← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

قُلْت: رَجُلٌ وَقَفَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِي السَّبِيلِ؟ قَالَ: إنْ كَانَت لِلْمَسَاكِينِ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ. قُلْت: فَإِنْ وَقَفَهَا فِي الْكُرَاعِ (١) وَالسِّلَاحِ؟ قَالَ: هَذِهِ مَسْأَلَةُ لَبْسٍ وَاشْتِبَاهٍ. قَالَ أبُو الْبَرَكَاتِ: وَظَاهِرُ هَذَا جَوَازُ وَقْفِ الْأَثْمَانِ لِغَرَضِ الْقَرْضِ أَو التَّنْمِيَةِ وَالتَّصَدُّقِ بِالرِّبْحِ. قَالَ: وَمَذْهَبُ مَالِكٍ صِحَّةُ وَقْفِ الْأَثْمَانِ لِلْقَرْضِ. وَأحْمَد تَوَقَّفَ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ لَا فِي وَقْفِهَا؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا سُئِلَ عَن ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الْوَقْفَ إذَا كَانَ عَلَى جِهَةِ خَاصَّةٍ؛ كَبَنِي فُلَانٍ: وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ عِنْدَهُ فِي عَيْنِهِ. فَلَو وَقَفَ أرْبَعِينَ شَاةً عَلَى بَنِي فُلَانٍ وَجَبَت الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهَا فِي الْمَنْصُوصِ عَنْهُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ. وَأَمَّا مَا وَقَفَهُ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ؛ كَالْجِهَادِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ: فَلَا زَكَاةَ فِيهِ فِي مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَأمَّا مَالِك فَيُوجِبُ فِيهِ الزَّكَاةَ. فَتَوَقُّفُ أحْمَد فِيمَا وُقِف فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ؛ لِأَنَّ فِيهَا اشْتِبَاهًا؛ لِأَنَّ الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ تَد يُعَيِّنُهُ لِقَوْم بِعَيْنِهِمْ: إمَّا لِأَوْلَادِهِ أَو غَيْرِهِمْ، بِخِلَافِ مَا هُوَ عَامٌ لَا يَعْتَقِبُهُ التَّخْصِيصُ. فَصْلُ وَنصُوصُ أَحْمَد فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَاخْتِيَارُ جُمْهُورِ أصْحَابِهِ جَوَازُ إبْدَالِ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ بِخَيْرٍ مِنْهَا.

стр. 2767

قَالَ أَحْمَد فِي رِوَايَةِ أبِي طَالِبِ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْأُضْحِيَّةَ يُسَمِّنُهَا لِلْأَضْحَى: يُبَدِّلُهَا بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا، لَا يُبَدِّلُهَا بِمَا هُوَ دُونَهَا. فَقِيلَ لَهُ: فَإِنْ أبْدَلَهَا بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا يَبِيعُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَصْلٌ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ (١) وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: مَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) عَن عَائِشَةَ ﵂ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنهُ قَالَ: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمَك حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَنَقَضْت الْكَعْبَةَ وَلَأَلْصَقْتهَا بِالْأَرْضِ وَلَجَعَلْت لَهَا بَابَيْنِ: بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ". وَمَعْلُومٌ أنَّ الْكَعْبَةَ أَفْضَلُ وَقْفٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَلَو كَانَ تَغْييرُهَا وَإِبْدَالُهَا بِمَا وَصَفَهُ ﷺ وَاجِبَا لَمْ يَتْرُكْهُ، فَعُلِمَ أَنَّهُ كَانَ جَائِزًا، وَأَنَّهُ كَانَ أَصْلَحَ لَوْلَا مَا ذَكَرَهُ مِن حَدَثَانِ عَهْدِ قُرَيْشٍ بِالْإِسْلَامِ. وَهَذَا فِيهِ تَبْدِيلُ بِنَائِهَا بِبِنَاءٍ آخَرَ. فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَبْدِيلُ التَّأْليفِ بِتَأْلِيف آخَرَ هُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْإِبْدَالِ. وَأَيْضًا: فَقَد ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ غَيَّرَا بِنَاءَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَمَّا عُمَر فَبَنَاهُ بِنَظِيرِ بِنَائِهِ الْأوَّلِ بِاللَّبَنِ وَالْجُذُوعِ، وَأمَّا عُثْمَان فَبَنَاة بِمَادَّةِ أَعْلَى مِن تِلْكَ كَالسَّاجِ (٣). وَبِكُلِّ حَالٍ فَاللَّبِن وَالْجُذُوعُ الَّتِي كَانَت وَقْفًا أَبْدَلَهَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بِغَيْرِهَا. وَهَذَا مِن أَعْظَمِ مَا يَشْتَهِرُ مِن الْقَضَايَا وَلَمْ يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ.

