Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مَهْرَ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَحُلْوَانَ الْكَاهِنِ خَبِيثٌ، وَالْحَاكِمُ يَقْضِي بِعُقُوبَةِ الْمُسْتَأْجِرِ الْمُسْتَوْفِي لِلْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ فَتَكُونُ عُقُوبَتُهُ لَهُ عِوَضًا عَن الْأَجْرِ.
فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ: فَهَل يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ ذَلِكَ وَإِن كَانَ لَا يَحِلُّ الْأَخْذُ لِحَقِّ اللهِ؟ فَهَذَا مُتَقَوِّمٌ.
وَإِن لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَانَ فِي ذَلِكَ دَركٌ لِحَاجَتِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الْمُحَرَّمَ وَيُعْذَرُ، وَلَا يُعَاقِبُهُ فِي الْآخِرَةِ إلَّا عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمِ لَا عَلَى الْغَدْرِ وَالظُّلْمِ.
وَهَذَا الْبَحْثُ يَتَّصِلُ بِالْبَحْثِ فِي أَحْكامِ سَائِر الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وقُبُوضِهَا. [٣٠/ ٢٠٩ - ٢١٠]
٣٦٠٢ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ مُرَابٍ خَلَّفَ مَالًا وَوَلَدًا، وَهُوَ يَعْلَمُ بِحَالِهِ، فَهَل يَكُونُ الْمَالُ حَلَالًا لِلْوَلَدِ بِالْمِيرَاثِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: أَمَّا الْقَدْرُ الَّذِي يَعْلَمُ الْوَلَدُ أَنَّهُ رِبًا فَيُخْرِجُهُ: إمَّا أَنْ يَرُدَّهُ إلَى أَصْحَابِهِ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ.
وَالْبَاقِي لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ.
لَكِنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَبَهَ يُسْتَحَبُّ لَهُ تَرْكُهُ إذَا لَمْ يَجِبْ صَرْفُهُ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ أَو نَفَقَةِ عِيَالٍ.
وَإِن كَانَ الْأَبُ قَبَضَهُ بِالْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ الَّتِي يُرَخِّصُ فِيهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: جَازَ لِلْوَارِثِ الِانْتِفَاعُ بِهِ.
وَإن اخْتَلَطَ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ وَجَهِلَ قَدْرَ كُلِّ مِنْهُمَا: جَعَلَ ذَلِكَ نِصْفَيْنِ. [٢٩/ ٣٠٧]
٣٦٠٣ - الْقَبْضُ الَّذِي لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ: هُوَ الظُّلْمُ الْمَحْضُ، فَأَمَّا الْمَقْبُوضُ
الحواشي
(١) = الذين بذلوها في المنفعة المحرمة، ولا يباح الأخذ، بل يُتَصَدَّق بها، وتُصْرَف في مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمدُ في أجرة حمال الخمر.стр. 2487
بِعَقْدٍ فَاسِدٍ كَالرِّبَا وَالْمَيْسِرِ وَنَحْوِهِمَا: فَهَل يُفِيدُ الْمِلْكَ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ لِلْفُقَهَاءِ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُفِيدُ الْمِلْكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّانِي: لَا يُفِيدُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَعْرُوفِ مِن مَذْهَبِهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إنْ فَاتَ أَفَادَ الْمِلْكَ، وَإِن أَمْكَنَ رَدُّهُ إلَى مَالِكهِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فِي وَصْفٍ وَلَا سِعْرٍ لَمْ يُفِد الْمِلْكَ، وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَن مَذْهَبِ مَالِكٍ (١) . [٢٩/ ٣٢٧ - ٣٢٨]
٣٦٠٤ - قال ابن القيم ﵀: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَقُولُونَ فِي كَسْبِ الزَّانِيَةِ إِذَا قَبَضَتْهُ، ثُمَّ تَابَتْ هَل يَجِبُ عَلَيْهَا رَدُّ مَا قَبَضَتْهُ إِلَى أَرْبَابِهِ، أَمْ يَطِيبُ لَهَا، أَمْ تَصَّدَّقُ بِهِ؟
[قِيلَ: هَذَا يَنْبَنِي عَلَى قَاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ مِن قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ أَنَّ مَن قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ شَرْعًا، ثُمَّ أَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْهُ:
- فَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ قَد أُخِذَ بِغَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ، وَلَا اسْتَوْفَى عِوَضَهُ: رَدَّهُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ عَلَيْهِ: قَضَى بِهِ دَيْنًا يَعْلَمُهُ عَلَيْهِ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ: رَدَّهُ إِلَى وَرَثَتِهِ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ: تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ.
فَإِنِ اخْتَارَ صَاحِبُ الْحَقِّ ثَوَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: كَانَ لَهُ.
وَإِن أَبَى إِلَّا أَنْ يَأْخُذَ مِن حَسَنَاتِ الْقَابِضِ: اسْتَوْفَى مِنْهُ نَظِيرَ مَالِهِ، وَكَانَ ثَوَابُ الصَّدَقَةِ لِلْمُتَصَدِّقِ بِهَا، كَمَا ثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ ﵃. الحواشي
(١) فمن تاب من الربا والميسر بناءً على مذهب أبي حنيفة ومالك رحمهما الله تعالى فإنّ ما بيده من الأموال لا يجب عليه التخلص منها، فهي ملكٌ له، وحلال عليه، ولكن العقود المحرمة الحالية يجب عليه أن يكف عنها، ولا يأخذ ولا يدفع ما لا يحل له.стр. 2488
- وَإِن كَانَ الْمَقْبُوضُ بِرِضَا الدَّافِعِ وَقَدِ اسْتَوْفَى عِوَضَهُ الْمُحَرَّمَ؛ كَمَن عَاوَضَ عَلَى خَمْرٍ أَو خِنْزِيرٍ، أَو عَلَى زِنًى أَو فَاحِشَةٍ: فَهَذَا لَا يَجِبُ رَدُّ الْعِوَضِ عَلَى الدَّافِعِ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَة بِاخْتِيَارِهِ، وَاسْتَوْفَى عِوَضَهُ الْمحَرَّمَ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ لَهُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ إِعَانَةً لَهُ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَتَيْسِيرَ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي عَلَيْهِ.
وَمَاذَا يُرِيدُ الزَّانِي وَفَاعِلُ الْفَاحِشَةِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَنَالُ غَرَضَهُ وَيسْتَرِدُّ مَالَهُ؟ فَهَذَا مِمَّا تُصَانُ الشَّرِيعَةُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِهِ، وَلَا يَسُوغُ الْقَوْلُ بِهِ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّلْمِ وَالْفَاحِشَةِ وَالْغَدْرِ.
وَمِن أَقْبَحِ الْقَبِيحِ أنْ يَسْتَوْفِيَ عِوَضَهُ مِنَ الْمَزْنِيِّ بِهَا، ثُمَّ يَرْجِع فِيمَا أَعْطَاهَا قَهْرًا، وَقُبْحُ هَذَا مُسْتَقِرٌّ فِي فِطَرِ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ، فَلَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ.
وَلَكِنْ لَا يَطِيبُ لِلْقَابِضِ أَكْلُهُ؛ بَل هُوَ خَبِيث كَمَا حَكَمَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَكِنَّ خُبْثَهُ لِخُبْثِ مَكْسَبِهِ، لَا لِظُلْمِ مَن أُخِذَ مِنْهُ، فَطَرِيقُ التَّخَلُّصِ مِنْهُ، وَتَمَامُ التَّوْبَةِ: بِالصَّدَقَةِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَاجَتِهِ، وَيتَصَدَّقَ بِالْبَاقِي، فَهَذَا حُكْمُ كُلِّ كَسْبٍ خَبِيثٍ لِخُبْثِ عِوَضِهِ عَيْنًا كَانَ أَو مَنْفَعَةً.
وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْحُكْمِ بِخُبْثِهِ: وُجُوبُ رَدِّهِ عَلَى الدَّافِعِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِخُبْثِ كَسْبِ الْحَجَّامِ، وَلَا يَجِبُ رَدُّهُ عَلَى دَافِعِهِ] (١) .
وَقَد تَوَقَّفَ شَيْخُنَا فِي وُجُوبِ رَدِّ عِوَضِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى بَاذِلِهِ، أوِ الصَّدَقَةِ بِهِ فِي كِتَابِ "اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ لِمُخَالَفَةِ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ"، وَقَالَ: الزَّانِي وَمُسْتَمِعُ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ قَد بَذَلُوا هَذَا الْمَالَ عَن طِيبِ نَفُوسِهِمْ، فَاسْتَوْفَوُا الْعِوَضَ الْمُحَرَّمَ، وَالتَّحْرِيمُ الَّذِي فِيهِ لَيْسَ لِحَقِّهِمْ، وَإِنَّمَا هُوَ لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى، وَقَد فَاتَتْ هَذِهِ الْمَنْفَعَةُ بِالْقَبْضِ، وَالْأُصُولُ تَقْتَضِي أَنَّهُ إِذَا رَدَّ أَحَدَ الْعِوَضَيْنِ رَدَّ الْآخَرَ، فَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَى الْمُستَأْجِرِ رَدُّ الْمَنْفَعَةِ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الْمَالَ، الحواشي
(١) ما بين المعقوفتين من زاد المعاد؛ تتميمًا للفائدة.стр. 2489
وَهَذَا الَّذِي اسْتُوْفِيَتْ مَنْفَعَتُهُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي أَخْذِ مَنْفَعَتِهِ، وَأَخْذِ عِوَضِهَا جَمِيعًا مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْعِوَضُ خَمْرًا أَو مَيْتَةً، فَإِنَّ تِلْكَ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي فَوَاتِهَا، فَإِنَّهَا لَو كَانَت بَاقِيَةً لَأَتْلَفْنَاهَا عَلَيْهِ، وَمَنْفَعَةُ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ لَو لَمْ تَفُتْ، لَتَوَفَرَتْ عَلَيْهِ بحَيْثُ كَانَ يَتَمَكَّنُ مِن صَرْفِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ فِي أَمْرٍ آخَرَ، أَعْنِي مَن صَرَفَ الْقُوَّةَ الًّتِي عَمِلَ بِهَا.
ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى نَفْسِهِ سُؤَالًا، فَقَالَ: فَيُقَالُ عَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ تَقْضُوا بِهَا إِذَا طَالَبَ بِقَبْضِهَا.
وَأَجَابَ عَنْهُ بِأَنْ قَالَ: قِيلَ: نَحْنُ لَا نَأْمُرُ بِدَفْعِهَا وَلَا بِرَدِّهَا كَعُقُودِ الْكُفَّارِ الْمُحَرَّمَةِ، فَإِنَّهُم إِذَا أَسْلَمُوا قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يُحْكَمْ بِالْقَبْضِ، وَلَو أَسْلَمُوا بَعْدَ الْقَبْضِ لَمْ يُحْكَمْ بِالرَّدِّ، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأُجْرَةُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُعْتَقِدًا لِتَحْرِيمِهَا بِخِلَافِ الْكَافِرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا طَلَبَ الْأُجْرَةَ، فَقُلْنَا لَهُ: أَنْتَ فَرَّطْتَ حَيْثُ صَرَفْتَ قُوَّتَكَ فِي عَمَلٍ يَحْرُمُ، فَلَا يُقْضَى لَكَ بِالْأُجْرَةِ. فَإِذَا قَبَضَهَا، وَقَالَ الدَّافِعُ هَذَا الْمَالَ: اقْضُوا لِي بِرَدِّهِ، فَإِنِّي أَقَبَضْتُهُ إِيَّاهُ عِوَضًا عَن مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ، قُلْنَا لَهُ: دَفَعْتَهُ مُعَاوَضةً رَضِيتَ بِهَا، فَإِذَا طَلَبْتَ اسْتِرْجَاعَ مَا أخَذَ، فَارْدُدْ إِلَيْهِ مَا أَخَذْتَ إِذَا كَانَ لَهُ فِي بَقَائِهِ مَعَهُ مَنْفَعَةٌ، فَهَذَا مُحْتَمَلٌ. قَالَ: وَإِن كَانَ ظَاهِرُ الْقِيَاسِ رَدُّهَا، لِأَنَّهَا مَقْبُوضَةٌ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، انْتَهَى.
إلى أن قال ابن القيم ﵀: فَأَمَّا إِذَا اسْتَأْجَرَهُ لِحَمْلِهَا لِيُرِيقَهَا، أَو لِيَنْقُلَ الْمَيْتَةَ إِلَى الصَّحْرَاءِ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِهَا، فَإِنَّ الْإِجَارَةَ تَجُوزُ حِينَئذٍ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ مُبَاحٌ، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الْأُجْرَةُ جِلْدَ الْمَيْتَةِ لَمْ تَصِحَّ، وَاسْتَحَقَّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَإِن كَانَ قَد سَلَخَ الْجِلْدَ وَأَخَذَهُ، رَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، هَذَا قَوْلُ شَيْخِنَا.
وَقَد نَصَّ أحمد فِي رِوَايَةِ أبي النضر، فِيمَن حَمَلَ خَمْرًا، أَو خِنْزِيرًا، أَو مَيْتَةً لِنَصْرَانِيٍّ: أَكْرَهُ أَكْلَ كِرَائِهِ، وَلَكِنْ يُقْضَى لِلْحَمَّالِ بِالْكِرَاءِ.
وَإِذَا كَانَ لِمُسْلِمٍ، فَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةً.
стр. 2490
فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي هَذَا النَّصِّ عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ.
إِحْدَاهَا: إِجْرَاؤُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الْمَسْأَلَةَ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
قَالَ ابن أبي موسى: وَكَرِهَ أحمد أَنْ يُؤَجِّرَ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ لِحَمْلِ مَيْتَةٍ أَو خِنْزِيرٍ لِنَصْرَانِيٍّ.
فَإِنْ فَعَلَ: قُضِيَ لَهُ بِالْكِرَاءِ، وَهَل يَطِيبُ لَهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَوْجَهُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَطِيبُ لَهُ، وَيتَصَدَّقُ بِهِ.
إلى أن قال: قَالَ شَيْخُنَا: وَالْأَشْبَهُ طَرِيقَةُ ابن موسى - يَعْنِي: أَنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِالْأُجْرَةِ وَإِن كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ مُحَرَّمَةً - وَلَكِنْ لَا يَطِيبُ لَهُ أَكْلُهَا.
