← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

وعنه: يكون شريكًا بالزيادة، اختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٤/ ٧٦] ٣٩٢٢ - قَوْلُهُ: وَإِن نَقَصَتْ الْعَيْنُ؛ أيْ: قِيمَةُ الْعَيْنِ (١) لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ (٢): لم يَضْمَنْ (٣)، نصَّ عليه. وعنه: يَضْمَنُ، اخْتَارَهُ ابن أبي مُوسَى وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ (٤). [المستدرك ٤/ ٧٦] ٣٩٢٣ - إن وطئ الجارية فعليه الحد والمهر وإن كانت مطاوعة وأرش البكارة. وعنه: لا يلزمه مهر للثيب (٥)، اختاره الشيخ تقي الدين، ولم يوجب عليه سوى أرش البكارة. [المستدرك ٤/ ٧٦] ٣٩٢٤ - لو بايع الرجل مُبايعات يعتقد حلها، ثم صار المال إلى وارث، أو منتهب، أو مشتر يعتقد تلك العقود محرمة: فالمثال الأصلي لهذا: اقتداء المأموم بصلاة إمام أخلَّ بما هو فرض عند المأموم دونه، والصحيح الصحة. [المستدرك ٤/ ٧٧] ٣٩٢٥ - ما قبضه الإنسان بعقد مختلف فيه يعتقد صحته: لم يجب عليه رده في أصح القولين. [المستدرك ٤/ ٧٧] ٣٩٢٦ - من كسب مالًا حرامًا برضاء الدافع ثم تاب؛ كثمن خمر ومهر

стр. 2662

البغي وحلوان الكاهن: فالذي يتلخص من كلام أبي العباس أن القابض إذا لم يعلم التحريم ثم علم جاز له أكله. وإن علم التحريم أولًا ثم تاب: فإنه يتصدق به، كما نصَّ عليه أحمد في حامل الخمر. وللفقير أكله، ولولي الأمر أن يعطيه أعوانه، وإن كان فقيرًا أخذ هو كفايته له. [المستدرك ٤/ ٧٧] ٣٩٢٧ - ظاهر كلام أبي العباس أن نفس المصيبة لا يؤجر عليها (١)، وقاله (٢) أبو عبيدة؛ بل (٣) إن صبر أثيب على صبره. [المستدرك ٤/ ٧٧] ٣٩٢٨ - ويضمن المغصوب بمثله مكيلًا أو موزونًا أو غيرهما حيث أمكن، وإلا فالقيمة. وإذا تغير السعر وفُقد المثل: فينتقل إلى القيمة وقت الغصب، وهو

стр. 2663

أرجح الأقوال (١). [المستدرك ٤/ ٧٩] ٣٩٢٩ - من كانت عنده غصوب وودائع وغيرها لا يعرف أربابها: صرفت في المصالح. وقال العلماء: ولو تصدق بها جاز، وله الأكل منها ولو كان عاصيًا إذا تاب وكان فقيرًا. [المستدرك ٤/ ٧٩] ٣٩٣٠ - لا يجوز لوكيل بيت المال ولا غيره بيع شيء من طريق المسلمين النافذ، وليس للحاكم أن يحكم بصحته. [المستدرك ٤/ ٧٩] ٣٩٣١ - ما لبيت المال من المقاسمة أو الأرض الخراجية لا يباع لما فيه من إضاعة حقوق المسلمين. [المستدرك ٤/ ٧٩] ٣٩٣٢ - من غرم بسبب كذبٍ عليه عند ولي الأمر: فله تضمين الكاذب عليه بما غرمه. [المستدرك ٤/ ٧٩] ٣٩٣٣ - قدر المتلف إذا لم يُمكن تحديده: عُمل فيه بالاجتهاد، كما يفعل في قدر قيمته بالاجتهاد؛ إذ الخرص والتقويم واحد؛ فإن الخرص: هو الاجتهاد في معرفة مقدار الشيء، والتقويم: هو الاجتهاد في معرفة مقدار ثمنه؛ بل قد يكون الخرص أسهل. وكلاهما يجوز مع الحاجة. وعمل شيخنا بالاجتهاد في قيمة المتلف فخرص الصبرة، واعتبر في مُزارع أتلف مغل سنتين بالسنين المعتدلة، وفي ربح مضارب بشراء رفقته من نوع متاعه وبيعهم في مثل سفره. [المستدرك ٤/ ٧٩ - ٨٠] ٣٩٣٤ - لو اشترى مغصوبًا من غاصبه ولا يعلم به رجع بنفقته وعمله على بائع غار له. [المستدرك ٤/ ٨٠] ٣٩٣٥ - قال تقي الدين فيمن اشترى مال مسلم من التتار لما دخلوا الشام:

стр. 2664

إنْ لم يَعْرِفْ صَاحِبَهُ صَرَفَ في الْمَصَالِحِ، وَأَعْطَى مُشْتَرِيَهُ ما اشْتَرَاهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لم يَصِرْ لها إلَّا بِنَفَقَتِهِ، وَإِنْ لم يَقْصِدْ ذلك، كما رَجَّحْته فِيمَنْ اتَّجَرَ بِمَالِ غَيْرِهِ وَرَبِحَ. [المستدرك ٤/ ٨٠] ٣٩٣٦ - من تصرف بولاية شرعية: لم يضمن؛ كمن مات ولا ولي له ولا حاكم، وليس لصاحبه إذا علم رَدُّ المعاوضة؛ لثبوت الولاية عليها شرعًا. [المستدرك ٤/ ٨٠] ٣٩٣٧ - إذا كان المتلف مما لا يباع [لعذر] (١)؛ مثل الثمر والزرع قبل بدو صلاحه: فههنا لا يجوز تقويمه بشرط القطع؛ لأنه مستحقٌّ للإبقاء (٢). [وقد لا يكون له قيمة، بل كالجنين في الحيوان. فههنا: - إما أن يُقَوَّم مستحق الإبقاء] (٣)، وإن لم يجز بيعه. - وإما أن يُقَوَّم مع الأصل ثم يقوم الأصل بدونه. وأما أنْ ينظر إلى حالةِ كَمَالِه فَيُقَوَّم بدون نفقة الإبقاء: ففيه نظر؛ لإمكان تلفه قبل ذلك. وأما إذا جاز بيعه مستحق الإبقاء فيقوم مستحق الإبقاء، كما تقوم المنقولات مع جواز الَافات عليها جميعًا. [الاختيارات ٢٣٥] ٣٩٣٨ - إذا كان للناس على إنسان ديون، أو امظالم بقدر ما لَه على الناس من الديون والمظالم: كان يسوغ أن يُقال: يُحاسب بذلك فيه بقدر حقه من هذا، ويصرف (٤) إلى غريمه، كما يُفعل في الدنيا بالمدين الذي له وعليه، يُستوفىَ ما له، ويُوفَّى ما عليه. [المستدرك ٤/ ٨٣]

стр. 2665

٣٩٣٩ - من ندم ورد المغصوب (١) بعد موت المغصوب منه: كان للمغصوب منه مطالبته في الآخرة؛ لتفويته عليه الانتفاع به في حياته، كما لو مات الغاصب فرده وارثه. [المستدرك ٤/ ٨٣] ٣٩٤٠ - من مات معدمًا: يرجى أن الله يقضي عنه ما عليه. [المستدرك ٤/ ٨٣] ٣٩٤١ - للمظلوم الاستعانةُ بمخلوق (٢)، فإذا خالَفَه (٣): فالأولى له الدعاء على من ظلمه، ويجوز الدعاء بقدر ما يُوجبه ألَمُ ظلمه، لا على من شتمه، أو أخذ ماله: بالكفر (٤). [المستدرك ٤/ ٨٣] ٣٩٤٢ - من أمر رجلًا بإمساك دابة ضارية، فجنت عليه: ضمنه إن لم يعلمه بها. ويضمن جناية ولد الدابة إن فرط. [المستدرك ٤/ ٨٤] ٣٩٤٣ - الدابة إذا أرسلها صاحبها بالليل كان مفرطًا، فهو كما إذا أرسلها قرب زرع. ولو كان معها راكب أو قائد أو سائق: فما أفسدت بفمها أو يدها فهو عليه؛ لأنه تفريط، وهو مذهب أحمد. [المستدرك ٤/ ٨٤] ٣٩٤٤ - لو ادعى صاحب الزرع أن غنم فلان نفشت ليلًا، ووُجد أثرٌ في الزرع أثرُ غنم: قضي بالضمان على صاحب الغنم. وجعل الشيخ تقي الدين هذا من القيافة في الأموال، وجعلها معتبرة كالقيافة في الأنساب. [المستدرك ٤/ ٨٤]

стр. 2666

٣٩٤٥ - من لم يسد بئره سدًّا يمنع من الضررضمن ما تلف بها. [المستدرك ٤/ ٨٤] ٣٩٤٦ - من العقوبة الثابتة: إتلاف الثوبين المعصفرين، كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو، وإراقة عمر اللبن الذي شيب بالماء للبيع. [المستدرك ٤/ ٨٤] ٣٩٤٧ - الصدقة بالمغشوش أولى من إتلافه. [المستدرك ٤/ ٨٤] ٣٩٤٨ - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: عَمَّن غَصَبَ زَرْعَ رَجُلٍ وَحَصَدَهُ، هَل يُبَاحُ لِلْفُقَرَاءِ اللِّقَاطُ الْمُتَسَاقِطُ؟ فَأجَابَ: نَعَمْ، يُبَاحُ اللِّقَاطُ، كَمَا كَانَ يُبَاحُ لَو حَصَدَهَا الْمَالِكُ، كَمَا يُبَاحُ رَعْيُ الْكَلَإِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، نَصَّ الْإِمَامِ أَحْمَد عَلَى هَذِهِ الْمَسْأْلَةِ الثَّانِيَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا يُبَاحُ مِن الْكَلَإِ وَاللِّقَاطِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْغَصْبِ وَعَدَمِهِ، وَلَا يَمْنَعُهُ حَقُّ الْمَالِكِ (١). [٣٠/ ٣١٧] ٣٩٤٩ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ لَهُ أَرْضٌ مِلْكٌ، فَجَاءَ رَجُلٌ جَذَّ زَرْعَهُ مِنْهَا ثُمَّ زَرَعَهَا فِي ثَانِي سَنَةٍ، فَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟ فَأَجَابَ: لَيْسَ لأحَد أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ بَل لَهُ أَنْ يُطَالِبَ مَن زَرَعَ فِي مِلْكِهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَلَهُ أَنْ يَأخذَ الزَّرْعَ إذَا كَانَ قَائِمًا وَيُعْطِيَهُ نَفَقَتَهُ. [٣٠/ ٣١٧ - ٣١٨] ٣٩٥٠ - لِلْمُشْتَرِي أنْ يَرْجِعَ عَلَى الْغَاصِب بِالثَّمَنِ الَّذِي قَبَضَهُ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ (٢) عَالِمًا بِالْغَصْبِ أَو لَمْ يَكُن عَالِمًا؛ فَإِنًّ الثَّمَنَ قَبَضَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَو كَانَ بِرِضَاهُ.

