← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

٤٠٥٩ - يصح الوقف على النفس، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. [المستدرك ٤/ ٩٤] ٤٠٦٠ - يصح الوقف على أم ولده بعد موته. [المستدرك ٤/ ٩٤] ٤٠٦١ - إذا اشتُرط القبول في الوقف على المعين: فلا ينبغي أن يشترط المجلس، بل يلحق بالوصية والوكالة؛ فيصح معجلًا أو مؤجلًا، بالقول والفعل، فأَخْذ ريعه قبول، وينبغي أنه لو رَدَّه بعد قبوله كان له ذلك. [المستدرك ٤/ ٩٤] ٤٠٦٢ - [لا يصح إلا بشروط أربعة. الرابع] (١): أن يقف ناجزًا، فإن علَّقه على شرط لم يصح. وقيل: يصح، واختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٤/ ٩٤] ٤٠٦٣ - الصواب الذي عليه محققو الفقهاء في مسألة الوقف على المعين إذا لم يقبل أو ردّه: أنَّ ذلك ليس كالوقف المنقطع الابتداء، بل الوقف هنا صحيح قولًا واحدًا. ثم إنْ قَبِل الموقوفُ عليه وإلا انتقل إلى مَن بعده، كما لو مات أو تعذر استحقاقه لِفَواتِ وصفٍ فيه؛ إذ الطبقة الثانية تَتَلقَّى من الواقف لا من الموقوف عليه. [المستدرك ٤/ ٩٥ - ٩٦] شروط الواقف: ٤٠٦٤ - لا يلزم الوفاء بشرط الواقف إلا إذا كان مستحبًّا خاصة، وهو ظاهر المذهب. [المستدرك ٤/ ٩٦] ٤٠٦٥ - يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك

стр. 2732

باختلاف الأزمان، حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية واحتاج الناس إلى الجهاد: صرف للجند. [المستدرك ٤/ ٩٦] ٤٠٦٦ - كل متصوف بولاية إذا قيل: يفعل ما يشاء فإنما هو لمصلحة شرعية، حتى لو صرح الواقف بفعل ما يهواه وما يراه مطلقًا فشرط باطل؛ لمخالفته الشرع، وغايته أن يكون شرطًا مباحًا، وهو باطل على الصحيح المشهور، حتى لو تساوى فعلان: عُمل بالقرعة، وإذا قيل هنا بالتخيير فله وجه. [المستدرك ٤/ ٩٦] ٤٠٦٧ - إذا شرط الواقف لناظره أجرة: فكلفته عليه حتى تبقى أجرة مثله (١). وقال المصنف ومن تبعه: كلفته من غلة الوقف. قيل للشيخ تقي الدين: فله العادة بلا شرط؟ فقال: ليس له إلا ما يقابل عمله (٢). [المستدرك ٤/ ٩٦] ٤٠٦٨ - لو وقف على آل جعفر وآل علي: فهل يسوَّى بين أفرادهم، أو يقسم بينهم نصفين؟ أفتيت أنا وطائفة من الفقهاء أنه يقسم بين أعيان الطائفتين. وأفتى طائفة أنه يقسم نصفين؛ فيأخذ آل جعفر النصف وإن كانوا واحدًا، وهو مقتضى أحد قولي العلماء. [المستدرك ٤/ ٩٧] ٤٠٦٩ - أفتى تقي الدين باستحقاق الحمل من الوقف. [المستدرك ٤/ ٩٧]

стр. 2733

٤٠٧٠ - لو أقرَّ الموقوف عليه أنه لا يستحق في هذا الوقف إلا مقدارًا معلومًا، ثم ظهر شرط الواقف أنه يستحق أكثر: حكم له بمقتضى شرط الواقف، ولا يمنع من ذلك إقراره المتقدم. [المستدرك ٤/ ٩٧] ٤٠٧١ - مِنْ أكْلِ المال بالباطل: أ- قومٌ لهم رواتب أضعاف حاجاتهم (١). ب- وقومٌ لهم جهات معلومها كثير يأخذونها، ويستنيبون بيسير (٢). [المستدرك ٤/ ٩٨] ٤٠٧٢ - إذا مات شخص من مستحقي الوقف وجهل شرط الواقف: صرف إلى جميع المستحقين بالسوية. [المستدرك ٤/ ٩٨] ٤٠٧٣ - أنكر بعض المقلدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي، وهي وقف على الحنابلة، والمجتهد ليس منهم، فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له. [المستدرك ٤/ ٩٨] ٤٠٧٤ - اختار الشيخ تقي الدين فيما إذا وقف على أقرب قرابته استواء الأخ من الأب والأخ من الأبوين. [المستدرك ٤/ ٩٨] ٤٠٧٥ - إذا شرط في استحقاق ريع الوقف العزوبة فالمتأهل أحق من العزب إذا استويا في سائر الصفات. [المستدرك ٤/ ٩٩] ٤٠٧٦ - من عمَّر وقفًا بالمعروف ليأخذ عوضه: فله أخذه من غلته. [المستدرك ٤/ ٩٩] ٤٠٧٧ - إذا جُهل شرط الواقف وتعذر العثور عليه: قُسم على أربابه بالسوية.

стр. 2734

واختار الشيخ تقي الدين ﵀ أنه يرجع في ذلك إلى العرف والعادة، وهو الصواب. [المستدرك ٤/ ٩٩] ٤٠٧٨ - مَن شَرَط لغيره النظر إن مات فعزل (١) نفسه، أو فسق: فكموته؛ لأنَّ تخصيصه للغالب. ثم إن صار هو أو الوصي أهلًا عاد كما لو صرّح به وكالموصوف. [المستدرك ٤/ ١٠٠] ٤٠٧٩ - الناظر إن لم يُشترط له شيء: ليس له إلا ما يقابل عمله، لا العادة. واعتبر أبو العباس في موضع جواز أخذ الناظر أجرة عمله مع فقره؛ كوصي اليتيم. [المستدرك ٤/ ١٠١] ٤٠٨٠ - لا يجوز أن يُولِّي فاسقًا في جهة دينية؛ كمدرسة وغيرها مطلقًا؛ لأنه يجب الإنكار عليه وعقوبته، فكيف يُولَّى؟. [المستدرك ٤/ ١٠١] ٤٠٨١ - إنْ نُزِّلَ مستحقٌّ تنزيلًا شرعيًّا: لمْ يَجُزْ صَرْفُهُ بلا موجب شرعي. ٤٠٨٢ - قد تجوز الصلاة خلف من لا يجوز توليته. وليس للناس أن يولوا عليهم الفساق، وإن نفذ حكمه أو صحت الصلاة خلفه. وقال أيضًا: اتفقت الأئمة على كراهة الصلاة خلفه، واختلفوا في صحتها، ولم يتنازعوا في أنه لا ينبغي توليته. [المستدرك ٤/ ١٠١] ٤٠٨٣ - ما بناه أهل الشوارع والقبائل من المساجد: فالإمامة لمن رضوه، لا اعتراض للسلطان عليهم، وليس لهم صرفه ما لم يتغير حاله، وليس له أن يستنيب إن غاب، ولهم انتساخ كتاب الوقف والسؤال عن حاله. [المستدرك ٤/ ١٠٢]

стр. 2735

٤٠٨٤ - إذا رحل وخلى وظيفته شاغرة فتولاها أحد ولاية شرعية ثم عاد الأول بعد مدة: فليس له أن ينازعه. [المستدرك ٤/ ١٠٢] ٤٠٨٥ - الذي يتوجه أنه لا يجوز للموقوف عليهم أن يتسلفوا الأجرة؛ لأنهم لم يملكوا المنفعة المستقبلة ولا الأجرة عليها. وعلى هذا: فلهم أن يطلبوا الأجرة من المستأجر لأنه فرط، ولهم أن يطالبوا الناظر. [المستدرك ٤/ ١٠٣] ٤٠٨٦ - مأخذ الوقف المنقطع (١): أن الوقف هل يصح توقيته بغاية مجهولة أو غير مجهولة؟ فعلى قول من قال: لا يزال وقفًا: لا يصح توقيته. وعلى قول من قال: يعود ملكًا: يصح توقيته. وضابط الأقوال في الوقف المنقطع: أنه إذا رجع إلى جميع الورثة يكون ملكًا بينهم على فرائض الله، بخلاف رجوعه إلى العصاة. قال أبو العباس: وهذا أصح وأشبه بكلام أحمد. [المستدرك ٤/ ١٠٤] ٤٠٨٧ - ذكر في القاعدة الثالثة والخمسين بعد المائة: أن الشيخ تقي الدين اختار فيما إذا وقف على ولده: دخول ولد الولد في الوقف دون الوصية، وفرّق بينهما (٢). ٤٠٨٨ - إن وقف على عقبه، أو ولد ولده، أو ذريته: دخل فيه ولد البنين. ونقل عنه: لا يدخل فيه ولد البنات، قال في "الفائق": اختاره الخرقي،

стр. 2736

والقاضي، وابن عقيل، والشيخان: يعني بهما: المصنف والشيخ تقي الدين. [المستدرك ٤/ ١٠٤] ٤٠٨٩ - ذوو طبقته: أ- إخوتُه وبنو عمه ونحوهم. ب- ومن هو أعلى منه: عمومته ونحوهم. ج- ومن هو أسفل منه (١): ولده وولد إخوته وطبقتهم. [المستدرك ٤/ ١٠٤] ٤٠٩٠ - لو قال: وقفت على أولادي، ثم أولادهم الذكور والإناث، ثم أولادهم الذكور وإن سفلوا: فإنَّ أحد الطبقة الأولى لو كانت بنتًا فماتت ولها أولاد فما استحقته قبل موتها فلهم. [المستدرك ٤/ ١٠٤] ٤٠٩١ - وعنه: أزواجه من أهله ومن أهل بيته، ذكرها شيخنا، وقال: في دخولهن في آله وأهل بيته روايتان، واختار الدخول. [المستدرك ٤/ ١٠٥] ٤٠٩٢ - وقال الشيخ تقي الدين: فيما إذا قال: بطنًا بعد بطن ولم يزد شيئًا: هذه المسألة فيها نزاع، والأظهر أن نصيب كل واحد ينتقل إلى ولده، ثم إلى ولد ولده، ولا مشاركة. وأفتى أيضًا ﵀ فيمن وقف على أحد أولاده وله عدة أولاد وجهل اسمه: أنه يميز بالقرعة. [المستدرك ٤/ ١٠٥] ٤٠٩٣ - يعطي من ليس له أب يعرف ببلاد الإسلام، ولا يعطي كافرًا. [المستدرك ٤/ ١٠٦] ٤٠٩٤ - لو شرط في الوقف أن يبيعه: بطلا، وقيل: يبطل الشرط، قال الشيخ تقي الدين ﵀: يصح في الكل. [المستدرك ٤/ ١٠٧] ٤٠٩٥ - يجب بيعه بمثله مع الحاجة، وبلا حاجة يجوز بخير منه لظهور

стр. 2737

المصلحة، ولا يجوز بمثله لفوات التعيين بلا حاجة. [المستدرك ٤/ ١٠٧] ٤٠٩٦ - جوَّز جمهور العلماء تغيير صورة الوقف للمصلحة، ولا فرق بين بناء وبناء وعرصة بعرصة. [المستدرك ٤/ ١٠٧] ٤٠٩٧ - إن علم أن وقفه لا يبقى دائمًا: وجب صرفه؛ لأن بقاءه فساد. [المستدرك ٤/ ١٠٨] ٤٠٩٨ - لو جمع كفن ميت فكفن وفضل من ثمنه شيء: صُرف في تكفين الموتى أو رد إلى المعطي، وكلام أحمد يقتضيه. وما فضل عن حاجة المسجد صرف إلى مسجد آخر؛ لأن الواقف له غرض في الجنس، والجنس واحد. وقال أبو العباس في موضع آخر: ويجوز صرفه في سائر المصالح وبناء مساكن لمستحقي ريعه القائمين بمصالحه. [المستدرك ٤/ ١٠٨] ٤٠٩٩ - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَد ابْنُ تَيْمِيَّة -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ احْتَكَرَ (١) مِن رَجُلٍ قِطْعَةَ أَرْضِ بُسْتَانٍ، ثُمَّ إنَّ الْمُحْتَكِرَ عَمَرَ فِي أَرْضِ الْبُسْتَانِ صُورَةَ مَسْجِدٍ وَبَنَى فِيهَا مِحْرَابًا وَقَالَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ: هَذَا عَمَرْته مَسْجِدًا فَلَا تَأْخُذْ مِنِّي حُكْرَهُ، فَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ مَالِكَ الْأَرْضِ بَاعَ الْبُسْتَانَ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ شَيْئًا، فَهَل يَصِيرُ هَذَا الْمَكَانُ مَسْجِدًا بِذَلِكَ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: إذَا لَمْ يُسَبّلْ لِلنَّاسِ كَمَا تُسَبَّلُ الْمَسَاجِدُ؛ بِحَيْثُ تُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ الَّتِي تُصَلَّى فِي الْمَسَاجِدِ: لَمْ يَصِرْ مَسْجِدًا بِمُجَرَّدِ الْإِذْنِ فِي الْعِمَارَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُن قُرْبَةً يَقْتَضِي خُرُوجَهُ مِن الْمَبِيعِ دَخَلَ فِي الْمَبِيعِ؛ فَإِنَّ الشُّرُوعَ فِي تَصْيِيرِهِ مَسْجِدًا لَا يَجْعَلُهُ مَسْجِدًا. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْعِمَارَةِ.

