Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
صَلَحَ نَوْعٌ مِنْهُ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ النَّوْعِ جَمِيعِهِ إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّفْرِيقَ فِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى مِن الْقَوْلِ الثَّانِي وَهُوَ الْمَنْعُ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ.
وَالْجَوَازُ هُنَا بِمُجَرَّدِ الْحَاجَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَ الْمُزَابَنَةِ أَعْظَمُ مِن بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، فَإِنَّهُ بَيْعٌ رِبَوِيٌّ بِجِنْسِهِ خَرْصًا، وَالرِّبَا أَعْظَمُ مِن الْغَرَرِ.
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد أَرْخَصَ فِي الْعَرَايَا اسْتِثْنَاءً مِن الْمُزَابَنَةِ لِلْحَاجَةِ: فَلَأَنْ يَجُوزَ بَيْعُ النَّوْعِ تبَعًا لِلنَّوْعِ مَعَ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى ذَلِكَ أَشَدُّ وَأَوْلَى، وَلَا يَلْزَمُ مِن مَنْعِهِ مُفْرَدًا مَنْعُهُ مَضْمُومًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَجُوزُ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ، وَبَيْعُ الْحَيَوَانِ الْحَامِلِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِن اشْتُرِطَ كَونهُ حَامِلًا، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ.
وَسرُّ الشَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ: أَنَّ الْفِعْلَ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى مَفْسَدَةٍ مُنِعَ مِنْهُ إلَّا إذَا عَارَضَهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ كَمَا فِي إبَاحَةِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَبَيْعُ الْغَرَرِ نُهي عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ مِن نَوْعِ الْمَيْسِرِ الَّذِي يُفْضِي إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ، فَاِذَا عَارَضَ ذَلِكَ ضَرَرٌ أَعْظَمُ مِن ذَلِكَ أَبَاحَهُ؛ دَفْعًا لِأَعْظَمِ الفسادين بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا. [٢٩/ ٤٧٨ - ٤٨٣]
(حكم بَيْعِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبُنْدُقِ وَالْفُسْتُقِ ذَوَاتِ الْقُشُورِ)
٣٦٥٥ - سُئِلَ ﵀: عَن بَيْعِ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْبُنْدُقِ وَالْفُسْتُقِ وَالْفُولِ وَالْحِمَّصِ ذَوَاتِ الْقُشُورِ؟
فَأَجَابَ: أَمَّا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ الْمَنْصوصُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُجَوِّزُ هَذِهِ الْبُيُوعَ، لَكِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ مِن عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ، وَقَد نَهَى النَّبِيُّ ﷺ "عَن بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَعَن بَيْعِ
стр. 2522
الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ" (١) ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْحَبِّ بَعْدَ اشْتِدَادِهِ وَإِن كَانَ فِي سنْبُلِهِ.
وَأَمَّا بَيْعُ الْمُغَيَّبَاتِ فِي الْأَرْضِ كَالْجَزَرِ وَاللِّفْتِ وَالْقُلْقَاسِ: فَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الْمَعْرُوفِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْخِبْرَةِ إذَا رَأَوْا مَا ظَهَرَ مِنْهَا مِن الْوَرَقِ وَغَيْرِهِ دَلَّهُم ذَلِكَ عَلَى سَائِرِهَا. [٢٩/ ٢٢٥ - ٢٢٧]
٣٦٥٦ - بَيْعُ الْمَغْرُوسِ فِي الْأَرْضِ الَّذِي يَظْهَرُ وَرَقُهُ كَاللِّفْتِ وَالْجَزَرِ وَالْقُلْقَاسِ وَالْفُجْلِ وَالثُّومِ وَالْبَصَلِ وَشِبْهِ ذَلِكَ: فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا.
وَالثَّانِي: أَنَّ بَيْعَ ذَلِكَ جَائِزٌ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ لِوُجُوه:
مِنْهَا: أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِن الْغَرَرِ؛ بَل أَهْلُ الْخِبْرَةِ يَسْتَدِلُّونَ بِمَا يَظْهَرُ مِن الْوَرِقِ عَلَى الْمُغَيَّبِ فِي الْأَرْضِ.
وَالثَّانِي: أنَّ الْعِلْمَ فِي جَمِيعِ الْمَبِيعِ يُشْتَرَطُ فِي كُل شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَمَا ظَهَرَ بَعْضُهُ وَخَفِيَ بَعْضُهُ وَكَانَ فِي إظْهَارِ بَاطِنِهِ مَشَقَّةٌ وَحَرَجٌ: اُكْتُفِيَ بِظَاهِرِهِ؛ كَالْعَقَارِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ رُؤَيةُ أَسَاسِهِ وَدَوَاخِلُ الْحِيطَانِ، وَكَذَلِكَ الْحَيَوَانُ وَكَذَلِكَ أَمْثَالُ ذَلِكَ.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَا اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِهِ فَإِنَّهُ يُوَسَّعُ فِيهِ مَا لَا يُوَسَّعُ فِي غَيْرِهِ، فَيُبِيحُهُ الشَّارعُ لِلْحَاجَةِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْخَاصِّ، كَمَا أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا، وَأَقَامَ الْخَرْصَ مَقَامَ الْكَيْلِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ مِن الْمُزَابَنَةِ الحواشي
(١) رواه أبو داود(٣٣٧١) ، والترمذي(١٢٢٨) ، وابن ماجه(٢٢١٧) ، وأحمد(١٣٣١٤) .стр. 2523
الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا، فَإِنَّ الْمُزَابَنَةَ بَيْعُ الْمَالِ بِجِنْسِهِ مُجَازَفَةً إذَا كَانَ رِبَوِيًّا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِن كَانَ غَيْرَ رِبَوِيٍّ فَعَلَى قَوْلَيْنِ.
وَكَذَلِكَ رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ابْتِيَاعِ الثَّمَرِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، مَعَ أَنَّ إتْمَامَ الثَّمَرِ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ وَلَمْ يُرَ، فَجَعَلَ مَا لَمْ يُوجَدْ وَلَمْ يُخْلَقْ وَلَمْ يُعْلَمْ تَابِعًا لِذَلِكَ.
وَالنَّاسُ مُحْتَاجُونَ إلَى بَيْعِ هَذِهِ النَّبَاتَاتِ فِي الأَرْضِ.
وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ: بَيْعُ المقاثي كمقاثي الْبِطِّيخِ وَالْخِيَارِ وَالْقِثَّاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا مَن يَقُولُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا إلَّا لُقَطَةً لُقَطَةً، وَكَثِيرٌ مِن الْعُلَمَاءِ مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: إنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهَا مُطْلَقًا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ فَإِنَّ بَيْعَهَا لَا يُمْكِنُ فِىِ الْعَادَةِ إلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَبَيْعُهَا لُقَطَةً لُقَطَةً إمَّا مُتَعَذِّرٌ وَإِمَّا مُتَعَسِّرٌ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَيَّزُ لُقَطَةٌ عَن لُقَطَةٍ؛ إذ كَثِيرٌ مِن ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ الْتِقَاطُهُ وَيُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ.
فَبَيْعُ المقثاة بَعْدَ ظُهُورِ صَلَاحِهَا كَبَيْعِ ثَمَرَةِ الْبُسْتَانِ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا وَإِن كَانَ بَعْضُ الْمَبِيعِ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ وَلَمْ يُرَ؛ وَلهَذَا إذَا بَدَا صَلَاحُ بَعْضِ الشَّجَرَةِ كَانَ صَلَاحًا لِبَاقِيهَا بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَيَكُونُ صَلَاحُهَا صَلَاحًا لِسَائِرِ مَا فِي الْبُسْتَانِ مِن ذَلِكَ النَّوْعِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَقَوْلِ جُمْهُورِهِمْ؛ بَل يَكُونُ صَلَاحًا لِجَمِيعِ ثَمَرَةِ الْبُسْتَانِ الَّتِي جَرَت الْعَادَةُ بِأَنْ يُبَاعَ جُمْلَةً فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. [٢٩/ ٤٨٧ - ٤٨٩]
* * *
(بَابُ السَّلَمِ)
٣٦٥٧ - السَّلَمُ فِي الزَّيْتُونِ وَأَمْثَالِهِ مِن الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونَاتِ: يَجُوزُ، وَمَا عَلِمْت بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ نِزَاعًا.
وَلَكِنَّ النِّزَاعَ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ فِي غَيْرِ الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ كَالْحَيَوَانِ وَنَحْوِهِ،
стр. 2524
وَفِيهِ عَن أَحْمَد رِوَايَتَانِ أَشْهَرُهُمَا جَوَاز ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَالثَّانِيَةُ لَا يَجُوزُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. [٢٩/ ٤٩٥]
٣٦٥٨ - لو أسلم مقدارًا معلومًا إلى أجل معلوم في شيء، بحكم أنه إذا حل يأخذه بأنقص مما يساوي بقدر معلوم (١) : صح؛ كالبيع بالسعر.
ويصح حالًا إن كان المسلم فيه موجودًا في ملكه وإلا فلا (٢) .
ويصح تعليق البراءة على شرط، وهو رواية عن أحمد. [المستدرك ٤/ ١٩]
٣٦٥٩ - لو تبَارَآ (٣) وكان لِأَحَدِهِمَا على الْآخَرِ دَيْنٌ مَكْتُوبٌ فَادَّعَى اسْتِثْنَاءَة بِقَلْبِهِ، وأنه لم يُبْرئْهُ منه: قُبِلَ قَوْلُهُ، وَلخَصْمِهِ تَحْلِيفُهُ. [المستدرك ٤/ ١٩]
* * *
(حكم بيع دين السلم)
٣٦٦٠ - سُئِلَ: عَن رَجُلٍ أَسْلَفَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا فِي رِطْلِ حَرِيرٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ جَاءَ الْأَجَلُ فَتَعَذَّرَ الْحَرِيرُ، فَهَل يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ الْحَرِيرِ أَو يَأْخُذَ عِوَضَهُ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ؟
فَأَجَابَ: هَذه الْمَسْأَلَةُ فِيهَا رِوَايَتَانِ عَن الْإِمَامِ أَحْمَد:
إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَن دَيْنِ السَّلَمِ بِغَيْرِهِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي الحواشي
(١) قال العلَّامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى في حاشيته على الاختيارات(١٩٣) : وينبغي أن يكون معلومًا بالجزء المشاع، كان يقول: بنازل عشرة في المائة عن قيمته وقت حلوله؛ لأنه إذا جعله شيئًا معيَّنًا بالقدر فقد يستغرق كثيرًا من الثمن أو قليلًا. اهـ.(٢) ولو يكن موجودًا عنده أثناء العقد، كمن اشترى من صاحب مصنع إبريقًا أو سيارةً أو غيرها، ولم تُصنع بعدُ، ولكن يملك الأدوات التي تصنع السلعة، وكمن اشترى زرعًا من مُزارع، ولم ينبت بعدُ، فهذا جائز.
أما إذا لم يملكها البائع، كان يبيع السلعة للمشتري ويستلم الثمن على أنْ يُحضرها له بعد يوم أو يومين، ثم يذهب ويشتريها أو يُحصّلها: فلا يجوز؛ لأنه باع ما لا يملك، وربح ما لم يدخل في ضمانِه.(٣) في الأصل: (تبارئآ) والتصويب من الاختيارات(١٩٣) ، والإنصاف (٧/ ١٣٠).стр. 2525
حَنِيفَةَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ" (١) ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الخرقي وَغَيْرُهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ دَيْنِ السَّلَمِ، وَفِي الْمَبِيعِ مِن الْأَعْيَانِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَد نَصَّ أَحْمَد عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَجَعَلَ دَيْنَ السَّلَمِ كَغَيْرِهِ مِن الْمَبِيعَاتِ.
وَأَحْمَد فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ لَا يَمْنَعُ مِن الْبَيْعِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُطْلَقًا؛ بَل لَهُ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَأَقْوَالٌ مَعْرُوفَةٌ، وَلذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَ الْبَيْعِ مِن الْبَائِعِ وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي "مُغْنِيهِ" (٢) لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ الخرقي: "وَبَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِن بَائِعِهِ أَو غَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَاسِدٌ"، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: "بَيْعُ الْمُسْلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا يُعْلَمُ فِي تَحْرِيمِهِ خِلَافٌ": فَقَالَ ﵀ بِحَسَبِ مَا عَلِمَهُ، وَإِلَّا فَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ مِن غَيْرِ الْمُسْتَسْلِفِ، كَمَا يَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ سَائِرِ الدُّيُونِ مِن غَيْرِ مَن هُوَ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَيْضًا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ أَحْمَد.
وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ وَهُوَ قِيَاسُ أُصُولِ أَحْمَد (٣) ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ دَيْنَ السَّلَمِ الحواشي
(١) رواه أبو داود(٣٤٦٨) .(٢) (٤/ ٢٢٧).(٣) وقد أفتى الشيخ ﵀ في مواضع من مجموع الفتاوى بالتحريم، (٢٩/ ٥٠٠ - ٥٠١) (٢٩/ ٥٢٦)، ومن ذلك قوله: لَا يَجُوزُ بَيْعُ دَيْنِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا بَيْعُ الدَّيْنِ فَهَذَا حَرَامٌ مِن وَجْهَيْنِ.
والشيخ صحح في جميع فتاويه عدا هذين الموضعين جواز الاعتياض عن دين السلم كالحنطة بغيره كالشعير.
وقد كان ﵀ يُفتي قبل ذلك بالمنع، وينسب ذلك إلى الأئمة الأربعة، ومن ذلك قوله: لَا يَجُوزُ بَيْعُ هَذَا الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ دَيْنُ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا مِن الْمُسْتَلِفِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ فِي مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، بَلْ هَذَا يَدْخُلُ فِيمَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ. (٢٩/ ٥٠٠)
وقد يكون اعتمد على قول ابن قدامة ﵀، قبل أن يطّلع على قول مالك ﵀، ومن ثَمّ استدرك على ابن قدامة كما تقدّم.стр. 2526
مَبِيعٌ، وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَبَعْدَ التَّمَكُّنِ مِن قَبْضِهِ، وَفِي ضَمَانِ ذَلِكَ:
أ - فَالشَّافِعِيُّ يَمْنَعُهُ مُطْلَقًا وَيقُولُ: هُوَ مِن ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ عَن أَحْمَد.