стр. 2667

فَإِنَّهُمَا لَو تَبَايَعَا مَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ مِن خَمْرٍ أَو خِنْزِيرٍ بِرِضَاهُمَا لَوَجَبَ أَنْ يَرُدَّ الْمَبِيع فَيُتْلِفَ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ، وَيَرُدَّ عَلَى الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ، فَكَيْفَ إذَا بَاعَهُ مَالَ الْغَيْرِ؟ وَبِأَيِّ وَجْهٍ بَقِيَ الثَّمَن فِى يَدِ الْغَاصِبِ فَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي. [٣٠/ ٣١٩] ٣٩٥١ - إذَا أَنْزَى عَلَى بَهَائِمِهِ فَحْلَ غَيْرِهِ: فَالنَّتَاجُ لَهُ. وَلَكِنْ إذَا كَانَ ظَالِمًا فِي الْإِنْزَاءِ؛ بِحَيْثُ يَضُرُّ بِالْفَحْلِ الْمُنْزِي: فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ لِصَاحِبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهُ: تَصَدَّقَ بِقِيمَةِ نَقْصِهِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَضُرُّهُ: فَلَا قِيمَةَ لَهُ (١)؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن عَسْبِ الْفَحْلِ (٢). [٣٠/ ٣٢٠] ٣٩٥٢ - إذَا كَانَ اشْتَرَاهَا [أي: البهائم] بِثَمَنٍ بَعْضُهُ لَهُ وَبَعْضُهُ مَغْصُوبٌ: فَنِصْفُهَا مِلْكُهُ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لَا يَسْتَحِقُّهُ؛ بَل يَدْفَعُهُ إلَى صَاحِبِهِ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ. فَإِنْ حَصَلَ مِن ذَلِكَ نَمَاءٌ: كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْأَصْلِ: نِصْفُهُ لَهُ وَنِصْفُهُ لِلْجِهَةِ الْأُخْرَى. [٣٠/ ٣٢١] ٣٩٥٣ - وَقَال ﵀: سُئِلْتُ عَن قَوْمٍ أُخِذَتْ لَهُم غَنَمٌ أَو غَيْرُهَا مِن الْمَالِ، ثُمَّ رُدَّتْ عَلَيْهِم أَو بَعْضُهَا، وَقَد اشْتبهَ مِلْكُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضِ. فَأَجَبْتهمْ: أَنَّهُ إنْ عُرِفَ قَدْرُ الْمَالِ تَحْقِيقًا: قُسِمَ الْمَوْجُودُ بَيْنَهُم عَلَى قَدْرِهِ، وَإِن لَمْ يُعْرَفْ إلَّا عَدَدُهُ: قُسِمَ عَلَى الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ الْمَالَيْنِ إذَا اخْتَلَطَا قُسِمَا بَيْنَهُمَا، وَإِن كَانَ يَدْفَعُ لِكلٍّ مِنْهُم عَن مَالِهِ مَا كَانَ لِلْآخَرِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَاطَ جَعَلَهُم شُرَكَاءَ.

стр. 2668

وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا اشْتَرَكَا فِيمَا يَتَشَابَهُ مِن الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ أَنَّهُ يَصِحُّ. [٣٠/ ٣٣٠ - ٣٣١] ٣٩٥٤ - وَسُئِلَ: عَن تجَّارٍ أَخَذَهُم حَرَامِيَّةٌ، ثُمَّ رَدُّوا عَلَيْهِم مِن الْمَالِ شَيْئًا، فَهَل مَن عَرَفَ شَيْئًا مِن مَالِهِ يَأْخُذُهُ؟ أَو يُقْسَمُ عَلَى رُءُوسِ الْأَمْوَالِ الْمَأْخُوذَةِ بِالسَّوِيَّةِ؟ فَأَجَابَ: أَمَّا مَن وَجَدَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ عَدِمَتْ أَمْوَالُهُم فَيَتَقَاسَمُونَ مَا غَرِمَهُ الْحَرَامِيَّةُ لَهُم عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ، لَا عَلَى عَدَدِ الرُّؤُوسِ. [٣٠/ ٣٣٤] ٣٩٥٥ - الْقِصَاصُ فِي إتْلَافِ الْأمْوَالِ؛ مِثْل أَنْ يَخْرِقَ ثَوْبَهُ فَيَخْرِقَ ثَوْبَهُ الْمُمَاثِلَ لَهُ، أَو يَهْدِمَ دَارَهُ فَيَهْدِمَ دَارَهُ وَنَحْو ذَلِكَ: فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد: أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ؛ لِأَنَّهُ إفْسَاد، وَلِأَنَّ الْعَقَارَ وَالثِّيَابَ غَيْرُ مُمَاثِلَةٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ؛ لِأَنَّ الْأَنْفُسَ وَالْأَطْرَافَ أَعْظَمُ قَدْرًا مِن الْأَمْوَالِ، وَإِذَا جَازَ إتْلَافُهَا عَلَى سَبِيلِ الْقِصَاصِ لِأَجْلِ اسْتِيفَاءِ الْمَظْلُومِ فَالْأَمْوَالُ أَوْلَى (١). وَلهَذَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُفْسِدَ أَمْوَالَ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا أَفْسَدُوا أَمْوَالَنَا كَقَطْعِ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ. وَإِن قِيلَ بِالْمَنْعِ مِن ذَلِكَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ؛ فَإِنَّهُ إذَا أَتْلَفَ لَهُ ثِيَابًا أَو حَيَوَانًا أَو عَقَارًا وَنَحْو ذَلِكَ: فَهَل يَضْمَنُهُ بِالْقِيمَةِ أَو يَضْمَنُهُ بِجِنْسِهِ مَعَ

стр. 2669

الْقِيمَةِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ (١). وَلَا رَيْبَ أَنَّ ضَمَانَ الْمَالِ بِجِنْسِهِ مَعَ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ أَقْرَبُ إلَى الْعَدْلِ مِن ضَمَانِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَهُوَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ مَعَ اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ. [٣٠/ ٣٣٢/ ٣٣٣] ٣٩٥٦ - وَسُئِلَ: عَن عَسْكَرٍ نَزَلُوا مَكَانًا بَاتُوا فِيهِ، فَجَاءَ أَنَاسٌ سَرَقُوا لَهُم قُمَاشًا فَلَحِقُوا السَّارِقَ فَضَرَبَهُ أَحَدُهُم بِالسَّيْفِ، ثُمَّ حُمِلَ إلَى مُقَدَّمِ الْعَسْكَرِ ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَأَجَابَ: إذَا كَانَ هَذَا هُوَ الطَّرِيق فِي اسْتِرْجَاعِ مَا مَعَ السَّارِقِ لَمْ يَلْزَم الضَّارِبَ شَيْءٌ، وَقَد رَوَى ابْن عُمَرَ: أَنَّ لِصًّا دَخَلَ دَارَهُ فَقَامَ إلَيْهِ بِالسَّيْفِ، فَلَوْلَا أَنَّهُم رَدُّوهُ عَنْهُ لَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢): "مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ". [٣٠/ ٣٣٤ - ٣٣٥] ٣٩٥٧ - الْأَرَاضِي السُّلْطَانِيَّةُ وَالطَّوَاحِينُ السُّلْطَانِيَّةُ الَّتِي لَمْ يُعْلَم أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ: يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا مُزَارَعَةً بِنَصِيب مِن الزَّرْعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهَا، وَيَجُوزَ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا بِأُجْرَتِهِ مَعَ الضَّمَانِ. وَأَمَّا إذَا عَلِمَ أَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ: فَهَذِهِ فِيهَا نِزَاعٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجوزُ الْعَمَلُ فِيهَا إذَا كَانَ الْعَامِلُ لَا يَأْخُذُ إلَّا أُجْرَةَ عَمَلِهِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ قَد ظَلَمَ أَحَدًا شَيْئًا؛ فَالْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِن تَعْطِيلِهَا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. وَهَذَا إنْ أَمْكَنَ أَنْ تُرَدَّ إلَى أَصْحَابِهَا، وَإِلَّا صُرِفَتْ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَجْهُولُ كَالْمَعْدُومِ. وَأَمَّا إذَا عُرِفَ أَنَّ لِلْأَرْضِ مَالِكًا مُعَيَّنًا، وَقَد أُخِذَتْ مِنْهُ بِغَيْرِ حَقٍّ: فَلَا ئعْمَلُ فِيهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ أَو إذْنِ وَلِيِّهِ أَو وَكِيلِهِ. [٣٠/ ٣٣٥ - ٣٣٦]

стр. 2670

٣٩٥٨ - إِنَّ الْغَاصِبَ إذَا قَبَضَ مِنَ الْعَيْنِ الْمُشْتَرَكَةِ نَصِيبَ أَحَدِ الشَّرِيكيْنِ كَانَ ذَلِكَ مِن مَالِ ذَلِكَ الشَّرِيكِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ أَخْذَ مَالِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ. [٣٠/ ٣٤٥] ٣٩٥٩ - مَا حَصَلَ بِسَبَبِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ مِنَ الْمَغَارِمِ الَّتِي تُؤْخَذُ ظُلْمًا أَو غَيْرَ ظُلْمٍ: فَهِيَ عَلَى الْمَالِ جَمِيعِهِ لَا يَخْتَصُّ بِهَا بَعْضُهُم. [٣٠/ ٣٩١] * * * (حكم الضرائب والعمل بها إذا كان مُجْتَهِدًا فِي الْعَدْلِ وَرَفْعِ الظُّلْمِ) ٣٩٦٠ - هَذِهِ الْكُلَفُ (١) الَّتِي تُطْلَبُ مِن النَّاسِ بِحَقٍّ أَو بِغَيْرِ حَقٍّ (٢): يَجِبُ الْعَدْلُ فِيهَا، وَيَحْرُمُ أَنْ يُوَفَّرَ فِيهَا بَعْضُ النَّاسِ وَيُجْعَلَ قِسْطُهُ عَلَى غَيْرِهِ. وَمَن قَامَ فِيهَا بِنِيَّةِ الْعَدْلِ وَتَخْفِيفِ الظُّلْمِ مَهْمَا أَمْكَنَ وَإِعَانَةِ الضَّعِيفِ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ الظُّلْمُ عَلَيْهِ بِلَا نِيَّةِ إعَانَةِ الظَّالِمِ: كَانَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ إذَا تَحَرَّى الْعَدْلَ وَابْتَغَى وَجْهَ اللهِ (٣). [٣٠/ ٣٣٦] ٣٩٦١ - أَمَّا الْفُقَهَاءُ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ يُفْتَى بِقَوْلِهِمْ فَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُم جَوَازَ ذَلِكَ [أي: الْجِهَاتُ السُّلْطَانِيَّة]، وَلَكِنْ فِي أَوَائِلِ الدَّوْلَةِ "السَّلْجُوقِيَّةِ" أَفْتَى طَائِفَةٌ مِن الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِجَوَازِ ذَلِكَ، وَحَكى أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِهِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَقَد كَانَ نُورُ الذينِ مَحْمُود الشَهِيدُ (٤) التُّرْكِيُّ قَد

