← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وَلَو كَانَ قَادِرًا عَلَى الْوَفَاءِ، وَالدَّيْنُ حَالٌّ: كَانَ لَهُم مَنْعُهُ بِلَا ريبٍ. وَكَذَلِكَ لَو كَانَ مُؤَجَّلًا يَحِلُّ قَبْلَ رُجُوعِهِ: فَلَهُم مَنْعُهُ حَتَّى يُوَثّقَ بِرَهْن أَو كَفِيلٍ، وَهُنَاكَ حَتَّى يُوَفّيَ أَو يُوَثّقَ. وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَحِلُّ إلَّا بَعْدَ رُجُوعِهِ وَالسَّفَرُ آمِنٌ: فَفِي مَنْعِهِمْ لَهُ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد (١). وَإِن كَانَ السَّفَرُ مَخُوفًا كَالْجِهَادِ: فَلَهُم مَنْعُهُ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ. [٣٠/ ٢٨ - ٢٩] ٣٧٣٨ - إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ سِلْعَةٌ فَطَلَبَ أَنْ يُمْهَلَ حَتَّى يَبِيعَهَا ويُوَفّيَهُ (٢) مِن ثَمَنِهَا: أُمْهِلَ بقَدْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْتَالَ لِوَفَاءِ دَيْنِهِ بِاقْتِرَاض أَو نَحْوِهِ وَطَلَبَ ألّا يُرْسَمَ عَلَيْهِ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ: وَجَبَتْ إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَجُزْ مَنْعُهُ مِن ذَلِكَ بِحَبْسِهِ. [٣٠/ ٣١] ٣٧٣٩ - يَجِبُ تَمْكِينُهُ (٣) مِن إيفَاءِ الدَّيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُمْكِنُهُ، وَلَا يَجوزُ حَبْسُهُ إنْ قَامَ بِذَلِكَ (٤). وَإِذَا ادَّعَى الْإِعْسَارَ وَعُرِفَ لَهُ مَالٌ: لَمْ تُقْبَل دَعْوَى الْإِعْسَارِ إلَّا بِبَيِّنةِ. وَإِن لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ دُونَ قَوْلِ غَرِيمِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ مَالِكٍ نَحْوٌ مِن ذَلِكَ، وَقَد حَكَاهُ طَائِفَةٌ عَن أَبِي حَنيفَةَ. [٣٠/ ٣٣] ٣٧٤٠ - إذَا طَلَبَ (٥) أنْ يُمَكَّنَ مِن بَيْعِ مَا يُوَفِّي دَيْنَهُ: وَجَبَ تَمْكِينُهُ مِن ذَلِكَ، وَلَمْ يَجِبْ حَبْسُهُ الْعَائِقُ لَهُ عَن ذَلِكَ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٣٠/ ٣٤] ٣٧٤١ - وَسُئِلَ: عَن امْرَأَةٍ تَحْتَ الْحَجْرِ وَقَد شَهِدَ لَهَا بِالرُّشْدِ بَيِّنَة عَادِلَةٌ لَيْسُوا مَحَارِمَهَا، هَل يُقْبَل ذَلِكَ؟

стр. 2557

فَأَجَابَ: إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَادِلَة بِرُشْدِهَا: حُكِمَ لَهَا بِذَلِكَ وَإِن لَمْ يَكُونُوا أَقَارِبَ؛ فَإِنَّ الْعَدَالَةَ وَالرُّشْدَ وَنَحْو ذَلِكَ قَد تُعْلَمُ بِالِاسْتِفَاضَةِ كَمَا يَعْلَمُ الْمُسْلِمُونَ رُشْدَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَالنِّسْوَةِ الْمَشْهُورَاتِ. فَمَتَى صَارَتْ رَشيدَةً: زَالَ الْحَجْرُ عَنْهَا، سَوَاءٌ رَشَّدَهَا (١) أَو لَمْ يُرَشِّدْهَا، وَسَوَاءٌ حَكَمَ بِذَلِكَ حَاكِمٌ أَو لَمْ يَحْكُمْ، وَإِن نُوزِعَتْ فِي الرُّشْدِ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهَا رَشِيدَة قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا (٢). [٣٠/ ٤٠] ٣٧٤٢ - إن اشْتَرَى لِلْيَتيمِ بِثَمَنِ الْمِثْل أَو بِزِيَادَة لِلْمَصْلَحَةِ: جَازَ. وَإِن اشْتَرَى بِزِيَادَةٍ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ لِمِثْلِهَا: كَانَ عَلَيْهِ ضَامِنٌ مَا أَدَّاهُ مِن الزِّيَادَةِ الْفَاحِشَةِ. [٣٠/ ٤٣] ٣٧٤٣ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ مُعْتَقَلٍ فِي سِجْنِ السُّلْطَانِ وَهُوَ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ وَطُولِبَ بِدَيْنِ شَرْعِيٍّ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَيْهِ فِي حَالِ اعْتِقَالِهِ أَنَّ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ مِن الْعَقَارِ مِلْكٌ لِزَوْجَتِهِ وَصَدَّقَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، فَهَل يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ وَيَنْفُذُ فِي جَمِيعِ مَالِهِ؟ أَو يَخْتَصُّ هَذَا الْإِقْرَارُ بِالثُّلُثِ ويبْقَى الثُّلْثَانِ مَوْقوفَانِ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ عَلَيْهِ حُقُوقٌ شَرْعِيَّة فَتَبَرَّعَ بِمِلْكِهِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِأَهْلِ الْحُقُوقِ مَا يَسْتَوْفونَهُ بِهَذَا التمْلِيكِ: فَهُوَ بَاطِلٌ فِي أحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ كَمَا هُوَ

стр. 2558

مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْإِمَامِ أَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: مِن جِهَةِ أَنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ، وَنَفَقَةَ الْوَلَدِ وَاجِبَةٌ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَدَعَ الْوَاجِبَ (١) وَيصْرِفُهُ فِيمَا لَا يَجِبُ (٢)، فَيَرُدُّ هَذَا التَّمْلِيكَ (٣)، وَيصْرِفُهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِن قَضَاءِ دَيْنِهِ وَنَفَقَةِ وَلَدِهِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمِلْكُ (٤) مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِهِ، أَو فِيهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُهُ: لَمْ يَصِحَّ صَرْفُهُ فِي حَقِّ الْغَيْرِ إلَّا بِوِلَايَةٍ أَو وَكَالَةٍ. وَاِذَا كَانَ الْإِشْهَادُ فِيمَا يَمْلِكُهُ مَلَّكَهُ لِزَوْجَتِهِ: لَمْ يَدْخُلْ فِي ذَلِكَ مَا لَا يَمْلِكُهُ. [٣٠/ ٤٤] ٣٧٤٤ - لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَلَّى عَلَى مَالِ الْيَتَامَى إلَّا مَن كَانَ قَوِيًّا، خَبِيرًا بِمَا وُلِّيَ عَلَيْهِ، أَمِينًا عَلَيْهِ. وَالْوَاجِبُ إذَا لَمْ يَكُن الْوَلِيُّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أَنْ يُسْتَبْدَلَ بِهِ مَن يَصْلُحُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْأجْرَةَ الْمُسَمَّاةَ، لَكِنْ إذَا عَمِلَ لِلْيَتَامَى عَمَلًا يَسْتَحِقُّ اجْرَةَ مِثْلِهِ كَانَ كَالْعَمَلِ فِي سَائِر الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ. [٣٠/ ٤٤ - ٤٥] ٣٧٤٥ - وَسُئِلَ ﵀: عَمَّن عِنْدَهُ يَتِيمٌ وَلَهُ مَالٌ تَحْتَ يَدِهِ. فَهَل لَه أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِ بِتِجَارَة أَو شِرَاءِ عَقَارٍ مِمَّا يَزِيدُ الْمَالَ وَيُنَمِّيهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ يَجُوزُ لَه ذَلِكَ بَل يَنْبَغِي لَهُ، وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ الْحَاكِمِ إنْ كَانَ وَصِيًّا، وَإِن كَانَ غَيْرَ وَصِيٍّ وَكَانَ النَّاظِرُ فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى الْحَاكِمَ الْعَالِمَ الْعَادِلَ يَحْفَظُهُ ويأُمُرُ فِيهِ بِالْمَصْلَحَةِ وَجَبَ اسْتِئْذَانُهُ فِي ذَلِكَ. وَإِن كَانَ فِي اسْتِئْذَانِهِ إضَاعَةُ الْمَالِ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ أَو نَائِبُهُ فَاسِقًا أَو جَاهِلًا أَو عَاجِزًا أَو لَا يَحْفَظُ أَمْوَالَ الْيَتَامَى: حَفِظَهُ الْمُسْتَوْلِي عَلَيْهِ وَعَمِلَ فِيهِ الْمَصْلَحَةَ مِن غَيْرِ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ. [٣٠/ ٤٩]

стр. 2559

٣٧٤٦ - إذَا بَاعَ (١) قَبْلَ أَنْ يَرْشُدَ فَبَيْعُهُ بَاطِلٌ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ قَد بَاعَ بِالْغَبْنِ الْفَاحِشِ. فَإِن ادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهُ كَانَ رَشِيدًا وَقَامَت الْبَيِّنَةُ بِسَفَهِهِ: حُكِمَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ. [٣٠/ ٥١ - ٥٢] ٣٧٤٧ - [يَنْعَقِدُ (٢) بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ بَعْدَهُ بِلَفْظٍ دَالٍّ على الرِّضَا وَلَهُ شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: الرِّضَا. الثَّاني: الرُّشْدُ] (٣)، وَعَنْهُ يَصِحُّ تَصَرُّفُ مُمَيِّزٍ وَيقِفُ على إجَازَةِ وَليِّهِ، نَقَلَ حَنْبَل: إنْ تَزَوَّجَ الصَّغِيرُ فَبَلَّغَ أَبَاهُ فَأَجَازَهُ: جَازَ، قال جَمَاعَةٌ: وَلَو أَجَازَهُ هو بَعْدَ رُشْدِهِ لم يَجُزْ. وقال شَيْخُنَا: رِضَاهُ بِقَسْمِهِ هو قِسْمَةُ تَرَاضٍ، وَلَيْسَ إجَازَةً لِعَقْدِ فُضُولِيٍّ (٤)، وقال: إنْ نَفَذَ عِتْقُهُ الْمُتَقَدِّمُ أو دَلَّ على رِضَاهُ بِهِ عَتَقَ؛ كَمَن يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَصَرَّفُ كَالْأحْرَارِ. [المستدرك ٤/ ٢٩ - ٣٠] ٣٧٤٨ - إنْ نُوزع المحجوز عليه لِحَظِّهِ في الرشد فشهد شاهدان برشده: قُبل؛ لأنه قد يعلم بالاستفاضة. ومع عدم البينة له: اليمين على وليه أنه لا يعلم رشده. [المستدرك ٤/ ٣٠] ٣٧٤٩ - الإسراف: أ- ما صرفه في الحرام. ب- أو كان صرفه في المباح يضر بعياله. ج- أو كان وحده ولم يثق بإيمانه.