стр. 2768

وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إبْدَالِ الْبِنَاءِ بِبِنَاء، وَإِبْدَالِ الْعَرْصَةِ بِعَرْصَة (١): إذَا اقْتَضَت الْمَصْلَحَةُ ذَلِكَ؛ وَلهَذَا أَبْدَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ بِمَسْجِدٍ آخَرَ، أَبْدَلَ نَفْسَ الْعَرْصَةِ وَصَارَت الْعَرْصَةُ الْأُولَى سُوقًا لِلتَّمَارِينِ. فَصَارَت الْعَرْصَةُ سُوقًا بَعْدَ أَنْ كَانَت مَسْجِدًا. وَهَذَا أَبْلَغُ مَا يَكُونُ فِي إبْدَالِ الْوَقْفِ لِلْمَصْلَحَةِ. وَأَيْضًا: فَقَد ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ جَؤزَ إبْدَالَ الْمَنْذُورِ بِخَيْرٍ مِنْهُ، فَفِي الْمُسْنَدِ: "مُسْنَدِ أَحْمَد" (٢)، وَ "سُنَنِ أَبِي دَاوُد" (٣). عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَجُلٌ قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: إنِّي نَذَرْت إنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْك مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِس، قَالَ: "صَلِّ هَاهُنَا"، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: صَلِّ هَاهُنَا، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ قَالَ: "فَشَأْنُك إذًا" (٤). وَهَذَا مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. ثُمَّ إنَّ الشَّارِعَ بَيَّنَ أَن الْبَدَلَ الْأَفْضَلَ يَقُومُ مَقَامَ هَذَا، وَالْأُضْحِيَّةُ وَالْهَدْيُ الْمُعَيَّنُ وُجُوبُهُ مِن جِنْسِ وُجُوبِ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَن إبْدَالَهُ بِخَيْر مِنْهُ أَفْضَلُ مِن ذَبْحِهِ بِعَيْنِهِ؛ كَالْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ فِي الذِّمَّةِ؛ كَمَا لَو وَجَبَ عَلَيْهِ بِنْتُ مَخَاضٍ فَأَدَّى بِنْتَ لَبُونٍ، أَو وَجَبَ عَلَيْهِ بِنْتُ لَبُونٍ فَأَدَّى حِقَّةً. وَعَلَى هَذَا: فَلَو نَذَرَ أَنْ يَقِفَ شَيْئًا فَوَقَفَ خَيْرًا مِنْهُ: كَانَ أَفْضَلَ. فَلَو نَذَرَ أنْ يَبْنِيَ للهِ مَسْجِدًا وَصَفَهُ، أَو يَقِفَ وَقْفًا وَصَفَهُ، فَبَنَى مَسْجِدًا خَيْرًا مِنْهُ، وَوَقَفَ وَقْفَا خَيْرًا مِنْهُ: كَانَ أَفْضَلَ.