стр. 2671

أَبْطَلَ جَمِيعَ الْوَظَائِفِ الْمُحْدَثَةِ بِالشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَمِصْرَ وَالْحِجَازِ. [٣٢/ ٦٠] ٣٩٦٢ - وسُئِلَ الشَّيْخُ -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ-: عَن رَجُلٍ مُتَوَلٍّ وِلَايَاتٍ، وَمُقْطِعِ إقْطَاعَاتٍ، وَعَلَيْهَا مِن الْكُلَفِ السُّلْطَانِيَّةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَهُوَ يَخْتَارُ أَنْ يُسْقِطَ الظُّلْمَ كُلَّهُ، وَيَجْتَهِدَ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَأَقْطَعَهَا غَيْرَهُ وَوَلَّى غَيْرَهُ فَإِنَّ الظُّلْمَ لَا يُتْرَكُ مِنْهُ شَيْءٌ؛ بَل زبَّمَا يَزْدَادُ، وَهُوَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُخَفِّفَ تِلْكَ الْمُكُوسَ الَّتِي فِي إقْطَاعِهِ (١). فَأجَابَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا فِي الْعَدْلِ وَرَفْعِ الظُّلْمِ بِحَسَبِ إمْكَانِهِ وَوِلَايَتِهِ خَيْرٌ وَأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ مِن وِلَايَةِ غَيْرِهِ، وَاسْتِيلَاؤُهُ عَلَى الْإِقْطَاعِ خَيْرٌ مِن اسْتِيلَاءِ غَيْرِهِ كَمَا قَد ذُكِرَ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْبَقَاءُ عَلَى الْوِلَايَةِ وَالْإِقْطَاعِ، وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ بَل بَقَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ أَفْضَلُ مِن تَرْكِهِ إذَا لَمْ يَشْتَغِلْ إذَا تَرَكَهُ بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَقَد يَكُونُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَاجِبًا إذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُ قَادِرًا عَلَيْهِ. فَنَشْرُ الْعَدْلِ -بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ- وَرَفْعُ الظُّلْمِ -بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ-: فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ يَقُومُ كُلُّ إنْسَانٍ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ إذَا لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ مَقَامَه، وَلَا يُطَالَبُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِمَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِن رَفْعِ الظُّلْمِ. وَالْمُقْطِعُ الَّذِي يَفْعَلُ هَذَا الْخَيْرَ: يَرْفَعُ عَن الْمُسْلِمِينَ مَا أَمْكَنَهُ مِن الظُّلْمِ، وَيَدْفَعُ شَرَّ الشِّرِّيرِ، بِأَخْذِ بَعْضِ مَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ. فَمَا لَا يُمْكِنُهُ رَفْعُهُ هُوَ مُحْسِنٌ إلَى الْمُسْلِمِينَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، يُثَابُ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِيمَا يَأْخُذُهُ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا أَخَذَهُ، وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إذَا كَانَ مُجْتَهِدًا فِي الْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ (٢). [٣٠/ ٣٥٦ - ٣٥٨] * * *

стр. 2672

(المظالم المشتركة) ٣٩٦٣ - فَصْلٌ فِي "الْمَظَالِمِ الْمُشْتَرِكَةِ" الَّتِي تُطْلَبُ مِن الشُّرَكَاءِ مِثْل الْمُشْتَرِكِينَ فِي قَرْيَةٍ، أَو مَدِينَةٍ إذَا طُلِبَ مِنْهُم شَيْء يُؤْخَذُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ أَو رُؤُوسِهِمْ؛ مِثْل الْكُلَفِ السُّلْطَانِيَّةِ الَّتِي تُوضَعُ عَلَيْهِم كُلِّهِمْ؛ إمَّا عَلَى عَدَدِ رُؤُوسِهِمْ، أَو عَدَدِ دَوَابِّهِمْ، أَو عَدَدِ أَشْجَارِهِمْ، أَو عَلَى قَدْرِ أَمْوَالِهِمْ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُم أَكْثَرُ مِن الزَّكَوَاتِ الْوَاجِبَةِ بِالشَّرْعِ، أَو أَكْثَرُ مِن الْخَرَاجِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ، أَو تُؤْخَذُ مِنْهُم الْكُلَفُ الَّتِي أُحْدِثَتْ فِي غَيْرِ الْأَجْنَاسِ الشَّرْعِيَّةِ، كَمَا يُوضَعُ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ لِلطَّعَامِ وَالثِّيَابِ وَالدِّوَابِّ وَالْفَاكِهَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: يُؤْخَذُ مِنْهُم إذَا بَاعُوا، وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ تَارَةً مِن الْبَائِعِينَ، وَتَارَةً مِن الْمُشْتَرِينَ. وَإِن كَانَ قَد قِيلَ: إنَّ بَعْضَ ذَلِكَ وُضِعَ بِتَأْوِيلِ وُجُوبِ الْجِهَادِ عَلَيْهِم بِأَمْوَالِهِمْ، وَاحْتِيَاجِ الْجِهَادِ إلَى تِلْكَ الْأَمْوَالِ، كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ "غِيَاثِ الْأُمَمِ" (١)، وَغَيْرِهِ مَعَ مَا دَخَلَ فِي ذَلِكَ مِن الظُّلْمِ الَّذِي لَا مَسَاغَ لَهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ. وَمِثْل الْجِبَايَاتِ الَّتِي يَجْبِيهَا بَعْضُ الْمُلُوكِ مِن أَهْلِ بَلَدِهِ كُلَّ مُدَّةٍ، وَيَقُولُ: إنَّهَا مُسَاعَدَةٌ لَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ، وَمِثْل مَا يَطْلُبُهُ الْوُلَاةُ أَحْيَانًا مِن غَيْرِ أَنْ يَكونَ رَاتِبًا. فَهَؤُلَاءِ الْمُكْرَهُونَ عَلَى أَدَاءِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِم لُزُومُ الْعَدْلِ فِيمَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَظْلِمَ بَعْضًا فِيمَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ؛ بَل عَلَيْهِم الْتِزَامُ الْعَدْلِ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُم بغَيْرِ حَقٍّ، كَمَا عَلَيْهِم الْتِزَامُ الْعَدْلِ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنْهُم بِحَقِّ، فَإِنَّ هَذِهِ الْكُلَفَ الَّتِي أَخِذَتْ مِنْهُم بِسَبَبِ نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ حَالُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَخْذِ فَقَد يَكُونُ أَخْذًا بِحَقِّ، وَقَد يَكونُ أَخْذًا بِبَاطِلٍ (٢).

стр. 2673

وَأَمَّا الْمُطَالَبُونَ بِهَا فَهَذِهِ كُلَفٌ تُؤْخَذُ مِنْهُم بِسَبَبِ نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَظْلِمَ بَعْضًا فِي ذَلِكَ؛ بَل الْعَدْلُ وَاجِبٌ لِكُلِّ أَحَدٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَالظُّلْمُ لَا يُبَاحُ شَيْءٌ مِنْهُ بِحَال. وَحِينَئِذٍ فَهَؤُلَاءِ الْمُشْتَرِكونَ لَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَفْعَلَ مَا بِهِ ظُلْمُ غَيْرِهِ؛ بَل إمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ قِسْطَهُ فَيَكُونَ عَادِلًا، وَإِمَّا أَنْ يُؤَدِّيَ زَائِدًا عَلَى قِسْطِهِ فَيُعِينَ شُرَكَاءَهُ بِمَا أُخِذَ مِنْهُم فَيَكُونَ مُحْسِنًا. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَن أَدَاءِ قِسْطِهِ مِن ذَلِكَ الْمَالِ امْتِنَاعًا يُؤْخَذُ بِهِ قِسْطُهُ مِن سَائِر الشُّرَكَاءِ، فَيَتَضَاعَفُ الظُّلْمُ عَلَيْهِمْ. وَعَلَى هَذَا: فَإِذَا تَغَيَّبَ بَعْضُ الشُّرَكَاءِ، أَو امْتَنَعَ مِن الْأَدَاءِ فَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ وَأُخِذَ مَن غَيْرِهِ حِصَّتُهُ: كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ قَدْرَ نَصِيبِهِ إلَى مَن أدَّى عَنْهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ، كَمَا يُؤَدِّي مَا عَلَيْهِ مِن الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ، وَيُلْزَمُ بِذَلِكَ، وَيُعَاقَبُ عَلَى أَدَائِهِ، كَمَا يُعَاقَبُ عَلَى أَدَاءِ سَائِر الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِ؛ كَالْعَامِلِ فِي الزَّكَاةِ إذَا طَلَبَ مِن أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَكْثَرَ مِن الْوَاجِبِ، وَأَخَذَهُ بِتَأْوِيلٍ، فَلِلْمَأْخُوذِ مِنْهُ أَنْ يَرْجعَ عَلَى الْآخَرِ بِقِسْطِهِ. وَإِن كَانَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ: فَعَلَى قَوْلَيْنِ، أَظْهرُهُمَا أَنَّ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ أَيْضًا. [٣٠/ ٣٣٧ - ٣٤٢] * * * (مَن أَدَّى عَن غَيْرِهِ وَاجِبًا فَهل يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ ؟) ٣٩٦٤ - مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ الْمَشْهُورُ عَنْهُ وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ كُلَّ مَن أدَّى عَن غَيْرِهِ وَاجِبًا فَلَهُ أنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُن مُتَبَرِّعًا بِذَلِكَ، وَإِن أدَّاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ مِثْل مَن قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، سَوَاءٌ كَانَ قَد ضَمِنَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَأَدَّاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَو أَدَّاهُ عَنْهُ بِلَا ضَمَانٍ. وَقَد دَلَّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾

стр. 2674

[الطلاق: ٦] فَأَمَرَ بِإِيتَاءِ الْأَجْرِ بِمُجَرَّدِ إرْضَاعِهِنَّ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ عَقْدَ اسْتِئْجَارٍ، وَلَا إذْنِ الْأَبِ لَهَا فِي أَنْ تُرْضِعَ بِالْأَجْرِ. وَكَذَلِكَ مَن خَلَّصَ مَالَ غَيْرِهِ مِن التَّلَفِ بِمَا أَدَّاهُ عَنْهُ: يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ؛ مِثْل مَن خَلَّصَ مَالًا مِن قُطَّاعٍ، أَو عَسْكَرٍ ظَالِمٍ، أَو مُتَوَلٍّ ظَالِمٍ، وَلَمْ يُخَلِّصْهُ إلَّا بِمَا أَدَّى عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِذلِكَ وَهُوَ مُحْسِنٌ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وَإِن لَمْ يَكُن مُؤْتَمَنًا عَلَى ذَلِكَ الْمَالِ، وَلَا مُكْرَهًا عَلَى الْأَدَاءِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مُحْسِنٌ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وَهَل جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلَّا الْإِحْسَانُ؟ فَإِذَا خَلَّصَ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ بِأَلْفٍ أَدَّاهَا عَنْهُ: كَانَ مِن الْمُحْسِنِينَ، فَإِذَا أَعْطَاهُ الْأَلْفَ كَانَ قَد أَعْطَاهُ بَدَلَ قَرْضِهِ، وَبَقِيَ عَمَلُهُ وَسَعْيُهُ فِي تَخْلِيصِ الْمَالِ إحْسَانًا إلَيْهِ لَمْ يَجْزِهِ بِهِ (١). هَذَا أَصْوَبُ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. وَمَن جَعَلَهُ فِي مِثْل هَذَا مُتَبَرِّعًا وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا: فَقَد قَالَ مُنْكَرًا مِن الْقَوْلِ وَزُورًا، وَقَد قَابَلَ الْإِحْسَانَ بِالْإِسَاءَةِ، وَمَن قَالَ هَذَا هُوَ الشَّرْعُ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ فَقَد قَالَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ، لَكنَّهُ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَقَد خَالَفَهُم آخَرُونَ. وَنِسْبَةُ مِثْل هَذِهِ الْأَقْوَالِ إلَى الشَّرْعِ: تُوجِبُ سُوءَ ظَنِّ كَثِيرٍ مِن النَّاسِ فِي الشَّرْعِ، وَفِرَارَهُم مِنْهُ، وَالْقَدْحَ فِي أَصْحَابِهِ (٢). فَإِنَّ مِن الْعُلَمَاءِ مَن قَالَ قَوْلًا بِرَأيِهِ وَخَالَفَهُ فِيهِ آخَرُونَ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَرْعٌ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللهِ؛ بَل الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ قَد تَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ قَوْلِهِ.

