Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
فَالْمُشْتَرِي لِذَلِكَ مِنْهُم إذَا أَعْطَاهُم الثَّمَنَ لَمْ يَكُن بِمَنْزِلَةِ اشْتِرَاءِ الْمَغْصُوبِ الْمَحْضِ الَّذِي لَا تَأْوِيلَ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهِ وِلَايَةُ بَيْعِهِ حَتَّى يُقَالَ: إنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا يَفْسُقُ بِالْإِصْرَارِ عَلَيْهِ.
وَفِي الْمَنْعِ مِن شِرَائِهَا إضْرَارٌ بِالنَّاسِ وَإِفْسَادٌ لِلْأَمْوَالِ مِن غَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ عَلَى الْمَظْلُومِ.
وَلَا نَحْكُمُ بِأَنَّهَا حَرَامٌ مَحْضٌ، وَمَن اشْتَرَاهَا وَأَكَلَهَا لَمْ يَجِب الْإِنْكارُ عَلَيْهِ، وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا لَا تَأْوِيلَ فِيهِ.
فَإِنَّ طَائِفَةً مِن الْفُقَهَاءِ أَفْتَوْا طَائِفَةً مِن الْمُلُوكِ بِجَوَازِ وَضْعِ أَصْلِ هَذِهِ الْوَظَائِفِ، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ أَبُو الْمَعَالِي الجُوَيْنِي فِي كِتَابِهِ "غِيَاثِ الْأُمَمِ"، وَكَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ.
وَمَا قُبِضَ بِتَأْوِيلٍ: فَإِنَّهُ يَسُوغُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِمَن قَبَضَهُ وَإِن كَانَ الْمُشْتَرِي يَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ الْعَقْدَ مُحَرَّمٌ؛ كَالذِّمِّيِّ إذَا بَاعَ خَمْرًا وَأَخَذَ ثَمَنَهُ جَازَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُعَامِلَهُ فِي ذَلِكَ الثَّمَنِ، وَإِن كَانَ الْمُسْلِمُ لَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُ الْخَمْرِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: "وَلُّوهُم بَيْعَهَا وَخُذُوا أَثْمَانَهَا".
وَهَذَا كَانَ سَبَبُهُ أَنَّ بَعْضَ عُمَّالِهِ أخَذَ خَمْرًا فِي الْجِزْيَةِ وَبَاعَ الْخَمْرَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: "وَلُّوهُم بَيْعَهَا وَخُذُوا أَثْمَانَهَا". وَهَذَا ثَابِتٌ عَن عُمَرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ.
وَهَكَذَا مَن عَامَلَ مُعَامَلَةً يَعْتَقِدُ جَوَازَهَا فِي مَذْهَبِهِ وَقَبَضَ الْمَالَ: جَازَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَشْتَرِيَ ذَلِكَ الْمَالَ مِنْهُ وَإِن كَانَ لَا يَرَى جَوَازَ تِلْكَ الْمُعَامَلَةِ (١) .
وَالْمُشْتَرِي لَمْ يَظْلِمْ صَاحِبَهُ؛ فَإِنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمَالِهِ مِمَن قَبَضَهُ قَبْضًا يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ. الحواشي
(١) ذكر نحو هذا الكلام في (٢٩/ ٣١٨ - ٣٢٠).стр. 2697
وَإِن كَانَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: فَشِرَاؤُهُ حَلَالٌ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَلَيْسَ مِن الشُّبُهَاتِ؛ فَإِنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِن الْكُفَّارِ مَا قَبَضُوا بِعُقُودٍ يَعْتَقِدُونَ جَوَازَهَا -وَإِن كَانَت مُحَرَّمَةً فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ- فَلِأَنْ يَجُوزَ أَنْ يَشْتَرِيَ مِن الْمُسْلِمِ مَا قَبَضَهُ بِعَقْدِ يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ -وَإِن كُنَّا نَرَاهُ مُحَرَّمًا- بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى؛ فَإِنَّ الْكَافِرَ تَأْوِيلُهُ الْمُخَالِفُ لِدِينِ الْإِسْلَامِ بَاطِلٌ قَطْعًا بِخِلَافِ تَأْوِيلِ الْمُسْلِمِ.
وَلِهَذَا إذَا أَسْلَمُوا وَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا وَقَد قَبَضُوا أَمْوَالًا بِعُقُودٍ يَعْتَقِدُونَ جَوَازَهَا: كَالرِّبَا وَثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِم تِلْكَ الْأَمْوَالُ، كَمَا لَا تَحْرُمُ مُعَامَلَتُهُم فِيهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وَلَمْ يَحرمْ مَا قَبَضُوهُ.
وَهَكَذَا مَن كَانَ قَد عَامَلَ مُعَامَلَاتٍ رِبَوِيَّةً يَعْتَقِدُ جَوَازَهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ، وَكَانَت مِن الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي تَنَازَعَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ: فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا قَبَضَهُ بِتِلْكَ الْمُعَامَلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. [٢٩/ ٢٦٤ - ٢٦٧]
* * *
(حكم المال الحلال الْمُختلط بالحرام؟ وحكم مُعاملتهم وأكل طعامهم ؟)
٤٠٠٩ - مَا قَبَضَهُ الْمُلُوكُ ظُلْمًا مَحْضًا: إذَا اخْتَلَطَ بِمَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَتَعَذَّرَ رَدُّهُ إلَى صَاحِبِهِ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ الْمَجْهُولَ كَالْمَعْدُومِ، فَمَا عُرِفَ أَنَّهُ قُبِضَ ظُلْمًا وَلَمْ يُعْرَفْ صَاحِبُهُ: صُرِفَ فِي الْمَصَالِحِ.
وَمَا قُبِضَ مِن بَيْتِ الْمَالِ الْمُخْتَلطِ حَلَالُهُ بِحَرَامِهِ: لَمْ يُحْكَمْ بِأَنَّهُ حَرَامٌ؛ فَإِنَّ الِاخْتِلَاطَ إذَا لَمْ يَتَمَيَّز الْمَالُ يَجْرِي مَجْرَى الْإِتْلَافِ، وَصَاحِبُهُ يَسْتَحِقُّ عِوَضَهُ مِن بَيْتِ الْمَالِ.
стр. 2698
فَمَن قَبَضَ ثَمَنَ مَبِيعٍ مِن مَالِ بَيْتِ الْمَالِ الْمُخْتَلَطِ: جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ (١) . [٢٩/ ٢٦٧]
٤٠١٠ - وَسُئِلَ ﵀: عَن الَّذِينَ غَالِبُ أَمْوَالِهِمْ حَرَامٌ مِثْل المكاسين وَأَكَلَةِ الرِّبَا وَأَشْبَاهِهِمْ. فَهَل يَحِلُّ أَخْذُ طَعَامِهِمْ بِالْمُعَامَلَةِ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: إذَا كَانَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَلَالٌ وَحَرَامٌ: فَفِي مُعَامَلَتِهِمْ شُبْهَةٌ، لَا يُحْكَمُ بِالتَّحْرِيمِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ يُعْطِيهِ مَا يَحْرُمُ إعْطَاؤُهُ، وَلَا يُحْكَمُ بِالتَّحْلِيلِ إلَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ مِن الْحَلَالِ.
فَإِنْ كَانَ الْحَلَالُ هُوَ الْأَغْلَبَ: لَمْ يُحْكَمْ بِتَحْرِيمِ الْمُعَامَلَةِ.
وَإِن كَانَ الْحَرَامُ هُوَ الْأَغْلَبَ: قِيلَ: بِحِلِّ الْمُعَامَلَةِ، وَقِيلَ: بَل هِيَ مُحَرَّمَةٌ.
فَأَمَّا الْمُعَامِلُ بِالرِّبَا: فَالْغَالِبُ عَلَى مَالِهِ الْحَلَالُ، إلَّا أَنْ يُعْرَفَ الْكُرْهُ مِن وَجْهٍ آخَرَ (٢) ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ أَلْفًا بِأَلْف وَمِائَتَيْنِ: فَالزِّيَادَةُ هِيَ الْمُحَرَّمَةُ فَقَطْ.
وَإِذَا كَانَ فِي مَالِهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ وَاخْتَلَطَ: لَمْ يَحْرُمْ الْحَلَالُ؛ بَل لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ الْحَلَالِ؛ كَمَا لَو كَانَ الْمَالُ لِشَرِيكَيْنِ فَاخْتَلَطَ مَالُ أَحَدِهِمَا بِمَالِ الْآخَرِ فَإِنَّهُ يُقْسمُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ.
وَكَذَلِكَ مَن اخْتَلَطَ بمَالِهِ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ: أَخْرَجَ قَدْرَ الْحَرَامِ وَالْبَاقِي حَلَالٌ لَهُ (٣) . [٢٩/ ٢٧٢ - ٢٧٣] الحواشي
(١) قال الشيخ في موضع آخر: وَالظَّالِمُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الَّذِي أَخَذَ الْأَمْوَالَ بِغَيْرِ حَقٍّ، لَا مَن أخَذَ عِوَضَ مَالِهِ مِن مَالٍ لَا يَعْلَمُ لَهُ مُسْتَحِقًّا مُعَيَّنًا. (٢٩/ ٢٧٥)(٢) كأن يكون المال الذي تعامل به بالربا اكتسبه من طريق حرام، إما من غصب أو سرقة ونحوها.(٣) وقال في موضع آخر: فَإِنَّ كَثِيرًا مِن النَّاسِ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ الْمُحَرَّمَةَ إذَا اخْتَلَطَتْ بِالدَّرَاهِم الْحَلَالِ حَرُمَ الْجَمِيعُ فَهَذَا خَطَأٌ، وَإِنَّمَا تَوَرَّعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا إذَا كَانَت قَلِيلَةً، وَأمَّا مَعَ الْكَثْرَةِ فَمَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا.стр. 2699
٤٠١١ - إذَا اخْتَلَطَ الْحَرَامُ بِالْحَلَالِ فِي عَدَدٍ لَا يَنْحَصِرُ؛ كَاخْتِلَاطِ أُخْتِهِ بِأَهْلِ بَلَدٍ، وَاخْتِلَاطِ الْمَيْتَةِ وَالْمَغْصُوبِ بِأَهْلِ بَلْدَةٍ: لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ تَحْرِيمَ مَا فِي الْبَلَدِ، كَمَا إذَا اخْتَلَطَت الْأُخْتُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ، وَالْمُذَكَّى بِالْمَيِّتِ. [٢١/ ٥٣٢]
٤٠١٢ - مُعَامَلَةُ التَّتَارِ: يَجُوزُ فِيهَا مَا يَجُوزُ فِي أَمْثَالِهِمْ وَيَحْرُمُ فِيهَا مَا يَحْرُمُ مِن مُعَامَلَةِ أَمْثَالِهِمْ.
وَإِن كَانَ الَّذِي مَعَهُم أَو مَعَ غَيْرِهِمْ أَمْوَالٌ يُعْرَفُ أَنَّهُم غَصَبُوهَا مِن مَعْصُومٍ فَتِلْكَ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاؤُهَا لِمَن يَتَمَلَّكُهَا.
لَكِنْ إذَا اشْتُرِيَتْ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِنْقَاذِ لِتُصْرَفَ فِي مَصَارِفِهَا الشَّرْعِيَّةِ فَتُعَاد إلَى أَصْحَابِهَا إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا صُرِفَتْ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ: جَازَ هَذَا.
وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ فِي أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا مُحَرَّمًا لَا تُعْلَمُ عَيْنُهُ: فَهَذَا لَا يَحْرُمُ مُعَامَلَتُهُمْ، كَمَا إذَا عُلِمَ أَنَّ فِي السُّوقِ مَا هُوَ مَغْصُوبٌ أَو مَسْرُوقٌ وَلَمْ يُعْلَمْ عَيْنُهُ. [٢٩/ ٢٧٥ - ٢٧٦]
٤٠١٣ - الْحَرَامُ إذَا اخْتَلَطَ بِالْحَلَالِ فَهَذَا نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا لِعَيْنِهِ؛ كَالْمَيْتَةِ وَالْأخْتِ مِن الرَّضَاعَةِ، فَهَذَا إذَا اشْتَبَهَ بِمَا لَا يُحْصَرُ (١) لَمْ يَحْرُمْ، مِثْل: أَنْ يَعْلَمَ أنَّ فِي الْبَلْدَةِ الْفُلَانِيَّةِ أُخْتًا لَهُ مِن الرَّضَاعَةِ وَلَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، أَو فِيهَا مَن يَبِيعُ مَيْتَةً لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا، فَهَذَا لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّسَاءُ وَلَا اللَّحْمُ.
وَأَمَّا إذَا اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّة، أَو الْمُذَكَّى بِالْمَيِّتِ حُرِّمَا جَمِيعًا (٢) . الحواشي
(١) أما إذا أمكن حصره فيحرم، مثاله: من كان عنده مجموعة من الصيد الحلال، فاختلط بها ميتة، كما قال أحدهم: ذهبت أنا وخادمٌ لي كافر مشرك، فصاد خمسة طيور، وصدت أنا طيورًا كثيرة، فوضعها مع صيدي فاختلط صيدي مع صيده، فلا يجوز له الأكل منها؛ لاختلاط الحلال بالحرام وأمكن الحصر، وهذه تُعطى لهذا المشرك أو للسباع.(٢) لأنه اشتباه محصور.стр. 2700
وَالثَّانِي: مَا حَرُمَ لِكَوْنِهِ أُخِذَ غَصْبًا، وَالْمَقْبُوضُ بِعُقُودٍ مُحَرَّمَةٍ كَالرِّبَا وَالْمَيْسِرِ: فَهَذَا إذَا اشْتَبَهَ وَاخْتَلَطَ بغَيْرِهِ لَمْ يَحْرُم الْجَمِيعُ؛ بَل يُمَيَّزُ قَدْر هَذَا مِن قَدْرِ هَذَا فَيُصْرَفُ هَذَا إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَهَذَا إلَى مُسْتَحِقِّهِ؛ مِثْلُ اللِّصِّ الَّذِي أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ فَخَلَطَهَا، أَو أَخَذَ حِنْطَةَ النَّاسِ أَو دَقِيقَهُم فَخَلَطَهُ، فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُم عَلَى قَدْرِ الْحُقُوقِ. [٢٩/ ٢٧٦]
* * *
(غلَطُ بعض النَّاسِ في نظرهم إلى مَا فِي الْفِعْلِ أَو الْمَالِ مِن كَرَاهَةٍ تُوجِبُ تَرْكَهُ، دون نظرهم إلى مَا فِيهِ مِن جِهَةِ أَمْرٍ يُوجِبُ فِعْلَهُ)
٤٠١٤ - الظُّلْمُ نَوْعَانِ:
أ- تَفْرِيطٌ فِي الْحَقِّ.