стр. 2560

د- أو صرف في مباح قدرًا زائدًا على المصلحة. قال شيخنا: الإسراف في المباح هو مجاوزة الحد، وهو من العدوان المحرم، وترك فضولها من الزهد المباح، والامتناع عنه مطلقًا كمن يمتنع من اللحم أو الخبز أو الماء أو لبس الكتان والقطن أو النساء فهذا جهل وضلال، والله أمر بأكل الطيب والشكر له، والطيب: ما ينفع ويعين على الخير، وحرم الخبيث وهو: ما يضر في دينه (١). [المستدرك ٤/ ٣٠] ٣٧٥٠ - لو وصَّى مَن فِسْقُه ظاهر إلى عدل: وجب إنفاذه؛ كحاكم فاسق حَكَم بالعدل. [المستدرك ٤/ ٣٠] ٣٧٥١ - الولاية على الصبي والمجنون والسفيه: تكون لسائر الأقارب. ومع الاستقامة لا يحتاج إلى الحاكم إلا إذا امتنع من طاعة الولي. وتكون الولاية لغير الأب والجد والحاكم على اليتيم وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة ومنصوص أحمد في الأم. وأما تخصيص الولاية بالأب والجد والحاكم فضعيف جدًّا. والحاكم العاجز كالعدم. [المستدرك ٤/ ٣٠] ٣٧٥٢ - لو مات من يتجر لنفسه وليتيمه بماله، وقد اشترى شيئًا لم يُعرف لمن هو: لم يُقسم، ولم (٢) يُوقف الأمر حتى يصطلحا كما يقوله الشافعي؛ بل مذهب أحمد أنه يقرع، فمن قرع حلف وأخذ. ولو مات الوصي وجُهل بقاء مال وليِّه: كان دينًا في تركته. [المستدرك ٤/ ٣١] ٣٧٥٣ - لا يجوز أن يولى على مال اليتيم إلا من كان قويًّا، خبيرًا بما ولي

стр. 2561

عليه، أمينًا عليه، والواجب إذا لم يكن بهذه الصفة أن يُستبدل به غيره. [المستدرك ٤/ ٣١] ٣٧٥٤ - لا يقبل من السيد دعوى عدم الإذن لعبده مع علمه بتصرفه، ولو قدر صدقه فتسليطه عليه عدوان. [المستدرك ٤/ ٣١] ٣٧٥٥ - هَل يَتَوَلَّى الْكَافِرُ الْعَدْلُ فِي دِينهِ مَالَ وَلَدهِ الْكَافِرِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ: أَنَّ بَعْضَهُم أَوْلَى بِبَعْضِ، وَقَد مَضَتْ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ. [١٥/ ٣٠٠] * * * (بَابُ الْوَكَالَةِ) ٣٧٥٦ - يجوز أن يوكل من يقبض له شيئًا من الزكاة ما تيسر وإن كان مجهولًا، ولا محذور فيه. [المستدرك ٤/ ٣١] ٣٧٥٧ - لو تصرف الوكيل فادعى الْمُوكّل أنه عزله قبل التصرف: لم يُقبل (١). فلو أقام به بينَّة ببلد آخر وحكم به (٢) حاكم: فإن لم ينعزل قبل العلم صح تصرفه، وإلا كان حكمًا على الغائب. ولو حكم قبل هذا الحكم بالصحة حاكم لا يرى عزله قبل العلم: فإن كان قد بلغه ذلك: نفذ، والحكم الناقض له مردود، وإلا وجوده كعدمه. والحاكم الثاني إذا لم يعلم بأن العزل قبل الحكم (٣)، أو علم ولم يره، أو رآه ولم ير نقض الحكم المتقدم: فحكمه كعدمه. وقبض الثمن من وكيله دليل بقاء وكالته. [المستدرك ٤/ ٣١]

стр. 2562

٣٧٥٨ - قال القاضي في مسألة عزل الوكيل بموت الموكل (١): فأما إن خرج (٢) الموكل عن ملكه مثل إعتاقه العبد وبيعه فإنه تنفسخ الوكالة بذلك. ففرق بين الموت وبين العتق والمبيع بأنه حكم الملك هنا قد زال وهناك السلعة بعد الموت باقية على حكم مالكها. وما قاله القاضي فيه نظر؛ فإن الانتقال بالموت أقوى منه بالبيع والعتق، فإن هذا يمكن الاحتراز عنه فيكون بمنزلة عزله بالقول وذلك قد زال الملك فيه بفعل الله تعالى. وإذا تصرف بلا إذن ولا ملك ثم تبين أنه كان وكيلًا أو مالكًا: ففي صحة تصرفه وجهان، كما لو تصرف بعد العزل ولم يعلم. فلو تصرف بإذن، ثم تبيَّن أن الإذن كان من غير المالك، أو المالك أذن له ولم يعلم، أو أذن بناء على جهة، ثم تبيَّن أنه لم يكن يملك الإذن بها بل بغيرها، أو بناءً على أنه ملك بشراء ثم تبيَّن له أنه كان وارثًا: - فإن قلنا: يصح التصرف في الأول؛ فههنا أولى. - وإن قلنا لا يصح هناك؛ فقد يقال: يصح هنا؛ لأنه كان مباحًا له في الظاهر والباطن، لكن الذي اعتقده ظاهرًا ليس هو الباطن. فنظيره إذا اعتقد أنه محدث فتطهر ثم تبيَّن فساد طهارته وأنه كان متطهرًا قبل هذا. [المستدرك ٤/ ٣٢] ٣٧٥٩ - نقل مهنا في رجل دفع إلى رجل ثوبًا يبيعه فباعه وأخذ الثمن، فوهبه المشتري (٣) ثوبًا أو منديلًا: فنص أنه يكون لصاحب الثوب، ولو نقَّص المشتري من الثمن درهمًا: فإن الضمان على الذي باع الثوب.

стр. 2563

فقد نص أحمد على أن ما حصل للوكيل من زيادة فهي للبائع (١)، وما نقص فهو عليه، ولم يفرق بين أن يكون النقص قبل لزوم العقد أو بعده. وينبغي أنْ يُفَصِّلَ إذا لم يُلْزمه. [المستدرك ٤/ ٣٣] ٣٧٦٠ - الوكيل في الضبط والمعرفة؛ مثل مَن وكَّل رجلًا في كتابةِ ما لَه وما عليه؛ كأهل الديوان: فقوله أولى بالقبول من وكيل التصرف؛ لأنه مؤتمن على نفس الإخبار بما له وما عليه، وهذه مسألة نافعة. ونظيرها: إقرار كُتَّاب الأمراء وأهل ديوانهم بما عليهم من الحقوق بعد موتهم، وإقرار كتاب السلطان وبيت المال وسائر أهل الديوان بما على جهاتهم من الحقوق، ومن ناظر الوقف وعامل الصدقة بما على الخراج ونحو ذلك؛ فإن هؤلاء لا يخرجون عن ولاية أو وكالة. [المستدرك ٤/ ٣٣] ٣٧٦١ - إن استعمل الأمير كاتبًا خائنًا أو عاجزًا أثم بما أذهب من حقوق الناس لتفريطه. [المستدرك ٤/ ٣٣] ٣٧٦٢ - مَن اسْتَأْمَنَهُ أَمِيرٌ على مَالِهِ، فَخَشِيَ من حَاشِيَتِهِ (٢) إنْ مَنَعَهُم من عَادَتِهِم الْمُتَقَدِّمَةِ: لَزِمَهُ فِعْلُ ما يُمْكِنُهُ، وهو أصْلَحُ لِلْأَمِيرِ من تَوَلِّيهِ غَيْرَهُ، فَيَرْتَعَ مَعَهُمْ، لَا سِيَّمَا وَللْأَخْذِ (٣) شُبْهَةٌ (٤). [المستدرك ٤/ ٣٣]

стр. 2564

٣٧٦٣ - قال في "المحرر": إذا اشترى الوكيل أو المضارب بأكثر من ثمن المثل أو باع بدونه: صح، ولزمه النقص والزيادة ونص عليه. قال أبو العباس: وكذلك الشريك والوصي والناظر على الوقف وبيت المال ونحو ذلك. وقال: هذا ظاهر فيما إذا فرط. وأما إذا احتاط في البيع والشراء ثم ظهر غبن أو عيب لم يُقَصِّر فيه: فهذا معذور، يشبه خطأ الإمام أو الحاكم، ويشبه تصرفه قبل علمه بالعزل. وأبين من هذا: الناظر والوصي والإمام والقاضي إذا باع أو أجَّر أو زارع أو ضارب ثم تبيَّن أنه بدون القيمة بعد الاجتهاد، أو تصرف تصرفًا ثم تبيَّن الخطأ فيه: مثل أن يأمره بعمارة أو غرس ونحو ذلك ثم تبين أن المصلحة كانت في خلافه، وهذا باب واسع. وكذلك المضارب والشريك؛ فإن عامة من يتصرف لغيره بوكالة أو ولاية قد يجتهد ثم يظهر فوات المصلحة، أو حصول المفسدة: فلا لوم عليه فيهما (١)، وتَضْمين مثل هذا فيه نظر، وهو شبيه بما إذا قَتل في دار الحرب من يظنه حربيًّا فبان مسلمًا؛ فإنَّ جماع هذا أنه مجتهدٌ مأمورٌ بعملٍ اجتهد فيه، وكيف يجتمع عليه الأمر والضمان؟ هذا الضرب هو خطأ في الاعتقاد والقصد لا في العمل، وأصول المذهب تشهد له. [المستدرك ٤/ ٣٤] ٣٧٦٤ - إن وكله أو أوصى إليه أن يقف عنه شيئًا ولم يعين مصرفًا فينبغي أن يكون كالصدقة؛ فإن المصرف للوقف كالمصرف للصدقة، ويبقى إلى الوكيل والوصي تعيين المصرف (٢).

стр. 2565

وإن عين مصرفًا منقطعًا فينبغي أن يكون إلى الوصي تتميمه بذكر مصرف مؤبد. إلا أن يقال: الصدقة لها جهة معلومة بالشرع والعرف وهم الفقراء، وإنما النظر إلى الوصي في تعيين أفراد الجهة، بخلاف الوقف فإنه لا يتبين له جهة معينة شرعًا ولا عرفًا. فالكلام في هذا ينبغي أن يكون كما لو نذر أن يقف أو يتصدق به. [المستدرك ٤/ ٣٥] ٣٧٦٥ - حديث أبي طلحة (١) يقتضي أن من نذر الصدقة بمال فإن الأفضل أن يصرفه في أقربيه وإن كان منهم غني، وهذا يقتضي اْن الصدقة المطلقة في النذر ليست محمولة على الصدقة الواجبة في الشرع، لكن على جنس المستحبة شرعًا. ويتوجه في الوكالة والوصية مثل ذلك.

стр. 2566

وشبيه هذا من أصلنا: لو نذر أن يصلي: هل يحمل على أدنى الواجب، أو أدنى التطوع؟ فإن الوكالة والأيمان متشابهات. [المستدرك ٤/ ٣٥] ٣٧٦٦ - الوكيل أمين لا ضمان عليه، ولو عزل قبل علمه بالعزل وقلنا ينعزل لعدم تفريطه، وكذلك لا يضمن مشتر منه الأجرة إذا لم يعلم، وهو أحد القولين. [المستدرك ٤/ ٣٥] ٣٧٦٧ - مَن وُكِّلَ في بيع أو استئجار أو شراء: فَإِنْ لم يُسَمِّ مُوَكِّلَهُ في الْعَقْدِ فَضَامِنٌ، وإلا فروايتان، وظاهر المذهب تضمينه. قال: ومثله الوكيل في الإقراض. [المستدرك ٤/ ٣٥ - ٣٦] ٣٧٦٨ - إذا قال (١): زوَّجتك فلانة، فقال: قبلتُ، فقد انعقد النكاح في الظاهر للوكيل. فإذا قال (٢): نويت أن النكاح لموكلي: فهو يدعي فساد العقد، وأن الزوج غيره، فلا يقبل قوله على المرأة إلا أن تُصدِّقه، ولو صدقته لم يلزمه شيءٌ قولًا واحدًا، إلا أن هذا الإنكار من الزوج بخلاف مسألة إنكار الوكالة. ولو قيل: إن النكاح هنا لا يحتمل إلا أن يكون له: لكان له وجهٌ (٣). [المستدرك ٤/ ٣٦ - ٣٧] ٣٧٦٩ - قال الأصحاب: ومن ادعى الوكالة في استيفاء حقٍّ (٤) فصدقه الغريم: يلزمه الدفع إليه، وإلا اليمين إن كذَّبه (٥). والذي يجب أن يقال: إن الغريم متى غلب على ظنه أن الموكِّلَ لا

стр. 2567

ينكر: وجب عليه التسليم فيما بينه وبين الله؛ كالذي بعثه النبي ﷺ إلى وكيله وعلَّم له علامة (١)، فهل يقول أحد: إن ذلك الوكيل لم يكن يجب عليه الدفع؟ وأما في القضاء فإن كان الموكل عدلًا وجب الحكم؛ لأن العدل لا يجحد. والظاهر أنه لا يستثنى، فإن دفع من عنده الحق إلى الوكيل ذلك الحق ولم يصدقه بأنه وكيل وأنكر صاحب الحق الوكالة رجع عليه وفاقًا ومجرد التسليم ليس تصديقًا. وكذا إن صدقه في أحد قولي أصحابنا؛ بل نصَّ إمامنا، وهو قول مالك؛ لأنه متى لم يتبين صدقه فقد غرَّه. [المستدرك ٤/ ٣٧] ٣٧٧٠ - إذا اشترى شيئًا من [مال] (٢) مُوَكِّله أو مُوليه: كان الملك للموكِّل والمُولى عليه، ولو نوى شراءه لنفسه؛ لأنَّ له ولايةَ الشراء، وليس كالغاصب (٣)، لكن نوى (٤) أنْ يقع الملك له، وهذه نية محرمة، فتقع باطلة، ويصير كان العقد عري عنها إذا كان يريد النقد من مال المولى عليه والموكِّل. [المستدرك ٤/ ٣٧] ٣٧٧١ - حديثُ عروة بن الجعد (٥) في شراء الشاة يدل على أن الوكيل في شراء معلوم بثمن معلوم إذا اشترى به أكثر من المقدر جاز له بيع الفاضل، وكلذا ينبغي أن يكون الحكم. [المستدرك ٤/ ٣٧]