стр. 2675

وَقَد يَتَّفِقُ أَنَّ مَن يَحْكُمُ (١) بِذَلِكَ يَزِيدُ ذَلِكَ ظُلْمًا بِجَهْلِهِ وَظُلْمِهِ، وَيَتَّفِقُ أَنَّ كُلَّ أَهْلِ ظُلْمٍ وَشَرٍّ يَزِيدُونَ الشَّرَّ شَرًّا، وَيَنْسُبُونَ هَذَا الظُّلْمَ كُلَّهُ إلَى شَرْعِ مَن نَزَّهَهُ اللهُ عَن الظُّلْمِ، وَبَعَثَهُ بِالْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَجَعَلَ الْعَدْلَ الْمَحْضَ الَّذِي لَا ظُلْمَ فِيهِ هُوَ شَرْعُهُ. وَلهَذَا كَانَ الْعَدْلُ وَشَرْعُهُ مُتَلَازِمَيْنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾ [المائدة: ٤٢]. [٣٠/ ٣٤٨ - ٣٥٥] * * * (إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عِنْدَ غَيْرِهِ حَقٌّ: فَهَل يَأْخُذُهُ أَو نَظِيرَهُ بِغَيْرِ إدْنِهِ ؟) ٣٩٦٥ - إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عِنْدَ غَيْرِهِ حَقٌّ مِن عَيْنٍ أَو دَيْنٍ: فَهَل يَأْخُذُهُ أَو نَظِيرَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؟ فَهَذَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ ظَاهِرًا لَا يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتٍ؛ مِثْل اسْتِحْقَاقِ الْمَرْأَةِ النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجِهَا، وَاسْتِحْقَاقَ الْوَلَدِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَالِدُهُ، وَاسْتِحْقَاقِ الضَّيْفِ الضِّيَافَةَ عَلَى مَن نَزَلَ بِهِ، فَهُنَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِدُونِ إذْنِ مَن عَلَيْهِ الْحَقُّ بِلَا ريبٍ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عتبة بْنِ رَبِيعَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ: إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَإِنَّهُ لَا يُعْطِينِي مِن النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَبَنِيَّ، فَقَالَ: "خُذِي مَا يَكلفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ". فَأَذِنَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ نَفَقَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ بِدُونِ إذْنِ وَليِّهِ. وَهَكَذَا مَن عَلِمَ أَنَّهُ غُصِبَ مِنْهُ مَالُهُ غَصْبًا ظَاهِرًا يَعْرِفُهُ النَّاسُ، فَأَخَذَ

стр. 2676

الْمَغْصُوبَ أَو نَظِيرَهُ مِن مَالِ الْغَاصِبِ، وَكَذَلِكَ لَو كَانَ لَهُ دَيْنٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ يَمْطُلُهُ، فَأَخَذَ مِن مَالِهِ بِقَدْرِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَلَّا يَكُونَ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ ظَاهِرًا؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ قَد جَحَدَ دَيْنَهُ، أَو جَحَدَ الْغَصْبَ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُدَّعِي، فَهَذَا فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد. وَالثَّانِي: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَالْمُجَوِّزُونَ يَقُولُونَ: إذَا امْتَنَعَ مِن أَدَاءِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ: ثَبَتَت الْمُعَاوَضَةُ بِدُونِ إذْنِهِ لِلْحَاجَةِ. لَكِنْ مَن مَنَعَ الْأَخْذَ مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ الْحَقِّ اسْتَدَلَّ بِمَا فِي السُّنَنِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَن ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَن خَانَك" (١). وَفِي "الْمُسْنَدِ" عَن بَشِيرِ بْنِ الخصاصية أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ لَنَا جِيرَانًا لَا يَدَعُونَ لَنَا شَاذَّةً وَلَا فَادَّةً إلَّا أَخَذُوهَا، فَإِذَا قَدَرْنَا لَهُم عَلَى شَيْءٍ أَنَأْخُذُهُ؟ قَالَ: "لَا، أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَن ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَن خَانَك". فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُبَيِّنُ: أَنَّ حَقَّ الْمَظْلُومِ فِي نَفْسِ الْأمْرِ إذَا كَانَ سَبَبُهُ لَيْسَ ظَاهِرًا، وأَخَذَهُ (٢) خِيَانَةً: لَمْ يَكُن لَهُ ذَلِكَ. وَإِن كَانَ هُوَ يَقْصِدُ أَخْذَ نَظِيرِ حَقِّهِ، لَكِنَّهُ خَانَ الَّذِي ائْتَمَنَهُ، فَإِنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ إلَيْهِ مَالَهُ فَأَخَذَ بَعْضَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالِاسْتِحْقَاقُ لَيْسَ ظَاهِرًا كَانَ خَائِنًا.

стр. 2677

وَإِذَا قَالَ: أنَا مُسْتَحِقٌّ لِمَا أَخَذْته فِي نَفْسِ الْأَمْرِ: لَمْ يَكُن مَا ادَّعَاهُ ظَاهِرًا مَعْلُومًا. فَإِنْ قِيلَ: لَا ريبَ أَنَّ هَذَا يُمْنَعُ مِنْهُ ظَاهِرًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ قُدَّامَ النَّاسِ؛ لِأنَّهُم مَأْمُورُونَ بِإِنْكَارِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ فِي الظَّاهِرِ، لَكِنَّ الشَّأْنَ إذَا كَانَ يُعْلَمُ سِرًّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ؟ قِيلَ: فِعْل ذَلِكَ سِرًّا يَقْتَضِي مَفَاسِدَ كَثِيرَةً مَنْهِيٌّ عَنْهَا، فَإِنَّ فِعْلَ ذَلِكَ فِي مَظِنَّةِ الظُّهُورِ وَالشُّهْرَةِ، وَفِيهِ ألَّا يَتَشَبَّهَ بِهِ مَن لَيْسَ حَالُهُ كَحَالِهِ فِي الْبَاطِنِ. [٣٠/ ٣٧١ - ٣٧٤] * * * (حكم المديون إذا تُوُفِّي وله عند صاحب الدَّين بضاعة تزيد على ثمن الدَّين) ٣٩٦٦ - [لا يجوز أنْ يكذب على من كذب عليه، ولا يشهد بزور على من شهد عليه بزور، ولا يكفِّره بباطل كما كفَّره بالباطل، ولا يقذفه كذبًا كما قذفه كذبًا، ولا يفجر إذا خاصمه كما فجر هو، وكذلك لا يجوز أن يغرر في عقد عقده بينهما لأجل كونه غرر به، فلا يخونه كما خانه، والشارع نهى عن الخيانة لمن خانه، ولم يجعل ذلك قصاصًا، فلا يأخذ من ماله بغير علمه بقدر ما أخذه هو، وهذا أصح قولي العلماء] (١). وأما إذا كان الرجل غصب مال الرجل مجاهرة فغصب من ماله مجاهرة بقدر ماله: فليس هذا من هذا الباب؛ فإن الأول (٢): يؤدي إلى التأويلات الفاسدة، وأن يحلل لنفسه ما لا يحل له أخذه.

стр. 2678

وهذا (١) يَعْرف ما أخذه فلا يأخذ إلا قدر حقه أو أكثر، ويكون معلومًا لا يمكن إنكاره. [المستدرك ٤/ ٧٩] ٣٩٦٧ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ مَدْيُونٍ، وَلَهُ عِنْدَ صَاحِبِ الدَّيْنِ بِضَاعَةٌ، وَالثَّمَنُ سَبْعُونَ دِرْهَمًا، وَمِقْدَارُ الْبِضَاعَةِ تِسْعُونَ دِرْهَمًا، وَقَد تُوُفِّيَ الْمَدْيُونُ، وَاحْتَاطَ (٢) عَلَى مَوْجودِهِ، فَأَرَادَ صَاحِبُ الدَّيْنِ أَنْ يُطْلِعَ الْوَرَثَةَ عَلَى الْبِضَاعَةِ، فاختشى أَنْ يَأْخُذُوهَا وَلَمْ يُوَصِّلُوهُ إلَى حَقِّهِ، وَإِن أَخْفَاهَا فَيَبْقَى إثْمُ فَرْطِهَا عَلَيْهِ، وَيَخَافُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِغَيْرِ الْبِضَاعَةِ؟ فَأَجَابَ: يَبِيعُهَا وَيَسْتَوْفِي مِن الثَّمَنِ مَا لَهُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ مِن الْأُجْرَةِ وَالثَّمَنِ، وَمَا بَقِيَ يُوَصِّلُهُ إلَى مُسْتَحِقِّ تَرِكَتِهِ. وَإِذَا حَلَّفُوهُ فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدِي غَيْرُ هَذَا، وَإِن أَحَبَّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِضَاعَةَ مِثْل تِلْكَ الْبضَاعَةِ وَيَحْلِفَ أنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عِنْدَهُ إلا هَذَا، بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ الْبِضَاعَةُ مِثْل تِلْكَ أَو خَيْرًا مِنْهَا. [٣٠/ ٣٧٥ - ٣٧٦] * * * (حكم دفع البهائم الداخلة إلى المزارع) ٣٩٦٨ - لَيْسَ لَهُم [أي: المزارعين] دَفْعُ الْبَهَائِم الدَّاخِلَةِ إلَى زَرْعِهِمْ إلَّا بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، فَإِذَا أَمْكَنَ إخْرَاجُهُمَا بِدُونِ الْعَرْقَبَةِ (٣) فَعَرْقَبُوهُمَا عُزِّرُوا عَلَى تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَعَلَى الْعُدْوَانِ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ بِمَا يَرْدَعُهُم عَن ذَلِكَ، وَضَمِنُوا لِلْمَالِكِ بَدَلَهُمَا. وَعَلَى أَهْلِ الزرْعِ حِفْظُ زَرْعِهِمْ بِالنَّهَارِ، وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظُ مَوَاشِيهِمْ بِاللَّيْلِ، كَمَا قَالَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ . [٣٠/ ٣٧٧] * * *

стр. 2679

(الرّجْلُ جُبَارٌ) ٣٩٦٩ - وَسُئِلَ ﵀: عَن غُلَامٍ فِي يَدِهِ فَرَسٌ، فَطَلَعَتْ نَعَامَةٌ مِن إصْطَبْلٍ، وَهَجَمَتْ عَلَى الْخَيْلِ، وَالْغُلَامُ مَاسِكٌ الْفَرَسَ، وَاثْنَانِ قُعُودٌ، فَرَفَسَ أَحَدَهُمَا وَتُوُفِّيَ، فَمَا يَجِبُ عَلَى الْغُلَامِ؟ فَأَجَابَ: إذَا رَفَسَتْهُ بِرِجْلِهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْغُلَامِ وَلَا عَلَى صَاحِبِ الْفَرَسِ؛ بَل الْفَرَسُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ؛ كَمَالِكِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَفِي "السُّنَنِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الرّجْلُ جُبَار" (١). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَضْمَنُ مَا ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ إذَا كَانَ عَلَى الْفَرَسِ رَاكِبٌ، أَو قَائِدٌ، أَو سَائِقٌ، كَمَا وَافَقَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْيَدِ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يفَرِّط الْغُلَامُ الَّذِي هُوَ مُمْسِكٌ لِلْفَرَسِ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ مِثْل أَنْ تجْفَلَ الْفَرَسُ وَيُحَذِّرَ الْقَرِيبَ مِنْهَا، فَيَقُولُ: حَاذِرُوا، فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ فَمَن رَفَسَتْ مِنْهُمَا كَانَ هُوَ الْمُفَرِّطُ، وَلَمْ يَكُن عَلَى أَحَدٍ ضَمَانٌ بِاتّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. [٣٠/ ٣٧٩] * * * (بَابُ الشُّفْعَةِ) (٢) ٣٩٧٠ - إنما تجب في عقارٍ تجب قسمته.