стр. 2738

لَكِنْ يَنْبَغِي لِمَن أَخْرَجَ ثَمَنَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَعُودَ إلَى مِلْكِهِ؛ كَمَن أَخْرَجَ مِن مَالِهِ مَالًا لِيَتَصَدَّقَ بِهِ فَلَمْ يَجِد السَّائِلَ، يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُمْضِيَ ذَلِكَ، وَيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى سَائِلٍ آخَرَ، وَلَا يُعِيدَهُ إلَى مِلْكِهِ وَإِن لَمْ يَجِبْ (١). وَإِذَا صَرَفَ مِثْل هَذَا الْمَكَانِ فِي مَصَالِحِ مَسْجِدٍ آخَرَ جَازَ ذَلِكَ. بَل إذَا صَارَ مَسْجِدًا وَكَانَ بِحَيْثُ لَا يُصَلِّي فِيهِ أَحَدٌ: جَازَ أَنْ يُنْقَلَ إلَى مَسْجِدٍ يُنْتَفَعُ بِهِ. بَل [إذَا] (٢) جَازَ أَنْ يُبَاعَ وَيُصْرَفَ ثَمَنُهُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ. بَل يَجُوزُ أنْ يُعْمِرَ عِمَارَةً يُنْتَفَعُ بِهَا لِمَسْجِدِ آخَرَ (٣). [٣١/ ٥ - ٦] ٤١٠٠ - مُجَرَّدُ تَصْوِيرِ مِحْرَابٍ لَا يَجْعَلُهُ مَسْجِدًا. [٣١/ ٧] ٤١٠١ - يَجُوزُ أَنْ يَقِفَ الْبِنَاءَ الَّذِي بَنَاهُ فِي الْأَرْضِ الْمُسْتَأْجَرَة، سَوَاءٌ وَقَفَهُ مَسْجِدًا أو غَيْرَ مَسْجِدٍ، وَلَا يُسْقِطُ ذَلِكَ حَقَّ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ مَتَى انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ وَانْهَدَمَ الْبِنَاءُ زَالَ حُكْمُ الْوَقْفِ، سَوَاءٌ كَانَ مَسْجِدًا أَو غَيْرَ مَسْجِدٍ، وَأَخَذُوا أَرْضَهُم فَانْتَفَغوا بِهَا، وَمَا دَامَ الْبِنَاءُ قَائِمًا فِيهَا فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ. وَلَو وَقَفَ عَلَى رَبْعٍ (٤) أَو دَارٍ مَسْجِدًا ثُمَّ انْهَدَمَت الدَّارُ أَو الرَّبْعُ: فَإِنَّ وَقْفَ الْعُلْوِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ مُلَّاكِ السُّفْلِ؛ كَذَلِكَ وَقْفُ الْبِنَاءِ لَا يَسْقُطُ عَلَى مُلَّاكِ الْأَرْضِ. [٣١/ ٨] ٤١٠٢ - وَسُئِلَ ﵀: عَمَّن وَصَّى أَو وَقَفَ عَلَى جِيرَانِهِ فَمَا الْحُكْمُ؟ فَأَجَابَ: إذَا لَمْ يُعْرَفْ مَقْصُودُ الْوَاقِفِ وَالْوَصِيِّ لَا بِقَرِينَةٍ لَفْظِيَّةٍ وَلَا

стр. 2739

عُرْفِيَّةٍ، وَلَا كَانَ لَهُ عُرْفٌ فِي مُسَمَّى الْجِيرَانِ: رَجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى الْمُسَمَّى الشَّرْعِيِّ وَهُوَ أَرْبَعُونَ دَارًا (١) مِن كُلِّ جَانِبٍ. [٣١/ ٩] ٤١٠٣ - إنَّ شَرْطَ الْوَاقِفِ إنْ كَانَ قُرْبَةً وَطَاعَةً للهِ وَرَسُولِهِ كَانَ صَحِيحًا، وَإِن لَمْ يَكُن شَرْطًا لَازِمًا، وَإِن كَانَ مُبَاحًا، كَمَا لَمْ يُسَوِّغ النَّبِيُّ ﷺ السَّبْقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَو حَافِرٍ أو نَصْلٍ، وَإِن كَانَت الْمُسَابَقَةُ بِلَا عِوَضٍ قَد جَوَّزَهَا بِالْأَقْدَامِ وَغَيْرِهَا؛ وَلِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي مَالِ الْفَيْءِ: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] فَعُلِمَ أَنَّ اللهَ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْمَالُ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ. وَإِن كَانَ الْغِنَى وَصْفًا مُبَاحًا فَلَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ. وَعَلَى قِيَاسِهِ سَائِرُ الصِّفَاتِ الْمُبَاحَةِ. وَلِأَنَّ الْعَمَلَ إذَا لَمْ يَكُن قُرْبَةً لَمْ يَكُن الْوَاقِفُ مُثَائا عَلَى بَذْلِ الْمَالِ فِيهِ فَيَكُونُ قَد صَرَفَ الْمَالَ فِيمَا لَا يَنْفَعُهُ، لَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا فِي مَمَاتِهِ. وَإِذَا خَلَا الْعَمَلُ الْمَشْرُوطُ فِي الْغقُودِ كُلِّهَا عَن مَنْفَعَةٍ فِي الدِّينِ، أَو فِي الدُّنْيَا: كَانَ بَاطِلًا بِالِاتِّفَاقِ فِي أُصُولٍ كَثِيرَةٍ؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى فَيَكونُ بَاطِلًا وَلَو كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ. مِثَالُ ذَلِكَ: أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِ الْتِزَامَ نَوْعٍ مِن الْمَطْعَمِ أَو الْمَلْبَسِ أَو الْمَسْكَنِ الَّذِي لَمْ تَسْتَحِبُّة الشَّرِيعَةُ، أَو تَرْكَ بَعْضِ الأَعْمَالِ الَّتِي تَسْتَحِبُّ الشَّرِيعَةُ عَمَلَهَا وَنَحْو ذَلِكَ. [٣١/ ١٣ - ١٤] ٤١٠٤ - هَذِهِ الْأَرْزَاقُ الْمَأْخُوذَةُ عَلَى الْأَعْمَالِ الدِّينِيَّةِ إنَّمَا هِيَ أَرْزَاقٌ وَمعَاوِنٌ عَلَى الدِّينِ، بِمَنْزِلَةِ مَا يرتزقه الْمُقَاتِلَةُ وَالْعُلَمَاءُ مِن الْفَيْءِ. وَالْوَاجِبَاتُ الشَّرْعِيَّةُ تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ، وَلَيْسَتْ كَالْجِعَالَاتِ عَلَى عَمَلٍ دُنْيَوِيٍّ، وَلَا بِمَنْزِلَةِ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا. [٣١/ ١٥]

стр. 2740

٤١٠٥ - وسُئِلَ: عَن رَجُلٍ وَقَفَ مَدْرَسَةً، وَشَرَطَ مَن يَكُونُ لَهُ بِهَا وَظِيفَةٌ أَنْ لَا يَشْتَغِلَ بِوَظِيفَة أُخْرَى بِغَيْرِ مَدْرَسَتِهِ، وَشَرَطَ لَهُ فِيهَا مُرَتَّبًا مَعْلُومًا. فَأَجَابَ: هَذِهِ الشُّرُوطُ الْمَشْرُوطَة عَلَى مَن فِيهَا كَعَدَمِ الْجَمْعِ إنَّمَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا إذَا لَمْ يُفْضِ ذَلِكَ إلَى الْإِخْلَالِ بِالْمَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ. فَأَمَّا الْمحَافَظَةُ عَلَى بَعْضِ الشُّرُوطِ مَعَ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ بِالشُّرُوطِ: فَلَا يَجُوزُ. فَاشْتِرَاطُ عَدَمِ الْجَمْعِ بَاطِلٌ مَعَ ذَهَابِ بَعْضِ أَصْلِ الْوَقْفِ وَعَدَمِ حُصُولِ الْكِفَايَةِ لِلْمُرَتَّبِ بِهَا: لَا يَجِبُ الْتِزَامُهُ وَلَا يَجُوزُ الْإِلْزَامُ بِهِ. حَتَّى لَو قُدِّرَ أَنَّ الْوَاقِفَ صَرَّحَ بِخِلَافِ ذَلِكَ كَانَ شَرْطًا بَاطِلًا، مِثْل أَنْ يَقُولَ: إنَّ الْمُرَتَّبَ بِهَا لَا يَرْتَزِقُ مِن غَيْرِهَا وَلَو لَمْ تَحْصُلْ لَهُ كِفَايَتُهُ، فَلَو صَرَّحَ بِهَذَا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ يُخَالِفُ كِتَابَ اللهِ، فَإِنَّ حُصُولَ الْكِفَايَةِ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَتَحْصِيلُهَا لِلْمُسْلِمِ وَاجِبٌ إمَّا عَلَيْهِ وَإِمَّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يَصِحُّ شَرْطٌ يُخَالِفُ ذَلِكَ. [٣١/ ١٦ - ١٧] ٤١٠٦ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى مَسْجِدٍ، وَأَكْفَانِ الْمَوْتَى، وَشَرَطَ فِيهِ الْأَرْشَدَ فَالْأَرْشَدَ مِن وَرَثَتِهِ، ثُمَّ لِلْحَاكِمِ، وَشَرَطَ لِإِمَامِ الْمَسْجِدِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، وَالْمُؤَذِّنِ وَالْقَيِّمِ بِالتُّرْبَةِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، وَشَرَطَ لَهُمَا دَارينِ لِسُكْنَاهُمَا، ثُمَّ إنَّ رَيعَ الْوَقْفِ زَادَ خَمْسَةَ أَمْثَالِهِ، بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ الْأَكْفَانُ إلَى زَيادَةٍ، فَجَعَلَ لَهُمَا الْحَاكِمُ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثينَ دِرْهَمًا. فَهَل يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى الْإِمَامُ وَالْمُؤَذِّنُ مِن مِثْل هَذَا الْوَقْفِ الْفَائِضِ رِزْقَ مِثْلِهِمَا، وَإِن كَانَ زَائِدًا عَلَى ثَلَاثِينَ؛ بَل إذَا كَانَا فَقِيرَيْنِ وَلَيْسَ لِمَا زَادَ مَصْرِفٌ مَعْرُوفٌ: جَازَ أَنْ يُصْرفَ إلَيْهِمَا مِنْهُ تَمَامَ كِفَايَتِهِمَا، وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَقْدِيرَ الْوَاقِفِ دَرَاهِمَ مُقَدَّرَةً فِي وَقْفٍ مِقْدَار رَيع: قَد يُرَادُ بِهِ النِّسْبَةُ؛ مِثْل أَنْ يَشْرِطَ لَهُ عَشْرَةً، وَالْمُغَلُّ مِائَةٌ، وَيُرَادُ بِهِ الْعُشْرُ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ هَذَا عُمِلَ بِهِ. وَمِن الْمَعْلُومِ فِي الْعُرْفِ أَنَّ الْوَقْفَ إذَا كَانَ مُغَلُّهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَشَرَطَ لَهُ سِتَّةً

стр. 2741

ثُمَّ صَارَ خَمْسَمِائَةٍ، فَإِنَّ الْعَادَةَ فِي مِثْل هَذَا أنْ يَشْرِطَ لَهُ أَضْعَافَ ذَلِكَ؛ مِثْل خَمْسَةِ أمْثَالِهِ، وَلَمْ تَجْرِ عَادَةٌ مِن شَرْطِ سِتَّةٍ مِن مِائَةٍ أَنْ يَشْتَرِطَ سِتَّةً مِن خَمْسِمِائَةٍ (١)، فَيُحْمَلُ كَلَامُ النَّاسِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُم فِي خِطَابِهِمْ. الثَّانِي: أَنَّ الْوَاقِفَ لَو لَمْ يَشْتَرِطْ هَذَا، فَزَائِدُ الْوَقْفِ يُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ الَّتِي هِيَ نَظِيرُ مَصَالِحِهِ وَمَا يُشْبِهُهَا؛ مِثْلُ صَرْفِهِ فِي مَسَاجِدَ أُخَرَ وَفِي فُقَرَاءِ الْجِيرَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَد رُوِيَ عَن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ حَضَّ النَّاسَ عَلَى مُكَاتَبٍ يَجْمَعُونَ لَهُ، فَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ فَأَمَرَ بِصَرْفِهَا فِي الْمُكَاتَبِينَ. وَالسَّبَبُ فِيهِ: أَنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ الْمُعَيَّنُ صَارَ الصرْفُ إلَى نَوْعِهِ (٢). وَلهَذَا كَانَ الصَّحِيح فِي الْوَقْفِ هُوَ هَذَا الْقَوْل، وَأَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا فَضَلَ مِن كُسْوَتِهِ، كَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَتَصَدَّقُ كُلَّ عَامٍ بِكُسْوَةِ الْكَعْبَةِ يُقَسِّمُهَا بَيْنَ الْحُجَّاجِ. [٣١/ ١٧ - ١٨] ٤١٠٧ - إذَا عُلِمَ شَرْط الْوَاقِفِ: عُدلَ عَنْهُ إلَى شَرْطِ اللهِ قَبْلَ شَرْطِ الْوَاقِفِ -إذَا كَانَ مُخَالِفًا لِشَرْطِ اللهِ-. فَإِنَّ الْجِهَاتِ الدِّينِيَّةَ مِثْل الخوانك (٣) وَالْمَدَارِسِ وَغَيْرِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ فِيهَا فَاسِقٌ، سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ بِظُلْمِهِ لِلْخَلْقِ، وَتَعَدِّيه عَلَيْهِم بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، أَو فِسْقُه بِتَعَدِّيهِ حُقُوقَ اللهِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ.