стр. 2568

٣٧٧٢ - سُئِلَ شَيْخُ الإِسْلَامِ: ﵀: عَن رَجُلِ يُوَكِّلُ الدَّلَّالَ (١) فِي أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ سِلْعَةً فَيَشْتَرِيَهَا لَهُ، ويأخُذُ مِن الْبَائِعِ جُعْلًا عَلَى أنْ بَاعَهَا لَهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ (٢)؟ فَأجَابَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَشْتَرِيهَا لِمُوَكِّلِهِ بِأَكْثَر مِن قِيمَتِهَا، فَيَزِيدُ الْبَائِعُ عَلَى الرِّبْحِ الْمُعْتَادِ إذَا اشْتَرَاهَا بِتَخْبِيرِ الثَّمَنِ (٣)، فَيَكُونُ ذَلِكَ غِشًّا لِمُوَكِّلِهِ. هَذَا إذَا حَصَلَ مُوَاطَأَةٌ مِن الْبَائِعِ أَو عُرِفَ بِذَلِكَ. وَأَمَّا لَو وَهَبَهُ الْبَائِعُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَد تَقَدَّمَ شُعُورُهُ: فَهَذِهِ مَذْكُورَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ (٤). [٣٠/ ٥٤ - ٥٥] ٣٧٧٣ - وَسُئِلَ: عَن جَمَاعَةٍ مِن الْجُنْدِ اسْتَأَجَرُوا وَكِيلًا عَلَى إقْطَاعِهِمْ، وَأَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُجَ إلَى ذَلِكَ الْإِقْطَاعِ، وَيُسَجِّلَ بِالْقَيِّمَةِ، فَوَاطَأ الْوَكِيلُ أَصْحَابَهُ، وَسَجَّلَ بِدُونِ الْقِيمَةِ الْجَارِي بِهَا الْعَادَةُ فَهَل يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ؟ فَأَجَابَ: إذَا أَجَّرَ بِدُونِ أجْرَةِ الْمِثْل وَسَلَّمَ الْأَرْضَ إلَيْهِمْ: فَهُوَ ظَالِمٌ مُعْتَدٍ، وَلأرْبَابِ الْأَرْضِ أَنْ يُضَمِّنُوة تَمَامَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ.

стр. 2569

وَأَمَّا الْمُسْتَأْجِرُونَ إنْ كَانُوا عَلِمُوا أَنَّهُ ظَالِمٌ وَأَنَّهُ حَابَاهُم فَلِأَصْحَابِ الْأرْضِ تَضْمِينُهُم أَيْضًا إنْ كَانوا اسْتَوْفوا الْمَنْفَعَةَ. وَلَهُم مَنْعُهُم مِن الزرْعِ إنْ كَانُوا لَمْ يَزْرَعُوا؛ فَإِنَّ الْإِجَارَةَ حِينَئِذٍ بَاطِلَةٌ. وَإِن كَانُوا لَمْ يَعْلَمُوا؛ بَل الْمُؤَجِّرُ عَرَّفَهُمْ: فَهَل لِأَصْحَابِ الْأَرْضِ تَضْمِينُهُمْ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ. [٣٠/ ٥٥ - ٥٦] ٣٧٧٤ - إذَا فَسَخَ الْوَكِيلُ الْمَاذُونُ لَهُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ بَعْدَ تَمْكِينِ الْحَاكِمِ لَهُ مِن الْفَسْخِ: صَحَّ فَسْخُهُ، وَلَمْ يَحْتَجْ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى حُكْمِهِ بِصِحَّةِ الْفَسْخِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَالْفَسْخُ لِلْإِعْسَارِ جَائِزٌ فِي مَذْهَبِ الثَّلَاثَةِ، وَالْحَاكِمُ لَيْسَ هُوَ فَاسِخًا، وَإِنَّمَا هُوَ الْاَذِنُ فِي الْفَسْخِ وَالْحَاكِمُ بِجَوَازِهِ. فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ عَقْدُهُ وَفَسْخُهُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ فِيهِ. وَالْعُلَمَاءُ الَّذِينَ اشْتَرَطُوا فِي فَسْخِ النّكاحِ بِعَيْب أَو إعْسَارٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن صُوَرِ النِّزَاعِ أَنْ يَكُونَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ: لَمْ يَشْتَرِطُوا أَنْ يَكُونَ الْحَاكِمُ قَد حَكَمَ بِصِحَّةِ الْفَسْخِ بَعْدَ وُقُوعِهِ؛ إذ هَذَا لَيْسَ مِن خَصَائِصِ هَذ الْمَسَائِلِ؛ بَل كُلُّ تَصَرُّفٍ مُتَنَازَعٍ فِيهِ إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِصِحَّتِهِ لَمْ يَكُن لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ إذَا لَمْ يُخَالِفْ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا. [٣٠/ ٥٧ - ٥٨] ٣٧٧٥ - هَل يَنْعَزِلُ [أي: الْوَكِيل] قَبْلَ بُلُوغِ الْعَزْلِ لَهُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ لِلْعُلَمَاءِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَنْعَزِلُ حَتَّى يَعْلَمَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ بَل أَرْجَحُهُمَا (١). فَعَلَى هَذَا: تَصَرُّفُ الْوَكيلِ قَبْلَ الْعِلْمِ صَحِيحٌ نَافِذٌ، وَثُبُوتُ عَزْلِهِ قَبْلَ

стр. 2570

التَّصَرُّفِ لَا يَقْدَحُ فِي تَصَرُّفِهِ قَبْلَ الْعِلْمِ فَيَصِحُّ الْبَيْعُ وَالْوَقْفُ الْوَاقِعُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، وَلَا يَبْطُل ذَلِكَ وَلَا حُكْمُ الْحَاكِمِ بِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَنْعَزِلُ قَبْلَ الْعِلْمِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. فَعَلَى هَذَا: لَا تُقْبَلُ مُجَرَّدُ دَعْوَاهُ الْعَزْلَ بَعْدَ التَّصَرُّفِ (١). وَإِذَا أَقَامَ بِذَلِكَ بَيِّنَةً بِبَلَد آخَرَ وَحَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ: كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا عَلَى الْغَائِبِ، وَالْحُكْمُ عَلَى الْغَائبِ إذَا قِيلَ بِصِحَّتِهِ فَهُوَ يَصِحُّ مَعَ بَقَاءِ كُلِّ ذِي حُجَّةٍ عَلَى حُجَّتِهِ، وَللْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أَنْ يَقْدَحَ فِي الْحُكمِ وَالشَّهَادَةِ بِمَا يَسُوغُ قَبُولُهُ؛ إمَّا الطَّعْنُ فِي الشُّهُودِ، أَو الْحُكْمِ أَو غَيْرِ ذَلِكَ. ثمَّ الْحَاكِمُ الَّذِي حَكَمَ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَالْوَقْفِ إنْ كَانَ مِمَن لَا يَرَى عَزْلَ الْوَكِيلِ قَبْلَ الْعِلْمِ وَقَد بَلَغَهُ ذَلِكَ: كَانَ حُكْمُهُ نَافِذًا لَا يَجُوزُ نَقْضهُ بِحَالٍ؛ بَل الْحُكْمُ النَّاقِضُ لَهُ مَرْدُودٌ. وَإِن كَانَ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ، أَو مَذْهَبُهُ عَدَمُ الْحُكْمِ بِالصّحَّةِ إذَا ثَبَتَ: كَانَ وُجُودُ حُكْمِهِ كَعَدَمِهِ. وَلَو حَكَمَ بِبُطْلَانِ الْوَقْفِ: لَمْ يَجِبْ عَلَى الْوَكِيلِ وَلَا عَلَى الْمُشْتَرِي ضَمَانُ مَا اسْتَوْفَاة مِن الْمَنْفَعَةِ؛ فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ وَالْمُشْتَرِي مَغْرُورينِ غَرَّهُمَا الْمُوَكِّل لِعَدَمِ إعْلَامِهِ بِالْعَزْلِ؛ فَالتَّفْرِيطُ جَاءَ مِن جِهَتِهِ فَلَا يَضْمَنُ لَهُ الْمَنْفَعَةَ. وَإِذَا أَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ قَبْضَ الثَّمَنِ وَلَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ بَيِّنةً بِهِ: أ- فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ بِلَا جُعْلٍ قُبِلَ قَوْلُهُ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينُهُ، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُودَعِ فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ إلَى مَالِكِهَا. ب- وَإِن كَانَ بِجُعَل فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ.

стр. 2571

وَلَكِنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ عَلَى الْمُشْتَرِي: - فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ بَاقِيًا: فَلَا كَلَامَ. - وَإِن كَانَ الْبَيْعُ مَفْسُوخًا: فَلَهُم أَنْ يُطَالِبُوا الْوَكِيلَ بِالثَّمَنِ، وَالْوَكِيلُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكلِ. [٣٠/ ٦٠ - ٦٣] ٣٧٧٦ - وَسُئِلَ شَيْغ الْإِسْلَامِ: عَمَّن وَكَّلَ رَجُلًا فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ فَبَاعَهَا إلَى أَجَلٍ، وَتَويَ (١) بَعْضُ الثَّمَنِ، فَهَل يُطَالِبُ الْمَالِكُ بِقِيمَتِهَا حَالَّةً أَو بِمِثْل الثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ، وَهُوَ أَكْثَرُ؟ فَأَجَابَ: إذَا لَمْ يَكُن قَد أَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ إلَى أَجَلٍ: فَالْمَالِكُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُطَالِبَ الْبَائِعَ بِقِيمَتِهَا بِنَقْد، وَبَيْنَ أَنْ يُطَالِبَ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ جَمِيعِهِ، وَيحْسِبَ الْمُنْكَسِرَ عَلَى صَاحِبِ السِّلْعَةِ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ بِدُونِ إذْنٍ كَتَصَرُّفِ غَاصِبٍ، وَالْغَاصِبُ إذَا تَلِفَت الْعَيْنُ عِنْدَهُ إلَى بَدَلٍ: كَانَ لِلْمَالِكِ الْخِيَرَةُ بَيْنَ الْمُطَالَبَةِ وَبَيْنَ الْبَدَلِ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ الْمِثْلُ أو الْقِيمَةُ، وَبَيْنَ الْبَدَلِ الْمعَيَّنِ. وَهَذَا يَكُونُ حَيْثُ لَمْ يَعْرف الْمُشْتَرِي بِالْغَصْبِ، فَلَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ إلَّا الثَّمَنُ الْمُسَمَّى. وَإِذَا قُلْنَا بِوَقْفِ الْعُقُودِ عَلَى الْإِجَازَةِ: إذَا لَمْ يُثْبت الْإِجَازَة (٢)، وَاصطَلَحَا عَلَى الثَّمَنِ وَتَرَاضَيَا بِهِ: صَحَّ الصُّلْحُ عَن بَدَلِ الْمُتْلَفِ بِأَكْثَرِ مِن قِيمَتِهِ مِن ضَمَانِهِ، كَمَا لَو اتَّفَقَا عَلَى فَرْضِ الْمَهْرِ فِي مَسْألَةِ التَّفْوِيضِ. [٣٠/ ٦٥] ٣٧٧٧ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ وَكَّلَ رَجُلًا وِكَالَة مُطْلَقَةً؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ إلَّا بِالْمَصْلَحَةِ وَالْغِبْطَةِ، فَأَجَّرَ لَهُ أَرض تُسَاوِي إجَارَتُهَا عَشَرَةَ آلَافٍ بِخَمْسَةِ آلَافٍ، فَهَل تَصِحُّ هَذِهِ الْإِجَارَةُ؟