ب - وَأَبُو حَنِيفَةَ يَمْنَعُهُ إلَّا فِي الْعَقَارِ وَيقُولُ: هُوَ مِن ضَمَانِ الْبَائِعِ.
ج - وَأَمَّا مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَغَيْرُهُمَا فَيَقُوُلونَ: مَا تَمَكَّنَ الْمُشْتَرِي مِن قَبْضِهِ وَهُوَ الْمُتَعَيَّنُ بِالْعَقْدِ -كَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ- فَهُوَ مِن ضَمَانِ الْمُشْتَرِي؛ لِمَا رَوَاهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ عَن الزُّهْرِيِّ عَن سَالِمٍ عَن ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: "مَضَت السُّنَّةُ أَنَّ مَا أَدْرَكَتْهُ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِن ضَمَانِ الْمُشْتَرِي".
فَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد: أَنَّ النَّاقِلَ لِلضَّمَانِ إلَى الْمُشْتَرِي هُوَ التَّمَكُّنُ مِن الْقَبْضِ لَا نَفْسُ الْقَبْضِ.
فَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّ جَوَازَ التَّصَرُّفِ فِيهِ لَيْسَ مُلَازِمًا لِلضَّمَانِ وَلَا مَبْنِيًّا عَلَيْهِ؛ بَل قَد يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ حَيْثُ يَكُونُ مِن ضَمَانِ الْبَائِعِ، كَمَا ذَكَرَ فِي الثَّمَرَةِ وَمَنَافِعِ الْإِجَارَةِ، وَبِالْعَكْسِ كَمَا فِي الصُّبْرَةِ الْمُعَيَّنَةِ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد قَد يَكُونُ الْمَبِيعُ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ وَيجُوزُ لِلْمُشْتَرِي بَيْعُهُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ كَالثَّمَرِ إذَا بِيعَ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، فَإِنَّهُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد مِن ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَهُوَ قَوْلٌ مُعَلَّقٌ لِلشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" عَن جَابِرٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إذَا بِعْت مِن أَخِيك ثَمَرَةً فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ" (١) . الحواشي
(١) رواه البخاري بنحوه(٢١٩٨) .стр. 2527
وَمَعَ هَذَا فَيَجُوزُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَبِيعَ هَذَا الثَّمَرَ مَعَ أَنَّهُ مِن ضَمَانِ الْبَائِعِ.
وَهَذَا كَمَا يَجُوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يُؤَجِّرَ مَا اسْتَأْجَرَهُ بِمِثْل الْأُجْرَةِ بِلَا نِزَاعٍ.
وَإِن كَانَت الْمَنَافِعُ مَضْمُونَةً عَلَى الْبَائِعِ.
وَلَكِنْ إذَا أَجَّرَهَا بِزِيَادَةٍ مِن غَيْرِ إحْدَاثِ زِيَادَةٍ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ رَبح مَا لَمْ يَضْمَن، وَالنَّبِيُّ ﷺ نَهَى عَن رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ.
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ أَصْلَ أَحْمَد وَمَالِكٍ جَوَازُ التَّصَرُّفِ، وَأَنَّهُ يُوَسَّعُ فِي الْبَيْعِ قَبْلَ انْتِقَالِ الضَّمَانِ إلَى الْمُشْتَرِي.
بِخِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى عَن أَحْمَد فَإِنَّ الْبَيْعَ لَا يَجُوزُ عَلَى أَصْلِهِمَا إلَّا إذَا انْتَقَلَ الضَّمَانُ إلَى الْمُشْتَرِي وَصَارَ الْمَبِيعُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ.
فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ: يُمْنَعُ مِن بَيْعِ دَيْنِ السَّلَمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُسْلِفُ فَإِنَّهُ لَايَضْمَنُهُ إلَّا بِالْقَبْضِ فَلَا يَبِيعُ مَا لَمْ يَضْمَنْ.
وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: يَجُوزُ ذَلِكَ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ بِرِبْح؛ بَل لَا يُبَاعُ إلَّا بِالْقِيمَةِ؛ لِئَلَّا يَرْبَحَ الْمُسْلِفُ فِيمَا لَا يَضْمَنُ، وَقَد صَحَّ عَن النَّبِيِّ ﷺ "أَنَّهُ نَهَى عَن رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ" (١) . الحواشي
(١) رواه الترمذي(١٢٣٤) ، والنسائي(٤٦٢٩) ، وابن ماجه(٢١٨٨) ، والدارمي(٢٦٠٢) ، وأحمد(٦٦٢٨) . وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.стр. 2528
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّ الثَّمَنَ يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَنْهُ قَبْلَ قَبْضِهِ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ عَن النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنا نَبِيعُ الْإِبِلَ بِالنَّقِيعِ - وَالنَّقِيعُ بِالنُّونِ: هُوَ سُوقُ الْمَدِينَةِ. وَالْبَقِيعُ بِالْبَاءِ هُوَ مَقْبَرَتُهَا - قَالَ: - كُنَّا نبِيعُ بِالذَّهَبِ وَنَقْضِي الْوَرِقَ، وَنَبِيعُ بِالْوَرِقِ وَنَقْضِي الذَّهَبَ، فَسَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: "لَا بَأْسَ إذَا كَانَ بِسِعْرِ يَوْمِهِ إذَا تَفَرَّقْتُمَا وَلَيْسَ بَيْنكُمَا شَيْءٌ" (١) .
فَقَد جَوَّزَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يعتاضوا عَن الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ بِغَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ الثَّمَنَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي، لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى ضَمَانِ الْبَائِعِ، فَكَذَلِكَ الْمَبِيعُ الَّذِي هُوَ دَيْنُ السَّلَمِ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِن كَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى ضَمَانِ الْمُشْتَرِي.
وَالنَّبِيُّ ﷺ إنَّمَا جَوَّزَ الِاعْتِيَاضَ عَنْهُ إذَا كَانَ بِسِعْرِ يَوْمِهِ لِئَلَّا يَرْبَحَ فِيمَا لَمْ يَضْمَن.
وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِمَن هُوَ عَلَيْهِ (٢) ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ مَقْبُوضٌ لِلْمَدِينِ.
لَكِنْ إنْ بَاعَهُ بِمَا لَا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً اشْتَرَطَ فِيهِ الْحُلُولَ وَالْقَبْضَ لِئَلَّا يَكُونَ رِبًا (٣) . الحواشي
(١) قال الشيخ في موضع آخر: فَيَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ بِالشعْرِ لِئَلَّا يَرْبَحَ فِيمَا لَمْ يَضْمَنْ.
فَإِنْ قِيلَ: فَدَيْنُ السَّلَمِ يَتْبَعُ ذَلِكَ فَنُهِيَ عَن بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ.
قِيلَ: النَّهْيُ إنَّمَا كَانَ فِي الْأَعْيَانِ لَا فِي الدُّيُونِ. (٢٩/ ٥١٩)(٢) بثمن حال.(٣) ويُشترط كما تقدم: أن يكون بسعر يومه.
وهذا هو اختيار العلَّامة ابن عثيمين ﵀ وقال: مثاله -أي: مثال التقابض قبل التفرق-: أن يكون لي في ذمة رجل دنانير فبعتها عليه بدراهم، وبيع الدنانير بالدراهم يشترط فيه القبض ولا يشترط التساوي للحديث: "إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد"، فيعطيني الدراهم فقط، وليس بلازم أن يحضر الدنانير، فالدنانير عنده في ذمته قد قبضها.
ومثال كونها بسعر يومها: إذا قدرنا أن عشرة دنانير قيمتها في السوق مائة درهم فأبيعها عليه بمائة درهم لا أزيد ولا أنقص.стр. 2529
وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَهُ بِمَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ (١) .
وَإِن بَاعَهُ بِغَيْرِهِمَا (٢) : فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ فِي غَيْرِهِمَا (٣) .
وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْقَبْضِ نَسِيئَةٌ كَبَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
وَلهَذَا: لَو حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فِي غَد، فَأَعْطَاهُ عِوَضًا: بَرَّ فِي يَمِينِهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، فَنَهْيُهُ عَن بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ يُرِيدُ بِهِ بَيْعَهُ مِن غَيْرِ الْبَائِعِ (٤) .
وَأَيْضًا: فَبَيْعُهُ مِن الْبَائِعِ يُشْبِهُ الْإِقَالَةَ، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ: تَجُوزُ الْإِقَالَة فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْإِقَالَةُ هَل هِيَ فَسْخٌ أَو بَيْعٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد (٥) .
فَعُلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ فِي دَيْنِ السَّلَمِ أَخَفُّ مِنْهُ فِي بَيْعِ الْأعْيَانِ، حَيْثُ كَانَ الْأَكْثَرُونَ لَا يُجَوِّزُونَ بَيْعَ الْمَبِيعِ لِبَائِعِهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن قَبْضِهِ، ويُجَوِّزُونَ الْإِقَالَةَ فِي دَيْنِ السَّلَمِ. الحواشي
(١) أي: يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِمَن هُوَ عَلَيْهِ بثمنٍ مؤجل، بالشرطين السابقين.
ومعنى العبارة: إنْ بَاعَ الدَّيْن على منْ هُوَ عَلَيْهِ بِمَا لَا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً، أو بَاعَهُ بمَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ: اشْتُرِطَ قَبْضُ عِوَضِهِ فِي الْمَجْلِسِ.
قال في الإنصاف (٥/ ١١١): (بِلَا نِزَاعٍ).
مثال البيع بِمَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ: باع زيدٌ على عمروٍ سيارةً بعشرة آلاف ريال إلى سنة، فلما حل الأجل لم يكن المال حاضرًا عند عمروٍ، فباع عليه العشرة آلاف ببعيرٍ عنده إلى سنة؛ أي: قال له: بعد سنة تأخذ البعير.
وهذا ما يُسمى بفسخ الدين بالدين، وعبر عنه شيخ الإسلام بـ (الساقط بالواجب)، فسقط الدين (العشرة آلاف) ووجب عوضه: البعير.(٢) أي: مِمَّا لَا يُبَاعُ بهِ نَسِيئَةً، أو بمَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ مِمَّا لَا يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ.
مِثْلُ: مَا لَو قَالَ المُسِلم للمسلَم إليه حين حلَّ أجلُ قبضِ ثمر نخله ولم يُنتج النخل: بعْتُك ثمر النخل الَّذي فِي ذِمَّتِك بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، أو بسيارتك.(٣) وهو الأرجح.(٤) هذا مِن حُجج الوجه الأول.(٥) الراجح أنها فسخ.стр. 2530
وَالِاعْتِيَاضُ عَنْهُ يَجُوزُ كَمَا تَجُوزُ الْإِقَالَةُ، لَكِنْ إنَّمَا يَكُونُ إقَالَةً إذَا أَخَذَ رَأْسَ مَالِهِ أَو مِثْلَهُ وَإِن كَانَ مَعَ زَيادَةٍ.
أَمَّا إذَا بَاعَهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ (١) : فَلَيْسَ إقَالَةً؛ بَل هُوَ اسْتِيفَاءٌ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ لِمَا لَمْ يُقْبَضْ.
وَأَحْمَد جَوَّزَ بَيْعَ دَيْنِ السَّلَمِ مِن الْمُسْتَسْلِفِ؛ اتِّبَاعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ" وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إلَّا بِمَنْزِلَةِ الطَّعَامِ.
فَابْنُ عَبَّاسٍ لَا يُجَوِّزُ الْبَيْعَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَجَوَّزَ بَيْعَ دَيْنِ السَّلَمِ مِمَن هُوَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَرْبَحْ، وَلَمْ يُفَرِّق ابْنُ عَبَّاسٍ بَيْنَ الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ هُنَا مِن الْبَائِعِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي يَقْبِضهُ مِن نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، بَل لَيْسَ هُنَا قَبْضٌ، لَكِنْ يُسْقِطُ عَنْهُ مَا فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِىِ أَخْذِهِ مِنْهُ ثُمَّ إعَادَتُهُ إلَيْهِ، وَهَذَا مِن فِقْهِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَأَمَّا احْتِجَاجُ مَن مَنَعَ بَيْعَ دَينِ السَّلَمِ بِقَولِهِ ﷺ : "مَن أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ" (٢) فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ.
وَالثَّانِي: الْمُرَادُ بِهِ أَنْ لَا يَجْعَلَ السَّلَفَ سَلَمًا فِي شَيْءٍ آخَرَ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ النَّهْيَ عَن بَيْعِهِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ إلَى أَجَلٍ، وَهُوَ مِن جِنْسِ بَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَلهَذَا قَالَ: "لَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ"؛ أَيْ: لَا يَصْرِف الْمُسْلَمَ فِيهِ إلَى مُسْلَمٍ فِيهِ آخَرَ، وَمَن اعْتَاضَ عَنْهُ بِغَيْرِهِ قَابِضًا لِلْعِوَضِ لَمْ يَكُن قَد جَعَلَهُ سَلَمًا فِي غَيْرِهِ.
لَكِنَّ الرُّخْصَةَ فِي هَذَا الْبَابِ ثَابِتَةٌ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ (٣) . [٥٠٣ - ٥١٧] الحواشي
(١) أي: بغير رأس ماله، كأن يكون رأس ماله دراهم، فيعتاض عنها بتمر.(٢) رواه أبو داود(٣٤٦٨) .(٣) فائدة: فإن قال قائل: إذًا هل يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه؟стр. 2531
٣٦٦١ - يصحُّ بيع الدين المستقر من الغريم لا من غيره (١) .
وفي رهنه عند مدين بحق له (٢) : روايتان في الانتصار.
وعنه: يصح منهما. قال شيخنا: نصَّ عليه في مواضع.
وعنه: لا. كدين السلم.
وفي المبهج وغيره رواية: يصح فيه، اختاره شيخنا وأنه قول ابن عباس. لكن بقدر القيمة فقط؛ لئلا يربح فيما لم يضمن.