стр. 2742

فَإِنَّ كُلًّا مِن هَذَيْنِ الضَّرْبَيْنِ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَعُقوبَتُهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقَرَّرَ فِي الْجِهَاتِ الدِّينِيَّةِ وَنَحْوِهَا؟ فَكيْفَ إذَا شَرَطَ الْوَاقِفُ ذَلِكَ؟ فَإِنَّهُ يَصِيرُ وُجُوبُهُ مُؤَكَّدًا. [٣١/ ١٩ - ٢٠] ٤١٠٨ - إذَا اسْتَوَوْا هُم [أي: أقارب الواقف] وَغَيْرُهُم فِي الْحَاجَةِ: فَأَقَارِبُ الْوَاقِفِ يُقَدَّمُونَ عَلَى نُظَرَائِهِم الْأَجَانِبِ، كَمَا يُقَدَّمُونَ لِصِلَتِهِ فِي حَيَاتِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيِّ ﷺ : "صَدَقَتُك عَلَى الْمُسْلِمِينَ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذَوِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ (١) " (٢). وَلهَذَا يُؤْمَرُ أَنْ يُوصِيَ لِأَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ: إمَّا أَمْرَ إيجَابٍ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَإِمَّا أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ كَقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. [٣١/ ٢٣] ٤١٠٩ - مَن اشْتَرَطَ فِي الْوَقْفِ أَو الْعِتْقِ أَو الْهِبَةِ أَو الْبَيْعِ أَو النِّكَاحِ أَو الْإِجَارَةِ أَو النَّذْرِ أَو غَيْرِ ذَلِكَ شُرُوطًا تُخَالِفُ مَا كَتَبَهُ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ، بِحَيْثُ تَتَضَمَّنُ تِلْكَ الشُّرُوطُ الْأَمْرَ بِمَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، أو النَّهْيَ عَمَّا أَمَرَ بِهِ، أو تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَهُ، او تَحْرِيمَ مَا حَلَّلَهُ: فَهَذِهِ الشُّرُوطُ بَاطِلَةٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ. [٣١/ ٥٤] ٤١١٠ - إِنَ النَّاظِرَ إنَّمَا هُوَ مُنَفِّذٌ لِمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ شُرُوطًا لَمْ يُوجِبْهَا الْوَاقِفُ وَلَا أَوْجَبَهَا الشَّارعُ، وَيَأْثَمُ مَن أَحْدَثَهَا. ٤١١١ - وأما الصُّوفِيُّ الَّذِي يَدْخُلُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الصُّوفِيَّةِ: فَيُعْتَبَرُ لَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ:

стр. 2743

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ عَدْلًا فِي دِينِهِ، يُؤَدِّي الْفَرَائِضَ وَيَجْتَنِبُ الْمَحَارِمَ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُلَازِمًا لِغَالِبِ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ، وَإِن لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً؛ مِثْل آدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنَّوْمِ. وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ فِي الصُّوفِيِّ: قَنَاعَتُهُ بِالْكَفَافِ مِن الرِّزْقِ؛ بِحَيْثُ لَا يُمْسِكُ مِن الدُّنْيَا مَا يَفْضُلُ عَن حَاجَتِهِ. فَمَن كَانَ جَامِعًا لِفُضُولِ الْمَالِ: لَمْ يَكُن مِن الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ يُقْصَدُ إجْرَاءُ الْأَرْزَاقِ عَلَيْهِمْ. وَمَا دُونَ هَذِهِ الصِّفَاتِ مِن الْمُقْتَصِرِينَ عَلَى مُجَرَّدِ رَسْمٍ فِي لُبْسَةٍ أَو مِشْيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَا يَسْتَحِقُّونَ الْوَقْفَ، وَلَا يَدْخُلُونَ فِي مُسَمَّى الصُّوفِيَّةِ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ ذَلِكَ مُحْدَثًا لَا أَصْلَ لَهُ فِي السُّنَّةِ؛ فَإِنَّ بَذْلَ الْمَالِ عَلَى مِثْل هَذِهِ الرُّسُومِ فِيهِ نَوْعٌ مِن التَّلَاعُبِ بِالدِّينِ، وَأَكْل لِأَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَصُدُود عَن سَبِيلِ اللهِ (١). [٣١/ ٥٤ - ٥٦] ٤١١٢ - الْقَائِمُونَ بِالْوَظَائِفِ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَسْجِدُ مِن تَنْظِيفٍ وَحِفْظٍ وَفَرْشٍ وَتَنْوِيرِهِ وَفَتْحِ الْأَبْوَابِ وَإِغْلَاقِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ: هُم مِن مَصَالِحِهِ، يَسْتَحِقُّونَ مِن الْوَقْفِ عَلَى مَصَالِحِهِ. [٣١/ ١٩٨] ٤١١٣ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ سَاكِن فِي خَانٍ وَقف، وَلَهُ مُبَاشِرٌ لِرَسْمِ عِمَارَتِهِ وَإِصْلَاحِهِ، وَإنَّ السَّاكِنَ أَخْبَرَ الْمُبَاشِرَ أَنَّ مَسْكَنَهُ يخْشَى سُقُوطهُ وَهُوَ

стр. 2744

يُدَافِعُهُ، ثُمَّ إنَّ الْمُبَاشِرَ صَعِدَ إلَى الْمَسْكَنِ الْمَذْكُورِ وَرَآهُ بِعَيْنِهِ وَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: لَيْسَ بِهَذَا سُقوطٌ وَلَا عَلَيْك مِنْهُ ضَرَرٌ، وَتَرَكَهُ وَنَزَلَ، فَبَعْدَ نُزُولهِ سَقَطَ الْمَسْكَنُ الْمَذْكُورُ عَلَى زَوْجَةِ السَّاكِنِ وَأَوْلَاده فَمَاتَ ثَلَاثَة وَعُدِمَ جَمِيعُ مَالِهِ، فَهَل يَلْزَمُ الْمُبَاشِرَ مَن مَاتَ وَيَغْرَمُ الْمَالَ الَّذِي عُدِمَ؟ فَأَجَابَ: عَلَى هَذَا الْمُبَاشِرِ الْمَذْكُورِ الَّذِي تَقَدَّمَ إلَيْهِ وَأَخَّرَ الاستهدام ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِسُقُوطِهِ. فَإِنَّهُ مُفَرّطٌ بِتَرْكِ نَقْضِهِ وَإِصْلَاحِهِ وَلَو ظَنّ أنَّهُ لَا يسْقطُ. فَإِنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُرِيَ ذَلِكَ لِأَرْبَابِ الْخِبْرَةِ بِالْبِنَاءِ، فَإِذَا تَرَكَ ذَلِكَ كَانَ مُفَرِّطًا ضَامِنًا لِمَا تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ. فَإِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُؤَجِّرِ بِالْعِمَارَةِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الْمَكانُ، وَاَلَّتِي هِيَ مِن مُوجَبِ الْعَقْدِ. وَهَذِهِ الْعِمَارَةُ وَاجِبَةٌ مِن وَجْهَيْنِ: أ- مِن جِهَةِ حَقِّ أَهْلِ الْوَقْفِ. ب- وَمَن جِهَةِ حَقِّ الْمُسْتَأجِرِ. وَالْعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِنَاظِرِ الْوَقْفِ أَنْ يُفَرِّطَ فِي الْعِمَارَةِ الَّتِي اسْتَحَقَّهَا الْمُسْتَأْجِرُ. فَهَذَانِ التفريطان يَجِبُ عَلَيْهِ بِتَرْكِهِمَا ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ، فَيَضْمَنُ مَالَ الْوَقْفِ لِلْوَقْفِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْمَنَافِعُ الَّتِي اسْتَحَقَّهَا الْمُسْتَأْجِرُ. بِخِلَافِ مَا لَو كَانَت الْعَيْنُ بَاقِيَةً؛ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ إيَّاهَا، وَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ. [٣١/ ٢٠٠ - ٢٠١] ٤١١٤ - إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ: لَمْ يَجُزْ فِيهِ تَغْيِيرُهُ وَلَا تَبْدِيلُ شُرُوطِهِ. [٣١/ ٢٥٩]

стр. 2745

٤١١٥ - وَسُئِلَ: عَن وَقْفٍ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَفِيهِ أَشْجَارُ زَيْتُونٍ وَغَيْرِهِ، يَحْمِلُ بَعْضَ السِّنِينَ بِثَمَرٍ قَلِيلٍ، فَإِذَا قُطِعَتْ وَبِيعَتْ يُشْتَرَى بثَمَنِهَا مِلْكٌ يُغَلُّ بِأَكْثَرَ مِنْهَا، فَهَل لِلنَّاظِرِ ذَلِكَ؟ وَهَل إذَا طَالَبَهُ بَعْضُ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلْوَقْفِ يَقْطَعُ الشَّجَرَ وَيَبِيعُهُ وَيُقَسِّمُ مِنْهُ عَلَيْهِم فَهَل لَهُم ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ يَجُوزُ بَيْعُ تِلْكَ الْأشْجَارِ وَأَنْ يُشْتَرَى بِهَا مَا يَكُونُ مُغَلُّهُ أَكْثَرَ؛ فَاِنَّ الشَّجَرَ كَالْبِنَاءِ. وَللنَّاظِرِ أَنْ يُغَيِّرَ صُورَةَ الْوَقْفِ مِن صُورَةٍ إلَى صُورَةٍ أَصْلَحَ مِنْهَا، كَمَا غَيَّرَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ صُورَةَ الْمَسْجِدَيْنِ اللَّذَيْنِ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَكَمَا نَقَلَ غمَز بْنُ الْخَطَّابِ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ مِن مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ وَأَمْثَال ذَلِكَ. وَلَا يُقَسَّمُ ثَمَنُ الشَّجَرِ بَيْنَ الْمَوْجُودِينَ؛ لِأنَّ الشَّجَرَ كَالْبِنَاءِ لَا يَخْتَصُّ بِثَمَنِهِ الْمَوْجُودُونَ، وَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الشَّجَرِ وَالزَّرْعِ وَالْمَنَافِعِ الَّتِي يَخْتَصُّ كُلُّ أَهْلِ طَبَقَةٍ بِمَا يُؤْخَذُ فِي زَمَنِهَا مِنْهَا. وَأمَّا النَّاظِرُ: فَعَلَيْهِ أنْ يَعْمَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن الْعَمَلِ الْوَاجِبِ، وَيَأْخُذُ لِذَلِكَ الْعَمَلِ مَا يُقَابِلُهُ، فَاِنْ كَانَ الْوَاجِبُ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ مِن الْعِوَضِ الْمُسْتَحَقِّ أَخَذَهُ، وَإِن كَانَ يَسْتَحِقُّ الْجَمِيعَ عَلَى مَا يَعْمَلُهُ أَخَذَ الْجَمِيعَ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى فَقْرِهِ مَا يَاْخُذُهُ الْفَقِيرُ عَلَى فَقْرِهِ. [٣١/ ٢٦٠ - ٢٦١] * * * (حكم الْوَقْفِ عَلَى جِهَةٍ مُبَاحَةٍ ؟) ٤١١٦ - إنَّ الْوَاقِفَ إنَّمَا وَقَفَ الْوُقُوفَ بَعْدَ مَوْتِهِ: لِيَنْتَفِعَ بِثَوَابهِ وَأَجْرِهِ عِنْدَ اللهِ، لَا يَنْتَفِع بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَنْتَفِعُ الْمَيِّتُ إلًّا بِالْأَجْرِ وَالثَّوَابِ. وَلهَذَا فُرِّقَ بَيْنَ مَا قَد يُقْصَدُ بِهِ مَنْفَعَةُ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا لَا يُقْصَدُ بِهِ إلَّا الْأَجْرُ وَالثَّوَابُ.

стр. 2746

فَالْأَوَّلُ: كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ، فَهَذَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ انْ يَبْذُلَ مَالَهُ فِيهَا لِيُحَصِّلَ أَغْرَاضًا مُبَاحَةٌ دُنْيَوِيَّةً وَمسْتَحَبَّةً وَدِينِيَّةً، بِخِلَافِ الْأَغْرَاضِ الْمُحَرَّمَةِ. وَأمَّا الْوَقْفُ: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْذُلَ مِلْكَهُ إلَّا فِيمَا يَنْفَعُهُ فِي دِينِهِ؛ فَإِنَّهُ إذَا بَذَلَة فِيمَا لَا يَنْفَعُهُ فِي الدِّينِ -وَالْوَقْفُ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الدُّنْيَا-: صَارَ بَذْلُ الْمَالِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ تَعُودُ إلَيْهِ لَا فِي دِينِهِ وَلَا فِي دُنْيَاهُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ. وَلهَذَا فَرَّقَ الْعُلَمَاءُ بَيْنَ الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ وَعَلَى جِهَةٍ، فَلَو وَقَفَ أو وَصَّى لِمُعَيَّن: جَازَ وَإِن كَانَ كَافِرًا ذِمِّيًّا؛ لِأنَّ صِلَتَهُ مَشْرُوعَةٌ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فِي مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]. فَإِذَا أَوْصَى أَو وَقَفَ عَلَى مُعَئنٍ وَكَانَ كَافِرًا أَو فَاسِقًا: لَمْ يَكُن الْكُفْرُ وَالْفِسْقُ هُوَ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَا شَرْطًا فِيهِ؛ بَل هُوَ يَسْتَحِقُّ مَا أَعْطَاهُ وَإِن كَانَ مُسْلِمًا عَدْلًا، فَكَانَت الْمَعْصِيَةُ عَدِيمَةَ التَّأْثِيرِ. بِخِلَافِ مَا لَو جَعَلَهَا شَرْطًا فِي ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الْكفَّارِ وَالْفُسَّاقِ، أَو عَلَى الطَّائِفَةِ الْفُلَانِيَّةِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونوا كُفَّارًا أَو فُسَّاقًا: فَهَذَا الَّذِي لَا ريبَ فِي بُطْلَانِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ (١). وَلَكِنْ تَنَازَعُوا فِي الْوَقْفِ عَلَى جِهَةٍ مُبَاحَةٍ؛ كَالْوَقْفِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْأُصُولُ: أنَّهُ بَاطِلٌ أَيْضًا، لِأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي مَالِ الْفَيْءِ: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ شَرَعَ مَا ذَكَرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ الْفَيْءُ مُتَدَاوَلًا بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ دُونَ الْفُقَرَاءِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَكْرَهُ هَذَا، وَيَنْهَى عَنْهُ وَيَذُمُّهُ. فَمَن جَعَلَ الْوَقْفَ لِلْأَغْنِيَاءِ فَقَطْ: فَقَد جَعَلَ الْمَالَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ، فَيَتَدَاوَلُونَهُ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ دُونَ الْفُقَرَاءِ، وَهَذَا مُضَادٌّ للهِ فِي أَمْرِهِ وَدِينِهِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ.

