← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

الذِّمَّةِ، فَيُنْظَرُ إلَى مُعَدَّلِ الْمُغَلِّ فَيَجِبُ الْقِسْطُ الْمُسَمَّى فِيهِ (١). [٣٠/ ١٢٢ - ١٢٣] ٣٨١٢ - وَسُئِلَ ﵀: عَمَّن رَابَعَ رَجُلًا، صورَتُهَا: أَنَّ الْأَرْضَ لِوَاحِد، وَمِن آخَرَ الْبَقَرُ وَالْبَذْرُ، وَمِن الْمُرَاجِ الْعَمَلُ، عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ النِّصْفَ، وَلهَذَيْنِ النِّصْفُ، لِلْمُرَاجِ رُبُعُهُ، فَبَقِيَ فِي الْأَرْضِ فَمَا نَبَتَ، وَنَبَتَ فِي الْعَامِ الثَّانِي مِن غَيْرِ عَمَلٍ؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَ هَذَا مِن الْأَرْضِ وَمِن الْحَبِّ الْمُشْتَرَكِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ فَقَطْ. والثَّانِي: يُقَسَّمُ بَيْنَهُم عَلَى قَدْرِ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَالْحَبِّ، وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ. [٣٠/ ١٢٥] ٣٨١٣ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ غَرَسَ غِرَاسًا فِي أَرْضٍ بِإِذْنِ مَالِكِهَا، ثُمَّ تُوُفِّيَ مَالِكُهَا عَنْهَا وَخَلَّفَ وَرَثَةً، فَوَقَفُوا الْأَرْضَ عَلَى مُعَيَّنِينَ، فَتَشَاجَرَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِم وَصَاحِبُ الْغِرَاسِ عَلَى الْأُجْرَةِ، فَمَاذَا يَلْزَمُ صَاحِبَ الْأَرْضِ؟ فَأجَابَ: إذَا كَانَ الْغِرَاسُ قَد غُرِسَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ بِإِعَارَة أَو بِإِجَارَة وَانْقَضَتْ مُدَّتُهُ، أَو كَانَت مُطْلَقَةً: فَعَلَى صَاحِبِ الْغِرَاسِ أُجْرَةُ. الْمِثْلِ، تُقَوَّمُ الْأَرْضُ بَيْضَاءَ لَا غِوَاسَ فِيها، ثُمَّ تُقَوَّمُ وَفِيهَا ذَلِكَ الْغِرَاسُ، فَمَا بَلَغَ فَهُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. [٣٠/ ١٢٦ - ١٢٧] ٣٨١٤ - ذَهَبَ قَوْمٌ مِن الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ حَرَامٌ بَاطِلٌ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا نوْعٌ مِن الْإِجَارَةِ؛ لِأَنَّهَا عَمَلٌ بِعِوَض، وَالْإِجَارَةُ لَا بُدَّ أَنْ يَكونَ الْأَجْرُ فِيهَا مَعْلُومًا لِأَنَّهَا كَالثَّمَنِ.

стр. 2592

وَالْعِوَضُ فِي الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ مَجْهُولٌ؛ لِأَنَّهُ قَد يَخْرُجُ الزَّرْعُ وَالثَّمَرُ قَلِيلاً، وَقَد يَخْرُجُ كَثِيرًا، وَقَد يَخْرُجُ عَلَى صِفَاتٍ نَاقِصَةٍ، وَقَد لَا يَخْرُجُ، فَإِنْ مَنعَ اللهُ الثَّمَرَةَ كَانَ اسْتِيفَاءُ عَمَلِ الْعَامِلِ بَاطِلًا. وَذَهَبَ جَمِيعُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ الْجَامِعُونَ لِطُرُقِهِ كُلُّهُم -كَأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابِهِ كُلِّهِمْ مِن الْمُتَقَدِّمِينَ والمتأخرين، وإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه. وَأَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْكُوفِيِّينَ؛ كَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَالْبُخَارِيّ صَاحِبِ الصَّحِيحِ، وَأَبِي دَاوُد وَجَمَاهِيرِ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ مِن الْمُتَأخِّرِينَ؛ كَابْنِ الْمُنْذِرِ وَابْنِ خُزَيْمَة وَالْخَطَّابِيّ وَغَيْرِهِمْ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ - إلَى جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُؤَاجَرَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ اتِّباعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَّةِ خُلَفَائِهِ وَأصْحَابِهِ وَمَا عَلَيْهِ السَّلَفُ وَعَمَلُ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ. فَمِن ذَلِكَ: مُعَامَلَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِ خَيْبَرَ هُوَ وَخُلَفَاؤُة مِن بَعْدِهِ إلَى أَنْ أَجْلَاهُم عُمَرُ، فَعَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "عَامَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِن ثَمَرٍ أَو زَرْعٍ". أَخْرَجَاهُ (١). وَأَخْرَجَا (٢) أَيْضًا عَن ابْنِ عُمَرَ "أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا ويزْرَعُوهَا وَلَهُم شَطْرُ مَا خَرَجَ مِنْهَا". قَالَ الْبُخَارِيُّ (٣) فِي "صَحِيحِهِ": وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عَن أبِي جَعْفَرٍ - يَعْني: الْبَاقِرَ-: "مَا بِالْمَدِينَةِ دَارُ هِجْرَةٍ إلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ". قَالَ: "وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِين، وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أَنَّهُ إنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِن عِنْده فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِن جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُم كَذَا".

стр. 2593

وَهَذِهِ الْآثَارُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ قَد رَوَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِن الْمُصَنِّفِينَ فِي الْآثَارِ. فَإِذَا كَانَ جَمِيعُ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا يُزَارِعُونَ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَأَكَابِرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِن غَيْرِ أَنْ يُنْكِرَ ذَلِكَ مُنْكِرٌ: لَمْ يَكُن إجْمَاعٌ أَعْظَمَ مِن هَذَا؛ بَل إنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا إجْمَاعٌ فَهُوَ هَذَا (١). وَقَد تَأَوَّلَ مَن أَبْطَلَ الْمُزَارَعَةَ وَالْمُسَاقَاةَ ذَلِكَ بِتأْوِيلَاتٍ مَرْدُودَةٍ. ومَعْلُومٌ قَطْعًا: أَنَّ الْمُسَاقَاةَ وَالْمُزَارَعَةَ وَنَحْوَهُمَا مِن جِنْسِ الْمُشَارَكَةِ، لَيْسَا مَن جَنْسِ الْمُعَاوَضَةِ الْمَحْضَةِ، وَالْغَرَرُ إنَّمَا حَرُمَ بَيْعُهُ فِي الْمُعَاوَضَةِ لِأنَّهُ أَكْلُ مَالٍ بِالْبَاطِلِ، وَهُنَا لَا يَأْكُلُ أَحَدُهُمَا مَالَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَنْبُت الزَّرْعُ فَإِنَّ رَبَّ الْأَرْضِ لَمْ يَأخُذْ مَنْفَعَةَ الْآخَرِ؛ إذ هُوَ لَمْ يَسْتَوْفِهَا وَلَا مَلَكَهَا بِالْعَقْدِ وَلَا هِيَ مَقْصُودَةٌ؛ بَل ذَهَبَتْ مَنْفَعَةُ بَدَنِهِ كمَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَةُ أَرْضِ هَذَا. وَرَبُّ الْأَرْضِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ شَيءٌ حَتَّى يَكُونَ قَد أَخَذَهُ، وَالْآخَرُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا. بِخِلَافِ بُيُوعِ الْغَرَرِ وإِجَارةِ الْغَرَرِ؛ فَإِنَّ أَحَدَ الْمُتَعَاوِضَيْنِ يَأْخُذُ شَيْئًا، وَالْآخَرُ يَبْقَى تَحْتَ الْخَطَرِ، فَيُفْضِي إلَى نَدَمِ أَحَدِهِمَا وَخُصُومَتِهِمَا. وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ فِي هَذِهِ الْمُشَارَكَاتِ الَّتِي مَبْنَاهَا عَلَى الْمُعَادَلَةِ الْمَحْضَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ظُلْمٌ أَلْبَتَّةَ لَا فِي غَرَرٍ وَلَا فِي غَيْرِ غَرَرٍ. بَقِيَ أَنْ يُقَالَ: فَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَن كانَت لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَو لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ وَإِلَّا فَلْيُمْسِكْهَا" (٢) أَمَر إذَا لَمْ يَفْعَلْ وَاحِدًا مِن الزَّرْعِ وَالْمَنِيحَةِ أَنْ يُمْسِكَهَا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِن الْمُؤَاجَرَةِ وَمِن الْمُزَارَعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.

стр. 2594

فَيُقَالُ: الْأَمْرُ بِهَذَا أَمْرُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ لَا أَمْرُ إيجَابٍ، أَو كَانَ أَمْرَ إيجَاب فِي الِابْتِدَاءِ لِيَنْزَجِرُوا عَمَّا اعْتَادُوهُ مِن الْكِرَاءِ الْفَاسِدِ. [٢٩/ ٨٨ - ١١٣] ٣٨١٥ - الْعَمَلُ فِي بِلَادِ الشَّامِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ كَمَا مَضَتْ بِذلِكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسُنَّةُ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِن الْمَالِكِ أَو مِن الْعَامِلِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِن ثَمَرٍ وَزَرْعٍ عَلَى أَنْ يَعْمُرُوهَا مِن أَمْوَالِهِمْ، فَكَانَ الْبَذْرُ مِن عِنْدِهِمْ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ فِي عَامَّةِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ فِي زَمَنِ نَبِيِّهِمْ وَإِلَى الْيَوْمِ. [٢٥/ ٥٣] ٣٨١٦ - نَقَلَ أَهْلُ اللُّغَةِ: أَنَّ الْمُخَابَرَةَ هِيَ الْمُزَارَعَةُ، وَالِاشْتِقَاقُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. [٢٩/ ١١٧] ٣٨١٧ - اَلَّذِينَ جَوَّزُوا الْمُزَارَعَةَ مِنْهُم مَنِ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنَ الْمَالِكِ، وَقَالُوا: هَذه هِيَ الْمُزَارَعَةُ، فَاَمَّا إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنَ الْعَامِلِ لَمْ يَجُزْ. وَجَوَازُ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ مُطْلَقًا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَتَوَجَّهُ غَيْر أَثَرًا وَنَظَرًا. [٢٩/ ١١٧ - ١١٩] ٣٨١٨ - لو دفع أرضه إلى آخر يغرسها بجزء من الغراس: صح كالمزارعة. [المستدرك ٤/ ٤٢] ٣٨١٩ - لو كانت الأرض مغروسة فعامله بجزء من غراسها صح. ولا فرق بين أن يكون الغارس ناظر وقف أو غيره. ولا يجوز لناظرٍ بعده بيع نصيب الوقف من الشجر بدون حاجة. وللحاكم الحكم بلزومها في محل النزاع فقط، والحكم له من جهة عوض المثل ولو لم تقم به بينة لأنه الأصل. ويجوز للإنسان أن يتصرف فيما في يده بوقف وغيره حتى تقوم حجة شرعية بأنه ليس ملكًا له؛ لكن لا يحكم بالوقف حتى يثبت الملك. [المستدرك ٤/ ٤٢]

стр. 2595

٣٨٢٠ - إن غارسه على أن رب الأرض تكون له دراهم مسماة إلى حين إثمار الشجر فإذا أثمر كانا شريكين في الثمر: قال أبو العباس: فهذه لا أعرفها منقولة. فقد يقال: هذا لا يجوز، كما لو اشترط في المزراعة والمساقاة دراهم مقدرة، مع نصيبه من الزرع والثمر، فإن هذا لا يجوز بلا نزاع، كما لو اشترط شيئًا مقدرًا؛ فإنه قد لا يحصل إلا ذلك المشروط فيبقى الآخر لا شيء له؛ لكن الأظهر أن هذا ليس بمحرم. [المستدرك ٤/ ٤٢] ٣٨٢١ - إذا ترك العامل العمل حتى فسد الثمر: فينبغي أن يجب عليه نصيب المالك، وينظر كم يجيء لو عمل بطريق الاجتهاد، كما يضمن لو يبس الشجر. وهذا لأن تركه العمل من غير فسخ العقد حرام وغرر، وهو سبب في عدم هذا الثمر، فيكون كما لو تلفت الثمرة تحت اليد العادية؛ كالضمان بالتسبب في الإتلاف، لا سيما إذا انضم إليه اليد العادية. [المستدرك ٤/ ٤٣] ٣٨٢٢ - العامل في المزارعة إذا ترك العمل فقد استولى على الأرض وفوت نفعها: فينبغي [أنْ] (١) يضمن ضمان إتلاف أو ضمان إتلاف ويد. لكن هل يضمن أجرة المثل أو يضمن ما جرت به العادة مثل تلك الأرض؟ مثل أن يكون الزرع في مثلها معروفًا فيقاس بمثلها. وأما على ما ذكره أصحابنا فينبغي أن يضمن بأجرة المثل. والأصوب والأقيس بالمذهب (٢): أن يضمن بمثل ما يثبت.