стр. 2769

وَلَو عَيَّنَهُ فَقَالَ: للهِ عَلَيَّ أَنْ أَبْنِيَ هَذِهِ الدَّارَ مَسْجِدًا، أَو وَقَفهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، فَبَنَى خَيْرًا مِنْهَا وَوَقَفَ خَيْرًا مِنْهَا: كَانَ أَفْضَلَ. وَقَد تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَاجِبِ الْمُقَدَّرِ إذَا زَادَهُ؛ كَصَدَقَةِ الْفِطَرِ إذَا أَخْرَجَ أَكْثَرَ مِن صَاعٍ: فَجَوَّزَهُ أَكَثَرُهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَرُوِيَ عَن مَالِكٍ كَرَاهَةَ ذَلِكَ. وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الصِّفَةِ فَاتَّفَقُوا عَلَيْهَا. وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ الْأَمْرَيْنِ؛ لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤]. [٣١/ ٢١٢ - ٢٥٠] * * * (هل الشَّهَادَةُ فِي الْوَقْفِ بِالِاسْتِحْقَاقِ مقبولة ؟) ٤١٤١ - الشَّهَادَةُ فِي الْوَقْفِ بِالِاسْتِحْقَاقِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَكَذَلِكَ فِي الْإِرْثِ مِن الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ كَطَهَارر الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ. وَلَكِن الشَّاهِدُ يَشْهَدُ بِمَا يَعْلَمُهُ مِن الشُّرُوطِ، ثُمَّ الْحَاكِمُ يَحْكُمُ فِي الشَّرْطِ بِمُوجِبِ اجْتِهَادِهِ. [٣١/ ٢٥٦] * * * (بَابُ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ) ٤١٤٢ - إعطاء المرء المال ليُمدح به ويُثنَى عليه: مذموم، وإعطاؤه لكف الظلم والشر عنه ولئلا يُنسب إلى البخل: مشروع، بل هو محمود مع النية الصالحة. والإخلاص في الصدقة: ألا يسأل عوضها دعاء من المعطي، ولا يرجو

стр. 2770

بركته وخاطره، ولا غير ذلك من الأقوال، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٩]. [المستدرك ٤/ ١٠٨ - ١٠٩] ٤١٤٣ - مَن طَلَبَ مِن الْفُقَرَاءِ الدُّعَاءَ أَو الثَّنَاءَ خَرَجَ مِن هَذ الْآيَةِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٨، ٩]. [١١/ ١١١] ٤١٤٤ - حكى أحمد في رواية مثنى عن وهب قال: ترك المكافأة من التطفيف، وقاله مقاتل، وكذا اختار شيخنا في ردِّه على الرافضي: أن مِن العدل الواجب مكافأةَ من له يدٌ أو نعمةٌ ليجزيه بها. [المستدرك ٤/ ١٠٩] ٤١٤٥ - قَوْلُهُ: (وَهِيَ تَمْلِيكٌ في حَيَاتِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ) وَقِيلَ: الْهِبَةُ تَقْتَضِي عِوَضًا، وَقِيلَ: مع عُرْفٍ، فَلَو أَعْطَاهُ لِيُعَاوِضَهُ أو لِيَقْضِيَ له بِهِ حَاجَةً فلم يَفِ: فَكَالشَّرْطِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ (١). ٤١٤٦ - لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ من الدَّيْنِ قبل وُجُوبِهِ. وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ (٢) تَمْلِيكٌ. وَمَنَعَ بَعْضُهُم أَنَّهُ إسْقَاطٌ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِسْقَاطِ. وَمَنَعَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُعْتبَرُ قَبُولُهُ. وقال: الْعَفْوُ عن دَمِ الْعَمْدِ تَمْلِيكٌ أَيْضًا. [وفي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (٣) أَنَّ أَبَا الْيَسْرِ الصَّحَابِيَّ ﵁ قال لِغَرِيمِهِ] (٤): إذَا وَجَدْت قَضاءً فَاقْضِ وَإِلَّا فَأَنْتَ في حِلٍّ. [وَأَعْلَمَ بِهِ الْوَلِيدَ بن عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ ﵁ وَابْنَهُ وَهُمَا تَابِعِيَّانِ فلم يُنْكِرَاهُ] (٥).