стр. 2572

فَأَجَابَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَهَا بِمِثْل هَذَا الْغَبْنِ، وَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْوَكِيلَ الْمُفَرِّطَ مَا فَوَّتَه عَلَيْهِ. وَأَمَّا صِحَّةُ الْإِجَارَةِ: فَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ يَقُولُونَ: إجَارَةٌ بَاطِلَةٌ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. لَكِنْ إذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ مَغْرُورًا لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِ الْوَكِيلِ مِثْل أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ مَالِكٌ عَالِمٌ بِالْقِيمَةِ: فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى مَن غَرَّهُ بِمَا يَلْزَمُهُ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. وَزَرْعُهُ (١) زَرْعٌ مُحْتَرَمٌ لَا يَجُوزُ قَطْعُهُ مَجَّانًا؛ بَل يُنزلُ بِأُجْرَةِ الْمِثْل بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ. وَإِذَا ادَّعَى عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أَنَّهُ عَالِمٌ بِالْحَالِ فَأَنْكَرَ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. [٣٠/ ٦٨ - ٦٩] ٣٧٧٨ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ وَكَّلَ غُلَامَهُ فِي إيجَارِ حَانُوتٍ لِشَخْص، ثُمَّ إنَّ الْمُسْتَأجِرَ أَجَّرَهُ لِشَخْص، فَهَل لِلْوَكِيلِ أَنْ يَقْبَلَ الزِّيَادَةَ فِي أُجْرَةِ الْحَانُوتِ؛ وَهَل لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُسْتَأْجِرِ الثَّانِي؟ فَأجَابَ: لَيْسَ لِلْمُوَكَّلِ -وَالْحَالَةُ هَذِهِ- أَنْ يُؤَجِّرَ الْحَانُوتَ لِأَحَد، لَا بِزِيَادَة وَلَا غَيْرِ زِيادَةٍ، وَلَا لِلْمُسْتَأْجِرِ الْأَوَّلِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لِلْمُوَكّلِ مُطَالَبَةُ الْمُسْتَأْجِرِ الثَّانِي، وَإِذَا أَخَذَ مِنْهُ الْأُجْرَةَ غَصْبًا فَلَهُ اسْتِرْجَاعُ ذَلِكَ مِنْهُ. وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي إنْكَارِ الْوَكَالَةِ مَعَ كَوْنِهِ يَتَصَرَّفُ لَهُ تَصَرُّفَ الْوُكَلَاءِ مَعَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ، وَكَوْنِهِ مَعْرُوفًا بِأَنَّهُ وَكِيلُهُ بَيْنَ النَّاسِ، حَتَّى لَو قُدّرَ أَنَّهُ لَمْ يُوَكِّلْهُ- وَالْحَالَةُ هَذه- فَتَفْرِيطُهُ وَتَسْلِيطُهُ عُدْوَانٌ مِنْهُ يُوجِبُ الضَّمَانَ. وَالْإِجَارَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي أَكْرَهَ الْمُوَكِّلُ عَلَيْهَا الْمُسْتَأْجِرَ الثَّانِيَ بَاطِلَةٌ. [٣٠/ ٦٩ - ٧٠]

стр. 2573

٣٧٧٩ - إذَا وَكَّلَ الْإِنْسَانُ وَكِيلًا فِي شِرَاءِ شَيْءٍ وَلَمْ يُوَكِّلْهُ فِي الْإِقَالَةِ: لَمْ يَكن لِلْوَكيلِ الْإِقَالَةُ، وَلَا تَنْفُذُ إقَالَتُهُ بِدُونِ إذْنِ الْمُوَكِّلِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. [٣٠/ ٧١] ٣٧٨٠ - الْوَكِيلُ فِي الِاسْتِيفَاءِ لَا يَصِخُ إبْرَاؤُهُ [أي: الغريم]، وَلَا مُصَالَحَتُهُ عَلَى بَعْضِ الْحَق وَلَو كَانَ وَكِيلًا فِي ذَلِكَ. ثُمَّ إنَّ الْغَرِيمَ إذَا جَحَدَ الْحَقَّ حَتَّى صُولِحَ: كَانَ الصُّلْحُ فِي حَقِّهِ بَاطِلًا، وَلَمْ تَبْرَأ ذِمَّتُهُ. وَإِذَا كَانَ الْمُدَّعِي إنَّمَا صَالَحَهُ خَوْفًا مِن ذَهَابِ جَمِيعِ الْحَقِّ: فَهُوَ مُكْرَهٌ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يَصِحُّ صُلْحُهُ، وَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِالْحَقِّ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا أَقَرَّ بِهِ أَو قَامَتْ بِهِ بَيِّنَة. [٣٠/ ٧٢] ٣٧٨١ - إذَا كَانَ التَّاجِرُ الَّذِي يُسَلِّمُ مَالَهُ إلَى الدَّلَالِ (١) قَد عَلِمَ أَنَّهُ يُسَلّمُهُ إلَى غَيْرِهِ مِن الدَّلَّالِينَ وَرَضِيَ بِذَلِكَ (٢): لَمْ يَكُن بِذَلِكَ بَأْسٌ بِلَا ريبٍ؛ فَإِنَّ الدَّلَالَ وَكِيلُ التَّاجِرِ، وَالْوَكِيلُ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ غَيْرَهُ كَالْمُوَكِّلِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي جَوَازِ تَوْكِيلِهِ بِلَا إذْنِ الْمُوَكِّلِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ. وَعَلَى هَذَا تَنَازَعُوا فِي شَرِكَةِ الدَّلَّالِينَ؛ لِكَوْنِهِمْ وُكَلَاءَ، فَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ تَوْكِيلِ الْوَكيلِ. وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ عُرْفٌ مَعْرُوفٌ أَنَّ الدَّلَّالَ يُسَلِّمُ السِّلْعَةَ إلَى مَن يَأَتَمِنُهُ: كَانَ الْعُرْفُ الْمَعْرُوفُ كَالشَّرْطِ الْمَشْرُوطِ. [٣٠/ ٩٨] * * *

стр. 2574

(خَطُّ الْمَيِّتِ كَلَفْظِهِ ولَا يَحْتَاجُ أَصْحَابُ الْحُقُوقِ على الميّت إلَي بَيِّنَةٍ) ٣٧٨٢ - إِنَّ إقْرَارَ الْوَكِيلِ عَلَى مُوَكِّلِهِ فِيمَا وَكَّلَهُ فِيهِ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّهُ أَمِينُهُ. وَخَطُّ الْمَيّتِ كَلَفْظِهِ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ وَنَحْوِهِمَا (١). وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ أَصْحَابُ الْحُقُوقِ إلَى بيِّنَةٍ، وَتَكْلِيفُهُم الْبَيِّنَةَ إضَاعَةٌ لِلْحُقُوقِ، وَتَعْذِيبٌ لِلْأَمْوَاتِ بِبَقَائِهِمْ مُرْتَهَنِينَ بِالذُّنُوبِ، فَفِيهِ ظُلْمٌ لِلْأَمْوَاتِ وَالْأحْيَاءِ، لَا سِيَّمَا فِي الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ فِيهَا بِالْإِشْهَادِ، فَتَكْلِيفُ الْبَيِّنةِ فِي ذَلِكَ خرُوجٌ عَن الْعَدْلِ الْمَعْرُوفِ. [٣٠/ ٦٦ - ٦٧] ٣٧٨٣ - اسْتِيفَاءُ الْمَالِ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ مِنْهُ: جَائزٌ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. وَإِن كَانَ قَد عَمِلَ لَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ عِوَضًا وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ ذَلِكَ: فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْل الَّذِي جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، فَإِن اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ مُطْلَقًا مِن تَرِكَتِهِ (٢) وَبِدُونِ إذْنِهِ، وَإِن لَمْ يَسْتَحِقَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا إلَّا بِإِذْنِهِ. [٣٠/ ٦٧ - ٦٨] * * * (بَاب الشَّرِكَةِ) (٣) ٣٧٨٤ - الاشتراك في مجرد الملك بالعقد: مثل أن يكون بينهما عقار

стр. 2575

فيشيعانه، أو يتعاقدان على أن المال الذي لهما المعروف بهما يكون بينهما نصفين، ونحو ذلك، مع تساوي ملكهما فيه، فجوازه متوجه؛ لكن هل يكون بيعًا؛ قياس ما ذكروه في الشركة أنه ليس بيعًا، كما أن القسمة ليست بيعًا. [المستدرك ٤/ ٣٨] ٣٧٨٥ - قال أحمد: ما أنفق على المال فعلى المال. وقاله شيخنا في البذل لمحارب ونحوه. [المستدرك ٤/ ٣٨] ٣٧٨٦ - لا نفقة لمضارب إلا بشرط أو عادة؛ فإنْ شُرطت (١) مطلقًا فله نفقة مثله طعامًا وكسوة. وقد يُخرَّج لنا أنَّ للمضارب في السفر الزيادةَ على نفقة الحضر، كما قلنا في الولي إذا جحد الصبي؛ لأن الزيادة إنما احتاج إليها لأجل المال. وقد ثبت من أصلنا صحة الاشتراك في العقود وأن تختلط الأعيان، كما تصح القسمة بالمحاسبة (٢) وإن لم تتميز الأعيان. [المستدرك ٤/ ٣٩]

стр. 2576

٣٧٨٧ - لو دفع دابته أو نخله إلى من يقوم به وله جزء من ثمانية: صح. وهو رواية عن أحمد. [المستدرك ٤/ ٣٩] ٣٧٨٨ - يجوز قسمة الدَّيْن في ذمة أو ذمم (١)، وهو رواية عن أحمد، فإن تكافأت (٢) الذمم فقياس المذهب في الحوالة على [مَلِيءٍ] (٣) وجوبها. [المستدرك ٤/ ٣٩] ٣٧٨٩ - لو كتب رب المال للجابي والسمسار ورقة ليسلمها إلى الصيرفي (٤) المتسلم ماله، وأمره أن لا يسلمه حتى يقتص منه فخالف: ضمن؛ لتفريطه. ويُصَدَّق الصيرفي (٥) مع يمينه، والورقة شاهدة له؛ لأن العادة جارية بذلك. [المستدرك ٤/ ٣٩] ٣٧٩٠ - تصح شركة الشهود، وللشاهد أن يقيم مقامه غيره إن كان الجعل على عمل في الذمة، وإن كان على شهادته بعينه فالأصح جوازه، وللحاكم أن يكرههم؛ لأن له النظر في العدالة وغيرها. [المستدرك ٤/ ٤٠] ٣٧٩١ - إن اشتركوا على أن كل ما حصله كل واحد منهم بينهم بحيث إذا كتب أحدهم وشهد شاركه الآخر وإن لم يعمل: فهي شوكة الأبدان، تجوز فيما تجوز فيه الوكالة. وأما حيث لا تجوز: ففيه وجهان كشركة الدَّلَّالين، وقد نص أحمد على جوازها فقال في رواية أبي داود وقد سئل عن الرجل يأخذ الثوب ليبيعه فيدفعه

стр. 2577

إلى الآخر: يبيعه ويناصفه فيما يأخذ من الكراء، قال: الكراء للذي باعه، إلا أن يكونا شريكين فيما أصابا. ووجه صحتها: أن بيع الدلال وشراءه بمنزلة خياطة الخياط ونجارة النجار وسائر الأجراء المشتركين، ولكلٍّ منهم أن يستنيب وإن لم يكن للوكيل أن يوكل. ومأخذ من منع من ذلك: أن الدلالة في باب الوكالة وسائر الصناعات من باب الإجارة، وليس الأمر كذلك. ومحل الخلاف هو في شركة الدلالين التي فيها عقد. فأما مجرد النداء والعرض وإحضار الديون فلا خلاف في جوازه. وتسليم الأموال إلى الدلالين مع العلم باشتراكهم إذن لهم ببيعها. [المستدرك ٤/ ٤٠] ٣٧٩٢ - لو باع كل واحد ما أخذه ولم يعط غيره واشتركا في الكسب: جاز في أظهر الوجهين. [المستدرك ٤/ ٤٠] ٣٧٩٣ - ليس لولي الأمر المنع بمقتضى مذهبه في شركة الأبدان والوجوه والمساقاة والمزارعة ونحوها مما يسوغ فيه الاجتهاد. [المستدرك ٤/ ٤١] ٣٧٩٤ - الربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التجارة فيه: فقيل: هو للمالك فقط؛ كنماء الأعيان. وقيل: للعامل فقط؛ لأن عليه الضمان. وقيل: يتصدقان به؛ لأنه ربح خبيث. وقيل: يكون بينهما على قدر النفعين بحسب معرفة أهل الخبرة، وهو أصحهما، وبه حكم عمر بن الخطاب ﵁؛ إلا أن يتجر به في غير وجه العدوان مثل أن يعتقد أنه مال نفسه فيتبين أنه مال غيره فهنا يقتسمان الربح بلا ريب.