ب- وَتَعَدِّ لِلْحَدِّ.
فَإِنَّ تَرْكَ الْوَاجِبِ ظُلْمٌ، كَمَا أَنَّ فِعْلَ الْمحَرَّمِ ظُلْمٌ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١)
فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَطْلَ -وَهُوَ تَأْخِيرُ الْوَفَاءِ- ظُلْمٌ، فَكَيْفَ بِتَرْكِهِ؟
وَقَد قَرَّرْت فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ أَدَاءَ الْوَاجِبِ أَعْظَمُ مِن تَرْكِ الْمُحَرَّمِ، وَأَنَّ الطَّاعَاتِ الْوُجُودِيَّةَ أَعْظَمُ مِن الطَّاعَاتِ الْعَدَمِيَّةِ، فَيَكُونُ جِنْسُ الظُّلْمِ بِتَرْكِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ أَعْظَمَ مِن جِنْسِ الظُّلْمِ بِتَعَدِّي الْحُدُودِ.
وَقَرَّرْت أَيْضًا أَنَّ الْوَرَعَ الْمَشْرُوعَ هُوَ أَدَاءُ الْوَاجِبِ وَتَرْكُ الْمُحَرَّمِ، لَيْسَ هُوَ تَرْكَ الْمُحَرَّمِ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ التَّقْوَى اسْمٌ لِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، كَمَا بَيَّنَ اللهُ حَدَّهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ - إلَى قَوْلِهِ-: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) ﴾ [البقرة: ١٧٧]. الحواشي
(١) البخاري(٢٤٠٠) ، ومسلم(١٥٦٤) .стр. 2701
وَمِن هُنَا يَغْلَطُ كَثِيرٌ مِن النَّاسِ فَيَنْظُرُونَ مَا فِي الْفِعْلِ أَو الْمَالِ مِن كَرَاهَةٍ تُوجِبُ تَرْكَهُ، وَلَا يَنْظُرُونَ مَا فِيهِ مِن جِهَةِ أَمْرٍ يُوجِبُ فِعْلَهُ (١) .
مِثَالُ ذَلِكَ: مَا سُئِلَ عَنْهُ أَحْمَد: عَن رَجُلٍ تَرَكَ مَالًا فِيهِ شُبْهَةٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَسَأَلَهُ الْوَارِثُ: هَل يَتَوَرَّعُ عَن ذَلِكَ الْمَالِ الْمُشْتَبَهِ؟
فَقَالَ لَهُ أَحْمَد: أَتَتْرُكُ ذِمَّةَ أَبِيك مُرْتَهَنَةً؟
وَهَذَا عَيْنُ الْفِقْهِ؛ فَإِنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ وَاجِبٌ، وَالْغَرِيمُ حَقُّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالتَّرِكَةِ، فَإِنْ لَمْ يُوَفِّ الْوَارِثُ الدَّيْنَ وَإِلَّا فَلَهُ اسْتِيفَاؤُهُ مِن التَّرِكَةِ، فَلَا يَجُوزُ إضَاعَةُ التَّرِكَةِ المشتبهة الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغَرِيمِ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا إضْرَارُ الْمَيِّتِ بِتَرْكِ ذِمَّتِهِ مُرْتَهنَةً.
فَفِي الْإِعْرَاضِ عَن التَّرِكَةِ: إضْرَارُ الْمَيِّتِ وَإِضْرَارُ الْمُسْتَحِقِّ، وَهَذَانِ ظُلْمَانِ مُحَقَّقَانِ بِتَرْكِ وَاجِبَيْنِ، وَأَخْذُ الْمَالِ الْمُشْتَبَهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ضَرَرُ الْمَظْلُومِ.
فَقَالَ أَحْمَد لِلْوَارِثِ: أَبْرِئْ ذِمَّةَ أَبِيك، فَهَذَا الْمَالُ الْمُشْتَبَهُ خَيْرٌ مِن تَرْكِهَا مُرْتَهِنَةً بِالْأَعْرَاضِ.
وَهَذَا الْفِعْلُ وَاجِبٌ عَلَى الْوَارِثِ وُجُوبَ عَيْنٍ إنْ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ فِيهِ مَقَامَهُ، أَو وُجُوبَ كِفَايَةٍ أَو مُسْتَحَبٌّ اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا أَكْثَرَ مِن الِاسْتِحْبَابِ فِي تَرْكِ الشُّبْهَةِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ.
وَهَكَذَا جَمِيعُ الْخَلْقِ عَلَيْهِم وَاجِبَاتٌ: مِن نَفَقَاتِ أَنْفُسِهِمْ وَأَقَارِبِهِم وَقَضَاءِ دُيُونِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا تَرَكُوهَا كَانُوا ظَالِمِينَ ظُلْمًا مُحَقَّقًا، وَإِذَا فَعَلُوهَا بِشُبْهَةٍ الحواشي
(١) صدق ﵀، وهذا الخطأ يقع فيه كثيرٌ من الناس، فمن ذلك أنّ أحد الآباء كان قليل النفقة على أبنائه، مُمسكًا يده شحيحًا عليهم، فنُوصح بوجوب البذل لهم، وأنهم أحق من غيرهم، وأنك تُؤجر على الإنفاق عليهم، فقال: أخاف أنْ آثم إذا أعطيتهم فوق حاجتهم، وأن يعتمدوا على عطائي ويتركوا التكسب والعمل!стр. 2702
لَمْ يَتَحَقَّقْ ظُلْمُهُمْ، فَكَيْفَ يَتَوَرَّعُ الْمُسْلِمُ عَن ظُلْمٍ مُحْتَمَلٍ بِارْتكَابِ ظُلْمٍ مُحَقَّقٍ؟ [٢٩/ ٢٧٨ - ٢٨٠]
* * *
(مَعْنَى قَوْلِهِمْ: النَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ)
٤٠١٥ - إنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فَسَادُهُ رَاجِحٌ عَلَى صَلَاحِهِ، وَلَا يُشْرَعُ الْتِزَامُ الْفَسَادِ مِمَن يُشْرَعُ لَهُ دَفْعُهُ.
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ: النَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ، وَهَذَا مَذْهَبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورِهِمْ.
والصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ عَلَى فَسَادِ الْعُقُودِ بِمُجَرَّدِ النَّهْيِ، كَمَا احْتَجُّوا عَلَى فَسَادِ نِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ بِالنَّهْيِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ فَسَادُ عَقْدِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأخْتَيْنِ. وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا اسْتَدَلُّوا عَلَى فَسَادِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ اسْتَدَلُّوا عَلَى فَسَادِ نِكَاحِ الشِّغَارِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، فَهُوَ مِن الْفَسَادِ لَيْسَ مِن الصَّلَاحِ، فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَيُحِبُّ الصَّلَاحَ.
فَالطَّلَاقُ الْمُحَرَّمُ وَالصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فِيهِمَا نِزَاعٌ، وَلَيْسَ عَلَى الصِّحَّةِ نَصٌّ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ الْمُحْتَجِّ بِهِمَا حُجَّةٌ.
لَكِنْ مِن الْبُيُوعِ مَا نُهِيَ عَنْهُ لِمَا فِيهَا مِن ظُلْمِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ؛ كَبَيْعِ الْمُصَرَّاةِ، وَالْمَعِيبِ، وَتَلَقِّي السِّلَعَ، وَالنَّجْش وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الْبُيُوعَ لَمْ يَجْعَلْهَا الشَّارعُ لَازِمَةً كَالْبُيُوعِ الْحَلَالِ؛ بَل جَعَلَهَا غَيْرَ لَازِمَةٍ، وَالْخِيَرَةُ فِيهَا إلَى الْمَظْلُومِ: إنْ شَاءَ أَبْطَلَهَا وَإِن شَاءَ أَجَازَهَا.
فَإِنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ لَهُ، وَالشَّارعُ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا لِحَقٍّ مُخْتَصٍّ بِاللهِ كَمَا نَهَى عَن الْفَوَاحِشِ؛ بَل هَذِهِ إذَا عَلِمَ الْمَظْلُومُ بِالْحَالِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ مِثْل أنْ يَعْلَمَ بِالْعَيْبِ وَالتَّدْلِيسِ وَالتَّصْرِيَةِ، وَيعْلَمَ السِّعْرَ إذَا كَانَ قَادِمًا بِالسِّلْعَةِ، وَيرْضَا بِأَنْ
стр. 2703
يَغْبِنَهُ الْمُتَلَقِّي: جَازَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ إذَا عَلِمَ بَعْدَ الْعَقْدِ إنْ رَضِيَ: جَازَ، وَإِن لَمْ يَرْضَ كَانَ لَهُ الْفَسْخُ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ يَقَعُ غَيْرَ لَازِمٍ؛ بَل مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ: إنْ شَاءَ أَجَازَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ وَإِن شَاءَ رَدَّهُ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ هَذَا النَّوْعَ لَمْ يَكُن النَّهْيُ فِيهِ لِحَقِّ اللهِ؛ كَنِكَاحِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا، وَبَيْعِ الرِّبَا؛ بَل لِحَقِّ الْإِنْسَانِ.
فَأَمَّا كَوْنُهُ فَاسِدًا مَرْدُودًا وَإِن رَضِيَ بِهِ: فَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ.
وَكَذَلِكَ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْمُدَلَّسِ وَالْمُصَرَّاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْمَخْطُوبَةُ إنْ شَاءَ هَذَا الْخَاطِبُ أَنْ يَفْسَخَ نِكَاحَ هَذَا الْمُعْتَدِي عَلَيْهِ وَيتَزَوَّجَهَا بِرِضَاهُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِن شَاءَ أَنْ يُمْضِيَ نِكَاحَهَا فَلَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ إذَا اخْتَارَ فَسْخَ نِكَاحِهَا عَادَ الْأَمْرُ إلَى مَا كَانَ: إنْ شَاءَتْ نَكَحَتْهُ وَإِن شاءَتْ لَمْ تَنْكِحْهُ؛ إذ مَقْصُودُهُ حَصَلَ بِفَسْخِ نِكَاحِ الْخَاطِبِ.
وَإِذَا قِيلَ: هُوَ غَيَّر قَلْب الْمَرْأَةِ عَلَيَّ.
قِيلَ: إنْ شِئْت عَاقَبْنَاهُ عَلَى هَذَا بِأَنْ نَمْنَعَهُ مِن نِكَاحِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَيَكُونُ هَذَا قِصَاصًا لِظُلْمِهِ إيَّاكَ، وَإِن شِئْت عَفَوْت عَنْهُ فأنفذنا نِكَاحَهُ.
وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالذَّبْحِ بِآلَةٍ مَغْصُوبَةٍ، وَطَبْخِ الطَّعَامِ بِحَطَب مَغْصُوبٍ، وَتَسْخِينِ الْمَاءِ بِوَقُودٍ مَغْصُوبٍ، كُلُّ هَذَا إنَّمَا حُرِّمَ لِمَا فِيهِ مِن ظُلْمِ الْإِنْسَانِ، وَذَلِكَ يَزُولُ بِإِعْطَاءِ الْمَظْلُومِ حَقَّهُ.
وَإِنَّمَا قِيلَ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ وَبِالْمَكَانِ (١) : يُعِيدُ، بِخِلَافِ هَذَا (٢) ؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ (٣) لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ إلَّا بِالْإِعَادَةِ، وَهُنَا يُمْكِنُهُ ذَاكَ بِأَنْ يَرُدَّ أَرْضَ الْمَظْلُومِ. الحواشي
(١) النجس.(٢) أي: الصلاة في الأرض المغصوبة.(٣) أي: الصَّلَاة فِي الثَّوْبِ وَالْمَكَانِ النَّجِسِ.стр. 2704
لَكِنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ هِيَ مِن ذَلِكَ الْقِسْمِ: الْحَقُّ فِيهَا للهِ، لَكِنْ نُهِيَ عَن ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، لَمْ يُنْهَ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ فَقَطْ.
وَقَد تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي مِثْل هَذَا:
فَمِنْهُم مَن يَقُولُ: النَّهْيُ هُنَا لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالثَّوْبِ الْمَغْصُوبِ، وَالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ، وَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ؛ فَإنَّهُ إنْ عَنَى بذَلِكَ أَنَّ نَفْسَ الْبَيْعِ اشْتَمَلَ عَلَى تَعْطِيلِ الصَّلَاةِ، وَنَفْسَ الصَّلَاةِ اشْتَمَلَتْ عَلَى الظُّلْمِ وَالْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ كَمَا اشْتَمَلَت الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ عَلَى مُلَابَسَةِ الرِّجْسِ الْخَبِيثِ: فَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ.
وَإِن أَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَا يَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ؛ بَل هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا: فَهَذَا صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ الْبَيْعَ وَقْتَ النِّدَاءِ لَمْ يُنْهَ عَنْهُ إلَّا لِكَوْنِهِ شَاغِلًا عَن الصَّلَاةِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي غَيْرِ الْبَيْعِ لَا يَخْتَصُّ بِالْبَيْعِ، لَكِنَّ هَذَا الْفَرْقَ لَا يَجِيءُ فِي طَلَاقِ الْحَائِضِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَعْنًى مُشْتَرَكٌ، وَهُم يَقُولُونَ: إنَّمَا نُهِيَ عَنْهُ لِإِطَالَةِ الْعُدَّةِ وَذَلِكَ خَارجٌ عَن الطَّلَاقِ.
فَيُقَالُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ مِن الْمُحَرَّمَاتِ كَذَلِكَ إنَّمَا نُهِيَ عَنْهَا لِإِفْضَائِهَا إلَى فَسَادٍ خَارجٍ عَنْهَا؛ فَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ نُهِيَ عَنْهُ لِإِفْضَائِهِ إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَالْقَطِيعَةُ أَمْرٌ خَارجٌ عَن النِّكَاحِ.
وَالْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ حُرِّمَا وَجُعِلَا رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى الصَّدِّ عَن الصَّلَاةِ وَإِيقَاعِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَهُوَ أَمْرٌ خَارجٌ عَن الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ.
وَالرِّبَا حَرَامٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَذَلِكَ أَمْرٌ خَارجٌ عَن عَقْدِ الْمَيْسِرِ وَالرِّبَا.
стр. 2705
فَكُلُّ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى مَعْنًى فِيهِ يُوجِبُ النَّهْيَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى عَن شَيْءٍ لَا لِمَعْنًى فِيهِ أَصْلًا بَل لِمَعْنًى أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ.
وَحِينَئِذٍ: فَالنَّهْيُ لِمَعْنًى مُشْتَرَكٍ أَعْظَمُ (١) ؛ وَلِهَذَا لَو قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا مَمْلُوكًا وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ لِحَقِّ اللهِ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْبَدَلُ لِحَقِّ الْمَالِكِ.
وَلَو زَنَى لَأَفْسَدَ إحْرَامَهُ كَمَا يَفْسُدُ بِنِكَاحِ امْرَأَتِهِ، وَيَسْتَحِقُّ حَدَّ الزنى مَعَ ذَلِكَ.
وَعَلَى هَذَا: فَمَن لَبِسَ فِي الصَّلَاةِ مَا يَحْرُمُ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا؛ كَالثِّيَابِ الَّتِي فِيهَا خُيَلَاءُ وَفَخْرٌ؛ كَالْمُسْبِلَةِ وَالْحَرِيرِ: كَانَ أَحَقَّ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ مِن الثَّوْبِ النَّجِسِ، وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي "السُّنَنِ": "إنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ مُسْبلٍ" (٢) .
وَالثَّوْبُ النَّجِسُ فِيهِ نِزَاعٌ وَفِي قَدْرِ النَّجَاسَةِ نِزَاعٌ، وَالصَّلَاةُ فِي الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ مِن غَيْرِ حَاجَةٍ حَرَامٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ بَعْدَ النِّدَاءِ إذَا كَانَ قَد نُهِيَ عَنْهُ، وَغَيْرُهُ يَشْغَلُ عَن الْجُمُعَةِ: كَانَ ذَلِكَ أَوْكَدَ فِي النَّهْيِ، وَكُلُّ مَا شَغَلَ عَنْهَا فَهُوَ شَرٌّ وَفَسَادٌ لَا خَيْرَ فِيهِ.
وَالْمِلْكُ الْحَاصِلُ بِذَلِكَ كَالْمِلْكِ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ إلَّا بِمَعْصِيَةِ اللهِ وَغَضَبِهِ وَمُخَالَفَتِهِ.
وَإِذَا حَصَلَ الْبَيْعُ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَتَعَذَّرَ الرَّدُّ: فَلَهُ نَظِيرُ ثَمَنِهِ الَّذِي أَدَّاهُ، وَيتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ، وَالْبَائِعُ لَهُ نَظِيرُ سِلْعَتِهِ وَيتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ إنْ كَانَ قَد رَبِحَ، وَلَو تَرَاضَيَا بِذَلِكَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ يَنْفَعْ؛ فَإِنَّ النَّهْيَ هُنَا لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى، فَهُوَ كَمَا لَو تَرَاضَيَا بِمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَهُنَاكَ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، لَا يُعْطَى لِلزَّانِي (٣) . [٢٩/ ٢٨٢ - ٢٩٢] الحواشي
(١) أي: ليس خاصًّا بحالة دون حالة، ولا وقت دون وقت، فالزنى محرم مطلقًا، فلو زنى المحرم للحج أو العمرة لفسد إحرامه كَمَا يَفْسُدُ بِنِكَاحِ امْرَأَتِهِ.(٢) رواه أبو داود(٦٣٨) .(٣) خلاصة هذا المبحث: أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ردّ على من فرّق بين ما نهي عنه لذاته، وما نهي عنه لغيره.=стр. 2706
٤٠١٦ - مَتَى اعْتَقَدَ الْمُشْتَرِي أَنَّ الَّذِي مَعَ الْبَائِعِ مِلْكُهُ (١) ؛ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ عَلَى الظَّاهِرِ لَمْ يَكُن عَلَيْهِ إثْمٌ فِي ذَلِكَ، وَإِن كَانَ فِي الْبَاطِنِ قَد سَرَقَهُ الْبَائِعُ لَمْ يَكُن عَلَى الْمُشْتَرِي إثْمٌ وَلَا عُقُوبَةٌ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ.
وَالضَّمَانُ وَالدَّركُ عَلَى الَّذِي غَرَّهُ وَبَاعَهُ.
وَإِذَا ظَهَرَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ فِيمَا بَعْدُ رُدَّتْ إلَيْهِ سِلْعَتُهُ، وَرُدَّ عَلَى الْمُشْتَرِي ثَمَنهُ وَعُوقِبَ الْبَائِعُ الظَّالِمُ. [٢٩/ ٢٩٣]
٤٠١٧ - حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا أَمَرَهُم بِشَقِّ ظُرُوفِ الْخَمْرِ وَكَسْرِ دِنَانِهَا: دَلِيلٌ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي جَوَازِ إتْلَافِ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِنْكَارِ، وَأَنَّ الظَّرْفَ يَتْبَعُ الْمَظْرُوفَ.
وَمِثْلُهُ مَا ثَبَتَ عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُمَا أَمَرَا بِتَحْرِيقِ الْمَكَانِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ وَقَد نَصَّ أَحْمَد عَلَى ذَلِكَ.
وَمِثْلُهُ إتْلَافُ الْآلَةِ الَّتِي يَقُومُ بِهَا صُورَةُ التَّأْلِيفِ الْمُحَرَّمِ وَهِيَ آلَاتُ اللَّهْوِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيَّةَ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ وَسِيرَةِ الْخُلَفَاءِ.
وَمَن قَالَ: إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ فَمَا مَعَهُ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ، وَقَد احْتَجَّ بَعْضُهُم: بِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُم قَد طَبَخُوا لُحُومَ الْحُمُرِ قَالَ لَهُم: "أَرِيقُوهَا وَاكْسِرُوا الْقُدُورَ"، قَالُوا: أَفَلَا نُرِيقُهَا وَنَغْسِلُ الْقُدُورَ؟ قَالَ: "افْعَلُوا".
قَالُوا: فَلَعَلَّهُم لَو اسْتَأْذَنُوهُ فِي أَوْعِيَةِ الْخَمْرِ لَقَالَ ذَلِكَ.
فَأُجِيبَ بِجَوَابَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ دَفْعَ الشَّرِيعَةِ بِمِثْل هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ لَا تَجُوزُ، فَإِنَّا إذَا سَوَّغْنَا الحواشي
(١) أي: مُلك البائع.стр. 2707
فِيمَا أَمَرَ بِهِ أَو نَهَى عَنْهُ أنَّهُ لَو رُوجِعَ لَنَسَخَ ذَلِكَ: لَجَازَ رَفْعُ كَثِيرٍ مِن الشَّرِيعَةِ بِمِثْل هَذِهِ الْخَيَالَاتِ، مِثْل أَنْ يُقَالَ: لَو رُوجِعَ الرَّبُّ فِي نَقْصِ الصَّلَاةِ عَن خَمْسٍ لَنَقَصَهَا، وَلَو وَلَوْ.
وَيُقَالُ: هَذَا بَاطِلٌ مِن وَجْهَيْنِ (١) :
أَحَدُهُمَا: أَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَو رُوجِعَ لَفَعَلَ، وَثُبُوتُ ذَلِكَ فِي صُورَةٍ: لَا يُوجِبُ ثَبَاتَهُ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ إلَّا بِتَقْدِيرِ الْمُسَاوَاةِ مِن كُلِّ وَجْهٍ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ وَهَذَا غَيْرُ مَعْلُومٍ.
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي أَوْعِيَةِ لُحُومِ الْحُمُرِ حُجَّةٌ أَيْضًا فِي الْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّهُ أَمَرَ أَوَّلًا بِتَكْسِيرِ الْأَوْعِيَةِ، ثُمَّ لَمَّا اسْتَأْذَنُوهُ فِي الْغَسْلِ أَذِنَ فِيهِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْكَسْرَ لَا يَجِبُ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ بَل يُقَالُ: يَجُوزُ الْأَمْرَانِ: الْكَسْرُ وَالْغَسْلُ.
وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي أَوْعِيَةِ الْخَمْرِ: إنَّهُ يَجُوزُ إتْلَافُهَا وَيَجُوزُ تَطْهِيرُهَا، فَإِذَا كَانَ الْأَصْلَحُ الْإِتْلَافَ أُتْلِفَتْ، وَلَو أَنَّ صَاحِبَ أَوْعِيَةِ الْخَمْرَةِ وَالْمَلَاهِي طَهَّرَ الْأَوْعِيَةَ وَغَسَلَ الْآلَاتِ لَجَازَ بِالِاتِّفَاقِ، لَكِنْ إذَا أَظْهَرَ الْمُنْكَرَ حَتَّى أُنْكِرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ بِالْإِتْلَافِ.
وَالصَّحَابَةُ ﵃ لَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا التَّحْرِيمَ فَأُسْقِطَ عَنْهُم الْإِتْلَافُ لِذَلِكَ. [٢٩/ ٢٩٤ - ٢٩٧]
* * *
(حكم زيادة سعر السلعة على المسترسل والمضطر)
٤٠١٨ - لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ لِمُسْتَرْسِلٍ إلَّا بِالسِّعْرِ الَّذِي يُبَاعُ بِهِ غَيْرُه (٢) . الحواشي
(١) اكتفيت بالوجه الأول لوضوحه وقوته.(٢) واشترط الشيخ ﵀ لمن باع سلعةً أن يكون بِالسِّعْرِ الْعَامِّ. (٢٩/ ٤٥٦) =стр. 2708
وَالْمُسْتَرْسِلُ قَد فُسِّرَ بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يُمَاكِسُ بَل يَقُولُ: خذْ وَأَعْطِنِي، وَبِأَنَّهُ الْجَاهِلُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ فَلَا يُغْبنُ غَبْنًا فَاحِشًا، لَا هَذَا وَلَا هَذَا.
وَلِلْمَغْبُونِ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ فَيَرُدّ عَلَيْهِ السِّلْعَةَ وَيَأْخُذ مِنْهُ الثَّمَنَ. [٢٩/ ٢٩٩]
٤٠١٩ - الْمُضْطَرُّ الَّذِي لَا يَجِدُ حَاجَتَهُ إلَّا عِنْدَ هَذَا الشَّخْصِ: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْبَحَ عَلَيْهِ مِثْل مَا يَرْبَحُ عَلَى غَيْرِ الْمُضْطَرِّ (١) ؛ فَإِنَّ فِي السُّنَنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن بَيْعِ الْمُضْطَرِّ (٢) .
وَلَو كَانَت الضَّرُورَةُ إلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ: مِثْل أَنْ يَضْطَرَّ النَّاسُ إلَى مَا عِنْدَهُ مِن الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ: فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبِيعَهُم إلَّا بِالْقِيمَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَا يُعْطُوهُ زِيادَةً عَلَى ذَلِكَ. [٢٩/ ٣٠٠]
* * *
(بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْبَيْعِ)
٤٠٢٠ - سُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ مُسْلِمٍ اشْتَرَى جَارِيَةً كِتَابِيَّةً وَشَرَطَ لَهُ الْبَائِعُ أَنَّهَا طَبَّاخَةٌ جَيِّدَةٌ، وَأَنَّهَا تَصْنَعُ الْخَمْرَ وَالنَّبِيذَ، فَهَل يَصِحُّ؟
فَأَجَابَ: اشْتِرَاطُ كَوْنِهَا تَصْنَعُ الْخَمْرَ وَالنَّبِيذَ شَرْطٌ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْعَقْدُ مَعَ ذَلِكَ فَاسِدٌ.
أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الشَّرْطَ الْفَاسِدَ يُفْسِدُ الْعَقْدَ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِن مَذْهَب أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ: فَإِنَّهُ لَو بَاعَهَا بِدُونِ شَرْطٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَشْتَرِيَ الحواشي
(١) فلا يزيد في الربح استغلالًا لضرورته وحاجته.(٢) رواه أبو داود(٣٣٨٢) ، وضعَّفه الألباني في ضعيف أبي داود.стр. 2709
الْجَارَيةَ لِأَجْلِ كَوْنِهَا تَصْنَعُ الْخَمْرَ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ عَيْنًا لِيَعْصِيَ اللهَ بِهَا؛ مِثْل أَنْ يَشْتَرِيَ عَصِيرًا لِيَعْمَلَهُ خَمْرًا، وَيَشْتَرِيَ سِلَاحًا لِيُقَاتِلَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. [٢٩/ ٣٣٢ - ٣٣٣]
* * *
(البيع يَصِحُّ بِلَا رُؤْيَةٍ وَلَا صِفَةٍ ويَثْبُتُ فيه الخِيَار، والنكاح يصح ولا يَثْبُتُ فيه الخِيَار)
٤٠٢١ - الشَّرْطُ إنَّمَا يَثْبُتُ لَفْظًا أَو عُرْفًا، وَفِي الْبَيْعِ دَلَّ الْعُرْفُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ إلَّا بِسَلِيمٍ مِن الْعُيُوبِ، وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ لَمْ يَرْضَ بِمَن لَا يُمْكِنُ وَطْؤُهَا، وَالْعَيْبُ الَّذِي يَمْنَعُ كَمَالَ الْوَطْءِ -لَا أَصْلَهُ- فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ.