قال: وكذا ذكره أحمد في بدل القرض وغيره، ولأنه مبيع، وجواز التصرف ليس ملازمًا للضمان في ظاهر مذهب أحمد، وكالثمن. [المستدرك ٤/ ١٩ - ٢٠]
٣٦٦٢ - ما قبضه أحد الشريكين من دين مشترك بعقد أو إرث أو إتلاف أو ضريبة وسبب استحقاقها واحد: فلشريكه الأخذ من الغريم، ويحاصه فيما قبضه، وهو مذهب الإمام أحمد، وكذا لو تلف. [المستدرك ٤/ ١٩]
* * * الحواشي
(١) مثاله: لي في ذمة زيدٍ خمسون ريالًا، فبعتها عليه بثلاثة أصواع رز.
وبيع الدين على من هو عليه جائزٌ بشرطين:
الشرط الأول: أن يكون بسعر يومه؛ لئلا يربح فيما لا يدخل في ضمانه؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن".
والشرط الثاني: أن يتقابضا قبل التفرق، لكن هذا فيما يشترط فيه التقابض كالدراهم بالدنانير، والدنانير بالدراهم، والبر بالشعير، والشعير بالبر، وما أشبهها. الشرح الممتع (٨/ ٣٧٨).(٢) أي: يجوز رهن الدين المستقر عند من هو في ذمته بحق لمن هو في ذمته.
قال في الإنصاف: الأولى الجواز. كشاف القناع (٣/ ٣٠٧).стр. 2532
(بَابُ الْقَرْضِ)
٣٦٦٣ - يجوز قرض المنافع؛ مثل أن يحصد معه يومًا ويحصد معه الآخر يومًا، أو يسكنه دارًا ليسكنه الآخر بدلها، لكن الغالب على المنافع أنها ليست من ذوات الأمثال، حتى يجب [ردّ المثل] (١) على المشهور، وفي (٢) الأخرى: القيمة.
ويتوجه في المتقوم أنه يجوز رد المثل بتراضيهما. [المستدرك ٤/ ٢٠]
٣٦٦٤ - إن ظهر المقترض مفلسًا، ووجد المُقرضُ عينَ ماله: فله الرجوع بعين ماله بلا ريب. [المستدرك ٤/ ٢٠]
٣٦٦٥ - الدين الحالُّ يتأجل بتأجيله، سواء كان الدين قرض أو غيره، وهو قول مالك ووجه في مذهب أحمد، ويتخرج رواية عن أحمد من إحدى الروايتين في تأجيل العارية، وفي إحدى الروايتين في صحة إلحاق الأجل والخيار بعد لزوم العقد.
٣٦٦٦ - لو أقرض أكَّارَه (٣) بذرًا أو أمره ببذره وأنه في ذمته كما يفعله الناس فهو فاسد، وله نصيبُ (٤) المثل، ولو تلف لم يضمنه لأنه أمانة. [المستدرك ٤/ ٢٠]
٣٦٦٧ - لو اقترض من رجل قروضًا متفرقة ووكَّل المقرضَ في ضبطها، أو ابتاع منه شيئًا ووكل البائع في ضبط المبيع حفظًا أو كتابة: فينبغي أن يكون قولُ هذا المؤتمن ههنا مقبولًا. [المستدرك ٤/ ٢٠]
٣٦٦٨ - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: عَن رَجُلٍ أَقْرَضَ لِرَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَطَالَبَهُ الحواشي
(١) ليست من المطبوع. محقق الاختيارات(١٩٤) .(٢) في الأصل: في، والتصويب من الاختيارات(١٩٤) .(٣) أي: الحراث.(٤) أي: قيمة المثل.
تنبيه: في الأصل: نصف! وهو خطأ، والتصويب من الاختيارات(١٩٤) .стр. 2533
فَقَالَ: أَنَا مُعْسِرٌ، أَنَا أَشْتَرِي مِنْك صِنْفًا بِزَائِدٍ إلَى أَنْ تَصْبِرَ سِتَّةَ شُهُورٍ فَهَل يَجُوزُ ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ: قَد ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ" (١) ، فَإِذَا بَاعَهُ وَأَقْرَضَهُ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَكِلَاهُمَا يَسْتَحِقُّ التَّعْزِيرَ إذَا كَانَ قَد بَلَغَهُ النَّهْيُ، وَيجِبُ رَدُّ الْقَرْضِ وَالسِّلْعَةِ إلَى صَاحِبِهَا، فَإِذَا تَعَذَرَ ذَلِكَ لَمْ يَكُن لَهُ إلَّا بَدَلُ الْقَرْضِ، وَإِلَّا بَدَلُ السِّلْعَةِ قِيمَةُ الْمِثْلِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الزيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ. [٢٩/ ٥٢٨]
٣٦٦٩ - يَجِبُ عَلَى الْمُقْتَرِضِ أَنْ يُوَفِّيَ الْمُقْرِضَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي اقْتَرَضَ فِيهِ، وَلَا يُكَلِّفهُ (٢) شَيْئًا مِن مُؤْنَةِ السَّفَرِ وَالْحَمْلِ.
فَإِنْ قَالَ (٣) : مَا أُوَفِّيك إلَّا فِي بَلَدٍ آخَرَ غَيْرِ هَذَا: كَانَ عَلَيْهِ (٤) ضَمَانُ مَا يُنْفِقُهُ (٥) بِالْمَعْرُوفِ (٦) . [٢٩/ ٥٣٠]
٣٦٧٠ - إذَا أَقْرَضَهُ دَرَاهِمَ لِيَسْتَوْفِيَهَا مِنْهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ الْمُقْرِضُ غَرَضُهُ حَمْل الدَّرَاهِمِ إلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَالْمُقْتَرِضُ لَهُ دَرَاهِمُ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى دَرَاهِمَ فِي بَلَدِ الْمُقْرِضِ، فَيَقْتَرِضُ مِنْهُ وَيَكْتُبُ لَهُ "سُفْتَجَةً"؛ أَيْ: وَرَقَةً إلَى بَلَدِ الْمُقْتَرِضِ: فَهَذَا يَصِحُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. الحواشي
(١) رواه أبو داود(٣٥٠٤) ، والترمذي(١٢٣٤) ، والنسائي(٤٦١١) ، وأحمد(٦٦٧١) ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.(٢) أي: لا يُكلّف الْمُقْتَرِضُ الذي اقترض منه مؤنة السفر ونحوه.(٣) أي: قال الْمُقْتَرِضُ للذي اقترض منه.(٤) أي: على الْمُقْتَرِض.(٥) أي: الْمُقْرِض.(٦) شيخ الإسلام رحمه الله تعالى خالف المذهب الحنبلي في هذه المسألة، قال في الزاد: "وَإنْ أقْرَضَهُ أَثْمَانًا فَطَالَبَهُ بِهَا بِبَلَدٍ آخَرَ لَزِمَتْهُ، وَفِيمَا لِحَمْلِهِ مَؤونَة قِيمَتُهُ"، ولم يذكر الشيخ ابن عثيمين ﵀ قولًا آخر، ولم يُشر إلى رأي شيخ الإسلام كعادتِه. يُنظر: الشرح الممتع (٩/ ١١٥).
قال البعلي في اختياراته(٤٤) : واختار جواز اشتراط الاستيفاء في بلدٍ غير بلد القرض. اهـ.стр. 2534
وَقِيلَ: نُهِيَ عَنْهُ لِأَنَّهُ قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً، وَالْقَرْضُ إذَا جَرَّ مَنْفَعَةً كَانَ رِبًا.
وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الْمُقْتَرِضَ رَأَى النَّفْعَ بِأَمْنِ خَطَرِ الطَّرِيقِ فِي نَقْلِ دَرَاهِمِهِ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَقَد انْتَفَعَ الْمُقْتَرِضُ أَيْضًا بِالْوَفَاءِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَأَمِنَ خَطَرَ الطَّرِيقِ، فَكِلَاهُمَا مُنْتَفِعٌ بِهَذَا الِاقْتِرَاضِ، وَالشَّارعُ لَا يَنْهَى عَمَّا يَنْفَعُهُم وَيُصْلِحُهُم وَإِنَّمَا يَنْهَى عَمَّا يَضُرُّهُمْ. [٢٩/ ٥٣٠ - ٥٣١]
٣٦٧١ - يَجُوزُ قَرْضُ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ إذَا كَانَت مُتَسَاوِيَةَ الْغِشِّ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْغِشُّ مُتَفَاوِتًا يَسِيرًا.
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَرْضُ الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا مِن الْحُبُوبِ وَإِن كَانَت مَغْشُوشَةً بِالتُّرَابِ وَالشَّعِيرِ؛ فَإِنَّ "بَابَ الْقَرْضِ" أَسْهَلُ مِن "بَابِ الْبَيْعِ".
وَلهَذَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ قَرْضُ الْخُبْزِ عَدَدًا، وَقَرْضُ الْخَمِيرِ وَإِن كَانَ لَا يَجُوزُ عَدَدًا.
وَيجُوزُ فِي الْقَرْضِ أَنْ يَرُدَّ خَيْرًا مِمَّا اقْتَرَضَ بِغَيْرِ شَرْطٍ كَمَا اسْتَلَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَعِيرًا وَرَدَّ خَيْرًا مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ قَرْضُ الْبَيْضِ وَنَحْوِهِ مِن الْمَعْدُودَاتِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اقْتَرَضَ حَيَوَانًا، وَالْحَيَوَانُ أَكْثَرُ اخْتِلَافًا مِن الْبَيْضِ. [٢٩/ ٥٣١ - ٥٣٢]
* * *
(بَابُ الرَّهْنِ) (١)
٣٦٧٢ - يجوز رهن العبد المسلم من كافر بشرط كونه في يد مسلم. [المستدرك ٤/ ٢١] الحواشي
(١) الرَّهن اصطلاحًا: توثقة دَين بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها.
قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀: قولنا: "توثقة دين بعين" يفيد أنه لا بد أن يكون الرهن عينًا؛ لأن الاستيفاء الكامل لا يكون إلا بالعين، فإن كان منافع أو دينًا فإنه لا يصح على كلام الفقهاء. =стр. 2535
٣٦٧٣ - يجوز للإنسان أن يرهن مال نفسه على دين غيره، كما يجوز أن يضمنه وأولى، وهو نظيرُ إعارته للرهن (١) . [المستدرك ٤/ ٢١]
٣٦٧٤ - إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الدين: فالقول قول المرتهن ما لم يَدَّعِ أكثر من قيمة الرهن، وهو مذهب مالك. [المستدرك ٤/ ٢١]
٣٦٧٥ - لو أذن الراهن للمرتهن في البيع ثم رجع: جاز؛ لكن لو ادعى أنه رجع قبل البيع: لم يقبل؛ لأن الأصل عدمه، ولو تعلق به حق ثالث. [المستدرك ٤/ ٢١]
٣٦٧٦ - سُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ أَرْهَنَ دَارَهُ عِنْدَ رَجُلٍ عَلَى مَالٍ إلَى أَجَلٍ، فَحَلَّ الْأَجَلُ وَهُوَ (٢) عَاجِزٌ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بِعْنِي الدَّارَ بِشَرْطِ إنْ وَفَّيْتنِي أَخَذْتهَا بِالثَّمَنِ، وَإِن سَكَنْتَهَا لَمْ آخُذْ مِنْك أُجْرَةً، فَهَل الْبَيْعُ صَحِيحٌ؟ وَقَد عَمَّرَ الْمُشْتَرِي فَوْقَهَا بِنَاءً فَمَا حُكْمُهُ؟
فَأَجَابَ: لَيْسَ هَذَا بَيْعًا صَحِيحًا؛ بَل تُعَادُ الدَّارُ إلَى صَاحِبِهَا، ويُوَفِّي الدَّيْنَ الْمُسْتَحَقَّ، وَالْعِمَارَةُ الَّتِي عَمَّرَهَا الْمُشْتَرِي تُحْسَبُ لَهُ. [٢٩/ ٥٣٦] الحواشي
(١) في الأصل: (وهو نظير ظاهر إعارته للرهن)، ويظهر أنه كلمة (ظاهر) مقحمة، والمثبت من الاختيارات(١٩٧) ، والإنصاف (٥/ ١٤٩).(٢) أي: الراهن، الذي اشترى من الرجل سلعةً، فرهنه بيته؛ ليتمكن المرتهن من استيفاء دينِه من الرهن.стр. 2536
٣٦٧٧ - إذَا أوْفَى الْغَرِيمُ بَعْضَ الدَّيْنِ وَبَقِيَ بَعْضُهُ فَالرَّهْنُ بَاقٍ بِمَا بَقِيَ مِن الْحَقِّ إلَّا أنْ يَحْصُلَ مَا يُوجِبُ فِكَاكَهُ؛ مِثْل فَكِّ الْمُرْتَهِنِ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ. [٢٩/ ٥٣٧]
٣٦٧٨ - يُقْبَلُ إقْرَارُ الرَّاهِنِ بِمَا نبْطِلُ الزهْنَ (١) ، وَإِن قِيلَ: إنَّهُ إذَا أقَرَّ بِالرَّهْنِ فَلِلْمُقَرِّ لَهُ اُّنْ يُبْطِلَهُ بِمُوجِبِ إقْرَارِهِ بِلَا ريب؛ لِأنَّهُ إذَا أَقَرَّ أَنَّ الرَّهْنَ كَانَ مِلْكًا لِغَيْرِهِ وَأَنَّهُ رَهَنَهُ بِدُونِ إذْنِهِ: لَمْ يَبْطُل الرَّهْنُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ. [٢٩/ ٥٣٨]
٣٦٧٩ - وَسُئِلَ: عَمَّن لَهُ عَلَى شَخْصِ دَيْن وَأَرْهَنَ عَلَيْهِ رَهْنًا وَالدِّيْنُ حَالٌّ، وَرَب الدِّيْنِ مُحْتَاجٌ إلَى دَرَاهِمِهِ، فَهَل يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الرَّهْنِ؟
فَأَجَابَ: إذَا كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ جَازَ، وَإِلَّا بَاعَ الْحَاكِمُ إنْ أَمْكَنَ وَوَفَّاهُ حَقَّه مِنه.