قَالَ: فَإِنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى مَقْصُودِ أحمد، وَأَقْرَبُ إِلَى الْقِيَاسِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ عَاصِرَ الْخَمْرِ، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ. فَالْعَاصِرُ وَالْحَامِلُ قَد عَاوَضَا عَلَى مَنْفَعَةٍ تَسْتَحِقُّ عِوَضًا، وَهِيَ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ بِقَصْدِ الْمُعْتَصِرِ وَالْمُسْتَحْمِلِ، فَهُوَ كَمَا لَو بَاعَ عِنَبًا وَعَصِيرًا لِمَن يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، وَفَاتَ الْعَصِيرُ وَالْخَمْرُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَإِنَّ مَالَ الْبَائِعِ لَا يَذْهَبُ مَجَّانًا؛ بَل يُقْضَى لَهُ بِعِوَضِهِ. كَذَلِكَ هُنَا الْمَنْفَعَةُ الَّتِي وَفَّاهَا الْمُؤَجِّرُ، لَا تَذْهَبُ مَجَّانًا؛ بَل يُعْطَى بَدَلَهَا، فَإِنَّ تَحْرِيمَ الِانْتِفَاعِ بِهَا إِنَّمَا كَانَ مِن جِهَةِ الْمُسْتَأْجِرِ، لَا مِن جِهَةِ الْمُؤَجِّرِ، فَإِنَّهُ لَو حَمَلَهَا لِلْإرَاقَةِ، أَو لِإِخْرَاجِهَا إِلَى الصَّحْرَاءِ خَشْيَةَ التَّاذِّي بِهَا، جَازَ. ثُمَّ نَحْنُ نُحَرِّمُ الْأُجْرَةَ عَلَيْهِ لِحَقِّ اللهِ سُبْحَانَهُ لَا لِحَقِّ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُشْتَرِي، بِخِلَافِ مَنِ اسْتُؤْجِرَ لِلزِّنَا أَوِ التَّلَوُّطِ أَوِ الْقَتْلِ أَوِ السَّرِقَةِ، فَإِنَّ نَفْسَ هَذَا الْعَمَلِ مُحَرَّمٌ لِأَجْلِ قَصْدِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَهُوَ كَمَا لَو بَاعَ مَيْتَةً أَو خَمْرًا، فَإِنَّه لَا يُقْضَى لَهُ بِثَمَنِهَا؛ لِأَنَّ نَفْسَ هَذِهِ الْعَيْنِ مُحَرَّمَةٌ، وَكَذَلِكَ لَا يُقْضَى لَهُ بِعِوَضِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ الْمُحَرَّمَةِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَمِثْل هَذِهِ الْإِجَارَةِ، وَالْجَعَالَةِ؛ يَعْنِي: الْإِجَارَةَ عَلَى حَمْلِ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ، لَا تُوصَفُ بِالصِّحَّةِ مُطْلَقًا، وَلَا بِالْفَسَادِ مُطْلَقًا؛ بَل يُقَالُ: هِيَ
стр. 2491
صَحِيحَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِوَضُ، وَفَاسِدَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَجِيرِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعُ بِالْأَجْرِ، وَلهَذَا فِي الشَّرِيعَةِ نَظَائِرُ. قَالَ: وَلَا يُنَافِي هَذَا نَصَّ أحمد عَلَى كَرَاهَةِ نِطَارَةِ كَرْمِ النَّصْرَانِيِّ، فَإِنَّا نَنْهَاهُ عَن هَذَا الْفِعْلِ وَعَن عِوَضِهِ، ثُمَّ نَقْضِي لَهُ بِكِرَائِهِ، قَالَ: وَلَو لَمْ يَفْعَلْ هَذَا، لَكَانَ فِي هَذَا مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْعُصَاةِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَأجَرُوهُ عَلَى عَمَلٍ يَسْتَعِينُونَ بِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ قَد حَصَّلُوا غَرَضَهُم مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ يُعْطُوهُ شَيْئًا، وَوَجَبَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِم مَا أَخَذَ مِنْهُمْ، كَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ الْعَوْنِ لَهُمْ، وَلَيْسُوا بِأَهْلٍ أَنْ يُعَاوِنُوا عَلَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَن سَلَّمَ إلَيْهِم عَمَلًا لَا قِيمَةَ لَهُ بِحَالٍ؛ يَعْنِي: كَالزَّانِيَةِ، وَالْمُغَنِّي، وَالنَّائِحَةِ، فَإِن هَؤُلَاءِ لَا يُقْضَى لَهُم بِأُجْرَةِ، وَلَو قَبَضُوا مِنْهُمُ الْمَالَ، فَهَل يَلْزَمُهُم رَدُّهُ عَلَيْهِمْ، أَمْ يَتَصَدَّقُونَ بِهِ؟ فَقَد تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مُسْتَوْفًى فِي ذَلِكَ، وَبَيَّنَّا أنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُم رَدُّهُ، وَلَا يَطِيبُ لَهُم أَكْلُهُ. [المستدرك ٤/ ٤٦ - ٤٩]
٣٦٠٥ - إِنَّ الْمُحَرَّمَاتِ قِسْمَانِ:
أ - مُحَرَّمٌ لِعَيْنِهِ كَالنَّجَاسَاتِ مِن الدَّمِ وَالْمَيْتَةِ.
ب - وَمُحَرَّمٌ لِحَقِّ الْغَيْرِ وَهُوَ مَا جِنْسُهُ مُبَاحٌ مِن الْمَطَاعِمِ وَالْمَسَاكِنِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَرَاكِبِ وَالنُّقُودِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَتَحْرِيمُ هَذِهِ جَمِيعهَا يَعُودُ إلَى الظُّلْمِ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا تَحْرُمُ لِسَبَبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: قَبْضُهَا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِ صَاحِبِهَا وَلَا إذْنِ الشَّارعِ، وَهَذَا هُوَ الظُّلْمُ الْمَحْضُ؛ كَالسَّرِقَةِ وَالْخِيَانَةِ وَالْغَصْبِ الظَّاهِرِ.
وَهَذَا أَشْهَرُ الْأَنْوَاعِ بِالتَّحْرِيمِ.
وَالثَّانِي: قَبْضُهَا بِغَيْرِ إذْنِ الشَّارعِ وَإِن أَذِنَ صَاحِبُهَا، وَهِيَ الْعُقُودُ والقبوض الْمُحَرَّمَةُ كَالرِّبَا وَالْمَيْسِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَالْوَاجِبُ عَلَى مَن حَصَلَتْ بِيَدِهِ رَدُّهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَالْمَجْهُولُ كَالْمَعْدُومِ، وَقَد دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي اللُّقَطَةِ: "فَإِنْ
стр. 2492
وَجَدْت صَاحِبَهَا فَارْدُدْهَا إلَيْهِ وَإِلَّا فَهِيَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ" (١) .
فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ اللُّقَطَةَ الَّتِي عُرِفَ أَنَّهَا مِلْكٌ لِمَعْصُومٍ، وَقَد خَرَجَتْ عَنْهُ بِلَا رِضَاهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ: فَقَد آتاهَا اللهُ لِمَن سَلَّطَهُ عَلَيْهَا. بِالِالْتِقَاطِ الشَّرْعِيِّ.
وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ مَن مَاتَ وَلَا وَارِثَ لَهُ مَعْلُومٌ: فَمَالُهُ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي غَالِبِ الْخَلْقِ أَنْ يَكُونَ لَهُ عصبَةٌ بَعِيدٌ، لَكِنْ جُهِلَتْ عَيْنُهُ وَلَمْ تُرْجَ مَعْرِفَتُهُ، فَجُعِلَ كَالْمَعْدُومِ.
وَلَيْسَ لَهَا مَصْرِفٌ مُعَيَّنٌ، فَتُصْرَفُ فِي جَمِيعِ جِهَاتِ الْبِرِّ وَالْقُرَبِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إلَى اللهِ؛ لِأنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ، وَخَلَقَ لَهُم الْأَمْوَالَ لِيَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى عِبَادَتِهِ فَتُصْرَفُ فِي سَبِيلِ اللهِ. [٢٨/ ٥٩٣ - ٥٩٧]
٣٦٠٦ - مَن بَاعَ خَمْرًا لَمْ يَمْلِكْ ثَمَنَهُ، فَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي قَد أَخَذَ الْخَمْرَ فَشَرِبَهَا: لَمْ يُجْمَعْ لَهُ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ، بَل يُؤْخَذُ هَذَا الْمَالُ فَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قِيلَ فِي مَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ عِوَضٌ عَن عَيْنٍ أَو مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ إذَا كَانَ الْعَاصِي قَد اسْتَوْفَى الْعِوَضَ.
وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَو بَاع ذِمِّيٌّ لِذِمِّيّ خَمْرًا سِرًّا: فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ مِن ذَلِكَ، وَإِذَا تَقَابَضَا جَازَ أَنْ يُعَامِلَهُ الْمُسْلِمُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ الَّذِي قَبَضَهُ مِن ثَمَنِ الْخَمْرِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ ﵁: "وَلُّوهُم بَيْعَهَا وَخُذوا مِنْهُم أَثْمَانَهَا". [٢٨ - ٦٦٧]
٣٦٠٧ - إذا عاوض غيره معاوضة محرمة وقبض العوض كالزانية والمغني وبائع الخمر وشاهد الزور ونحوهم، ثم تاب والعوض بيده.
فقالت طائفة: يرده إلى مالكه؛ إذ هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع، ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح.
وقالت طائفة: بل توبته بالتصدق به، ولا يدفعه إلى من أخذه منه. وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. [المستدرك ١/ ١٤٨] الحواشي
(١) رواه أبو داود(١٧٠٩) ، وصحَّحه الألباني.стр. 2493
٣٦٠٨ - الْمَالُ الْمَكْسُوبُ:
أ - إنْ كانت عَيْنٌ أَو مَنْفَعَةٌ مُبَاحَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا حَرُمَتْ بِالْقَصْدِ؛ مِثْل مَن يَبِيعُ عِنَبًا لِمَن يَتَّخِذُهُ خَمْرًا، أَو مَن يُسْتَأْجَرُ لِعَصْرِ الْخَمْرِ أَو حَمْلِهَا: فَهَذَا يَفْعَلُهُ بِالْعِوَضِ، لَكِنْ لَا يَطِيبُ لَهُ أَكْلُهُ.
ب - وَأَمَّا إنْ كَانَت الْعَيْنُ أَو الْمَنْفَعَةُ مُحَرَّمَةً؛ كَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَثَمَنِ الْخَمْرِ: فَهُنَا لَا يُقْضَى لَهُ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ (١) ، وَلَو أَعْطَاهُ إيَّاهُ لَمْ يُحْكَمْ بِرَدِّهِ؛ فَإِنَّ هَذَا مَعُونَةٌ لَهُم عَلَى الْمَعَاصِي، إذَا جَمَعَ لَهُم بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ.
وَلَا يَحِلُّ هَذَا الْمَالُ لِلْبَغِيِّ وَالْخَمَّارِ وَنَحْوِهِمَا، لَكِنْ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنْ تَابَتْ هَذِهِ الْبَغِيُّ وَهَذَا الْخَمَّارُ وَكَانُوا فُقَرَاءَ: جَازَ أَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِم مِن هَذَا الْمَالِ مِقْدَارُ حَاجَتِهِمْ، فَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ يَتَّجِرُ أَو يَعْمَلُ صَنْعَةً كَالنَّسْجِ وَالْغَزْلِ أُعْطِيَ مَا يَكُونُ لَهُ رَأْسُ مَالٍ.
وَإِن اقْتَرَضُوا مِنْهُ شَيْئًا ليَكْتَسِبُوا بِهِ وَلَمْ يَرُدُّوا عِوَضَ الْقَرْضِ كَانَ أَحْسَنَ.
وَأَمَّا إذَا تَصَدَّقَ بِهِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ: فَهَذَا يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ تَصَدَّقَ بِهِ كَمَا يَتَصَدَّقُ الْمَالِكُ بِمِلْكِهِ: فَهَذَا لَا يَقْبَلُهُ اللهُ - إنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ إلَّا الطَّيِّبَ - فَهَذَا خَبِيثٌ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ". [٢٩/ ٣٠٨ - ٣٠٩]
٣٦٠٩ - مَن اكْتَسَبَ مَالًا خَبِيثًا؛ مِثْلُ هَذَا الَّذِي يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْبِدَعِ وَيَأُخُذُ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا: فَإِنَّة لَا يَمْلِكُهُ، فَإِذَا تَعَذَّرَ رَدُّهُ عَلَى صَاحِبِهِ فَإِنَّ وُلَاةَ الْأُمُورِ يَأخذُونَهُ مِن هَذَا الَّذِي أَكَلَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَصَدَّ عَن سَبِيلِ اللهِ، وَيَصْرِفُونَهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يُحِبُّهَا اللهُ وَرَسُولُهُ، فَيُؤْخَذُ الْمَالُ الَّذِي الحواشي
(١) أي: لا يملك المال ولا يُمَكَّن منه.стр. 2494
أُنْفِقَ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، فَيُنْفَقُ فِي طَاعَةِ الرَّحْمَنِ (١) . [٢٧/ ١١٠ - ١١١]
٣٦١٠ - إذَا لَمْ يَعْرِف؛ [أي: الظالم الغاصب أو السارق] الْمَظْلُومَ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَنْهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا لَو حَصَلَ بِيَدِهِ أَثْمَانٌ مِن غصوب وَعَوَارٍ وَوَدَائِعَ لَا يَعْرِفُ أَصْحَابَهَا فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَنْهُم؛ لِأَنَّ الْمَجْهُولَ كَالْمَعْدُومِ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالْمَعْجُوزُ عَنْهُ كَالْمَعْدُومِ؛ وَلهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي اللُّقَطَةِ: "فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ، وَإِلَّا فَهِيَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ" (٢) .
فجَعَلَهَا لِلْمُلْتَقِطِ (٣) إذا تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ صَاحِبِهَا - وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَوَازِ صَدَقَتِهِ بِهَا، وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ تَمَلُّكِهِ لَهَا مَعَ الْغِنَى، وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ - فَكَيْفَ بِمَا يَجْهَلُ فِيهِ ذَلِكَ؟ (٤) . الحواشي
(١) ويجوز لمن تاب من الكسب المحرم إن كان محتاجًا أنْ يأخذ من المال قدر حاجته، وله أن يستثمر شيئًا منه يجعله رأس مال في تجارة أو صناعة، ثم يتصدق بما زاد عن حاجته، كما تقدّم النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.(٢) رواه الإمام أحمد(١٧٤٨١) .(٣) قال الشيخ في موضع آخر: فَهَذ اللُّقَطَةُ كَانَت مِلْكًا لِمَالِكٍ وَوَقَعَتْ مِنْهُ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ مَالِكِهَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هِيَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ"، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أنَّ اللهَ شَاءَ أَنْ يُزِيلَ عَنْهَا مِلْكَ ذَلِكَ الْمَالِكِ، وُيعْطِيَهَا لِهَذَا الْمُلْتَقِطِ الَّذِي عَرَّفَهَا سَنَةً.
وَلَا نِزَاعَ بَيْنَ الْأئِمَّةِ أَنَّهُ بَعْدَ تَعْرِيفِ السَّنَةِ يَجُوزُ لِلْمُلْتَقِطِ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا، وَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا إنْ كَانَ فَقِيرًا.