стр. 2578

وذكر أبو العباس في موضع آخر: أنه إذا كان عالمًا بأنه مال الغير فهنا يتوجه قول من لا يعطيه شيئًا؛ لأنه حصل بفعل محرم فلا يكون سببًا للإباحة. فإذا تاب: سقط حق الله بالتوبة وأبيح له حينئذ بالقسمة. فأما إذا لم يتب: ففي حله نظر. وكذلك المتوجه فيما إذا غصب شيئًا كفرس وكسب به مالًا كالصيد أن يجعل المكسوب بين الغاصب ومالك الدابة على قدر نفعهما؛ بأن تقوم منفعة الراكب ومنفعة الفرس ثم يقسم الصيد بينهما. [المستدرك ٤/ ٤١] ٣٧٩٥ - من كانت بينهما أعيان مشتركة فيما يكال أو يوزن، فأخذ أحدهما قدر حقه لإذن حاكم: جاز قولًا واحدًا، وكذلك بدون إذنه على الصحيح. [المستدرك ٤/ ٤١] ٣٧٩٦ - شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ الَّتِي تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا (١) نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَتَقَبَّلَانِ مِن الْعَمَلِ فِي ذِمَّتِهِمَا؛ كَأَهْلِ الصِّنَاعَاتِ مِن الْخِيَاطَةِ وَالنِّجَارَةِ وَالْحِيَاكَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ الَّذِينَ تُقَدَّرُ أُجْرَتُهُم بِالْعَمَلِ لَا بِالزَّمَانِ -وَيُسَمَّى الْأَجِيرَ الْمُشْتَرِكَ- وَيَكُونُ الْعَمَلُ فِي ذِمَّةِ أَحَدِهِمْ بِحَيْثُ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ أَنْ يَعْمَلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ، وَالْعَمَلُ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ كَدُيُونِ الْأَعْيَانِ، لَيْسَ وَاجِبًا عَلَى عَيْنِهِ كَالْأجِيرِ الْخَاصِّ. فَهَؤُلَاءِ جَوَّزَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ اشْتِرَاكَفم كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد، وَذَلِكَ عِنْدَهُم بِمَنْزِلَةِ "شَرِكَةِ الْوُجُوهِ"، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِجَاهِهِ شَيْئًا لَهُ وَلشَرِيكِهِ، كَمَا يَتَقَبَّلُ الشَّرِيكُ الْعَمَلَ لَهُ وَلشَرِيكِهِ. قَالُوا: وَهَذِهِ الشَّرِكَةُ مَبْنَاهَا عَلَى الْوِكَالَةِ فَكُلٌّ مِن الشَّرِيكَيْنِ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ بِالْمِلْكِ وَلشَرِيكِهِ بِالْوِكَالَةِ.

стр. 2579

وَلَمْ يُجَوِّزْهَا الشَّافِعِيِّ. وَالْجُمْهُورُ يُخَالِفُونَهُ فِي هَذَا وَيقُولُونَ: الشَّرِكَةُ نَوْعَانِ: أ- شَرِكَةُ أَمْلَاكٍ (١). ب- وشَرِكةُ عُقُودٍ (٢). وَشَرِكةُ الْعُقُودِ أَصْلًا لَا تَفْتَقِرُ إلَى شَرِكَةِ الْأمْلَاكِ، كَمَا أَنَّ شَرِكَةَ الْأمْلَاكِ لَا تَفْتَقِرُ إلَى شَرِكَةِ الْعُقُودِ وَإِن كَانَا قَد يَجْتَمِعَانِ. وَالْمُضَارَبَةُ شَرِكَةُ عُقُودٍ بِالْإِجْمَاعِ لَيْسَتْ شَرِكَةَ أَمْلَاكٍ؛ إذ الْمَالُ لِأَحَدِهِمَا وَالْعَمَل لِلْآخَرِ، وَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ وَالْمُزَارَعَةُ وَإِن كَانَ مِن الْفُقَهَاءِ مَن يَزْعُمُ أَنَّهَا مِن بَابِ الْإِجَارَةِ، وَأَنَّهَا خِلَافُ الْقِيَاسِ. فَالصَّوَابُ أَنَّهَا أَصْل مُسْتَقِلُّ، وَهِيَ مِن بَابِ الْمُشَارَكَةِ لَا مِن بَابِ الْإِجَارَةِ الْخَاصَّةِ وَهِيَ عَلَى وَفْقِ قِيَاسِ الْمُشَارَكَاتِ. وَلَمَّا كَانَ مَبْنَى الشَّرِكَةِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ تَنَازَعُوا فِي الشَّرِكَةِ فِي اكْتِسَابِ الْمُبَاحَاتِ؛ بِنَاءَ عَلَى جَوَازِ التَّوَكُّلِ فِيهَا، فَجَوَّزَ ذَلِكَ أَحْمَد، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ. وَقَد يُقَالُ: هَذِهِ مِن النَّوْعِ الثَّانِي إذَا تَشَارَكَا فِيمَا يُؤَجِّرَانِ فِيهِ أَبْدَانَهُمَا وَدَابّتَيْهِمَا: إجَارَةَ خَاصَّةً، فَفِي هَذِهِ الْإِجَارَةِ قَوْلَانِ مَرْوِيَّانِ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ، لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَن يُجَوِّز شَرِكَةَ الْعِنَانِ مَعَ عَدَمِ اخْتِلَاطِ الْمَالَيْنِ وَمَعَ اخْتِلَافِ الْجِنْسَيْنِ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. وَأَمَّا اشْتِرَاكُ الشُّهُودِ: فَقَد يُقَالُ: مِن مَسْأَلَةِ "شَرِكَةِ الْأَبْدَانِ" الَّتِي تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا؛ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ لَا تَثْبُتْ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا يَصِحُّ التَّوَكُّلُ فِيهَا، حَتَّى يَكُونَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مُتَصَرِّفًا لِنَفْسِهِ بِحُكْمِ الْمِلْكِ وَلشَرِيكِهِ بِحُكْمِ الْوِكَالَةِ، وَالْعِوَضُ فِي الشَّهَادَةِ مِن بَابِ الْجَعَالَة لَا مِن بَابِ الْإِجَارَةِ اللَّازِمَةِ.

стр. 2580

وَإِن لَمْ يُقَدِّر الْجُعلَ -وَقَد عَلِمَ أَنَّهُم يَعْمَلُونَ بِالْجُعلِ: مِثْل حَمَّالِينَ يَحْمِلُونَ مَالَ تَاجِرٍ مُتَعَاوِنينَ عَلَى ذَلِكَ- فَهُم يَسْتَحِقُّونَ جُعْلَ مِثْلِهِمْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ كَمَا يَسْتَحِقُّهُ الطَّبَّاخُ الَّذِي يَطْبُخُ بِالْأجْرَةِ، وَالْخَبَّازُ الَّذِي يَخْبِزُ بِالْأجْرَةِ، وَالنَّسَّاجُ الَّذِي يَنْسِجُ بِالْأُجْرَةِ، وَالْقَصَّارُ الَّذِي يُقَصِّرُ بِالْأجْرَةِ، وَصَاحِبُ الْحَمَّامِ وَالسَّفِينَةِ، وَالْعُرْفُ الَّذِي جَرَتْ عَادَتُهُ بِأنْ يُسْتَوْفَى مَنْفَعَتُهُ بِالأَجْرِ. فَهَؤُلَاءِ يَسْتَحِقُّونَ عِوَضَ الْمِثْل عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَعْمَلَ جَمَاعَةً فِي أَنْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ وَيكْتموا خُطُوطَهُم بِالشَّهَادَةِ يَسْتَحِقونَ الْجُعْلَ. وَالصَّوَابُ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ صَحِيحٌ إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُم شَرِكَةٌ، فَأَمَّا إذَا اشْتَرَكُوا فِيمَا يَكْتَسِبُونَهُ بِالشَّهَادَةِ فَهُوَ كَاشْتِرَاكِهِمْ فِيمَا يَكْتَسِبُونَهُ بِسَائِرِ الْجَعَالَاتِ وَالْإِجَارَاتِ. [٣٠/ ٧٣ - ٧٧] ٣٧٩٧ - إذَا اشْتَرَكُوا عَلَى أَنَّ بَعْضَهُم يَعْمَلُ بِبَدَنِهِ كَالْمُضَارِبِ، وَبَعْضَهُم بِمَالِهِ أَو بِمَالِهِ وَبَدَنِهِ وَتَلِفَ الْمَالُ أو بَعْضُهُ مِن غَيْرِ عُدْوَانٍ وَلَا تَفْرِيطِ مِن الْعَامِلِ بِبَدَنِهِ: لَمْ يَكن عَلَيْهِ ضَمَانُ شَيْءٍ مِن الْمَالِ، سَوَاءٌ كَانَت الْمُضَارَبَةُ صَحِيحَةً أَو فَاسِدَةً بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. [٣٠/ ٨٢] ٣٧٩٨ - وَسُئِلَ ﵀: عَن اثْنَيْنِ اشْتَرَكَا: مِن أَحَدِهِمَا دَابَّة وَمِن الْآخَرِ دَرَاهِم، جَعَلَا ذَلِكَ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا قَسَمَ اللهُ تَعَالَى مِن رِبْحٍ كَانَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ رَبِحَا، فَمَا الْحُكْمُ؟ فَأَجَابَ: يُنْظَرُ قِيمَة الْبَهِيمَةِ، فَتَكُونُ هِيَ وَالدَّرَاهِمُ رَأسَ الْمَالِ، وَذَلِكَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا، لِأَنَّ عِنْدَنَا أَنَّ الشَّرِكَةَ وَالْقِسْمَةَ تَصحُّ بِالْأَقْوَالِ، لَا تَفْتَقِرُ إلَى خَلْطِ الْمَالَيْنِ وَلَا إلَى تَمْيِيزِهِمَا، وَيثْبُتُ الْمِلْكُ مُشْتَرَكَا بِعَقْدِ الشَّرِكَةِ، كَمَا يَتَمَيَّزُ بِعَقْدِ الْقِسْمَةِ وَالْمُحَاسَبَةِ، فَمَا رَبِحَا كَانَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا تَقَاسَمَا بِيعَت الدَّاَّبةُ وَاقْتَسَمَا ثَمَنَهَا مَعَ جُمْلَةِ الْمَالِ. [٣٠/ ٩١]

стр. 2581

٣٧٩٩ - إِذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بَيْعَهَا [أي: البَقَرَةٍ الْمُشتركة بينهما]: بِيعَتْ عَلَيْهِمَا وَاقْتَسَمَا الثَّمَنَ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْإِمَامِ أحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَإِذَا كَانَ الشَّرِيكُ يَأْخُذُ اللَّبَنَ وَكَانَ اللَّبَنُ بِقَدْرِ الْعَلَفِ سَوَاءً فَلَا شَيءَ عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ انْتِفَاعُهُ بِهَا أَكثَرَ مِن الْعَلَفِ أَعْطَى شَرِيكَهُ نَصِيبَهُ مِن الْفَضْلِ. [٣٠/ ٩٤] ٣٨٠٠ - مُوجبُ عَقْدِ الشَّرِكَةِ الْمُطْلَقَةِ: التَّسَاوِي فِي الْعَمَلِ وَالْأجْرِ، فَإِنْ عَمِلَ بَعْضُهُم أَكْثَرَ تبَرُّعًا بِالزِّيَادَةِ سَاوَوْهُ فِي الْأجْرِ، وَإِن لَمْ يَكُن مُتَبَرِّعًا طَالَبَهُمْ: إمَّا بِمَا زَادَ فِي الْعَمَلِ، وَإِمَّا بِإِعْطَائِهِ زِيَادَةٌ فِي الْأجْرَةِ بِقَدْرِ عَمَلِهِ، وَإِن اتَّفَقُوا عَلَى أنْ يَشْتَرِطُوا لَهُ زِيَادَةً جَازَ. [٣٠/ ٩٧] ٣٨٠١ - موجب العقد المطلق: التساوي في العمل والأجر. وإن عمل واحد أكثر ولم يتبرع (١): طالبهم إما بما زاده من العمل وإما بإعطائه زيادة في الأجرة بقدر عمله. وإن اتفقوا على أن يشترطوا له زيادة جاز. [المستدرك ٤/ ٤٠] * * * (هل للحاكم منع الناس من التعامل في معاملات يَسُوغُ فِيها الِاجْتِهَادُ؟ ومتى يكون حكم الحاكم رافعًا للخلاف) ٣٨٠٢ - مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ لَيْسَ لِأَحَد مِن الْقُضَاةِ أَنْ يَفْصِلَ النِّزَاعَ فِيهِ بِحُكْم، وَإِذَا لَمْ يَكُن لِأحَد مِن الْقُضَاةِ أَنْ يَقُولَ: حَكَمْت بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الصَّحِيح، وَأَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ مَرْدُود عَلَى قَائِلِهِ؛ بَل الْحَاكِمُ فِيمَا تَنَازَعَ فِيهِ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَو أَجْمَعُوا عَلَيْهِ: قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ آحَادِ الْعُلَمَاءِ إنْ كَانَ عَالِمًا، وَإِن كَانَ مُقَلِّدًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامَّةِ الْمُقَلِّدِينَ.