стр. 2771

قال في "الْفُرُوعِ": وَهَذَا مُتَّجِهٌ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا (١). [المستدرك ٤/ ١٠٩ - ١١٠] ٤١٤٧ - إن حملوا الجهاز مع البنت إلى بيتها على الوجه المعروف فهو تمليك لها، فلا تقبل دعوى أمها أن الجهاز ملكها، وليس للأم الرجوع به، ولا للأب أيضًا بعد أن تعلقت رغبة الزوج وزوجت على ذلك. [المستدرك ٤/ ١١٠] ٤١٤٨ - من اشترى عبدًا فوهبه شيئًا حتى أثرى، ثم ظهر أنه كان حرًّا: فله أن يأخذ منه ما وهبه لمَّا كان ظانًّا أنه عبده. [المستدرك ٤/ ١١٠] * * * (أَيُّهُمَا أَفْضَلُ: الصَّدَقَة أم الْهَدِيَّة ؟) ٤١٤٩ - الصَّدَقَةُ: مَا يُعْطَى لِوَجْهِ اللهِ، عِبَادَةً مَحْضَةً، مِن غَيْرِ قَصْدٍ فِي شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا طَلَبِ غَرَضٍ مِن جِهَتِهِ، لَكِنْ يُوضَعُ فِي مَوَاضِعِ الصَّدَقَةِ كَأَهْلِ الْحَاجَاتِ. وَأَمَّا الْهَدِيَّةُ: فَيَقْصِدُ بِهَا إكْرَامَ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ: إمَّا لِمَحَبَّة، وَإِمَّا لِصَدَاقَة، وَإِمَّا لِطَلَبِ حَاجَةٍ؛ وَلهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا، فَلَا يَكُونُ لِأَحَد عَلَيْهِ مِنَّةٌ، وَلَا يَأْكُلُ أَوْسَاخَ النَّاسِ الَّتِي يَتَطَهَّرُونَ بِهَا مِن ذُنُوبِهِمْ، وَهِيَ الصَّدَقَاتُ، وَلَمْ يَكُن يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ لِذَلِكَ وَغَيْرِهِ. وَإِذَا تَبَيَّنَ ذَلِكَ: فَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْهَدِيَّةِ مَعْنًى تَكُونُ بِهِ أَفْضَلَ مِن الصَّدَقَةِ؛ مِثْل الْإِهْدَاءِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ مَحَبَّةً لَهُ. وَمِثْل الْإِهْدَاءِ لِقَرِيب يَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ وَأَخ لَهُ فِي اللهِ: فَهَذَا قَد يَكُونُ أَفْضَلَ مِن الصَّدَقَةِ. [٣١/ ٢٦٩] * * *

стр. 2772

(حكم هِبَةِ الْمَجْهُولِ؟ وهل العقودُ تَلْزَمُ قَبْلَ الْقَبْضِ ؟) ٤١٥٠ - [قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ؛ كَقَوْلِهِ: ما أَخَذْت من مَالِي فَهُوَ لَك أو من وَجَدَ شيئًا من مَالِي فَهُوَ له. قَوْلُهُ: (وَلَا ما لَا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِهِ)؛ يَعْنِي: لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ. وَقِيلَ: تَصِحُّ هِبَتُهُ. قُلْت: اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اكَلئهُ صِحَّةَ هِبَةِ الْمَعْدُومِ كَالثَّمَرِ وَاللَّبَنِ بِالسَّنَةِ. قال: وَاشْتِرَاطُ الْقُدْرَةِ على التَّسْلِيمِ هُنَا فيه نَظَرٌ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا على شَرْطٍ) وَذَكَرَ الْحَارِثِيُّ جَوَازَ تَعْلِيقِهَا على شَرْطٍ. قُلْت: وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. قَوْلُهُ: (وَلَا شَرَطَ ما يُنَافِي مُقْتَضَاهَا نحو أَنْ لَا يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا): هذا الشَّرْطُ بَاطِلٌ بِلَا نِزَاعٍ] (١). وجوَّز الحارثي تجويزها على شرط، واختاره الشيخ تقي الدين. قَوْلُهُ: (وَلَا تَوْقِيتُهَا)؛ كَقَوْلِهِ: وَهَبْتُك هذا سَنَةً، وَذَكَرَ الْحَارِثيُّ الْجَوَازَ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وإن (٢) شرط رجوعها إلى الْمُعَمِّرِ بكسر الميم عند موته، أو قال: هي لآخرنا موتًا: صح الشرط، هذه إحدى الروايتين، اختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٤/ ١٠٩]