стр. 2680

وعنه: أو لا (١)، اختاره ابن عقيل وشيخنا (٢). [المستدرك ٤/ ٨٥] ٣٩٧١ - اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ فِي الْعَقَارِ الَّذِي يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ -قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ-؛ كَالْقَرْيَةِ وَالْبُسْتَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

стр. 2681

وَتَنَازَعُوا فِيمَا لَا يَقْبَلُ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ، وَإِنَّمَا يُقْسَمُ بِضَرَرٍ أَو رَدِّ عِوَضٍ فَيَحْتَاجُ إلَى التَّرَاضِي: هَل تَثْبُت فِيهِ الشُّفْعَةُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَثْبُتُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ (١) كمَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللهُ. وَالثَّانِي: لَا تَثْبُتُ فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (٢) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي أَرْضٍ أَو رَبْعَةٍ أو حَائِطٍ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِن شَاءَ تَرَكَ، فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَفوَ أَحَقُّ بِهِ". وَلَمْ يَشْتَرِط النَّبِيُّ ﷺ فِي الْأَرْضِ وَالرَّبْعَةِ وَالْحَائِطِ أَنْ يَكونَ مِمَّا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، فَلَا يَجُوزُ تَقْيِيدُ كَلَام الرَّسُولِ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ مِن كَلَامِهِ، لَا سِيَّمَا وَقَد ذَكَرَ هَذَا فِي بَابِ تَأْسِيسِ إثْبَاتِ الشُّفْعَةِ. وَلَيْسَ عَنْهُ لَفْظٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي الشُّفْعَةِ أَثْبَتُ مِن هَذَا. وَقَد تَنَازَعَ النَّاسُ فِي شُفْعَةِ الْجَارِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، أَعْدَلُهَا هَذَا الْقَوْلُ: أنَّهُ إنْ كَانَ شَرِيكًا فِي حُقُوقِ الْمِلْكِ ثَبَتَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ وَإِلَّا فَلَا. وَأَيْضًا: فَمِن الْمَعْلُوم أنَّهُ إذَا أَثْبَتَ النَّبِيُّ ﷺ الشُّفْعَةَ فِيمَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، فَمَا لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ أَوْلَى بِثبوتِ الشُّفْعَةِ فِيهِ؛ فَإِن الضَّرَرَ فِيمَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ يُمْكنُ رَفْعُهُ بِالْمُقَاسِمَةِ، وَمَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ الْقِسْمَةُ يَكُونُ ضَرَرُ الْمُشَارَكَةِ فِيهِ أَشَدَّ. [٣٠/ ٣٨١ - ٣٨٣] ٣٩٧٢ - الِاحْتِيَالُ عَلَى إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الِاحْتِيَالِ عَلَيْهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا وَبَعْدَ انْعِقَادِ السَّبَبِ، وَهُوَ مَا إذَا

стр. 2682

أَرَادَ الْمَالِكُ بَيْعَ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ، مَعَ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاحْتِيَالُ عَلَى إسْقَاطِ حَقِّ مُسْلِمٍ، وَمَا وُجدَ مِن التَّصَرُّفَاتِ لِأَجْلِ الِاحْتِيَالِ الْمُحَرَّمِ فَهُو بَاطلٌ. [٣٠/ ٣٨٦] ٣٩٧٣ - تثبت شفعة الجوار مع الشركة في حقٍّ من حقوق الملك: من طريق أو ماء أو نحو ذلك نصَّ عليه أحمد. [المستدرك ٤/ ٨٥] ٣٩٧٤ - إذا حابى البائع المشتري بالثمن محاباة خارجة عن العادة: يتوجه ألا يكون [للشريك] (١) أخذه إلا بالقيمة، أو أن لا شفعة له؛ فإن المحاباة بمنزلة الهبة من بعض الوجوه. [المستدرك ٤/ ٨٥] ٣٩٧٥ - أولى الروايات في مذهب الإمام أحمد أنه لا شفعة لكافر على مسلم. وقد يفرق بين أن يكون الشقص لمسلم فلا تجب الشفعة، أو لذمي فتجب. وحينئذٍ فهل العبرة بالبائع أو المشتري أو كليهما أو أحدهما؟ أربع احتمالات. [المستدرك ٤/ ٨٥] ٣٩٧٦ - لو ترك الولي شفعة موليه فنصه: لا يسقط. وقيل: بلى. وقيل: مع عدم الحظ. قلت: قال في تصحيح الفروع بعد أن ذكر وجهين: والوجه الثالث: إن كان فيها حظ لم تسقط، وإلا سقطت، وعليه أكثر الأصحاب. واختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٤/ ٨٥ - ٨٦]

стр. 2683

٣٩٧٧ - إن أسقط الشفعة قبل البيع لم تسقط. ويحتمل أن تسقط، وهو رواية عن الإمام أحمد. واختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٤/ ٨٦] ٣٩٧٨ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ اشْتَرَى نِصْفَ حَوْشٍ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ اشْتَرَاهُ رَجُلٌ آخَرُ، وَأَوْقَفَ حِصَّتَهُ قَبْلَ طَلَبِ الشَّرِيكِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّ الشَّرِيكَ الْأَوَّلَ قَالَ: أَنَا آخُذُهُ بِالشُّفْعَةِ، فَهَل لَهُ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ؛ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ الثَّانِيَ وَقَفَهُ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، وَشُفْعَةُ الْأَوَّلِ بَطَلَتْ؛ لِكَوْنِهِ أَخَّرَ الطَّلَبَ بَعْدَ عِلْمِهِ حَتَى خَرَجَتْ عَن مِلْك الْمُشْتَرِي بِوَقْف أَو غَيْرِهِ، فَلَا شُفْعَةَ. وَإِن كَانَ قَد أَخْرَجَهُ مِن مِلْكِهِ بِالْبَيْعِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِالْبَيْعِ: فَلَهُ الشُّفْعَةُ. وَأَمَّا الْوَقْفُ وَالْهِبَةُ فَفِيهِ نِزَاعٌ. [٣٠/ ٣٨٧] * * * (بَابُ الْوَدِيعَةِ) ٣٩٧٩ - لو أودع المودَعُ بلا عذر ضمن (١)، والمودَع الثاني: لا يضمن إن جهل (٢)، وهو رواية عن أحمد. وكذا المرتهن منه. وهو وجه في المذهب. [المستدرك ٤/ ٨٦] ٣٩٨٠ - لو قال المودَع: أودعنيها (٣) الميتُ، وقال: هي (٤) لفلان، وقال ورثته: بل هي له وليست لفلان، ولم يُقم بينة أنها كانت للميت ولا على الإيداع؟

стр. 2684

قال أبو العباس: أفتيت أن القول قول المودَع مع يمينه؛ لأنه قد ثبتت له اليد. [المستدرك ٤/ ٨٦] ٣٩٨١ - إذا تلفت الوديعة فللمودِع قبض البدل؛ لأن من يملك قبض العين يملك قبض البدل؛ كالوكيل وأولى. [المستدرك ٤/ ٨٦] ٣٩٨٢ - إذا استعمل كاتبًا خائنًا أو عاجزًا: أثم بما أذهب من حقوق الناس لتفريطه. [المستدرك ٤/ ٨٦] ٣٩٨٣ - إن دفعها إلى أجنبي أو حاكم ضمن، وليس للمالك مطالبة الأجنبي. واختاره الشيخ تقي الدين ﵀. [المستدرك ٤/ ٨٧] ٣٩٨٤ - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: عَن دَلَّالٍ أَعْطَاهُ إنْسَانٌ قُمَاشًا لِيَخْتِمَهُ وَيَبِيعَهُ، فَمَا وَجَدَ الْخَتَّامَ، فَأَوْدَعَهُ عِنْدَ رِجْلٍ خَيَّاطٍ أَمِينٍ عَادَتُهُم يُودِعُونَ عِنْدَهُ، فَحَضَرَ صَاحِبُ الْقُمَاشِ هُوَ وَدَلَّالٌ آخَرُ، وَأَخَذُوا الْقُمَاشَ مِن عِنْدِهِ، وَلَمْ يَكُن الَّذِي أَوْدَعَهُ حَاضِرًا، فَادَّعَى صَاحِبُ الْقُمَاشِ أَنَّهُ عُدِمَ لَهُ مِنْهُم ثَوْبٌ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الدَّلَّالُ، فَهَل يَلْزَمُ الدَّلَالَ الَّذِي كَانَت عِنْدَهُ الْوَدِيعَةُ شَيْءٌ؟ فَأَجَابَ: إذَا اذَعَوْا (١) عَدَمَ قَبْضِ الْوَدِيعَةِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الدَّلَّالُ (٢): فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ (٣) مَعَ يَمِينِهِ، مَا لَمْ تَقُمْ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ عَلَى تَصْدِيقِ دَعْوَاهُمْ. وَأَمَّا إذَا عُدِمَ مِنْهَا شَيْءٌ: فَإِنْ كَانَ الدَّلَّالُ فَرَّطَ بِحَيْثُ فَعَلَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ لَفْظًا وَلَا عُرْفًا: ضَمِنَ. فَإِذَا كَانَ مِن عَادَتِهِمْ الْإِيدَاعُ عِنْدَ هَذَا الْأَمِينِ، وَأَصْحَابُ الْقُمَاشِ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَيُقِرُّونَهُ عَلَيْهِ: فَلَا ضَمَانَ عَلَى الدَّلَّالِينَ. [٣٠/ ٣٨٩] ٣٩٨٥ - وَسُئِلَ ﵁: عَن رَجُلٍ مَاتَ وَتَرَكَ بِنْتَيْنِ وَزَوْجَةً، وَإِحْدَى الْبِنْتَيْنِ

стр. 2685

غَائِبَةٌ، فَهَل يَجُوزُ لِمَن لَهُ النَّظَرُ عَلَى هَذِهِ التَّرِكَةِ (١) أَنْ يُودِعَ مَالَ الْغَائِبَةِ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ هَل يَحْفَظُهُ الْمُودَعُ عِنْدَهُ أَمْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِنَفْسِهِ؟ وَإِذَا حَدَثَ مَظْلِمَةٌ عَلَى جُمْلَةِ التَّرِكَةِ: هَل يَخْتَصُّ بِاسْتِدْفَاعِهَا عَن التَّرِكَةِ مَالُ الْغَائِبَةِ، أَو يَعُمُّ جَمِيعَ الْمَالِ الْمَتْرُوكِ؟ فَأَجَابَ: هَذَا الْمَالُ صَارَ تَحْتَ يَدِهِ (٢) أَمَانَةً، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَهُ حِفْظَ الْأَمَانَاتِ، وَلَا يُودِعَهُ إلَّا لِحَاجَةٍ. فَإِنْ أَوْدَعَهُ عِنْدَ مَن يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ حِفْظُهُ لَهُ؛ كَالْحَاكِمِ الْعَادِلِ إنْ وُجِدَ أَو غَيْرِهِ، بِحَيْث لَا يَكُونُ فِي إيدَاعِهِ تَفْرِيطٌ: فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَإِن فَرَّطَ فِي إيدَاعِهِ فَأوْدَعَهُ لِخَائِنٍ أَو عَاجِزٍ مَعَ إمْكَانِ أَلَّا يَفْعَلَ ذَلِكَ: فَهُوَ مُفَرِّطٌ ضَامِنٌ. وَأَمَّا الْمُودَع إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ: فَفِي تَضْمِينِهِ قَوْلَانِ لأَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَذْهَبِ أحْمَد وَغَيْرِهِ، أَظْهُرُهُمَا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. [٣٠/ ٣٩٠ - ٣٩١] ٣٩٨٦ - لَو صَرَّحَ الْوَصِيُّ بِتَخْصِيصِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ بِالْمَالِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ بِدُونِ إجَازَةِ الْبَاقِينَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. [٣٠/ ٣٩٣] ٣٩٨٧ - أُمُّ الْوَلَدِ لَا تَرِثُ مِن سَيِّدِهَا شَيْئًا، لَكنْ إذَا مَاتَ أَحَدُ بَنِيهَا [وَرِثَتْ مِنْهُ] (٣). [٣٠/ ٣٩٣] ٣٩٨٨ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ تَحْتَ يَدِهِ بَعِيرٌ وَدِيعَةَ، فَسُرِقَ مِن جُمْلَةِ إبِلِهِ، ثُمَّ لَحِقَ السَّارِقَ وَأَخَذَ مِنْهُ الْإِبِلَ، وَامْتَنَعَ مِن دَفْع ذَلِكَ الْبَعِيرِ لِلْمُودَع حَتَّى يَحْلِفَ أَنَّهُ كَانَ الْبَعِيرُ عَلَى مِلْكِهِ، فَحَلَفَ بِاللهِ الْعَظِيمِ أَنَّهُ عَلَى مُلْكِهِ، وَقَصَدَ بذَلِكَ مِلْكَ الْحِفْظِ؟