وَمِن الْعُلَمَاءِ مَن يَقُولُ: إذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ دَفَعَهُ إلَى ثِقَه يَبِيعُهُ، وَيحْتَاطُ بِالْإِشْهَادِ عَلَى ذَلِكَ ويسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْهُ. [٢٩/ ٥٣٨]
فَإِذَا أَمْكَنَ بَيْعُهُ وَاسْتِيفَاءُ الْحَقِّ مِنْهُ: لَمْ يَجُزْ حَبْسُ الْغَرِيمِ. [٢٩/ ٥٤٠]
٣٦٨٠ - بَيْعُ الرَّهْنِ اللَّازِمِ بِدُونِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ لَا يَجُوزُ، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَطْلُبَ دَيْنَهُ مِن الرَّاهِنِ الْمَدِينِ إنْ كانَ قَد حَلَّ، وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ عَوْدَ الرَّهْنِ أو اسْتِيفَاءَ حَقِّهِ مِنْهُ، وَإِن شَاءَ طَالَبَ الْبَائِعَ لَهُ، وَإِن شَاءَ طَالَبَ الْمُشْتَرِيَ لَهُ.
لَكِنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ كَانَ مَغْرُورًا: فَقَرَارُ الضَّمَانِ عَلَى الْبَائِعِ، يَجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانُ أُجْرَةِ الْمَبِيعِ، وَاِن كَانَ عَالِمًا بِصُورَةِ الْحَالِ فَهُوَ ظَالِمٌ، عَلَيْهِ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ. [٢٩/ ٥٤٣]
* * * الحواشي
(١) كأن يقول حين حلّ الأجل ولم يكن عنده ما يُوفي دينه: البيت الذي رهنتك وقف، أو ملك لفلان.стр. 2537
(بَابُ الضَّمَانِ)
٣٦٨١ - قياس المذهب أنه يصح بكل لفظ يفهم منه الضمان عرفًا مثل: زوِّجه وأنا أؤدي الصداق، أو بِعْه وأنا أعطيك الثمن، واتركه لا تطالبه وأنا أعطيك الثمن. [المستدرك ٤/ ٢١]
٣٦٨٢ - يصح ضمان حارس ونحوه، وتجار حرب بما يذهب من البلد أو البحر، وغايته ضمان مجهول وما لم يجب، وهو جائز عند أكثر أهل العلم مالك وأبي حنيفة وأحمد.
واختار شيخنا صحة ضمان حارس ونحوه وتجار حرب ما يذهب من البلد أو البحر وأن غايته ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول كضمان السوق، وهو أن يضمن الضامن ما يجب على التجار للناس من الديون، وهو جائز عند أكثر العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) ﴾ [يوسف: ٧٢] ولأن الطائفة الواحدة الممتنعة من أهل الحرب التي ينصر بعضها بعضًا تجري مجرى الشخص الواحد في معاهدتهم؛ فإذا شورطوا على أن تُجارهم يدخلون دار الإسلام بشرط ألا يأخذوا للمسلمين شيئًا وما أخذوه كانوا ضامنين له، والمضمون يؤخذ من أموال التجار جاز ذلك، كما يجوز نظائره. [المستدرك ٤/ ٢١ - ٢٢]
٣٦٨٣ - سُئِلَ ﵀: ضَن رَجُلٍ ضّامِنٍ مُعَيَّنًا، وَقَد طَلَبَهُ غَرِيمُهُ بِالْمَالِ وَلَمْ يَكُن لِلضَّامِنِ مَقْدِرَةٌ، وَقَد ادَّعَى غَرِيمُهُ عَلَيْهِ وَادَّعَى الْإِعْسَارَ، فَهَل يَحْتَاجُ إلَى بَيِّنةٍ؟
فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الضَّامِنُ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ قَبْلَ ذَلِكَ وَادَّعَى الْإِعْسَارَ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ بَيِّنَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِن مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا. [٢٩/ ٥٤٥]
стр. 2538
٣٦٨٤ - يَصِحُّ ضَمَانُ مَا فِي الذِّمَّةِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، ويُطَالَبُ الْمُسْتَحِقُّ لِلضَّامِنِ. [٢٩/ ٥٤٦]
٣٦٨٥ - إذَا بَذَلَ (١) بَيْعَ مَالِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ لَمْ يَجُزْ عُقُوبَتُهُ بِحَبْسٍ وَلَا غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْعُقُوبَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَو فِعْلِ محَرَّمٍ، وَهُوَ إذَا بَذَلَ مَا عَلَيْهِ مِن الْوَفَاءِ لَمْ يَكُن قَد تَرَكَ وَاجِبًا.
لَكِنْ إنْ خَافَ الْغَرِيمُ أَنْ يَغِيبَ أَو لَا يَفِي بِمَا عَلَيْهِ: فَلَهُ أَنْ يَحْتَاطَ عَلَيْهِ: إمَّا بِمُلَازَمَتِهِ وَإِمَّا بِعَائِنٍ فِي وَجْهِهِ.
وَمَتَى اعْتَقَلَهُ الْحَاكِمُ ثُمَّ بَذَلَ بَيْعَ مَالِهِ وَسَأَلَ التَّمْكِينَ مِن ذَلِكَ: يُمَكنُهُ مِن ذَلِكَ. [٢٩/ ٥٤٧]
٣٦٨٦ - ضَمَانُ السُّوقِ -وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ الضَّامِنُ مَا يَجِبُ عَلَى التَّاجِرِ مِن الدُّيُونِ وَمَا يَقْبِضُهُ مِن الْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ (٢) -: ضَمَانٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ ضَمَانُ مَا لَمْ يَجِبْ وَضَمَانُ الْمَجْهُولِ، وَذَلِكَ جَائِز عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَل.
وَقَد دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) ﴾ [يوسف: ٧٢] (٣) .
وَالشَّافِعِيُّ يُبْطِلُهُ.
فَيَجُوزُ لِلْكَاتِبِ وَالشَّاهِدِ أنْ يَكْتُبَهُ وَيُشْهدَ عَلَيْهِ وَلَو لَمْ يَرَ جَوَازَهُ؛ لِأَنَّهُ مِن مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، وَوَليُّ الْأَمْرِ يَحْكُمُ بِمَا يَرَاهُ مِن الْقَوْلَيْنِ. [٢٩/ ٥٤٩] الحواشي
(١) المدين أو ضامنُ المدين.(٢) أي: يضمن رجلٌ له مكانةٌ عند الناس ويثقون به -غالبًا- أنْ يسدد التجار ما اقترضوه من الناس.(٣) وإذا امتنع التاجر من الوفاء أو هرب، فطلبه الضامن وغرم بسبب ذلك: فقد قال الشيخ: لَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا أَنْفَقَهُ بِسَبَبِ ضَمَانِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ. (٢٩/ ٥٥٠)стр. 2539
٣٦٨٧ - مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْإِمَامِ أَحْمَد أَنَّ لِلْغَرِيمِ أَنْ يَطْلُبَ مَن شَاءَ مِنْهُمَا [أي: الضامِن وَالْمَضْمون].
فَإِذَا اسْتَوْفَى: لَمْ يَكُن لَهُ مُطَالَبَة، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُمَا جَمِيعًا (١) . [٢٩/ ٥٥٠]
٣٦٨٨ - إذَا لَمْ يَكُن ضَامِنًا وَلَدَهُ وَلَا لَة عِنْدَهُ مَالٌ: لَمْ تَجُزْ مُطَالَبَتُهُ بِمَا عَلَيْهِ.
لَكِنْ إنْ أَمْكَنَ الْوَالِدُ مُعَاوَنَةَ صَاحِبِ الْحَقِّ عَلَى إحْضَارِ وَلَدِهِ بِالتَّعْرِيفِ بِمَكَانِهِ وَنَحْوِهِ: لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ.
وَلَا تَحِلُّ مُطَالَبَتُهُ بِشَيءٍ مِن جِهَتِهِ، وَعَلَى وَليِّ الْأَمْرِ كَفُّ الْعُدْوَانِ عَنْهُ. [٢٩/ ٥٥١]
٣٦٨٩ - إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ ضَامِنٌ بِإِقْرَارٍ وَبَيِّنَةٍ أَو خَطِّهِ: لَزِمَهُ مَا ضَمِنَهُ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى أَنَّ الزَّعِيمَ غَارِمٌ. الحواشي
(١) قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀ قول صاحب الزاد: الرب الحق مطالبة من شاء منهما": ظاهره أنه لا فرق بين أن يتمكن صاحب الحق من استيفاء الحق من المضمون عنه أو لا يتمكن.
القول الثاني: أنه لا يملك مطالبة الضامن إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه بموت، أو غيبة، أو مماطلة، أو فقر، فإذا تعذرت مطالبة المضمون عنه فله أن يطالب الضامن.
وحجة هؤلاء أنه لا يرجع للفرع مع تمكن الاستيفاء من الأصل، فإذا أمكن الرجوع إلى الأصل فإنه يستغنى به عن الفرع، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀ وعمل الناس اليوم على هذا القول.
أما في المحاكم: فالظاهر أنهم يحكمون بالمذهب وأن صاحب الحق إذا طالب الضامن ألزم بأن يدفع عنه الحق الذي ضمنه.
ولو أنه شرط فقال: إنك لا تطالبني إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه، فالقاعدة على المذهب أن كل شرط يخالف مقتضى العقد فإنه لا يصح، ومعلوم أنه إذا كان مقتضى العقد مطالبة الرجلين جميعًا، فإنه إذا شرط ألا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه صار منافيًا لمقتضى العقد.
ولكن الصحيح -حتى لو قلنا: بأن له مطالبة الرجلين- أنه إذا اشترط الضامن ألا يطالبه إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه، فالصحيع أنه شرط صحيح؛ لعموم قوله: (المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلًالا". الشرح الممتع (٩/ ١٨٦ - ١٨٨).стр. 2540
فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَقِل بِالتَّصَرُّفِ لِنَفْسِهِ: لَمْ يَصِحَّ ضَمَانُهُ، وَلَكِنْ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ الْحَجْرَ.
وَإِن قَالَ: إنَّ الْمَضْمُونَ لَهُ يَعْلَمُ أَنّي كُنْت مَحْجُورًا عَلَيَّ فَلَهُ تَحْلِيفُهُ، وَكَذَلِك إذَا ادَّعَى الْإِكْرَاهَ فَلَهُ تَحْلِيفُ الْمَضْمُونِ لَهُ. [٢٩/ ٥٥١ - ٥٥٢]
٣٦٩٠ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ لَهُ مِلْكٌ وَهُوَ وَاقِع فَأَعْلَمُوة بِوُقُوعِهِ فَأَبَى أَنْ يَنْقُضَهُ، ثمَّ وَقَعَ عَلَى صَغِيرٍ فَهَشَّمَهُ هَل يَضْمَنُ؟
فَأَجَابَ: هَذَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ فِي أَحَدِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي عَدَمِ إزَالَةِ هَذَا الضَّرَرِ، وَالضَّمَانُ عَلَى الْمَالِكِ الرَّشِيدِ الْحَاضِرِ، أَو وَكِيلِهِ إنْ كَانَ غَائِبًا، أَو وَليّهِ إنْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ.
وَالْوَاجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَالْأرْشُ فِي مَا لَا تَقْدِيرَ فِيهِ، وَيجِبُ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَةِ هَؤُلَاءِ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِم فِي أَصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. [٣٠/ ١٥ - ١٦]
* * *
(الظُّلْمُ أَبْلَغُ تَحْرِيمًا مِن غِنَّاءِ الْأَجْنَبيَّةِ لِلرِّجَالِ وحكم غِنَاء الرِّجَالِ لِلرِّجَالِ، والْحَرَائِرِ لِلرِّجَالِ بِالدُّفِّ في الْأَفْرَاحِ ؟)
٣٦٩١ - ظُلْمُ الضَّامِنِ بِمطَالَبَتِهِ بِمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ وَإِن كَانَ مُحَرَّمًا: أَبْلَغُ تَحْرِيمًا مِن غِنَاءِ الْأَجْنَبِيَّةِ لِلرِّجَالِ:
أ- لِأَنَّ الظُّلْمَ مِن الْمُحَرَّمَاتِ الْعَقْلِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَمَّا هَذَا الْغِنَاءُ فَإِنَّمَا نهِيَ عَنْهُ لِأَنَّهُ قَد يَدْعُو إلَى الزِّنَا، كَمَا حُرِّمَ النَّظَر إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ.
ب- وَلأَنَّ فِيهِ خِلَافًا شَاذًّا.
ج- وَلِأَنَ غِنَاءَ الْإِمَاءِ الَّذِي يَسْمَعُهُ الرَّجُلُ قَد كَانَ الصَّحَابَةُ يَسْمَعُونَهُ فِي الْعُرْسَاتِ، كَمَا كَانُوا يَنْظُرُونَ إلَى الْإِمَاءِ لِعَدَمِ الْفِتْنَةِ فِي رُويَيهِنَّ وَسَمَاعِ أَصْوَاتِهِنَّ.
فَتَحْرِيمُ هَذَا أَخَفُّ مِن تَحريم الظُّلْمِ، فَلَا يُدْفَعُ أَخَفُّ الْمُحَرَّمَيْنِ بِالْتِزَامِ أَشَدِّهِمَا.
стр. 2541
وَأَمَّا غِنَاءُ الرِّجَالِ لِلرِّجَالِ: فَلَمْ يَبْلِغْنَا أَنَّهُ كَانَ فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ.
يَبْقَى غِنَاءُ النِّسَاءِ لِلنسَاءِ فِي الْعُرْسِ.
وَأَمَّا غِنَاءُ الْحَرَائِرِ لِلرّجَالِ بِالدُّفِّ: فَمَشْرُوعٌ فِي الْأَفْرَاحِ (١) ؛ كَحَدِيثِ النَّاذِرَةِ وَغِنَاهَا مَعَ ذَلِكَ (٢) . الحواشي
(١) والأفراح أعم من العرس، فالشيخ يرى جواز سماع الرجال غناء المرأة في الأفراح والمناسبات العامة إذا خلا من التبرج والسفور والفتنة، والفحش والغزل.