стр. 2596

وعلى هذا: فلا يكون ضمان يد، وإنما هو ضمان تغرير. [المستدرك ٤/ ٤٣] ٣٨٢٣ - لو كان من إنسان الأرض، ومن ثان العمل، ومن ثالث البذر، ومن رابع البقر: صح، وهو رواية عن أحمد. [المستدرك ٤/ ٤٣] ٣٨٢٤ - إذا شرط صاحب البذر أن يأخذ مثل بذره ويقتسمان الباقي جاز؛ كالمضاربة وكاقتسامهما ما يبقى بعد الكلف (١). وجوَّز شيخنا أخذه (٢) أو بعضه بطريق القرض. قال: يلزم من اعتبر البذر من ربِّ الأرض وإلا فقوله فاسد. [المستدرك ٤/ ٤٤] ٣٨٢٥ - الْمُزَارِعَةُ الْمُطْلَقَةُ: تَكُونُ مُشَاطَرَةً لِهَذَا نِصْفُ الزَّرْعِ وَلهَذَا نِصْفُهُ. [٣٠/ ١٣١] ٣٨٢٦ - إنْ لَمْ تَنْقُصْ حِصَّةُ الشُّرَكَاءِ لَا فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي الزَّرْعِ: فَعَلَيْهِم إجَابَةُ طَالِبِ الْقِسْمَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ، وإِن كَانَ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ بِنَقْصِ قِسْمَةِ أَنْصِبَائِهِمْ لَمْ يُرْفَع الضَّرَرُ بِالضرَرِ؛ بَل إنْ أَمْكَنَ انْقِسَامُ عِوَضِ الْمَقْسُومِ مِن غَيْرِ ضَرَرٍ فَعَلَ. [٣٠/ ١٣٧] ٣٨٢٧ - إذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِن الْآخَرِ أَنْ يَزْرَعَ مَعَهُ أَو يُهَايِئَهُ وَامْتَنَعَ الْآخَرُ مِن ذَلِكَ: فَلِلْأَوَّلِ أَنْ يَزْرَعَ فِي مِقْدَارِ حَقِّهِ وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ لِلشَّرِيكِ، لِأَنَّهُ تَارِكٌ لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ مُسْتَوْفٍ لِمَا هُوَ حَقُّهُ. وَهُوَ نَظِيرُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا دَارٌ فِيهَا بُنْيَانٌ فَيَسْكُن فِيهَا أَحَدُهُمَا عِنْدَ امْتِنَاعِ الْأَوَّلِ مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ. [٣٠/ ١٤٤ - ١٤٥] ٣٨٢٨ - إذَا كَانَ الشَّرِيكُ قَد فَرَّطَ فِي مَالِ شَرِيكِهِ؛ مِثْل أَنْ يَبْذُرَة فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي يُبْذَرُ مِثْلُهُ، أَو فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ وَنَحْو

стр. 2597

ذَلِكَ: كَانَ مِن ضَمَانِ شَرِيكِهِ، وَأَقَلُّ مَا عَلَيْهِ مِثْلُ رَأسِ الْمَالِ. [٣٠/ ١٤٧] * * * (أنواع الإقطاع، وحكم الْمَالِ الْمَغْصُوب إذَا عَمِلَ فِيهِ الْغَاصبُ حَتَّي حَصَلَ مِنْة نَمَاءٌ) ٣٨٢٩ - إِنَّ الْإِقْطَاعَ نَوْعَانِ: أ - إقْطَاعُ تَمْلِيكٍ كَمَا يُقْطَعُ الْمَوَاتُ لِمَن يُحْيِيهِ بِتَمَلُّكِهِ. ب - وَإِقْطَاعُ اسْتِغْلَالٍ، وَهُوَ إقْطَاعُ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ لِمَن يَسْتَغِلُّهَا إنْ شَاءَ أَنْ يَزْرَعَهَا، وَإِن شَاءَ أنْ يُؤَجِّرَهَا، وَإِن شَاءَ أَنْ يُزَارعَ عَلَيْهَا. وَإِذَا عُرِفَ هَذَا: فَإِذَا انْفَسَخَ الْإِقْطَاعُ فِي أَثْنَاءِ الْأَمْرِ؛ إمَّا لِمَوْتِ الْمُقْطَعِ وَإِمَّا لِغَيْرِهِ وَأُقْطِعَ لِغَيْرِهِ: كَانَت الْمَنْفَعَةُ الْحَادِثَةُ لِلْمُقْطَعِ الثانِي دُونَ الْأَوَّلِ؛ بِحَيْثُ لَو كَانَ الْمُقْطَعُ الْأَوَّلُ قَد أَجَّرَ الْأَرْضَ الْمُقْطَعَةَ ثُمَّ انْفَسَخَ إقْطَاعُهُ انْفَسَخَتْ تِلْكَ الْإِجَارَةُ، كَمَا تَنْفَسِخُ إجَارَةُ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ إذَا انْتَقَلَ الْوَقْفُ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ (١).

стр. 2598

ثُمَّ إنَّ الْمُقْطَعَ الْاَوَّلَ لَمَّا ازْدَرَعَهُ بِعَمَلِهِ وَبَذْرِهِ وَبَقَرِهِ، وَصَارَ بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِهِ صَارَ مُزْدَرِعًا فِي أَرْضِ الْغَيْرِ، لَكِنْ لَيْسَ هُوَ غَاصِبًا يَجُوزُ إتْلَافُ زَرْعِهِ؛ بَل زَرْعُهُ زَرْعٌ مُحْتَرَمٌ كَالْمُسْتَأْجِرِ وَأَوْلَى، فَهُنَا لِلْفُقَهَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِلْمُزْدَرعِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْل لِمَنْفَعَةِ الثَّانِي. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِرَبِّ الْأرْضِ وَعَلَيْهِ مَا أَنْفَقَهُ الْأَوَّلُ عَلَى زَرْعِهِ. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ. وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْل ثَالِثٌ هُوَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ أَهْلُ الدِّيوَانِ، وَهُوَ الَّذِي قَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ؛ فَإنَّهُ كَانَ قَد اجْتَمَعَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ أَنْ يُرْسِلَهُ إلَى عُمَرَ فَمَرَّ بِهِ ابْنَا عُمَرَ، فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أنْ أُعْطِيَكمَا شَيْئًا، وَلَكِنْ عِنْدِي مَالٌ أُرِيدُ حَمْلَهُ إلَيْهِ، فَخُذَاهُ اتَّجِرَا بِهِ وأَعْطُوهُ مِثْل الْمَالِ، فَتَكُونَانِ قَد انْتَفَعْتُمَا، وَالْمَالُ حَصَلَ عِنْدَهُ مَعَ ضَمَانِكُمَا لَهُ، فَاشْتَرَيَا بِهِ بِضَاعَةً، فَلَمَّا قَدِمَا إلَى عُمَرَ قَالَ: أَكُلَّ الْعُشْرِ أَقَرَّهُم مِثْل مَا أَقَرَّكُمَا؟ فَقَالَا: لَا، فَقَالَ: ضَعَا الرِّبْحَ كُلَّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَسَكَتَ عَبْدُ اللهِ (١)، وَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللهِ: أَرَأَيْت لَو ذَهَبَ هَذَا الْمَالُ أَمَا كَانَ عَلَيْنَا ضَمَانُهُ؟ فَقَالَ: بَلَى، قَالَ: فَكَيْفَ يَكُونُ الرِّبْحُ لِلْمُسْلِمِينَ وَالضَّمَانُ عَلَيْنَا؟ فَوَقَفَ عُمَر (٢)، فَقَالَ لَهُ الصَّحَابَة: اجْعَلْهُ مُضَارَبَةً بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، لَهُمَا نِصْفُ الرِّبْحِ وَللْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ، فَعَمِلَ عُمَرُ بِذَلِكَ. وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ الَّتِي تَنَازَعَهَا الْفُقَهَاءُ فِي مَسْأَلَةِ التِّجَارَةِ بِالْوَدِيعَةِ وَغَيْرِهَا مِن مَالِ الْغَيْرِ؛ فَإِنَّ فِيهَا أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ هَل الرِّبْحُ لِبَيْتِ الْمَالِ؟ أَو الرِّبْحُ لِلْعَامِلِ؟ أَو يَقْتَسِمَاه بَيْنَهُمَا كَالْمُضَارَبَةِ؟

стр. 2599

وَهَذَا الرَّابعُ الَّذِي فَعَلَهُ عُمَرَ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ مَن اعْتَمَدَ مِن الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ الْمُضَارَبَةِ. [٣٠/ ١٢٧ - ١٣١، ٣٧٨] وَهُوَ الْعَدْلُ؛ فَإِنَّ النَّمَاءَ حَصَلَ بِمَالِ هَذَا وَعَمَلِ هَذَا، فَلَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِالرِّبْحِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِم الصَّدَقَةُ بِالنَّمَاءِ؛ فَإِنَ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا؛ بَل يُجْعَلُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَو كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ شَرِكَةَ مُضَارِبَةٍ. [٣٠/ ٣٢٣] ٣٨٣٠ - تَنْفَسِخُ الْمُضَارَبَةُ بِمَوْتِ الْمَالِكِ، ثُمَّ إذَا عَلِمَ الْعَامِلُ بِمَوْتِهِ وَتَصَرَّفَ بِلَا إذْن الْمَالِكِ لَفْظًا أَو عُوْفًا وَلَا وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ: فَهُوَ غَاصِبٌ. وَقَد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرِّبْح الْحَاصِلِ فِي هَذَا: هَل هُوَ لِلْمَالِكِ فَقَطْ كَنَمَاءِ الْأَعْيَانِ؟ أَو لِلْعَامِلِ فَقَطْ لِأنَّ عَلَيْهِ الضَّمَانَ؟ أَو يَتَصَدَّقَانِ بِهِ لِأَنَّهُ رِبْحٌ خَبِيثٌ؟ أَو يَكُونُ بَيْنَهُمَا؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوالٍ: أَصَحُّهَا الرَّابعُ، وَهُوَ أنَ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا، كَمَا يَجْرِي بِهِ الْعُرْفُ فِي مِثْل ذَلِكَ، وَبِهَذَا حَكَمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِيمَا أَخَذَهُ بَنُوهُ مِن مَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَاتَّجَرُوا فِيهِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَجَعَلَهُ مُضَارَبَة، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الْفُقَهَاءُ فِي "بَابِ الْمُضَارَبَةِ"؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ نَمَاءٌ حَاصِلٌ مِن مَنْفَعَةِ بَدَنِ هَذَا وَمَالِ هَذَا، فَكَانَ بَيْنَهُمَا كَسَائِرِ النَّمَاءِ الْحَادِثِ مِن أَصْلَيْنِ. [٣٠/ ٨٧] ٣٨٣١ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ مَعَهُ دَرَاهِمُ حَرَامٌ، فَدَفَعَهَا إلَى وَالِدِهِ وَأَخَذَ مِنْهُ عِوَضَهَا مِن دَرَاهِمِهِ الْحَلَالِ، وَاشْتَرَى مِنْهَا شَيْئًا يَعُودُ مِنْهُ مَنْفَعَةٌ: إمَّا نَتَاجُ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وإِمَّا زَرْعُ أَرْضٍ، وَاسْتَعْمَلَهَا، هَل هِيَ حَرَامٌ؟ فَأَجَابَ: مَتَى اعْتَاضَ عَن الْحَرَامِ عِوَضًا بِقَدْرِهِ فَحُكْم الْبَدَلِ حُكْم الْمُبْدَلِ منْهُ. فَإِنْ كَانَ قَد نَمَّى بِفِعْلِهِ نَمَاء مِن رِبْحٍ أَو كَسْب أَو غَيْر ذَلِكَ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ، وَأَعْدَل الْأَقْوَالِ أَنْ يُقْسَمَ النَّمَاء بَيْنَ مَنْفَعَةِ الْمَالِ وَبَيْنَ مَنْفَعَةِ الْعَامِلِ

стр. 2600

بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارَبَةِ؛ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي الْمَالِ الَّذِي اتَّجَرَ مِنْهُ أَوْلَاده مِن بَيْتِ الْمَالِ. وَهَكَذَا كلُّ نَمَاءٍ بَيْنَ أَصْلَيْنِ إذَا بِيعَ الْأَصْلُ. [٣٠/ ١٣٩] ٣٨٣٢ - الربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التجارة فيه: فقيل: هو للمالك فقط؛ كنماء الأعيان. وقيل: للعامل فقط؛ لأن عليه الضمان. وقيل: يتصدقان به؛ لأنه ربح خبيث. وقيل: يكون بينهما على قدر النفعين بحسب معرفة أهل الخبرة، وهو أصحهما، وبه حكم عمر بن الخطاب ﵁؛ إلا أن يتجر به في غير وجه العدوان مثل أن يعتقد أنه مال نفسه فيتبين أنه مال غيره فهنا يقتسمان الربح بلا ريب. وذكر أبو العباس في موضع آخر (١): أنه إذا كان عالمًا بأنه مال الغير فهنا يتوجه قول من لا يعطيه شيئًا؛ لأنه حصل بفعل محرم فلا يكون سببًا للإباحة. فإذا تاب: سقط حق الله بالتوبة وأبيح له حينئذٍ بالقسمة. فأما إذا لم يتب: ففي حله نظر. وكذلك المتوجه فيما إذا غصب شيئًا كفرس وكسب به مالًا كالصيد أن يجعل المكسوب بين الغاصب ومالك الدابة على قدر نفعهما؛ بأن تقوم منفعة الراكب ومنفعة الفرس ثم يقسم الصيد بينهما. [المستدرك ٤/ ٤١] * * *