стр. 2686

فَأَجَابَ: أَمَّا إذَا [قَصَد] (١) مُلْكَ قَبْضهِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَلَا إثْمَ. وَإِن قَصَدَ أَنَّهُ مَلَكَهُ الْمِلْكَ الْمَعْرُوفَ فَهَذَا كَذِبٌ، لَكِنَّهُ إذَا اعْتَقَدَ جَوَازَ هَذَا لِدَفْعِ الظُّلْمِ، وَفِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةٌ عَن الْكَذِبِ، وَلْيَسْتَغْفِر اللهَ مِن ذَلِكَ وَيَتُبْ (٢) إلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. [٣٠/ ٣٩٤] * * * (حكم الِاقْتِرَاضِ مِن الْوَدِيعَةِ بِلَا إذْنِ صاحبها ؟) ٣٩٨٩ - أَمَّا الِاقْتِرَاضُ مِن مَالِ الْمُودِعِ: فَإِنْ عَلِمَ الْمُودَعُ عِلْمًا اطْمَأَنَّ إلَيْهِ قَلْبُهُ أَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ رَاضٍ بِذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ. وَهَذَا إنَّمَا يُعْرَفُ مِن رَجُلٍ اخْتَبَرْتَه خِبْرَةً تَامَّةً، وَعَلِمْت مَنْزِلَتَك عِنْدَهُ، كَمَا نُقِلَ مِثْلُ ذَلِكَ عَن غَيْرِ وَاحِدٍ، وَكَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُ فِي بُيُوتِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَكَمَا بَايَعَ عَن عُثْمَانَ ﷺ وَهُوَ غَائِبٌ. وَمَتَى وَقَعَ فِي ذَلِكَ شَكٌ: لَمْ يَجُزْ الِاقْتِرَاضُ (٣). [٣٠/ ٣٩٤ - ٣٩٥] * * * (ما الحكم إذا ادَّعَى الْمُودَع أَنَّ الْوَدِيعَةَ ذَهَبَتْ دُونَ مَالِهِ ؟) ٣٩٩٠ - إذَا ظَهَرَ أَنَ الْمَالَ الَّذِي لِلْمُودِعِ لَمْ يَذْهَبْ، فَادَّعَى [أي: الْمُودَع] أَنَّ الْوَدِيعَةَ ذَهَبَتْ دُونَ مَالِهِ: فَهُنَا يَكُونُ ضَامِنًا لِلْوَدِيعَةِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ؛ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ ضَمَّنَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَدِيعَةً ادَّعَى أَنَّهَا ذَهَبَتْ دُونَ مَالِهِ.

стр. 2687

وَأَمَّا إذَا ادَّعَى أَنَّهُ ذَهَبَ جَمِيعُ الْمَالِ ثُمَّ ظَهَرَ كَذِبُهُ: فَهُنَا وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ أَوْكَدُ. فَإِذَا ادَّعَى الْمُودِعُ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ أَنَّهُ طَلَبَ الْوَدِيعَةَ مِنْهُ فَلَمْ يُسَلِّمْهَا إلَيْهِ، أَو أَنَّهُ خَانَ فِي الْوَدِيعَةِ وَلَمْ تَتْلَفْ: كَانَ قَبُولُ قَوْلِهِ مَعَ يَمِينِهِ أَقْوَى وَأَوْكَدَ؛ بَل يَسْتَحِقُّ فِي مِثْل هَذِهِ الصُّورَةِ التَّعْزِيرَ الْبَلِيغَ الَّذِي يَرْدَعُهُ وَأَمْثَالَهُ عَن الْكَذِبِ. [٣٠/ ٣٩٦] ٣٩٩١ - إنْ تَلِفَتْ [أي: الوديعةُ] بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ [أي: الْمُودَع] وَلَا عُدْوَانٍ لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانٌ. وَإِذَا ذَهَبَتْ مَعَ مَالِهِ كَانَ أَبْلَغَ (١). وَإِذَا ادَّعَى ذَلِكَ بِسَبَبِ ظَاهِرٍ مَعْلُومٍ: كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ وَقُبِلَ قَوْلُهُ. [٣٠/ ٣٩٧] * * * (بَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ) ٣٩٩٢ - حريم البئر (٢) العادية -وهي التي أعيدت-: خمسون ذراعًا. [المستدرك ٤/ ٨٧] ٣٩٩٣ - وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: عَن حُكْمِ الْبِنَاءِ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ الْوَاسِعِ إذَا كَانَ الْبِنَاءُ لَا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ؟ فَأَجَابَ: إنَّ ذَلِكَ نَوْعَانِ:

стр. 2688

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْنِيَ لِنَفْسِهِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ أَحْمَد، وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُم بِإِذْنِ الْإِمَامِ. وَفِي الْجُمْلَةِ: فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ الْمُخْتَصِّ بِالْبَانِي الَّذِي لَا ضَرَرَ فِيهِ أَصْلًا بِإِذْنِ الْإِمَامِ (١). قَوْلَانِ: وَنَظِيرُ هَذَا إذَا أَخْرَجَ رَوْشَنًا (٢) أَو مِيزَابًا إلَى الطَّرِيقِ النَّافِذِ وَلَا مَضَرَّةَ فِيهِ (٣)، فَهَل يَجُوزُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ كَمَا اخْتَارَهُ ابْن عَقِيلٍ وَأَبُو الْبَرَكَاتِ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ. وَمَن جَوَّزَ ذَلِكَ احْتَجَّ بِحَدِيثِ مِيزَابِ الْعَبَّاسِ (٤). النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يَبْنِيَ فِي الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ مَا لَا يَضُرُّ الْمَارَّة لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ مِثْل بِنَاءِ مَسْجِدٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ، أَو تَوْسِيعِ مَسْجِدٍ ضَيِّقٍ بِإِدْخَالِ بَعْضِ الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ فِيهِ، أَو أَخْذِ بَعْضِ الطَّرِيقِ لِمَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ؛ مِثْل حَانُوتٍ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمَسْجِدُ، فَهَذَا النَّوْعُ يَجُوزُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد الْمَعْرُوفِ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَكِنْ: هَل يَفْتَقِرُ إلَى إذْنِ وَلِيِّ الْأَمْرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد. [٣٠/ ٣٩٩ - ٤٠٣] * * *

стр. 2689

(باب الجعالة) ٣٩٩٤ - من استنقذ مال غيره من الهلكة ورده: استحق أجرة المثل ولو بغير شرط في أصح القولين، وهو منصوص أحمد وغيره. [المستدرك ٤/ ٨٧] * * * (بَابُ اللُّقَطَةِ) ٣٩٩٥ - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَام ﵀: عَن رَجُلٍ وَجَدَ فَرَسًا لِرَجُل مِن الْمُسْلِمِينَ مَعَ أُنَاسٍ مِن الْعَرَبِ، فَأَخَذَ الْفَرَسَ مِنْهُمْ، ثُمَّ إنَّ الْفَرَسَ مَرِضَ بِحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمَشْيِ، فَهَل لِلْآخِذِ بَيْعُ الْفَرَسِ لِصَاحِبِهَا؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ يَجُوزُ؛ بَل يَجِبُ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَبِيعَهُ الَّذِي اسْتَنْقَذَهُ لِصَاحِبِهِ وَإِن لَمْ يَكُن وَكَّلَهُ فِي الْبَيْعِ، وَقَد نَصَّ الْأَئِمَّةُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَنَظَائِرِهَا، وَيَحْفَظُ الثَّمَنَ (١) [٣٠/ ٤١١] ٣٩٩٦ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ لَقِيَ لَقِيَّةٌ فِي وَسَطِ فَلَاةٍ، وَقَد أَنْشَدَ عَلَيْهَا إلَى حَيْثُ دَخَلَ إلَى بَلَدِهِ، فَهَل هِيَ حَلَالٌ؟ فَأَجَابَ: يُعَرِّفُهَا سَنَةً قَرِيبًا مِن الْمَكَانِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَعْدَ سَنَةٍ صَاحِبَهَا فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا، وَلَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا. [٣٠/ ٤١١ - ٤١٢] ٣٩٩٧ - وَسُئِلَ ﵀: لَمَّا جَاءَ التَّتَارُ وَجَفَلَ النَّاسُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَخَلَّفُوا

стр. 2690

دَوَابَّ وَأَثَاثًا مِن النُّحَاسِ وَغَيْرِهِ وَضَمَّهُ مُسْلِمٌ وَطَالَتْ مُدَّتُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ صَاحِبٌ وَلَا مُنْشِدٌ، وَهُوَ يَسْتَعْمِلُ الدَّوَابَّ وَالْمَتَاعَ، فَمَا يَصْنَعُ؟ فَأَجَابَ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ، وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مِن يَنْتَفِعُ بِهِ. [٣٠/ ٤١٣ - ٤١٤] ٣٩٩٨ - الرُّمَّانُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ صَاحِبُهُ: فَهُوَ كَاللُّقَطَةِ، وَاللُّقَطَةُ إنْ رُجِيَ وُجُودُ صَاحِبِهَا عُرِّفَتْ حَوْلًا، وَإِن كَانُوا لَا يَرْجُونَ وُجُودَ صَاحِبِهِ فَفِي تَعْرِيفِهِ قَوْلَانِ، لَكِنْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ لَهُم أَنْ يَأْكُلُوا الرُّمَّانَ أَو يَبِيعُوهُ وَيَحْفَظُوا ثَمَنَهُ ثُمَّ يُعَرِّفُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ. [٣٠/ ٤١٦] ٣٩٩٩ - وَسُئِلَ -قَدَّسَ اللهَ رُوحَهُ-: عَمَّن وَجَدَ طِفْلًا وَمَعَهُ شَيْءٌ مِن الْمَالِ، ثُمَّ رَبَّاهُ حَتَّى بَلَغَ مِن الْعُمْرِ شَهْرَيْنِ، فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ لِتُرْضِعَهُ امْرَأَتُهُ للهِ، فَلَمَّا كَبُرَ الطِّفْلُ ادَّعَت الْمَرْأَةُ أَنَّهُ ابْنُهَا، وَأَنَّهَا رَبَّتْهُ فِي حِضْنِ أَبِيهِ، فَهَل يُقْبَلُ قَوْلُهَا؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الطِّفْلُ مَجْهُولَ النَّسَبِ وَادَّعَتْ أَنَّهُ ابْنُهَا: قُبِلَ قَوْلُهَا فِي ذَلِكَ، وَيُصْرَفُ مِن الْمَالِ الَّذِي وُجِدَ مَعَهُ فِي نَفَقَتِهِ مُدَّةَ مُقَامِهِ عِنْدَ الْمُلْتَقِطِ. [٣٠/ ٤١٦] ٤٠٠٠ - لا تملك لقطة الحرم بحال، ويجب تعريفها أبدًا، وهو رواية عن أحمد. وتضمن اللقطة بالمثل؛ كبدل القرض. وإذا قلنا بالقيمة فالقيمة يوم ملكها. [المستدرك ٤/ ٨٨] ٤٠٠١ - وإذا باع الملتقط اللقطة بعد الحول ثم جاء ربها: فالأشبه أن المالك لا يملك انتزاعها من المشتري. [الاختيارات ٢٤٦] ٤٠٠٢ - لو وجد لقطة في غير طريق مأْتِيّ: فهي لقطة على الصحيح من المذهب، قدمه في الفائق.