وَأَمَّا مَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْوَطْءُ وَكَمَالُ الْوَطْءِ: فَلَا تَنْضَبِطُ فِيهِ أَغْرَاضُ النَّاسِ.
وَالشَّارعُ قَد أَبَاحَ بَل أَحَبَّ لَهُ النَّظَرَ إلَى الْمَخْطُوبَةِ وَقَالَ: "إذَا أَلْقَى اللهُ فِي قَلْبِ أَحَدِكُمْ خِطْبَةَ امْرَأَةٍ فَلْيَنْظُرْ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا" (١) .
وَقَوْلُهُ: "أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا": يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا عَرَفَهَا قَبْلَ النِّكَاحِ دَامَ الْوُدُّ، وَأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ وَإِن لَمْ يَرَهَا، فَإِنَّهُ لَمْ يُعَلِّلِ الرُّؤْيَةَ بِأَنَّهُ يَصِحُّ مَعَهُ النِّكَاحُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَجِبُ وَأَنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِدُونِهَا، وَلَيْسَ مِن عَادَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ أَنْ يَصِفُوا الْمَرْأَةَ الْمَنْكُوحَةَ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ لَا يَصِحَّ وَإِمَّا أَنْ يَمْلِكَ خِيَارَ الرُّؤْيَةِ، وَإِن كَانَ قَد ذُكرَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد رِوَايَة ضَعِيفَة أَنَّهُ يَصِحُّ بِلَا رُؤْيَةٍ وَلَا صِفَةٍ وَلَا يَثْبُتُ خِيَارٌ. الحواشي
(١) رواه الترمذي(١٠٨٧) ، والنسائي(٣٢٣٥) ، وابن ماجه(١٨٦٥) ، والدارمي(٢٢١٨) ، وأحمد(١٨١٣٧) . وقال الترمذي: حديث حسن.стр. 2710
وَهَذَا الْفَرْقُ إنَّمَا هُوَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالْأَمْوَالِ: أَنَّ النِّسَاءَ يُرْضَى بِهِنَّ فِي الْعَادَةِ عَلَى الصِّفَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَالْأَمْوَالَ لَا يُرْضَى بِهَا عَلَى الصِّفَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ؛ إذ الْمَقْصُودُ بِهَا التَّمَوُّلُ وَهُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الصِّفَاتِ، وَالْمَقْصُودُ بِالنِّكَاحِ الْمُصَاهَرَةُ وَالِاسْتِمْتَاعُ وَذَلِكَ يَحْصُلُ مَعَ اخْتِلَافِ الصِّفَاتِ.
فَهَذَا فَرْقٌ شَرْعِيٌّ مَعْقُولٌ فِي عُرْفِ النَّاسِ.
أَمَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ لِاشْتِرَاطِهِ صِفَةً فَبَانَتْ بِخِلَافِهَا وَبِالْعَكْسِ فَإِلْزَامُهُ بِمَا لَمْ يَرْضَ بِهِ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ.
وَلَو قَالَ: ظَنَنْتهَا أَحْسَنَ مِمَّا هِيَ أَو مَا ظَنَنْت فِيهَا هَذَا وَنَحْو ذَلِكَ: كَانَ هُوَ الْمُفَرِّطَ حَيْثُ لَمْ يَسْأَلْ عَن ذَلِكَ وَلَمْ يَرَهَا وَلَا أَرْسَلَ مَن رَآهَا. [٢٩/ ٣٥٤ - ٣٥٥]
* * *
(النجش)
٤٠٢٢ - الْمَالِكُ إذَا زَادَ فِي السِّلْعَةِ كَانَ ظَالِمًا نَاجِشًا، وَهُوَ شَرٌّ مِن التَّاجِرِ الَّذِي لَيْسَ بِمَالِكٍ وَهُوَ الَّذِي يَزِيدُ فِي السِّلْعَةِ وَلَا يَقْصِدُ شِرَاءَهَا. [٢٩/ ٣٥٨ - ٣٨٩]
* * *
(بَابُ الْخِيَارِ)
٤٠٢٣ - يثبت خيار المجلس في البيع، ويثبت خيار الشرط في كل العقود ولو طالت المدة، فإن أطلقا الخيار ولم يوقتاه بمدة توجه أن يثبت ثلاثًا، لخبر حبان بن منقذ.
وللبائع الفسخ في مدة الخيار إذا رد الثمن وإلا فلا.
ونقل أبو طالب عن أحمد: وكذلك التملكات القهرية لإزالة الضرر كالأخذ بالشفعة وأخذ الغراس والبناء من المستعير والمستأجر والزرع من الغاصب. [المستدرك ٤/ ١٣]
стр. 2711
٤٠٢٤ - يثبت خيار الغبن لمسترسل، لا لبائع لم يماكسه وهو مذهب أحمد. [المستدرك ٤/ ١٣]
٤٠٢٥ - النماء المتصل في الأعيان المملوكة العائد إلى من انتقل الملك عنه، لا يتبع الأعيان، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب حيث قال: إذا اشترى غنمًا فنمت ثم استُحقت (١) : فالنماء له، وهو يعم المتصل والمنفصل. [المستدرك ٤/ ١٣]
٤٠٢٦ - يحرم كتم العيب: ذكره الترمذي عن العلماء.
وكذا لو أعلمه به، ولم يُعْلِمه (٢) قدر عيبه، ذكره شيخنا. [المستدرك ٤/ ١٣]
٤٠٢٧ - إن اشترى شيئًا وظهر به عيب فله أرشه إن تعذر رده، وإلا فلا، وهو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة والشافعي.
وكذا في نظائره كالصفقة إذا تفرقت.
والمذهب يخيَّر المشتري بين الرد وأخذ الثمن، وإمساكه وأخذ الأرش.
فعليه: يجبر المشتري على الرد وأخذ الأرش لتضرر البائع بالتأخير. [المستدرك ٤/ ١٣ - ١٤]
٤٠٢٨ - الجار السوء عيب. [المستدرك ٤/ ١٤]
٤٠٢٩ - إذا ظهر عسرُ المشتري أو مطلُه: فللبائع الفسخ. [المستدرك ٤/ ١٤]
٤٠٣٠ - سُئِلَ ﵀: عَن رَجُلَيْنِ تَبَايَعَا عَيْنًا وَشَرَطَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخَ الْبَيْعِ وَإِمْضَاءَهُ فِي مُدَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا، فَهَل يُعْتَبَرُ الْخِيَارُ فِي الْإِمْضَاءِ وَالْفَسْخِ؟
فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَمَا ذُكِرَ، وَاخْتَارَ أَحَدُهُمَا فَسْخَ الْبَيْعِ: فَلَهُ فَسْخُهُ بِدُونِ رضى الْآخَرِ، وَلَو سَبَقَ الْآخَرُ بِالْإِمْضَاءِ. الحواشي
(١) أي: تبين أنها حقٌّ لغيره؛ إما لكون البائع قد سرقها أو غصبها أو نحو ذلك.(٢) في الأصل: (يعلما)، وهكذا في الفروع (٤/ ٩٤)، والمثبت من الاختيارات(١٨٦) ، والفتاوى الكبرى (٥/ ٣٩٠).стр. 2712
وَالْإِمْضَاءُ الْمَقْرُونُ بِالْفَسْخِ يُقْصَدُ بِهِ تَرْكُ الْفَسْخِ؛ أَيْ: لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَفْسَخَهُ وَأَنْ لَا يَفْسَخَهُ.
وَلَكِنْ إذَا سَقَطَ خِيَارُهُ لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُ الْآخَرِ.
وَلَكِنَّ الْمَعْنَى الْمَعْرُوفَ فِي مِثْل هَذِهِ الْعِبَارَةِ: أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَفْسَخَهُ وَأَنْ لَا يَفْسَخَهُ، وَإِذَا لَمْ يَفْسَخْهُ فَقَد أَمْضَاهُ. [٢٩/ ٣٥٧ - ٣٥٨]
٤٠٣١ - إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي مُسْتَرْسِلًا -وَهُوَ الْجَاهِلُ بِقِيمَةِ الْمَبِيعِ- لَمْ يَجُزْ لِلْبَائِعِ أَنْ يَغْبِنَهُ غَبْنًا يَخْرُجُ عَن الْعَادَةِ؛ بَل عَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَهُ بِالْقِيمَةِ الْمُعْتَادَةِ أَو قَرِيبٍ مِنْهَا.
فَإِنْ غَبَنَهُ غَبْنًا فَاحِشًا: فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ وَإِمْضَائِهِ (١) .
وَثَبَتَ فِي "الصِّحَاحِ" (٢) : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن تَلَقِّي الْجَلَبِ حَتَّى يَهْبِطَ بِهِ السُّوقَ، وَأَثْبَتَ الْخِيَارَ لِلْبَائِعِ إذَا هَبَطَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَبْلَ أَن يَهْبِطَ السُّوقَ يَكونُ جَاهِلًا بِقِيمَةِ السِّلَعِ، فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن أَنْ يَخْرُجَ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ وَيَبْتَاعَ مِنْهُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن تَغْرِيرِهِ وَالتَّدْلِيسِ، وَأَثْبَتَ لَهُ الْخِيَارَ إذَا عَلِمَ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
فَهَكَذَا كُلُّ مَن كَانَ جَاهِلًا بِالْقِيمَةِ لَا يَجُوزُ تَغْرِيرُهُ وَالتَّدْلِيسُ عَلَيْهِ؛ مِثْل أَنْ يُسَامَ سَوْمًا كَثِيرًا خَارِجًا عَن الْعَادَةِ لِيَبْذُلَ مَا يُقَارِبُ ذَلِكَ؛ بَل يُبَاعُ الْبَيْع الْمَعْرُوف غَيْر الْمُنْكَرِ.
وَإِذَا تَابَ هَذَا الْغَابِنُ الظَّالِمُ وَلَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَرُدَّ إلَى الْمَظْلُومِينَ حُقُوقَهُم فَلْيَتَصَدَّقْ بِمِقْدَارِ مَا ظَلَمَهُم بِهِ وَغَبَنَهُم؛ لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِذَلِكَ مِن ذَلِكَ. [٢٩/ ٣٥٩ - ٣٦٠]
* * * الحواشي
(١) وهو الذي رجحه العلَّامة ابن عثيمين كما في الشرح الممتع (٨/ ٢٩٨)، ويرى بعض العلماء أنه لا خيار له إلا إذا اشترط لنفسه وتحفَّظ.(٢) رواه البخاري(٢١٦٦) ، ومسلم(١٥١٥) .стр. 2713
(فصل في التصرف في المبيع قبل قبضه، وما يحصل به قبضه)
٤٠٣٢ - من اشترى شيئًا بكيل أو وزن نقله جماعة. وعنه: المطعوم منهما، وظاهر المذهب: أو عدد، والمشهور: أو ذرع، وذكره شيخنا، ولا يتصرف فيه ولا بإجارة قبل قبضه.
وجوز شيخنا: التولية (١) والشركة (٢) ، وجوَّز: التصرف بغير بيع (٣) ، وبيعه لبائعه (٤) . [المستدرك ٤/ ١٤] الحواشي
(١) هي أن يبيعه برأس ماله، وسميت تولية؛ لأن المشتري صار بدلًا عن البائع، وكأنما يصير وليُّا له؛ أي: متابعًا له، كأنه يقول له: وليتك ما توليت. الشرح الممتع (٨/ ٣٣٠).(٢) هي أن يبيع عليه بعضه بقسطه من الثمن، مثل أن يبيع عليه النصف فيكون على المشتري الثاني نصف الثمن، أو الثلث، أو الربع، أو أكثر، أو أقل، والبيع بالشركة قد يكون تولية وقد يكون مرابحة وقد يكون مواضعة. الشرح الممتع (٨/ ٣٣٠).(٣) كالهبة ونحوها.(٤) مثاله: اشتريت مائة صاع من زيد، فأخذتها ولكنها لا زالت في دكانه، ثم بعتها عليه بثمنها أو أكثر.
وقد استدل الشيخ ﵀ على جواز بيع السلعة تولية: بأنّ العلة في النهي عن البيع قبل قبضه: أن يربح فيما لم يضمن؛ أي: فيما لم يدخل في ضمانه، وأيضًا فإن العلة من النهي خوف العداوة والبغضاء، أو محاولة البائع فسخ العقد؛ لأن البائع إذا رأى أن المشتري قد ربح فيه قبل أن ينقله إلى بيته فربما يحاول فسخ العقد بأي طريق، فيحصل بذلك نزاع وخلاف.
قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀: الأولى أن يقال: إن النهي في الحديث على ظاهره، وأنه يشمل حتى ما إذا باعه على بائعه، أو باعه تولية أو مشاركة أو مواضعة أو أي شيء، فهذا هو ظاهر النص، والذي ينبغي لنا أن نأخذ بعموم الحديث، وقد سبق لنا أن العلة المستنبطة لا تقوى على تخصيص العموم؛ لأنه من الجائز أن تكون هذه العلة خطأ وأن استنباطنا لها ليس بصواب، فلا نخصص بها عموم الكتاب والسُّنَّة بمجرد أن نقول: إن الحكم مبني على هذه العلة.