стр. 2773

٤١٥١ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي هِبَةِ الْمَجْهُولِ: فَجَوَّزَهُ مَالِك حَتَّى جَوَّزَ أَنْ يَهَبَ غَيْرَهُ مَا وَرِثَهُ مِن فُلَانٍ، وَإِن لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَهُ، وَإِن لَمْ يَعْلَمْ أَثُلُثٌ هُوَ أَمْ رُبُعٌ. وَلَمْ يُجَوِّزْ ذَلِكَ الشَّافِعِيّ. وَكَذَلِكَ الْمَعْرُوفُ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأحْمَد الْمَنْعُ مِن ذَلِكَ، لَكِنَ أَحْمَد وَغَيْرَهُ يُجَوِّزُ فِي الصُّلْحِ عَلَى الْمَجْهُولِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ مَا لَا يُجَوِّزُهُ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ مِن ذَلِكَ مَا لَا يُجَوِّزُهُ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الشَّافِعِيِّ يَشْتَرِطُ الْعِلْمَ بِمِقْدَارِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي عَامَّةِ الْعُقُودِ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي هَذَا أَرْجَحُ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَصْل آخَرَ وَهُوَ: أنَّ عُقُودَ الْمُعَاوَضَةِ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ: تَلْزَمُ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَالْقَبْضُ مُوجَبُ الْعَقْدِ وَمُقْتَضَاهُ، لَيْسَ شَرْطًا فِي لُزُومِهِ. وَالتَّبَرُّعَاتُ؛ كَالْهِبَةِ وَالْعَارِيةِ: فَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ أنَهَا لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ. وَفِي مَذهَبِ أَحْمَد نِزَاعٌ؛ كَالنِّزَاعِ فِي الْمُعَيَّنِ: هَل يَلْزَمُ بِالْعَقْدِ أَمْ لَا بُدَّ مِن الْقَبْضِ؟ وَفِيهِ عَنْهُ رِوَايَتَانِ. وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ صُوَرِ الْعَارِيةِ. وَمَا زَالَ السَّلَفُ يُعِيرُونَ الشَّجَرَةَ، وَيَمْنَحُونَ المنايح، وَكَذَلِكَ هِبَةُ الثَّمَرِ وَاللَّبَنِ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ، وَيَرَوْنَ ذَلِكَ لَازِمًا، وَلَكِنْ هَذَا يُشْبِهُ الْعَارَيةَ؛ لِأنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ يَحْدُثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ كَالْمَنْفَعَةِ. [٣١/ ٢٧٠ - ٢٧١] * * *

стр. 2774

(وجوب العدل بين الأبناء في العطية، وهل يُستثنى من ذلك شيء ؟) ٤١٥٢ - عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ أَوْلَاد كَمَا أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ، فَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْن" (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِبَشِيرِ بْن سَعْدٍ لَمَّا نَحَلَ ابْنَهُ النُّعْمَانَ نِحْلًا، وَأَتَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: "اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ". لَكِنْ إذَا خَصَّ أَحَدَهُمَا بِسَبَبِ شَرْعِيٍّ؛ مِثْل أَنْ يَكونَ مُحْتَاجًا مُطِيعًا للهِ، وَالْآخَرُ غَنِيٌّ عَاصٍ يَسْتَعِينُ بِالْمَالِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ. فَإِذَا أَعْطَى مَن أَمَرَ الله بِإِعْطَائِهِ، وَمَنَعَ منْ أَمَرَ الله بِمَنْعِهِ: فَقَد أَحْسَنَ. [٣١/ ٢٩٥] ٤١٥٣ - يجب التعديل في عطية أولاده على حسب ميراثهم، وهو مذهب أحمد، مسلمًا (٢) كان الولد أو ذميًّا. [المستدرك ٤/ ١١١] ٤١٥٤ - لا يجب على المسلم التسوية بين أولاده من أهل الذمة، ولا يجب التسوية بين سائر الأقارب الذين لا يرثون؛ كالأعمام، والإخوة مع وجود الأب. ويتوجه في ولد البنين التسوية كآبائهم. فإن فَضَّل -حيث منعناه-: فعليه التسوية أو الرد، وينبغي أن يكون على الفور. وإذا سوَّى بين أولاده في العطاء: فليس له أن يرجع في عطية بعضهم. والأحاديث والآثار تدل على وجوب التعديل بينهم في غير التمليك أيضًا، وهو في ماله ومنفعته التي ملَّكهم، والذي أباحهم كالمسكن والطعام.