стр. 2691

واختار الشيخ تقي الدين أنها كالركاز (١). [المستدرك ٤/ ٨٨] ٤٠٠٣ - من استنقذ فرسًا من أيدي العرب، ثم مرض الفرس ولم يقدر على المشي: جاز له بيعه؛ بل يجب في هذه الحال أن يبيعه لذمة صاحبه، وإن لم يكن وكيله، نصَّ عليه الأئمة، ويحفظ الثمن. [المستدرك ٤/ ٨٨] * * * (باب اللقيط) ٤٠٠٤ - ذكر ابن أبي موسى في "الإرشاد" أن بعض شيوخه حكى رواية عن الإمام أحمد أن الملتقط يرثه (يرث اللقيط)، واختاره الشيخ تقي الدين ﵀ ونصره. [المستدرك ٤/ ٨٨] * * * (فتوى في جواز وضوابط رق الكافر) ٤٠٠٥ - إذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ (٢) فَاشْتَرَى مِنْهُم أَوْلَادَهُم وَخَرَجَ بِهِم إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ: كَانُوا مِلْكًا لَهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُم لِلْمُسْلِمِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرُوا مِنْهُ وَيَسْتَحِقّ عَلَى الْمُشْتَرِي جَمِيعَ الثَّمَنِ. وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ الْحَرْبِيُّ نَفْسَهُ لِلْمُسْلِمِ وَخَرَجَ بِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مِلْكَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ بَل لَو أَعْطَوْهُ أَوْلَادَهُم بِغَيْرِ ثَمَنٍ وَخَرَجَ بِهِم مَلكَهُمْ، فَكَيْفَ إذَا بَاعُوهُ ذَلِكَ.

стр. 2692

وَكَذَلِكَ لَو سَرَقَ أَنْفُسَهُم أَو أَوْلَادَهُم أَو قَهَرَهُم بِوَجْهٍ مِن الْوُجُوهِ؛ فَإِنَّ نُفُوسَ الْكُفَّارِ الْمُحَارَبِينَ وَأَمْوَالَهُم مُبَاحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ مَلَكُوهَا (١). وَإِنَّمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيما إذَا كَانَ مسْتَأْمَنًا (٢): فَهَل لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهُم

стр. 2693

أَوْلَادَهُمْ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ يَجُوزُ الشِّرَاءُ مِنْهُمْ، حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ مَنْصُوصَةٍ عَنْهُ: أَنَّهُ إذَا هَادَنَ الْمُسْلِمُونَ أَهْلَ بَلَدٍ وَسَبَاهُم مَن بَاعَهُم لِلْمُسْلِمِينَ جَازَ الشِّرَاءُ مِنْهُ. وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى. وَكَذَلِكَ لَو قَهَرَ أَهْلُ الْحَرْبِ بَعْضُهُم بَعْضًا، أَو وَهَبَ بَعْضُهُم بَعْضًا، أَو اشْتَرَى بَعْضُهُم بَعْضًا، أَو سَرَقَهُم وَبَاعَهُمْ، أَو وَهَبَهُم لِلْمُسْلِمِينَ: تَملَّكُوهُمْ؛ كَمَا يَمْلِكُهُم الْمُسْلِمُونَ إذَا مَلَكُوهُم بِالْقَهْرِ. [٢٩/ ٢٢٤ - ٢٢٥] * * * (حكم الشراء من الْمُحتكِر ؟) ٤٠٠٦ - سُئِلَ ﵀: عَمَّن ضَمِنَ مِن وُلَاةِ الْأمُورِ أَنْ لَا يُبَاعَ صِنْفٌ مِن الْأَصْنَافِ إلَّا مِن عِنْدِهِ، وَذَلِكَ الصِّنْفُ لَا يُوجَدُ إلَّا عِنْدَهُ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ، وَيُوجَدُ فِي الْأَمَاكِنِ الْقَرِيبَةِ مِن نَوَاحِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ؛ بِحَيْثُ تَكُونُ الْمَسَافَةُ مَا بَيْنَ مِصْرَ وَالْقَاهِرَةِ، فَهَل يَجُوزُ الِابْتِيَاعُ مِن هَذَا الْمُحْتَكِرِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: أَمَّا هُوَ نَفْسُهُ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مِن وَجْهَيْنِ: أ- مِن جِهَةٍ أَنَّهُ يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِن الْبَيْعِ الْحَلَالِ. ب- وَمِن جِهَةٍ أَنَّهُ يَضْطَرُّ النَّاس إلَى الشِّرَاءِ مِنْهُ حَتَّى يَشْتَرُوا مَا يُرِيدُ فَيَظْلِمُهُم بِزِيَادَةِ الثَّمَنِ.

стр. 2694

وَأَمَّا مَا يُشْتَرى مِنْهُ: أ- فَإِنْ كَانَ قَد اشْتَرَاهُ (١) بِمَالٍ لَهُ حَلَالٌ: لَمْ يَحْرُمْ شِرَاؤُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ هُوَ الْمَظْلُومُ، وَمَن اشْتَرَى لَمْ يَأْثَمْ، وَلَا يَحْرُمُ مَا أَخَذَهُ لِظُلْمِ الْبَائِعِ لَهُ؛ فَإِنَّ مِثْل هَذَا إنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الظَّالِمِ لَا عَلَى الْمَظْلُومِ (٢). ب- وَأمَّا إنْ كَانَ اشْتَرَى مَا اشْتَرَاهُ بِمَا ظَلَمَهُ مِن الْأَمْوَالِ: كَانَ ذَلِكَ مَغْصُوبًا مَحْضًا؛ كَالشِّرَاءِ مِن الْغَاصِبِ، فَحُكْمُ هَذَا ظَاهِرٌ (٣). ج- وَأَمَّا إنْ كَانَ أَصْلُ مَالِهِ حَلَالًا، وَلَكِنْ رَبِحَ فِيهِ بِهَذِهِ الْمَعِيشَةِ حَتَّى زَادَ: فَهَذَا قَد صَارَ شُبْهَةً بِقَدْرِ مَا خَالَطَهُ مِن أَمْوَالِ النَّاسِ، فَلَا يُقَالُ: هُوَ حَرَامٌ، وَلَا يُقَالُ: حَلَالٌ مَحْضٌ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْحَلَالُ جَازَ الشِّرَاءُ مِنْهُ، وَتَرْكُهُ وَرَعٌ. وَأَمَّا إنْ كَانَ الْغَالِبُ الْحَرَامَ: فَهَل الشِّرَاءُ مِنْهُ حَلَالٌ أَو حَرَامٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. [٢٩ - ٢٣٨ - ٢٣٩] * * * (حكم التسعير ؟) ٤٠٠٧ - فِي "السُّنَنِ" عَن أَنَسٍ قَالَ: غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ: "إنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ: فِي مَالٍ" (٤).

стр. 2695

فَإِذَا كَانُوا قَد أُلْزِمُوا بِالْمُبَايَعَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُلْزَمُوا بِأَنْ يَبِيعُوا بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ لَهُمْ، وَإِذَا كَانَ غَيْرُهُم قَد مُنِعَ مِن الْمُبَايَعَةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُمَكَّنُوا أَنْ يَبِيعُوا بِمَا اخْتَارُوا؛ فَإِنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ لِلنَّاسِ. يَبْقَى أَنْ يُقَالَ: فَهَل يَجُوزُ الْتِزَامُهُم بِمِثْل ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى أَنْ يَكُونُوا هُم الْبَائِعِينَ لِهَذَا الصِّنْفِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَأَنْ لَا يَبِيعُوة إلَّا بِقِيمَةِ الْمِثْل مِن غَيْرِ مَكْسٍ يُوضَعُ عَلَيْهِمْ؟ فَهَل يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِم ذَلِكَ أَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتْرُكَ أَحَدًا يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ قِيلَ: أَمَّا إذَا اخْتَارُوا أَنْ يَقُومُوا بِمَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهِ مِن تِلْكَ الْمَبِيعَاتِ، وَأَنْ لَا يَبِيعُوهَا إلَّا بِقِيمَةِ الْمِثْل عَلَى أَنْ يُمْنَعَ غَيْرُهُم مِن الْبَيْعِ، وَمَن اخْتَارَ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُم فِي ذَلِكَ مُكِّنَ: فَهَذَا لَا يَتَبَيَّنُ تَحْرِيمُهُ؛ بَل قَد يَكُونُ فِي هَذَا مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ لِلنَّاسِ. [٢٩/ ٢٥٤ - ٢٥٥] * * * (حكم الشراء من الْمَكَّاس ؟) ٤٠٠٨ - وَسُئِلَ -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ-: عَن مَدِينَةٍ لَا يُذْبَحُ فِيهَا شَاةٌ إلَّا وَيَأْخُذُ الْمُكَّاسُ سِقْطَهَا وَرَأْسَهَا وكوارعها مَكْسًا (١)، ثُمَّ يَضَعُ ذَلِكَ وَيَبِيعُهُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَفِي الْمَدِينَةِ مَن لَا يَمْتَنِعُ مِن شِرَاءِ ذَلِكَ وَأَكْلِهِ مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ يُبَاعُ فِي الْمَدِينَةِ رُءُوسٌ وكوارع وَأَسْقَاطٌ إلَّا عَلَى هَذَا الْحُكْمِ وَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ، فَهَل يَحْرُمُ شِرَاءُ ذَلِكَ وَأَكْلُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: هَذِهِ حُكْمُهَا حُكْمُ مَا يَأخُذُهُ الْمُلُوكُ مِن الْكُلَفِ الَّتِي يَضْرِبُونَهَا عَلَى النَّاسِ.

стр. 2696

فَالْمُشْتَرِي لِذَلِكَ مِنْهُم إذَا أَعْطَاهُم الثَّمَنَ لَمْ يَكُن بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاءِ الْمَغْصُوبِ الْمَحْضِ الَّذِي لَا تَأْوِيلَ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ وِلَايَةُ بَيْعِهِ حَتَّى يُقَالَ: إنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا يَفْسُقُ بِالْإِصْرَارِ عَلَيْهِ. وَفِي الْمَنْعِ مِن شِرَائِهَا إضْرَارٌ بِالنَّاسِ وَإِفْسَادٌ لِلْأَمْوَالِ مِن غَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ عَلَى الْمَظْلُومِ. وَلَا نَحْكُمُ بِأَنَّهَا حَرَامٌ مَحْضٌ، وَمَن اشْتَرَاهَا وَأَكَلَهَا لَمْ يَجِب الْإِنْكارُ عَلَيْهِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا لَا تَأْوِيلَ فِيهِ. فَإِنَّ طَائِفَةً مِن الْفُقَهَاءِ أَفْتَوْا طَائِفَةً مِن الْمُلُوكِ بِجَوَازِ وَضْعِ أَصْلِ هَذِهِ الْوَظَائِفِ، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو الْمَعَالِي الجُوَيْنِي فِي كِتَابِهِ "غِيَاثِ الْأُمَمِ"، وَكَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ. وَمَا قُبِضَ بِتَأْوِيلٍ: فَإِنَّهُ يَسُوغُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِمَن قَبَضَهُ وَإِن كَانَ الْمُشْتَرِي يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ مُحَرَّمٌ؛ كَالذِّمِّيِّ إذَا بَاعَ خَمْرًا وَأَخَذَ ثَمَنَهُ جَازَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعَامِلَهُ فِي ذَلِكَ الثَّمَنِ، وَإِن كَانَ الْمُسْلِمُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الْخَمْرِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "وَلُّوهُم بَيْعَهَا وَخُذُوا أَثْمَانَهَا". وَهَذَا كَانَ سَبَبُهُ أَنَّ بَعْضَ عُمَّالِهِ أخَذَ خَمْرًا فِي الْجِزْيَةِ وَبَاعَ الْخَمْرَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: "وَلُّوهُم بَيْعَهَا وَخُذُوا أَثْمَانَهَا". وَهَذَا ثَابِتٌ عَن عُمَرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ. وَهَكَذَا مَن عَامَلَ مُعَامَلَةً يَعْتَقِدُ جَوَازَهَا فِي مَذْهَبِهِ وَقَبَضَ الْمَالَ: جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ الْمَالَ مِنْهُ وَإِن كَانَ لَا يَرَى جَوَازَ تِلْكَ الْمُعَامَلَةِ (١). وَالْمُشْتَرِي لَمْ يَظْلِمْ صَاحِبَهُ؛ فَإِنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمَالِهِ مِمَن قَبَضَهُ قَبْضًا يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ.