وغناء الشابة لا يخلو من إحدى هذه المحاذير، فلا يجوز أن يُتخذ كلام شيخ الإسلام ذريعةً لاختلاط النساء بالرجال، أو خضوعهن بالقول. مع العلم أن المقصود بالغناء هنا: إنشاد الشعر، دون أن يصحبه طبل أو عود أو موسيقى.(٢) وهو حديث عَمْرِو بْنِ شُعَيْب عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ أنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِني نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَىَ رَأْسِكَ بِالدُّفِ، قَالَ: "أوْفِي بِنَذْرِكِ"، قَالَتْ: إِني نَذَرْتُ أنْ أَذْبَحَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، مَكَانٌ كَانَ يَذْبَحُ فِيهِ أهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ "لِصَنَمٍ"، قَالَتْ: لَا، قَالَ: "لِوَثَنٍ"، قَالَتْ: لَا، قَالَ: "أَوْفِي بِنَذْرِكِ". رواه أبو داود(٣٣١٢) ، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود.
وله شاهدٌ من حديث بُرَيْدَةَ ﵁ أَن أَمَة سوْدَاءَ أتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَد رَجَعَ مِن بَعْضِ مَغَازِيهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللهُ سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأسِكَ بِالدُّفِّ.
فَقَالَ: "إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَافْعَلي وَإِلَّا فَلَا"، قَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ. قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَضَرَبَتْ بِالدُّفِّ. رواه الترمذي(٣٦٩٠) ، والإمام أحمد(٢٢٩٨٩) .
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
وقال الألباني في إرواء الغليل (٨/ ٢١٤): وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وحديث عمرو بن شعيب أصرح؛ لأن التي غنت حرة، بدليل قوله: "امْرَأَةً" وهذا لا يُطلق إلا على الحرة.
وقفة: تأمل كيف يلبي النَّبِيُّ ﷺ رغبة هاتين المرأتين، وعلى أمرِ يأنف منه غالب الرجال فضلًا عن العلماء والفضلاء، وهو الغناء وضرب الدف عند الرجال!
ولم يكن وقت النبي ﷺ رخيصًا عنده، ولم يكن يجد الفراغ ليسمع غناءً ولهوًا.
ولكنها أخلاقه العظيمة، وشيمه النبيلة، التي بها تألّف قلوب الناس، وكسب وُدّهم.
كم يأنف كثير من الناس من أقل من هذا، وكم ترفَّع بعض الناس عمَّا هو دون ضرب الدف.
ومن دروس هذه القصة: ترك التكلف، ومعاملة الناس بسماحة ورفق، ومراعاة مشاعرهم، وترك الخوف من نقد الناس إذا كان الفعل لا يُخالف الشرع.стр. 2542
وَلَكِنْ نَصْبُ مُغَنِّيَةٍ لِلنِّسَاءِ وَالرّجَالِ: هَذَا مُنْكَرٌ بِكُلِّ حَالٍ، بِخِلَافِ مَن لَيْسَتْ صَنْعَتُهَا.
وَكَذَلِكَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَلَيْهِ (١) . [٢٩/ ٥٥٢ - ٥٥٣]
٣٦٩٢ - مَا ألْزِمَ الضَّامِنُ بِسَبَبِ عُدْوَانِ الْمَضْمُونِ (٢) ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ فَيَغِيبُ، حَتَّى أَمْسَكَ الْغَرِيمُ لِلضَّامِنِ وَغَرَّمَهُ مَا غَرَّمَهُ: كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الْمَضْمُونِ الَّذِي ظَلَمَهُ (٣) . [٢٩/ ٥٥٣]
* * *
(الكفالة)
٣٦٩٣ - إنَّ السَّجَّانَ وَنَحْوَهُ مِمَن هُوَ وَكِيلٌ عَلَى بَدَنِ الْغَرِيمِ: بِمَنْزِلَةِ الْكَفِيلِ لِلْوَجْهِ، عَلَيْهِ إحْضَارُ الْخَصْمِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ إحْضَار- كَمَا لَو لَمْ يَحْضُر الْمَكْفُولُ- يَضْمَنُ مَا عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكِ.
٣٦٩٤ - من كفل إنسانًا فسلَّمه إلى مكفوله -ولا ضرر في تسليمه- برئ.
ولو في حبس الشرع. ولا يلزمه إحضاره منه (٤) إليه عند أحد من الأئمة.
* * * الحواشي
(١) أي: أخذ العوض للمغنية لتغني للرجال: مُنْكَرٌ بِكُلِّ حَالٍ.(٢) كأن يتسبب في سجنه وهو قادر على الوفاء، فيخسر أثناء سجنه ماله أو بعضه، أو يُفصل من وظيفتِه.(٣) ورجح الشيخ صحة اسْتَدَانَة الصَبِيّ المُمَيِّز إذا كَفَلَهُ أبُوهُ، فإن لم يُوف دينه فقال الشيخ: لَهُ أنْ يَرْجِعَ عَلَى مَن كَفَلَهُ؛ فَإِنَّ كَفَالَةَ أبِيهِ لَهُ تَقْتَضِي أنهُ تَصَرَّفَ بِإِذْنِ أَبِيهِ فَيَلْزَمُهُ الدَّيْنُ وَتَصِحُّ كَفَالَتهُ.
وَإِن كَانَ فِي الْبَاطِنِ قَد اسْتَدَانَ لِأبِيهِ وَلَكِنْ أبُوهُ أمَرَهُ: فَالِاسْتِدَانَةُ لِلْأبِ، وُإِلَّا فَلَهُ تَحْلِيفُ الْأبِ أَنَّ الِاسْتِدَانَةَ لَمْ يمُنْ لَهُ. (٢٩/ ٥٥٥ - ٥٥٦)(٤) أي: الحبس. كشاف القناع (٣/ ٣٧٨).стр. 2543
(بَاب الْحَوَالَةِ) (١)
٣٦٩٥ - تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِشرُوطِهَا، وَلَيْسَ لِلْمُحِيلِ لَهُ قَبْضُ الْمُحَالِ بِهِ (٢) بَعْدَ الْحَوَالَةِ، وَلَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُحَالِ عَلَيْهِ بِالْإِقْبَاضِ لَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ بِأَمْرِ الْمُحَالِ.
وَللْمُحْتَالِ أَنْ يَطْلُبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِن الْمُحَالِ عَلَيْهِ لِيُعَادَ مِنْهُ فِي ذِمَّتِهِ وَمِن الْقَابِضِ دَيْنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ.
وَإِن كَانَ قَبْضُ الْغَاصِبِ بِغَيْرِ حَقٍّ بِمَنْزِلَةِ غَصْبِ الْمُشَاعِ فَإِنَّ التَّعْيِينَ بِالْغَصْبِ كَالْقِسْمَةِ، فَمَا لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْغَاصِبَ بِالْقِسْمَةِ.
وَللْمُحْتَالِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُحِيلِ بِمَا قَبَضَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، لَكِنْ لِلْخَصْمِ تَحْلِيفُ الْمُقرِّ لَهُ أَنَّ بَاطِنَ هَذَا الْإِقْرَارِ كَظَاهِرِهِ. [٢٩/ ٥٥٧]
٣٦٩٦ - الحوالة على ماله في الديوان إذنٌ في الامشيفاء فقط، وله اختيار الرجوع ومطالبته. [المستدرك ٤/ ٢٣]
٣٦٩٧ - ليس للابن أن يحيل على الأب، ولا يبيع دينه إذا جوزَّنا بيع ما على الغريم إلا برضاء الأب. [المستدرك ٤/ ٢٣]
٣٦٩٨ - كره أحمد أن يتزوج الرجل أو يقترض أو يشتري إذا لم يعلم الآخر بعسرته، فلأن يكره أن يحيل على معسر ولم يعلم أولى؛ لأن ظاهر الحال أن الرجل إنما يعامل من كان قادرًا على الوفاء، فإذا كتم ذلك كان غارًّا. [المستدرك ٤/ ٢٣]
* * * الحواشي
(١) الحوالة: نقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
المحيل: هو المدين.
والمحال: هو الدائن.
والمحال عليه: هو الذي يقوم بقضاء الدين.(٢) وهو الدين.стр. 2544
كِتَاب الصُلْحِ إِلَى الوَقْفِ (الصلح، وحقوق الجار على جار)
٣٦٩٩ - يصح الصلح عن المؤجل ببعضه حالًّا (١) ، وهو رواية عن أحمد، وحكي قولًا للشافعي. [المستدرك ٤/ ٢٣]
٣٧٠٠ - يصح عن دية الخطأ وعن قيمة المتلف غير المثل بأكثر منها من جنسها، وهو قياس قول أحمد. [المستدرك ٤/ ٢٣]
٣٧٠١ - العين والمنفعة التي لا قيمة لها عادة كالاستظلال بجدار الغير والنظر في سراجه: لا يصح أن يرد عليها عقد بيع أو إجارة اتفاقًا. [المستدرك ٤/ ٢٣]
٣٧٠٢ - لو اتَّفقا على بناء حائط بستان فبنى أحدهما: فما تلف من الثمرة بسبب إهمال الآخر ضمن لشريكه نصيبه.
وإذا احتاج الْمُلك المشترك إلى عمارة لا بد منها: فعلى أحد الشريكين أن يعمر مع شريكه إذا طلب ذلك منه في أصح قولي العلماء. [المستدرك ٤/ ٢٣]
٣٧٠٣ - يلزم الأعلى التستر بما يمنع مشارفته على الأسفل.
وإن استويا وطلب أحدهما بناء السترة: أجبر الآخر مع الحاجة إلى السترة، وهو مذهب أحمد. [المستدرك ٤/ ٢٣ - ٢٤]
٣٧٠٤ - ليس للإنسان أن يتصرف في ملكه بما يؤذي جاره، من بناء حمام، وحانوت طباخ، ودقاق، وهو مذهب أحمد. [المستدرك ٤/ ٢٤] الحواشي
(١) وهي مسألة: ضع وتعجل، وصورتها: أن يقول الرجل لمن له عليه دين مُؤجّل: ضع عني شيئًا من الدين، وأعجل لك المبلغ.
وقد أجازها شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنعها جمهور العلماء ﵏ ورفع درجاتهم في جنات عدن-، وما ذهب إليه الشيخ أقرب.стр. 2545
٣٧٠٥ - من لم يسد بئره سدًّا يمنع من التضرر بها: ضمن ما تلف بها. [المستدرك ٤/ ٢٤]
٣٧٠٦ - الضرار محرم بالكتاب، والسُّنَّة، ومعلوم أن المشاقة والمضارة مبناها على القصد والإرادة، أو على فعل ضرر لا يحتاج إليه.
فمتى قصد الإضرار ولو بالمباح، أو فعل الإضرار من غير استحقاق: فهو مضار.
وأما إذا فعل الضرر المستحق للحاجة إليه والانتفاع به لا لقصد الإضرار: فليس بمضار، ومن ذلك قول النبي- ﷺ حديث النخلة التي كانت تضر صاحب الحديقة لما طلب من صاحبها المعاوضة عنها بعدة طرق فلم يفعل فقال: "إنما أنت مضار، ثم أمر بقلعها" (١) فدل على أن الضرار محرم لا يجوز تمكين صاحبه منه. [المستدرك ٤/ ٢٤]
٣٧٠٧ - من كانت له ساحة تلقى فيها الأتربة والزبالة وفضلات الحيوانات ويتضرر الجيران بذلك: فإنه يجب على صاحبها أن يدفع ضرر الجيران: إما بعمارتها أو إعطائها لمن يعموها، أو يمنع أن يلقى فيها ما يضر بالجيران. [المستدرك ٤/ ٢٤]
٣٧٠٨ - ليس لأحدٍ أنْ يبني فوق الوقف ما يضر به اتفاقًا، وكذا إن لم يضر به عند الجمهور. [المستدرك ٤/ ٢٥]
٣٧٠٩ - يجب على الجار تمكين جاره من إجراء مائه في أرضه إذا احتاج إلى ذلك ولم يكن على صاحب الأرض ضرر في أصح القولين في مذهب أحمد، وحكم به عمر بن الخطاب ﵁. [المستدرك ٤/ ٢٥] الحواشي
(١) رواه أبو داود(٣٦٣٦) ، وضغفه الألبانيّ.стр. 2546
٣٧١٠ - الساباط الذي يضر بالمارة: مثل أن يحتاج الراكب أن يحني رأسه إذا مر هناك وإن غفل عن رأسه رمى عمامته أو شج رأسه، ولا يمكن أن يمر هناك جمل عال إلا كسر قتبه، والجمل المحمل لا يمر هناك؛ فمثل هذا الساباط لا يجوز إحداثه على طريق المارة باتفاق المسلمين؛ بل يجب على صاحبه إزالته، فإن لم يفعل كان على ولاة الأمور إلزامه بإزالته حتى يزول الضرر، حتى لو كان الطريق منخفضًا ثم ارتفع على طول الزمان وجب إزالته إذا كان الأمر على ما ذكر. [المستدرك ٤/ ٢٥]
٣٧١١ - له تعلية بنائه ولو أفضى إلى سدِّ الهواء عن جاره (١) ، وليس له منعه خوفًا من نقص أجرة ملكه بلا نزاع (٢) . [الاختيارات ١٩٩]
٣٧١٢ - وسُئِلَ ﵀: عَن دَارينِ بَيْنَهُمَا شَارعٌ، فَأَرَادَ صَاحِبُ أَحَدِ الدَّارَيْنِ أَنْ يعْمرَ عَلَى دَارِهِ غُرْفَةً تُفْضِي إلَى سَدِّ الْفَضَاءِ عَن الدَّارِ الْأخْرَى، فَهَل يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ إضْرَارٌ بِالْجَارِ؛ مِثْل أَنْ يُشْرِفَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مَا يَمْنَعُ مُشَارَفَتَهُ الْأَسْفَلَ، فَإِذَا لَمْ يَكُن فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْجَارِ بأَنْ يَبْنِيَ جمَا يَمْنَعُ الْأِشْرَافَ عَلَيْهِ أَو لَا يَكُونُ فِيهِ إشْرَافٌ عَلَيْهِ: لَمْ يُمْنَعْ مِن الْبِنَاءِ. [٣٠/ ٥ - ٦]
٣٧١٣ - لَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيءٍ مِن طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ النَّافِذِ، وَلَيْسَ لِوَكِيلِ بَيْتِ الْمَالِ بَيْعُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَت الطَّرِيقُ وَاسِعَةً أَو ضَيِّقَةً. [٣٠/ ٦ - ٧]
٣٧١٤ - لَيْسَ لِلْجَارِ أَنْ يُحْدِثَ فِي الطَّرِيقِ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي لَا يُنْفِذُ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِ رَفِيقِهِ وَلَا شُرَكَائِهِ، وَلَا أَنْ يُحْدِثَ فِي مِلْكِهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ. الحواشي
(١) بشرط الحاجة وعدم قصد ضر الجار.