وَهَل لَهُ التَّمَلُّكُ مَعَ الْغِنَى؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ، وَمَذْهَبُ الشافِعِيِّ وَأَحْمَد أَنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجَوِّزُهُ. اهـ. (٢٩/ ٣٢٢)
وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: مَعْنَاهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ؛ انْطِلَاقُ يَدِ الْمُلْتَقِطِ عَلَيْهَا بَعْدَ الْحَوْلِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَكْلِ لَهَا وَاسْتِنْفَاقِهَا، أَوِ الصَّدَقَةِ بِهَا، وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُهَا إِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
وَمِمَن رُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَنَ الْمُلْتَقِطَ مُخَيرٌ بَعْدَ الْحَوْلِ في أكلها أو الصدقة بها: عمر وابن عمر وابن مَسْعُودٍ وَعَائِشَةُ ﵃. اهـ. الاستذكار (٧/ ٢٥٠).(٤) العبارة في الأصل: فَإِذَا كَانَ فِي اللُّقَطَةِ التِي تَحْرُمُ بِأَنَّهَا سَقَطَتْ مِن مَالِكٍ لَمَّا تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ صَاحِبِهَا جَعَلَهَا النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُلْتَقِطِ.
وفيها من الغموض ما هو ظاهر، والمثبت من الفتاوى المصرية(٣٣٤) .стр. 2495
وَذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وَالْمَالُ الَّذِي لَا نَعْرِفُ مَالِكَهُ يَسْقُطُ عَنَّا وُجُوبُ رَدِّهِ إلَيْهِ، فَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَالصَّدَقَةُ مِن أَعْظَمِ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
وَهَذَا أَصْلٌ عَامٌ فِي كُلِّ مَالٍ جُهِلَ مَالِكُهُ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ رَدُّهُ إلَيْهِ؛ كَالْمَغْصُوبِ وَالْعَوَارِي وَالْوَدَائِعِ تُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ.
وَإِذَا صُرِفَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ جَازَ لِلْفَقِيرِ أَخْذُهَا؛ لِأنَّ الْمُعْطِيَ هُنَا إنَّمَا يُعْطِيهَا نِيَابَةً عَن صَاحِبِهَا.
بِخِلَافِ مَن تَصَدَّقَ مِن غُلُولٍ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ" (١) .
فَهَذَا الَّذِي يَحُوزُ الْمَالَ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ مَعَ إمْكَانِ رَدِّهِ إلَى صَاحِبِهِ، أَو يَتَصَدَّقُ صَدَقَةَ مُتَقَرِّبٍ كَمَا يَتَصَدَّقُ بِمَالِهِ: فَاللهُ لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ.
وَأَمَّا ذَاكَ فَإِنَّمَا يَتَصَدَّقُ بِهِ صَدَقَةَ مُتَحَرِّجٍ مُتَأَثِّمٍ، فَكَانَت صَدَقَتُهُ بِمَنْزِلَةِ أَدَاءِ الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ إلَى أَصْحَابِهَا، وَبِمَنْزِلَةِ إعْطَاءِ الْمَالِ لِلْوَكِيلِ الْمُسْتَحِقِّ، لَيْسَ هُوَ مِن الصَّدَقَةِ الدَّاخِلَةِ فِي قَوْلِهِ: "ولا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ". [٢٩/ ٢٦٢ - ٢٦٣، ٣٠/ ٤١٣]
* * *
(شرح ومعنى حديث: "ابْتَاعِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُم الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَن أَعْتَقَ ")
٣٦١١ - فَصْلٌ: فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَائِشَةَ: "ابْتَاعِيهَا وَاشْتَرِطي لَهُم الْوَلَاءَ فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَن أَعْتَقَ" (٢) : فَإِنَّ هَذَا أَشْكَلَ عَلَى كثِيرٍ مِن النَّاسِ. الحواشي
(١) رواه مسلم(٢٢٤) .(٢) رواه البخاري(٢١٦٨) ، ومسلم(١٥٠٤) .стр. 2496
فَأَشْكَلَ عَلَيْهِم مِن جِهَتَيْنِ: مِن جِهَةِ أَنَّ الرَّسُولَ كَيْفَ يَأْمُرُ بِالشَّرْطِ الْبَاطِلِ؟
وَالثَّانِي: مِن جِهَةِ أَنَّ الشَرْطَ الْبَاطِلَ كَيْفَ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ.
وَقَد أَجَابَ طَائِفَةٌ بِجَوَابٍ ثَالِثٍ ذَكَرَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ، وَهُوَ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا قَد عَلِمُوا أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَأَقْدَمُوا عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ وُجُودُ اشْتِرَاطِهِمْ كَعَدَمِهِ، وَبَيَّنَ لِعَائِشَةَ أَنَّ اشْتِرَاطَك لَهُم الْوَلَاءَ لَا يَضُرُّك، فَلَيْسَ هُوَ أَمْرًا بِالشَّرْطِ، لَكِنْ إذْنًا لِلْمُشْتَرِي فِي اشْتِرَاطِهِ إذَا أَبَى الْبَائِعُ أَنْ يَبِيعَ إلَّا بِهِ، وَإِخْبَارًا لِلْمُشْتَرِي أَنَّ هَذَا لَا يَضُرُّهُ، وَيجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْخُلَ فِي مِثْل ذَلِكَ.
فَهُوَ إذْنٌ فِي الشِّرَاءِ مَعَ اشْتِرَاطِ الْبَائِعِ ذَلِكَ، وَإِذْنٌ فِي الدُّخُولِ مَعَهُم فِي اشْتِرَاطِهِ لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِي ذَلِكَ، وَنَفْسُ الْحَدِيثِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مِثْل هَذَا الشَّرْطِ الْفَاسِدِ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد فِي أظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَإِنَّمَا اسْتَشْكَلَ الْحَدِيثَ مَن ظَنَّ أَنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِطُ يَعْلَمُ أَنَّهُ شَرْطٌ مُحَرَّمٌ لَا يَحِل اشْتِرَاطُهُ فَوُجُودُ اشْتِرَاطِهِ كَعَدَمِهِ؛ مِثْل هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَيَصِحُّ اشْتِرَاءُ الْمُشْتَرِي وَيمْلِكُ الْمُشْتَرِي، وَيلْغُو هَذَا الشَّرْط الَّذِي قَد عَلِمَ الْبَائِعُ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمُشْتَرِطُ لِمِثْل هَذَا الشَّرْطِ الْبَاطِلِ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ ظَانًّا أَنَّهُ شَرْطٌ لَازِمٌ: فَهَذَا لَا يَكُونُ الْبَيْعُ فِي حَقِّهِ لَازِمًا وَلَا يَكُونُ أَيْضًا بَاطِلًا، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد؛ بَل لَهُ الْفَسْخُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِزَوَالِ مِلْكِهِ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فَمُلكهُ لَهُ إنْ شَاءَ، وَإِن شَاءَ أَنْ يُنْفِذَ الْبَيْعَ أَنْفَذَهُ، كَمَا لَو ظَهَرَ بِالْمَبِيعِ عَيْبٌ.
стр. 2497
وَقَد قِيلَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد: إنَّ لَهُ (١) أَرْشَ مَا نَقَصَ مِن الثَّمَنِ بِإِلْغَاءِ هَذَا الشَّرْطِ، كَمَا قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمَعِيبِ، وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا الْفَسْخَ، وَإِنَّمَا لَهُ الْأَرْشُ بِالتَّرَاضِي أَو عِنْدَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ؛ كَقَوْلِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَهَذَا أَصَحُّ؛ فَإِنَّهُ كَمَا أَنَّ الْمُشْتَرِطَ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِالشَّرْطِ فَلَا يَلْزَمُ الْبَيْعُ بِدُونِهِ بَل لَهُ الْخِيَارُ، فَكَذَلِكَ الْآخَرُ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِالثَّمَنِ الْمُسَمَّى وَإِن كَانَ رَضِيَ بِهِ مَعَ الشَّرْطِ، فَإِذَا أَلْغَى الشَّرْطَ وَصَارَ الْوَلَاءُ لَهُ فَهُوَ لَمْ يَرْضَ بِأَكْثَرَ مِن الثَّمَنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ؛ بَل إنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ فَلَا يُلْزَمُ بِالزِّيَادَةِ؛ بَل إذَا أَعْطَى الثَّمَنَ فَإِنْ شَاءَ الْآخَرُ قَبِلَ وَأَمْضَى، وَاِن شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ، وَإِن تَرَاضَيَا بِالْأَرْشِ جَازَ، لَكِنْ لَا يُلْزَمُ بِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا بِرِضَاهُ، فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ عَن الْجُزْءِ الْفَائِتِ.
وَهَكَذَا يُقَالُ فِي نَظَائِرِ هَذَا؛ مِثْل الصَّفْقَةِ إذَا تَفَرَّقَتْ. [٢٩/ ٣٣٧ - ٣٤١]
٣٦١٢ - الشَّرْطُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الْعَقْدِ: هَل هُوَ كَالْمُقَارِنِ لَهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَالْمُقَارِنِ. [٢٩/ ٣٥٣]
٣٦١٣ - "ابتاعيها واشترطي لهم الولاء؛ فإنما الولاء لمن أعتق" (٢) .
قال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر أقوال الطوائف في هذا الحديث وهي خمسة: قال شيخنا: بل الحديث على ظاهره، ولم يأمرها النبي ﷺ باشتراط الولاء تصحيحًا لهذا الشرط ولا إباحة له، ولكن عقوبة لمشترطه؛ إذ أبى أن يبيع جارية للمعتق إلا باشتراط ما يخالف حكم الله تعالى وشرعه، فأمرها أن تدخل تحت شرطهم الباطل ليظهر به حكم الله ورسوله؛ لأن الشروط الباطلة لا تغير شرعه، وأن من شرط ما يخالف دينه لم يجز أن يوفى له بشرطه، ولا الحواشي
(١) أي: المشتري.(٢) رواه البخاري(٤٥٦) ، ومسلم(١٥٠٤) .стр. 2498
يبطل البيع به، وأن من عرف فساد الشرط وشرطه ألغي اشتراطه ولم يعتبر. [المستدرك ١/ ٢٠٣]
* * *
(وجوب الوفاء بالعقود، وبيان أن كفارة الأيمان من خصائص هذه الأمة)
٣٦١٤ - لَو عَاقَدَ الرَّجُل غَيْرَهُ عَلَى بَيْعٍ أَو إجَارَةٍ أَو نِكَاحٍ: لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَغْدِرَ بِهِ، وَلَوَجَبَ عَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِهَذَا الْعَقْدِ، فَكَيْفَ بِمُعَاقَدَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ عَلَى مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِن طَاعَتِهِمْ وَمُنَاصَحَتِهِمْ وَالِامْتِنَاعِ مِن الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ؟!
فَكُلُّ عَقْدٍ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ بِدُونِ الْيَمِينِ إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ كَانَت الْيَمِينُ مُؤَكِّدَةً لَهُ، وَلَمْ (١) يَجُزْ فَسْخُ مِثْل هَذَا الْعَقْدِ؛ بَل قَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ (٢) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَرْبَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَن كَانَت فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَت فِيهِ خَصْلَةٌ مِن النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَاِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ".
وَمَا كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ الْيَمِينِ إذَا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ: لَمْ يَصِرْ حَرَامًا؛ بَل لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ وَيُكَفِّرَ عَن يَمِينِهِ (٣) .
وَمَا لَمْ يَكُن وَاجِبًا فِعْلُهُ إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ: لَمْ يَصِرْ وَاجِبًا عَلَيْهِ؛ بَل لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ، وَلَا يَفْعَلُهُ وَلَو غَلَّظَ فِي الْيَمِينِ بِأَيِّ شَيْءٍ غَلَّظَهَا (٤) .
فَأَيْمَانُ الْحَالِفِينَ لَا تُغَيِّرُ شَرَائِعَ الدِّينِ، وَلَيْسَ لِأَحَد أَنْ يُحَرِّمَ بِيَمِينِهِ مَا أَحَلَّهُ اللهُ، وَلَا يُوجِبَ بِيَمِينِهِ مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللهُ. الحواشي
(١) في الأصل: (وَلَو لم)، ولعل المثبت هو الصواب؛ ليستقيم المعنى.(٢) البخاري(٣٤) ، ومسلم(٥٨) .(٣) مثاله: والله لا أسافر اليوم.(٤) مثاله: والله لأسافرنّ اليوم.
ما لم يكن في ذلك وعدٌ، فيجب أنْ يبرّ بيمينه وفَاءً بالوعد.стр. 2499
هَذَا هُوَ شَرْعُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وَأَمَّا شَرْعُ مَن قَبْلَهُ: فَكَانَ فِي شَرْعِ بَنِي إسْرَائيلَ إذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ شَيْئًا حَرُمَ عَلَيْهِ، وَإِذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُن فِي شَرْعِهِمْ كَفَّارَةٌ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: ٩٣] فَإِسْرَائِيلُ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا فَحُرِّمَ عَلَيْهِ.
وَلهَذَا لَمَّا لَمْ يَكُن فِي شَرْعِ مَن قَبْلَنَا كَفَّارَةٌ؛ بَل كَانَت الْيَمِينُ تُوجِبُ عَلَيْهِم فِعْلَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ: أَمَرَ اللهُ أَيوبَ أَنْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ ضِغْثًا فَيَضْرِبُ بِهِ وَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُن فِي شَرْعِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. [٣٣/ ١٤٦ - ١٤٧]
* * *
(باب الرِّبَا وَالصَرف)
٣٦١٥ - من باع ربويًا بنسيئة حرم أخذه عن ثمن ما لا يباع به نسيئة (١) ، ما الحواشي
(١) مثال ذلك: باع مائة صاع بُرّ بمائتي ريال مؤجلة إلى سنة، فحين حل الأجل جاء البائع إلى المشتري، وقال له: أعطني الدراهم، قال: ليس عندي إلا تمر، والتمر لا يُباع بالبر نسيئة؛ أي: بدون تقابض؛ لقول النبي ﷺ : "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد".
والحكمة من المنع: لئلا يُتخذ حيلة على بيع البر بالتمر مع عدم التقابض، فيقول مثلًا: بعتك برًّا بمائتي ريال إلى أجل ثم يقضيه تمرًا، فيتحيل على بيع البر بالتمر مع تأخر قبض الثمن، والحيل ممنوعة شرعًا.
وشيخ الإسلام توسط بين من حرم ذلك، وهو مذهب الحنابلة وغيرهم، وبين من أجازه مطلقًا، وهو الموفق ابن قدامة؛ لأن الحيلة هنا بعيدة، كيف يبيع برًّا بتمر بعد سنة؟ فهذا بعيد وما كان بعيدًا فلا عبرة به.
ومثال الحاجة في هذه الصورة: باع رجل على آخر تمرًا بألف ريال إلى سنة، ولما حلّ الأجل، وجاء البائع للمشتري لأخذ الدراهم فقال المشتري: أنا مزارعٌ، ولا أملك الآن نقودًا، ولكن عندي شعيرٌ، فقال: أنا آخذ الشعير بدل الألف ريال.
قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀: وهذا عندي أنه أحسن الأقوال، دفعًا للشبهة، ولئلا ينفتح الباب لغيرنا، فنحن قد لا نفعل هذا حيلة، لكن غيرنا قد يتحيل.