وعلى هذا؛ فيكون هذا من المواضع التي يُخَالَف فيها شيخ الإسلام ﵀ مع أن غالب اختياراته أقرب إلى الصواب من غيره، كل ما اختاره إذا تأملته وتدبرته وجدته أقرب إلى الصواب من غيره، لكنه ليس بمعصوم، لدينا نحو عشر مسائل أو أكثر نرى أن الصواب خلاف كلامه ﵀؛ لأنه كغيره يخطئ ويصيب. اهـ. الشرح الممتع (٨/ ٣٦٩ - ٣٧٠).стр. 2714
٤٠٣٣ - يملك المشتري المبيع بالعقد، ويصح عتقه قبل القبض إجماعًا فيهما. [المستدرك ٤/ ١٤]
٤٠٣٤ - من اشترى شيئًا: لم يبعه قبل قبضه، سواء كان المكيل والموزون وغيرهما، وهو رواية عن أحمد.
وسواء كان المبيع من ضمان المشتري أو لا (١) ، وعلى ذلك تدلُّ أصول أحمد؛ كتصرف المشتري في الثمرة قبل جدّها في أصح الروايتين وهي مضمونة على البائع، وكصحة تصرف المستأجر في العين المؤجرة بالإجارة وهي مضمونة على المؤجر. [المستدرك ٤/ ١٤ - ١٥]
٤٠٣٥ - يمنع التصرف في صبرة الطعام المشتراة جزافًا على إحدى الروايتين وهي اختيار (٢) الخرقي مع أنها من ضمان المشتري، وهذه طريقة الأكثرين.
وعلة النهي عن البيع قبل القبض: ليست توالي الضمانين، بل عجز المشتري عن تسليمه؛ لأن البائع قد يسلمه وقد لا يسلمه، لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح فيسعى في رد المبيع إما بجحد أو احتيال في الفسخ.
وعلى هذه العلة: تجوز التولية في المبيع قبل قبضه، وهو مخرج من جواز بيع الدين.
ويجوز التصرف فيه بغير البيع، ويجوز بيعه لبائعه، والشركة فيه.
وكل ما مُلِك بعقد سوى البيع: فإنه يجوز التصرف فيه قبل قبضه بالبيع وغيره؛ لعدم قصد الربح.
وإذا تعين ملك إنسان في موروث أو وصية أو غنيمة: لم يعتبر لصحة الحواشي
(١) في الأصل: (أولى)، وهو خطأ، والتصويب من الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٩٠)، والاختيارات(١٨٧) .(٢) في الأصل: (اختيارات)، والتصويب من الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٩٠).стр. 2715
تصرفه قبضُه بغير خلاف، وينقل الضمان إلى المشتري بتمكنه من القبض. [المستدرك ٤/ ١٥]
٤٠٣٦ - كلُّ عوضٍ مُلك بعقدِ مُعَاوَضَةٍ (١) ينفسخ بهلاكه (٢) قبل القبض: لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه؛ كبيع (٣) .
وجوَّز شيخنا: البيع وغيره؛ لعدم قصد الربح (٤) .
وما لا ينفسخ: يجوز التصرف فيه قبل القبض؛ كعوض الخلع والعتق والنكاح والصلح عن دم عمد-؛ لأن المقتضي للتصرف الملك وقد وجد.
وقيل: كبيع، لكن يجب بتلفه مثله أو قيمته ولا فسخ (٥) .
واختار شيخنا: لهما (٦) فسخ نكاح لفوات بعض المقصود؛ كعيب مبيع (٧) . [المستدرك ٤/ ١٥ - ١٦]
* * *
(حكم الكيمياء ومعناها)
٤٠٣٧ - مَا يَصْنَعُهُ بَنُو آدَمَ مِن الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِن أَنْوَاعِ الْجَوَاهِرِ وَالطِّيبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشَبّهُونَ بِهِ مَا خَلَقَهُ اللهُ مِن ذَلِكَ؛ مِثْل مَا يَصنَعُونَهُ مِن اللُّولُؤِ وَالْيَاقُوتِ وَالْمِسْكِ وَالْعَنْبَرِ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ مِثْل مَا الحواشي
(١) غير البيع.(٢) أي: هلاك العوض.(٣) فلا يجوز بيع سلعة قبل قبضها.(٤) أي: أنّه ﵀ يرى أنَّ كلَّ ما مُلك بعقد سوى البيع: فإنه يجوز التصرف فيه قبل قبضه بالبيع وغيره؛ لعدم قصد الربح. الاختيارات(١٨٨) .
وعبارة الاختيارات أوضح وأخصر.(٥) أي: يجب على من تلف ذلك بيده قبل إقباضه بسبب تلفه مثله إن كان مثليًّا، أو قيمته إن كان متقومًا؛ لأنه من ضمانه حتى يقبضه مستحقه إلحاقًا له بالبيع. يُنظر: كشاف القناع عن متن الإقناع، لمنصور البهوتي، المتوفى سنة (١٠٥١ هـ) (٣/ ٢٤٥).(٦) أي: للزوجين.(٧) العبارة في الأصل يعسر فهمها؛ لِمَا فيها من النقص، وقد قمت بإثبات الفائدة مع الزيادات من المبدع ونحوه.стр. 2716
يَخْلُقُهُ اللهُ مِن ذَلِكَ؛ بَل هُوَ مُشَابِهٌ لَهُ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ، لَيْسَ هُوَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مُحَرَّمٌ فِي الشَّرْعِ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ (١) .
وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا اسْتِقْرَاءُ الْوُجُودِ: مِن أَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَكُونُ مَصْنُوعًا، وَالْمَصْنُوعُ لَا يَكُونُ مَخْلُوقًا: هِيَ ثَابِتَةٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَعِنْدَ أَوَائِلِ الْمُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي الطَّبَائِعِ وَتَكَلَّمُوا فِي الْكِيمْيَاءِ (٢) وَغَيْرِهَا؛ فَإِنَّ اللهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦].
وَفِي "الصَّحِيحِ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فيمَا يَرْوِي عَنِ اللهِ أَنَّهُ قَالَ: "وَمَن أَظْلَمُ مِمَن ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً فَلْيَخْلُقُوا بَعُوضَةً" (٣) .
وَأَهْلُ الْكِيمْيَاءِ مِن أَعْظَمِ النَّاسِ غِشًّا؛ وَلِهَذَا لَا يُظْهِرُونَ للنَّاس إذَا عَامَلُوهُم أَنَّ هَذَا مِن الْكِيمْيَاءِ، وَلَو أَظْهَرُوا لِلنَّاسِ ذَلِكَ لَمْ يَشْتَرُوهُ مِنْهُم إلَّا مَن يُرِيدُ غِشَّهُمْ.
وَقَد قَالَ الْأَئِمَّةُ: إنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَغْشُوشِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُ غِشِّهِ وَإِن بَيَّنَ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ مَغْشُوشٌ. الحواشي
(١) وعلى هذا فالعود الصناعي حرام إذا بيع على أنه طبيعيّ.(٢) جاء في المعجم الوسيط (٢/ ٨٠٨): الكيمياء: هي الْحِيلَة والحذق، وَكَانَ يُرَاد بهَا عِنْد القدماء تَحْويل بعض الْمَعَادِن إِلَى بعض.
وعلم الكيمياء عِنْدهم: علمٌ يعرف بِهِ طرق سلب الْخَواص من الْجَوَاهِر المعدنية وجلب خَاصَّة جَدِيدَة إِلَيْهَا وَلَا سِيمَا تحويلها إِلَى ذهب.
وعِنْد الْمُحدَثين: علمٌ يُبْحَث فِيهِ عَن خَواص العناصر المادية والقوانين الَّتِي تخضع لَهَا فِي الظروف الْمُخْتَلفَة، وبخاصة عِنْد اتِّحَاد بَعْضهَا بِبَعْض (التَّرْكِيب)، أَو تَخْلِيص بَعْضهَا من بعض (التَّحْلِيل). اهـ.
قلت: والشيخ يقصد بالكيمياء المعنى الأول، وهي التي تُتخذ وسيلة إلى الحيل والغش والدجل.(٣) رواه البخاري(٥٩٥٣) .стр. 2717
وَبَيْعُ الْمَغْشُوشِ لِمَن لَا يَتَبَيَّنُ لَهُ أَنَّهُ مَغْشُوشٌ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْكِيمْيَاءُ لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُ الْغِشِّ فِيهَا، فَلَا يَجُوزُ عَمَلُهَا وَلَا بَيْعُهَا بِحَالٍ.
وَالْكِيمْيَاءُ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِن الرِّبَا.
وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّك تَجِدُ "السِّيمَيَا" (١) الَّتِي هِيَ مِن السِّحْرِ كَثِيرًا مَا تَقْتَرِنُ بِالْكِيمْيَاءِ، وَمَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ السِّحْرَ مِن أَعْظَمِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَإِذَا كَانَت الْكِيمْيَاءُ تُقْرَنُ بِهِ كَثِيرًا وَلَا تَقْتَرِنُ بِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ: عُلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِن أَعْمَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ؛ بَل مِن أَعْمَالِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ.
وَمَن اسْتَقْرَأَ أَحْوَالَ طَالِبِيهَا وَجَدَ تَحْقِيقَ مَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ حَيْثُ قَالُوا: مَن طَلَبَ الْمَالَ بِالْكِيمْيَاءِ أَفْلَسَ، وَمَن طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ، وَمَن طَلَبَ غَرَائِبَ الْحَدِيثِ كَذَبَ.
فَإِنَّ أَصْلَ الْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ لَا يُمْكِنُ الْبَشَرُ أَنْ يَصْنَعُوا مِثْلَهَا، وَلَا يُمْكِنُهُم نَقْلُ نَوْعٍ مَخْلُوقٍ مِن الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعْدِنِ إلَى نَوْعٍ آخَرَ مَخْلُوقٍ، وَهَذَا مُطَّرِدٌ لَا يُنْقَضُ. [٢٩/ ٣٦٨ - ٣٨٨]
* * *
(حكم ما ظهر عيبه بعد البيع)
٤٠٣٨ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا سَلِيمًا مِنَ الْعَيْبِ ثُمَّ بَاعَهُ كَذَلِكَ، فَسَرَقَ الْعَبْدُ مِن الْمُشْتَرِي الثَّانِي مَبْلَغًا وَأَبَقَ، فَهَل يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِع الْأَوَّلِ؟
فَأَجَابَ: لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُطَالِبَ بِالْأَرْشِ بِلَا نِزَاعِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (٢) . الحواشي
(١) قال في المعجم الوسيط (١/ ٤٦٩): هو السحر، وَحَاصِلُه: إِحْدَاث مثالات خيالية لَا وجود لَهَا فِي الْحس.(٢) هذا بشرط أن يكون البائع قد علم بالعيب وكتمه، أما في حال عدم علمه بعيبه هذا فلا يحق للمشتري الرجوع عليه، ويدل على هذا الفتوى الآتية.стр. 2718
وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ يُقَوَّمَ الْعَبْدُ وَلَا عَيْبَ فِيهِ، ويُقَوَّمَ وَبِهِ هَذَانِ الْعَيْبَانِ (١) ، فَمَا نَقَصَ مِن الْقِيمَةِ نَقَصَ مِن الثَّمَنِ بِحِسَابِهِ، فَإِذَا كَانَت قِيمَتُهُ سَلِيمًا أَرْبَعَمِائَةٍ وَقِيمَتُهُ مَعِيبًا مِائَتَانِ: حُطَّ عَنْهُ نِصْفُ الثَّمَنِ. [٢٩/ ٣٩١ - ٣٩٢]
٤٠٣٩ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ اشْتَرَى جَارَيةً صَحِيحَةً سَالِمَةً، فَهَرَبَتْ مِن يَوْمِ ابْتَاعَهَا مِن غَيْرِ ضَرْبٍ وَلَا إجْحَافٍ، فَهَل لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ قَبْلَ حُضُورِ الْجَارِيةِ وَوُجُودِهَا أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: إنْ كَانَت الْجَارِيَةُ مَعْرُوفَةً بِالْإِبَاقِ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَتَمَ الْبَائِعُ هَذَا الْعَيْبَ وَأَبَقَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يُطَالِبَ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد فِي الْمَنْصُوصِ عَنْهُ مِن الْقَوْلَيْنِ.
وَفِي الْقَوْلِ الْآخَرِ: يُطَالِبُ بِالْأَرْشِ.
وَإِن لَمْ تَكُنْ أَبَقَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَبَقَتْ بِسَبَبِ مَا فَعَلَ بِهَا الْمُشْتَرِي فَلَا شَيْءَ عَلَى الْبَائِعِ (٢) . [٢٩/ ٣٩٣]
٤٠٤٠ - وَسُئِلَ: عَن دَابَّةٍ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ الْمُتَبَايِعَيْنِ بِهَا عَيْبًا، فَمَكَثَتْ عِنْدَهُ مِقْدَارَ شَهْرٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا؟
فَأَجَابَ: إذَا ظَهَرَ بِهَا عَيْبٌ قَدِيمٌ قَبْلَ الْبَيْعِ وَلَمْ يَكُن عَلِمَ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِذَلِكَ الْعَيْبِ (٣) ، مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرضى بِهِ. [٢٩/ ٣٩٤]
* * * الحواشي
(١) وهما السرقة والإباق.(٢) وقد ذكر الشيخ أنّ الْقَوْل قَوْلُ البائعِ مَعَ يَمِينِهِ إذَا لَمْ يُقِم الْمُشْتَرِي بَيِّنَةً. (٢٩/ ٣٩٥)(٣) وذكر الشيخ في موضع آخر: أنه إِذَا كَانَ المشتري قَد أنْقَصَ ثمن السلعة -كالدابة أو القماش ونحوه- بِمَا أَحْدَثَه فِيهِ مِن الْعَيْبِ: كَانَ لَه الرَّدُّ مَعَ أَرْشِ الْعَيْبِ الْحَادِثِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ. (٢٩/ ٣٩٧)стр. 2719
(هل التَّصَرُّفُ وَالضَّمَان مُتَلَازَمَانِ ؟)
٤٠٤١ - المتأخرون مِن أَصْحَابِ أَحْمَد مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّةِ يَقُولُونَ بِتَلَازُمِ التَّصَرُّفِ وَالضَّمَانِ، فَعِنْدَهُم أَنَّ مَا دَخَلَ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي جَازَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، وَمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ لَمْ يَجُزْ تَصَرُّفُهُ فِيهِ؛ وَلِهَذَا طَرَدَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ عَلَى الشَّجَرِ فَلَمْ يَقُلْ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا قَبَضَهَا وَجَازَ تَصَرُّفُهُ فِيهَا صَارَ ضَمَانُهَا عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي مَذْهَبِ أَحْمَد الَّذِي ذَكَرَهُ الخرقي وَغَيْرُهُ مِن الْمُتَقَدِّمِينَ وَعَلَيْهِ تَدُلُّ أُصُولُ أَحْمَد: أَنَّ الضَّمَانَ وَالتَّصَرُّفَ لَا يَتَلَازَمَانِ؛ وَلِهَذَا كَانَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد أَنَّ الثِّمَارَ إذَا تَلِفَتْ قَبْلَ تَمَكُّنِ الْمُشْتَرِي مِن جُذَاذِهَا: كَانَت مِن ضَمَانِ الْبَائِعِ، مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي التَّصَرُّفُ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، فَجَوَّزَ تَصَرُّفَهُ فِيهَا مَعَ كَوْنِ ضَمَانِهَا عَلَى الْبَائِعِ.