قال في الفروع: ويتوجه من قول أحمد: لا ضرر ولا ضرار: منعُه.
قال في الإنصاف (٥/ ٢٦١): وهو الصواب.
وقال البعلي في الاختيارات(١٩٩) : وفيه على قاعدة أبي العباس نظر. اهـ.(٢) أي: ليس للجار منع جاره من تعلية بنائه ولو خاف نقص أجرة داره.стр. 2547
وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ: فَلِلشَّرِيكِ إزَالَةُ ضَرَرِهِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَبَعْدَهُ، لَكِنْ إذَا أُزِيلَ قَبْلَ الْبَيْعِ لَمْ يَعُدْ، وَبَعْدَ الْبَيْعِ فَلِلْمُشْتَرِي فَسْخُ الْبَيْعِ لِأجْلِ هَذَا النَّقْصِ. [٣٠/ ٨]
٣٧١٥ - لَيْسَ لَهُ أنْ يُحْدِثَ فِي الدَّرْبِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ رَوْشَنًا بِاتِّفَاقِ الْأئِمَّةِ، فَإِنَّهُم لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي ذَلِكَ، لَكِنْ تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ إحْدَاثِهِ فِي الدَّرْبِ النَّافِذِ (١) .
وَأمَّا الدَّرْبُ الُّذِي لَا يَنْفُذُ فَلَا نِزَاعَ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ لَهُ بَابٌ إلَى مَدْرَسَةِ أَو لَمْ يَكُن فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَافِذ.
وَإِذَا ادَّعَى أَنَّ لَهُ فِيهِ حَقَّ رَوْشَنٍ: لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، لَكِنْ لَهُ تَحْلِيفُ الْجِيرَانِ الَّذِينَ تَنَازَعُوا فِيهِ عَلَى نَفْيِ اسْتِحْقَاقِهِ لِذَلِكَ. [٣٠/ ٩]
٣٧١٦ - لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ فِي الدَّرْبِ الَّذِي لَا يَنْفُذُ بَابًا يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى آخِرِ الدَّرْبِ مِن بَابِهِ الْأصْلِيِّ، إلا بِإِذْنِ الْمُشَارِكِينَ لَهُ فِي الِاسْتِطْرَاقِ فِي ذَلِكَ. [٣٠/ ١١]
٣٧١٧ - لَو كَانَ الْجِدَارُ مُخْتَصًّا بِأحَدِهِمَا (٢) لَمْ يَكُن لَهُ أَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ مِن الِانْتِفَاعِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْجَارُ وَلَا يَضُرّ بِصَاحِبِ الْجِدَارِ. [٣٠/ ١٤]
٣٧١٨ - إذَا احْتَاجَ إلَى إجْرَاءِ مَائِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ وَلَا ضَرَرَ فَلَهُ ذَلِكَ.
وَلَو كَانَ لِرَجُلٍ نَهْرٌ يَجْرِي فِي أَرْضٍ مُبَاحَةِ فَأرَادَ جَارُ النَّهْرِ أَنْ يَعْرضَهُ إلَى ارْضِهِ أَو بَعْضِهِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ إلَّا انْتِفَاعُهُ بالْمَاءِ -كمَا لَو كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي مَجْرَاهُ، وَلَكِنَّهُ يُسَهِّلُ عَلَيْهِ الِانْتِفَاعَ بِهِ- فَأَفْتَيْت بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ. الحواشي
(١) المذهب لا يجوز ذلك، واختار العلَّامة ابن عثيمين ﵀ أنه لا بأس أن يُخْرِجَ ما جرت به العادة، مما لا يضر الناس وبإذن الامام كرَوشَنٍ وسابَاطٍ ودكِّةٍ ومِيزابٍ. الشرح الممتع (٩/ ٢٥٣).(٢) أي: بأحد الجارين.стр. 2548
وَنَظِيرُهَا لَو كَانَ لِرَبِّ الْجِدَارِ مَصْلَحَة فِي وَضْعِ الْجُذُوعِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ ضَرَرِ الْجُذُوعِ، وَعَكْسُ مَسْأَلَةِ إمْرَارِ الْمَاءِ لَو أَرَادَ انْ يَجْرِيَ فِي أَرْضِهِ مِن بُقْعَةٍ إلَى بُقْعَةٍ ويُخْرِجَهُ إلَى أَرْضٍ مُبَاحَةٍ أَو إلَى أَرْضِ جَارٍ رَاضٍ مِن غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عَلَى رَبِّ الْمَاءِ ضَرَرٌ: لَكان (١) يَنْبَغِي أنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ شَغْلَ الْمَكَانِ الْفَارغ، فَكَذَلِكَ تَفْرِيغَ الْمَشْغُولِ.
وَالضَّابِطُ أَنَّ الْجَارَ:
أ- إمَّا أَنْ يُرِيدَ إحْدَاثَ الِانْتِفَاعِ بِمَكَانِ جَارِهِ.
ب- أَو إزَالَةَ انْتِفَاعِ الْجَارِ الَّذِي يَنْفَعُهُ زَوَالُهُ وَلَا يَضُرُّ الْآخَرَ.
وَمِن أَصْلِنَا: أَنَ الْمُجَاوَرَةَ تُوجِبُ لِكُلٍّ مِن الْحَقِّ مَا لَا يَجِبُ لِلْأَجْنَبِيِّ، وَيحْرُمُ عَلَيْهِ مَا لَا يَحْرُمُ لِلْأَجْنَبِيِّ، فَيُبِيحُ الِانْتِفَاعَ بِمِلْكِ الْجَارِ الْخَالِي عَن ضَرَرِ الْجَارِ، وَيحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِ الْمُنْتَفِعِ إذَا كَانَ فِيهِ إضْرَارٌ. [٣٠/ ١٦ - ١٧]
* * *
(العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)
٣٧١٩ - رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ أَبُو دَاوُد وَغَيْر (٢) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: "الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إلَّا صُلْحًا أَحَل حَرَامًا أَو حَرَّمَ حَلَالًا، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَو حَرَّمَ حَلَالًا".
وَحَدِيثُ عَائِشَةَ (٣) هُوَ مِن الْعَامّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَب، وَهَذَا وَإِن كَانَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: إنَّهُ يُوخَذُ فِيهِ بِعُمُومِ الفَفْظِ وَلَا يُقْتَصَرُ عَلَى سَبَبِهِ، فَلَا نِزَاعَ بَيْنَهُم أَنَّ أَكْثَرَ العمومات الْوَارِدَةِ عَلَى أَسْبَابٍ لَا تَخْتَصُّ بِأَسْبَابِهَا؛ كَالْآيَاتِ الحواشي
(١) في الأصل: (لَكِنْ)، ولعل الصواب المثبت.(٢) أبو داود(٣٥٩٤) ، والترمذي(١٣٥٢) ، وابن ماجه(٢٣٥٣) ، وأحمد(٨٧٨٤) ، وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح.(٣) يعني به: ما روته في قصة بريرة، وجاء فيه: "من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل".стр. 2549
النَّازِلَةِ بِسَبَبٍ مُعَيَّنٍ؛ مِثْل آيَاتِ الْمَوَارِيثِ، وَالْجِهَادِ وَالظِّهَارِ، وَاللِّعَانِ وَالْقَذْفِ وَالْمُحَارَبَةِ، وَالْقَضَاءِ وَالْفَيءِ وَالرِّبَا وَالصَّدَقَاتِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَعَامَّتُهَا نَزَلَتْ عَلَى أَسْبَابٍ مُعَيَّنَةٍ مَشْهُورَةٍ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالْمَغَازِي، مَعَ اتّفَاقِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ حُكْمَهَا عَامّ فِي حَقِّ غَيْرِ أُولَئِكَ الْمُعَيِّنِينَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُمَاثِلُ قَضَايَاهُم مِن كُلِّ وَجْهٍ. [٣١/ ٢٨ - ٢٩]
* * *
(بَابُ الْحَجْرِ- وأحكام الدّين والإعسار)
٣٧٢٠ - من ضاق ماله عن ديونه: صار محجورًا عليه بغير حكم حاكم بالحجر، وهو رواية عن أحمد (١) . [المستدرك ٤/ ٢٥]
٣٧٢١ - من طولب باداء دين عليه فطلب إمهالًا: أُمهل بقدر ذلك اتفاقًا.
لكن إن خاف غريمه منه: احتاط عليه بملازمته، أو بكفيل، أو بترسيم عليه. [المستدرك ٤/ ٢٥]
٣٧٢٢ - من كان قادرًا على وفاء دينه وامتنع: أُجبر على وفائه بالضرب والحبس نص على ذلك الأئمة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
وقال أبو العباس: ولا أعلم فيه نزاعًا، لكن لا يُزاد كل يوم على أكثر التعزير (٢) إن قيل يتقدَّر.
وللحاكم أن يبيع عليه ماله، ويقضي دينه، ولا يلزمه إحضاره.
وقال شيخنا: وله منع عاجز حتى يقيم كفيلًا ببدنه. [المستدرك ٤/ ٢٦] الحواشي
(١) قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀ في حاشيته على الاختيارات(٢٠٢) : ظاهر كلام المؤلف ﵀ أنه محجور عليه حتى في التصرف بثمن المثل أو أكثر، ولعله غير مراد، والظاهر جوازه حتى على كلام الشيخ، وأن المحرم هو التبرع، سواءٌ كان مستقلًا أم تابعًا؛ كالمحاباة، وهو الذي تقتضيه النصوص الشرعية. اهـ.(٢) في الأصل: (أكثر من التعزير)؛ والمثبت من الاختيارات.стр. 2550
٣٧٢٣ - من عرف بالقدرة وادَّعى إعسارًا وأمكن عادة: قُبِل.
وليس له إثبات إعساره عند غير مِن حبسه بلا إذنه.
ويقضي دينه من مالٍ له فيه شبهة؛ لأنه لا تبقى شبهة بترك واجب. [المستدرك ٤/ ٢٦]
٣٧٢٤ - لو كان قادرًا على وفاء الدين وامتنع، ورأى الحاكم منعه من فضول الأكل والنكاح: فله ذلك؛ إذ التعزير لا يختص بنوع معين، وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم في نوعه وقدره إذا لم يتعد حدود الله. [المستدرك ٤/ ٢٦]
٣٧٢٥ - مَن عليه نفقةٌ واجبة فلا يملك التبرع بما يُخِلُّ بالنفقة الواجبة، وكلام أحمد يدل عليه. [المستدرك ٤/ ٢٦]
٣٧٢٦ - لو ادَّعت امرأةٌ على زوجها بحقها وحبسته: لم يسقط من حقوقه عليها شيء قبل الحبس؛ بل يستحقها عليها بعد الحبس؛ كحبسه في دين غيرها، فله إلزامها بملازمة بيته، ولا يدخل عليها أحد إلا لإذنه.
ولو خاف خروجها من منزله بلا إذنه: أسكنها حيث شاء.
ولا يجب حبسه بمكان معين، فيجوز حبسه في دار ولو في دار نفسه؛ بحيث لا يمكَّن من الخروج، ويجوز أن يحبس وُيرَسَّم عليه إذا حصل المقصود بذلك بحيث يمنعه من الخروج.
وهذا أشبه بالسُّنَّة؛ فإن النبي ﷺ أمر الغريم بملازمة غريمه وقال له: "ما فعل أسيرك؟ " (١) وإنما الْمُرَسَّمُ وكيل الغريم في الملازمة.
فإن لم يكن للزوج من يحفظ امرأته غير نفسه وأمكن أن يحبسهما في بيت واحد فتمنعه هي من الخروج ويمنعها هو من الخروج: فعل ذلك؛ فإن له عليها حبسها في منزله، ولها عليه حبسه في دينها، وحقه عليها أوكد، فإن حق الحواشي
(١) رواه البخاري(٢٣١١) .стр. 2551
نفسه في المبيت ثابت ظاهرًا وباطنًا، بخلاف حبسها له فإنه بتقدير إعساره لا يكون حبسه مستحقًّا في نفس الأمر؛ إذ حبس العاجز لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ولأن حبسها له عقوبة حتى يؤدي الواجب عليه، وحبسه لها حق يثبت له بموجب العقد وليس بعقوبة؛ بل حقه عليها كحق المالك على المملوك؛ ولهذا كان النكاح بمنزلة الرق والأسر للمرأة، قال عمر ﵁: النكاح رق، فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته، وقال زيد بن ثابت: الزوج سيد في كتاب الله وقرأ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]، وقال النبي ﷺ :"اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم " (١) والعاني الأسير.
وإذا كان كذلك: ظهر أن ما يستحقه عليها من الحبس أعظم مما تستحقه عليه؛ إذ غاية الغريم أن يكون كالأسير.
والحبس الذي يصلح لتوفية الحق مثل المالك لأَمَته، بخلاف الحبس إلى أن يستوفى الحق فإنه من جنس حبس الحر للحر، ولهذا لا يملك الغريم منع المحبوس من تصرف يوفي به الحق، ولا يمنعه من حوائجه إذا احتاج الخروج من الحبس مع ملازمته له.
وليس على المحبوس أن يقبل ما يبذله له الغريم مما عليه مِنَّةٌ فيه.
ويملك الرجل منع امرأته من الخروج مطلقًا إذا قام بما لها عليه، وليس لها أن تمتنع من قبول ذلك.
فإن قيل: فهذا يفضي إلى أن يمطلها ولا يوفي.