стр. 2601

(بَابُ الإِجَارَةِ) ٣٨٣٣ - يجوز [الْجَمْعُ بين] (١) البيع والإجارة في عقد واحد في أظهر قوليهم (٢). [المستدرك ٤/ ٤٥] ٣٨٣٤ - إذا ترك الأجير ما يلزمه عمله بلا عذر فتلف ما استؤجر عليه ضمنه. [المستدرك ٤/ ٤٥] ٣٨٣٥ - ضَمَان الْبَسَاتِينِ الَّتِي فِيهَا أَرْضٌ وَشَجَرٌ عِدَّةَ سِنِينَ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي اخْتَارَة ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. [٣٠/ ١٥١] ٣٨٣٦ - مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ بَل بِالِاسْتِيفَاءِ، وَلَا تُمْلَكُ الْمُطَالَبَةُ إلَّا شَيْئًا فَشَيْئًا، وَلهَذَا قَالَ: إنَّ الْإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ. وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِن قَالَا: تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ وَتُمْلَكُ الْمُطَالَبَةُ إذَا سَلَّمَ الْعَيْنَ فَلَا نِزَاعَ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ. وَلَا نِزَاعَ فِي سُقُوطِهَا بِتَلَفِ الْمَنَافِعِ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ. وَلَا نِزَاعَ أَنَّهَا إذَا كَانَت مُؤَجَّلَةً لَمْ تُطْلَبْ إلَّا عِنْدَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، فَإِذَا خَلَّفَ الْوَارِثُ ضَامِنًا وَتَعَجَّلَ الْأَجَلَ الَّذِي لَمْ يَجِبْ إلَّا مُؤَخَّرًا مَعَ تَأخِيرِ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِن الْمَنْفَعَةِ كَانَ هَذَا ظُلْمًا لَهُ مُخَالِفًا لِلْعَدْلِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُؤَجَّرُ وَقْفا وَنَحْوَهُ: فَهُنَا لَيْسَ لِلنَّاظِرِ تَعْجِيلُ الْأُجْرَةِ كلِّهَا؛ بَل لَو شَرَطَ ذَلِكَ لَمْ تَجُزْ؛ لَأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ [إذًا] لَمْ يَمْلِكْهَا (٣)، وإِنَّمَا

стр. 2602

يَمْلِكُ أُجْرَتَهَا مَا يَحْدُث فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِذَا تَعَجَّلَتْ مِن غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى عِمَارَةٍ كَانَ ذَلِكَ أَخْذًا لِمَا لَمْ يَسْتَحِقَّهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْآنَ. [٣٠/ ١٥٥ - ١٥٦] ٣٨٣٧ - لَيْسَ لِلْمُؤَجِّرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الْمُسْتَأجِرِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، لَكِنْ مِنْهُم مَن قَالَ: إنَّ الْأُجْرَةَ عَلَى الْمُسْتَأجِرِ تَحِلُّ بِمَوْتِهِ وَتُسْتَوْفَى مِن تَرِكَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكن لَهُ تَرِكَة فَلَهُ فَسْخُ الْإِجَارَةِ. وَمِنْهُم مَن يَقُولُ: لَا تَحِلُّ الْأُجْرَةُ إذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ بِرَهْن أَو ضَمِينٍ يَحْفَظُ الْأجْرَةَ؛ بَل يُوَفُّونَهُ كَمَا كَانَ يُوَفِّيهَا الْمَيِّتُ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ. [٣٠/ ١٥٧] ٣٨٣٨ - ثَبَتَ فِي "الصحِيحَيْنِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِم أَنْ يَسُومَ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ" (١). فَإِذَا كَانَ الْمُؤَجِّرُ قَد رَكَنَ إلَى شَخْصٍ لِيُؤَجِّرَهُ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ: فَكَيْفَ إذَا كَانَ سَاكِنًا فِي الْمَكَانِ مُسْتَمِرًّا؟ فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ. [٣٠/ ١٦٠ - ١٦١] ٣٨٣٩ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ اسْتَأجَرَ دَارًا بِجِوَارِهِ رَجُلُ سُوءٍ؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذُكِرَ فَمِثْلُ هَذَا عَيْبٌ فِي الْعَقَارِ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُسْتَأجِرُ حَالَ الْعَقْدِ فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ مِن حِينِ الْفَسْخِ. [٣٠/ ١٦١] ٣٨٤٠ - إذَا أَقَرَضَهُ عَشْرَةً عَلَى أنْ يَكْتَرِيَ مِنْهُ حَانُوتَهُ بِأُجْرَة أَكْثَر مِن الْمِثْلِ: لَمْ يَجُزْ هَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَل لَو قَرَّرَ بَيْنَهُمَا مِن غَيْرِ شَرْط كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا مَنْهِيًّا عَنْهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَن النَبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْع، وَلَا رِبْح مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَك". قَالَ التِّرْمِذِيُّ (٢): حَدِيثٌ صَحِيحٌ. فَنَهَى ﷺ أَنْ يَبِيعَهُ وَيُقْرِضَهُ؛ لِأَنَّهُ يُحَابِيهِ فِي الْبَيْعِ لأجْلِ الْقَرْضِ، فَكَيْفَ

стр. 2603

إذَا شَارَطَهُ مَعَ الْقَرْضِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ وَيُحَابِيَهُ؟ وَلَيْسَ عِنْدَهُ، وَإِن كَانَ الْغَرِيمُ مُعْسِرًا أُنْظِرَ إلَى مَيْسَرَةٍ. [٣٠/ ١٦١] ٣٨٤١ - إذَا كَانَ الْمُسْتَأجِرُ قَد دَلَّسَ عَلَى الْمُؤَجِّر وَغَرَّهُ حَتَّى اسْتَأْجَرَ بِدُونِ قِيمَةِ الْمِثْل مِمَّا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ: فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بَأُجْرَةِ الْمِثْلِ. [٣٠/ ١٦٣] ٣٨٤٢ - إِنَّ الْفُقَهَاءَ لَهُم فِي الْإِجَارَةِ الشَّرْعِيَّةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِمَا يَعْدُّهُ النَّاسُ إجَارَةً، حَتَّى لَو دَفَعَ طَعَامَهُ إلَى طَبَّاخٍ يَطْبُخُ بِالْأُجْرَةِ، أَو ثِيَابَهُ إلَى غَسَّالٍ يَغْسِلُ بِالْأُجْرَةِ، أَو نَسَّاجٍ أَو خَيَّاطٍ أَو نَحْوَهُم مِن الصُّنَّاعِ الَّذِينَ جَرَتْ عَادَتُهُم أَنَّهُم يَصْنَعُونَ بِالْأُجْرَةِ: يَسْتَحِقُّونَ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَكَذَلِكَ لَو دَخَلَ حَمَّامًا أَو رَكِبَ سَفِينَةً أَو دَابَّةً، كَمَا جَرَت الْعَادَةُ بِالرُّكُوبِ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْمَرَاكِبِ الْمُعَدَّةِ لِلْكَرْيِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن الصِّفَةِ فِي ذَلِكَ، كَمَا قِيلَ مِثْل ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ (١). [٣٠/ ١٦٥ - ١٦٦] ٣٨٤٣ - مُجَرَّدُ الْإِذْنِ فِي الْإِجَارَةِ مُطْلَقًا الَّذِي يَقْتَضِي فِي الْعُوْفِ سَنَةً أَو سَنَتَيْنِ أَو نَحْو ذَلِكَ: لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْإِذْنُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ [أي: ثلاثين سنة] فَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ بِمُجَرَّدِهِ. [٣٠/ ١٦٩] ٣٨٤٤ - إذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ قَد دَلَّسَ عَلَى الْمُؤَجِّرِ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ قَد أَخْبَرَهُ عَنْهُ بِمَا يُنْقصُ قِيمَتَهُ وَلَمْ يَكُن الْأَمْرُ كَذَلِكَ: فَلِلْمُؤَجِّرِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ. وَكَذَلِكَ إنْ أَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ هنَاكَ مَن يَسْتَأْجِرُهُ (٢)، وَكَانَ لَهُ هُنَاكَ طُلَّابٌ وَأمْثَالُ ذَلِكَ. [٣٠/ ١٧١] ٣٨٤٥ - هَذَا هُوَ الْقَوْلُ [أي: جَوَاز بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ] الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ مِن عَهْدِ نَبِيَّهِمْ وإِلَى الْيَوْمِ. [٣٠/ ١٧٦ - ١٧٧]

стр. 2604

٣٨٤٦ - وَسُئِلَ ﵀: عَن أَيْتَامٍ لَهُم نَصِيبٌ فِي مِلْكٍ، فَأَجَّرَهُ الْوَصِيُّ لِلشَّرِكَةِ مُدَّةَ ثَلَاثِ سِنِينَ بِدُونِ قِيمَةِ الْمِثْلِ، فَمَا الْحُكْمُ؟ فَأَجَابَ: مَتَى أَجَّرَهُ الْوَصِيُّ بِدُونِ أُجْرَةِ الْمِثْل كَانَ ضَامِنًا لِمَا فَوَّتَهُ عَلَى الْيَتِيمِ، وَلَمْ تَكُن الْإِجَارَةُ لَازِمَةً لِلْيَتِيمِ بَعْدَ رُشْدِهِ؛ بَل هِيَ بَاطِلَةٌ مُنْفَسِخَةٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَفِي الْآخَرِ: لَهُ أَنْ يَفْسَخَهَا. ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ مَا فَعَلَهُ الْوَصِيُّ: كَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ مَا لَمْ يَلْتَزِمْ ضَمَانَهُ، وَإِن عَلِمَ اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ. بَل لَو أَجَّرَهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ؛ مِثْل هَذِهِ الْمُدَّةِ الَّتِي يَعْلَمُ الْوَصِيُّ أَنَّهُ يَبْلُغُ فِي أَثْنَائِهَا: فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يُجَوِّزُونَ لِلْيَتِيمِ الْفَسْخَ. [٣٠/ ١٨١] ٣٨٤٧ - وَسُئِلَ: عَن دَابَّةٍ: أَيُّمَا أَفْضَلُ: يَنْقُلُ النَّاسَ بِلَا أُجْرَةٍ، أَو يَأُخُذُ الْأُجْرَةَ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانُوا فُقَرَاءَ فَتَرْكُهُ لَهُم أَفْضَلُ، وَإِن كَانُوا أَغْنِيَاءَ وَهُنَالِكَ مُحْتَاجٌ فَأَخْذُهُ لِاُّجْلِ الْمُحْتَاجِ أَفْضَلُ. [٣٠/ ١٨٣] ٣٨٤٨ - وَسُئِلَ ﵀: عَن إجَارَةِ الْجَوَامِيسِ يَسْتَأْجِرُهَا عَامًا وَاحِدًا مُطْلَقًا وَغَرَضُهُ لَبَنُهَا وَيَسْتَعْمِلُهَا لِذَلِكَ؟ فأجاب: الصَّحِيحُ أَنَّ الْعُقُودَ إنَّمَا يُعْتَبِرُ فِيهَا مَعَانِيهَا لَا بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ. وَالصَّوَابُ: أَنَّ الْإِجَارَةَ الْمَسْؤُولَ عَنْهَا جَائِزَة؛ فَإِنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى الْجَوَازِ بِعِوَضِهَا وَمُقَايَسَتِهَا تَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْإِجَارَةَ، وَلَيْسَ مِن الْأَدِلَّةِ مَا يَنْفِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: إنَّ إجَارَةَ الظِّئْرِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ كَلَامٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ إجَارَةٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا فِي شَرِيعَتِنَا إلَّا هَذِهِ الْأِجَارَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَقَالَ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وَالسُّنَّةُ وإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ دَلَّا عَلَى جَوَازِهَا.