стр. 2582

وَالْمَنْصِبُ وَالْوِلَايَةُ لَا يَجْعَلُ مَن لَيْسَ عَالِمًا مُجْتَهِدًا عَالِمًا مُجْتَهِدًا. وَلَو كَانَ الْكَلَامُ فِي الْعِلْمِ وَالدّينِ بِالْوِلَايَةِ وَالْمَنْصِبِ: لَكَانَ الْخَلِيفَةُ وَالسُّلْطَانُ أَحَقَ بِالْكَلَامِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَبِانْ يَسْتَفْتيَهُ النَّاسُ ويَرْجِعُوا إلَيْهِ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِم فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ. فَإِذَا كَانَ الْخَلِيفَةُ وَالسُّلْطَانُ لَا يَدَّعِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلَا يَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ بِقَوْل دُونَ قَوْلٍ إلَّا بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ: فَمَن هُوَ دُونَ السُّلْطَانِ فِي الْوِلَايَةِ أَوْلَى بِأَنْ لَا يَتَعَدَّى طُورَهُ. فَكلُّ مَن كَانَ أَعْلَمَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْكَلَامِ فِيهَا مِن غَيْرِهِ وَإِن لَمْ يَكُن حَاكِمًا، وَالْحَاكِمُ لَيْسَ لَهُ فِيهَا كَلَامٌ لِكَوْنِهِ حَاكِمًا؛ بَل إنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ تكَلَّمَ فِيهَا كَآحَادِ الْعُلَمَاءِ. [٢٧/ ٢٩٦ - ٢٩٧] ٣٨٠٣ - وَسُئِلَ ﵀: عَمَّن وَليَ أَمْرًا مِن أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَمَذْهَبُهُ لَا يُجَوِّزُ "شَرِكَةَ الْأبْدَانِ" فَهَل يَجُوزُ لَهُ مَنْعُ النَّاسِ؟ فَأَجَابَ: لَيْسَ لَهُ مَنْعُ النَاسِ مِن مِثْل ذَلِكَ وَلَا مِن نَظَائِرِهِ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَلَيْسَ مَعَهُ بِالْمَنْعِ نَصٌّ مِن كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ، وَلَا مَا هُوَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، لَا سِيَّمَا وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ مِثْل ذَلِكَ، وَهُوَ مِمَّا يَعْمَلُ بِهِ عَامَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي عَامَّةِ الْأمْصَارِ. وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ لَهُ أنْ يَنْقُضَ حُكْمَ غَيْرِهِ فِي مِثْل هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلَا لِلْعَالِمِ وَالْمُفْتِي أَنْ يُلْزِمَ النَّاسَ بِاتِّباعِهِ فِي مِثْل هَذِهِ الْمَسَائِلِ. وَلهَذَا لَمَّا اسْتَشَار الرَّشِيدُ مَالِكًا أنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مُوَطَّئِهِ فِي مِثْل هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَنَعَهُ مِن ذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَفَرَّقُوا فِي الْأمْصَارِ، وَقَد أَخَذَ كُلُّ قَوْمٍ مِن الْعِلْمِ مَا بَلَغَهُمْ. وَصَنَّفَ رَجُلٌ كِتَابًا فِي الِاخْتِلَافِ فَقَالَ أَحْمَد: لَا تُسَمِّهِ "كِتَابَ

стр. 2583

الِاخْتِلَافِ"، وَلَكِنْ سَمِّهِ "كتَابَ السُّنَّةِ" (١). وَلهَذَا كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: إجْمَاعُهُم حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَاخْتِلَافُهُم رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: مَا يَسرُّنِي أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمْ يَخْتَلِفوا، لِأَنَّهُم إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى قَوْلٍ فَخَالَفَهُم رَجُلٌ كَانَ ضَالًا، وَإِذَا اخْتَلَفُوا فَأَخَذَ رَجُلٌ بِقَوْلِ هَذَا وَرَجُلٌ بِقَوْلِ هَذَا كَانَ فِي الْأَمْرِ سَعَةٌ. وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُ مَالِكٍ (٢) مِن الْأَئِمَّةِ: لَيْسَ لِلْفَقِيهِ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى مَذْهَبِهِ. وَلهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُصَنِّفُونَ فِي الأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ مِن أَصْحَاب الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ: إنَّ مِثْل هَذِهِ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ لَا تُنْكَرُ بِالْيَدِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَن يُلْزِمَ النَّاسَ بِاتِّباعِهِ فِيهَا، وَلَكِنْ يَتَكَلَّمُ فِيهَا بِالْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ، فَمَن تبَيَّنَ لَهُ صِحَّةُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ تَبِعَهُ، وَمَن قَلَّدَ أَهْلَ الْقَوْلِ الْآخَرِ فَلَا إنْكَارَ عَلَيْهِ (٣). [٣٠/ ٧٩ - ٨٠] * * *

стр. 2584

(هل يجور أنْ يَشْرِطَ مَعَ الْبَيْعِ عَقْدًا آخر ؟) ٣٨٠٤ - الْجَمْعُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشَّرِكَةِ: لَا يَجُوزُ، وَقَد اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ مَعَ الْبَيْعِ عَقْدًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أَنْ يُقْرِضَهُ، وَكَذَلِكَ لَا

стр. 2585

يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَهُ عَلَى أَنْ يُسَاقِيَهُ، أَو يُشَارِكَهُ عَلَى أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْهُ، وَلَا أَنْ يَبِيعَهُ عَلَى أنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ، وَنَحْو ذَلِكَ. فَقَد صَحَّ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَحِلُّ سَلَف وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك" (١)؛ كَذَلِكَ "نَهَى عَن بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ" (٢). وَذَلِكَ أَنَّه إذَا بَاعَهُ أَو أَجَّرَهُ مَعَ الْقَرْضِ فَإِنَّهُ يُحَابِيهِ فِي ذَلِكَ لِأَجْلِ الْقَرْضِ، وَالْقَرْضُ مُوجَبُهُ رَدُّ الْمِثْل فَقَطْ، فَمَتَى اشْتَرَطَ زِيَادَةً لَمْ تَجُزْ بِالِاتِّفَاقِ. وَكَذَلِكَ الْمُبَايَعَةُ وَالْمُشَارَكَةُ مَبْنَاهَا عَلَى الْعَدَالَةِ مِن الْجَانِبَيْنِ. وَلهَذَا لَا يَجُوزُ أنْ يَشْتَرِطَ اخْتِصَاصَ أَحَدِهِمَا بِرِبْحِ سِلْعَةٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا بِمِقْدَارٍ مِن الرِّبْحِ، وَلَا تَخْصِيصَ أَحَدِهِمَا بِالضَّمَانِ. وَمَتَى بَايَعَهُ عَلَى أَنْ يُشَارِكَهُ فَإِنَّهُ يُحَابِيهِ، إمَّا فِي الشَّرِكَةِ بِأَنْ يَخْتَصّ بِالْعَمَلِ، وَإِمَّا فِي الْبَيْعِ بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَتَخْرُجُ الْعُقُودُ عَن الْعَدْلِ الَّذِي مَبْنَاهَا عَلَيْهِ. وَأَيْضًا: فَفِي اشْتِرَاطِ الْمُشَارَكَةِ إلْزَامُ الْمُشْتَرِي بِتَصَرُّف خَاصٍّ، وَمَنْعُهُ بِمَا يُوجِبُهُ الْعَقْدُ الْمُطْلَقُ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَالْمَالُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ، وَلَو كَانَ شَرِيكًا لَمْ يَكُن لَهُ أَنْ يجْعَلَ الشَّرِيك الْآخَر هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْعُقُودَ والقبوض دُونَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُضَارَبَةِ لَا فِي شَرِكَةِ الْعِنَانِ. وَإِذَا كَانَ الْبَيْعُ فَاسِدًا: لَمْ يَكُن لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ الْمُسَمَّى، لَكنْ إنْ تَعَذَّرَ رَدُّ الْعَيْنِ: رَدَّ الْقِيمَةَ. وَإِن كَانَ قَد عَمِلَ فِيهَا الْمُشْتَرِي الشَّرِيكُ: فَلَهُ رِبْحُ مِثْلِهِ فِي نَصِيبِ

стр. 2586

الشَّرِيكِ؛ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَنَازِعُونَ فِيمَا فَسَدَ مِن الْمُشَارَكَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ إذَا عَمِلَ فِيهَا الْعَامِلُ: هَل يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، أَو يَسْتَحِقُّ قِسْطَ مِثْلِهِ مِن الرِّبْحِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَظْهُرُهُمَا الثَّانِي. وَالْعِوَضُ فِي الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ هُوَ نَظِيرُ مَا يَجِبُ فِي الصَّحِيحِ عُرْفًا وَعَادَةً. وَبِكُلِّ حَالٍ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الزِّيَادَةِ الَّتِي زِيدَتْ عَلَى قِيمَةِ الْمِثْل - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - بِالِاتِّفَاقِ. [٣٠/ ٨٣ - ٨٦] * * * (المضاربة) ٣٨٠٥ - تَنْفَسِخُ الْمُضَارَبَةُ بِمَوْتِ الْمَالِكِ، ثُمَّ إذَا عَلِمَ الْعَامِلُ بِمَوْتِهِ وَتَصَرَّفَ بِلَا إذْن الْمَالِكِ لَفْظًا أَو عُرْفًا وَلَا وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ: فَهُوَ غَاصِبٌ. وَقَد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرِّبْحِ الْحَاصِلِ فِي هَذَا: هَل هُوَ لِلْمَالِكِ فَقَطْ كَنَمَاءِ الْأَعْيَانِ؟ أَو لِلْعَامِلِ فَقَطْ لِأَنَّ عَلَيْهِ الضَّمَانَ؟ أَو يَتَصَدَّقَانِ بِهِ لِأَنَّهُ رِبْحٌ خَبِيثٌ؟ أَو يَكُونُ بَيْنَهُمَا؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا الرَّابِعُ، وَهُوَ إنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا، كَمَا يَجْرِي بِهِ الْعُرْفُ فِي مِثْل ذَلِكَ، وَبِهَذَا حَكَمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِيمَا أَخَذَهُ بَنُوهُ مِن مَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَاتَّجَرُوا فِيهِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَجَعَلَة مُضَارَبَةً، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الْفُقَهَاءُ فِي "بَابِ الْمُضَارَبَةِ"؛ لِأَنَّ الرَّبْحَ نَمَاءٌ حَاصِلٌ مِن مَنْفَعَةِ بَدَنِ هَذَا وَمَالِ هَذَا، فَكَانَ بَيْنَهُمَا كَسَائِرِ النَّمَاءِ الْحَادِثِ مِن أَصْلَيْنِ. [٣٠/ ٨٧] ٣٨٠٦ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ دَفَعَ لِرَجُل مَالًا عَلَى سَبِيلِ الْقِرَاضِ (١)، ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْمَدْفُوعِ لَهُ الْمَالُ دَيْنٌ بِتَارِيخٍ مُتَقَدَّمٍ عَلَى الْقِرَاضِ (٢)، فَهَل يَجُوز لَهُ أَنْ يُعْطِيَ لِأَرْبَابِ الدَّيْنِ شَيْئًا مِن هَذَا الْمَالِ؟