فالجواب: أن تعويقه عن التصرف هو الحبس، وهو كاف في المقصود إذا لم يظهر امتناعه عن أداء الواجبات، فإن ظهر أنه قادر وامتنع ظلمًا عوقب باعظم من الحبس بضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي، كما نص على ذلك الحواشي
(١) رواه مسلم(١٢١٨) .стр. 2552
أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم؛ لأن النبي ﷺ قال: "مطل الغني ظلم" (١) والظالم يستحق العقوبة، فإن العقوبة تستحق على ترك واجب أو فعل محرم، ولقوله ﷺ : "لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته" (٢) ومع هذا لا يسقط حقه على امرأته؛ بل يملك حبسها في منزله. [المستدرك ٤/ ٢٦ - ٢٨]
٣٧٢٧ - لا يبطل إبراء الزونجة الزوج بدعواها السفه، ولو مع بينة أنها سفيهة ليست تحت الحجر، ولو أبرأته وولدت عنده ومالها بيدها تتصرف فيه لم يُصَدَّق أبوها أنها كانت سفيهة يجب الحجر عليها بلا بينة. [المستدرك ٤/ ٢٩]
٣٧٢٨ - إذَا كَانَ الدَّيْنُ لَزِمَهُ [أي: الْمُعْسِر] بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَالضَّمَانِ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ قَبْلَ ذَلِكَ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي الْاِعْسَارِ (٣) . [٣٠/ ١٨، المستدرك ٤/ ٢٥]
٣٧٢٩ - إذَا كَانَ الْغَرِيمُ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ: لَمْ يَكن لِأَحَدٍ أَنْ يُلْزِمَ رَبَّ الدَّيْنِ بِتَرْكِ مُطَالَبَتِهِ، وَلَا يَطْلُبَ مِنْهُ حِيلَةً لَا حَقِيقَةَ لَهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ.
وَإِن كَانَ مُعْسِرًا وَجَبَ إنْظَارُهُ (٤) ، وَالْيَمِينُ الْمُطْلَقَةُ مَحْمُولَة عَلَى حَالِ الْقُدْرَةِ لَا عَلَى حَالِ الْعَجْزِ. [٣٠/ ١٨ - ١٩]
٣٧٣٠ - إنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى وَفَائِهِ فَلَهُ (٥) أَنْ يَمْنَعَهُ مِن السَّفَرِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ. الحواشي
(١) رواه البخاري(٢٢٨٧) ، ومسلم(١٥٦٤) .(٢) رواه أبو داود(٣٦٢٨) ، وحسَّنه الألباني.(٣) وقال الشيخ فيمن عليه دَيْن وَتَلِفَ مَالُهُ:"إذَا قَالَ: لَمْ يَحْدُثْ لِي بَعْدَ تَلَفِ مَالِي شَيْءٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ الشافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا". (٣٠/ ٢٩)(٤) وقال الشيخ في موضع آخر: إنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَجُزْ حَبْسُهُ وَلَا مُطَالَبَتُهُ، بَل يَجِبُ إنْظَارُهُ إلَى الْمَيْسَرَةِ. (٣٠/ ٣٧)(٥) أي: للدائن.стр. 2553
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مُؤَجَّلًا وَمَحَلُّهُ قَبْلَ قُدُومِ الْمَدِينِ: فَلَه أَنْ يَمْنَعَهُ مِن السَّفَرِ حَتَّى يُوَثِّقَ بِرَهْن يَحْفَظُ الْمَالَ أَو كَفِيلٍ.
وَإِن كَانَ الدَّيْنُ لَا يَحِلُّ إلَّا بَعْدَ قُدُومِ الْمَدِينِ: فَفِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. [٣٠/ ٢٠]
٣٧٣١ - لَا تُقْبَلُ دَعْوَى إعْسَارِهِ (١) بَعْدَ الِاعْتِرَافِ بِالْقُدْرة وَبَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يُبَيِّن السَّبَبَ الَّذِي أَزَالَ الْمَلَاءَةَ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُمْكِنًا فِي الْعَادَةِ؛ كَحَرْقِ الدَّارِ الَّتِي فِيهَا مَتَاعُهُ وَنَحْوُهُ. [٣٠/ ٢١]
٣٧٣٢ - إذَا امْتَنَعَ (٢) مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ مِن إظْهَارِ مَالِهِ وَالتَّمْكِينِ مِن تَوْفِيَةِ النَّاسِ جَمِيعَ حُقُوقِهِمْ وَكَانَ مَالُهُ ظَاهِرًا وَاحْتِيجَ إلَى التَّوْفِيَةِ إلَى فِعْلٍ مِنْهُ وَامْتَنَعَ مِنْهُ وَأَصَرَّ عَلَى الْحَبْسِ: فَإِّنهُ يُعَاقَبُ بِالضَّرْبِ حَتَّى يَقُومَ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ نِزَاعًا (٣) .
وَفي "السُّنَنِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ : "لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عَرْضَه وَعُقُوبَتَهُ" (٤) .
اللَّيُّ: الْمَطْلُ، وَالْوَاجِدُ: الْقَادِرُ.
فَقَد أَبَاحَ النَّبِي ﷺ مِن الْقَادِرِ الْمَاطِلِ عِرْضَهُ.
وَقَد اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ.
وَلَيْسَ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يَتَوَلَّى هُوَ بَيْعَ مَالِهِ وَوَفَاءَ الدَّيْنِ، وَإِن كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لِلْحَاكِمِ، لَكِنْ مَتَى رَأَى أَنْ يُلْزِمَهُ هُوَ بِالْبَيْعِ وَالْوَفَاءِ زَجْرًا لَهُ وَلِأمْثَالِهِ عَن الحواشي
(١) أي: المدين.(٢) أي: المدين.(٣) أما إذا كان عَلَيْهِ دَيْن وَلَهُ مُدَّةً فِي الِاعْتِقَالِ وَلَا مَوْجُودَ لَهُ غَيْرُ عَمَلِ يَدِهِ فقال الشيخ: لَا يَحِلُّ اعْتِقَالُهُ وَلَا ضَرْبُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، بَل الْوَاجِبُ تَحكينُهُ حَتى يَعْمَلَ مَا يُوَفِّي دَيْنَهُ بحَسَب الْإِمْكَانِ.
(٣٠/ ٣٢)(٤) رواه أبو داود(٣٦٢٨) ، والنسائي(٤٦٨٩) ، وابن ماجه(٢٤٢٧) ، وأحمد(١٧٩٤٦) ، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود.стр. 2554
الْمَطْلِ، أَو لِكَوْنِ الْحَاكِمِ مَشْغُولًا عَن ذَلِكَ بِغَيْرِهِ، أَو لِمَفْسَدَةٍ تُخَافُ مِن ذَلِكَ: كَانَت عُقُوبَتُه بِالضَّرْبِ حَتَى يَتَوَلَّى ذَلِكَ. [٣٠/ ٢٢ - ٢٤]
٣٧٣٣ - إذَا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ وَمَطَلَهُ (١) حَئى أَحْوَجَة إلَى الشِّكَايَةِ فَمَا غَرِمَهُ (٢) بِسَبَبِ ذَلِكَ فَهُوَ عَلَى الظَّالِمِ الْمُمَاطِلِ إذَا غَرمَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ. [٣٠/ ٢٤ - ٢٥]
٣٧٣٤ - إذَا لَمْ يَكُن لَهُ (٣) وَفَاءٌ غَيْرُ الرَّهْنِ: وَجَبَ عَلَى الْغَرِيمِ إمْهَالُهُ حَتَّى يَبِيعَهُ.
فَمَتَى لَمْ يُمْكِنْ بَيْعُة إلَّا بِخُرُوجِهِ، أَو كَانَ فِي بَيْعِهِ فِي الْحَبْسِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ: وَجَبَ إخْرَاجُهُ لِيَبِيعَهُ، وَيُضْمَنَ عَلَيْهِ، أَو يَمْشِيَ الْغَرِيمُ أَو وَكِيلُهُ إلَيْهِ. [٣٠/ ٢٥]
٣٧٣٥ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ. وَإِذَا أَرَادَ بَيْعَهُ لَمْ يَتَهَيَّأْ إلَّا بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ. فَهَل يَلْزَمُهُ بَيْعُهُ بِدُونِ ثَمَنِ مِثْلِهِ؟
فَأَجَابَ: لَا يُبَاعُ إلَّا بِثَمَنِ الْمِثْل الْمُعْتَادِ غَالِبًا فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَادَةُ تَغَيَّرَتْ تَغَيُّرًا مُسْتَقِرًّا، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ ثَمَنُ الْمِثْل قَد نَقَصَ، فَيُبَاعُ بِثَمَنِ الْمِثْل الْمُسْتَقِرِّ.
وإذَا لَمْ يَجِبْ بَيْعُهُ: فَعَلَى الْغَرِيمِ الْإِنْظَارُ إلَى وَقْتِ السَّعَةِ أَو الْمَيْسَرَةِ، وَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ كُلَّ وَقْتٍ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَهُوَ التَّقْسِيطُ. [٣٠/ ٢٥ - ٢٦]
٣٧٣٦ - مَا كَانَ فِي حَانُوتِ (٤) الْمُفْلِسِ مِن الأَمَانَاتِ مِثْل الثِّيَابِ الَّذِي يَنْسِجُهَا لِلنَّاسِ وَالْغَزْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: فَإِنَّهَا لِأصْحَابِهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لَا تُعْطَى لِغَيْرِ صَاحِبِهَا. الحواشي
(١) أي: مطل الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ صاحبَ الحق.
كمن يتعاقد مع شركة أو غيرها فيدفع لهم مقدّمًا، ثم لا يُكملون عملهم، أو يتبيّن فساد ما عملوه، فطالبهم بحقّه فامتنعوا، فرفع أمرهم للقاضي، وخسر بسبب مُماطلتهم بعض المال: فإنهم يغرمون ما خسره.(٢) أي: الدائن.(٣) أي: المدين.(٤) الحانوت: محلّ التّجارة.стр. 2555
وَإِذَا كَانَ قَد أَخَذَ لِلنَّاسِ غَزْلًا وَلَمْ يُوجَدْ عَيْنُ الْغَزْلِ: لَمْ يَجُزْ لِصَاحِبِ الْغَزْلِ أَنْ يَأْخُذَ مَالَ غَيْرهِ بَدَلًا عَن مَالِهِ؛ بَل إذَا أَقْرَضَ فِيهَا كَانَت فِي ذِمَّتِهِ، وَكَذَلِكَ مَا أَعْطَاهُ مِن الْأجرَةِ وَلَمْ يُوَفِّ الْعَمَلَ: فَإِنَّهَا دَيْن فِي ذِمَّتِهِ.
وَالدُّيُونُ الَّتِي فِي ذِمَّتِهِ لَا تُوَفِّى مِن أَعْيَانِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.
وَمَن أَقَامَ مِن النَّاسِ بَيِّنَةً بِأَنَّ هَذَا عَيْنُ مَالِهِ: أَخَذَهُ.
وَإِن لَمْ يُقِمْ أَحَدٌ بَينةً وَكَانَ الرَّجُلُ خَائِفًا قَد عَلِمَ أَنَ الَّذِي يَنْسِجُهُ لَيْسَ هُوَ لَة وَإِنَّمَا هُوَ لِلنَّاسِ: لَمْ يُوَفِّ دُيُونَهُ مِن تِلْكَ الْأَمْوَالِ.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى بَعْضَ الْغَزْلِ بِدَعْوَاهُ دُونَ بَعْضٍ؛ بَل يَجِبُ أَنْ يَعْدِلَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ.
وَإِن أَقَامَ وَاحِدٌ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ: حُكِمَ لَهُ بِذَلِكَ.
وَإِن تَعَذَّرَ مَا يُعْرَفُ بِهِ مَالُ هَذَا وَمَالُ هَذَا إلَّا عَلَامَاتَ مُمَيِّزَةٌ؛ مِثْل اسْمِ كُل وَاحِدٍ عَلَى مَتَاعِهِ: عُمِلَ بِذَلِكَ.
وَإِن تَعَذَّرَ ذَلِكَ كُلُّهُ: أُقْرعَ بَيْنَ الْمُدَّعِينَ، فَمَن خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ عَلَى عَيْني أَخَذَهَا مَعَ يَمِينِهِ، فَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَن النَّبِيِّ ﷺ الْقَرْعَةُ فِي مِثْل هَذَا. [٣٠/ ٢٦ - ٢٧]
٣٧٣٧ - إَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ: فَمَتَى أَذَنَ لَهُ الْغُرَمَاءُ فِي السَّفَرِ لِلْحَجِّ فَلَا رَيْبَ فِي جَوَازِ السَّفَرِ، وَإِن مَنَعُوة مِن السَّفَرِ لِيُقِيمَ وَيعْمَلَ ويُوَفِّيَهُم كَانَ لَهُم ذَلِكَ، وَكَانَ مُقَامُهُ ليَكْتَسِبَ ويُوَفِّيَ الْغُرَمَاءَ أَوْلَى بِهِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ مِن الْحَجِّ، وَكَانَ لَهُم مَنْعُهُ مِن الْحَجِّ.
وَلَا يَحِلُّ لَهُم أَنْ يُطَالِبُوهُ إذَا عَلِمُوا إعْسَارَهُ، وَلَا يَمْنَعُوهُ الْحَجَّ.
لَكِنْ إنْ قَالَ الْغُرَمَاءُ: نَخَافُ أَنْ يَحُجَّ فَلَا يَرْجِعَ فَنُرِيدُ أَنْ يُقِيمَ كَفِيلًا بِبَدَنِهِ: تَوَجَّهَ مُطَالَبَتُهُم بِهَذَا؛ فَإِنَّ حُقُوقَهُم بَاقِيَةٌ وَلَكِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهَا.
стр. 2556
وَلَو كَانَ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ، وَالدَّيْنُ حَالٌّ: كَانَ لَهُم مَنْعُهُ بِلَا ريبٍ.
وَكَذَلِكَ لَو كَانَ مُؤَجَّلًا يَحِلُّ قَبْلَ رُجُوعِهِ: فَلَهُم مَنْعُهُ حَتَّى يُوَثّقَ بِرَهْن أَو كَفِيلٍ، وَهُنَاكَ حَتَّى يُوَفّيَ أَو يُوَثّقَ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَحِلُّ إلَّا بَعْدَ رُجُوعِهِ وَالسَّفَرُ آمِنٌ: فَفِي مَنْعِهِمْ لَهُ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد (١) .