стр. 2605

وَإِنَّمَا تكونُ مُخَالِفَةً لِلْقِيَاسِ: لَو عَارَضَهَا قِيَاسُ نَصٍّ آخَرَ، وَلَيْسَ فِي سَائِر النُّصُوصِ وَأَقْيِسَتِهَا مَا يُنَاقِضُ هَذِهِ. وَقَوْلُ الْقَائِلِ: الْإِجَارَةُ إنَمَا تَكونُ عَلَى الْمَنَافِعِ دُونَ الْأَعْيَانِ: لَيْسَ هُوَ قَوْلًا للهِ وَلَا لِرَسُولِهِ وَلَا الصَّحَابَةِ وَلَا الْأَئِمَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلٌ قَالَتْهُ طَائِفَةٌ مِن النَّاسِ. فَيُقَالُ لِهَؤُلَاءِ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَكُونُ إلَّا عَلَى الْمَنَافِعِ فَقَطْ؛ بَل الْإِجَارَةُ تَكُونُ عَلَى مَا يَتَجَدَّدُ وَيَحْدُثُ وَيُسْتَخْلَفُ بَدَلُهُ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ؛ كَمِيَاهِ الْبِئْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ عَيْنًا أَو مَنْفَعَةً، كَمَا أَنَّ الْمَوْقُوفَ يَكونُ مَا يَتَجَدَّدُ، وَمَا تَحْدُثُ فَائِدَتُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيءٍ، سَوَاءٌ كَانَت الْفَائِدَةُ مَنْفَعَةً أَو عَيْنًا؛ كَالتَّمْرِ وَاللَّبَنِ وَالْمَاءِ النَّابعِ. وَكَذَلِكَ الْعَارَيةُ، وَهُوَ عَمَّا يَكُونُ الِانْتِفَاعُ بِمَا يَحْدُثُ وَيُسْتَخْلَفُ بَدَلُهُ. يُقَالُ: أَفْقَرَ الظَّهْرَ، وَأَعْرَى النَّخْلَةَ، وَمَنَحَ النَّاقَةَ، فَإِذَا مَنَحَهُ النَّاقَةَ يَشْرَبُ لَبَنَهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا، أَو أَعْرَاهُ نَخْلَة يَأْكُلُ ثَمَرَهَا ثُمَّ يَرُدُّهَا، وَهُوَ مِثْلُ أَنْ يُفْقِرَهُ ظَهْرًا يَرْكَبُهُ ثُمَ يَرُدُّهُ. وَكَذَلِكَ إكْرَاءُ الْمَرْأَةِ، أَو طَيْرٍ، أَو نَاقَةٍ، أَو بَقَرَةٍ، أَو شَاةٍ يَشْرَبُ لَبَنَهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَهُوَ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ دَابَّةً يَرْكَبُ ظَهْرَهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً. وَإِذَا تَغَيَّرَت الْعَادَةُ فِي ذَلِكَ: كَانَ تَغَيُّرُ الْعَادَةِ فِي الْمَنْفَعَةِ يَمْلِكُ الْمُسْتَأْجِرُ إمَّا الْفَسْخَ وَإِمَّا الْأَرْشَ. وَكَذَلِكَ إذَا أَكْرَاهُ حَدِيقَةً يَسْتَعْمِلُهَا حَوْلاً أَو حَوْلَيْنِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمَّا قَبلَ حَدِيقَةَ أسيد بْنِ الحضير ثَلَاثَ سِنِينَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَقَضَى بِهِ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ هُوَ الَّذِي يَقُومُ عَلَى هَذِهِ الدَّوَابِّ فَهُوَ إجَارَةٌ، وَهُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِن إجَارَةِ الظِّئْرِ.

стр. 2606

وَامَّا إذَا كَانَ صَاحِبُ الْمَاشِيَةِ هُوَ الَّذِي يَعْلِفُهَا وَيَسْقِيهَا وَيُؤْوِيهَا، وَطَالِبُ اللَّبَنِ لَا يَعْرِفُ إلاَّ لَبَنَهَا وَقَد اسْتَأْجَرَهَا تُرْضِعُ سِخَالًا لَهُ فَهُوَ مِثْلُ إجَارَةِ الظِّئْرِ. وَإِذَا كَانَ لِيَأخُذَ اللَّبَنَ هُوَ، فَهُوَ يُشْبِهُ إجَارَةَ الظِّئْرِ لِلرِّضَاعِ الْمُطْلَقِ، لَا لِإِرْضَاعِ طِفْل مُعَيَّنٍ، وَهَذَا قَد يُسَمَّى بَيْعًا وَيُسَمَّى إجَارَةً، وَهُوَ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ. وَإِذَا قِيلَ: هُوَ بَيْعُ مَعْدُومٍ. قِيلَ: نَعَمْ، وَلَيْسَ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ مَا يَنْهَى عَن بَيْعِ كُلِّ مَعْدُومٍ؛ بَل الْمَعْدُومُ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَى بَيْعِهِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَادَةِ: يَجُوزُ بَيْعُهُ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ بَعْدَ بُدُوَّ صَلَاحِهَا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ، مَعَ أَنَّ الْأَجْزَاءَ الَّتِي تُخْلَقُ بَعْدُ مَعْدُومَةٌ وَقَد دَخَلَتْ فِي الْعَقْدِ. [٣٠/ ١٩٧ - ٢٠٠] ٣٨٤٩ - يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ الْأَعْمَى وَاشْتِرَاؤُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَلَا بُدَّ أَنْ يُوصَفَ لَهُ الْمَبِيعُ وَالْمُسْتَأْجَرُ، فَإِنْ وَجَدَهُ بِخِلَافِ الصَّفَةِ فَلَهُ الْفَسْخُ. [٣٠/ ٢٠١] ٣٨٥٠ - الشَّمْعُ إذَا أعْطَاهُ لِمَن يُوقِدُهُ وَقَالَ: كُلَّمَا نَقَصَ مِنْهُ أُوقِيَّةٌ بِكَذَا: جَائِزٌ، وَلَيْسَ هَذَا مِن بَابِ الْإِجَارَاتِ، وَلَا بَابِ الْبَيْعِ اللَّازِم؛ فَإِنَّ الْبَيْعَ اللَّازِمَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيع فِيهِ مَعْلُومًا؛ بَل هَذَا مُعَاوَضَةٌ جَائِزَةٌ لَا لَازِمَةٌ، كَمَا لَو قَالَ: اُسْكُنْ فِي هَذِهِ الدَّارِ كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَمِ وَلَمْ يُوَقِّتْ أَجَلًا، فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. فَمَسْأَلَةُ الْأَعْيَانِ نَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْألَةِ فِي الْمَنَافِعِ، وَهُوَ إذْنٌ فِي الإِتْلَافِ عَلَى وَجْهِ الِانْتِفَاعِ بِعَرَض. [٣٠/ ١٩٥ - ١٩٦] ٣٨٥١ - لَو ادَّعَى الْمُزْدَرعُ أَنَّهُ إنَّمَا زَرَعَ بِطَرِيقِ الْعَارَيةِ، وَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: بَل بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبَّ الْأَرْضِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ: مَالِكٌ وَأَحْمَد وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ.

стр. 2607

فَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ فِي مَسْألَةِ الْأَرْضِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ فَيَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِالْأُجْرَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. لَكِنْ هَل يُطَالِبُ بِالْأُجْرَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا، أَو بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، أَو بِالْأَقَلِّ مِنْهُمَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. [٣٠/ ٢٤٩ - ٢٥٠] * * * (شروط الإجارة) ٣٨٥٢ - يجوز إجارة ماء قناة مدة وماء فائض بركة يراها (١). [المستدرك ٤/ ٤٩] ٣٨٥٣ - لو استأجر تفاحة للشم يحتمل الجواز. [المستدرك ٤/ ٤٩] ٣٨٥٤ - يجوز للمؤجر إجارة العين المؤجرة من غير المستأجر في مدة الإجارة، ويقوم المستأجر الثاني مقام المالك في استيفاء الأجرة من المستأجر الأول. [المستدرك ٤/ ٤٩] ٣٨٥٥ - يجوز للمستأجر إجارة العين المؤجرة لمن يقوم مقامه بمثل الأجرة وزيادة، وهو ظاهر مذهب أحمد والشافعي. فإن شرط المؤجر على المستأجر ألا يستوفي المنفعة إلا بنفسه أو ألا يؤجرها إلا لعدل أو لا يؤجرها من زيد: قال أبو العباس: فقياس المذهب فيما أراه أنها شروط صحيحة. لكن لو تعذر على المستأجر الاستيفاء بنفسه لمرض أو تلف مال أو إرادة سفر ونحو ذلك: فينبغي أن يثبت له الفسخ، كما لو تعذر تسليم المنفعة. [المستدرك ٤/ ٤٩ - ٥٠] ٣٨٥٦ - ليس للوكيل أن يطلق في الإجارة مدة طويلة بل العرف كسنتين

стр. 2608

ونحوهما. وإذا شرط الواقف أن النظر للموقوف عليه أو أتى بلفظ يدل على ذلك فأفتى بعض أصحابنا أن إجارته كإجارة الظئر. وعلى ما ذكره ابن حمدان ليس كذلك وهو الأشبه. [المستدرك ٤/ ٥٠] ٣٨٥٧ - تنفسخ إجارة البطن الأول إذا انتقل الوقف إلى البطن الثاني في أصح الوجهين. وقال الشيخ تقي الدين ﵀: إن كان قبضها المؤجر رجع بذلك في تركته. [المستدرك ٤/ ٥٠] ٣٨٥٨ - الذي يتوجه أولًا أنه لا يجوز سلف الأجرة للموقوف عليه؛ لأنه لا يستحق المنفعة المستقبلة ولا الأجرة عليها، فالتسليف لهم قبض ما لا يستحقونه، بخلاف المالك. وعلى هذا: فللبطن الثاني أن يطالبوا بالأجرة المستأجر؛ لأنه لم يكن له التسليف، ولهم أن يطالبوا الناظر. [المستدرك ٤/ ٥١] ٣٨٥٩ - المستحب أن يأخذ الحاج عن غيره ليحج، لا أن يحج ليأخذ. فمن أحب إبراء ذمة الميت أو رؤية المشاعر: يأخذ ليحج. ومثله كل رزق أخذ على عمل صالح. ففرق بين من يقصد الدينَ، والدنيا وسيلة، وعكسه. فالأشبه أن عكسه ليس له في الآخرة من خلاق. والأعمال التي يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة هل يَجُوز إيقاعها على غير وجه القربة؟ فمن قال: لا يجوز ذلك لم يجوِّز (١) الإجارة عليها؛ لأنها بالعوض تقع غير قربة، و "الأعمال بالنيات" والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أُريد به وجهه.

стр. 2609

ومن جوَّز الإجارة جوَّز إيقاعها على غير وجه القربة، وقال: تجوز الإجارة عليها لما فيها من نفع المستأجر. وأما ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا وأجرة؛ بل رزق للإعانة على الطاعة. فمن عمل منهم لله أثيب، وما يأخذه فهو رزق للمعونة على الطاعة، وكذلك المال الموقوف على أعمال البر والموصى به كذلك، والمنذور كذلك، ليس كالأجرة والجعل في الإجارة والجعالة الخاصة. قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن الرجل يغسل الميت بكراء؟ قال: بكراء؟! واستعظم ذلك. قلت: يقول: أنا فقير. قال: هذا كسب سوء. ووجه هذا: أن تغسيل الموتى من أعمال البر، والتكسب بذلك يورث تمني موت المسلمين فيشبه الاحتكار. [المستدرك ٤/ ٥٢] ٣٨٦٠ - اتخاذ الحجامة صناعة يتكسب بها: هو مما نُهي عنه عند إمكان الاستغناء عنه؛ فإنه يفضي إلى كثرة مباشرة النجاسات والاعتناء بها (١)، لكن إذا عمل ذلك العمل بالعوض استحقه. وإذا كان الرجل محتاجًا على هذا الكسب ليس له ما يغنيه عنه إلا مسألة الناس فهو خير له من مسألة الناس، كما قال بعض السلف: كسب فيه دناءة خير من مسألة الناس. [المستدرك ٤/ ٥٢ - ٥٣] ٣٨٦١ - إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرًا بالطب ثقة عند الإنسان جاز له أن يستطبَّه، كما يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله، وقد استأجر رسول الله ﷺ رجلًا مشركًا لما هاجر وكان هاديًا خريتًا ماهرًا بالهداية إلى الطريق من مكة إلى المدينة وائتمنه على نفسه وماله.