стр. 2697

وَإِن كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: فَشِرَاؤُهُ حَلَالٌ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَلَيْسَ مِن الشُّبُهَاتِ؛ فَإِنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِن الْكُفَّارِ مَا قَبَضُوا بِعُقُودٍ يَعْتَقِدُونَ جَوَازَهَا -وَإِن كَانَت مُحَرَّمَةً فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ- فَلِأَنْ يَجُوزَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِن الْمُسْلِمِ مَا قَبَضَهُ بِعَقْدِ يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ -وَإِن كُنَّا نَرَاهُ مُحَرَّمًا- بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ فَإِنَّ الْكَافِرَ تَأْوِيلُهُ الْمُخَالِفُ لِدِينِ الْإِسْلَامِ بَاطِلٌ قَطْعًا بِخِلَافِ تَأْوِيلِ الْمُسْلِمِ. وَلِهَذَا إذَا أَسْلَمُوا وَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا وَقَد قَبَضُوا أَمْوَالًا بِعُقُودٍ يَعْتَقِدُونَ جَوَازَهَا: كَالرِّبَا وَثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِم تِلْكَ الْأَمْوَالُ، كَمَا لَا تَحْرُمُ مُعَامَلَتُهُم فِيهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وَلَمْ يَحرمْ مَا قَبَضُوهُ. وَهَكَذَا مَن كَانَ قَد عَامَلَ مُعَامَلَاتٍ رِبَوِيَّةً يَعْتَقِدُ جَوَازَهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ، وَكَانَت مِن الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ: فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا قَبَضَهُ بِتِلْكَ الْمُعَامَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. [٢٩/ ٢٦٤ - ٢٦٧] * * * (حكم المال الحلال الْمُختلط بالحرام؟ وحكم مُعاملتهم وأكل طعامهم ؟) ٤٠٠٩ - مَا قَبَضَهُ الْمُلُوكُ ظُلْمًا مَحْضًا: إذَا اخْتَلَطَ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ الْمَجْهُولَ كَالْمَعْدُومِ، فَمَا عُرِفَ أَنَّهُ قُبِضَ ظُلْمًا وَلَمْ يُعْرَفْ صَاحِبُهُ: صُرِفَ فِي الْمَصَالِحِ. وَمَا قُبِضَ مِن بَيْتِ الْمَالِ الْمُخْتَلطِ حَلَالُهُ بِحَرَامِهِ: لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّهُ حَرَامٌ؛ فَإِنَّ الِاخْتِلَاطَ إذَا لَمْ يَتَمَيَّز الْمَالُ يَجْرِي مَجْرَى الْإِتْلَافِ، وَصَاحِبُهُ يَسْتَحِقُّ عِوَضَهُ مِن بَيْتِ الْمَالِ.

стр. 2698

فَمَن قَبَضَ ثَمَنَ مَبِيعٍ مِن مَالِ بَيْتِ الْمَالِ الْمُخْتَلَطِ: جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ (١). [٢٩/ ٢٦٧] ٤٠١٠ - وَسُئِلَ ﵀: عَن الَّذِينَ غَالِبُ أَمْوَالِهِمْ حَرَامٌ مِثْل المكاسين وَأَكَلَةِ الرِّبَا وَأَشْبَاهِهِمْ. فَهَل يَحِلُّ أَخْذُ طَعَامِهِمْ بِالْمُعَامَلَةِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَلَالٌ وَحَرَامٌ: فَفِي مُعَامَلَتِهِمْ شُبْهَةٌ، لَا يُحْكَمُ بِالتَّحْرِيمِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ يُعْطِيهِ مَا يَحْرُمُ إعْطَاؤُهُ، وَلَا يُحْكَمُ بِالتَّحْلِيلِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ مِن الْحَلَالِ. فَإِنْ كَانَ الْحَلَالُ هُوَ الْأَغْلَبَ: لَمْ يُحْكَمْ بِتَحْرِيمِ الْمُعَامَلَةِ. وَإِن كَانَ الْحَرَامُ هُوَ الْأَغْلَبَ: قِيلَ: بِحِلِّ الْمُعَامَلَةِ، وَقِيلَ: بَل هِيَ مُحَرَّمَةٌ. فَأَمَّا الْمُعَامِلُ بِالرِّبَا: فَالْغَالِبُ عَلَى مَالِهِ الْحَلَالُ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ الْكُرْهُ مِن وَجْهٍ آخَرَ (٢)؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ أَلْفًا بِأَلْف وَمِائَتَيْنِ: فَالزِّيَادَةُ هِيَ الْمُحَرَّمَةُ فَقَطْ. وَإِذَا كَانَ فِي مَالِهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ وَاخْتَلَطَ: لَمْ يَحْرُمْ الْحَلَالُ؛ بَل لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ الْحَلَالِ؛ كَمَا لَو كَانَ الْمَالُ لِشَرِيكَيْنِ فَاخْتَلَطَ مَالُ أَحَدِهِمَا بِمَالِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يُقْسمُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ. وَكَذَلِكَ مَن اخْتَلَطَ بمَالِهِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ: أَخْرَجَ قَدْرَ الْحَرَامِ وَالْبَاقِي حَلَالٌ لَهُ (٣). [٢٩/ ٢٧٢ - ٢٧٣]

стр. 2699

٤٠١١ - إذَا اخْتَلَطَ الْحَرَامُ بِالْحَلَالِ فِي عَدَدٍ لَا يَنْحَصِرُ؛ كَاخْتِلَاطِ أُخْتِهِ بِأَهْلِ بَلَدٍ، وَاخْتِلَاطِ الْمَيْتَةِ وَالْمَغْصُوبِ بِأَهْلِ بَلْدَةٍ: لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَحْرِيمَ مَا فِي الْبَلَدِ، كَمَا إذَا اخْتَلَطَت الْأُخْتُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَالْمُذَكَّى بِالْمَيِّتِ. [٢١/ ٥٣٢] ٤٠١٢ - مُعَامَلَةُ التَّتَارِ: يَجُوزُ فِيهَا مَا يَجُوزُ فِي أَمْثَالِهِمْ وَيَحْرُمُ فِيهَا مَا يَحْرُمُ مِن مُعَامَلَةِ أَمْثَالِهِمْ. وَإِن كَانَ الَّذِي مَعَهُم أَو مَعَ غَيْرِهِمْ أَمْوَالٌ يُعْرَفُ أَنَّهُم غَصَبُوهَا مِن مَعْصُومٍ فَتِلْكَ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاؤُهَا لِمَن يَتَمَلَّكُهَا. لَكِنْ إذَا اشْتُرِيَتْ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِنْقَاذِ لِتُصْرَفَ فِي مَصَارِفِهَا الشَّرْعِيَّةِ فَتُعَاد إلَى أَصْحَابِهَا إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا صُرِفَتْ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ: جَازَ هَذَا. وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ فِي أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا مُحَرَّمًا لَا تُعْلَمُ عَيْنُهُ: فَهَذَا لَا يَحْرُمُ مُعَامَلَتُهُمْ، كَمَا إذَا عُلِمَ أَنَّ فِي السُّوقِ مَا هُوَ مَغْصُوبٌ أَو مَسْرُوقٌ وَلَمْ يُعْلَمْ عَيْنُهُ. [٢٩/ ٢٧٥ - ٢٧٦] ٤٠١٣ - الْحَرَامُ إذَا اخْتَلَطَ بِالْحَلَالِ فَهَذَا نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا لِعَيْنِهِ؛ كَالْمَيْتَةِ وَالْأخْتِ مِن الرَّضَاعَةِ، فَهَذَا إذَا اشْتَبَهَ بِمَا لَا يُحْصَرُ (١) لَمْ يَحْرُمْ، مِثْل: أَنْ يَعْلَمَ أنَّ فِي الْبَلْدَةِ الْفُلَانِيَّةِ أُخْتًا لَهُ مِن الرَّضَاعَةِ وَلَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، أَو فِيهَا مَن يَبِيعُ مَيْتَةً لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، فَهَذَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّسَاءُ وَلَا اللَّحْمُ. وَأَمَّا إذَا اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّة، أَو الْمُذَكَّى بِالْمَيِّتِ حُرِّمَا جَمِيعًا (٢).

стр. 2700

وَالثَّانِي: مَا حَرُمَ لِكَوْنِهِ أُخِذَ غَصْبًا، وَالْمَقْبُوضُ بِعُقُودٍ مُحَرَّمَةٍ كَالرِّبَا وَالْمَيْسِرِ: فَهَذَا إذَا اشْتَبَهَ وَاخْتَلَطَ بغَيْرِهِ لَمْ يَحْرُم الْجَمِيعُ؛ بَل يُمَيَّزُ قَدْر هَذَا مِن قَدْرِ هَذَا فَيُصْرَفُ هَذَا إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَهَذَا إلَى مُسْتَحِقِّهِ؛ مِثْلُ اللِّصِّ الَّذِي أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ فَخَلَطَهَا، أَو أَخَذَ حِنْطَةَ النَّاسِ أَو دَقِيقَهُم فَخَلَطَهُ، فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُم عَلَى قَدْرِ الْحُقُوقِ. [٢٩/ ٢٧٦] * * * (غلَطُ بعض النَّاسِ في نظرهم إلى مَا فِي الْفِعْلِ أَو الْمَالِ مِن كَرَاهَةٍ تُوجِبُ تَرْكَهُ، دون نظرهم إلى مَا فِيهِ مِن جِهَةِ أَمْرٍ يُوجِبُ فِعْلَهُ) ٤٠١٤ - الظُّلْمُ نَوْعَانِ: أ- تَفْرِيطٌ فِي الْحَقِّ. ب- وَتَعَدِّ لِلْحَدِّ. فَإِنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ ظُلْمٌ، كَمَا أَنَّ فِعْلَ الْمحَرَّمِ ظُلْمٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَطْلَ -وَهُوَ تَأْخِيرُ الْوَفَاءِ- ظُلْمٌ، فَكَيْفَ بِتَرْكِهِ؟ وَقَد قَرَّرْت فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ أَعْظَمُ مِن تَرْكِ الْمُحَرَّمِ، وَأَنَّ الطَّاعَاتِ الْوُجُودِيَّةَ أَعْظَمُ مِن الطَّاعَاتِ الْعَدَمِيَّةِ، فَيَكُونُ جِنْسُ الظُّلْمِ بِتَرْكِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ أَعْظَمَ مِن جِنْسِ الظُّلْمِ بِتَعَدِّي الْحُدُودِ. وَقَرَّرْت أَيْضًا أَنَّ الْوَرَعَ الْمَشْرُوعَ هُوَ أَدَاءُ الْوَاجِبِ وَتَرْكُ الْمُحَرَّمِ، لَيْسَ هُوَ تَرْكَ الْمُحَرَّمِ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ التَّقْوَى اسْمٌ لِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، كَمَا بَيَّنَ اللهُ حَدَّهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ - إلَى قَوْلِهِ-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧].
следующие страницы →