стр. 2747

وَهَذَا بَيِّن فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ مِن وَجْهَيْنِ (١): أَحَدُهُمَا: أَنَّ بَذْلَ الْمَالِ لَا يَجُوزُ إلَّا لِمَنْفَعَةٍ فِي الدِّينِ أَو الدُّنْيَا، وَهَذَا أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. وَقَد نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن إضَاعَةِ الْمَالِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ "أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَن قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضاعَةِ الْمَالِ" (٢). إذَا عُرِفَ هَذَا: فَمِن الْمَعْلُومِ أَنَّ الْوَاقِفَ لَا يَنْتَفِعُ بِوَقْفِهِ فِي الدُّنْيَا كمَا يَنْتَفِعُ بِمَا يَبْذلُهُ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنكَاحِ، وَهَذَا أَيْضًا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدِّينِ إنْ لَمْ يُنْفِقْهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَسَبِيلُ اللهِ: طَاعَتُهُ وَطَاعَةُ رَسُولِهِ. فَإِنَّ اللهَ إنَّمَا يُثِيبُ الْعِبَادَ عَلَى مَا أَنْفَقُوهُ فِيمَا يُحِبُّهُ، وَأَمَّا مَا لَا يُحِبُّهُ فَلَا ثَوَابَ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهِ. وَنَفَقَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَزَوْجَتِهِ وَاجِبَةٌ؛ فَلِهَذَا كَانَ الثَّوَابُ عَلَيْهَا أَعْظَمَ مِن الثَّوَابِ عَلَى التَّطَوُّعَاتِ عَلَى الْأَجَانِبِ. ٤١١٧ - الْأَعْمَالُ الْمَشْرُوطَة فِي الْوَقْفِ عَلَى الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ مِثْل الْوَقْفِ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَالْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ مِن الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَو بِالْعِبَادَاتِ أَو بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: عَمَلٌ يُتَقَرَّبُ (٣) بِهِ إلَى اللهِ تَعَالَى وَهُوَ الْوَاجِبَاتُ والمستحبات الَّتِي رَغّبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا وَحَضَّ عَلَى تَحْصِيلِهَا: فَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَيَقِفُ اسْتِحْقَاقُ الْوَقْفِ عَلَى حُصُولِهِ فِي الْجُمْلَةِ.

стр. 2748

وَالثَّانِي: عَمَلٌ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَو نَهْيَ تَنْزِيهٍ، فَاشْتِرَاطُ مِثْل هَذَا الْعَمَلِ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: عَمَل لَيْسَ بِمَكْرُوه فِي الشَّرْعِ وَلَا مُسْتَحَبٌّ؛ بَل هُوَ مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ، فَهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهِ، وَالْجُمْهُورُ مِن الْعُلَمَاءِ مِن أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْمَشْهُورَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ بَاطِلٌ، وَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُم أَنْ يَشْتَرِطَ إلَّا مَا كَانَ قُرْبَةً إلَى اللهِ تَعَالَى. [٣١/ ٤٣ - ٤٦] ٤١١٨ - الْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ مَا شُرِطَ مِن الْعَمَلِ مِن الْوُقُوفِ الَّتِي تُوقَفُ عَلَى الْأَعْمَالِ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ قُرْبَةً: إمَّا وَاجِبًا وَإِمَّا مُسْتَحَبًّا. وَأَمَّا اشْتِرَاط عَمَلٍ مُحَرَّمٍ: فَلَا يَصِحُّ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَل وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ، وَكَذَلِكَ الْمُبَاحُ عَلَى الصَّحِيحِ. [٣١/ ٤٧] ٤١١٩ - لَا خِلَافَ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَن وَقَفَ عَلَى صَلَاةٍ أَو صِيَامٍ أَو قِرَاءَةٍ أَو جِهَادٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ: لَمْ يَصِحَّ وَقْفُهُ؛ بَل هُوَ يُنْهَى عَن ذَلِكَ الْعَمَلِ وَعَن الْبَذْلِ فِيهِ. [٣١/ ٣٧] * * * (معنى وصحة قول بعض الْفُقَهَاءِ: إنَّ شُرُوطَ الْوَاقِفِ نُصُوصٌ كَأَلْفَاظِ الشَّارِعِ) ٤١٢٠ - مَن قَالَ مِن الْفُقَهَاءِ: إنَّ شُرُوطَ الْوَاقِفِ نُصُوصٌ كَأَلْفَاظِ الشَّارعِ: فَمُرَادُهُ أَنَّهَا كَالنُّصُوصِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مُرَادِ الْوَاقِفِ، لَا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا. مَعَ أَنَّ التَّحْقِيقَ فِي هَذَا أَنَّ لَفْظَ الْوَاقِفِ وَلَفْظَ الْحَالِفِ وَالشَّافِعِ وَالْمُوصِي وَكُلِّ عَاقِدٍ: يُحْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ فِي خِطَابِهِ وَلُغَتِهِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا، سَوَاءٌ وَافَقَت الْعَرَبِيَّةَ الْعَرْبَاءَ، أَو الْعَرَبِيَّةَ الْمُوَلَّدَةَ، أَو الْعَرَبِيَّةَ الْمَلْحُونَةَ، أَو كَانَت غَيْرَ عَرَبِيَّةٍ، وَسَوَاءٌ وَافَقَتْ لُغَةَ الشَّارعِ أَو لَمْ تُوَافِقْهَا؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِن الْأَلْفَاظِ دَلَالَتُهَا عَلَى مُرَادِ النَّاطِقِينَ بِهَا.

стр. 2749

وَأمَّا أَنْ تُجْعَلَ نُصُوصُ الْوَاقِفِ أَو نُصُوصُ غَيْرِهِ مِن الْعَاقِدِينَ كَنُصُوصِ الشَّارعِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا: فَهَذَا كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ إذ لَا أَحَدَ يُطَاعُ فِي كُلِّ مَا يَأْمُرُ بِهِ مِن الْبَشَرِ -بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَالشُّرُوطُ إنْ وَافَقَتْ كتَابَ اللهِ كَانَت صَحِيحَةً، وَإِن خَالَفَتْ كِتَابَ اللهِ كَانَت بَاطلَةً. [٣١/ ٤٧ - ٤٨] * * * (حكم التصرف في الوقف دون أمر الناظر الشرعي) ٤١٢١ - لَيْسَ لِلْحَاكِمِ أنْ يُوَلِّيَ وَلَا يَتَصَرَّفَ فِي الْوَقْفِ بِدُونِ أَمْرِ النَّاظِرِ الشَّرْعِيِّ الْخَاصِّ، إلا أَنْ يَكونَ النَّاظِرُ الشَّرْعِيُّ قَد تَعَدَّى فِيمَا يَفْعَلُهُ. [٣١/ ٦٥] * * * (أحكام تتعلق بالناظر الشرعي) ٤١٢٢ - وَسُئِلَ ﵀: عَن نَاظِرَيْنِ: هَل لَهُمَا أَنْ يَقْتَسِمَا الْمَنْظُورَ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ يَنْظرُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي نِصْفِهِ فَقَطْ؟ فَأَجَابَ: لَا يَتَصَرَّفَانِ إلَّا جَمِيعًا فِي جَمِيعِ الْمَنْظُورِ فِيهِ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا لَو انْفَرَدَ بِالتَّصَرُّفِ لَمْ يَجُزْ. [٣١/ ٦٦] ٤١٢٣ - النَاظِرُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا فِي أَمْرِ الْوَقْفِ إلَّا بِمُقْتَضَى الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ الْأَصْلَحَ فَالْأَصْلَحَ. وَإِذَا جَعَلَ الْوَاقِفُ لِلنَّاظِرِ صَرْفَ مَن شَاءَ وَزِيَادَةَ مَن أَرَادَ زِيَادَتَهُ وَنُقْصَانَهُ: فَلَيْسَ لِلَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِهَذَا الشَّرْطِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشْتَهِيه، أَو مَا يَكونُ فِيهِ اتِّبُاع الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأنْفَسُ؛ بَل الَّذِي يَسْتَحِقُّة بِهَذَا الشَّرْطِ أَنْ يَفْعَلَ مِن الْأُمُورِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ مَا يَكُونُ إرْضَاءً للهِ وَرَسُولِهِ. وَهَذَا فِي كُل مَن تَصَرَّفَ لِغَيْرِهِ بِحُكمِ الْوِلَايَةِ؛ كَالْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ وَالْوَاقِفِ وَنَاظِرِ الْوَقْفِ وَغَيْرِهِمْ إذَا قِيلَ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ كَذَا وَكَذَا، أَو يَفْعَلُ مَا شَاءَ وَمَا رَأَى، فَإِنَّمَا ذَاكَ تَخْيِيرُ مَصْلَحَةٍ لَا تَخْيِيرُ شَهْوَةٍ.

стр. 2750

حَتَّى لَو صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِأَنَّ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَهْوَاهُ وَمَا يَرَاهُ مُطْلَقًا: لَمْ يَكُن هَذَا الشَّرْطُ صَحِيحًا؛ بَل كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللهِ، "وَمَن اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِن كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ" (١). وَعَلَى النَّاظِرِ بَيَانُ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنْ ظَهَرَتْ وَجَبَ اتِّبَاعُهَا، وَإِن ظَهَرَ أَنَّهَا مَفْسَدَةٌ رُدَّتْ، وَإِن اشْتَبَهَ الْأَمْرُ وَكَانَ النَّاظِرُ عَالِمًا عَادِلًا سُوِّغَ لَهُ اجْتِهَادُهُ. [٣١/ ٦٧ - ٦٩] ٤١٢٤ - يَجِبُ عَلَى نَاظِرِ الْوَقْفِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَصْرِفِهِ، فَيُقَدِّمُ الْأَحَقَّ فَالْأَحَقَّ. وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الشَّرْعِيَّةَ اقْتَضَتْ صَرْفَهُ إلَى ثَلَاثَةٍ؛ مِثْل أَنْ لَا يَكْفِيَهُم أَقَلُّ مِن ذَلِكَ: فَلَا يُدْخِلُ غَيْرَهُم مِن الْفُقَرَاءِ. وَإِذَا كَفَاهُم وَغَيْرهُم مِن الْفُقَرَاءِ: يُدْخِلُ الْفُقَرَاءَ مَعَهُم وَيُسَاوِيهِمْ مِمَّا يَحْصُلُ مِن رِيعِهِ، وَهُم أَحَقُّ مِنْهُ عِنْدَ التَّزَاحُمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَقَارِبُ الْوَاقِفِ الْفُقَرَاءِ أَوْلَى مِن الْفُقَرَاءِ الْأَجَانِبِ مَعَ التَّسَاوِي فِي الْحَاجَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَ إلَيْهِ كِفَايَتَهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَن هُوَ أَحَقُّ مِنْهُ. وَإِذَا قُدِّرَ وُجُودُ فَقِيرٍ مُضْطَرٍّ: كَانَ دَفْعُ ضَرُورَتِهِ وَاجِبًا، وَإِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِتَنْقِيصِ كِفَايَةِ أُولَئِكَ مِن هَذَا الْوَقْفِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ تَحْصُلُ لَهُم تَعَيَّنَ ذَلِكَ. [٣١/ ٩٠ - ٩١] * * *

стр. 2751

(هَل يَقْتَضِي شَرْطُ الْوَاقِفِ تَرْتِيبَ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ؟ أَو الْأَفْرَادَ عَلَى الْأَفْرَادِ ؟) ٤١٢٥ - وَسُئِلَ ﵀: عَن صُورَةِ كِتَابِ وَقْض نَصُّهُ: هَذَا مَا وَقَفَهُ عَامِرُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ عَامِرٍ عَلَى أَوْلَادِهِ: عَلِيٌّ وَطَرِيفَةُ وَزُبَيْدَةُ بَيْنَهُم عَلَى الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ. ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ عَلَى نَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِم مِن بَعْدِهِمْ وَإِن سَفَلُوا. هَل يَقْتَضِي شَرْطُ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ تَرْتِيبَ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ؟ أَو الْأَفْرَادَ عَلَى الْأَفْرَادِ. فَأَجَابَ: هَذ الْمَسْأَلَةُ (١) فِيهَا قَوْلَانِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مَعْرُوفَانِ لِلْفُقَهَاءِ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَلَكِنَّ الْأَقْوَى: أَنَّهَا لِتَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ، وَأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ يَقُومُ مَقَامَ أَبِيهِ لَو كَانَ الِابْنُ مَوْجُودًا مُسْتَحِقًّا قَد عَاشَ بَعْدَ مَوْتِ الْجَدِّ وَاسْتَحَقَّ أَو عَاشَ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ لِمَانِع فِيهِ، أَو لِعَدَمِ قَبُولِهِ لِلْوَقْفِ، أَو لِغَيْرِ ذَلِكَ، أَو لَمْ يَعِشْ بَل مَاتَ فِي حَيَاةِ الْجَدِّ. وَيَكُونُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، وَهِيَ تَقْتَضِي تَوْزِيعَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]؛ أَيْ: لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ مَا تَرَكَتْ زَوْجَتُهُ، وَقَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ أَيْ: حُرِّمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أُمُّهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. كَذَلِكَ قَوْلُهُ: "عَلَى أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمْ"؛ أَيْ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ. وَإِنَّمَا الشُّبْهَةُ فِي أَنَّ الْوَلَدَ إذَا مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ وَلَهُ وَلَد، ثُمَّ مَاتَ الْأَبُ عَن وَلَدٍ آخَرَ وَعَن وَلَدِ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ: هَل يَشْتَرِكَانِ، أَو يَنْفَرِدُ بِهِ الْأَوَّلُ؟