стр. 2610

وإذا وجد طبيبًا مسلمًا فهو أولى، وأما إذا لم يجد إلا كافرًا فله ذلك. وإذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسنًا. [المستدرك ٤/ ٥٣] ٣٨٦٢ - وإن أكراه كل شهر بدرهم، وكلما دخل شهر لزمهما حكم الإجارة. ظاهر قوله: ولكل واحد منهما الفسخ عند تقضي كل شهر: أنَّ الفسخ يكون قبل دخول الشهر الثاني (١)، وهو اختيار أبي الخطاب والشارح والشيخ تقي الدين ﵀. وإن أجره في أثناء شهر سنة: استوفى شهرًا بالعدد، وسائرها بالأهلة. وعنه يستوفي الجميع بالعدد. وعند الشيخ تقي الدين ﵀ إلى مثل تلك الساعة. وقال: إنما يعتبر الشهر الأول بحسب تمامه ونقصانه، فإن كان تامًّا كمل تامًّا، وإن كان ناقصًا كمل ناقصًا. [المستدرك ٤/ ٥٣ - ٥٤] ٣٨٦٣ - قال القاضي في التعليق: إذا دفع إلى دلَّال ثوبًا أو دارًا وقال له: بع هذا، فمضى وعرض ذلك على جماعة مشترين، وعرف ذلك صاحب المبيع، فامتنع من البيع، وأخذ السلعة ثم باعها هو من ذلك المشتري أو من غيره: لم تلزمه أجرة الدلال للمبيع؛ لأن الأجرة إنما جعلها في مقابلة العقد ولم يحصل ذلك. قال أبو العباس: الواجب أن يستحق من الأجرة بقدر ما عمل، وهذه من مسائل الجعالات. [المستدرك ٤/ ٥٤] ٣٨٦٤ - لو اضطر ناس إلى السكن في بيت إنسان لا يجدون سواه أو النزول في خان مملوك أو رحى للطحن أو لغير ذلك من المنافع: وجب بذله

стр. 2611

بأجرة المثل بلا نزاع، والأظهر أنه يجب بذله مجانًا، وهو ظاهر المذهب. [المستدرك ٤/ ٥٤] ٣٨٦٥ - ترك القابلة (١) ونحوها الأجرة لحاجة المقبولة أفضل من أخذها منها والصدقة بها. [المستدرك ٤/ ٥٤] ٣٨٦٦ - وقال الشيخ تقي الدين فيمن احتكر أرضًا بنى فيها مسجدًا أو بناءً وقَفَه عليه: متى فرغت المدة وانهدم البناء زال حكم الوقف، وأخذوا أرضهم فانتفعوا بها، وما دام البناء قائمًا فيها فعليه أجرة المثل كوقف علوِّ دارٍ مسجدًا؛ فإن وقف علو ذلك لا يُسقط حق ملاك السفل؛ كذلك وقف البناء لا يسقط حق ملاك الأرض. [المستدرك ٤/ ٥٤] ٣٨٦٧ - إن رَكَن المؤجِّر إلى شخص ليؤجره: لم يجز لغيره الزيادة عليه، فكيف إذا كان المستأجر ساكنًا في الدار؟ فإنه لا يجوز الزيادة على ساكن الدار. وإذا وقعت الإجارة صحيحة: فهي لازمة من الطرفين، ليس للمؤجر الفسخ لأجل زيادة حصلت باتفاق الأئمة. وإذا التزم المستأجر بهذه الزيادة على الوجه المذكور: لم تلزمه اتفاقًا. ولو التزمها بطيب نفس منه: ففي لزومها قولان: فعند الشافعي وأحمد لا تلزمه أيضًا؛ بناء على أن إلحاق الزيادة والشروط بالعقود اللازمة لا تلحق. وتلزمه إذا فعلها بطيب نفس منه متبرعًا بذلك في القول الآخر، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في القول الآخر؛ بناءً على أنه تلحقه الزيادة بالعقود اللازمة. لكن إذا كان قد عُلم أنَّ العادة لم تجر بأن أحد هؤلاء يقبلها بطيب

стр. 2612

نفسه، ولكن خوفًا من الإخراج: فحينئذٍ لا تلزمهم بالاتفاق؛ بل لهم استرجاعها ممن قبضها منهم. [المستدرك ٤/ ٥٥] ٣٨٦٨ - إن استأجر أرضًا فعند انعقاد الحب أمطرت السماء حجارة أهلكت زرعه قبل حصاده: سقط العشر. وفي وجوب الأجرة نزاع. والأظهر أنه إن لم يكن تمكن من استيفاء المنفعة المقصودة بالعقد فلا أجرة. [المستدرك ٤/ ٥٥] ٣٨٦٩ - إن وجد العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ. قال الشيخ تقي الدين ﵀: إن لم نقل بالأرش: فورود ضعفه على أصل الإمام أحمد ﵀ بيِّن. [المستدرك ٤/ ٥٦] ٣٨٧٠ - إن تعذر زرعها فله الخيار، وكذا لقلة ماء قبل زرعها أو بعده، أو عابت بغرقٍ تعيب به بعض الزرع. واختار شيخنا: أو برَد، أو فأر، أو عذر، قال: فإن أمضى فله الْأَرْشُ كعيب الأعيان، وإن فسخ فعليه القسط قبل القبض، ثم أجرة المثل إلى كماله، قال: وما لم يَرْوِ من الأرض فلا أجرة له اتفاقًا. وأجرة المثل ليست شيئًا محدودًا، وإنما هو ما يساوي الشيء في نفوس أهل الرغبة. ولا عبرة بما يحدث في أثناء المدة من ارتفاع الكراء أو انخفاضه. [المستدرك ٤/ ٥٦] ٣٨٧١ - لو أنزاه على فرسه فنقص ضمن نقصه. [المستدرك ٤/ ٥٦] ٣٨٧٢ - إذا بيعت العين المؤجرة أو المرهونة ونحوهما مما تعلق به حق لغير البائع، وهو عالم بالعيب فلم يتكلم: فينبغي أن يقال: لا يملك المطالبة

стр. 2613

بفساد البيع بعد هذا؛ لأن إخباره بالعيب واجب عليه بالسُّنَّة بقوله: "ولا يحل لمن علم ذلك إلا أن يبينه" فكتمانه تغرير، والغار ضامن. وكذا ينبغي أن يقال فيما إذا رأى عبده يبيع فلم ينهه. وفي جميع المواضع؛ فإن المذهب أن السكوت لا يكون إذنًا، فلا يصح التصرف، لكن إذا لم يصح يكون تغريرًا فيكون ضامنًا، بحيث أنه ليس له أن يطالب المشتري بالضمان؛ فإنَّ ترْك الواجب عندنا كفعل المحرم، كما يقال فيمن قدر على إنجاء إنسان من هلاكه، بل الضمان هنا أقوى. [المستدرك ٤/ ٥٦] ٣٨٧٣ - ظاهر كلام الإمام أحمد في رواية الميموني: أن من باع العين المؤجرة ولم يتبين للمشتري أنها مستأجرة أنه لا يصح البيع. ووجهه: أنه باع ملكه وملك غيره؛ فهي مسألة تفريق الصفقة. [المستدرك ٤/ ٥٧] * * * (حكم كسب الحَجَّام ؟) ٣٨٧٤ - ثَبَتَ فِي "الصَحِيحَيْنِ" عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ" (١)، وَلَو كَانَ سُحْتًا لَمْ يُعْطِهِ إيَّاهُ. وَمِنْهُمِ مَن قَالَ: بَل يَحْرُمُ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ (٢) فِي "صَحِيحِهِ" عَن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "كَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ، وَثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيَّ خَبِيثٌ". وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن ابْنِ أَبِي جحيفة قَالَ: رَأَيْت أَبِي اشْتَرَى حَجَّامًا

стр. 2614

فَأَمَرَ بِمَحَاجِمِهِ فَكُسِرَتْ، فَسَأَلْته عَن ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَن ثَمَنِ الدَّم (١). قَالَ هَؤُلَاءِ: فَتَسْمِيَتُهُ خَبِيثًا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ كَتَحْرِيمِ مَهْرِ الْبَغِيَّ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ. قَالَ الْأَوَّلُونَ: قَد ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "مَن أَكَلَ مِن هَذَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ الْخَبِيثَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَن مَسْجِدَنَا" (٢)، فَسَمَّاهُمَا خَبِيثَتَيْنِ بِخُبْثِ رِيحِهِمَا وَلَيْسَتَا حَرَامًا. وَقَالَ: "لَا يُصَلِّيَن أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثِينَ" (٣)؛ أَيْ: الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ. فَيَكُونُ تَسْمِيَتُهُ خَبِيثًا لِمُلَاقَاةِ صَاحِبِهِ النَّجَاسَةَ لَا لِتَحْرِيمِهِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ أَعْطَى الْحَجُّامَ أَجْرَهُ وَأَذِنَ لَه أَنْ يُطْعِمَهُ الرَّقِيقَ وَالْبَهَائِمَ. وَمَهْرُ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانُ الْكَاهِنِ لَا يَسْتَحِقُّهُ، وَلَا يُطْعَمُ مِنْهُ رَقِيقٌ وَلَا بَهِيمَةٌ. وَبِكُلِّ حَالٍ: فَحَالُ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ لَيْسَتْ كَحَالِ الْمُسْتَغْنِي عَنْهُ، كَمَا قَالَ السَّلَفُ: كَسْبٌ فِيهِ بَعْضُ الدَّنَاءَةِ خَيْرٌ مِن مَسْأَلَةِ النَّاسِ. وَلِهَذَا لَمَّا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي أَخْذِ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهِ: كَانَ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَعْدَلُهَا أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْمُحْتَاجِ. قَالَ أَحْمَد: أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ خَيْرٌ مِن جَوَائِزِ السُّلْطَانِ، وَجَوَائِزُ السُّلْطَانِ خَيْرٌ مِن صِلَةِ الْإِخْوَانِ. وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، أَنَّهُ يُفَرَّقُ فِي الْمَنْهِيَّاتِ بَيْنَ الْمُحْتَاجِ وَغَيْرِهِ، كَمَا فِي الْمَأْمُورَاتِ، وَلِهَذَا أُبِيحَت الْمُحَرَّمَاتُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، لَا سِيَّمَا إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ يَعْدِلُ عَن ذَلِكَ إلَى سُؤَالِ النَّاسِ؛ فَالْمَسْأَلَةُ أَشَدُّ تَحْرِيمًا.

стр. 2615

وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَجِبُ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَإِن لَمْ تَحْصُلْ إلَّا بِالشُّبُهَاتِ، كَمَا ذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ وَأَبُو حَامِدٍ: أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد سَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: إنَّ ابْنًا لِي مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَهُ دُيُونٌ أَكْرَهُ تَقَاضِيهَا، فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد: أَتَدَعُ ذِمَّةَ ابْنِك مُرْتَهَنَةً؟ يَقُولُ: قَضَاءُ الدَّيْنِ وَاجِبٌ، وَتَرْكُ الشُّبْهَةِ لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ هُوَ الْمَأْمُورُ. وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يُرْزَقُ الْحَاكِمُ وَأَمْثَالُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَتَنَازَعُوا فِي الرِّزْقِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ. وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي كِتَاب اللهِ فِي قَوْلِهِ فِي وَلِيَّ الْيَتِيمِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. فَهَكَذَا يُقَالُ فِي نَظَائِرِ هَذَا؛ إذ الشَّرِيعَةُ مَبْنَاهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، وَالْوَرَعُ تَرْجِيحُ خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا، وَدَفْعِ شَرِّ الشَّرَّيْنِ وَإِن حَصَلَ أَدْنَاهُمَا. [٣٠/ ١٩١ - ١٩٣] * * * (حكم أخذ الأُجرةِ عَلَى الْإِمَامَةِ والْأَذَانِ، وتلاوة القرآن، وتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ ؟) ٣٨٧٥ - الاستئجار على نفس تلاوة القرآن غير جائز، وإنما النزاع في التعليم ونحوه مما فيه مصلحة تصل إلى الغير. والثواب لا يصل إلى الميت إلا إذا كان العمل لله، وما وقع بالأجر من النقود ونحوها فلا ثواب فيه، وإن قيل: يصح الاستئجار عليه. فإذا أوصى الميت أن يعمل له ختمة: فينبغي أن يتصدق بذلك على المحاويج من أهل القرآن أو غيره، فذلك أفضل وأحسن. وإذا كان المعلم يقرئ فأعطي شيئًا جاز له أخذه عند أكثر العلماء. ولا يصح الاستئجار على القراءة وإهدائها إلى الميت؛ لأنه لم ينقل عن

стр. 2616

أحد من الأئمة الإذن في ذلك، وقد قال العلماء: إن القارئ إذا قرأ لأجل المال فلا ثواب له، فأي شيء يُهدي للميت؟ وإنما يصل إلى الميت العمل الصالح. والاستئجار على مجرد التلاوة لم يقل به أحد من الأئمة، وإنما تنازعوا في الاستئجار على التعليم. [المستدرك ٤/ ٥١] ٣٨٧٦ - لا بأس بجواز أخذ الأجرة على الرقية، نص عليه أحمد. [المستدرك ٤/ ٥١] ٣٨٧٧ - الِاسْتِنْجَارُ عَلَى الْإِمَامَةِ لَا يَجُوزُ فِي الْمَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْإِمَامِ أَحْمَد. وَقِيلَ: يَجُوز، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَن الْإِمَامِ أَحْمَد وَقَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَالْخِلَافُ فِي الْأَذَانِ أَيْضًا. وَفِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى هَذَا وَنَحْوِهِ كَالتَّعْلِيمِ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْحَاجَةِ وَلَا يَجُوزُ بِدُونِ الْحَاجَةِ (١). [٣٠/ ٢٠٣] ٣٨٧٨ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُل مِن أَهْلِ الْعِلْمِ قُصِدَ لِأَنْ يُقْرَأَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أَحَادِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَغَيْرِهَا مِن الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ فَامْتَنَعَ مِن إقْرَائِهَا إلَّا بِأُجْرَةِ. فَأَجَابَ: أَمَّا تَعْلِيمٌ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ: فَهُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ وَأَحَبُّهَا إلَى اللهِ، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ، لَيْسَ هَذَا مِمَّا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِمَن نَشَأَ بِدِيَارِ الْإِسْلَامِ. وَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَتَابِعُو التَّابِعِينَ وَغَيْرُهُم مِن الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ بِالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ إنَّمَا كَانُوا يُعَلَّمُونَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَلَمْ يَكُن فِيهِمْ مَن يُعَلَّمُ بِأُجْرَةِ أَصْلًا؛ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ.