قال: بقي علينا شرط لا بد منه على القول بالجواز، وهو ألا يربح المستوفي، ونأخذ هذا =стр. 2500
لم تكن حاجة، وهو توسط بين الإمام أحمد في تحريمه، والشيخ أبي مقدس في حله. [المستدرك ٤/ ٨ - ٩]
٣٦١٦ - مَن بَاعَ مَالًا رِبَوِيًّا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِهِمَا إلَى أَجَلٍ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْتَاضَ عَن ثَمَنِهِ بِحِنْطَةٍ أَو شَعِيرٍ أَو غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَمْ يُقْبَضْ، فَكَأَنَّه قَد بَاعَ حِنْطَةً أَو شَعِيرًا بِحِنْطَةٍ أَو شَعِيرٍ إلَى أَجَلٍ مُتَفَاضِلًا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ (١) .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: هَذَا يَجُوزُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي مُحَمَّدٍ المقدسي مِن أَصْحَابِ أَحْمَد؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا يَسْتَحِق الثَّمَنَ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي وَبِهِ اشْتَرَى، فَأَشْبَهَ مَا لَو قَبَضَهُ ثُمَّ اشْتَرَى مِن غَيْرِهِ.
وَأَمَّا إنْ بَاعَ مَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي مِن حِنْطَةٍ أَو شَعِيرٍ وَاسْتَوْفَى حَقَّهُ مِن الثَّمَنِ: فَذَلِكَ جَائِزٌ بِلَا ريبٍ.
وَإِذَا كَانَ الْبَائِعُ قَد أَخَذَ الْحِنْطَةَ أَو الشَّعِيرَ بِدُونِ قِيمَتِهِ: فَذَلِكَ أَخَفُّ. [٢٩/ ٤٤٩]
٣٦١٧ - وسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ بَاعَ قَمْحًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ يَكُن عِنْدَ الْمَدِينِ إلَّا قَمْحًا، فَهَل لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَمْحًا؟
فَأَجَابَ: نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَمْحًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ رِبًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ مِن أَصْحَابِ أَحْمَد.
وَإِذَا كَانَ أَخْذُ الْقَمْحِ أَرْفَقَ بِالْمَدِينِ مِن أَنْ يُكَلِّفَهُ بَيْعَهُ وَإِعْطَاءَ الدَّرَاهِمِ فَالْأَفْضَلُ لِلْغَرِيمِ أَخْذُ الْقَمْحِ. [٢٩/ ٣٠٠ - ٣٠] الحواشي
(١) نسب الشيخ هذا القول للْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي الْمَنْصُوصِ عَنْهُ.стр. 2501
٣٦١٨ - إذا باعه ما يجري فيه الربا كالحنطة مثلًا بثمن مؤجل فحل الأجل فاشترى بالثمن حنطة أو مكيلًا آخر من غير الجنس مما يمتنع ربا النسيئة بينهما - فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان:
أحدهما: المنع وهو المأثور عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وطاوس، وهو مذهب مالك وإسحاق.
والثاني: الجواز، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وابن المنذر وبه قال جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين، وهو اختيار صاحب المغني وشيخنا (١) . [المستدرك ٤/ ١٦]
٣٦١٩ - هل تختص الرخصة بعرية النخل … أو لا تختص فتجوز في سائر الثمار؛ إلحاقًا لذلك بعرية النخل بجامع الحاجة، أو يلحق العنب فقط؟ وهو احتمال لأبي محمد لقوة شبهه بالرطب في الاقتيات والتفكه؟ على ثلاثة أقوال.
وخرج أبو العباس على ذلك: بيع الخبز باليابس في برية الحجاز ونحوها، وكذلك بيع الفضة الخالصة بالمغشوشة نظرًا للحاجة. وجوزها (٢) شيخنا في الزرع. [المستدرك ٤/ ١٦]
٣٦٢٠ - يحرم بيع حب بدقيقه، أو أحدهما بسويقه.
وعنه يجوز وزنًا.
وعلل أحمد المنع بأن أصله كيل، فيتوجه من الجواز بيع مكيل وزنًا وموزون كيلًا، اختاره شيخنا. الحواشي
(١) تهذيب سنن أبي داود (٢/ ١٦٩).
قلت: هذه أربعة مواضع لشيخ الإسلام في هذه المسألة، ففي الموضع الأول: نُقل عنه أنّه يرى الجواز عند الحاجة، وفي الموضع الثاني أفتى بالتحريم، وفي الموضع الثالث أفتى بالجواز مطلقًا، وفي الموضع الرابع نقل عنه تلميذُه ابن القيم أنه يرى الجواز مطلقًا كذلك.(٢) أي: العرايا.стр. 2502
وما خرج عن القوت بالصنعة: فليس بربوي، وإلا (١) فجنسٌ بنفسِه؛ فيباع خبز بهريسة، وزيت بزيتون، وسمسم بشيرج (٢) . [المستدرك ٤/ ١٦ - ١٧]
٣٦٢١ - يجوز بيع الموزونات الربوية بالتحري، وقاله مالك.
وما لا يختلف فيه الكيل والوزن؛ مثل الأدهان: يجوز بيع بعضه ببعض كيلًا ووزنًا، وعن أحمد ما يدل عليه. [المستدرك ٤/ ١٧]
٣٦٢٢ - ظاهر مذهب أحمد جواز بيع السيف المحلى بجنس حليته؛ لأن الحلية ليست بمقصودة. [المستدرك ٤/ ١٧]
٣٦٢٣ - يجوز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه من غير اشتراط التماثل، ويُجعل الزائد في مقابلة الصنعة، سواء كان البيع حالًا أو مؤجلًا، ما لم يقصد كونها ثمنًا. [المستدرك ٤/ ١٧]
٣٦٢٤ - يحرم بيع اللحم بحيوان من جنسه إذا كان المقصود اللحم (٣) . [المستدرك ٤/ ١٧]
٣٦٢٥ - ما جاز فيه التفاضل كالثياب والحيوان يجوز النسأ فيه إن كان متساويًا وإلا فلا. وهو رواية عن أحمد (٤) . [المستدرك ٤/ ١٨]
٣٦٢٦ - التحقيق في عقود الربا أنه إذا لم يحصل فيها القبض أن لا عقد. الحواشي
(١) أي: وإن لم يخرج عن القوت. كشاف القناع (٣/ ٢٥٣).(٢) الشيرج: هو دهن السمسم.(٣) وذلك لأنه في حقيقة الأمر: باع لحمًا بلحم من غير تساوٍ؛ أي: مع التفاضل.
أما إن أراد بالحيوان الانتفاع بغير الأكل: فهذا لا بأس به.(٤) والمشهور من مذهب الإمام أحمد أنّ ما ليس بربوي فإنه يجوز فيه النساء ولو متفاضلًا، وإذا جاز النساء جاز الفضل ولا عكس.
مثال ذلك: لو بعت عليك ثوبًا بثوبين، الثوب حاضر والثوبان بعد ستة أشهر جاز على المذهب؛ لأن الثياب لا يقع فيها الربا؛ لأنها ليست مكيلًا ولا موزونًا.
يُنظر: الشرح الممتع (٨/ ٤٤٣).стр. 2503
وإن كان بعض الفقهاء يقول: بطل العقد فهو بطلان ما لم يتم لا بطلان (١) ما تم. [المستدرك ٤/ ١٧ - ١٨]
٣٦٢٧ - رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ" عَن أَبِي أمامة الْبَاهِلِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَن شَفَعَ لِأَخِيهِ شَفَاعَةً فَأَهْدَى لَهُ عَلَيْهَا هَدِيَّةً فَقَبِلَهَا فَقَد أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِن أَبْوَابِ الرِّبَا"، وَرَوَى إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: السُّحْتُ أَنْ يَطْلُبَ الْحَاجَةَ لِلرَّجُلِ فَتُقْضَى لَهُ فَيُهْدَى إلَيْهِ هَدِيَّةٌ فَيَقْبَلُهَا (٢) . [٢٨/ ٢٨٢]
٣٦٢٨ - جِمَاعُ الْحِيَلِ نَوْعَانِ:
أ - إمَّا أنْ يَضُمُّوا إلَى أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ مَا لَيْسَ بِمَقْصُود.
ب - أَو يَضُمُّوا إلَى الْعَقْدِ عَقْدٌ عَقْدًا لَيْسَ بِمَقْصُود.
فَالْأَوَّلُ: مَسْأَلَةُ "مُدِّ عَجْوَةٍ"، وَضَابِطُهَا: أَنْ يَبِيعَ رِبَوُّيًّا بِجِنْسِهِ وَمَعَهُمَا أَو مَعِ أَحَدِهِمَا مَا لَيْسَ مِن جِنْسِهِ، مِثْل أَنْ يَكُونَ غَرَضُهُمَا بَيْعَ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ مُتَفَاضِلًا وَنحْوِ ذَلِكَ، فَيَضُمُّ إلَى الْفِضَّةِ الْقَلِيلَةِ عِوَضًا آخَرَ، حَتَّى يَبِيعَ أَلْفَ دِينَارٍ فِي مِنْدِيلٍ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ.
فَمَتَى كَانَ الْمَقْصُودُ بَيْعَ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضلًا حَرُمَتْ مَسْأَلَةُ "مُدِّ عَجْوَةٍ" بِلَا خِلَافٍ عِنْد مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي مِن الْحِيَلِ: أَنْ يَضُمَّا إلَى الْعَقْدِ الْمُحَرَّمِ عَقْدًا غَيْرَ مَقْصُودٍ مِثْل أَنْ يَتَوَاطَآ عَلَى اُّنْ يَبِيعَهُ الذَّهَبَ بِخَرَزِهِ، ثُمَّ يَبْتَاعُ الْخَرَزَ مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِن ذَلِكَ الذَّهَبِ، أَو يُوَاطِئَا ثَالِثًا عَلَى أَنْ يَبِيعَ أَحَدُهُمَا عَرَضًا، ثُمَّ يَبِيعُهُ الْمُبْتَاعُ لِمُعَامِلِهِ الْمُرَابِي، ثُمَّ يَبِيعُهُ الْمُرَابِي لِصَاحِبِهِ، وَهِيَ الْحِيلَةُ الْمُثَلَّثَةُ، أَو يَقْرِنُ بِالْقَرْضِ مُحَابَاةً. الحواشي
(١) في الأصل: (ببطلان)، والتصويب من الاختيارات(١٩٠) .(٢) حسَّنه الألباني في صحيح سنن أبي داود،(٣٥٤١) .
وظاهر الحديث يشمل الأخذ ولو بدون شرط مسبق.стр. 2504
فَهَذَا وَنَحْوُهُ مِن الْحِيَلِ لَا تَزُولُ بِهِ الْمَفْسَدَةُ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ مِن أَجْلِهَا الرِّبَا .. [٢٩/ ٢٧ - ٢٨]
٣٦٢٩ - الْحِيَاصَةُ الَّتِي فِيهَا ذَهَبٌ أَو فِضَّةٌ: لَا تُبَاعُ إلَى أَجَلٍ بِفِضَّةٍ أَو ذَهَبٍ، لَكِنْ تُبَاعُ بِعَرَضٍ إلَى أَجَلٍ. [٢٩/ ٤٢٥]
٣٦٣٠ - الْمُصَرَّاةُ وَالْمُحَفَّلَةُ: هِيَ الْبَهِيمَةُ - مِن الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَغَيْرِهِمَا - تُتْرَكُ حَتَّى يَجْتَمِعَ اللَّبَنُ فِي ضَرْعِهَا أَيَّامًا ثُمَّ تُبَاعُ، يَظُنُّ الْمُشْتَرِي أَنَّهَا تُحْلبُ كُلَّ يَوْمٍ مِثْل ذَلِكَ، فَهَذَا مِن التَّدْلِيسِ وَالْغِشِّ، وَقَد حَرَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ عُمُومًا وَخُصُوصًا، وَجَعَلَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ ثَلَاثًا إذَا حَلَبَهَا: إنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِن سَخِطَهَا رَدَّهَا وَرَدَّ عِوَضَ اللَّبَنِ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْعَقْدِ وَجَعَلَ ﷺ في عِوَضَهُ صَاعًا مِن تَمْرٍ.
وَأَمَّا بَيْعُ الْغَرَرِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْبَائِعُ تَسْلِيمَهُ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ عَبْدَهُ الْآبِقَ، وَبَعِيرَهُ أَو فَرَسَهُ الشَّارِدَ، أَو طَيْرَهُ الَّذِي خَرَجَ مِن قَفَصِهِ أَو مِن حَبْلِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَإِنَّ بَيْعَ مِثْل هَذ الْأُمُورِ مِن بَابِ الْمُخَاطَرَةِ وَالْقِمَارِ.
وَأَمَّا الْعَرَايَا: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَثْنَاهَا مِمَّا نَهَى عَنْهُ مِن الْمُزَابَنَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَن الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ.
وَالْمُزَابَنَةُ: أَنْ يَشْتَرِيَ الرُّطَبَ فِي الشَّجَرِ بِخَرْصِهِ مِن التَّمْرِ.
وَالْمُحَاقَلَةُ: أنْ يَشْتَوِيَ الْحِنْطَةَ فِي سُنْبُلِهَا بِخَرْصِهَا مِن الْحِنْطَةِ.
وَالْخَرْصُ: هُوَ الْحَزْرُ وَالتَّقْدِيرُ.
فَيُقَالُ: كَمْ فِي هَذِهِ النَّخْلَةِ؟
فَيُقَالُ: خَمْسَةُ أَوْسُقٍ.
فَيُقَالُ: اشْتَرَيْته بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ.
أَو كَمْ فِي هَذَا الْحَقْلِ مِن الْبُرِّ؟ فَيُقَالُ: خَمْسَةُ أَوْسُقٍ.
стр. 2505
فَيُقَالُ: اشْتَرَيْته بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ.
وَهَذَا الْحُكْمُ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يُبَاعُ إلا بِقَدْرِهِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ :"لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْل، وَلَا تَبِيعُوا الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلِ، وَلَا تَبِيعُوا الْحِنْطَةَ بِالْحِنْطَةِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلِ، وَلَا تَبِيعُوا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلِ، وَلَا تَبِيعُوا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلِ، وَلَا تَبِيعُوا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْل" (١) .
وَنَهَى ﷺ عَن بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِن الطَّعَامِ لَا يُعْلَمُ كَيْلُهَا بِالطَّعَامِ الْمُسَمَّى.
فَإِذَا بيعَتْ هَذِهِ الْأَمْوَالُ بِمِثْلِهَا جُزَافًا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن بَيْعِهَا إلًّا مُتَمَاثِلَةً، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ التَّمَاثُلُ لَمْ يَجُز الْبَيْعُ، وَلهَذَا يَقُولُ الْفُقَهَاءُ: الْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ، وَالتَّمَاثُلُ يُعْلَمُ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ.
وَأَمَّا الْخَرْصُ: فَهُوَ ظَنٌّ وَحُسْبَانٌ، يُقَدَّرُ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ، فَأَمَّا مَعَ إمْكَانِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ فَلَا.
فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ؛ لِأَنَّهُم يَحْزِرُونَ مِن غَيْرِ حَاجَةٍ، وَأَبَاحَ ذَلِكَ فِي الْعَرَايَا لِأَجْلِ الْحَاجَةِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَحْتَاجُ إلَى أَكْلِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ خَرْصًا؛ لِأَجْلِ حَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ، وَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ فِي الْقَلِيلِ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَهُوَ مَا دُونُ النِّصَابِ، وَهُوَ مَا دُونُ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ.