стр. 2587

فَأجَابَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُوَفِّيَ مِن مَالِ هَذَا الْقِرَاضِ شَيْئًا مِن الدَّيْنِ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الْعَامِلِ إلَّا أَنْ يَخْتَارَ رَبُّ الْمَالِ. [٣٠/ ٨٨ - ٨٩] ٣٨٠٧ - وَسُئِلَ ﵀: هَل يَجُوزُ لِلْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ مِن مَالِ الْمُقَارِضِ (١) حَضَرًا أَو سَفَرًا؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ فِي النَّفَقَةِ جَازَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ هُنَاكَ عُرْفٌ وَعَادَةٌ مَعْرُوفَة بَيْنَهُم وَأَطْلَقَ الْعَقْدَ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى تِلْكَ الْعَادَةِ. وَأَمَّا بِدُونِ ذَلِكَ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوز. وَمِن الْعُلَمَاءِ مَن يَقُولُ: لَهُ النَّفَقَةُ مُطْلَقًا وَإِن لَمْ يَشْتَرِطْ كَمَا يَقُولُهُ أبُو حَنيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعيِّ فِي قَوْلٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنْ لَا نَفَقَةَ بِحَالٍ وَلَو شَرَطَهَا (٢). وَحَيْثُ كَانَت لَهُ النَّفَقَةُ فَلَيْسَ لَهُ النَّفَقَةُ إلاَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَأَمَّا الْبَسْطُ الْخَارجُ عَن الْمَعْرُوفِ فَيَكُونُ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ. [٣٠/ ٩٠] * * * (بَابُ الْمُسَاقَاةِ والْمُزَارَعَةَ) ٣٨٠٨ - فَصْلٌ: قَد ذَكَرْت فِيمَا تَقَدَّمَ مِن الْقَوَاعِدِ: أَنَّ "الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ وَالْمُضَارَبَةَ" وَنَحْو ذَلِكَ: نَوْعٌ مِن الْمُشَارَكَاتِ، وَبَيَّنْت بَعْضَ مَا دَخَلَ مِن الْغَلَطِ عَلَى مَن اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ مِن الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، حَتَّى حَكَّمَ فِيهَا أَحْكَام الْمُعَاوَضَاتِ، وَبَيَّنْت جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ بِبَذْر مِن الْمَالِكِ أَو مِن الْعَامِلِ كَمَا جَاءَت بِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ. فَإِنْ تَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا بِهَدِيَّة إلَى الْآخَرِ؛ مِثْل أَنْ يُهْدِيَ الْعَامِلُ فِي الْمُضَارَبَةِ

стр. 2588

إلَى الْمَالِكِ شَيْئًا، أَو يُهْدِيَ الْفَلَّاحُ غَنَمًا أَو دَجَاجًا أَو غَيْرَ ذَلِكَ: فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ إهْدَاءِ الْمُقْتَرِضِ مِن الْمُقْرِضِ، يُخَيَّرُ الْمَالِكُ فِيهَا: أ - بَيْنَ الرَّدِّ. ب - وَبَيْنَ الْقَبُولِ وَالْمُكَافَأَةِ عَلَيْهَا بِالْمَثَلِ. ج - وَبَيْنَ أَنْ يَحْسِبَهَا لَهُ مِن نَصِيبِهِ مِن الرِّبْحِ إذَا تَقَاسَمَا كَمَا يَحْسِبُهُ مِن أَصْلِ الْقَرْضِ. وَلَو قَالَ لَهُ وَقْتَ الْقَرْض: أَنَا أُعْطِيك مِثْلَهُ وَهَذِهِ الْهَدِيَّةَ: لَمْ يَجُزْ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِذَا أَعْطَاهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ الْهَدِيَّةَ الَّتِي هِيَ مِن أَجْلِ الْقَرْضِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَهُ مَعَهَا مِثْل الْقَرْضِ كَانَ ذَلِكَ مُعَاقَدَةً عَلَى أَخْذِ أَكْثَر مِن الْأَصْلِ. وَلهَذَا لَو أَهْدَى إلَيْهِ عَلَى الْعَادَةِ الْجَارِيةِ بَيْنَهُمَا قَبْلَ الْقَرْضِ لَمْ يَكُن كَذَلِكَ. وَهَكَذَا الْأَمْرُ فِي الْمُشَارَكَةِ: فَإِنَّهُ إذَا قَبِلَ هَدِيَّةَ الْعَامِلِ وَنَفْعَهُ الَّذِي إنَّمَا بَذَلَهُ لِأَجْلِ الْمُضَارَبَةِ وَالْمُزَارَعَةِ بِلَا عِوَضٍ مَعَ اشْتِرَاطِهِ النَّصِيبَ مِن الرِّبْحِ: كَانَ هَذَا الْقَبُولُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مُعَاقَدَةً عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مَعَ النَّصِيبِ الشَّائِعِ شَيْئًا غَيْرَهُ؛ بِمَنْزِلَةِ زَرْعِ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ، وَقَد لَا يَحْصُلُ رِبْحٌ فَيَكُونُ الْعَامِلُ مَقْهُورًا مَظْلُومًا؛ وَلهَذَا يَطْلُبُ الْعَامِلُ بَدَلَ هَدِيَّتِهِ وَيَحْتَسِبُ بِهَا عَلَى الْمَالِكِ، فَإِنْ لَمْ يُعَوِّضْهُ عَنْهَا وَإِلَّا خَانَهُ فِي الْمَالِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "أفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى إلَيْهِ أَمْ لَا؟ " (١): يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْمَعَانِيَ جَمِيعَهَا؛ فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ إذَا كَانَت لِأَجْلِ سَبَبٍ مِن الْأَسْبَابِ كَانَت مَقْبُوضَةً بِحُكْمِ ذَلِكَ السَّبَبِ كَسَائِرِ الْمَقْبُوضِ بِهِ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ الْعُرْفِيَّ كَالْعِقْدِ اللَّفْظِيِّ.

стр. 2589

وَمَن أُهْدِيَ لَهُ لِأَجْلِ قَرْضٍ أَو إقْرَاضٍ: كَانَت الْهَدِيَّةُ كَالْمَالِ الْمَقْبُوضِ بِعَقْدِ الْقَرْضِ وَالْقِرَاضِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ عَنْهَا مُكَافَأةٌ. وَهَذَا أصْلٌ عَظِيمٌ يَدْخُلُ بِسَبَبِ إهْمَالِهِ مِن الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ شَيءٌ عَظِيمٌ. فَصْلٌ وَكَمَا قُلْنَا فِي الْمَقْبُوضِ: إنَّهُ قَبْلَ الْوَفَاءِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْه مَالًا وَلَا نَفْعًا قَبْلَ الْوَفَاءِ بِغَيْرِ عِوَضٍ مِثْلِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِن الرِّبَا، فَالْإِهْدَاءُ وَالْإِعَارَةُ مِن نَوْعٍ، فَكَذَلِكَ فِي الْمُضَارَبَةِ وَالْمُزَارَعَةِ، مَتَى أَخَذَ رَبُّ الْمَالِ مَالًا أَو نَفْعًا قَبْلَ الِاقْتِسَامِ التَّامِّ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِعِوَضِ مِثْلِهِ؛ مِثْل اسْتِخْدَامِ الْعَامِلِ وَالْفَلَّاحِ فِي غَيْرِ مُوجَبِ عَقْدِ الْمُشَارَكَة، أَو الِانْتِفَاعِ بِمَالِهِ، أَو غَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَحْتَسِبَ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ. [٣٠/ ١٠٣ - ١٠٩] ٣٨٠٩ - وَأَمَّا الْمُزَارَعَةُ: فَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِن الْعَامِلِ أَو مِن رَبِّ الْأَرْضِ، أَو كَانَ مِن شَخْص أَرْضٌ وَمِن آخَرَ بَذْرٌ وَمِن ثَالِثٍ الْعَمَلُ: فَفِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد، وَالصَّوابُ أَنَّهَا تَصِحُّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. وَأمَّا إذَا كانَ الْبَذْرُ مِن الْعَامِلِ: فَهُوَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِمَّا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِن الْمَالِكِ؛ فَإِنَّ النَّبِي ﷺ عَامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ يعمرُوهَا مِن أَمْوَالِهِمْ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِن ثَمَرِ وَزَرْع. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ (١). وَقِصَّةُ أَهْلِ خَيْبَرَ هِيَ الْأصْلُ فِي جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ، وإِنَّمَا كَانُوا يَبْذُرُونَ مِن أَمْوَالِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُ مَن فَرَّقَ بَيْنَ الْمُزَارَعَةِ وَالْإِجَارَةِ بِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ لَازِمٌ بِخِلَافِ الْمُزَارَعَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَمْنُوعٌ؛ بَل إذَا زَارَعَهُ حَوْلًا بِعَيْنِهِ فَالْمُزَارَعَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ، كَمَا تَلْزَمُ إذَا كَانَت بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ، وَالْإِجَارَةُ قَد لَا تَكُونُ لَازِمَةً، كَمَا إذَا

стр. 2590

قَالَ: آجَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمَيْنِ؛ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَكُلَّمَا دَخَلَ شَهْرٌ فَلَهُ فَسْخُ الْإِجَارَةِ. وَالْجَعَالَةُ فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ وَلَيْسَتْ عَقْدًا لَازِمًا. [٣٠/ ١١٠ - ١١٥] فَالْعَقْدُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَا وَقْتَ لَهُ لَا يَكُونُ لَازِمًا، وَأَمَّا الْمُؤَقَّتُ فَقَد يَكونُ لَازِمًا. ٣٨١٠ - إجَارَةُ الْأَرْضِ بِجِنْسِ الطَّعَامِ الْخَارج مِنْهَا؛ كَإجَارَةِ الْأَرْضِ لِمَن يَزْرَعُهَا حِنْطَةً أَو شَعِيرًا بِمِقْدَار مُعَيَّنٍ مِن الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ: جَائِزٌ فِي أظْهَرِ الرّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَفِي الْأُخْرَى: يُنْهَى عَنْهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ هُوَ الِانْتِفَاعُ بِالْأَرْضِ؛ وَلهَذَا إذَا تَمَكَّنَ مِن الزَّرْعِ وَلَمْ يَزْرَعْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ، وَالطَّعَامُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِعَمَلِهِ وَبَذْرِهِ، وَبَذْرُهُ لَمْ يُعْطِهِ إيَّاهُ الْمُؤَجِّرُ، فَلَيْسَ هَذَا مِن الرِّبَا فِي شَيْءٍ. وَنَظِيرُ هَذَا: أَنْ يَسْتَأْجِرَ قَوْمًا لِيَسْتَخْرِجُوا لَهُ مَعْدِنَ ذَهَبٍ أَو فِضَّةٍ، أَو رِكَازًا مِن الْأَرْضِ بِدَرَاهِمَ أَو دَنَانِيرَ، فَلَيْسَ هَذَا كَبَيْعِ الدَّرَاهِمِ بِدَرَاهِمَ، وَكَذَلِكَ مَن اسْتَأْجَرَ مَن يَشُقُّ الْأَرْضَ ويبْذُرُ فِيهَا ويسْقِيهَا بِطَعَام مِن عِنْدِهِ، وَقَد اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَبْذُرَ لَهُ طَعَامًا، فَهَذَا مِثْلُ ذَلِكَ. وَالْمُخَابَرَةُ الَّتِي نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ ﷺ قَد فَسَّرَهَا رَافِعٌ رَاوِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهَا الْمُزَارَعَةُ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا لِرَبِّ الْأَرْضِ زَرْعُ بُقْعَةٍ بِعَيْنِهَا. [٣٠/ ١١٥ - ١١٦] ٣٨١١ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُل اسْتَأْجَرَ أَرضًا بِجُزْء مِن زَرْعِهَا وَتَسَلَّمَهَا وَلَمْ يَزْرَعْهَا، فَهَل لِلْمَالِكِ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ؟ فَأَجَابَ: هَذِهِ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّتِهَا، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا صِحَّتُهَا. وَإِذَا كَانَت صَحِيحَةً: ضُمِنَتْ بِالْمُسَمَّى الصَّحِيحِ، وَهُنَا لَيْسَ هُوَ فِي