стр. 2752

الْأظْهَرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأْلَةِ: أَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ؛ وَذَلِكَ لِأنَّ الطَّبَقَةَ الثَّانِيَةَ تتلَقَّى الْوَقْفَ مِن الْوَاقِفِ لَا مِن الثَّانِيَةِ، فَلَيْسَ هُوَ كَالْمِيرَاثِ الَّذِي يَرِثُهُ الِابْنُ، ثمَّ يَنْتَقِلُ إلَى ابْنِهِ. وَإِنَّمَا يَغْلَطُ مَن يَغْلَطُ فِي مِثْل هَذِهِ الْمَسْأْلَةِ حِينَ يَظُنُّ أنَّ الطَّبَقَةَ الثَّانِيَةَ تَتَلَقَّى مِن الَّتِي قَبْلَهَا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَحِقَّ الْأُولَى شَيْئًا لَمْ تَسْتَحِقَّ الثَّانِيَةُ، ثُمَّ يَظُنُّونَ أَنَّ الْوَالِدَ إذَا مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ لَمْ يَسْتَحِقَّ ابْنُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَل هُم يَتَلَقَّوْنَ مِن الْوَاقِفِ، حَتَّى لَو كَانَت الْأولَى مَحْجُوبَةً بِمَانِعٍ مِن الْمَوَانِعِ؛ مِثْل أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَاقِفُ فِي الْمُسْتَحِقِّينَ أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ، او عُلَمَاءَ، أَو عُدُولًا، أَو غَيْرَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ الْأَبُ مُخَالِفًا لِلشَّرْطِ الْمَذْكُورِ، وَابْنُهُ مُتصِفًا بِهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الِابْن وَإِن لَمْ يَسْتَحِقَّ أَبُوهُ. كَذَلِكَ إذَا مَاتَ الْأَبُ قَبْلَ الِاسْتِحْقَاقِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ ابْنُهُ. وَهَكَذَا جَمِيعُ التَّرْتِيبِ فِي الْحَضَانَةِ، وَوِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَالْمَالِ، وَتَرْتِيبِ عَصَبَةِ النَّسَبِ، وَالْوَلَاءِ فِي الْمِيرَاثِ، وَسَائِرِ مَا جُعِلَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِيهِ طَبَقَاتٍ وَدَرَجَاتٍ، فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى مَا ذُكِرَ. [٣١/ ٨٠ - ٨٣] * * * (هل يجور نقل الوقف من مكان لآخر؟ وما الحكم إذا تعطلت منافعه ؟) ٤١٢٦ - إِذَا خَرِبَ مَكَانٌ مَوْقُوفٌ فَتَعَطَّلَ نَفْعُهُ: بِيعَ وَصُرِفَ ثَمَنُهُ فِي نَظِيرِهِ، أَو نُقِلَتْ إلَى نَظِيرِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا خَرِبَ بَعْضُ الْأَمَاكِنِ الْمَوْقوفِ عَلَيْهَا -كَمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ- عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ عِمَارَتُهُ، فَإِنَهُ يُصْرَفُ رَيعُ الْوَقْفِ عَلَيْهِ إلَى غَيْرِهِ. وَمَا فَضَلَ مِن رَيعِ وَقْفٍ عَن مَصْلَحَتِهِ: صُرِفَ فِي نَظِيرِهِ أَو مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ مِن أَهْلِ نَاحِيَتِهِ، وَلَمْ يَحْبِس الْمَالَ دَائِمًا بِلَا فَائِدَةٍ، وَقَد كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كُلَّ عَامٍ يُقَسِّمُ كُسْوَةَ الْكَعْبَةِ بَيْنَ الْحَجِيجِ.

стр. 2753

وَنَظِيرُ كُسْوَةِ الْكَعْبَةِ: الْمَسْجِدُ الْمُسْتَغْنَى عَنْهُ مِن الْحُصرِ (١) وَنَحْوِهَا. وَأَمَرَ بِتَحْوِيلِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ مِن مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ حَتَّى صَارَ مَوْضِعُ الْأَوَّلِ سُوقًا. [٣١/ ٩٢ - ٩٣] ٤١٢٧ - مَن وَقَفَ عَلَى الْأَشْرَافِ فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْعُرْفِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَّا مَن كَانَ صَحِيحَ النَّسَبِ مِن أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ . [٣١/ ٩٤] * * * (ميراث الوقف) ٤١٢٨ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ مَلَّكَ إنْسَانًا أنشابًا قَائِمَةً عَلَى الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْمِلْكِ الْمَذْكُورِ وَغَيْرِهِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ بَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَى أوْلَادِهِ، وَعَلَى مَن يُحْدِثُهُ اللهُ مِن الْأَوْلَادِ مِن الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بَيْنَهُم بِالسَّوِيَّةِ، عَلَى أَنَّ مَن تُوُفِّيَ مِنْهُم وَتَرَكَ وَلَدًا كَانَ نَصِيبُهُ مِن الْوَقْفِ إلَى وَلَدِهِ أو وَلَدِ وَلَدِهِ وَإِن سَفَلَ، وَاحِدًا كَانَ أَو أَكْثَرَ ذَكَرًا كَانَ او أُنْثَى، مِن وَلَدِ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ، يَسْتَوِي فِى ذَلِكَ الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ. وَإِن تُوُفِّيَ وَلَمْ يَكُن لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ وَلَا أَسْفَلَ مِن ذَلِكَ: كَانَ نَصِيبُهُ مِن ذَلِكَ مَصْرُوفًا إلَى مَن هُوَ فِي دَرَجَتِهِ، مُضَافًا إلَى مَا يَسْتَحِقُّهُ مِن رِيعِ هَذَا الْوَقْفِ. فَإِنْ لَمْ يَكُن لَهُ أَخٌ وَلَا أُخْتٌ وَلَا مَن يُسَاوِيه فِي الدَّرَجَةِ: كَانَ نَصِيبُهُ مَصْرُوفًا إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِ، الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِن وَلَدِ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ، تَحْجُبُ الطَّبَقَةُ الْعُلْيَا الطَّبَقَةَ السُّفْلَى مِن وَلَدِ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ بِالسَّويَّةِ إلَى حِينِ انْقِرَاضِهِمْ. فَمِن أَهْلِ الْوَقْفِ الْأوَّلِ أَحَدُ الْبَنَاتِ تُوُفِّيَتْ وَلَمْ يَكُن لَهَا وَلَدٌ، أَخَذَ إخْوَتُهَا نَصِيبُهَا.

стр. 2754

ثُمَّ مَاتَت الْبِنْتُ الثَّانِيَةُ وَلَهَا ابْنَتَانِ أَخَذَتَا نَصِيبَهَا. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَاتَت الْبِنْتُ الثَّالِثَةُ وَلَمْ يَكُن لَهَا وَلَدٌ أَخَذَتْ أُخْتُهَا نَصِيبَهَا. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَاتَت الْأُخْتُ الرَّابِعَةُ فَأخَذوا لَهَا الثلُثَيْنِ. فَهَل يَصِحُّ لأَوْلَادِ خَالَتِهِ نَصِيبٌ مَعَهُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: الْبِنْتُ الْأولَى انْتَقَلَ نَصِيبُهَا إلَى إخْوَتِهَا الثَّلَاثَةِ كَمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ، لَا يُشَارِكُ أَوْلَادُ هَذِهِ لِأَوْلَادِ هَذ فِي النَّصِيبِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي كَانَ لِأُمِّهَا. وَأَمَّا النَّصِيبُ الْعَائِدُ -وَهُوَ الَّذِي كَانَ لِلثَّالِثَةِ وَانْتَقَلَ إلَى الرَّابِعَةِ-: فَهَذَا يَشْتَرِكُ فِيهِ أَوْلَادُ هَذِهِ وَأَوْلَادُ هَذِهِ، كَمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ أُمُّهُمَا. هَذَا اظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأْلَةِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: كَانَ نَصِيبُهُ (١). يَتَنَاوَلُ النَّصِيبَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَأَمَّا تَنَاوُلُهُ لِمَا بَعْدَ ذَلِكَ: فَمَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يَدْخُلُ بِالشَّكِّ. بَل قَد يُقَالُ: هَذَا هُوَ فِي الْأَصْلِ نَصِيبُ الْمَيِّتِ عَنْهُ كَمَا ذَكَرَ الْوَاقِفُ، وَالظَّاهِرُ مِن حَالِ الْوَاقِفِ لَفْظًا وَعُرْفًا أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الطَّبَقَةِ فِي نَصِيب مَن وُلدَ لَهُ وَلَدٌ، فَأَخَذَهُ الْمُسَاوِي بِكَوْنِهِ كَانَ فِي الطَّبَقَةِ، وَأَوْلَادُهُ فِي الطَّبَقَةِ كَأَوْلَادِ الْمَيِّتِ الْأَوَّلِ. فَكَمَا أنَّ الْمَيِّتَيْنِ لَو كَانَا حَيَّيْنِ اشْتَرَكَا فِي هَذَا النَّصِيبِ الْعَائِدِ: فَكَذَلِكَ يَشْتَرِكُ فِيهِ وَلَدُهُمَا مِن بَعْدِهِمَا؛ فَإِنَّ نِسْبَتَهُمَا إلَى صَاحِبِ النَّصِيبِ نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِمِثْل هَذِهِ الشُّرُوطِ كَمَا يَشْهَدُ بِذَلِكَ عُرْفُهُم وَعَادَتُهُمْ.

стр. 2755

وَالْمَقْصُودُ: إجْرَاءُ الْوَقْفِ عَلَى الشُّرُوطِ الَّذِي يَقْصِدُهَا الْوَاقِفُ، وَلهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إنَ نُصُوصَهُ كَنُصُوصِ الشَّارعِ، يَعْنِي فِي الْفَهْمِ وَالدَّلَالَةِ. وَمَن كَشَفَ أَحْوَالَ الْوَاقِفِينَ عَلِمَ أَنَّهُم يَقْصِدُونَ هَذَا الْمَعْنَى؛ فَإِنَّهُ أَشْبَهُ بِالْعَدْلِ، وَنِسْبَةُ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ إلَى الْوَاقِفِ سَوَاءٌ، فَلَيْسَ لَهُ غَرَضٌ فِي أَنْ يُعْطِيَ ابْنَ هَذَا نَصِيبَيْنِ أَو ثَلَاثَة لِتَأَخُّرِ مَوْتِ أَبِيهِ، وَأُولَئِكَ لَا يُعْطَوْنَ إلَّا نَصِيبًا وَاحِدًا. فَكَيْفَ يُقَدَّمُ مَن هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْحَاجَةِ إلَى مَن هُوَ أَبْعَدُ عَنْهَا، وَهُمَا فِي الْقُرْبِ إلَيْهِ وَإِلَى الْمَيِّتِ صَاحِبِ النَّصِيبِ -بَعْدَ انْقِرَاضِ الطَّبَقَةِ- سَوَاءٌ؟ وَهُوَ كَمَا لَو مَاتَ صَاحِبُهُ آخِرًا، وَلَو مَاتَ آخِرًا: اشْتَرَكَ جَمِيعُ الْأَوْلَادِ فِيهِ. بَل هَذَا يَتَنَاوَلُهُ قَوْلُ الْوَاقِفِ: إنْ تُوُفِّيَ وَلَمْ يَكن لَهُ وَلَدٌ وَلَا وَلَدُ وَلَدٍ: كَانَ نَصِيبُهُ مَصْرُوفًا إلَى مَن هُوَ فِي دَرَجَتِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُن لَهُ أَخٌ وَلَا أُخْت وَلَا مَن يُسَاوِيه فِي الدَّرَجَةِ: فَيَكُونُ نَصِيبُهُ مَصْرُوفًا إلَى أَقْرَبِ النَّاسِ، وَكُلُّهُم فِي الْقُرْبِ إلَيْهِ سَوَاءٌ. [٣١/ ٩٦ - ٩٩] ٤١٢٩ - وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَحْمَدُ ابْنُ تَيْمِيَّة ﵀،: عَن وَاقِفٍ وَقَفَ وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ دَائِمًا مَا تَنَاسَلُوا، عَلَى أَنَّهُ مَن تُوُفِّيَ مِنْهُم عَن غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ: كَانَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ عَلَى مَن فِي دَرَجَتِهِ وَذَوِي طَبَقَتِهِ. فَإِذَا تُوُفِّيَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِم عَن وَلَدٍ، أَو وَلَدِ وَلَدٍ، أَو نَسْلٍ أو عَقِبٍ لِمَن يَكُونُ نَصِيبُهُ؟ هَل يَكُونُ لِوَلَدِهِ، أَو لِمَن فِي دَرَجَتِهِ مِن الْإِخْوَةِ وَبَنِي الْعَمِّ وَنَحْوِهِمْ؟ فَأَجَابَ (١): نَصِيبُهُ يَنْتَقِلُ إلَى وَلَدِهِ دُونَ إخْوَتِهِ وَبَنِي عَمِّهِ: لِوُجُوهِ مُتَعَدِّدَةٍ