стр. 2617

وَالْأَنْبِيَاءُ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ إنَّمَا كَانُوا يُعَلِّمُونَ الْعِلْمَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ؛ كَمَا قَالَ نُوحٌ ﵇: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩)﴾ [الشعراء: ١٠٩] وَكَذَلِكَ قَالَ هُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَلُوطٌ وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَلِكَ قَالَ خَاتَمُ الرُّسُلِ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ [ص: ٨٦]. وَتَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ لَمْ يَتَنَازَع الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّهُ عَمَلٌ صَالِحٌ فَضْلًا عَن أَنْ يَكُونَ جَائِزًا؛ بَل هُوَ مِن فُرُوضِ الْكِفَايَةِ. وَإِنَّمَا تَنَازَعَ العُلَمَاءُ فِي جَوَازِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد: إحْدَاهُمَا -وَهُوَ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ-: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى ذَلِكَ. وَالثَّانِيَةُ -وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ-: أَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ. وَفِيهَا قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد: أَنَّهُ يَجُوزُ مَعَ الْحَاجَةِ دُونَ الْغِنَى؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي وَليَّ الْيَتِيمِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. وَيَجَوزُ أَنْ يُعْطَى هَؤُلَاءِ مِن مَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّعْلِيمِ كَمَا يُعْطَى الْأَئِمَّةُ وَالْمُؤَذَّنُونَ وَالْقُضَاةُ وَذَلِكَ جَائِزٌ مَعَ الْحَاجَةِ. وَهَل يَجُوزُ الارْتزَاقُ (١) مَعَ الْغِنَى؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ. فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِن الْمُسْلِمِينَ أَنَّ عَمَلَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ بغَيْرِ أَجْرٍ لَا يَجُوزُ، وَمَن قَالَ: إنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ (٢). لَكِنْ إنْ أَرَادَ (٣) أَنَّهُ فَقِيرٌ مَتَى عَلَّمَ بِغَيْرِ أَجْرٍ عَجَزَ عَن الْكَسْبِ لِعِيَالِهِ،

стр. 2618

وَالْكَسْبُ لِعِيَالِهِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنٌ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ الْوَاجِبِ الْمُتَعَيِّنِ لِغَيْرِ مُتَعَيَّنٍ، وَاعْتَقَدَ مَعَ ذَلِكَ جَوَازَ التَّعْلِيمِ بِالْأُجْرَةِ مَعَ الْحَاجَةِ أَو مُطْلَقًا: فَهَذَا مُتَأَوِّلٌ فِي قَوْلِهِ، لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ وَلَا يَفْسُقُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ بَل إمَّا أَنْ يَكُونَ فصِيبًا أَو مُخْطِئًا (١). وَمَن فَرَّقَ بَيْنَ الْمُحْتَاجِ وَغَيْرِهِ -وَهُوَ أَقْرَبُ- قَالَ: الْمُحْتَاجُ إذَا اكْتَسَبَ بِهَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَنْوِيَ عَمَلَهَا للهِ، وَيَأْخُذُ الْأُجْرَةَ لِيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى الْعِبَادَةِ؛ فَإِنَّ الْكَسْبَ عَلَى الْعِيَالِ وَاجِبٌ أَيْضًا فَيُؤَدِّي الْوَاجِبَاتِ بِهَذَا؛ بِخِلَافِ الْغَنِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْكَسْبِ، فَلَا حَاجَةَ تَدْعُوهُ أَنْ يَعْمَلَهَا لِغَيْرِ اللهِ؛ بَل إذَا كَانَ اللهُ قَد أَغْنَاهُ -وَهَذَا فُرضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ-: كَانَ هُوَ مخَاطَبًا بِهِ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ إلَّا بِهِ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ عَيْنًا. [٣٠/ ٢٠٤ - ٢٠٧] * * * (حكم التوصية بأَنْ يُصَلَّى عنه ؟) ٣٨٧٩ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَأَوْصَى أَنْ يُصَلَّى عَنْهُ بِدَرَاهِمَ؟ فَأَجَابَ: صَلَاةُ الْفَرْضِ لَا يَفْعَلُهَا أَحَدٌ عَن أَحَدٍ لَا بِأْجْرَة وَلَا بِغَيْرِ أُجْرَةٍ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ بَل لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجرَ أَحَدًا لِيُصَلِّيَ عَنْهُ نَافِلَةً بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، لَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا فِي مَمَاتِهِ، فَكَيْفَ مَن يَسْتَأْجِرُ لِيُصَلَّى عَنْهُ فَرِيضَةً؟ وَإِنّمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا صَلَّى نَافِلَةً بِلَا أُجْرَةٍ وَأَهْدَى ثَوَابَهَا إلَى الْمَيَّتِ، هَل يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ وَلَو نَذَرَ الْمَيِّتُ أَنْ يُصَلَّيَ فَمَاتَ، فَهَل تُفْعَلُ عَنْهُ الصَّلَاةُ الْمَنْذُورَةُ؟ لَكِنَّ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ الَّتِي أَوْصَى بِهَا يُتَصَدَّقُ بِهَا عَنْهُ، وَيَخُصُّ بِالصَّدَقَةِ أَهْلَ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ لِلْمَيِّتِ أَجْرٌ.

стр. 2619

وَكُلُّ صَلَاةٍ يُصَلُّونَهَا وَيَسْتَعِينُونَ عَلَيْهَا بِصَدَقَتِهِ فَيَكُونُ لَهُ مِنْهَا نَصِيبٌ مِن غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أَجْرِ الْمُصَلِّي شَيْءٌ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ" (١)، وَقَالَ: "مَن جَهَّزَ غَازِيًا فَقَد غَزَا" (٢). [٣٠/ ٢٠٣] * * * (الإجارة لا تكون لازمةً أو جَائِزَةً إلا من الطرفين) ٣٨٨٠ - إِذَا آجَرَ الْأَرْضَ أَو الرِّبَاعَ كَالدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ وَالْفَنَادِقِ وَغَيْرِهَا إجَارَةً: كَانت لَازِمَةً مِن الطَّرَفَيْنِ، لَا تَكُونُ لَازِمَةً مِن أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ جَائِزَةً مِن الطَّرَفِ الْآخَرِ؛ بَل إمَّا أَنْ تَكُونَ لَازِمَةً مِنْهُمَا، أَو تَكُونَ جَائِزَةً غَيْرَ لَازِمَةٍ مِنْهُمَا عِنْدَ كَثِيرٍ مِن الْعُلَمَاءِ. كَمَا لَو اسْتَكْرَاهُ كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَم وَلَمْ يُوَقِّتْ أَجَلًا: فَهَذِهِ الْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، فَكُلَّمَا سَكَنَ يَوْمًا لَزِمَتْهُ أُجْرَتُهُ، وَلَهُ أَنْ يَسْكُنَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ، وَلِلْمُؤَجِّرِ أَنْ يَمْنَعَهُ سُكْنَى الْيَوْمِ الثَّانِي، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ أَجَلُ الشَّهْرِ بِكَذَا أَو كلُّ سَنَةٍ بِكَذَا وَلَمْ يُؤَجِّلَا أَجَلًا. لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِن الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْإِجَارَةَ الْمُطْلَقَةَ تَكُونُ لَازِمَةً مِن جَانِبِ الْمُسْتَأْجِرِ غَيْرَ لَازِمَةٍ مِن جَانِبِ الْمُؤَجِّرِ، فِي وَقْفٍ أَو مَالِ يَتِيمٍ وَلَا غَيْرِهِمَا. [٣٠/ ٢١٧ - ٢١٨] * * * (الراجح في مسألة وَضْعِ الْجَوَائِحِ) ٣٨٨١ - إذَا اسْتَأْجَرَ أَرضًا لِلزَّرْعِ فَلَمْ يَأْتِ الْمَطَرُ الْمُعْتَادُ: فَلَهُ الْفَسْخُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ بَل إنْ تَعَطَّلَتْ بَطَلَتْ الْإِجَارَةُ بِلَا فَسْخٍ فِي الْأَظْهَرِ.

стр. 2620

وَأَمَّا إذَا نَقَصَت الْمَنْفَعَةُ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِن الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَت الْمَنْفَعَةُ، نَصَّ عَلَى هَذَا أحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ. فَيُقَالُ: كَمْ أُجْرَةُ الْأَرْضِ مَعَ حُصُولِ الْمَاءِ الْمُعْتَادِ؟ فَيُقَالُ: أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَيُقَالُ: كَمْ أُجْرَتُهَا مَعَ نَقْصِ الْمَطَرِ هَذَا النَّقْصُ؟ فَيُقَالُ: خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَيَحُطُّ عَن الْمُسْتَأْجِرِ نِصْفَ الْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ، فَإِنَّهُ تَلِفَ بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالْعَقْدِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن اسْتِيفَائِهَا، فَهُوَ كَمَا لَو تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيع قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن قَبْضِهِ. وَكَذَلِكَ لَو أَصَابَ الْأَرْضَ جَرَادٌ أَو نَارٌ أَو جَائِحَةٌ أَتْلَفَ بَعْضَ الزَّرْعِ: فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِن الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِن الْمَنْفَعَةِ. وَأَمَّا مَا تَلِفَ مِن الزَّرْعِ فَهُوَ مِن ضَمَانِ مَالِكِهِ، لَا يَضْمَنُهُ لَهُ رَبُّ الْأَرْضِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ (١). وَقَد اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَو نَقَصَت الْمَنْفَعَةُ الْمُسْتَحَقَّةُ بِالْعَقْدِ: كَانَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ، كَمَا لَو اسْتَأْجَرَ طَاحُونًا أَو حَمَّامًا أَو بُسْتَانًا لَهُ مَاءٌ مَعْلُومٌ، فَنَقَصَ ذَلِكَ الْمَاءُ نَقْصًا فَاحِشًا عَمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ. بِخِلَافِ الْجَائِحَةِ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ فَإِنَّ فِيهَا نِزَاعًا مَشْهُورًا، فَلَو اشْتَرَى ثَمَرًا قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ كَانَ مِن ضَمَانِ الْبَائِعِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد. وَأَمَّا ضَمَانُ الْبَسَاتِينِ عَامًا أَو أَعْوَامًا لِيَسْتَغِلَّهَا الضَّامِنُ بِسَقْيِهِ وَعَمَلِهِ كَالْإِجَارَةِ: فَفِيهَا نِزَاعٌ. وَكَذَلِكَ إذَا بَدَا الصَّلَاحُ فِي جِنْسٍ مِن الثَّمَرِ كَالتُّوتِ فَهَل يُبَاعُ جَمِيعُ الْبُسْتَانِ؟ فِيهِ نِزَاعٌ.

стр. 2621

وَالْأَظْهَرُ جَوَازُ هَذَا وَهَذَا. [٣٠/ ٢٥٧ - ٢٥٩] ٣٨٨٢ - إتْلَافُ الْجَيْشِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَضْمِينهُ هُوَ مِن الْآفَاتِ السَّمَاوِيَّةِ كَالْجَرَادِ. وَإِذَا تَلِفَ الزَّرْعُ بِآفَة سَمَاوِيَّةٍ قَبْلَ تَمَكُّنِ الْآخَرِ مِن حَصَادِهِ: فَهَل تُوضَعُ فِيهِ الْجَائِحَةُ كَمَا تُوضَعُ فِي الثَّمَرِ الْمُشْتَرَى؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ، أَصَحُّهُمَا وَأَشْبَهُهُمَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَدْلِ: وَضْعُ الْجَائِحَةِ (١). [٣٠/ ٢٥٥] ٣٨٨٣ - إِن اشْتَرَى ثَمَرًا قَد بَدَا صَلَاحُهُ فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ أَتْلَفَتْهُ قَبْلَ كَمَالِ صَلَاحِهِ: فَإِنَّهُ يَتْلَفُ مِن ضَمَانِ الْبَائِعِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ. وَقَد تَنَازَعَ الْفُقَهَاء: هَل يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَ الْجِذَاذِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أحْمَدَ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، إذ لَو كَانَت مَقْبُوضَةً لَكَانَت مِن ضَمَانِهِ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ بَيْعُهَا وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهَا الْقَبْضَ الْمُبِيحَ لِلتَّصَرُّفِ، وَإِن لَمْ يَقْبِضْهَا الْقَبْضَ النَّاقِلَ لِلضَّمَانِ؛ كَقَبْضِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ فَإِنَّهُ إذَا قَبَضَهَا جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْمَنَافِعِ، وَإِن كَانَت إذَا تَلِفَتْ تَكُونُ مِن ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ. لَكِنْ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ: هَل لَهُ أنْ يُؤَجِّرَهَا بِأَكْثَرِ مِمَّا اسْتَأْجَرَهَا بِهِ؟ قِيلَ: يَجُوزُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رِبْحٌ فِيمَا لَمْ يُضْمَن؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَمْ يَضْمَنْهَا.