стр. 2591

الذِّمَّةِ، فَيُنْظَرُ إلَى مُعَدَّلِ الْمُغَلِّ فَيَجِبُ الْقِسْطُ الْمُسَمَّى فِيهِ (١). [٣٠/ ١٢٢ - ١٢٣] ٣٨١٢ - وَسُئِلَ ﵀: عَمَّن رَابَعَ رَجُلًا، صورَتُهَا: أَنَّ الْأَرْضَ لِوَاحِد، وَمِن آخَرَ الْبَقَرُ وَالْبَذْرُ، وَمِن الْمُرَاجِ الْعَمَلُ، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ النِّصْفَ، وَلهَذَيْنِ النِّصْفُ، لِلْمُرَاجِ رُبُعُهُ، فَبَقِيَ فِي الْأَرْضِ فَمَا نَبَتَ، وَنَبَتَ فِي الْعَامِ الثَّانِي مِن غَيْرِ عَمَلٍ؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَ هَذَا مِن الْأَرْضِ وَمِن الْحَبِّ الْمُشْتَرَكِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فَقَطْ. والثَّانِي: يُقَسَّمُ بَيْنَهُم عَلَى قَدْرِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَالْحَبِّ، وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ. [٣٠/ ١٢٥] ٣٨١٣ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ غَرَسَ غِرَاسًا فِي أَرْضٍ بِإِذْنِ مَالِكِهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ مَالِكُهَا عَنْهَا وَخَلَّفَ وَرَثَةً، فَوَقَفُوا الْأَرْضَ عَلَى مُعَيَّنِينَ، فَتَشَاجَرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِم وَصَاحِبُ الْغِرَاسِ عَلَى الْأُجْرَةِ، فَمَاذَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الْأَرْضِ؟ فَأجَابَ: إذَا كَانَ الْغِرَاسُ قَد غُرِسَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ بِإِعَارَة أَو بِإِجَارَة وَانْقَضَتْ مُدَّتُهُ، أَو كَانَت مُطْلَقَةً: فَعَلَى صَاحِبِ الْغِرَاسِ أُجْرَةُ. الْمِثْلِ، تُقَوَّمُ الْأَرْضُ بَيْضَاءَ لَا غِوَاسَ فِيها، ثُمَّ تُقَوَّمُ وَفِيهَا ذَلِكَ الْغِرَاسُ، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. [٣٠/ ١٢٦ - ١٢٧] ٣٨١٤ - ذَهَبَ قَوْمٌ مِن الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ حَرَامٌ بَاطِلٌ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا نوْعٌ مِن الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهَا عَمَلٌ بِعِوَض، وَالْإِجَارَةُ لَا بُدَّ أَنْ يَكونَ الْأَجْرُ فِيهَا مَعْلُومًا لِأَنَّهَا كَالثَّمَنِ.

стр. 2592

وَالْعِوَضُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّهُ قَد يَخْرُجُ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ قَلِيلاً، وَقَد يَخْرُجُ كَثِيرًا، وَقَد يَخْرُجُ عَلَى صِفَاتٍ نَاقِصَةٍ، وَقَد لَا يَخْرُجُ، فَإِنْ مَنعَ اللهُ الثَّمَرَةَ كَانَ اسْتِيفَاءُ عَمَلِ الْعَامِلِ بَاطِلًا. وَذَهَبَ جَمِيعُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ الْجَامِعُونَ لِطُرُقِهِ كُلُّهُم -كَأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابِهِ كُلِّهِمْ مِن الْمُتَقَدِّمِينَ والمتأخرين، وإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه. وَأَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْكُوفِيِّينَ؛ كَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَالْبُخَارِيّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ، وَأَبِي دَاوُد وَجَمَاهِيرِ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ مِن الْمُتَأخِّرِينَ؛ كَابْنِ الْمُنْذِرِ وَابْنِ خُزَيْمَة وَالْخَطَّابِيّ وَغَيْرِهِمْ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ - إلَى جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُؤَاجَرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ اتِّباعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَّةِ خُلَفَائِهِ وَأصْحَابِهِ وَمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَعَمَلُ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ. فَمِن ذَلِكَ: مُعَامَلَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِ خَيْبَرَ هُوَ وَخُلَفَاؤُة مِن بَعْدِهِ إلَى أَنْ أَجْلَاهُم عُمَرُ، فَعَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "عَامَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِن ثَمَرٍ أَو زَرْعٍ". أَخْرَجَاهُ (١). وَأَخْرَجَا (٢) أَيْضًا عَن ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا ويزْرَعُوهَا وَلَهُم شَطْرُ مَا خَرَجَ مِنْهَا". قَالَ الْبُخَارِيُّ (٣) فِي "صَحِيحِهِ": وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَن أبِي جَعْفَرٍ - يَعْني: الْبَاقِرَ-: "مَا بِالْمَدِينَةِ دَارُ هِجْرَةٍ إلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ". قَالَ: "وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِين، وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِن عِنْده فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِن جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُم كَذَا".

стр. 2593

وَهَذِهِ الْآثَارُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ قَد رَوَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الْمُصَنِّفِينَ فِي الْآثَارِ. فَإِذَا كَانَ جَمِيعُ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا يُزَارِعُونَ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَأَكَابِرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِن غَيْرِ أَنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ مُنْكِرٌ: لَمْ يَكُن إجْمَاعٌ أَعْظَمَ مِن هَذَا؛ بَل إنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا إجْمَاعٌ فَهُوَ هَذَا (١). وَقَد تَأَوَّلَ مَن أَبْطَلَ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُسَاقَاةَ ذَلِكَ بِتأْوِيلَاتٍ مَرْدُودَةٍ. ومَعْلُومٌ قَطْعًا: أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ وَنَحْوَهُمَا مِن جِنْسِ الْمُشَارَكَةِ، لَيْسَا مَن جَنْسِ الْمُعَاوَضَةِ الْمَحْضَةِ، وَالْغَرَرُ إنَّمَا حَرُمَ بَيْعُهُ فِي الْمُعَاوَضَةِ لِأنَّهُ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، وَهُنَا لَا يَأْكُلُ أَحَدُهُمَا مَالَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْبُت الزَّرْعُ فَإِنَّ رَبَّ الْأَرْضِ لَمْ يَأخُذْ مَنْفَعَةَ الْآخَرِ؛ إذ هُوَ لَمْ يَسْتَوْفِهَا وَلَا مَلَكَهَا بِالْعَقْدِ وَلَا هِيَ مَقْصُودَةٌ؛ بَل ذَهَبَتْ مَنْفَعَةُ بَدَنِهِ كمَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَةُ أَرْضِ هَذَا. وَرَبُّ الْأَرْضِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَيءٌ حَتَّى يَكُونَ قَد أَخَذَهُ، وَالْآخَرُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا. بِخِلَافِ بُيُوعِ الْغَرَرِ وإِجَارةِ الْغَرَرِ؛ فَإِنَّ أَحَدَ الْمُتَعَاوِضَيْنِ يَأْخُذُ شَيْئًا، وَالْآخَرُ يَبْقَى تَحْتَ الْخَطَرِ، فَيُفْضِي إلَى نَدَمِ أَحَدِهِمَا وَخُصُومَتِهِمَا. وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ فِي هَذِهِ الْمُشَارَكَاتِ الَّتِي مَبْنَاهَا عَلَى الْمُعَادَلَةِ الْمَحْضَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ظُلْمٌ أَلْبَتَّةَ لَا فِي غَرَرٍ وَلَا فِي غَيْرِ غَرَرٍ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَن كانَت لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَو لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ وَإِلَّا فَلْيُمْسِكْهَا" (٢) أَمَر إذَا لَمْ يَفْعَلْ وَاحِدًا مِن الزَّرْعِ وَالْمَنِيحَةِ أَنْ يُمْسِكَهَا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِن الْمُؤَاجَرَةِ وَمِن الْمُزَارَعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 2594

فَيُقَالُ: الْأَمْرُ بِهَذَا أَمْرُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ لَا أَمْرُ إيجَابٍ، أَو كَانَ أَمْرَ إيجَاب فِي الِابْتِدَاءِ لِيَنْزَجِرُوا عَمَّا اعْتَادُوهُ مِن الْكِرَاءِ الْفَاسِدِ. [٢٩/ ٨٨ - ١١٣] ٣٨١٥ - الْعَمَلُ فِي بِلَادِ الشَّامِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ كَمَا مَضَتْ بِذلِكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِن الْمَالِكِ أَو مِن الْعَامِلِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِن ثَمَرٍ وَزَرْعٍ عَلَى أَنْ يَعْمُرُوهَا مِن أَمْوَالِهِمْ، فَكَانَ الْبَذْرُ مِن عِنْدِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي عَامَّةِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي زَمَنِ نَبِيِّهِمْ وَإِلَى الْيَوْمِ. [٢٥/ ٥٣] ٣٨١٦ - نَقَلَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَنَّ الْمُخَابَرَةَ هِيَ الْمُزَارَعَةُ، وَالِاشْتِقَاقُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. [٢٩/ ١١٧] ٣٨١٧ - اَلَّذِينَ جَوَّزُوا الْمُزَارَعَةَ مِنْهُم مَنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ، وَقَالُوا: هَذه هِيَ الْمُزَارَعَةُ، فَاَمَّا إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ لَمْ يَجُزْ. وَجَوَازُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ مُطْلَقًا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَتَوَجَّهُ غَيْر أَثَرًا وَنَظَرًا. [٢٩/ ١١٧ - ١١٩] ٣٨١٨ - لو دفع أرضه إلى آخر يغرسها بجزء من الغراس: صح كالمزارعة. [المستدرك ٤/ ٤٢] ٣٨١٩ - لو كانت الأرض مغروسة فعامله بجزء من غراسها صح. ولا فرق بين أن يكون الغارس ناظر وقف أو غيره. ولا يجوز لناظرٍ بعده بيع نصيب الوقف من الشجر بدون حاجة. وللحاكم الحكم بلزومها في محل النزاع فقط، والحكم له من جهة عوض المثل ولو لم تقم به بينة لأنه الأصل. ويجوز للإنسان أن يتصرف فيما في يده بوقف وغيره حتى تقوم حجة شرعية بأنه ليس ملكًا له؛ لكن لا يحكم بالوقف حتى يثبت الملك. [المستدرك ٤/ ٤٢]

стр. 2595

٣٨٢٠ - إن غارسه على أن رب الأرض تكون له دراهم مسماة إلى حين إثمار الشجر فإذا أثمر كانا شريكين في الثمر: قال أبو العباس: فهذه لا أعرفها منقولة. فقد يقال: هذا لا يجوز، كما لو اشترط في المزراعة والمساقاة دراهم مقدرة، مع نصيبه من الزرع والثمر، فإن هذا لا يجوز بلا نزاع، كما لو اشترط شيئًا مقدرًا؛ فإنه قد لا يحصل إلا ذلك المشروط فيبقى الآخر لا شيء له؛ لكن الأظهر أن هذا ليس بمحرم. [المستدرك ٤/ ٤٢] ٣٨٢١ - إذا ترك العامل العمل حتى فسد الثمر: فينبغي أن يجب عليه نصيب المالك، وينظر كم يجيء لو عمل بطريق الاجتهاد، كما يضمن لو يبس الشجر. وهذا لأن تركه العمل من غير فسخ العقد حرام وغرر، وهو سبب في عدم هذا الثمر، فيكون كما لو تلفت الثمرة تحت اليد العادية؛ كالضمان بالتسبب في الإتلاف، لا سيما إذا انضم إليه اليد العادية. [المستدرك ٤/ ٤٣] ٣٨٢٢ - العامل في المزارعة إذا ترك العمل فقد استولى على الأرض وفوت نفعها: فينبغي [أنْ] (١) يضمن ضمان إتلاف أو ضمان إتلاف ويد. لكن هل يضمن أجرة المثل أو يضمن ما جرت به العادة مثل تلك الأرض؟ مثل أن يكون الزرع في مثلها معروفًا فيقاس بمثلها. وأما على ما ذكره أصحابنا فينبغي أن يضمن بأجرة المثل. والأصوب والأقيس بالمذهب (٢): أن يضمن بمثل ما يثبت.
следующие страницы →