَطِيبُ لَهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَوْجَهُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَطِيبُ لَهُ، وَيتَصَدَّقُ بِهِ. إلى أن قال: قَالَ شَيْخُنَا: وَالْأَشْبَهُ طَرِيقَةُ ابن موسى - يَعْنِي: أَنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِالْأُجْرَةِ وَإِن كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ مُحَرَّمَةً - وَلَكِنْ لَا يَطِيبُ لَهُ أَكْلُهَا. قَالَ: فَإِنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى مَقْصُودِ أحمد، وَأَقْرَبُ إِلَى الْقِيَاسِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ عَاصِرَ الْخَمْرِ، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ. فَالْعَاصِرُ وَالْحَامِلُ قَد عَاوَضَا عَلَى مَنْفَعَةٍ تَسْتَحِقُّ عِوَضًا، وَهِيَ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ بِقَصْدِ الْمُعْتَصِرِ وَالْمُسْتَحْمِلِ، فَهُوَ كَمَا لَو بَاعَ عِنَبًا وَعَصِيرًا لِمَن يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَفَاتَ الْعَصِيرُ وَالْخَمْرُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ مَالَ الْبَائِعِ لَا يَذْهَبُ مَجَّانًا؛ بَل يُقْضَى لَهُ بِعِوَضِهِ. كَذَلِكَ هُنَا الْمَنْفَعَةُ الَّتِي وَفَّاهَا الْمُؤَجِّرُ، لَا تَذْهَبُ مَجَّانًا؛ بَل يُعْطَى بَدَلَهَا، فَإِنَّ تَحْرِيمَ الِانْتِفَاعِ بِهَا إِنَّمَا كَانَ مِن جِهَةِ الْمُسْتَأْجِرِ، لَا مِن جِهَةِ الْمُؤَجِّرِ، فَإِنَّهُ لَو حَمَلَهَا لِلْإرَاقَةِ، أَو لِإِخْرَاجِهَا إِلَى الصَّحْرَاءِ خَشْيَةَ التَّاذِّي بِهَا، جَازَ. ثُمَّ نَحْنُ نُحَرِّمُ الْأُجْرَةَ عَلَيْهِ لِحَقِّ اللهِ سُبْحَانَهُ لَا لِحَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُشْتَرِي، بِخِلَافِ مَنِ اسْتُؤْجِرَ لِلزِّنَا أَوِ التَّلَوُّطِ أَوِ الْقَتْلِ أَوِ السَّرِقَةِ، فَإِنَّ نَفْسَ هَذَا الْعَمَلِ مُحَرَّمٌ لِأَجْلِ قَصْدِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَهُوَ كَمَا لَو بَاعَ مَيْتَةً أَو خَمْرًا، فَإِنَّه لَا يُقْضَى لَهُ بِثَمَنِهَا؛ لِأَنَّ نَفْسَ هَذِهِ الْعَيْنِ مُحَرَّمَةٌ، وَكَذَلِكَ لَا يُقْضَى لَهُ بِعِوَضِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَمِثْل هَذِهِ الْإِجَارَةِ، وَالْجَعَالَةِ؛ يَعْنِي: الْإِجَارَةَ عَلَى حَمْلِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ، لَا تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا، وَلَا بِالْفَسَادِ مُطْلَقًا؛ بَل يُقَالُ: هِيَ
следующие страницы →