وَقَد ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ أَنَّ الثِّمَارَ مِن ضَمَانِ الْبَائِعِ؛ كَمَا فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" عَن جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذَا بِعْت مِن أَخِيك ثَمَرَةً فَأَصَابَتْهَا جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَأْخُذَ مِن ثَمَنِهَا شَيْئًا، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ بِغَيْرِحَقٍّ؟ ".
وَأُصُولُ الشَّرِيعَةِ تُوَافِقُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ:
- فَلَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ مَضْمُونًا عَلَى شَخْصٍ كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ؛ كَالْمَغْصُوبِ وَالْعَارَيةِ.
- وَلَيْسَ كُلُّ مَا جَازَ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْمُتَصَرِّفِ؛ كَالْمَالِكِ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمُعَارِ فَيَبِيعُ الْمَغْصُوبَ مِن غَاصِبِهِ وَمِمَن يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهِ مِنْهُ، وَإِن كَانَ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ.
- كَمَا أَنَّ الضَّمَانَ بِالْخَرَاجِ (١) ، فَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا اُتُّفِقَ مِلْكًا وَيَدًا، وَأَمَّا إذَا الحواشي
(١) أصل هذا حديث صحيح بلفظ: "الخراج بالضمان"؛ أي: من له ربح شيء فعليه خسارته.стр. 2720
كَانَ الْمِلْكُ لِشَخْصٍ وَالْيَدُ لِآخَرَ: فَقَد يَكُونُ الْخَرَاجُ لِلْمَالِكِ وَالضَّمَانُ عَلَى الْقَابِضِ.
وَأَيْضًا: فَالْبَائِعُ إذَا مَكَّنَ الْمُشْتَرِيَ مِن الْقَبْضِ: فَقَد قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمُشْتَرِي هُوَ الْمُفَرِّطُ بِتَرْكِ الْقَبْضِ فَيَكُونُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُمَكنْهُ مِن الْقَبْضِ، بِأَنْ لَا يُوَفِّيَهُ التَّوْفِيَةَ الْمُسْتَحَقَّةَ، فَلَا يَكِيلُهُ وَلَا يَزِنُهُ وَلَا يَعُدُّهُ، فَإِنَّهُ هُنَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَمْ يُوَفِّهِ إيَّاهُ مِن الدَّيْنِ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَل الْبَائِعُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِن التَّوْفِيَةِ: كَانَ هُوَ الْمُفَرِّط، فَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ؛ إذ التَّفْرِيطُ يُنَاسِبُ الضَّمَانَ. [٢٩/ ٣٩٨ - ٤٠٢]
* * *
(الْمَقْبُوض بِعَقْدٍ فَاسِد وغصب، والفرق بينهما، ومتى يجب الْوَفَاءَ في الْعُقُود الْجَائِزَة؟ وماذا يجب في العقد الْفَاسِدِ: القيمة أو المثل ؟)
٤٠٤٢ - فَصْلٌ: فِي الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ: أَصْلُهُ أَنَّ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ يُوجِبُ عَلَى كُلٍّ مِن الْمُتَعَاقِدَيْنِ مَا اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ؛ مِثْلُ مَا يُوجِبُ التَّقَابُضَ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْمُعَاوَضَاتِ اللَّازِمَةِ، فَإِنَّ لُزُومَهَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوَفَاءِ بِهَا وَتَحْرِيمَ نَقْضِهَا.
وَأَمَّا الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ مِن الْوِكَالَاتِ بِأَنْوَاعِهَا وَالْمُشَارَكَاتِ بِأَصْنَافِهَا: فَإِنَّهَا لَا تُوجِبُ الْوَفَاءَ مُطْلَقًا؛ إذ الْعَقْدُ لَيْسَ بِلَازِمٍ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ بَل هُوَ جَائِزٌ مُبَاحٌ، وَصَاحِبُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ إمْضَائِهِ وَفَسْخِهِ، وَإِذَا فَسَخَهُ كَانَ نَقْضًا لَهُ.
لَكِنْ مَا دَامَ الْعَقْدُ مَوْجُودًا: فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ بِمُوجِبِهِ مِن حِفْظِ الْمَالِ؛ فَإِنَّهُ عَقْدُ أَمَانَةٍ (١) .
وَأمَّا تَحْرِيمُ الْعُدْوَانِ كَالْخِيَانَةِ: فَذَاكَ وَاجِبٌ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ، إذ يَحْرُمُ الحواشي
(١) والأمانة تقتضي ألا يفسخ العقد ما دام العقد ساريًا؛ لأنه يترتب على فسخِه مفاسد وأضرار كبيرة.стр. 2721
عَلَيْهِ الْعُدْوَانُ فِي مَالِ مَن ائْتَمَنَهُ وَغَيْره، لَكِنَّ الْعَقْدَ أَوْجَبَ ذَلِكَ أَيْضًا وَزَادَهُ تَوْكِيدًا.
وَأَمَّا وُجُوبُ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْعَامِلُ فِي الْمُضَارَبَةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ إذَا تَرَكَ التَّصَرُّفَ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ مُفَرِّطًا: فَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ فَإِنَّ الْعَقْدَ وَإِن كَانَ جَائِزًا فَمَا دَامَ مَوْجُودًا فَلَهُ مُوجِبَانِ:
أ- الْحِفْظُ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ.
ب- وَالتَّصَرُّفُ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ (١) .
وَهَذَا قِيَاسُ مَذْهَبِنَا؛ لِأَنَّا نُوجِبُ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِن الْمُعَاوَضَةِ بِالْبَيْعِ وَالْعِمَارَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْآخَرُ فِي الْعُرْفِ؛ مِثْلُ عِمَارَةِ مَا استهدم، هَذَا فِي شَرِكَةِ الْأَمْلَاكِ، فَكَذَلِكَ فِي شَرِكَةِ الْعُقُودِ؛ فَإِنَّ مَقْصُودَهَا هُوَ التَّصَرُّفُ، فَتَرْكُ التَّصَرُّفِ فِي الْمُضَارَبَةِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ قَد يَكُونُ أَعْظَمَ ضَرَرًا مِن تَرْكِ عِمَارَةِ الْمَكَانِ المستهدم فِي شَرِكَةِ الْأَمْلَاكِ، وَمِن تَرْكِ بَيْع الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ (٢) ؛ لِأَنَّهُ هُنَاكَ يُمْكنُ الشَّرِيكَ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ وَهُنَا غَرَّهُ وَضَيَّعَ عَلَيْهِ مَنْفَعَةَ مَالِهِ.
فَإِذَا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا: لَمْ يَثْبُتْ جَمِيعُ مُقْتَضَاهُ مِن وُجُوبِ التَّقَابُضِ، وَالتَّصَرُّفِ، وَحِلِّ التَّصَرُّفِ وَالِانْتِفَاعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَإِذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ (٣) : فَهُوَ قَبْضٌ مَأْذُونٌ فِيهِ بِعَقْد، فَلَيْسَ مِثْل قَبْضِ الْغَاصِبِ الَّذِي هُوَ بِغَيْرِ إذْنٍ. الحواشي
(١) فمقتضى عقده مع صاحبه أن يتصرف في العمل بما فيه مصلحته ومنفعته.(٢) الجملة في الأصل هكذا: … المستهدم فِي شَرِكَةِ الْأَمْلَاكِ.
وَمَن تَرَكَ بَيْعَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ..
وهي بهذا لا تكون الجملة مفيدة، وهذا يدل على أهمية وضع علامات الترقيم والفواصل والتشكيل.(٣) يعني: إذا قبض البائع الثمن، والمشتري السلعة في العقد الفاسد: فهو قبضٌ معترف فيه صحيح، يترتب عليه آثارُه.стр. 2722
وَذَلِكَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا (١) مِن وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ قَبْضٌ بِغَيْرِ إذْن الْمَالِكِ، وَهَذَا قَبْضٌ بِإِذْنِ الْمَالِكِ.
الثَّانِي: أَنَّ هَذَا قَبْضٌ اقْتَضَاهُ عَقْدٌ وَإِن كَانَ فِيهِ فَسَادٌ، وَذَاكَ قَبْضٌ لَمْ يَقْتَضِهِ عَقْدٌ بِحَال؛ وَلِهَذَا نُوجِبُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ الْمُسَمَّى فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَفِي الْمُضَارَبَةِ الْفَاسِدَةِ وَنَحْوِهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ بِهِ مَوْجُودًا وَأَرَادَ الرَّدَّ: رَدَّهُ.
وَإِن كَانَ فَائِتًا: رَدَّ مِثْلَهُ إذَا أَمْكَنَ.
فَإِذَا تَعَذَّرَ رَدُّ الْعَيْنِ أَو الْمِثْلِ: فَلَا بُدَّ مِن رَدِّ عِوَضٍ؛ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ لَيْسَ مِن ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ؛ بَل مِن ذَوَاتِ الْقِيَمِ، وَمِثْلُ: الْمَنَافِعِ الْمُسْتَوْفَاةِ بِالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، وَمِثْلُ: عَمَلِ الْعَامِلِ فِي الْمُشَارَكَةِ الْفَاسِدَةِ مِن الْمُسَاقَاةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَنَحْوِهَا.
فَمِن أَصْحَابِنَا مَن يُوجِبُ رَدَّ الْقِيمَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَطَرَدَ الشَّافِعِيُّ هَذَا فِي الْمُسَمَّى الْفَاسِدِ فِي النِّكَاحِ وَالْمَغْضُوبِ فَأَوْجَبَ مَهْرَ الْمِثْلِ؛ بِنَاءً عَلَى أَّنَّهُ كَانَ يَجِبُ رَدُّ الْبُضْعِ لِفَسَادِ التَّسْمِيَةِ، فَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْ رَدُّهُ رَدَّ بَدَلَهُ وَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَخَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِه، وَالْجُمْهُورُ مِن أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ أَوْجَبُوا بَدَلَ الْمَهْرِ الْمُسَمَّى مِثْلُهُ أَو قِيمَتُهُ، لَا بَدَلَ الْبُضْعِ، وَهُوَ الصَّوَابُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ هُنَا لَمْ يَفْسُدْ، فَلَمْ يَجِبْ رَدُّ الْمُسْتَحَقِّ بِهِ وَهُوَ الْبُضْعُ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ رَدُّ الْبُضْعِ لَمْ يَجِبْ رَدُّ بَدَلِهِ؛ بَل الْوَاجِبُ هُوَ إعْطَاءُ الْمُسَمَّى إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَبَدَلُهُ، فَكَانَ بَدَلُ الْمُسَمَّى هُوَ الْوَاجِبَ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى مَا تَرَاضَوْا بِهِ مِن بَدَلِ الْبُضْعِ. الحواشي
(١) أي: بين الْمقَبوضِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، والْمقَبوضِ غصبًا.стр. 2723
وَفِي سَائِرِ الْعُقُودِ إذَا فَسَدَتْ: تُوجِبُ رَدَّ الْعَيْنِ أَو بَدَلَهَا.
وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَد: أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْمُشَارَكَةِ -مِثْلُ الْمُضَارَبَةِ وَنَحْوِهَا- الْمسَمَّى أَيْضًا؛ كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى.
بَل الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْفَاسِدِ قِيمَةُ الْعَيْنِ أَو الْمَنْفَعَةِ مُطْلَقًا (١) ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَو أَمْكَنَ رَدُّهَا أَو رَدُّ مِثْلِهَا لَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِب؛ لَأَنَّ الْعَقْدَ لَمَّا انْتَفَى: وَجَبَ إعَادَةُ كُلِّ حَقٍّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَالْمِثْلُ يَقُومُ مَقَامَ الْعَيْنِ.
أَمَّا إذَا كَانَ الْحَقُّ قَد فَاتَ؛ مِثْلُ الْوَطْءِ فِي النِّكاحِ الْفَاسِدِ، وَالْعَمَلِ فِي الْمُؤَاجَّرَاتِ وَالْمُضَارَبَاتِ وَالْغَبْنِ فِي الْمَبِيعِ: فَالْقِيمَةُ لَيْسَتْ مِثْلًا لَهُ.