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِحَاجَةِ الْبَائِعِ إلَى الْبَيْعِ.
وَلَفْظُ "الْعَرَايَا" مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: هِيَ النَّخَلَاتُ الَّتِي يُعِيرُهَا الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ؛ أَيْ: يُعْطِيهِ إيَّاهَا لِيَأكُلَ ثَمَرَهَا ثُمَّ يُعِيدُهَا إلَيْهِ.
وَهَذَا كَمَا يُقَالُ لِلْمَاشِيَةِ: "الْمَنِيحَةِ"؛ مِثْلُ أَنْ يُعْطِيَهُ النَّاقَةَ أَو الشَّاةَ لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا ثُمَّ يُعِيدُهَا إلَيْهِ. الحواشي
(١) رواه مسلم بنحوه(١٥٨٧) .стр. 2506
وَهُوَ مِن جِنْسِ الْعَارَيةِ، وَهُوَ أَنْ يُعِيرَهُ دَارَهُ لِيَسْكُنَهَا ثُمَّ يُعِيدُهَا إلَيْهِ.
وَمِنْهُ افْقَارُ الظَّهْرِ: وَهُوَ أَنْ يُعْطِيَهُ دَابَّتَهُ لِيَرْكَبَ فَقَارَهَا ثُمَّ يُعِيدُهَا إلَيْهِ. [٢٩/ ٤٢٦ - ٤٢٩]
٣٦٣١ - كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ دَيْنٌ فَيَأْتِيه عِنْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِ فَيَقُولُ لَهُ: إمَّا أَنْ تَقْضِيَ وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ، فَإِنْ قَضَاهُ وَإِلَّا زَادَهُ الْمَدِينُ فِي الْمَالِ، وَزَادَهُ الْغَرِيمُ فِي الْأَجَلِ، فَيَكُونُ قَد بَاعَ الْمَالَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ إلَى أَجَلٍ، فَأَمَرَهُم اللهُ إذَا تَابُوا أَنْ لَا يُطَالِبُوا إلَّا بِرَأْسِ الْمَالِ (١) .
وَأَهْلُ الْحِيَلِ يَقْصِدُونَ مَا تَقْصِدُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، لَكِنَّهُم يُخَادِعُونَ اللهَ وَلَهُم طُرُقٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَبِيعَهُ السِّلْعَةَ إلَى أَجَل ثُمَّ يَبْتَاعُهَا بِأَقَلَّ مِن ذَلِكَ نَقْدًا (٢) .
وَكَذَلِكَ إذَا اتَّفَقَا عَلَى الْمُعَامَلَةِ الرِّبَوِيَّةِ، ثُمَّ أَتَيَا إلَى صَاحِبِ حَانُوتٍ يَطْلُبَانِ مِنْهُ مَتَاعًا بِقَدْرِ الْمَالِ، فَاشْتَرَاهُ الْمُعْطِي (٣) ثُمَّ بَاعَهُ الْآخِذُ (٤) إلَى أَجَلٍ، ثُمَّ أَعَادَهُ إلَى صَاحِبِ الْحَانُوتِ بِأَقَلَّ مِن ذَلِكَ.
فَيَكُونُ صَاحِبُ الْحَانُوتِ وَاسِطَةً بَيْنَهُمَا بِجُعْلٍ، فَهَذَا أَيْضًا مِن الرِّبَا الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا ضَمَّا إلَى الْقَرْضِ مُحَابَاةً فِي بَيْعٍ أَو إجَارَةٍ أَو غَيرِ ذَلِكَ. [٢٩/ ٤٤٠ - ٤٤١]
٣٦٣٢ - إذَا بَاعَ السِّلْعَةَ إلَى أَجَلٍ وَاشْتَرَاهَا مِن الْمُشْتَرِي بِأَقَلَّ مِن ذَلِكَ حَالًّا: فَهَذِهِ تُسَمَّى: "مَسْأَلَةُ الْعِينَةِ"، وَهِيَ غَيْرُ جَائِزَةٍ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي الحواشي
(١) فِي قَوْله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] إلى آخر الآيات.(٢) هذا هو بيع العينة.(٣) وهو الدائن.(٤) وهو الْمَدين.стр. 2507
حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ الْمأْثُورُ عَن الصَّحَابَةِ كعَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَن حَرِيرَةٍ بِيعَتْ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ اُشْتُرِيَتْ بِأَقَلَّ، فَقَالَ: دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ دَخَلَتْ بَيْنَهُمَا حَرِيرَةٌ.
فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ تَارَةً يَشْتَرِي السِّلْعَةَ لِيَنْتَفِعَ بِهَا، وَتَارَةً يَشْتَرِيهَا لِيَتَّجِرَ بِهَا، فَهَذَانِ جَائِزَانِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَارَةً لَا يَكُونُ مَقْصُودُهُ إلَّا أَخْذَ دَرَاهِمَ، فَيَنْظُرُ كَمْ تُسَاوِي نَقْدًا فَيَشْتَرِي بِهَا إلَى أَجَلٍ، ثُمَّ يَبِيعُهَا فِي السُّوقِ بِنَقْد، فَمَقْصودُهُ الْوَرِقُ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ.
وَفِي السُّنَنِ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِمَن بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ: "فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَو الرَّبَا" (١) ، وَهَذَا إنْ تَوَاطَآ عَلَى أَنْ يَبِيعَ ثُمَّ يَبْتَاعُ، فَمَا لَهُ إلَّا الْأَوْكَسُ وَهُوَ الثَّمَنُ الْأَقَلُّ أَو الرِّبَا. [٢٩/ ٤٤٦ - ٤٤٧]
٣٦٣٣ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ابْنِ اللتبية الْعَامِلِ الَّذِي قَبِلَ الْهَدَايَا لَمَّا اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ فَأُهْدِيَ إلَيْهِ هَدَايَا فَلَمَّا رَجَعَ حَاسَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى مَا أَخَذَ وَأُعْطي .. فَقَالَ ابْنُ اللتبية: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا بَالُ الرَّجُلِ نَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلَّانَا اللهُ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا؟ " .. مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ (٢) .
فَلَمَّا كَانَ الْمُعْطُونَ الْمُهْدُونَ إنَّمَا أَعْطَوْهُ وَأَهْدَوْا إلَيْهِ لأجْلِ وِلَايَتِهِ جُعِلَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ الْمَالِ الْمُسْتَحَقّ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ أَمْوَالِهِمْ قُبِضَ وَلَمْ يُخَصَّ بِهِ الْعَامِلُ الَّذِي قَبَضَهُ. [٣٠/ ٣٥٣ - ٣٥٤]
* * * الحواشي
(١) رواه أبو داود(٣٤٦١) .(٢) البخاري(٦٦٣٦) ، ومسلم(١٨٣٢) .стр. 2508
(الصرف)
٣٦٣٤ - لا يشترط الحلول والتقابض في صرف الفلوس النافقة بأحد النقدين، وهو رواية عن أحمد. [المستدرك ٤/ ١٨]
٣٦٣٥ - بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفُلُوسِ النَّافِقَةِ: هَل يُشْتَرَطُ فِيهَا الْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ كَصَرْفِ الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد:
إحْدَاهُمَا: لَا بُدَّ مِن الْحُلُولِ وَالتَّقَابُضِ؛ فَإِنَّ هَذَا مِن جِنْسِ الصَّرْفِ؛ فَإِنَّ الْفُلُوسَ النَّافِقَةَ تُشْبِهُ الْأَثْمَانَ، فَيَكُونُ بَيْعُهَا بِجِنْسِ الْأَثْمَانِ صَرْفًا.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يُشْتَرَطُ الْحُلُولُ وَالتَّقَابُضُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُعْتَبَرٌ فِي جِنْسِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، سَوَاء كَانَ ثَمَنًا أَو كَانَ صَرْفًا أَو كَانَ مَكْسُورًا؛ بِخِلَافِ الْفُلُوسِ.
وَلِأَنَّ الْفُلُوسَ هِيَ فِي الْأَصْلِ مِن بَابِ الْعُرُوضِ، والثمنية عَارِضَةٌ لَهَا. [٢٩/ ٤٥٩]
٣٦٣٦ - صَرْفُ الْفُلُوسِ النَّافِقَةِ بِالدَّرَاهِم: هَل يُشْتَرَطُ فِيهَا الْحُلُولُ، أَمْ يَجُوزُ فِيهَا النسأ؟ .. الْأَظْهَرُ الْمَنْعُ مِن ذَلِكَ (١) ؛ فَإِنَّ الْفُلُوسَ النَّافِقَةَ يَغْلِبُ عَلَيْهَا حُكْمُ الْأَثْمَانِ، وَتُجْعَلُ مِعْيَارَ أَمْوَالِ النَّاسِ.
وَلهَذَا يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَضْرِبَ لَهُم فُلُوسًا تَكُونُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ مِن غَيْرِ ظُلْمٍ لَهُمْ. [٢٩/ ٤٦٨ - ٤٦٩]
٣٦٣٧ - إذا اصطرفا دينًا في ذمتهما جاز (٢) . وحكاه ابن عبد البر عن أبي حنيفة ومالك خلافًا لما نص عليه أحمد. [المستدرك ٤/ ١٨] الحواشي
(١) أي: من النسأ فيها.
وهذا ما قرره هنا، وهذا يُخالف ما نقله البعلي ﵀ في الاختيارات(١٨٩) كما تقدم.
قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀ حاشيته على الاختيارات: وقولُه بالمنع أظهر من قوله بالجواز؛ لقوة تعليله.(٢) لأنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ مَقْبُوضٌ.стр. 2509
٣٦٣٨ - في الموجز رواية: لا يحرم (الربا) في دار حرب، وأقرها شيخنا على ظاهرها. [المستدرك ٤/ ١٨]
* * *
(وجوب إنظار المعسر وحكم التورق)
٣٦٣٩ - مَن كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ: فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَفِّيَهُ، وَإِن كَانَ مُعْسِرًا وَجَبَ إنْظَارُهُ، وَلَا يَجُوزُ قَلْبُة عَلَيْهِ بِمُعَامَلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا (١) .
وَأَمَّا الْبَيْعُ إلَى أَجَلٍ ابْتِدَاءً: فَإِنْ كَانَ قَصْدُ الْمُشْتَرِي الِانْتِفَاعَ بِالسِّلْعَةِ وَالتِّجَارَةَ فِيهَا جَازَ إذَا كَانَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُبَاحِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الدَّرَاهِمَ فَيَشْتَرِي بِمِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ وَيبيعُهَا فِي السُّوقِ بِسَبْعِينَ حَالَّةٍ: فَهَذَا مَذْمُومٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ (٢) ، وَهَذَا يُسَمَّى "التَّوَرُّقُ"، قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁: التَّوَرُّقُ أُخيَّة الرِّبَا. [٢٩/ ٣٠٢ - ٣٠٣]
٣٦٤٠ - الْمُشْتَرِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكونَ مَقْصُودُهُ السِّلْعَةَ يَنْتَفِعُ بِهَا لِلْأَكْلِ وَالشُّرْب وَاللُّبْسِ وَالرُّكُوبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ التِّجَارَةَ فِيهَا.
فَهَذَانِ نَوْعَانِ جَائِزَانِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
لَكِنْ لَا بُدَّ مِن مُرَاعَاةِ الشُّرُوطِ الشَرْعِيَّةِ، فَإِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُضْطَرًّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَاعَ إلَّا بِقِيمَةِ الْمِثْلِ؛ مِثْل أَنْ يُضْطَرَّ الْإِنْسَانُ إلَى مُشْتَرَى طَعَامٍ لَا يَجِدُهُ إلَّا عِنْدَ شَخْصٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ إيَّاهُ بِالْقِيمَةِ قِيمَةِ الْمِثْلِ، وَإِن لَمْ يَبِعْهُ إلَّا بِأَكْثَرَ الحواشي
(١) قال الشيخ: إذَا حَلَّ الدِّيْنُ عَلَيْهِ وَكَانَ مُعْسِرًا: فَإِنَّهُ يَجِبُ إنْظَارُهُ، وَلَا يَجُوزُ إلْزَامُهُ بِالْقَلْب عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. (٢٩/ ٤٣٨)(٢) وقال الشيخ عنها: وَالْأَقْوَى كَرَاهَتُهُ (٢٩/ ٣٠٢)، وقال: مَكْرُوهٌ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ (٢٩/ ٣٠٣)، يُنظر كذلك: (٢٩/ ٤٣١).стр. 2510
فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، وَإِذَا أَعْطَاهُ إيَّاهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا قِيمَةُ الْمِثْلِ، وَإِذَا بَاعَهُ إيَّاهُ بِالْقِيمَةِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ فَإِنَّ الْأَجَلَ يَأْخُذُ قِسْطًا مِن الثَّمَنِ (١) .
النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي إنَّمَا يُرِيدُ بِهِ دَرَاهِمَ مَثَلًا لِيُوَفِّيَ بِهَا دَيْنًا، وَاشْتَرَى بِهَا شَيْئًا، فَيَتَّفِقَانِ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ مَثَلًا الْمِائَةَ بِمِائَة وَعِشْرِينَ إلَى أَجَلٍ: فَهَذَا كُلُّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ:
أ - فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُعِيدَ السِّلْعَةَ إلَيْهِ: فَهُوَ "بَيْعَتَانِ فِي بَيْعَةٍ".
ب - وَإِن أَدْخَلَا ثَالِثًا يَشْتَرِي مِنْة السِّلْعَةَ ثُمَّ تُعَادُ إلَيْهِ: فَكَذَلِكَ.
ج - وَإِن بَاعَهُ وَأَقْرَضَهُ: فَكَذَلِكَ، وَقَد نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ .
د - وَإِن كَانَ الْمُشْتَرِي يَأْخُذُ السِّلْعَةَ فَيَبِيعُهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: يَشْتَرِيهَا بِمِائَة وَيَبِيعُهَا بِسَبْعِينَ لِأَجْل الْحَاجَةِ إلَى دَرَاهِمَ: فَهَذِهِ تُسَمَّى: "مَسْأَلَةُ التَّوَرُّقِ"، وَفِيهَا نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَقْوَى أَيْضًا أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَأَنَّهَا أَصْلُ الرِّبَا، كَمَا قَالَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُ. [٢٩/ ٤٩٩ - ٥٠٠]
٣٦٤١ - الْمُعْسِرُ: لَا يَجُوزُ مُطَالَبَتُهُ بِمَا أُعْسِرَ عَنْهُ، وَإِن كَانَ حَقًّا وَاجِبًا وَجَبَ إنْظَارُهُ بِهِ، وَإِن كَانَ مُعَامَلَةً رِبَوِيَّة لَمْ يَجُزْ أَنْ يُطَالَبَ إلَّا بِرَأْسِ مَالِهِ. [٢٩/ ٣٠٦]
* * *
(متى يجوز التفاضل في بيع الربوي بجنسِه ؟)
٣٦٤٢ - وَسُئِلَ: عَن بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ الْمَغْشُوشَةِ مُتَفَاضِلًا؟
فَأَجَابَ: إذَا كَانَت الْفِضَّةُ الْخَالِصَةُ فِي أَحَدِهِمَا بِقَدْرِ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ فِي الْأُخْرَى وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ وَالنُّحَاسُ يَذْهَبُ، وَقَد عُلِمَ قَدْرُ ذَلِكَ بِالتَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادِ: فَهَذَا يَجُوزُ فِي أَحَدِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. الحواشي
(١) أي: يأخذ زيادة على الثمن الحال.стр. 2511
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَت الْفِضَّةُ الْمُفْرَدَةُ أَكْثَرَ مِن الْفِضَّةِ الْمَغْشُوشَةِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ بِقِدْرِ النُّحَاسِ: فَهَذَا يَجُوزُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَت الْفِضَّةُ الْمَغْشُوشَةُ أَكْثَرَ مِن الْمُفْرَدَةِ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ. [٢٩/ ٤٥١]
٣٦٤٣ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن بَيْعِ الأكاديس الْإِفْرِنْجِيَّةِ بِالدَّرَاهِمِ الْإِسْلَامِيَّةِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا يَسِيرٌ لَا يَقُومُ بِمُؤْنَةِ الضَّرْبِ؛ بَل فِضَّةُ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ أَكْثَرُ، هَل تَجُوزُ الْمُقَابَضَةُ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا؟
فَأجَابَ: هَذِهِ الْمُقَابَضَةُ تَجُوزُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، وَالْجَوَازُ فِيهِ لَهُ مَأْخَذَانِ؛ بَل ثَلَاثَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ هَذِهِ الْفِضَّةَ مَعَهَا نُحَاسٌ، وَتِلْكَ فِضَّةٌ خَالِصَةٌ، وَالْفِضَّةُ الْمَقْرُونَةُ بِالنُّحَاسِ أَقَلُّ (١) .
فَإِذَا بِيعَ مِائَةُ دِرْهَمٍ مِن هَذِهِ بِسَبْعِينَ مَثَلًا مِن الدَّرَاهِمِ الْخَالِصَةِ: فَالْفِضَّةُ الَّتِي فِي الْمِائَةِ أَقَلُّ مِن سَبْعِينَ، فَاِذَا جُعلَ زِيَادَة الْفِضَّةِ بِإِزَاءِ النُّحَاسِ جَازَ عَلَى أَحَدِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يُجَوِّزونَ مَسْألَةَ "مُدِّ عَجْوَةٍ".
وَاَلَّذِينَ مَنَعُوا مِن مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ - وَهُوَ بَيْعُ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ إذَا كَانَ مَعَهُمَا أَو مَعَ أَحَدِهِمَا مِن غَيْرِ جِنْسِهِ - قَد عَلَّلَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُم بِأَنَّ الصَّفْقَةَ إذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى عِوَضَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ انْقَسَمَ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا بِالْقِيمَةِ وَهَذِهِ عِلَّةٌ ضَعِيفَةٌ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ كَوْنُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى الرِّبَا، بِأَنْ يَبِيعَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي كِيسٍ، بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَيجْعَلُ الْأَلْفَ الزَّائِدَةَ فِي مُقَابَلَةِ الْكيسِ، كَمَا يُجَوِّزُ ذَلِكَ مَن يُجَوِّزُهُ مِن أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالصَّوَابُ فِي مِثْل هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيْعُ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ الحواشي
(١) قال الشيخ في موضع آخر: وَإِذَا بِيعَتْ الْفِضَّةُ الْمَصْنُوعَةُ بِفِضةٍ أَكْثَرَ مِنْهَا لِأجْلِ الصِّنَاعَةِ لَمْ يَجُزْ. (٢٩/ ٤٦٤)стр. 2512
مُتَفَاضِلَةٍ، فَمَتَى كَانَ الْمَقْصُودُ ذَلِكَ حَرُمَ التَّوَسُّلُ إلَيْهِ بِكُل طَرِيقٍ، فَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ.
وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ مِقْدَارُ الرِّبَوِيِّ؛ بَل يُخْرَصُ خَرْصًا؛ مِثْلُ الْقِلَادَةِ الَّتِي بِيعَتْ يَوْمَ حنين وَفِيهَا خَرَزٌ مُعَلَّق بِذَهَبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُبَاعُ حَتَّى تَفْصِلَ" (١) ، فَإِنَّ تِلْكَ الْقِلَادَةَ لَمَّا فُصِلَتْ كَانَ ذَهَبُ الْخَرَزِ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ الذَّهَبِ الْمُفْرَدِ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن بَيْعِ هَذَا بِهَذَا حَتَّى تُفْصَلَ؛ لِأَنَّ الذَّهَبَ الْمُفْرَدَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنْقَصَ مِن الذَّهَبِ الْمَقْرُونِ فَيَكُونُ قَد بَاعَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ مِثْلِهِ وَزيِادَةَ خَرَزٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
وَإِذَا عُلِمَ الْمأْخْذُ: فَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بَيْعَ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ مِثْلِهَا وَكَانَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِن الْمَخْلُوطِ كَمَا فِي الدَّرَاهِمِ الْخَالِصَةِ بِالْمَغْشُوشَةِ؛ بِحَيْثُ تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْخَلْطِ: لَمْ يَكُن فِي هَذَا مِن مَفْسَدَةِ الرِّبَا شَيْءٌ؛ إذ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بَيْعَ دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ أَكْثَرَ مِنْهَا، وَلَا هُوَ بِمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ التَّفَاوُتُ.
الْمَأْخَذُ الثَّانِي: مَأْخَذُ مَن يَقُولُ: يَجُوزُ بَيْعُ الرِّبَوِيِّ بِالرِّبَوِيِّ عَلَى سَبِيلِ التَّحَرِّي وَالْخَرْصِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ إذَا تَعَذَّرَ الْكَيْلُ أَو الْوَزْنُ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَافِعِيُّ وَأَحْمَد فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا كَمَا مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ خَرْصًا لِأَجْلِ الْحَاجَةِ.
وَيجُوز ذَلِكَ فِي كُل الثِّمَارِ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَإِذَا كَانَت السُّنَّةُ قَد مَضَتْ بِإِقَامَةِ التَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادِ مَقَامَ الْعِلْمِ بِالْكَيْلِ أَو الْوَزْنِ عِنْدَ الْحَاجَةِ: فَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّاسَ يَحْتَاجُونَ إلَى بَيْعِ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ بِهَذِهِ الْخَالِصَةِ، وَقَد عَرَفُوا مِقْدَارَ مَا فِيهَا مِن الْفِضَّةِ بِأَخْبَارِ أَهْلِ الضَّرْبِ وَأَخْبَارِ الصَّيَارِفَةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَن سَبَكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ، وَعَرَفَ قَدْرَ مَا فِيهَا مِن الْفِضَّةِ، فَلَمْ الحواشي
(١) رواه مسلم(١٥٩١) .стр. 2513
يَبْقَ فِي ذَلِكَ جَهْلٌ مُؤَثِّرٌ؛ بَل الْعِلْمُ بِذَلِكَ أَظْهَرُ مِن الْعِلْمِ بِالْخَرْصِ أَو نَحْوِ ذَلِكَ، وَهُم إِنَّمَا مَقْصُودُهُم دَرَاهِم بِدَرَاهِمَ بِقَدْرِ نَصِيبِهِمْ، لَيْسَ مَقْصُودُهُم أَخْذَ فِضَّةٍ زَائِدَةٍ.
وَلَو وَجَدُوا مَن يَضْرِبُ لَهُم هَذِهِ الدَّرَاهِمَ فِضَّةً خَالِصَةً مِن غَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ بِحَيْثُ تَبْقَى فِي بِلَادِهِمْ لَفَعَلُوا ذَلِكَ وَأَعْطَوْهُ أُجْرَتَهُ، فَهُم يَنْتَفِعُونَ بِمَا يَأْخُذُونَهُ مِن الدَّرَاهِمِ الْخَالِصَةِ وَلَا يَتَضَرَّرُونَ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَرْبَابُ الْخَالِصَةِ إذَا أَخَذُوا هَذِهِ الدَّرَاهِمَ، فَهُم يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ لَا يَتَضَرَّرُونَ.
وَهَذَا "مَأْخَذٌ ثَالِثٌ" يُبَيِّنُ الْجَوَازَ وَهُوَ: أَنَّ الرِّبَا إنَّمَا حَرُمَ لِمَا فِيهِ مِن أَخْذِ الْفَضْلِ، وَذَلِكَ ظُلْمٌ يَضُرُّ الْمُعْطِيَ فَحَرُمَ لِمَا فِيهِ مِن الضَّرَرِ، وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِن الْمُتَقَابِضَيْنِ مُقَابَضَةً أَنْفَعَ لَهُ مِن كَسْرِ دَرَاهِمِهِ وَهُوَ إلَى مَا يَأْخُذُهُ مُحْتَاجٌ: كَانَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لَهُمَا هُمَا يَحْتَاجَانِ إلَيْهَا، وَالْمَنْعُ مِن ذَلِكَ مَضَرَّة عَلَيْهِمَا. [٢٩/ ٤٥١ - ٤٥٥]
٣٦٤٤ - أَصْلُ مَسْأَلَةِ "مُدِّ عَجْوَةٍ" أَنْ يَبِيعَ مَالًا رِبَوِيًّا لا بِجِنْسِهِ وَمَعَهُمَا أَو مَعَ أَحَدِهِمَا مِن غَيْرِ جِنْسِهِمَا، فَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: الْمَنْعُ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَن أَحْمَد.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ مُطْلَقًا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالثَّالِثُ: الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بَيْعَ الرِّبَوِيّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا أَو لَا يَكُونُ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ (١) .
فَإِذَا بَاعَ تَمْرًا فِي نَوَاهٍ بِنَوَى، أَو تَمْرًا مَنْزُوعَ النَّوَى (٢) ، أَو شَاةً فِيهَا لَبَنٌ بِشَاةٍ لَيْسَ فِيهَا لَبَنٌ، أَو بِلَبَنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُمَا. الحواشي
(١) وهو الذي رجحه الشيخ كما في (٢٩/ ٤٦٢).(٢) لعل صواب العبارة: (أو تمرٍ منزوع النوى)؛ لأن الجملة معطوفةٌ على (بنوى)، ووجدت في كتاب: "المسائل والأجوبة" لشيخ الإسلام (١/ ١٨٦) بلفظ: "أو بتمرٍ منزوعٍ النوى".стр. 2514
بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي مِنْدِيلٍ: فَإِنَّ هَذَا لَا يَجُوزُ.
فَمَن كَانَ قَصْدُهُ بَيْعَ الرِّبَوِيِّ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا لَمْ يَجُزْ، وَإِن كَانَ تَبَعًا غَيْرَ مَقْصُودٍ جَازَ، وَمَالِكٌ ﵀ يُقَدِّرُ ذَلِكَ بِالثُّلثِ (١) .
وَهَكَذَا إذَا بَاعَ حِنْطَةً فِيهَا شَعِيرٌ يَسِيرٌ بِحِنْطَةٍ فِيهَا شَعِيرٌ يَسِيرٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ الدَّرَاهِمَ الَّتِي فِيهَا غِشٌّ بِجِنْسِهَا، فَإِنَّ الْغِشَّ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَالْمَقْصُودُ: بَيْعُ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَهُمَا مُتَمَاثِلَانِ.
وَكَذَلِكَ صَرْفُ الْفُلُوسِ بالدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ يَقُولُ مَن يَكْرَهُهُ: إنَّهُ بَيْعُ فِضَّةٍ وَنُحَاسٍ بِنُحَاسٍ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ جَائِزٌ. [٢٩/ ٤٥٧ - ٤٥٨]
٣٦٤٥ - وَسُئِلَ: عَن جَمَاعَةٍ تَبِيعُ بِدَرَاهِمَ وَتُوفِي عَن بَعْضِهَا فُلُوسًا مُحَابَاةً، ثُمَّ تُخْبِرُ عَن الثَّمَنِ بِالثَّمَنِ الْمُسَمَّى؟
فَأَجَابَ: لَيْسَ لَهُم أَنْ يُوَفُّوا فُلُوسًا إلَّا بِرضى الْبَائِعِ، وَإِذَا أَوْفَوْا فُلُوسًا الحواشي
(١) وقسمها الشيخ إلى ثَلَاثَةِ أْنوَاعٍ:
أحَدُهَا: أنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بَيْعَ فِضَّةٍ بِفِضَّةٍ مُتَفَاضِلًا، أو بَيْعُ ذَهَبٍ بِذَهَبِ مُتَفَاضِلًا، وَيضُمُّ إلَى الْأَنْقَصِ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ حِيلَةً: فَهَذَا لَا يَجُوزُ أَصْلًا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ بَيْعَ أَحَدِهِمَا وَبَيْعَ عَرَضٍ بِأَحَدِهِمَا وَفِي الْعَرَضِ مَا لَيْسَ مَقْصُودًا؛ مِثْلُ بَيْعِ السِّلَاحِ بِأَحَدِهِمَا وَفِيهِ حِلْيَةٌ يَسِيرَةٌ، أو بَيْعُ عَقَارٍ بِأَحَدِهِمَا وَفِي سَقْفِهِ وَحِيطَانِهِ كَذَلِكَ .. : فَهَذَا يَجُوزُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الصَّوَابُ.
كَمَا جَازَ دُخُولُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا فِي الْبَيْعِ تبَعًا، وَقَد جَاءَ مَعَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ مَرْفُوعًا: "مَن بَاعَ عَبْدًا لَهُ وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ".
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ مَقْصُودًا؛ مِثْلُ أنْ يَكُونَ عَلَى السِّلَاحِ ذَهَبٌ أو فِضَّة كَثِيرٌ: فَهَذَا إذَا كَانَ مَعْلُومَ الْمِقْدَارِ وَبِيعَ بِأَكْثَرَ مِن ذَلِكَ: فَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ جَائِزٌ. (٢٩/ ٤٦٣ - ٤٦٥)стр. 2515
فَلَيْسَ لَهُم أَنْ يُوَفُّوهَا إلَّا بِالسِّعْرِ الْوَاقِعِ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ لَمَّا قَالَ لَهُ: إنَّا نَبِيعُ بِالذَّهَبِ وَنَقْتَضِي الْوَرِقَ وَنَبِيعُ بِالْوَرِقِ وَنَقْتَضِي الذَّهَبَ، فَقَالَ: "لَا بَأْسَ بِهِ بِسِعْرِ يَوْمِهِ إذَا افْتَرَقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيْءٌ" (١) .
فَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُوَفِّيَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِن قِيمَتِهِ: كَانَ كَالِاتِّفَاقِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَ عَنْهُ أَكثَرَ مِنْهُ مِن جِنْسِهِ، بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ مِن غَيْرِ شَرْطِ (٢) . [٢٩/ ٤٦٧ - ٤٦٨]
* * *
(حكم السُّفْتَجَةَ)
٣٦٤٦ - الشَّارعُ لَا يَنْهَى عَن الْمَصَالِحِ الرَّاجِحَةِ وُيوجِبُ الْمَضَرَّةَ الْمَرْجُوحَةَ، كَمَا قَد عُرِفَ ذَلِكَ مِن أُصُولِ الشَّرْعِ.