стр. 2756

نَذْكُرُ مِنْهَا ثَلَاثَةً (١): أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، مُقَيَّدٌ بِالصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَهُ وَهِيَ قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّهُ مَن تُوُفِّيَ مِنْهُم عَن غَيْرِ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى ذَوِي طَبَقَتِهِ. وَكُلُّ كَلَامٍ اتَّصَلَ بِمَا يُقَيِّدُهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ اعْتِبَارُ ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ دُونَ إطْلَاقِهِ أَوَّلَ الْكَلَامِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَن سَمِعَ هَذَا الْكَلَامَ مِن أَهْلِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ خَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْهُ إلَّا إعْطَاءَ أَهْلِ طَبَقَةِ الْمُتَوَفَّى بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمُتَوَفَّى وَلَدٌ، وَيَعْقِلُونَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَاحِدٌ مُتَّصِلٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. وَكَثِيرًا مَا قَد يَغْلَطُ بَعْضُ الْمُتَطَرِّفِينَ (٢) مِن الْفُقَهَاءِ فِي مِثْل هَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّهُ يَسْأَلُ عَن شَرْطِ وَاقِفٍ أَو يَمِينِ حَالِفٍ وَنَحْو ذَلِكَ: فَيَرَى أَوَّلَ الْكَلَامِ مُطْلَقًا أَو عَامًّا وَقَد قَيَّدَ فِي آخِرِهِ، فَتَارَةً يَجْعَلُ هَذَا مِن بَابِ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ وَيَحْكُمُ عَلَيْهِمَا بِالْأَحْكَامِ الْمَعْرُوفَةِ لِلدَّلَائِلِ الْمُتَعَارِضَةِ مِن التَّكَافُؤِ وَالتَّرْجِيحِ. وَتَارَةً يَرَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُتَنَاقِضٌ؛ لِاخْتِلَافِ آخِرِهِ وَأَوَّلهِ. وَتَارَةً يَتَلَدَّدُ تَلَدُّدَ الْمُتَحَيِّرِ. وَرُبَّمَا قَالَ: هَذَا غَلَطٌ مِن الْكَاتِبِ. وَكُلُّ هَذَا مَنْشَؤُهُ مِن عَدَمِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ وَالْكَلَامِ الْمُنْفَصِلِ. وَمَن عَلِمَ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ أَوَّلِ كَلَامِهِ حَتَّى يَسْكُتَ سُكُوتًا قَاطِعًا، وَأَنَّ الْكَاتِبَ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ كِتَابِهِ حَتَّى يَفْرَغَ فَرَاغًا قَاطِعًا: زَالَتْ

стр. 2757

عَنْهُ شُبْهَةٌ فِي هَذَا الْبَابِ، وَعَلِمَ صِحَّةَ مَا تَقُولُهُ الْعُلَمَاءُ فِي دَلَالَاتِ الْخِطَابِ. الْوَجْهُ الثَّانِي -فِي أَصْلِ الْمَسْأْلَةِ أنَّ قَوْلَه-: عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ: مُقْتَضٍ لِلتَّرْتِيبِ، وَهُوَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ أَوْلَادِ الْأوْلَادِ بَعْدَ الْأَوْلَادِ، وَهُنَا جَمْعَانِ، أَحَدُهُمَا مُرَتَّبٌ عَلَى الْآخَرِ، وَالْأَحْكَامُ الْمُرَتَّبَةُ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْعَامَّةِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا يَثْبُتُ لِكُلِّ فَرْدٍ مِن أَفْرَادِ ذَلِكَ الْعَامِّ، سَوَاءٌ قُدِّرَ وُجُودُ الْفَرْدِ الْآخَرِ أَو عَدَمُهُ. وَالثَّانِي: مَا يَثْبُتُ لِمَجْمُوعِ تِلْكَ الْأَفْرَادِ، فَيَكُونُ وُجُودُ كُلٍّ مِنْهَا شَرْطًا فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ لِلْآخَرِ. مِثَالُ الْأَوَّلِ: قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]. وَمِثَالُ الثَّانِي: قَوْله تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ فَإِنَّ الْخَلْقَ ثَابِث لِكلِّ وَاحِدٍ مَن النَّاسِ، وَكُلًّا مِنْهُم مُخَاطَبٌ بِالْعِبَادَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مَن الْأُمَّةِ أُمَّةً وَسَطًا، وَلَا خَيْرَ أُمَّةٍ. فَقَوْلُ الْوَاقِفِ: عَلَى أوْلَاد، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِمْ: قَد اقْتَضَى تَرْتِيبَ أَحَدِ العمومين عَلَى الْاَخَرِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ أَن الْعُمُومَ الثَّانِيَ بِمَجْمُوعِهِ مُرَتَّبٌ عَلَى مَجْمُوعِ الْعُمُومِ الْأوَّلِ، وَعَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِن أَفْرَادِهِ، فَلَا يَدْخُلُ شَيْءٌ مِن هَذَا الْعُمُومِ الثَّانِي فِي الْوَقْفِ حَتَّى يَنْقَضِيَ جَمِيعُ أَفْرَادِ الْعُمُومِ الْأَوَّلِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ تَرْتِيبًا يُوَزعُّ فِيهِ الْأَفْرَاد عَلَى الْأَفْرَادِ، فَيَكونُ كُلُّ فَرْدٍ مِن أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ دَاخِلًا عِنْدَ عَدَمِ وَالِدِهِ، لَا عِنْدَ عَدَمِ وَالِدِ غَيْرِهِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣].

стр. 2758

وَاللَّفْظُ صَالِحٌ لِكِلَا الْمَعْنييْنِ صَلَاحًا قَوِيًّا، لَكنْ قَد يَتَرَجَّحُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِأَسْبَاب أُخْرَى، كَمَا رَجَّحَ الْجُمْهُورُ تَرْتِيبَ الْكُلِّ عَلَى الْكُلِّ فِي قَوْلِهِ: وَقَفْت عَلَى زيدٍ وَعَمْرٍو وَبَكْرِ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْمَسَاكِينِ وَبَيْنَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةِ مُسَاوَاةٌ فِي الْعَدَدِ حَتَّى يَجْعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مُرَتَّبًا عَلَى الْآخَرِ، وَلَا مُنَاسَبَة تَقْتَضِي أَنْ يُعَيِّنَ لِزَيْدِ هَذَا الْمِسْكِينَ وَلعَمْرِو هَذَا وَلبَكرِ هَذَا. وَكَمَا يَتَرَجَّحُ الْمَعْنَى الثَّانِي فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلَى آخِرِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَن الْمُخَاطَبِينَ جَمِيعَ أُمَّهَاتِ الْمُخَاطبينَ وَبَنَاتَهمْ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أُمَّهُ وَبِنْتَه. ثُمَّ الَّذِي يُوَضِّحُ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى قَوِيٌّ فِي الْوَقْفِ: أَنَّ أَكْثَرَ الْوَاقِفِينَ يَنْقُلُونَ نَصِيبَ كُلِّ وَالِدٍ إلَى وَلَدِهِ، لَا يُؤَخِّرُونَ الِانْتِقَالَ إلَى انْقِضَاءِ الطَّبَقَةِ، وَالْكَثْرَةُ دَلِيلُ الْقُوَّةِ؛ بَل وَالرُّجْحَانِ. وَأَيْضَا: فَإِنَّ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْمِيرَاثِ هُنَا شَبَهٌ مِن جِهَةِ أنَّ الِانْتِقَالَ إلَى وَلَدِ الْوَلَدِ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ الْوَلَدِ فِيهِمَا. [٣١/ ١٠٠ - ١٣٠] ٤١٣٠ - وَسُئِلَ ﵀: عَن وَقْفٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ: عَمْرٍو وَيَاقُوتَةَ وَجَهْمَةَ وَعَائِشَةَ، يَجْرِي عَلَيْهِم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، فَمَن تُوُفِّيَ مِنْهُم عَن وَلَدٍ أَو وَلَدِ وَلَدٍ أَو عَن نَسْلٍ وَعَقِبٍ وَإِن سَفَلَ: عَادَ مَا كَانَ جَارِيًا عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِهِ ثُمَّ عَلَى نَسْلِهِ وَعَقِبِهِ ثُمَّ مِن بَعْدِهِ وَإِن سَفَلَ بَيْنَهُم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. وَمَن تُوُفِّيَ مِنْهُم عَن غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ عَادَ نَصِيبُهُ وَقْفًا عَلَى إخْوَتِهِ الْبَاقِينَ ثُمَّ عَلَى أَنْسَالِهِمْ وَأَعْقَابِهِم بَيْنَهُم لِلذِّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ عَلَى الشَّرْطِ وَالتَّرْتِيبِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُمَا. فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لِهَؤُلَاءِ الْإِخْوَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِم نَسْلٌ وَلَا عَقِبٌ أَو تُوُفُّوا

стр. 2759

بِأَجْمَعِهِمْ وَلَمْ يُعَقِّبُوا وَلَا وَاحِدَ مِنْهُمْ: عَادَ ذَلِكَ وَقْفًا عَلَى الْأَسَارَى ثُمَّ عَلَى الْفُقَرَاءِ. ثُمَّ تُوُفِّيَ عُمَرُ (١) عَن فَاطِمَةَ وَتُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ عَن عيناشي ابْنَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي يَعْلَى ثُمَّ ئوُفِّيَتْ عيناشي عَن غَيْرِ نَسْلٍ وَلَا عَقِب، وَلَمْ يَبْقَ مِن ذُرِّيَّةِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ إلَّا بِنْتُ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي يَعْلَى، وَكِلَاهُمَا مِن ذُرَّيَّةِ جَهْمَةَ. فَهَاتَانِ الْجِهَتَانِ اللَّتَانِ تَلِيهِمَا عيناشي بَعْدَ مَوْتِ أبِيهَا: هَل يَنْتَقِلُ إلَى أُخْتِهَا رُقَيَّةَ؟ أَو إلَيْهَا أَو إلَى ابْنَةِ عَمِّهَا صَفِيَّةَ؟ فَأَجَابَ: هَذَا النَّصِيبُ الَّذِي كَانَ لعيناشي مِن أُمِّهَا يَنْتَقِلُ إلَى ابْنَتَي الْعَمِّ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ انْ تُخَصَّ بِهِ أُخْتهَا لِأَبِيهَا لِأَنَّ الْوَاقِفَ ذَكَرَ: أَنَّ مَن تُوُفِّيَ مِن هَؤُلَاءِ الْإِخْوَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِم عَن غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ عَادَ نَصِيبُهُ وَقْفًا عَلَى إخْوَتِهِ ثُمَّ عَلَى أَنْسَالِهِمْ وَأَغْقَابِهِم عَلَى الشَّرْطِ وَالتَّرْتِيبِ الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُمَا. وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تَعُمُّ مَن انْقَطَعَ نَسْلُهُ أَوَّلًا وَآخِرًا، فَكُلُّ مَن انْقَطَعَ نَسْلُهُ مِن هَؤُلَاءِ الْإِخْوَةِ كَانَ نَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ ثُمَّ لِأَوْلَادِهِمْ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا: فَعَمُّ جَدِّ عيناشي هُوَ الْآنَ مُتَوَفَّى عَن غَيْرِ وَلَدٍ وَلَا وَلَدِ وَلَدٍ وَلَا نَسْلٍ وَلَا عَقِبٍ، فَيَكُونُ نَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ الثَّلَاثَةِ عَلَى أَنْسَالِهِمْ وَأَعْقَابِهِمْ. وَالْحَالُ الَّتِي انْقَطَعَ فِيهَا نَسْلُهُ: لَمْ يَكُن مِن ذُرِّيَّتِهِ إلَّا هَاتَانِ الْمَرْأَتَانِ، فَيَجِبُ أَنْ تَسْتَوِيَا فِي نَصِيبِ عيناشي. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ انْقَطَعَ نَسْلُهُ؛ فَإِنَّ نَصِيبَهُ يَنْتَقِلُ إلَى ذُرَّيَّةِ إخْوَتِهِ، إلَّا أَنْ يَبْقَى أَحَدٌ مِن ذُرَّيَّةِ أَبِيهِم الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ الْوَقْفُ مِنْهُ، أَو مِن ذُرِّيَّةِ أُمِّهِ الَّتِي انْتَقَلَ إلَيْهِ الْوَقْفُ مِنْهَا، فَيَكُونُ بَاقِي الذُّرِّيَّةِ هُم الْمُسْتَحِقِّينَ لِنَصِيبِ