وَإِنَّمَا تَجِبُ (٢) فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ: كَالْمُتْلَفِ وَالْمَغْصُوبِ الَّذِي تَعَذَّرَ مِثْلُهُ؛ لِلضَّرُورَةِ؛ إذ لَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يُوجَدُ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِّ مِن الْقِيمَةِ (٣) ، فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْعَدْل الْمُمْكِن، كَمَا قُلْنَا مِثْل ذَلِكَ فِي الْقِصَاصِ وَدِيَةِ الْخَطَأِ وَأَرْشِ الْجِرَاحِ، وَاعْتَبَرْنَا الْقِيمَةَ بِتَقْوِيمِ النَّاسِ؛ إذ لَيْسَ هُنَاكَ مُتَعَاقِدَانِ تَرَاضَيَا بِشَيْء، وَأَمَّا هُنَا فَقَد تَرَاضَيَا بِأَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى بَدَلًا عَن الْعَيْنِ أَو الْمَنْفَعَةِ، وَالنَّاسُ يَرْضَوْنَ لَهَا بِبَدَلٍ آخَرَ، فَكَانَ اعْتِبَارُ تَرَاضِيهِمَا أَوْلَى مِن اعْتِبَارِ رضى النَّاسِ. [٢٩/ ٤٠٦ - ٤١٠]
٤٠٤٣ - قَاعِدَةٌ فِي الْمَقْبُوضِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ: وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو:
أ- إمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ يَعْتَقِدُ الْفَسَادَ وَيَعْلَمُهُ. الحواشي
(١) بل يجب ردّ العين نفسِها أو مثلها عند عدمها أو تلفها.(٢) أي: القيمة.(٣) فالقاعدة أنه إِذَا تَعَذَّرَ رَدُّ الْعَيْنِ أوَ مِثْلِهَا: رُدَّت الْقِيمَةُ بِالسِّعْرِ وَقْتَ الْقَبْضِ لا وقت التلف ونحوه، كما قاله الشيخ ﵀. (٢٩/ ٤١٤)، وهو الذي رجحه العلَّامة ابن عثيمين ﵀ كما في الشرح الممتع (٨/ ٣٥١).стр. 2724
ب- أَو لَا يَعْتَقِدُ الْفَسَادَ.
فَالْأَوَّلُ: يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ؛ حَيْثُ قَبَضَ مَا يَعْلَمُ أَّنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ، لَكِنَّهُ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ وَكَوْنِ الْقَبْض عَن التَّرَاضِي: هَل يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ أَو لَا يَمْلِكُهُ؟ (١) .
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْعَاقِدُ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ الْعَقْدِ: مِثْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيمَا يَتَعَاقَدُونَ بَيْنَهُم مِن الْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ؛ مِثْلُ بَيْعِ الْخَمْرِ وَالرِّبَا وَالْخِنْزِيرِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ إذَا اتَّصَلَ بِهَا الْقَبْضُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَالتَّحَاكُمِ إلَيْنَا أُمْضِيَتْ لَهُم وَيَمْلِكُونَ مَا قَبَضُوهُ بِهَا بِلَا نِزَاعٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) ﴾ [البقرة: ٢٧٨] فَأَمَرَ بِتَرْكِ مَا بَقِيَ.
وَإِن أَسْلَمُوا أَو تَحَاكَمُوا قَبْلَ الْقَبْضِ: فُسِخَ الْعَقْدُ وَوَجَبَ رَدُّ الْمَالِ إنْ كَانَ بَاقِيًا، أَو بَدَلُهُ إنْ كَانَ فَائِتًا.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) ﴾ [البقرة: ٢٧٨]-إلَى قَوْلِهِ- ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِرَدِّ مَا بَقِيَ مِن الرِّبَا فِي الذِّمَمِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِرَدِّ مَا قَبَضُوهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَجَعَلَ لَهُم مَعَ مَا قَبَضُوهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ: رُءُوسَ الْأَمْوَالِ.
فَعُلِمَ أَنَّ الْمَقْبُوضَ بِهَذَا الْعَقْدِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ يَمْلِكُهُ صَاحِبُهُ.
أَمَّا إذَا طَرَأَ الْإِسْلَامُ وَبَيْنَهُمَا عَقْدُ رِبًا فَيَنْفَسِخُ، وَإِذَا انْفَسَخَ مِن حِينِ الْإِسْلَامِ اسْتَحَقَّ صَاحِبُهُ مَا أَعْطَاهُ مِن رَأسِ الْمَالِ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ الزِّيَادَةَ الرِّبَوِيَّةَ الَّتِي لَمْ تُقْبَضْ.
وَهَكَذَا كُلُّ عَقْدٍ اعْتَقَدَ الْمُسْلِمُ صِحَّتَهُ بِتَأْوِيلٍ مِن اجْتِهَادٍ أَو تَقْرِيرٍ؛ مِثْلُ الْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ الَّتِي يُبِيحُهَا مُجَوِّزُو الْحِيَلِ. الحواشي
(١) سبق في الفقرة السابقة أن الشيخ رجح أنّ الإنسان إذا عقد عقدًا فاسدًا أنه يملكه بالقبض.стр. 2725
وَمِثْلُ بَيْعِ النَّبِيذِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ عِنْدَ مَن يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ.
وَمِثْلُ بُيُوعِ الْغَرَرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ بَعْضَهَا.
فَإِنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ إذَا حَصَلَ فِيهَا التَّقَابُضُ مَعَ اعْتِقَادِ الصِّحَّةِ لَمْ تُنْقَضْ بَعْدَ ذَلِكَ، لَا بِحُكْمٍ وَلَا بِرُجُوعٍ عَن ذَلِكَ الِاجْتِهَادِ.
وَأَمَّا إذَا تَحَاكَمَ الْمُتَعَاقِدَانِ إلَى مَن يَعْلَمُ بُطْلَانَهَا قَبْلَ التَّقَابُضِ أَو اسْتَفْتَيَاهُ إذَا تَبَيَّنَ لَهُمَا الْخَطَأُ فَرَجَعَ عَن الرَّأْيِ الْأَوَّلِ:
- فَمَا كَانَ قَد قُبِضَ بِالِاعْتِقَادِ الْأَوَّلِ أُمْضِيَ.
- وَإِذَا كَانَ قَد بَقِيَ فِي الذِّمَّةِ رَأْسُ الْمَالِ وَزِيادَةٌ رِبَوِيَّةٌ: أُسْقِطَتْ الزِّيَادَةُ وَرَجَعَ إلَى رَأْسِ الْمَالِ. [٢٩/ ٤١١ - ٤١٣]
* * *
(حكم المبيع إذا كان غائبًا، أو كان موجودًا ولكنه لم يتمكن من قبضه)
٤٠٤٤ - إذَا لَمْ يَجِد الْمَبِيعَ الْغَائِبَ، أَو وَجَدَهُ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِن قَبْضِهِ: فَلَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ إنْ كَانَت الْعَيْنُ مَغْصُوبَةً.
وَإِن تَلِفَت: انْفَسَخَ الْبَيْعُ، وَوَجَبَ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ الثَّمَنَ إذَا طَلَبَهُ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَنْفَعُهُ إشْهَادُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِالْقَبْضِ إذَا كَانَ قَد أَشْهَدَ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَإِن قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِالْإِقْرَارِ وَكَانَ الْإِقْرَارُ صَحِيحًا: فَلَهُ تَحْلِيفُ الْبَائِعِ أَنَّ بَاطِنَ الْإِقْرَارِ كَظَاهِرِهِ فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا إذَا عَلِمَ كَذِبَ الْإِقْرَارِ بِأَنْ يَكُونَ قَد أَقَرَّ بِالْقَبْضِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ: لَمْ يَصِحَّ هَذَا الْإِقْرَارُ كُلُّهُ إذَا صَحَّ بَيْعُ الْغَائِبِ بِأَنْ يَبِيعَهُ بِالصِّفَةِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ
стр. 2726
وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ (١) . [٢٩/ ٤١٥ - ٤١٦]
٤٠٤٥ - إذَا ظَهَرَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا: فَلِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى مَن قَبَضَهُ مِنْهُ أَو بِبَدَلِهِ، فإِذَا كَانَ الْقَابِضُ مِنْهُ غَائِبًا: حُكِمَ عَلَيْهِ إذَا قَامَت الْحُجَّةُ، وَسُلّمَ إلَى الْمَحْكُومِ لَهُ حَقّهُ مِن مَالِ الْغَائِبِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى حُجَّتِهِ (٢) . [٢٩/ ٤١٧]
* * *
(أهميّة معرفة عِوَضِ الْمِثْل ومعناه)
٤٠٤٦ - عِوَضُ الْمِثْلِ: كَثِيرُ الدَّوَرَانِ فِي كَلَامِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْعَدْلِ الَّذِي بِهِ تَتِمُّ مَصْلَحَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَهُوَ رُكْنٌ مِن أَرْكَانِ الشَّرِيعَةِ؛ مِثْل قَوْلِهِمْ: قِيمَةُ الْمِثْل، وَأُجْرَةُ الْمِثْل، وَمَهْرُ الْمِثْل وَنَحْوُ ذَلِكَ.
عِوَضُ الْمِثْلِ: هُوَ مِثْلُ الْمُسَمَّى فِي الْعُرْفِ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: السِّعْرُ وَالْعَادَةُ.
فَإِنَّ الْمُسَمَّى فِي الْعُقُودِ نَوْعَانِ:
أ- نَوْعٌ اعْتَادَهُ النَّاسُ وَعَرَفُوهُ: فَهُوَ الْعِوَضُ الْمَعْرُوفُ الْمُعْتَادُ.
ب- وَنَوْعٌ نَادِرٌ؛ لِفَرْطِ رَغْبَةٍ أَو مُضَارَّةٍ أَو غَيْرِهِمَا، وَيُقَالُ فِيهِ: ثَمَنُ الْمِثْلِ، وَيُقَالُ فِيهِ: الْمِثْلُ؛ لِأَنَّهُ بِقَدْرِ مِثْل الْعَيْنِ، ثُمَّ يُقَوَّمُ بِثَمَنِ مِثْلِهَا.
فَالْأَصْلُ فِيهِ: اخْتِيَارُ الْآدَمِيِّينَ وَإِرَادَتُهُم وَرَغْبَتُهُمْ.
فَعِوَضُ الْمِثْل فِي الشَّرِيعَةِ: يُعْتَبَرُ بِالْمُسَمَّى الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ شَرْعِيَّةً وَهِيَ الْمُبَاحَةُ.
فَأَمَّا التَّسْمِيَةُ الْمَحْظُورَةُ. فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَسْمِيَةٍ شَرْعِيَّةٍ، فَلَيْسَ هُوَ مِيزَانًا شَرْعِيًّا يُعْتَبَرُ بِهِ الْمِثْلُ حَيْثُ لَا مُسَمَّى. [٢٩/ ٥٢٠ - ٥٢٣] الحواشي
(١) وهو الراجح.(٢) أي: متى قدم سُمعت حجته، فإن ظهرت أرجح أرجع المشتري الثمن له.стр. 2727
٤٠٤٧ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: تَبِيعُهَا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ؟ فَهَل يَجُوزُ ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ: إنْ كَانَت مُؤَجَّلَةً فَبَاعَهَا بِأَقَلَّ مِنْهَا حَالَّة: فَهَذَا رِبًا (١) .
وَإِن كَانَت حَالَّةً فَأَخَذَ الْبَعْضَ وَأَبْرَأَهُ مِن الْبَعْضِ: فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَقَد أَحْسَنَ. [٢٩/ ٥٢٦]
* * * الحواشي
(١) لأنه باع دراهم بدراهم متفاضلة ونسيئة.стр. 2728
كِتَابُ الوَقْفِ
تعريفه:
٤٠٤٨ - أقرب الحدود في الوقف: أنه كل عين تجوز عاريتها. [المستدرك ٤/ ٨٩]
٤٠٤٩ - يصح بالقول وبالفعل الدَّال عليه عرفًا؛ كجعل أرضه مسجدًا، أو الإذن للناس بالصلاة فيه، أو أذَّن فيه وأقام. أو جعل أرضه مقبرة وأذِن للناس بالدفن فيها. [المستدرك ٤/ ٨٩]
٤٠٥٠ - إذا قال واحد أو جماعة: جعلنا هذا المكان مسجدًا أو وقفًا صار مسجدًا ووقفًا بذلك وإن لم يكملوا عمارته.
وإذا قال كل منهم: جعلت ملكي للمسجد أو في المسجد ونحو ذلك صار بذلك حقًّا للمسجد.
ولو قال الإنسان: تصدقت بهذا الدهن على هذا المسجد ليوقد فيه جاز، وهو من باب الوقف، وتسميته وقفًا بمعنى أنه وقف على تلك الجهة لا ينتفع به في غيرها لا تأباه اللغة، وهو جائز في الشرع (١) . [المستدرك ٤/ ٨٩]
٤٠٥١ - قال في المحرر: ولا يصح وقف المجهول. الحواشي
(١) قال ابن عثيمين ﵀ في حاشية الاختيارات(٢٤٧) : وكلام الشيخ هذا صريحٌ في جواز وقف ما لا يُنتفع به إلا مع ذهاب عينِه، والمذهب: عدمُ صحته إلا في الماء، لكن ما ذهب إليه الشيخ أظهر، ولا فرق بين الماء وغيره. اهـ.
ولا يخفى رجحان ما ذهب إليه الشيخان.стр. 2729
قال أبو العباس: المجهول نوعان: مبهم، ومعين؛ مثل دار لم يرها، فمنع هذا بعيد، وكذلك هبته.
فأما الوقف على المبهم: فهو شبيه بالوصية له.
وفي الوصية روايتان منصوصتان؛ مثل أن يوصي لأحد هذين، أو لجاره محمد وله جاران بهذا الاسم.
ووقف المبهم مفرع على هبته وبيعه، وليس عن أحمد في هذا منع. [المستدرك ٤/ ٩٠]
٤٠٥٢ - ينبغي أن يُشترط في الواقف أن يكون ممن يمكن من تلك القربة.