وَهَذَا كَمَا أَنَّ مَن أَخَذَ "السّفْتَجَةَ" (٣) مِن الْمُقْرِضِ، وَهُوَ أَنْ يُقْرِضَهُ دَرَاهِمَ يَسْتَوْفِيهَا مِنْة فِي بَلَدٍ آخَرَ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمُقْرِضُ غَرَضُهُ حَمْلَ دَرَاهِمَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَالْمُقْتَرِضُ لَهُ دَرَاهِم فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى دَرَاهِمَ فِي بَلَدِ الْمُقْرِضِ، فَيَقْتَرِضُ مِنْهُ فِي بَلَدٍ دَرَاهِمَ الْمُقْرِضِ، وَيَكْتُبُ لَهُ سُفْتَجَةً - أَيْ: وَرَقَةً - إلَى بَلَدِ دَرَاهِمِ الْمُقْتَرِضِ، فَهَذَا يَجُوزُ فِي أصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
وَقِيلَ: يُنْهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، وَالْقَرْضُ إذَا جَرَّ مَنْفَعَةً كَانَ رِبًا، وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ؛ لِأنَّ الْمُقْتَرِضَ رَأَى النَّفْعَ بِأَمْنِ خَطَرِ الطَّرِيقِ إلَى نَقْلِ دَرَاهِمِهِ إلَى بَلَدِ دَرَاهِمِ الْمُقْتَرِضِ، فَكِلَاهُمَا مُنْتَفِعٌ بِهَذَا الِاقْتِرَاضِ.
وَالشَّارعُ لَا يَنْهَى عَمَّا يَنْفَعُ النَّاسَ وَيُصْلِحُهُم وَيَحْتَاجُونَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَنْهَى عَمَّا يَضُرُّهُم وَيُفْسِدُهُمْ، وَقَد اغْنَاهُم اللهُ عَنْهُ. [٢٩/ ٤٥٥ - ٤٥٦]
* * * الحواشي
(١) رواه أبو داود(٣٣٥٤) ، والنسائي(٤٥٨٢) ، وأحمد(٦٢٣٩) ، وضعَّفه الألباني في ضعيف أبي داود.(٢) فلو زاده أكثر من حقه دون شرط جاز، كما في القرض.(٣) قال في القاموس المحيط (١/ ١٩٣): السُّفْتَجَةُ: أنْ يُعْطِيَ مالًا لآخَرَ، وللآخرِ مالٌ في بَلَدِ المُعْطي، فَيُوَفِّيَهُ إيَّاهُ ثَمَّ، فَيَسْتَفِيدُ أمْنَ الطَّريقِ، وفِعْلُهُ: السُّفْتَجَةُ، بالفتح.стр. 2516
(علة الربا في الأصناف الستة)
٣٦٤٧ - اخْتَلَفُوا فِي [علّةِ] (١) تَحْرِيمِ التَّفَاضُلِ فِي الْأَصْنَافِ السِّتَّةِ: الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ: هَل هُوَ التَّمَاثُلُ وَهُوَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ؟ أَو هُوَ الثمنية وَالطَّعْمُ؟ أَو هُوَ الثمنية وَالتَّمَاثُلُ مَعَ الطَّعْمِ وَالْقُوتِ وَمَا يُصْلِحُهُ؟ أَو النَّهْيُ غَيْرُ مُعَلَّلٍ وَالْحُكْمُ مَقْصُورٌ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ؟ عَلَى أقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ.
وَالْأوَّلُ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي أشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ.
وَالثَّانِي: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ.
وَالثَّالِثُ: قَوْلُ أَحْمَد فِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ اخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقَوْلُ مَالِكٍ قَرِيبٌ مِن هَذَا، وَهَذَا الْقَوْلُ أرْجَحُ مِن غَيْرِهِ.
وَالرَّابعُ: قَوْلُ دَاوُد وَأَصْحَابِهِ.
وَالِاتِّحَادُ فِي الْجِنْسِ شَرْطٌ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ مِن رِبَا الْفَضْلِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: الْكَلَامُ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَالْأَظْهَرُ أنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ هُوَ الثمنية لَا الْوَزْنُ، كَمَا قَالَهُ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ فِي سَائِرِ الْمَوْزونَاتِ؛ كَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ وَالْحَرِيرِ وَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ.
وَالتَّعْلِيلُ بالثمنيَّةِ تَعْلِيلٌ بِوَصْفٍ مُنَاسِبٍ؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِن الْأَثْمَانِ أَنْ تَكُونَ مِعْيَارًا لِلْأَمْوَالِ يُتَوَسَّلُ بِهَا إلَى مَعْرِفَةِ مَقَادِيرِ الْأَمْوَالِ، وَلَا يَقْصِدُ الِانْتِفَاعَ بِعَيْنِهَا.
فَمَتَى بِيعَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ إلَى أَجَلٍ: قُصِدَ بِهَا التِّجَارَةُ الَّتِي تُنَاقِضُ مَقْصُودَ الثمنية. [٢٩/ ٤٧٠ - ٤٧١]
* * * الحواشي
(١) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل، ولا تستقيم العبارة إلا به.стр. 2517
(حكم بيع الدَّين بالدَّين ؟) (١)
٣٦٤٨ - إذَا اشْتَرَى قَمْحًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ عَوَّضَ الْبَائِعَ عَن ذَلِكَ الثَّمَنِ الحواشي
(١) يقصد بالدّين: الأموال المؤجلة، أو الأموال المستحقة في ذمة المدين.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن بيع الدين بالدين هو بيع الكالئ بالكالئ، وأنهما مُترادفان. ينظر: الهداية، للمرغيناني (٣/ ٧٤)، وبدائع الصنائع، للكاساني (٧/ ٣١٥١)، والمجموع، للنووي (٩/ ٤٠٠)، والمغني، لابن قدامة (٦/ ١٠٦)، والإنصاف، للمرداوي (٤/ ٤٤)، والكافي، لابن عبد البر (٢/ ٧٣٧).
وذهب العلَّامة ابن القيّم إلى أن الكالئ بالكالئ هو المؤخر الذي لا يقبض، وأن بينهما عمومًا وخصوصًا، وأن بيع الكالئ بالكالئ نوعٌ من أنواع بيع الدين بالدين، فليسا مترادفين. أعلام الموقعين (٢/ ٣٠٠).
صور بيع الدين بالدين:
الصورة الأولى: بيع الدين بالدين ابتداء، وهو أن يبتدئ المتعاقدان التعامل بينهما بالدين كما في السلم إذا لم يسلم رأس المال.
أو هو: بيع دين مؤخر لم يكن ثابتًا في الذمة بدين مؤخر كذلك، كان يشتري المرء شيئًا موصوفًا في الذمة إلى أجل بثمن موصوف في الذمة مؤجل.
وقد سمى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم - رحمهما الله تعالى - هذا النوع من بيع الدين بالدين ببيع الواجب بالواجب، كما أن العلَّامة ابن القيّم يسميه ببيع الكالئ بالكالئ أيضًا، ويرى أن بيع الكالئ بالكالئ المنهي عنه في الحديث ينحصر في هذه الصورة من بيع الدين بالدين فقط.
وقد مثل له شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "كالسلف المؤجل من الطرفين".
ينظر: نظرية العقد، لابن تيمية (ص ٢٣٥)، وأعلام الموقعين (٢/ ٩).
وكما لو باعه مقدارًا من الأرز موصوفًا في ذمته بثمن معلوم كذلك.
وقد حُكي الإجماع على تحريم بيع الدين بالدين ابتداء، كما نقل ذلك الإمام أحمد وابن المنذر وابن رشد وابن تيمية رحمهم الله تعالى.
وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيّم - رحمهم الله تعالى -.
ينظر: المغني، لابن قدامة (٦/ ١٠٦)، وبداية المجتهد، لابن رشد (٢/ ١٤٩)، ونظرية العقد، لابن تيمية (ص ٢٣٥).
وقال النووي: "لا يجوز نسيئة بنسيئة، بأن يقول بعني ثوبًا في ذمتي بصفة كذا إلى شهر كذا بدينار مؤجل إلى وقت كذا فيقول قبلت وهذا فاسد بلا خلاف". المجموع شرح المهذب (٩/ ٤٠٠).
قال ابن القيِّم: "إنما ورد النهي عن بيع الكالئ بالكالئ: وهو المؤخر الذي لم يقبض كما لو أسلم في شيء في الذمة وكلاهما مؤخر فهذا لا يجوز بالاتفاق وهو بيع الكالئ بالكالئ". إعلام الموقعين (٢/ ٩). =стр. 2518
سِلْعَةً إلَى أَجَلٍ: لَمْ يَجُزْ؛ فَإِنَّ هَذَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدِينِ (١) . [٢٩/ ٤٢٩]
٣٦٤٩ - بَيْع الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَامٌ وَلَا إجْمَاعٌ، وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّهْيُ عَن بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَالْكَالِئُ هُوَ الْمُؤَخَّرُ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ بِالْمُؤَخَّرِ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ، وَهَذَا كَمَا لَو أَسْلَمَ شَيْئًا فِي شَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ وَكِلَاهُمَا مُؤَخَّرٌ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ بَيْعُ كَالِئٍ بِكَالِئ. [٢٠/ ٥١٢]
٣٦٥٠ - نَهَى ﷺ "عَن بَيْعِ الْكالِئِ بِالْكَالِئِ"، وَهُوَ الْمُؤَخَّرُ بالْمُؤَخَّرِ، وَلَمْ يَنْهَ عَن بَيْع دَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ يَسْقُطُ إذَا بِيعَ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ يَسْقُطُ (٢) ؛ فَإِنَّ هَذَا الثَّانِيَ يَقْتَضِي تَفْرِيغَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الذِّمَّتَيْنِ وَلهَذَا كَانَ هَذَا جَائِزًا فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ وَغَيْرِهِمَا؛ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ دَيْنًا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَيشْغَلُهَا بِدَيْنٍ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ؛ كَالْمُسْلِمِ إذَا أَسْلَمَ فِي سِلْعَةٍ وَلَمْ يُقْبِضْهُ رَأْسَ الْمَالِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَسْلِفِ دَيْنُ السَّلَمِ وَفِي ذِمَّةِ الْمُسْلِفِ رَأْسُ الْمَالِ وَلَمْ يَنْتَفِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِشَيْءِ، فَفِيهِ شَغْلُ ذِمَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعُقُودِ الَّتِي هِيَ وَسَائِلُ إلَى الْقَبْضِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ. الحواشي
(١) وفي النقلين القادمين رجح الشيخ جواز هذه الصورة وغيرها.(٢) مثال ذلك: رجلان يطلب كلُّ واحدٍ منها الآخر دينًا، فقال أحدهما للآخر: أسقط دينك عني وأسقط ديني عنك، وتُسمى هذه الصورة بالمقاصة.
والشيخ إنما حرم الدين الواجب بالواجب؛ أي: يجب في ذمة كل واحد منهما دينًا ابتداءً، مثال ذلك: جاء رجل إلى مزارع فقال له: سأشتري منك الزرع الذي سيخرج بعد شهر، بمائة ريال أسلمها لك إذا قبضت المحصول، فهنا: أوجبا في ذمتهما دينًا دون ضرورة.стр. 2519
كَمَا أَنَ السِّلَعَ هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالْأَثْمَانِ، فَلَا يُبَاعُ ثَمَنٌ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ كَمَا لَا يُبَاعُ كَالِئٌ بِكَالِئٍ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ الْمُنَافِي لِمَقْصُودِ الثمنية وَمَقْصُودِ الْعُقُودِ. [٢٩/ ٤٧٢]
* * *
(بَابُ بَيْعِ الْأصُولِ وَالثِّمَارِ)
٣٦٥١ - لو تقايلا الإجارة أو فسخاها بحق فله قيمة حرثه، وإن أَخَّر القطع مع شرطه حتى صلح الثمر وطالت الجزة واشتد الحب فسد العقد. [المستدرك ٤/ ١٨ - ١٩]
٣٦٥٢ - اخْتَارَ شَيْخُنَا ثُبُوتَهَا (١) في زَرْعٍ مُسْتَأْجَرٍ وَحَانُوتٍ نَقَصَ نَفْعُهُ عن الْعَادَةِ، وَأَنَّهُ خِلَافُ ما رَوَاهُ عن أَحْمَدَ وَحَكَمَ بِهِ أبو الْفَضْلِ ابن حَمْزَةَ في حَمَّامٍ.
وقال شَيْخُنَا أَيْضًا: قِيَاسُ نُصُوصِهِ وَأُصُولِهِ: إذَا عَطَّلَ (٢) نَفْع الْأَرْضِ بِآفَةٍ انْفَسَخَتْ فِيمَا بَقِيَ كَانْهِدَامِ الدَّارِ وَنَحْوِهِ، وَأَنَّهُ لَا جَائِحَةَ فِيمَا تَلِفَ من زَرْعِهِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَجِّرَ لم يَبِعْهُ إيَّاهُ، وَلَا يُنَازعُ في هذا من فَهِمَهُ. [المستدرك ٤/ ١٩]
٣٦٥٣ - بَيْعُ الزَّرْع بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ: لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَإِن اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِن بَاعَهُ مُطْلَقًا لَمْ يَجُزْ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ وَالْعِنَبَ حَتَّى يَسْوَدَّ. [٢٩/ ٤٧٧]
٣٦٥٤ - وَسُئِلَ ﵀: عَن مِلْك بُسْتَانٍ شَجَرُه مُخْتَلِفٌ، مِنْهُ مَا يَبْدُو صلَاحُهُ كَالْمِشْمِشِ، وَمِنْهُ مَا يَتَأَخَّرُ بُدُوُّ صَلَاحِهِ كَالرُّمَّانِ. فَكَيْفَ يُمْكِنُ الِاحْتِيَاطُ الشَّرْعِيُّ مَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي بُدُوِّ الصَّلَاحِ؟
فَأَجَابَ ﵁: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا صُورَتَانِ: الحواشي
(١) أي: الجائحة.(٢) في الإنصاف: (تعَطَّلَ)، وهو أصوب.стр. 2520
إحْدَاهُمَا: أَنْ يَضْمَنَ الْبُسْتَانَ ضَمَانًا، بِحَيْثُ يَكُونُ الضَّامِنُ هُوَ الَّذِي يَزْرَعُ أَرْضَهُ وَيَسْقِي شَجَرَهُ كَاَلَّذِي يَسْتَأْجِرُ الْأَرْضَ.
وَالْأُخْرَى: إِنَّمَا يَكُونُ اشْتَرَى مُجَرَّدَ الثَّمَرَةِ؛ بِحَيْثُ يَكونُ مُؤْنَةُ السَّقْيِ وَالْإِصْلَاحِ عَلَى الْبَائِعِ دُونَ الْمُشْتَرِي، وَالْمُشْتَرِي لَيْسَ لَهُ إلَّا الثَّمَرَةُ وَلَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا الصُّورَةُ الْأَوْلَى: فَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي النَّهْيِ عَن بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُفَرَّقُ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ كَثِيرَةً أَو قَلِيلَةً.