стр. 2760

أُمِّهِمْ أَو أَبِيهِمْ؛ لِدُخُولِهِمْ فِي قَوْلِهِ: فَمَن تُوُفِّيَ مِنْهُم عَن وَلَدٍ أَو وَلَدِ وَلَدٍ. [٣١/ ١٨٠ - ١٨٤] ٤١٣١ - وَسُئِلَ ﵀: عَن وَقْفِ إنْسَانٍ شَيْئًا عَلَى زيدٍ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِ زيدٍ الثَّمَانِيَةِ، فَمَاتَ وَاحِدٌ مِن أَوْلَادِ زدٍ الثَّمَانِيَةِ الْمُعَيَّنِينَ فِي حَالِ حَيَاةِ زَيْدٍ، وَتَرَكَ وَلَدًا ثُمَّ مَاتَ زيدٌ، فَهَل يَنْتَقِلُ إلَى وَلَدِ وَلَدِ زيْدٍ مَا اسْتَحَقَّهُ وَلَدُ زيدٍ لَو كَانَ حَيًّا؟ أَمْ يَخْتَصُّ الْجَمِيعُ بِأَوْلَادِ زيدٍ؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ يَسْتَحِقُّ وَلَدُ الْوَلَدِ مَا كَانَ يَسْتَحِقُّهُ وَالِدُهُ، وَلَا يَنْتَقِلُ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ طَبَقَةِ الْمَيِّتِ مَا بَقِيَ مِن وَلَدِهِ، وَوَلَدِ وَلَدِهِ أَحَدٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَ الْوَاقِفِ: عَلَى زيْدٍ ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ اوْلَادِ أَوْلَادِهِ: فِيهِ لِلْفُقَهَاءِ مِن أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِمْ غِنْدَ الْإِطْلَاقِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لِتَرْتِيبِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِتَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]؛ أَيْ: لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ مَا تَرَكَتْهُ زَوْجَتُهُ (١). وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمُرَادُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ قَطْعًا؛ إذ قَد صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِأَنَّ مَن مَاتَ مِن هَؤُلَاءِ عَن وَلَدِ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى وَلَدِهِ، فَصَارَ الْمُرَادُ تَرْتِيبَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِلَا خِلَافٍ؛ إذ الْخِلَافُ إنَّمَا هُوَ مَعَ الْإِطْلَاقِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَاسْتِحْقَاقُ الْمُرَتَّبِ فِي الشَّرْعِ وَالشَّرْطِ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ: إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي انْتِقَالِهِ إلَى الثَّانِي عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْأَوَّلِ، سَوَاءٌ كَانَ قَد وُجِدَ وَاسْتَحَقَّ، أَو وُجِدَ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ، أَو لَمْ يُوجَدْ بِحَال. [٣١/ ١٨٩ - ١٩٠] * * *

стр. 2761

(هل يجوز قسمةُ الوَقْف إذا كان عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ؟) ٤١٣٢ - مَا كَانَ وَقْفًا عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ: لَمْ يَجُزْ قِسْمَةُ عَيْنِهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ قِسْمَةُ مَنَافِعِهِ بِالْمُهَايَأَةِ (١). وَإِذَا تَهَايَئُوا ثُمَّ أَرَادُوا نَقْضَهَا فَلَهُم ذَلِكَ، وَإِذَا لَمْ يَقَعْ مِن الْمُسْتَحِقِّ أَو وَكِيلِهِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ. [٣١/ ١٩٦] ٤١٣٣ - إذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ: فَإِنَّ عَيْنَهُ لَا تُقْسَمُ قِسْمَةً لَازِمَةً، لَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَلَا غَيْرِهِ. وَصَرَّحَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ الْوَقْفَ إنَّمَا يَجُوزُ قِسْمَتُهُ إذَا كَانَ عَلَى جِهَتَيْنِ، فَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا تُقْسَمُ عَيْنُهُ اتِّفَاقًا، فَالتَّعْلِيقُ حَقُّ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ. لَكِنْ تَجُوزُ الْمُهَايَأَةُ عَلَى مَنَافِعِهِ، والْمُهَايَأَةُ: قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ. وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مُنَاقَلَةِ الْمَنَافِعِ وَبَيْنَ تَرْكِهَا عَلَى الْمُهَايَأَةِ بِلَا مُنَاقَلَةٍ، فَإِنْ تَرَاضَوْا بِذَلِكَ أعِيدَ الْمَكَانُ شَائِعًا كَمَا كَانَ فِي الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ. [٣١/ ١٩٦ - ١٩٧] ٤١٣٤ - وَسُئِلَ الشيخ: عَن وَقْف عَلَى رَجُلٍ، ثُمَّ عَلَى أوْلَادِهِ، فَاقْتَسَمَهُ الْفَلَّاحُونَ، ثمَّ تَنَاقَلَ بَعْضُهُم حِصَّتَهُ إلَى جَانِبِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ، فَهَل تَنْفَسِخُ الْقِسْمَةُ وَالْمُنَاقَلَةُ؟ فَأَجَابَ: لَا تَصِحُّ قِسْمَةُ رَقَبَةِ الْوَقْفِ الْمَوْقُوفِ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، لَكِنْ تَصِحُّ قِسْمَةُ الْمَنَافِعِ وَهِيَ الْمُهَايَأَةُ. [٣١/ ٢٥٦] وَإِذَا كَانَت مُطْلَقَةً لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً، لَا سِيَّمَا إذَا تَغَيَّرَ الْمَوْقُوفُ فَتَجُوزُ بغَيْرِ هَذِهِ الْمُهَايَأَةِ. * * *

стр. 2762

(حكم الفائض في الوقف) ٤١٣٥ - وَسُئِلَ: عَن وَقْفٍ عَلَى تَكْفِينِ الْمَوْتَى يَفِيضُ رِيعُهُ كُلَّ سَنَةٍ عَلَى الشَّرْطِ: هَل يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَهَل يُعْطِي مِنْهُ أَقَارِبَ الْوَاقِفِ الْفُقَرَاءَ؟ فَأَجَابَ: إذَا فَاضَ الْوَقْفُ عَن الأَكْفَانِ صَرَفَ الْفَاضِلَ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا كَانَ أَقَارِبُهُ مَحَاوِيجَ فَهُم أَحَقُّ مِن غَيْرِهِمْ. [٣١/ ٢٠٣] * * * (حكم من مات وعليه دين، فَهَل يُبَاعُ الْوَقْفُ فِي دَيْنِهِ ؟) ٤١٣٦ - وَسُئِلَ: عَمَّن وَقَفَ وَقْفًا مُسْتَغَلًّا، ثُمَّ مَاتَ فَظَهَرَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَهَل يُبَاعُ الْوَقْفُ فِي دَيْنِهِ؟ فَأَجَابَ: إذَا أَمْكَنَ وَفَاءُ الدَّيْنِ مِن رَيعِ الْوَقْفِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ. وَإِن لَمْ يُمْكِنْ وَفَاءُ الدَّيْنِ إلَّا بِبَيْعِ شَيْءٍ مِن الْوَقْفِ -وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ- بِيعَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَإِن كَانَ الْوَقْفُ فِي الصِّحَّةِ: فَهَل يُبَاعُ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَمَنْعُهُ (١) قَوْلٌ قَوِيٌّ. [٣١/ ٢٠٤] * * * (حكم من وصى بوقفٍ بعد موته وتراجع عن ذلك قبل وفاته) ٤١٣٧ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ: إذَا مُتّ فَدَارِي وَقْفٌ عَلَى الْمَسْجِدِ الْفُلَانِيِّ، فَتَعَافَى ثُمَّ حَدَثَ عَلَيْهِ دُيُونٌ، فَهَل يَصِحُّ هَذَا الْوَقْفُ وَيَلْزَمُ؟ فَأَجَابَ: يَجُوز أَنْ يَبِيعَهَا فِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ وَإِن كَانَ التَّعْلِيقُ صَحِيحًا

стр. 2763

كَمَا هُوَ أحَدُ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ هَذَا بِابْلَغَ مِن التَّدْبِيرِ، وَقَد ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ بَاعَ الْمُدَبَّرَ فِي الدَّيْنِ (١). [٣١/ ٢٠٥] ٤١٣٨ - أَمَّا الْوَصِيَّةُ بمَا يَفْعَلُ بعد مَوْته: فَلَهُ أنْ يَرْجِعَ فِيهَا وَيُغَيِّرَهَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَو كَانَ قَد أَشْهَدَ بِهَا وَأَثْبَتَهَا، سَوَاءٌ كَانَت وَصِيَّةٌ بِوَقْف أو عِتْقٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ. وَفِي الْوَقْفِ الْمُعَلَّقِ بِمَوْتِهِ وَالْعِتْقِ نِزَاعَانِ مَشْهُورَانِ. [٣١/ ٢٠٦] * * * (إذَا فَضَلَ مِن رَيعِ الْوَقْفِ وَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ: يُصْرَفُ فِي نَظِيرِ تِلْكَ الْجِهَةِ) ٤١٣٩ - وَسُئِلَ: عَن الْوَقْفِ إذَا فَضَلَ مِن رَيعِهِ (٢) وَاسْتُغْنِيَ عَنْهُ؟ فَأَجَابَ: يُصْرَفُ فِي نَظِيرِ تِلْكَ الْجِهَةِ؛ كَالْمَسْجِدِ إذَا فَضَلَ عَن مَصَالِحِهِ صُرِفَ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ؛ لِأن الْوَاقِفَ غَرَضُهُ فِي الْجِنْسِ، وَالْجِنْسُ وَاحِدٌ، فَلَو قُدِّرَ أنَّ الْمَسْجِدَ الْأَوَّلَ خَرِبَ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ أَحَدٌ صُرِفَ رَيعُهُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ، فَكَذَلِكَ إذَا فَضَلَ عَن مَصْلَحَتِهِ شَيْء. [٣١/ ٢٠٦] * * * (حكم إبْدَالِ الْوَقْفِ ؟) ٤١٤٠ - فَصْلٌ: فِي إبْدَالِ الْوَقْفِ حَتَّى الْمَسَاجِدِ بِمِثْلِهَا أَو خَيْرٍ مِنْهَا لِلْحَاجَةِ أَو الْمَصْلَحَةِ، وَكَذَلِكَ إبْدَالُ الْهَدْيِ، وَالْأُضْحِيَّةِ، وَالْمَنْذُورِ، وَكَذَلِكَ إبْدَالُ الْمُسْتَحِقِّ بِنَظِيرِهِ إذَا تَعَذَّرَ صَرْفُة إلَى الْمُسْتَحَقِّ. وَالْإِبْدَالُ يَكُونُ تَارَةً بِانْ يُعَوَّضَ فِيهَا بِالْبَدَلِ، وَتَارَةَ بأَنْ يُبَاعَ وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهَا الْمُبْدَلِ.

стр. 2764

فَمَذْهَبُ أَحْمَد فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِلْحَاجَةِ. وَاَّمَّا الْمَسْجِدُ: فَيَجُوزُ بَيْعُهُ أَيْضًا لِلْحَاجَةِ، فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ يُقَسِّمُ كُسْوَةَ الْكَعْبَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَكَذَلِكَ كُسْوَةُ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ هُم الْمُسْتَحِقُّونَ لِمَنْفَعَةِ الْمَسَاجِدِ. وَاحْتَجَّ عَلَى صَرْفِهَا فِي نَظِيرِ ذَلِكَ: بِأَنَّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ جَمَعَ مَالًا لِمُكَاتِب فَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ عَن قَدْرِ كِتَابَتِهِ فَصَرَفَهَا فِي مُكَاتِبٌ أُخَرَ؛ فَإِنَّ الْمُعْطِينَ أَعْطَوا الْمَالَ لِلْكِتَابَةِ، فَلَمَّا اسْتَغْنَى الْمُعَيَّنُ صَرَفَهَا فِي النَّظِيرِ. فَصْلٌ وَأَمَّا إبْدَالُ الْمَسْجِدِ بِغَيْرِهِ لِلْمَصْلَحَةِ مَعَ إمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِالْأَوَّلِ: فَفِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ الْجَوَازَ أَظْهَرُ فِي نُصُوصِهِ وَأَدِلَّتِهِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ لَيْسَ عَنْهُ بِهِ نَصٌّ صَرِيحٌ. أمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: لَا يَجُوزُ النَّقْلُ وَالْإِبْدَالُ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الِانْتِفَاعِ: فَمَمْنُوعٌ، وَلَمْ يَذْكُرُوا عَلَى ذَلِكَ حُجَّةَ لَا شَرْعِيَّةَ وَلَا مَذْهَبِيَّةً، فَلَيْسَ عَن الشَّارعِ وَلَا عَن صَاحِبِ الْمَذْهَبِ هَذَا النَّفْيُ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ. بَل قَد دَلَّت الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَأَقْوَالُ صَاحِبِ الْمَذْهَب عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَقَد قَالَ أَحْمَدُ: إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ يَضِيقُ بِأَهْلِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحَوَّلَ إلَى مَوْضِعِ أَوْسَعَ مِنْهُ. وَضِيقُهُ بِأَهْلِهِ لَمْ يُعَطِّلْ نَفْعَهُ؛ بَل نَفْعُهُ بَاقٍ كَمَا كَانَ، وَلَكِن النَّاسُ زَادُوا، وَقَد أَمْكَنَ أَنْ يُبْنَى لَهُم مَسْجِدٌ آخَرُ، وَلَيْسَ مِن شَرْطِ الْمَسْجِدِ أَنْ يَسَعَ جَمِيعَ النَّاسِ، وَمَعَ هَذَا جَوَّزَ تَحْوِيلَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ؛ لِأنَّ اجْتِمَاعَ النَّاسِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ أَفْضَلُ مِن تَفْرِيقِهِمْ فِي مَسْجِدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ كُلَّمَا كَثُرَ كَانَ أَفْضَلَ.