فلو أراد الكافر أن يقف مسجدًا: مُنع منه. [المستدرك ٤/ ٩٠]
شروطه:
المنفعة:
٤٠٥٣ - لو قال الواقف: وقفت هذه الدراهم على قرض المحتاجين: لم يكن جواز هذا بعيدًا. [المستدرك ٤/ ٩١]
٤٠٥٤ - ولو وقف منفعة يملكها؛ كالعبد الموصى بخدمته أو منفعة أَمَةٍ في حياته، أو منفعة العين المستأجرة: فعلى ما ذكره أصحابنا لا يصح.
قال أبو العباس: وعندي ليس في هذا فقه؛ فإنه لا فرق بين وقف هذا ووقف البناء والغراس، ولا فرق بين وقف ثوب على الفقراء يلبسونه أو فرس يركبونه أو ريحان يشمه أهل المسجد.
وطيب الكعبة حكمه حكم كسوتها، فعلم أن التطيب منفعة مقصودة، لكن قد يطول بقاء مدة الطيب وقد يقصر ولا أثر لذلك. [المستدرك ٤/ ٩١]
٤٠٥٥ - يصح وقف الكلب المعلَّم والجوارح المعلَّمة وما لا يقدر على تسليمه. [المستدرك ٤/ ٩١]
стр. 2730
٤٠٥٦ - ما يأخذه الفقهاء من الوقف: هل هو إجارة، أو جعالة، أو كرزق من بيت المال؟ فيه أقوال: ثالثها المختار.
وما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا أو أجرة؛ بل رزق للإعانة على الطاعة، وذلك المال الموقوف على أعمال البر والموصى به والمنذور ليس كالإجارة والجعل. [المستدرك ٤/ ٩٢]
٤٠٥٧ - قال ابن القيم ﵀: وقع لبعض من نصَّب نفسه للفتوى من أهل عصرنا: ما تقول السادة الفقهاء في رجل وقف وقفًا على أهل الذمة: هل يصح ويتقيد الاستحقاق بكونه منهم؟
فأجاب بصحة الوقف، وتقييده الاستحقاق بذلك الوصف. وقال: هكذا قال أصحابنا، ويصح الوقف على أهل الذمة.
فأنكر ذلك شيخنا غاية الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء بذلك أن كونه من أهل الذمة ليس مانعًا من صحة الوقف عليه بالقرابة أو بالتعيين، وليس مقصودهم أن الكفر بالله ورسوله أو عبادة الصليب وقولهم: إن المسيح ابن الله شرط لاستحقاق الوقف، حتى إن من آمن بالله ورسوله واتبع دين الإسلام لم يحل له أن يتناول بعد ذلك من الوقف، فيكون حله مشروطًا بتكذيب الله ورسوله والكفر بدين الإسلام. [المستدرك ٤/ ٩٢ - ٩٣]
٤٠٥٨ - أما الوقف على قبور الأنبياء: فإن كان وقفًا على بناء المساجد عليها وإيقاد المصابيح فقد تقدم حكمه وأنه معصية لا يحل الوفاء به، وأنه من عمل المشركين.
والذين يقولون: إن من العلماء من وقف على مدينة النبي ﷺ يريدون بذلك اْنه وقف على قبر: فهو خطأ منهم في فهم العبارة؛ فإن هذا إنما هو وقف على من بالمدينة النبوية، وليس لذلك اختصاص بالنبي ﷺ . [المستدرك ٤/ ٩٣]
стр. 2731
٤٠٥٩ - يصح الوقف على النفس، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. [المستدرك ٤/ ٩٤]
٤٠٦٠ - يصح الوقف على أم ولده بعد موته. [المستدرك ٤/ ٩٤]
٤٠٦١ - إذا اشتُرط القبول في الوقف على المعين: فلا ينبغي أن يشترط المجلس، بل يلحق بالوصية والوكالة؛ فيصح معجلًا أو مؤجلًا، بالقول والفعل، فأَخْذ ريعه قبول، وينبغي أنه لو رَدَّه بعد قبوله كان له ذلك. [المستدرك ٤/ ٩٤]
٤٠٦٢ - [لا يصح إلا بشروط أربعة. الرابع] (١) : أن يقف ناجزًا، فإن علَّقه على شرط لم يصح.
وقيل: يصح، واختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٤/ ٩٤]
٤٠٦٣ - الصواب الذي عليه محققو الفقهاء في مسألة الوقف على المعين إذا لم يقبل أو ردّه: أنَّ ذلك ليس كالوقف المنقطع الابتداء، بل الوقف هنا صحيح قولًا واحدًا.
ثم إنْ قَبِل الموقوفُ عليه وإلا انتقل إلى مَن بعده، كما لو مات أو تعذر استحقاقه لِفَواتِ وصفٍ فيه؛ إذ الطبقة الثانية تَتَلقَّى من الواقف لا من الموقوف عليه. [المستدرك ٤/ ٩٥ - ٩٦]
شروط الواقف:
٤٠٦٤ - لا يلزم الوفاء بشرط الواقف إلا إذا كان مستحبًّا خاصة، وهو ظاهر المذهب. [المستدرك ٤/ ٩٦]
٤٠٦٥ - يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك الحواشي
(١) ما بين المعقوفتين ليس في الأصل، وبه يُفهم ويتضح الكلام.стр. 2732
باختلاف الأزمان، حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية واحتاج الناس إلى الجهاد: صرف للجند. [المستدرك ٤/ ٩٦]
٤٠٦٦ - كل متصوف بولاية إذا قيل: يفعل ما يشاء فإنما هو لمصلحة شرعية، حتى لو صرح الواقف بفعل ما يهواه وما يراه مطلقًا فشرط باطل؛ لمخالفته الشرع، وغايته أن يكون شرطًا مباحًا، وهو باطل على الصحيح المشهور، حتى لو تساوى فعلان: عُمل بالقرعة، وإذا قيل هنا بالتخيير فله وجه. [المستدرك ٤/ ٩٦]
٤٠٦٧ - إذا شرط الواقف لناظره أجرة: فكلفته عليه حتى تبقى أجرة مثله (١) .
وقال المصنف ومن تبعه: كلفته من غلة الوقف.
قيل للشيخ تقي الدين: فله العادة بلا شرط؟
فقال: ليس له إلا ما يقابل عمله (٢) . [المستدرك ٤/ ٩٦]
٤٠٦٨ - لو وقف على آل جعفر وآل علي: فهل يسوَّى بين أفرادهم، أو يقسم بينهم نصفين؟
أفتيت أنا وطائفة من الفقهاء أنه يقسم بين أعيان الطائفتين.
وأفتى طائفة أنه يقسم نصفين؛ فيأخذ آل جعفر النصف وإن كانوا واحدًا، وهو مقتضى أحد قولي العلماء. [المستدرك ٤/ ٩٧]
٤٠٦٩ - أفتى تقي الدين باستحقاق الحمل من الوقف. [المستدرك ٤/ ٩٧] الحواشي
(١) أي: إنْ شَرَط الواقف لناظر الوقف عوضًا معلوما فلا يخلو:
إن كان المشروط بقدر أجرة المثل اختص به، وكان مما يحتاج إليه الوقف من أمناء وغيرهم من غلة الوقف.
وان كان المشروط أكثر: فكلفة ما يحتاج إليه الوقف من نحو أمناء وعمال: على الناظر يصرفها من الزيادة، حتى تبقى له أجرة مثله. يُنظر: كشاف القناع (٤/ ٢٧١).(٢) الإنصاف (٧/ ٥٨).стр. 2733
٤٠٧٠ - لو أقرَّ الموقوف عليه أنه لا يستحق في هذا الوقف إلا مقدارًا معلومًا، ثم ظهر شرط الواقف أنه يستحق أكثر: حكم له بمقتضى شرط الواقف، ولا يمنع من ذلك إقراره المتقدم. [المستدرك ٤/ ٩٧]
٤٠٧١ - مِنْ أكْلِ المال بالباطل:
أ- قومٌ لهم رواتب أضعاف حاجاتهم (١) .
ب- وقومٌ لهم جهات معلومها كثير يأخذونها، ويستنيبون بيسير (٢) . [المستدرك ٤/ ٩٨]
٤٠٧٢ - إذا مات شخص من مستحقي الوقف وجهل شرط الواقف: صرف إلى جميع المستحقين بالسوية. [المستدرك ٤/ ٩٨]
٤٠٧٣ - أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي، وهي وقف على الحنابلة، والمجتهد ليس منهم، فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له. [المستدرك ٤/ ٩٨]
٤٠٧٤ - اختار الشيخ تقي الدين فيما إذا وقف على أقرب قرابته استواء الأخ من الأب والأخ من الأبوين. [المستدرك ٤/ ٩٨]
٤٠٧٥ - إذا شرط في استحقاق ريع الوقف العزوبة فالمتأهل أحق من العزب إذا استويا في سائر الصفات. [المستدرك ٤/ ٩٩]
٤٠٧٦ - من عمَّر وقفًا بالمعروف ليأخذ عوضه: فله أخذه من غلته. [المستدرك ٤/ ٩٩]
٤٠٧٧ - إذا جُهل شرط الواقف وتعذر العثور عليه: قُسم على أربابه بالسوية. الحواشي
(١) أي: من بيت المال.(٢) أي: يستنيبون في الجهات بيسير من المعلوم؛ لأن هذا خلاف غرض الواقفين.
قال العلَّامة ابن عثيمين في حاشية الاختيارات(٢٥٧) : ومعنى قوله: "ويستنيبون بيسير": أنهم يُقيمون غيرهم نائبًا عنهم ببعض ما أخذوا من الرواتب، أو المعلوم من الجهات. اهـ.стр. 2734
واختار الشيخ تقي الدين ﵀ أنه يرجع في ذلك إلى العرف والعادة، وهو الصواب. [المستدرك ٤/ ٩٩]
٤٠٧٨ - مَن شَرَط لغيره النظر إن مات فعزل (١) نفسه، أو فسق: فكموته؛ لأنَّ تخصيصه للغالب.
ثم إن صار هو أو الوصي أهلًا عاد كما لو صرّح به وكالموصوف. [المستدرك ٤/ ١٠٠]
٤٠٧٩ - الناظر إن لم يُشترط له شيء: ليس له إلا ما يقابل عمله، لا العادة.
واعتبر أبو العباس في موضع جواز أخذ الناظر أجرة عمله مع فقره؛ كوصي اليتيم. [المستدرك ٤/ ١٠١]
٤٠٨٠ - لا يجوز أن يُولِّي فاسقًا في جهة دينية؛ كمدرسة وغيرها مطلقًا؛ لأنه يجب الإنكار عليه وعقوبته، فكيف يُولَّى؟. [المستدرك ٤/ ١٠١]
٤٠٨١ - إنْ نُزِّلَ مستحقٌّ تنزيلًا شرعيًّا: لمْ يَجُزْ صَرْفُهُ بلا موجب شرعي.
٤٠٨٢ - قد تجوز الصلاة خلف من لا يجوز توليته. وليس للناس أن يولوا عليهم الفساق، وإن نفذ حكمه أو صحت الصلاة خلفه.
وقال أيضًا: اتفقت الأئمة على كراهة الصلاة خلفه، واختلفوا في صحتها، ولم يتنازعوا في أنه لا ينبغي توليته. [المستدرك ٤/ ١٠١]
٤٠٨٣ - ما بناه أهل الشوارع والقبائل من المساجد: فالإمامة لمن رضوه، لا اعتراض للسلطان عليهم، وليس لهم صرفه ما لم يتغير حاله، وليس له أن يستنيب إن غاب، ولهم انتساخ كتاب الوقف والسؤال عن حاله. [المستدرك ٤/ ١٠٢] стр. 2735
٤٠٨٤ - إذا رحل وخلى وظيفته شاغرة فتولاها أحد ولاية شرعية ثم عاد الأول بعد مدة: فليس له أن ينازعه. [المستدرك ٤/ ١٠٢]
٤٠٨٥ - الذي يتوجه أنه لا يجوز للموقوف عليهم أن يتسلفوا الأجرة؛ لأنهم لم يملكوا المنفعة المستقبلة ولا الأجرة عليها. وعلى هذا: فلهم أن يطلبوا الأجرة من المستأجر لأنه فرط، ولهم أن يطالبوا الناظر. [المستدرك ٤/ ١٠٣]
٤٠٨٦ - مأخذ الوقف المنقطع (١) : أن الوقف هل يصح توقيته بغاية مجهولة أو غير مجهولة؟
فعلى قول من قال: لا يزال وقفًا: لا يصح توقيته.
وعلى قول من قال: يعود ملكًا: يصح توقيته.
وضابط الأقوال في الوقف المنقطع: أنه إذا رجع إلى جميع الورثة يكون ملكًا بينهم على فرائض الله، بخلاف رجوعه إلى العصاة.
قال أبو العباس: وهذا أصح وأشبه بكلام أحمد. [المستدرك ٤/ ١٠٤]
٤٠٨٧ - ذكر في القاعدة الثالثة والخمسين بعد المائة: أن الشيخ تقي الدين اختار فيما إذا وقف على ولده: دخول ولد الولد في الوقف دون الوصية، وفرّق بينهما (٢) .
٤٠٨٨ - إن وقف على عقبه، أو ولد ولده، أو ذريته: دخل فيه ولد البنين.
ونقل عنه: لا يدخل فيه ولد البنات، قال في "الفائق": اختاره الخرقي، الحواشي
(١) قال العلَّامة ابن عثيمين ﵀: الوقف المنقطع: هو الذي ينقطع من الموقوف عليه، مثلًا: وقف على زيد ثم عمرو، ومات زيد ومات عمرو، فالآن انقطعت الجهة فإذا انقطعت ففيه خلاف، وأقرب شيء عندي أنه إذا علم أن قصد الواقف البر والأجر، فإن الوقف المنقطع يرجع إلى المساكين أو المصالح العامة. اهـ. الشرح الممتع (١١/ ٦٤).(٢) قواعد ابن رجب (١/ ٣٧٤)، وقال في الفرق بينهما: لأن الوقف يتأبد فيستحق ولده طبقة بعد طبقة، والوصية تمليك للموجودين فيختص بالطبقة العليا الموجودة.следующие страницы →