стр. 2622

وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا مَضْمونَةٌ عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ، بِمَعْنَى: أَنَّهُ إذَا لَمْ يَسْتَوْفِهَا تَلِفَتْ مِن ضَمَانِهِ لَا مِن ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ، كَمَا لَو تَلِفَ الثَّمَرُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ وَالتَّمَكُّنِ مِن جِذَاذِهِ. وَلَكِنْ إذَا تَلِفَت الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ: كَانَت الْمَنَافِعُ تَالِفَةً مِن ضَمَانِ الْمُؤَجّرِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن اسْتِيفَائِهَا؛ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا قَبْلَ التَّمَكُّنِ وَبَعْدَهُ. وَأَمَّا إذَا اسْتَأْجَرَ أَرضًا لِلِازْدِرَاعِ فَأَصَابَتْهَا آفَةٌ: فَإِذَا تَلِفَ الزَّرْعُ بَعْدَ تَمَكُّنِ الْمُسْتَأْجِرِ مِن أَخْذِهِ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْدَرِ فَيَسْرِقَهُ اللَّصُّ أَو يُؤَخِّرَ حَصَادَهُ عَن الْوَقْتِ حَتَّى يَتْلَفَ، فَهُنَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ الْأُجْرَةُ. وَأَمَّا إذَا كَانَت الْآفَةُ مَانِعَةً مِن الزَّرْعِ فَهُنَا لَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ بِلَا نِزَاعٍ. وَأَمَّا إذَا نَبَتَ الزَّرْعُ وَلَكِنَّ الْآفَةَ مَنَعَتْهُ مِن تَمَامِ صَلَاحِهِ؛ مِثْل نَارٍ أَو رِيحٍ أَو بَرْدٍ أَو غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُفْسِدُهُ بِحَيْثُ لَو كَانَ هُنَاكَ زَرْعٌ غَيْرُهُ لَأَتْلَفَتْهُ، فَهُنَا فِيهِ قَوْلَانِ: أَظْفُرُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِن ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآفَةَ أَتْلَفَت الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ الْمَنْفَعَةُ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الزَّرْعُ حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِن حَصَادِهِ، فَإِذَا حَصَلَ لِلْأَرْضِ مَا يَمْنَعُ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ مًطْلَقًا بَطَلَ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن اسْتِيفَائِهِ. وَلَيْسَ هَذَا مِثْل أَنْ يُسْرقَ مَالهُ أَو يَحْتَرِقَ مِن الدَّارِ؛ فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ بِالْعَقْدِ لَمْ تَتَغَيَّرْ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا هُوَ وَغَيْرُهُ بِأَنْ يَحْفَظَهَا مِن اللِّصِّ أَو الْحَرِيقِ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ: أَنْ يَتْلَفَ الْمَالُ الَّذِي اكْتَرَى الدَّابَّةَ لِحَمْلِهِ فَإِنَّ الْأُجْرَةَ عَلَيْهِ. بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَت الْآفَة مَانِعَةً مِن الِانْتِفَاعِ مُطْلَقًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَوْتِ الدَّابَّةِ وَاحْتِرَاقِ الدَّارِ الْمُؤَجَّرَةِ. وَنَظِيرُ سَرِقَةِ مَتَاعِهِ مِن الدَّارِ: أَنْ يَسْرِقَ سَارِقُ زَرْعَهُ (١).

стр. 2623

وَأَمَّا إذَا جَاءَ جَيْشٌ عَامٌّ فَأَفْسَدَ الزَّرْعَ فَهَذِهِ آفَةٌ سَمَاوَّيةٌ؛ فَإِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ وَلَا الِاحْتِرَازُ مِنْهُ. وَنَظِيرُهُ: أَنْ يَجِيءَ جَيْشٌ عَامٌّ فَيُخْرِجَ النَّاسَ مِن مَسَاكِنِهِمْ الَّتِي يَسْكُنُونَهَا. [٣٠/ ٢٥٩ - ٢٦٣] ٣٨٨٤ - فَصْلٌ (١): فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ فِي الْمُبَايَعَاتِ وَالضَّمَانَاتِ وَالْمُؤَاجَرَاتِ مِمَّا تَمَسُّ الْحَاجَة إلَيْهِ، وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِي قَاعِدَةِ: "تَلَفِ الْمَقْصُودِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن قَبْضِهِ". قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. وَمِن أَكْلِ أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِلِ: أَخذُ أَحَد الْعِوَضَيْنِ بِدُونِ تَسْلِيمِ الْعِوَضِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعُهُودِ وَالْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ هُوَ التَّقَابُضُ، فَكُلٌّ مِن الْعَاقِدَيْنِ يَطْلُبُ مِن الْآخَرِ تَسْلِيمَ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ؛ وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: ١]؛ أَيْ: تَتَعَاهَدُونَ وَتَتَعَاقَدُونَ، وَهَذَا هُوَ مُوجَبُ الْعُقُودِ وَمُقْتَضَاهَا؛ لِأَنَّ كُلُّا مِن الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْعَقْدِ مَا طَلَبَهُ الْآخَرُ وَسَأَلَهُ مِنْهُ. وَلِهَذَا نُهِيَ عَن بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ وَإِيجَابٌ عَلَى النُّفُوسِ بِلَا حُصُولِ مَقْصُودٍ لِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَلَا لَهُمَا.

стр. 2624

وَلِهَذَا حَرَّمَ اللهُ الْمَيْسِرَ الَّذِي مِنْهُ بَيْعُ الْغَرَرِ، وَمِن الْغَرَرِ مَا يُمْكِنُه قَبْضُهُ وَعَدَمُ قَبْضِهِ؛ كَالدَّوَابَّ الشَّارِدَةِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْعَقْدِ -وَهُوَ الْقَبْضُ- غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ. وَبِهَذَا وَقَعَ التَّعْلِيلُ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوَّ صَلَاحِهَا؛ كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَن بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، قِيلَ: وَمَا تُزْهِيَ؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرَأَيْت إذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُدُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ " (١). وَهَذَا الْأَصْلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ فِيهِ نِزَاعٌ، وَهُوَ مِن الْأَحْكَامِ الَّتِي يَجِبُ اتفَاقُ الْأُمَمِ وَالْمِلَلِ فِيهَا فِي الْجُمْلَةِ؛ فَإنَّ مَبْنَى ذَلِكَ عَلَى الْعَدْلِ وَالْقِسْطِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ كَالْمُبَايَعَةِ وَالْمُؤَاجَرَةِ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُعَادَلَةِ وَالْمُسَاوَاةِ مِن الْجَانِبَيْنِ لَمْ يَبْذُلْ أَحَدُهُمَا مَا بَذَلَهُ إلَّا لِيَحْصُلَ لَهُ مَا طَلَبَهُ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا آخِذٌ مُعْطٍ طَالِبٌ مَطْلُوبٌ. فَإِذَا تَلِفَ الْمَقْصُودُ بِالْعَقْدِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن قَبْضِهِ -مِثْل تَلَفِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ قَبْلَ التَّمَكنِ مِن قَبْضِهَا وَتَلَفِ مَا بِيعَ بِكيْل أَو وَزْنٍ قَبْلَ تَمْيِيزِهِ بِذَلِكَ وَإِقْبَاضِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ-: لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمُؤَجِّرِ أَو الْمُشْتَرِي أَدَاءُ الْأجْرَةِ أَو الثَّمَنِ. ثُمَّ إنْ كَانَ التَّلَف عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ ضَمَانُهُ -وَهُوَ التَّلَفُ بِأَمْر سَمَاوِيٍّ-: بَطَلَ الْعَقْدُ وَوَجَبَ رَدُّ الثَّمَنِ إلَى الْمُشْتَرِي إنْ كَانَ قَبَضَ مِنْهُ، وَبَرِئَ مِنْهُ إنْ لَمْ يَكُن قَبَضَ. وإِن كَانَ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُ فِيهِ الضَّمَانُ وَهُوَ أَنْ يُتْلِفَهُ آدمِيٌّ يُمْكِنُ تَضْمِينُهُ:

стр. 2625

فَلِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ لِأجْلِ تَلَفِهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن قَبْضِهِ (١)، وَلَهُ الْإِمْضَاءُ لِإِمْكَانِ مُطَالَبَةِ الْمُتْلِفِ. فَإِنْ فَسَخَ: كَانَت مُطَالَبَةُ الْمُتْلِفِ لِلْبَائِعِ، وَكَانَ لِلْمُشْتَرِي فطَالَبَةُ الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ إنْ كَانَ قَبَضَهُ، وإِن لَمْ يَفْسَخْ كَانَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْمُتْلِفِ، لَكِنَّ الْمُتْلِفَ لَا يُطَالَبُ إلَّا بِالْبَدَلِ الْوَاجِبِ بِالْإِتْلَافِ، وَالْمُشْتَرِي لَا يُطَالِبُ إلَّا بِالْمُسَمَّى الْوَاجِبِ بِالْعَقْدِ. وَهَذَا الْأَصْلُ مُسْتَقرٌّ فِي جَمِيع الْمُعَاوَضَاتِ إذَا تَلِفَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن الْقَبْضِ تَلَفًا لَا ضَمَانَ فِيهِ (٢): انْفَسَخَ الْعَقْدُ. وَإِن كَانَ فِيهِ الضَّمَانُ: كَانَ فِي الْعَقْدِ الْخِيَارُ. وَكَذَلِكَ سَائِر الْوُجُوهِ الَّتِي يَتَعَذَّرُ فِيهَا حُصُولُ الْمَقْصُودِ بِالْعَقْدِ مِن غَيْرِ إيَاسٍ؛ مِثْل أَنْ يَغْصِبَ الْمَبِيع أَو الْمُسْتَأجَرَ غَاصِبٌ، أَو يُفْلِسَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ، أَو يَتَعَذَّرُ فِيهَا مَا تَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجَةُ مِن النَّفَقَةِ وَالْمُتْعَةِ وَالْقَسْمِ، أَو مَا يَسْتَحِقُّهُ الزوْجُ مِن الْمُتْعَةِ وَنَحْوِهَا. وَلَا يُنْتَقَضُ هَذَا بِمَوْتِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَمَامُ الْعَقْدِ وَنهَايَتُهُ، وَلَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لِأنَّ نَفْسَ حُصُولِ الصِّلَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أَحَدُ مَقْصُودَي الْعَقْدِ؛ وَلهَذَا ثَبَتَتْ بِهِ حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ فِي غَيْرِ الرَّبِيبَةِ. فَصْلٌ وَالْأصْلُ فِي أَنَّ تَلَفَ الْمَبِيع وَالْمُسْتَأْجَرِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن قَبْضِهِ يَنْفَسِخُ بِهِ الْعَقْدُ مِن السُّنَّةِ: مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" (٣) عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَو بِعْت مِن أَخِيك ثَمَرًا فَأصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأخُذُ مَالَ أَخِيك بِغَيْرِ حَقٍّ؟ ".

стр. 2626

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ. وَالْعُلَمَاءُ وإِن تَنَازَعُوا فِي حُكْمِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَلَفَ الْمَبِيع قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن الْقَبْضِ يُبْطِلُ الْعَقْدَ وَيُحَرِّمُ أَخْذَ الثَّمَنِ: فَلَسْت أَعْلَمُ عَن النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا صَحِيحًا صَرِيحًا فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَهِيَ: "أنَّ تَلَفَ الْمَبِيع قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن الْقَبْضِ يُبْطِلُ الْعَقْدَ" غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. وَاَلَّذِينَ يُنَازِعُونَ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ لَا يُنَازِعُونَ فِي أَنَّ الْمَبِيع إذَا تَلِفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن الْقَبْضِ يَكُونُ مِن ضَمَانِ الْبَائِعِ. وَأَمَّا النِّزَاعُ فِي أَنَّ تَلَفَ الثَّمَرِ قَبْلَ كَمَالِ صَلَاحِهِ: تَلَفٌ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن الْقَبْضِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُمْ (١) يَقُولُونَ: هَذَا تَلِفَ بَعْدَ قَبْضِهِ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ حَصَلَ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمُشْتَرِي وَبَيْنَهُ؛ فَإِنَّ هَذَا قَبْضُ الْعَقَارِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ؛ وَرلأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَجُوزُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَجَوَازُ التَّصَرّفِ يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْمَبِيع قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ، فَهَذَا سِرُّ قَوْلِهِمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُم: إنَّهُ تَلِفَ بَعْدَ الْقَبْضِ فَمَمْنُوعٌ؛ بَل نَقُولُ: ذَلِكَ تَلفٌ قَبْلَ تَمَامِ الْقَبْضِ وَكَمَالِهِ؛ بَل وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ عَلَيْهِ تَمَامُ التَّرْبِيَةِ مِن سَقْيِ الثَّمَرِ، حَتَّى لَو تَرَكَ ذَلِكَ لَكَانَ مُفَرِّطًا، وَلَو فُرِضَ أَنَّ الْبَائِعَ فَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن التَّخْلِيَةِ فَالْمُشْتَرِي إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَقْبِضَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَعْرُوفِ الْمُعْتَادِ، فَقَد وُجِدَ التَّسْلِيمُ دُونَ تَمَامِ التَّسَلُّمِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُم بِأَنَّ الْقَبْضَ هُوَ التَّخْلِيَةُ: فَالْقَبْضُ مَرْجِعُهُ إلَى عُرْفِ النَّاسِ، حَيْثُ لَمْ يَكُن لَه حَدٌّ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ. وَقَبْضُ ثَمَرِ الشَّجَرِ لَا بُدَّ فِيهِ مِن الْخِدْمَةِ وَالتَّخْلِيَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ إلَى كَمَالِ الصَّلَاحِ، بِخِلَافِ قَبْضِ مُجَرَّدِ الْأصُولِ.