الثَّالِث: جَوَازُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَت الْأَرْضُ أَقَلَّ أَو أَكْثَرَ، وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْهُم ابْنُ عَقِيلٍ مِن أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَن الصَّحَابَةِ، فَإِنَّهُ قَد رَوَى حَرْبٌ الكرماني وَأَبُو زُرْعَة الدِّمَشْقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ ثَابِتٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَبَّلَ (١) حَدِيقَةَ أسيد بْنَ حضير - لَمَّا مَاتَ - ثَلَاثَ سِنِينَ وَتَسَلَّفَ الْقَبَالَةَ وَوَفَّى بِهَا دَيْنًا كَانَ عَلَى أسيد.
وَمِثْلُ هَذِهِ الْقِصَّةِ لَا بُدَّ أَنْ تَنْتَشِرَ وَلَمْ يُنْكِرْهَا أَحَدٌ (٢) .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي [اشترى] (٣) مُجَرَّدَ الثَّمَرَةِ فَقَطْ، وَمُؤْنَةُ السَّقْيِ عَلَى الْبَائِعِ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إذَا كَانَ الْبُسْتَانُ مُشْتَمِلًا عَلَى أَنْوَاع فَفِيهَا أَيْضًا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا -وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ-: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ جَمِيعِ الْبُسْتَانِ إذَا الحواشي
(١) أي: أجّر.(٢) وقد تكلم عن هذه المسألة وأطال فيها في المجلد الثلاثين (ص ٢٢٠ - ٢٤٠).(٣) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل ولا في جميع الطبعات، والسياق يقتضيه، وبعد البحث وجدته كذلك في مختصر الفتاوى المصرية والحمد لله.стр. 2521
صَلَحَ نَوْعٌ مِنْهُ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ النَّوْعِ جَمِيعِهِ إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ فِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى مِن الْقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَالْجَوَازُ هُنَا بِمُجَرَّدِ الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَ الْمُزَابَنَةِ أَعْظَمُ مِن بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، فَإِنَّهُ بَيْعٌ رِبَوِيٌّ بِجِنْسِهِ خَرْصًا، وَالرِّبَا أَعْظَمُ مِن الْغَرَرِ.
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا اسْتِثْنَاءً مِن الْمُزَابَنَةِ لِلْحَاجَةِ: فَلَأَنْ يَجُوزَ بَيْعُ النَّوْعِ تبَعًا لِلنَّوْعِ مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ذَلِكَ أَشَدُّ وَأَوْلَى، وَلَا يَلْزَمُ مِن مَنْعِهِ مُفْرَدًا مَنْعُهُ مَضْمُومًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ، وَبَيْعُ الْحَيَوَانِ الْحَامِلِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِن اشْتُرِطَ كَونهُ حَامِلًا، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ.
وَسرُّ الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: أَنَّ الْفِعْلَ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى مَفْسَدَةٍ مُنِعَ مِنْهُ إلَّا إذَا عَارَضَهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ كَمَا فِي إبَاحَةِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَبَيْعُ الْغَرَرِ نُهي عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِن نَوْعِ الْمَيْسِرِ الَّذِي يُفْضِي إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، فَاِذَا عَارَضَ ذَلِكَ ضَرَرٌ أَعْظَمُ مِن ذَلِكَ أَبَاحَهُ؛ دَفْعًا لِأَعْظَمِ الفسادين بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا. [٢٩/ ٤٧٨ - ٤٨٣]
(حكم بَيْعِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبُنْدُقِ وَالْفُسْتُقِ ذَوَاتِ الْقُشُورِ)
٣٦٥٥ - سُئِلَ ﵀: عَن بَيْعِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبُنْدُقِ وَالْفُسْتُقِ وَالْفُولِ وَالْحِمَّصِ ذَوَاتِ الْقُشُورِ؟
فَأَجَابَ: أَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْمَنْصوصُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُجَوِّزُ هَذِهِ الْبُيُوعَ، لَكِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ مِن عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، وَقَد نَهَى النَّبِيُّ ﷺ "عَن بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَعَن بَيْعِ
стр. 2522
الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ" (١) ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْحَبِّ بَعْدَ اشْتِدَادِهِ وَإِن كَانَ فِي سنْبُلِهِ.
وَأَمَّا بَيْعُ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ كَالْجَزَرِ وَاللِّفْتِ وَالْقُلْقَاسِ: فَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَعْرُوفِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْخِبْرَةِ إذَا رَأَوْا مَا ظَهَرَ مِنْهَا مِن الْوَرَقِ وَغَيْرِهِ دَلَّهُم ذَلِكَ عَلَى سَائِرِهَا. [٢٩/ ٢٢٥ - ٢٢٧]
٣٦٥٦ - بَيْعُ الْمَغْرُوسِ فِي الْأَرْضِ الَّذِي يَظْهَرُ وَرَقُهُ كَاللِّفْتِ وَالْجَزَرِ وَالْقُلْقَاسِ وَالْفُجْلِ وَالثُّومِ وَالْبَصَلِ وَشِبْهِ ذَلِكَ: فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ بَيْعَ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ لِوُجُوه:
مِنْهَا: أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِن الْغَرَرِ؛ بَل أَهْلُ الْخِبْرَةِ يَسْتَدِلُّونَ بِمَا يَظْهَرُ مِن الْوَرِقِ عَلَى الْمُغَيَّبِ فِي الْأَرْضِ.
وَالثَّانِي: أنَّ الْعِلْمَ فِي جَمِيعِ الْمَبِيعِ يُشْتَرَطُ فِي كُل شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَمَا ظَهَرَ بَعْضُهُ وَخَفِيَ بَعْضُهُ وَكَانَ فِي إظْهَارِ بَاطِنِهِ مَشَقَّةٌ وَحَرَجٌ: اُكْتُفِيَ بِظَاهِرِهِ؛ كَالْعَقَارِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رُؤَيةُ أَسَاسِهِ وَدَوَاخِلُ الْحِيطَانِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ وَكَذَلِكَ أَمْثَالُ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَا اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِهِ فَإِنَّهُ يُوَسَّعُ فِيهِ مَا لَا يُوَسَّعُ فِي غَيْرِهِ، فَيُبِيحُهُ الشَّارعُ لِلْحَاجَةِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْخَاصِّ، كَمَا أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا، وَأَقَامَ الْخَرْصَ مَقَامَ الْكَيْلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ مِن الْمُزَابَنَةِ الحواشي
(١) رواه أبو داود(٣٣٧١) ، والترمذي(١٢٢٨) ، وابن ماجه(٢٢١٧) ، وأحمد(١٣٣١٤) .стр. 2523
الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا، فَإِنَّ الْمُزَابَنَةَ بَيْعُ الْمَالِ بِجِنْسِهِ مُجَازَفَةً إذَا كَانَ رِبَوِيًّا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِن كَانَ غَيْرَ رِبَوِيٍّ فَعَلَى قَوْلَيْنِ.
وَكَذَلِكَ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ابْتِيَاعِ الثَّمَرِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، مَعَ أَنَّ إتْمَامَ الثَّمَرِ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ وَلَمْ يُرَ، فَجَعَلَ مَا لَمْ يُوجَدْ وَلَمْ يُخْلَقْ وَلَمْ يُعْلَمْ تَابِعًا لِذَلِكَ.
وَالنَّاسُ مُحْتَاجُونَ إلَى بَيْعِ هَذِهِ النَّبَاتَاتِ فِي الأَرْضِ.
وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ: بَيْعُ المقاثي كمقاثي الْبِطِّيخِ وَالْخِيَارِ وَالْقِثَّاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا مَن يَقُولُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا إلَّا لُقَطَةً لُقَطَةً، وَكَثِيرٌ مِن الْعُلَمَاءِ مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: إنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا مُطْلَقًا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ فَإِنَّ بَيْعَهَا لَا يُمْكِنُ فِىِ الْعَادَةِ إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَبَيْعُهَا لُقَطَةً لُقَطَةً إمَّا مُتَعَذِّرٌ وَإِمَّا مُتَعَسِّرٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ لُقَطَةٌ عَن لُقَطَةٍ؛ إذ كَثِيرٌ مِن ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْتِقَاطُهُ وَيُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ.
فَبَيْعُ المقثاة بَعْدَ ظُهُورِ صَلَاحِهَا كَبَيْعِ ثَمَرَةِ الْبُسْتَانِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَإِن كَانَ بَعْضُ الْمَبِيعِ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ وَلَمْ يُرَ؛ وَلهَذَا إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِ الشَّجَرَةِ كَانَ صَلَاحًا لِبَاقِيهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَيَكُونُ صَلَاحُهَا صَلَاحًا لِسَائِرِ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِن ذَلِكَ النَّوْعِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَقَوْلِ جُمْهُورِهِمْ؛ بَل يَكُونُ صَلَاحًا لِجَمِيعِ ثَمَرَةِ الْبُسْتَانِ الَّتِي جَرَت الْعَادَةُ بِأَنْ يُبَاعَ جُمْلَةً فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. [٢٩/ ٤٨٧ - ٤٨٩]
* * *
(بَابُ السَّلَمِ)
٣٦٥٧ - السَّلَمُ فِي الزَّيْتُونِ وَأَمْثَالِهِ مِن الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ: يَجُوزُ، وَمَا عَلِمْت بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ نِزَاعًا.
وَلَكِنَّ النِّزَاعَ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ فِي غَيْرِ الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ كَالْحَيَوَانِ وَنَحْوِهِ،
стр. 2524
وَفِيهِ عَن أَحْمَد رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا جَوَاز ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. [٢٩/ ٤٩٥]
٣٦٥٨ - لو أسلم مقدارًا معلومًا إلى أجل معلوم في شيء، بحكم أنه إذا حل يأخذه بأنقص مما يساوي بقدر معلوم (١) : صح؛ كالبيع بالسعر.
ويصح حالًا إن كان المسلم فيه موجودًا في ملكه وإلا فلا (٢) .
ويصح تعليق البراءة على شرط، وهو رواية عن أحمد. [المستدرك ٤/ ١٩]
٣٦٥٩ - لو تبَارَآ (٣) وكان لِأَحَدِهِمَا على الْآخَرِ دَيْنٌ مَكْتُوبٌ فَادَّعَى اسْتِثْنَاءَة بِقَلْبِهِ، وأنه لم يُبْرئْهُ منه: قُبِلَ قَوْلُهُ، وَلخَصْمِهِ تَحْلِيفُهُ. [المستدرك ٤/ ١٩]
* * *
(حكم بيع دين السلم)
٣٦٦٠ - سُئِلَ: عَن رَجُلٍ أَسْلَفَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا فِي رِطْلِ حَرِيرٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ جَاءَ الْأَجَلُ فَتَعَذَّرَ الْحَرِيرُ، فَهَل يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ الْحَرِيرِ أَو يَأْخُذَ عِوَضَهُ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ؟
فَأَجَابَ: هَذه الْمَسْأَلَةُ فِيهَا رِوَايَتَانِ عَن الْإِمَامِ أَحْمَد:
إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَن دَيْنِ السَّلَمِ بِغَيْرِهِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي الحواشي
(١) قال العلَّامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى في حاشيته على الاختيارات(١٩٣) : وينبغي أن يكون معلومًا بالجزء المشاع، كان يقول: بنازل عشرة في المائة عن قيمته وقت حلوله؛ لأنه إذا جعله شيئًا معيَّنًا بالقدر فقد يستغرق كثيرًا من الثمن أو قليلًا. اهـ.(٢) ولو يكن موجودًا عنده أثناء العقد، كمن اشترى من صاحب مصنع إبريقًا أو سيارةً أو غيرها، ولم تُصنع بعدُ، ولكن يملك الأدوات التي تصنع السلعة، وكمن اشترى زرعًا من مُزارع، ولم ينبت بعدُ، فهذا جائز.
أما إذا لم يملكها البائع، كان يبيع السلعة للمشتري ويستلم الثمن على أنْ يُحضرها له بعد يوم أو يومين، ثم يذهب ويشتريها أو يُحصّلها: فلا يجوز؛ لأنه باع ما لا يملك، وربح ما لم يدخل في ضمانِه.(٣) في الأصل: (تبارئآ) والتصويب من الاختيارات(١٩٣) ، والإنصاف (٧/ ١٣٠).стр. 2525
حَنِيفَةَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ" (١) ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الخرقي وَغَيْرُهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ دَيْنِ السَّلَمِ، وَفِي الْمَبِيعِ مِن الْأَعْيَانِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَد نَصَّ أَحْمَد عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَجَعَلَ دَيْنَ السَّلَمِ كَغَيْرِهِ مِن الْمَبِيعَاتِ.
وَأَحْمَد فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ لَا يَمْنَعُ مِن الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُطْلَقًا؛ بَل لَهُ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَأَقْوَالٌ مَعْرُوفَةٌ، وَلذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَ الْبَيْعِ مِن الْبَائِعِ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي "مُغْنِيهِ" (٢) لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ الخرقي: "وَبَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِن بَائِعِهِ أَو غَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَاسِدٌ"، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: "بَيْعُ الْمُسْلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يُعْلَمُ فِي تَحْرِيمِهِ خِلَافٌ": فَقَالَ ﵀ بِحَسَبِ مَا عَلِمَهُ، وَإِلَّا فَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِن غَيْرِ الْمُسْتَسْلِفِ، كَمَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ سَائِرِ الدُّيُونِ مِن غَيْرِ مَن هُوَ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَيْضًا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَحْمَد.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ وَهُوَ قِيَاسُ أُصُولِ أَحْمَد (٣) ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ دَيْنَ السَّلَمِ الحواشي
(١) رواه أبو داود(٣٤٦٨) .(٢) (٤/ ٢٢٧).(٣) وقد أفتى الشيخ ﵀ في مواضع من مجموع الفتاوى بالتحريم، (٢٩/ ٥٠٠ - ٥٠١) (٢٩/ ٥٢٦)، ومن ذلك قوله: لَا يَجُوزُ بَيْعُ دَيْنِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا بَيْعُ الدَّيْنِ فَهَذَا حَرَامٌ مِن وَجْهَيْنِ.
والشيخ صحح في جميع فتاويه عدا هذين الموضعين جواز الاعتياض عن دين السلم كالحنطة بغيره كالشعير.
وقد كان ﵀ يُفتي قبل ذلك بالمنع، وينسب ذلك إلى الأئمة الأربعة، ومن ذلك قوله: لَا يَجُوزُ بَيْعُ هَذَا الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ دَيْنُ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا مِن الْمُسْتَلِفِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ فِي مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، بَلْ هَذَا يَدْخُلُ فِيمَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ. (٢٩/ ٥٠٠)
وقد يكون اعتمد على قول ابن قدامة ﵀، قبل أن يطّلع على قول مالك ﵀، ومن ثَمّ استدرك على ابن قدامة كما تقدّم.следующие страницы →