стр. 2765

وَأَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب بِنَقْلِ مَسْجِدِ الْكوفَةِ إلَى مَكَانٍ آخَرَ، وَصَارَ الْأَوَّلُ سُوقَ التَّمَارِينِ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ، لَا لِأَجْلِ تَعَطُّلِ مَنْفَعَةِ تِلْكَ الْمَسَاجِدِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَطَّلْ نَفْعُهَا بَل مَا زَالَ بَاقِيًا. فَصْلٌ وَإِذَا كَانَ يَجُوزُ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْمَوْقُوفِ الَّذِي يُوقَفُ لِلِانْتِفَاعِ بِعَيْنِهِ وَعَيْنُهُ مُحْتَرَمَةٌ شَرْعًا: يَجُوز أَنْ يُبْدلَ بِهِ غَيْرة لِلْمَصْلَحَةِ -لِكَوْنِ الْبَدَلِ أَنْفَع وَأصْلَحَ وَإِن لَمْ تَتَعَطَّلْ مَنْفَعَتُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَعُودُ الْأَوَّلُ طِلْقًا، مَعَ أَنَّهُ مَعَ تَعَطُّلِ نَفْعِهِ بِالْكُلِّيَّةِ: هَل يَجُوزُ بَيْعُهُ؟ عَنْهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ- فَلَأَنْ يَجُوزُ الْإِبْدَالُ بِالْأَصْلَحِ وَالْأَنْفَعِ فِيمَا يُوقَفُ لِلِاسْتِغْلَالِ أَوْلَى وَأَحْرَى؛ فَإِنَّهُ عِنْدَهُ يَجُوزُ بَيْعُ مَا يُوقَفُ لِلِاسْتِغْلَالِ لِلْحَاجَةِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي بَيْعِ الْمَسْجِدِ لِلْحَاجَةِ رِوَايَتَانِ. فَإِذَا جُوِّزَ عَلَى ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ أَنْ يُجْعَلَ الْمَسْجِدُ الْأَوَّلُ طِلْقًا وَيُوقَفُ مَسْجِدٌ بَدَلَهُ لِلْمَصْلَحَةِ وَإِن لَمْ تَتَعَطَّلْ مَنْفَعَة الْأَوَّلِ: فَلَأَنْ يَجُوزَ أَنْ يَجْعَلَ الْمَوْقُوفُ لِلِاسْتِغْلَالِ طِلْقًا وَيُوقِفَ بَدَلَهُ أَصْلَحُ مِنْهُ وَإِن لَمْ تتعَطَّلْ مَنْفَعَةُ الْأَوَّلِ أَحْرَى. فَصْلٌ قَد نَصَّ أَحْمَد عَلَى أَبْلَغَ مِن ذَلِكَ -وَهُوَ وَقْفُ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا مَعَ إبْدَالِ عَيْنِهِ (١) - فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي "الشَّافِي": نَقَلَ الميموني عَن أَحْمَد: أَنَّ الدَّرَاهِمَ إذَا كَانَت مَوْقُوفَةً عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ فَفِيهَا الصَّدَقَةُ، وَإِذَا كَانَت عَلَى الْمَسَاكِينِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ.

стр. 2766

قُلْت: رَجُلٌ وَقَفَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي السَّبِيلِ؟ قَالَ: إنْ كَانَت لِلْمَسَاكِينِ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ. قُلْت: فَإِنْ وَقَفَهَا فِي الْكُرَاعِ (١) وَالسِّلَاحِ؟ قَالَ: هَذِهِ مَسْأَلَةُ لَبْسٍ وَاشْتِبَاهٍ. قَالَ أبُو الْبَرَكَاتِ: وَظَاهِرُ هَذَا جَوَازُ وَقْفِ الْأَثْمَانِ لِغَرَضِ الْقَرْضِ أَو التَّنْمِيَةِ وَالتَّصَدُّقِ بِالرِّبْحِ. قَالَ: وَمَذْهَبُ مَالِكٍ صِحَّةُ وَقْفِ الْأَثْمَانِ لِلْقَرْضِ. وَأحْمَد تَوَقَّفَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ لَا فِي وَقْفِهَا؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا سُئِلَ عَن ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الْوَقْفَ إذَا كَانَ عَلَى جِهَةِ خَاصَّةٍ؛ كَبَنِي فُلَانٍ: وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَهُ فِي عَيْنِهِ. فَلَو وَقَفَ أرْبَعِينَ شَاةً عَلَى بَنِي فُلَانٍ وَجَبَت الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهَا فِي الْمَنْصُوصِ عَنْهُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَأَمَّا مَا وَقَفَهُ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ؛ كَالْجِهَادِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ: فَلَا زَكَاةَ فِيهِ فِي مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَأمَّا مَالِك فَيُوجِبُ فِيهِ الزَّكَاةَ. فَتَوَقُّفُ أحْمَد فِيمَا وُقِف فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ؛ لِأَنَّ فِيهَا اشْتِبَاهًا؛ لِأَنَّ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ تَد يُعَيِّنُهُ لِقَوْم بِعَيْنِهِمْ: إمَّا لِأَوْلَادِهِ أَو غَيْرِهِمْ، بِخِلَافِ مَا هُوَ عَامٌ لَا يَعْتَقِبُهُ التَّخْصِيصُ. فَصْلُ وَنصُوصُ أَحْمَد فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَاخْتِيَارُ جُمْهُورِ أصْحَابِهِ جَوَازُ إبْدَالِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ بِخَيْرٍ مِنْهَا.

стр. 2767

قَالَ أَحْمَد فِي رِوَايَةِ أبِي طَالِبِ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْأُضْحِيَّةَ يُسَمِّنُهَا لِلْأَضْحَى: يُبَدِّلُهَا بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا، لَا يُبَدِّلُهَا بِمَا هُوَ دُونَهَا. فَقِيلَ لَهُ: فَإِنْ أبْدَلَهَا بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا يَبِيعُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَصْلٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ (١) وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: مَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) عَن عَائِشَةَ ﵂ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنهُ قَالَ: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمَك حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَنَقَضْت الْكَعْبَةَ وَلَأَلْصَقْتهَا بِالْأَرْضِ وَلَجَعَلْت لَهَا بَابَيْنِ: بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ". وَمَعْلُومٌ أنَّ الْكَعْبَةَ أَفْضَلُ وَقْفٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَلَو كَانَ تَغْييرُهَا وَإِبْدَالُهَا بِمَا وَصَفَهُ ﷺ وَاجِبَا لَمْ يَتْرُكْهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ جَائِزًا، وَأَنَّهُ كَانَ أَصْلَحَ لَوْلَا مَا ذَكَرَهُ مِن حَدَثَانِ عَهْدِ قُرَيْشٍ بِالْإِسْلَامِ. وَهَذَا فِيهِ تَبْدِيلُ بِنَائِهَا بِبِنَاءٍ آخَرَ. فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَبْدِيلُ التَّأْليفِ بِتَأْلِيف آخَرَ هُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْإِبْدَالِ. وَأَيْضًا: فَقَد ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ غَيَّرَا بِنَاءَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَمَّا عُمَر فَبَنَاهُ بِنَظِيرِ بِنَائِهِ الْأوَّلِ بِاللَّبَنِ وَالْجُذُوعِ، وَأمَّا عُثْمَان فَبَنَاة بِمَادَّةِ أَعْلَى مِن تِلْكَ كَالسَّاجِ (٣). وَبِكُلِّ حَالٍ فَاللَّبِن وَالْجُذُوعُ الَّتِي كَانَت وَقْفًا أَبْدَلَهَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بِغَيْرِهَا. وَهَذَا مِن أَعْظَمِ مَا يَشْتَهِرُ مِن الْقَضَايَا وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ.

стр. 2768

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إبْدَالِ الْبِنَاءِ بِبِنَاء، وَإِبْدَالِ الْعَرْصَةِ بِعَرْصَة (١): إذَا اقْتَضَت الْمَصْلَحَةُ ذَلِكَ؛ وَلهَذَا أَبْدَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ بِمَسْجِدٍ آخَرَ، أَبْدَلَ نَفْسَ الْعَرْصَةِ وَصَارَت الْعَرْصَةُ الْأُولَى سُوقًا لِلتَّمَارِينِ. فَصَارَت الْعَرْصَةُ سُوقًا بَعْدَ أَنْ كَانَت مَسْجِدًا. وَهَذَا أَبْلَغُ مَا يَكُونُ فِي إبْدَالِ الْوَقْفِ لِلْمَصْلَحَةِ. وَأَيْضًا: فَقَد ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ جَؤزَ إبْدَالَ الْمَنْذُورِ بِخَيْرٍ مِنْهُ، فَفِي الْمُسْنَدِ: "مُسْنَدِ أَحْمَد" (٢)، وَ "سُنَنِ أَبِي دَاوُد" (٣). عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَجُلٌ قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: إنِّي نَذَرْت إنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْك مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِس، قَالَ: "صَلِّ هَاهُنَا"، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: صَلِّ هَاهُنَا، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ قَالَ: "فَشَأْنُك إذًا" (٤). وَهَذَا مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. ثُمَّ إنَّ الشَّارِعَ بَيَّنَ أَن الْبَدَلَ الْأَفْضَلَ يَقُومُ مَقَامَ هَذَا، وَالْأُضْحِيَّةُ وَالْهَدْيُ الْمُعَيَّنُ وُجُوبُهُ مِن جِنْسِ وُجُوبِ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَن إبْدَالَهُ بِخَيْر مِنْهُ أَفْضَلُ مِن ذَبْحِهِ بِعَيْنِهِ؛ كَالْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ فِي الذِّمَّةِ؛ كَمَا لَو وَجَبَ عَلَيْهِ بِنْتُ مَخَاضٍ فَأَدَّى بِنْتَ لَبُونٍ، أَو وَجَبَ عَلَيْهِ بِنْتُ لَبُونٍ فَأَدَّى حِقَّةً. وَعَلَى هَذَا: فَلَو نَذَرَ أَنْ يَقِفَ شَيْئًا فَوَقَفَ خَيْرًا مِنْهُ: كَانَ أَفْضَلَ. فَلَو نَذَرَ أنْ يَبْنِيَ للهِ مَسْجِدًا وَصَفَهُ، أَو يَقِفَ وَقْفًا وَصَفَهُ، فَبَنَى مَسْجِدًا خَيْرًا مِنْهُ، وَوَقَفَ وَقْفَا خَيْرًا مِنْهُ: كَانَ أَفْضَلَ.

стр. 2769

وَلَو عَيَّنَهُ فَقَالَ: للهِ عَلَيَّ أَنْ أَبْنِيَ هَذِهِ الدَّارَ مَسْجِدًا، أَو وَقَفهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَبَنَى خَيْرًا مِنْهَا وَوَقَفَ خَيْرًا مِنْهَا: كَانَ أَفْضَلَ. وَقَد تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَاجِبِ الْمُقَدَّرِ إذَا زَادَهُ؛ كَصَدَقَةِ الْفِطَرِ إذَا أَخْرَجَ أَكْثَرَ مِن صَاعٍ: فَجَوَّزَهُ أَكَثَرُهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَرُوِيَ عَن مَالِكٍ كَرَاهَةَ ذَلِكَ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الصِّفَةِ فَاتَّفَقُوا عَلَيْهَا. وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ؛ لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤]. [٣١/ ٢١٢ - ٢٥٠] * * * (هل الشَّهَادَةُ فِي الْوَقْفِ بِالِاسْتِحْقَاقِ مقبولة ؟) ٤١٤١ - الشَّهَادَةُ فِي الْوَقْفِ بِالِاسْتِحْقَاقِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْإِرْثِ مِن الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ كَطَهَارر الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ. وَلَكِن الشَّاهِدُ يَشْهَدُ بِمَا يَعْلَمُهُ مِن الشُّرُوطِ، ثُمَّ الْحَاكِمُ يَحْكُمُ فِي الشَّرْطِ بِمُوجِبِ اجْتِهَادِهِ. [٣١/ ٢٥٦] * * * (بَابُ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ) ٤١٤٢ - إعطاء المرء المال ليُمدح به ويُثنَى عليه: مذموم، وإعطاؤه لكف الظلم والشر عنه ولئلا يُنسب إلى البخل: مشروع، بل هو محمود مع النية الصالحة. والإخلاص في الصدقة: ألا يسأل عوضها دعاء من المعطي، ولا يرجو

стр. 2770

بركته وخاطره، ولا غير ذلك من الأقوال، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٩]. [المستدرك ٤/ ١٠٨ - ١٠٩] ٤١٤٣ - مَن طَلَبَ مِن الْفُقَرَاءِ الدُّعَاءَ أَو الثَّنَاءَ خَرَجَ مِن هَذ الْآيَةِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٨، ٩]. [١١/ ١١١] ٤١٤٤ - حكى أحمد في رواية مثنى عن وهب قال: ترك المكافأة من التطفيف، وقاله مقاتل، وكذا اختار شيخنا في ردِّه على الرافضي: أن مِن العدل الواجب مكافأةَ من له يدٌ أو نعمةٌ ليجزيه بها. [المستدرك ٤/ ١٠٩] ٤١٤٥ - قَوْلُهُ: (وَهِيَ تَمْلِيكٌ في حَيَاتِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ) وَقِيلَ: الْهِبَةُ تَقْتَضِي عِوَضًا، وَقِيلَ: مع عُرْفٍ، فَلَو أَعْطَاهُ لِيُعَاوِضَهُ أو لِيَقْضِيَ له بِهِ حَاجَةً فلم يَفِ: فَكَالشَّرْطِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ (١). ٤١٤٦ - لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ من الدَّيْنِ قبل وُجُوبِهِ. وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ (٢) تَمْلِيكٌ. وَمَنَعَ بَعْضُهُم أَنَّهُ إسْقَاطٌ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِسْقَاطِ. وَمَنَعَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُعْتبَرُ قَبُولُهُ. وقال: الْعَفْوُ عن دَمِ الْعَمْدِ تَمْلِيكٌ أَيْضًا. [وفي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (٣) أَنَّ أَبَا الْيَسْرِ الصَّحَابِيَّ ﵁ قال لِغَرِيمِهِ] (٤): إذَا وَجَدْت قَضاءً فَاقْضِ وَإِلَّا فَأَنْتَ في حِلٍّ. [وَأَعْلَمَ بِهِ الْوَلِيدَ بن عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ ﵁ وَابْنَهُ وَهُمَا تَابِعِيَّانِ فلم يُنْكِرَاهُ] (٥).
следующие страницы →