стр. 2627

وَتَخْلِيَةُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ: الْمَنَافِعُ فِي الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُم بِجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالْبَيْعِ، فَعَن أَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَا دَامَ مَضْمُونًا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ فَلَا يَجُوزُ، وَعَلَى هَذَا يُمْنَعُ الْحُكْمُ فِي الْأَصْلِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ التَّصَرُّفُ، وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنَافِعِ الْإِجَارَةِ بِأَنَّهَا لَو تَلِفَتْ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ كَانَت مِن ضَمَانِ الْمُؤَجِّرِ بِالِاتِّفَاقِ، وَمَعَ هَذَا فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا قَبْلَ الْقَبْضِ. وَعَلَى هَذَا فَعِنْدَنَا لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ جَوَازِ التَّصَرُّفِ وَالضَّمَانِ (١). فَصْلٌ وَالْجَوَائِحُ مَوْضُوعَةٌ فِي جَمِيعِ الشَّجَرِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. فَصْلٌ هَذَا إذَا اشْتَرَى الثَّمَرَةَ وَالزَّرْعَ، فَإِن اشْتَرَى الْأَصْلَ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرِ أَو قَبْلَ التَّأْبِيرِ، وَاشْتَرَطَ الثَّمَرَ فَلَا جَائِحَةَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ هُنَا حَصَلَ الْقَبْضُ الْكَامِلُ بِقَبْضِ الْأَصْلِ؛ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ سَقْيٌ وَلَا مَئُونَةٌ أَصْلًا؛ فَإِنَّ الْمَبِيع عَقَارٌ، وَالْعَقَارُ قُبِضَ بِالتَّخْلِيَةِ، وَالثَّمَرُ دَخَلَ ضِمْنًا وَتَبَعًا، فَإِذَا جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ صَلَاحِهِ جَازَ هُنَا تَبَعًا، وَلَو بِيعَ مَقْصُودًا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ صَلَاحِهِ. فَصْلٌ هَذَا الْكَلَامُ فِي الْبَيْعِ الْمَحْضِ لِلثَّمَرِ وَالزَّرْعِ. وَأَمَّا الضَّمَان وَالْقَبَالَةُ، وَهُوَ أَنْ يَضْمَنَ الْأَرْضَ وَالشَّجَرَ جَمِيعًا بِعِوَضٍ

стр. 2628

وَاحِدٍ لِمَن يَقُومُ عَلَى الشَّجَرِ وَالْأَرْضِ وَيَكُونُ الثَّمَرُ وَالزَّرْعُ لَهُ: فَهَذَا الْعَقْدُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَنْصُوصٌ عَن أَحْمَدَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فِي ذَلِكَ تَبَعًا لِلثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ إذَا كَانَت الْأَرْضُ هِيَ الْمَقْصُودَة، وَالشَّجَرُ تَابعٌ لَهَا؛ بِأَنْ يَكُونَ شَجَرًا قَلِيلًا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَالثَّالِثُ: جَوَازُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، قَالَهُ طَائِفَةٌ مِن أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْهُم ابْن عَقِيلٍ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ إجَارَةَ الْأَرْضِ جَائِزَةٌ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلَّا بِإِدْخَالِ الشَّجَرِ فِي الْعَقْدِ، فَجَازَ لِلْحَاجَةِ تَبَعًا. وَأَمَّا إذَا جَعَلْنَا الضَّمَانَ صَحِيحًا: فَإِنَّا نَقُولُ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ فِيهِ، كَمَا نَقُولُهُ فِي الشِّرَاءِ وَأَوْلَى أَيْضًا. فَصْلٌ وَأَمَّا الْجَوَائِحُ فِي الْإِجَارَةِ فَنَقُولُ: لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ مَنَافِعَ الْإِجَارَةِ إذَا تَعَطَّلَتْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِن اسْتِيفَائِهَا سَقَطَت الْأُجْرَةُ. وَتَعَطُّلُ الْمَنْفَعَةِ يَكونُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَلَفُ الْعَيْنِ كَمَوْتِ الْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ. وَالثَّانِي: زَوَالُ نَفْعِهَا بِأَنْ يَحْدُثَ عَلَيْهَا مَا يَمْنَعُ نَفْعَهَا؛ كَدَارٍ انْهَدَمَتْ، وَأَرْضٍ لِلزَّرْعِ غَرِقَتْ، أَو انْقَطَعَ مَاؤُهَا. فَهَذِهِ إذَا لَمْ يَبْقَ فِيهَا نَفْعٌ: فَهِيَ كَالتَّالِفَةِ سَوَاءً لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَحَدٍ مِن الْعُلَمَاءِ. وَإِن زَالَ بَعْضُ نَفْعِهَا الْمَقْصُودِ وَبَقِيَ بَعْضُهُ؛ مِثْل أَنْ يُمْكِنَهُ زَرْعُ الْأَرْضِ بِغَيْرِ مَاءٍ وَيَكُونُ زَرْعًا نَاقِصًا، وَكَانَ الْمَاءُ يَنْحَسِرُ عَن الْأَرْضِ الَّتِي غَرِقَتْ عَلَى

стр. 2629

وَجْهٍ يَمْنَعُ بَعْضَ الزِّرَاعَةِ أَو نُشُوءَ الزَّرْعِ: مَلَكَ فَسْخَ الْإِجَارَةِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ كَالْعَيْبِ فِي الْبَيْعِ، وَلَمْ تَبْطُلْ بِهِ الْإِجَارَةُ. وَإِن تَعَطَّلَ نَفْعْهَا بَعْضَ الْمُدَّةِ: لَزِمَهُ مِن الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا انْتَفَعَ بِهِ كَمَا قَالَ الخرقي. فَإِنْ جَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ يَحْجُرُ الْمُسْتَأْجِرَ عَن مَنْفَعَةِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ: لَزِمَهُ مِن الْأُجْرَةِ بِمِقْدَارِ مُدَّةِ انْتِفَاعِهِ. فَصْلٌ إذَا تَبَيَّنَ هَذَا: فَإِذَا اسْتَأْجَرَ أَرضى لِلزَّرْعِ فَقَد يَنْقَطِعُ الْمَاءُ عَنْهَا أَو تَغْرَقُ قَبْلَ الزَّرْعِ (١)، أَو يُصِيبُ الزَّرْعَ آفَةٌ بَعْدَ زَرْعِهَا وَقَبْلَ وَقْتِ الْحَصَادِ، فَمَا الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ؟ الْمَنْصُوصُ عَن أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ وَغَيْرِهِمْ فِي انْقِطَاعِ الْمَاءِ: أَنَّ انْقِطَاعَهُ بَعْدَ الزَّرْعِ كَانْقِطَاعِهِ قَبْلَهُ، إنْ حَصَلَ مَعَهُ بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ وَجَبَ مِن الْأُجْرَةِ بِقِسْطِ ذَلِكَ (٢). وَهَذَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: حُصُولُ الْمَنْفَعَةِ فِي بَعْضِ زَمَنِ الْإِجَارَةِ أَو بَعْضِ أَجْزَاءِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، فَهَذَا تَسْقُطُ فِيهِ الْأُجْرَةُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ وَيَجِبُ بِقِسْطِ مَا حَصَلَ مِن الْمَنْفَعَةِ، وَتَكُونُ الْأُجْرَةُ مَقْسُومَةً عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ؛ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَد يَكُونُ مُتَمَاثِلًا وَقَد يَكُونُ مُخْتَلِفًا، بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَرْضِ خَيْرًا مِن بَعْضٍ، وَكَرْيُ بَعْضِ فُصُولِ السُّنَّةِ أَغْلَى مِن بَعْضٍ. وَالثَّانِي: نَقْصُ الْمَنْفَعَةِ فِي نَفْسِ الْمَكَانِ الْوَاحِدِ وَالزَّمَانِ الْوَاحِدِ؛ مِثْل أَنْ يَقِلَّ مَاءُ السَّمَاءِ عَن الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ أَو يَحْصُلُ غَرَقٌ يُنْقِصُ الزَّرْعَ وَنَحْو ذَلِكَ، فَهُنَا لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ:

стр. 2630

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلَّا الْفَسْخَ. وَالثَّانِي -وَهُوَ مُقْتَضَى الْمَنْصُوصِ وَقِيَاس الْمَذْهَب-: أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَبَيْنَ الْأَرْشِ كَالْبَيْعِ؛ بَل هُوَ فِي الْإِجَارَةِ أَوْكَدُ؛ لِأَنّهُ فِي الْبَيْعِ يُمْكِنُهُ الرَّدُّ وَالْمُطَالَبَةُ بِالثَّمَنِ، وَهُنَا لَا يُمْكِنُهُ رَدُّ جَمِيعِ الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّهُ لَا يَرُدُّهَا إلَّا مُتَغَيِّرَةً. فَلَو قِيلَ هُنَا: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْمُطَالَبَةُ بِالْأَرْشِ، كَمَا نَقُولُ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ: إنَّ تَعَيُّبَ الْمَبِيع عِنْدَ الْمُشْتَرِي يَمْنَعُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ الْقَدِيمِ وَيُوجِبُ الْأَرْشَ: لَكَانَ ذَلِكَ أَوْجَهَ وَأَقْيَسَ مِن قَوْلِ مَن يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ إذَا تَعَقَّبَ الْمَنْفَعَةَ إلَّا الرَّدُّ دُونَ الْمُطَالَبَةِ بِالْأَرْشِ، فَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا بَعِيدٌ عَن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ. وَعَلَى هَذَا فَإِذَا حَصَلَ مِن الضَّرَرِ- كَالْبَرْدِ الشَّدِيدِ وَالْغَرَقِ وَالْهَوَاءِ الْمُؤْذِي وَالْجَرَادِ وَالْجَلِيدِ وَالْفَأْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ - مَا نَقَّصَ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ الْمُعْتَادَةَ الْمُسْتَحَقَّةَ بِالْعَقْدِ: فَيُصْنَعُ فِي ذَلِكَ كَمَا يُصْنَعُ فِي أَرْشِ الْمَبِيع الْمَعِيبِ: تُنْظَرُ قِيمَةُ الْأَرْضِ بِدُونِ تِلْكَ الْآفَةِ، وَقِيمَتُهَا مَعَ تِلْكَ الْآفَةِ، وَيُنْسَبُ النَّقْصُ إلَى الْقِيمَةِ الْكَامِلَةِ، وَيُحَطُّ مِن الْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ بِقَدْرِ النَّقْصِ. كَأَنْ تَكُونَ أُجْرَتُهَا مَعَ السَّلَامَةِ تُسَاوِي أَلْفًا، وَمَعَ الْآفَةِ تُسَاوِي ثَمَانِمِائَةٍ؛ فَالْآفَةُ قَد نَقَّصَتْ خُمْسَ الْقِيمَةِ؛ فَيُحَطُّ خُمْسُ الْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ. وَكَذَلِكَ فِي جَائِحَةِ الثَّمَرِ: يُنْظَرُ كَمْ نَقَصَتْهُ الْجَائِحَةُ؟ هَل نَقَصَتْهُ ثُلُثَ قِيمَتِهِ أَو رُبْعَهَا أَو خُمْسَهَا؟ يُحَطُّ عَنْهُ مِن الثَّمَنِ بِقَدْرِهِ. وَكَذَلِكَ لَو تَغَيَّرَ الثَّمَرٌ وَعَابَ: نُظِرَ كَمْ نَقَصَهُ ذَلِكَ الْعَيْبُ مَن قِيمَتِهِ وَحُطَّ مِن الثَّمَنِ بِنِسْبَتِهِ. وَأَمَّا مَا قَد يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ جَائِحَةَ الزَّرْعِ فِي الْأَرْضِ الْمُسْتَأجَرَةِ تُوضَعُ مِن رَبَّ الْأَرْضِ، أَو يُوضَعُ مِن رَبِّ الْأَرْضِ بَعْضُ الزَّرْعِ قِيَاسًا عَلَى جَائِحَةِ الْمَبِيع فِي الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ: فَهَذَا غَلَطٌ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لِلثَّمَرِ وَالزَّرْعِ مَلَكَ
следующие страницы →