وَإِن كَانَ السَّفَرُ مَخُوفًا كَالْجِهَادِ: فَلَهُم مَنْعُهُ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ. [٣٠/ ٢٨ - ٢٩]
٣٧٣٨ - إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ سِلْعَةٌ فَطَلَبَ أَنْ يُمْهَلَ حَتَّى يَبِيعَهَا ويُوَفّيَهُ (٢) مِن ثَمَنِهَا: أُمْهِلَ بقَدْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْتَالَ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ بِاقْتِرَاض أَو نَحْوِهِ وَطَلَبَ ألّا يُرْسَمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ: وَجَبَتْ إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ مِن ذَلِكَ بِحَبْسِهِ. [٣٠/ ٣١]
٣٧٣٩ - يَجِبُ تَمْكِينُهُ (٣) مِن إيفَاءِ الدَّيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُمْكِنُهُ، وَلَا يَجوزُ حَبْسُهُ إنْ قَامَ بِذَلِكَ (٤) .
وَإِذَا ادَّعَى الْإِعْسَارَ وَعُرِفَ لَهُ مَالٌ: لَمْ تُقْبَل دَعْوَى الْإِعْسَارِ إلَّا بِبَيِّنةِ.
وَإِن لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ دُونَ قَوْلِ غَرِيمِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ مَالِكٍ نَحْوٌ مِن ذَلِكَ، وَقَد حَكَاهُ طَائِفَةٌ عَن أَبِي حَنيفَةَ. [٣٠/ ٣٣]
٣٧٤٠ - إذَا طَلَبَ (٥) أنْ يُمَكَّنَ مِن بَيْعِ مَا يُوَفِّي دَيْنَهُ: وَجَبَ تَمْكِينُهُ مِن ذَلِكَ، وَلَمْ يَجِبْ حَبْسُهُ الْعَائِقُ لَهُ عَن ذَلِكَ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٣٠/ ٣٤]
٣٧٤١ - وَسُئِلَ: عَن امْرَأَةٍ تَحْتَ الْحَجْرِ وَقَد شَهِدَ لَهَا بِالرُّشْدِ بَيِّنَة عَادِلَةٌ لَيْسُوا مَحَارِمَهَا، هَل يُقْبَل ذَلِكَ؟ الحواشي
(١) والأظهر أنه لا يحق لهم منعه، وهذا الذي عليه العمل.(٢) أي: يُوفّى الدّائن.(٣) أي: المدين.(٤) أي: قام بعمل يُدر عليه المال ليسدد دينَه.(٥) أي: المدين.стр. 2557
فَأَجَابَ: إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَادِلَة بِرُشْدِهَا: حُكِمَ لَهَا بِذَلِكَ وَإِن لَمْ يَكُونُوا أَقَارِبَ؛ فَإِنَّ الْعَدَالَةَ وَالرُّشْدَ وَنَحْو ذَلِكَ قَد تُعْلَمُ بِالِاسْتِفَاضَةِ كَمَا يَعْلَمُ الْمُسْلِمُونَ رُشْدَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَالنِّسْوَةِ الْمَشْهُورَاتِ.
فَمَتَى صَارَتْ رَشيدَةً: زَالَ الْحَجْرُ عَنْهَا، سَوَاءٌ رَشَّدَهَا (١) أَو لَمْ يُرَشِّدْهَا، وَسَوَاءٌ حَكَمَ بِذَلِكَ حَاكِمٌ أَو لَمْ يَحْكُمْ، وَإِن نُوزِعَتْ فِي الرُّشْدِ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهَا رَشِيدَة قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا (٢) . [٣٠/ ٤٠]
٣٧٤٢ - إن اشْتَرَى لِلْيَتيمِ بِثَمَنِ الْمِثْل أَو بِزِيَادَة لِلْمَصْلَحَةِ: جَازَ.
وَإِن اشْتَرَى بِزِيَادَةٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ لِمِثْلِهَا: كَانَ عَلَيْهِ ضَامِنٌ مَا أَدَّاهُ مِن الزِّيَادَةِ الْفَاحِشَةِ. [٣٠/ ٤٣]
٣٧٤٣ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ مُعْتَقَلٍ فِي سِجْنِ السُّلْطَانِ وَهُوَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ وَطُولِبَ بِدَيْنِ شَرْعِيٍّ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي حَالِ اعْتِقَالِهِ أَنَّ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ مِن الْعَقَارِ مِلْكٌ لِزَوْجَتِهِ وَصَدَّقَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، فَهَل يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ وَيَنْفُذُ فِي جَمِيعِ مَالِهِ؟ أَو يَخْتَصُّ هَذَا الْإِقْرَارُ بِالثُّلُثِ ويبْقَى الثُّلْثَانِ مَوْقوفَانِ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: إذَا كَانَ عَلَيْهِ حُقُوقٌ شَرْعِيَّة فَتَبَرَّعَ بِمِلْكِهِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِأَهْلِ الْحُقُوقِ مَا يَسْتَوْفونَهُ بِهَذَا التمْلِيكِ: فَهُوَ بَاطِلٌ فِي أحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ كَمَا هُوَ الحواشي
(١) أي: وليّ أمرها.(٢) وقال الشيخ فيمن اذعى بأنه مَحْجُورٌ عَلَيه: "لَا يُقْبَلُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ فِي أنهُ مَحْجُورْ عَلَيْهِ، بَل الْأصْلُ صِحَّةُ التَّصَرُّفِ وَعَدَمُ الْحَجْرِ حَتى يُثْبِتَ". (٣٠/ ٤٥)
وقال في المرأة التي لها مالٌ: "لَيْسَ لِأبِيهَا أنْ يَتَصَرَّفَ لِنَفْسِهِ، بَل إذَا كَانَ مُتَصَرِّفًا فِي مَالِهَا لِنَقسِهِ كَانَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي أهْليَّتِهِ وَمُنِعَ مِن الْوِلَايَةِ عَلَيْهَا كَالْحَجْرِ.
وَأمًا إنْ كَانَ أهْلًا لِلْولَايَةِ وَإِنمَا يَتَصَرَّفُ لَهَا بِمَا فِيهِ الْحَظُّ لَهَا لَا لَهُ وَلَيْسَ لَهُ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا إلَّا بِشَرْطِ دَوَام السَّفَهِ فَإِنَّهَا إذَا رَشَدَتْ زَالَ حَجْرُهَا بِغَيْرِ اخْتيَارِهِ.
وَإِذَا أقَامَت بَيِّنَةً بِرُشْدِهَا: حُكِمَ بِرَفْعِ وِلَايَتِهِ عَنْهَا، وَلَهَا عَلَيْهِ الْيَمِينُ أنَّهُ لَا يَعْلَمُ رُشْدَهَا إذَا طَلَبَ ذَلِكَ وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنةً". (٣٠/ ٤٦)стр. 2558
مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْإِمَامِ أَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: مِن جِهَةِ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ، وَنَفَقَةَ الْوَلَدِ وَاجِبَةٌ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَدَعَ الْوَاجِبَ (١) وَيصْرِفُهُ فِيمَا لَا يَجِبُ (٢) ، فَيَرُدُّ هَذَا التَّمْلِيكَ (٣) ، وَيصْرِفُهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِن قَضَاءِ دَيْنِهِ وَنَفَقَةِ وَلَدِهِ.
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمِلْكُ (٤) مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِهِ، أَو فِيهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ: لَمْ يَصِحَّ صَرْفُهُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ إلَّا بِوِلَايَةٍ أَو وَكَالَةٍ.
وَاِذَا كَانَ الْإِشْهَادُ فِيمَا يَمْلِكُهُ مَلَّكَهُ لِزَوْجَتِهِ: لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ مَا لَا يَمْلِكُهُ. [٣٠/ ٤٤]
٣٧٤٤ - لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَلَّى عَلَى مَالِ الْيَتَامَى إلَّا مَن كَانَ قَوِيًّا، خَبِيرًا بِمَا وُلِّيَ عَلَيْهِ، أَمِينًا عَلَيْهِ.
وَالْوَاجِبُ إذَا لَمْ يَكُن الْوَلِيُّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَنْ يُسْتَبْدَلَ بِهِ مَن يَصْلُحُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ، لَكِنْ إذَا عَمِلَ لِلْيَتَامَى عَمَلًا يَسْتَحِقُّ اجْرَةَ مِثْلِهِ كَانَ كَالْعَمَلِ فِي سَائِر الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ. [٣٠/ ٤٤ - ٤٥]
٣٧٤٥ - وَسُئِلَ ﵀: عَمَّن عِنْدَهُ يَتِيمٌ وَلَهُ مَالٌ تَحْتَ يَدِهِ. فَهَل لَه أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ بِتِجَارَة أَو شِرَاءِ عَقَارٍ مِمَّا يَزِيدُ الْمَالَ وَيُنَمِّيهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ؟
فَأَجَابَ: نَعَمْ يَجُوزُ لَه ذَلِكَ بَل يَنْبَغِي لَهُ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْحَاكِمِ إنْ كَانَ وَصِيًّا، وَإِن كَانَ غَيْرَ وَصِيٍّ وَكَانَ النَّاظِرُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى الْحَاكِمَ الْعَالِمَ الْعَادِلَ يَحْفَظُهُ ويأُمُرُ فِيهِ بِالْمَصْلَحَةِ وَجَبَ اسْتِئْذَانُهُ فِي ذَلِكَ.
وَإِن كَانَ فِي اسْتِئْذَانِهِ إضَاعَةُ الْمَالِ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ أَو نَائِبُهُ فَاسِقًا أَو جَاهِلًا أَو عَاجِزًا أَو لَا يَحْفَظُ أَمْوَالَ الْيَتَامَى: حَفِظَهُ الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ وَعَمِلَ فِيهِ الْمَصْلَحَةَ مِن غَيْرِ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ. [٣٠/ ٤٩] الحواشي
(١) أي: قضاء الدَّين ونفقة الولد.(٢) أي: التبرع بماله لزوجته أو لغيرها.(٣) أي: يرد العقار الذي ملّكه لزوجته.(٤) وهو العقار الذي تبرع به لزوجته.стр. 2559
٣٧٤٦ - إذَا بَاعَ (١) قَبْلَ أَنْ يَرْشُدَ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ قَد بَاعَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ.
فَإِن ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ كَانَ رَشِيدًا وَقَامَت الْبَيِّنَةُ بِسَفَهِهِ: حُكِمَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ. [٣٠/ ٥١ - ٥٢]
٣٧٤٧ - [يَنْعَقِدُ (٢) بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بَعْدَهُ بِلَفْظٍ دَالٍّ على الرِّضَا وَلَهُ شُرُوطٌ:
أَحَدُهَا: الرِّضَا.
الثَّاني: الرُّشْدُ] (٣) ، وَعَنْهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُ مُمَيِّزٍ وَيقِفُ على إجَازَةِ وَليِّهِ، نَقَلَ حَنْبَل: إنْ تَزَوَّجَ الصَّغِيرُ فَبَلَّغَ أَبَاهُ فَأَجَازَهُ: جَازَ، قال جَمَاعَةٌ: وَلَو أَجَازَهُ هو بَعْدَ رُشْدِهِ لم يَجُزْ.
وقال شَيْخُنَا: رِضَاهُ بِقَسْمِهِ هو قِسْمَةُ تَرَاضٍ، وَلَيْسَ إجَازَةً لِعَقْدِ فُضُولِيٍّ (٤) ، وقال: إنْ نَفَذَ عِتْقُهُ الْمُتَقَدِّمُ أو دَلَّ على رِضَاهُ بِهِ عَتَقَ؛ كَمَن يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ كَالْأحْرَارِ. [المستدرك ٤/ ٢٩ - ٣٠]
٣٧٤٨ - إنْ نُوزع المحجوز عليه لِحَظِّهِ في الرشد فشهد شاهدان برشده: قُبل؛ لأنه قد يعلم بالاستفاضة.
ومع عدم البينة له: اليمين على وليه أنه لا يعلم رشده. [المستدرك ٤/ ٣٠]
٣٧٤٩ - الإسراف:
أ- ما صرفه في الحرام.
ب- أو كان صرفه في المباح يضر بعياله.
ج- أو كان وحده ولم يثق بإيمانه. الحواشي
(١) أي: الوَصِيّ.(٢) أي: البيع.(٣) ما بين المعقوفتين من الفروع (٤/ ٢ - ٣).(٤) في الأصل: (إجازة بعقد فضولي)، والتصويب من الفروع.стр. 2560
د- أو صرف في مباح قدرًا زائدًا على المصلحة.
قال شيخنا: الإسراف في المباح هو مجاوزة الحد، وهو من العدوان المحرم، وترك فضولها من الزهد المباح، والامتناع عنه مطلقًا كمن يمتنع من اللحم أو الخبز أو الماء أو لبس الكتان والقطن أو النساء فهذا جهل وضلال، والله أمر بأكل الطيب والشكر له، والطيب: ما ينفع ويعين على الخير، وحرم الخبيث وهو: ما يضر في دينه (١) . [المستدرك ٤/ ٣٠]
٣٧٥٠ - لو وصَّى مَن فِسْقُه ظاهر إلى عدل: وجب إنفاذه؛ كحاكم فاسق حَكَم بالعدل. [المستدرك ٤/ ٣٠]
٣٧٥١ - الولاية على الصبي والمجنون والسفيه: تكون لسائر الأقارب.
ومع الاستقامة لا يحتاج إلى الحاكم إلا إذا امتنع من طاعة الولي.
وتكون الولاية لغير الأب والجد والحاكم على اليتيم وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة ومنصوص أحمد في الأم.
وأما تخصيص الولاية بالأب والجد والحاكم فضعيف جدًّا.
والحاكم العاجز كالعدم. [المستدرك ٤/ ٣٠]
٣٧٥٢ - لو مات من يتجر لنفسه وليتيمه بماله، وقد اشترى شيئًا لم يُعرف لمن هو: لم يُقسم، ولم (٢) يُوقف الأمر حتى يصطلحا كما يقوله الشافعي؛ بل مذهب أحمد أنه يقرع، فمن قرع حلف وأخذ.
ولو مات الوصي وجُهل بقاء مال وليِّه: كان دينًا في تركته. [المستدرك ٤/ ٣١]
٣٧٥٣ - لا يجوز أن يولى على مال اليتيم إلا من كان قويًّا، خبيرًا بما ولي الحواشي
(١) عرف الطيب والخبيث بهذا التعريف الدقيق.(٢) في الأصل: (لم) بدون واو، والتصويب من الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٩٧).следующие страницы →