стр. 2775

ثم هنا نوعان: أ- نوع يحتاجون إليه من النفقة في الصحة والمرض ونحو ذلك، فتعديله بينهم فيه أن يعطي كل واحد ما يحتاج إليه، ولا فرق بين محتاج قليل أو كثير. ب- ونوع يشتركون في حاجتهم إليه مِن عطيةِ أو نفقةٍ أو تزويجٍ: فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه. ج- وينشأ بينهما نوع ثالث: وهو أن ينفرد أحدهم بحاجة غير معتادة؛ مثل أن يقضي عن أحدهم دينًا وجب عليه من أرش جناية، أو يعطي عنه المهر، أو يعطيه نفقة الزوجة، ونحو ذلك: ففي وجوب إعطاء الآخر مثل ذلك نظر. وتجهيز البنات بالنُّحْل (١) أشبه، وقد يلحق بهذا. والأشبه أن يقال في هذا: إنه (٢) يكون بالمعروف، فإن زاد على المعروف فهو من باب النُّحْل. ولو كان أحدهما محتاجًا دون الآخر: أنفق عليه قدر كفايته. وأما الزيادة: فمن النُّحْل. فلو كان أحد الأولاد فاسقًا، فقال والده: لا أعطيك نظير إخوتك حتى تتوب: فهذا حسن، يتعين استتابته. وإذا امتنع من التوبة: فهو الظالم لنفسه، فإن تاب وجب عليه أن يعطيه. وأما إن امتنع من زيادة الدِّين: لم يجز منعه. فلو مات الوالد قبل التسوية الواجبة: فللباقين الرجوع، وهو رواية عن الإمام أحمد واختيار ابن بطة وأبي حفص.

стр. 2776

وأما الولد المفضَّل: فينبغي له الرد بعد الموت قولًا واحدًا. وهل يطيب له الإمساك؟ إذا قلنا: لا يُجبر على الرد فكلام أحمد يقتضي روايتين، فقال في رواية ابن الحكم: وإذا مات الذي فَضَّل لم أُطَيِّبه له، ولم أُجْبِرْه على رَدِّه. وظاهره التحريم، ونُقل عنه أيضًا. قلت: فترى على الذي فُضِّل أن يرده؟ قال: إن فعل فهو أجود، وإن لم يفعل ذلك لم أُجْبِرْه. وظاهره الاستحباب. وإذا قلنا بوده بعد الموت: فالوصي يفعل ذلك. فلو مات الثاني قبل الرد والمال بحاله: ردَّ أيضًا. لكن لو قسمت تركة الثاني قبل الرد، أو بيعت، أو وهبت: فههنا فيه نظر؛ لأنَّ القسمة والقبض تُقَرر العقود الجاهلية (١)، وهذا فيه تأويل. وكذلك لو تصرف المفضَّل في حياة أبيه، ببيع أو هبة، واتصل بهما القبض: ففي الرد نظر، إلا أن هذا متصل بالقبض في العقود الفاسدة. وللأب الرجوع فيما وهبه لولده ما لم يتعلق به حق أو رغبة، فلا يرجع بقدر الدين وقدر الرغبة، ويرجع فيما زاد. [المستدرك ٤/ ١١١ - ١١٣] ٤١٥٥ - يرجع الأب فيما أبرأ منه ابنه من الديون على قياس المذهب، كما للمرأة على إحدى الروايتين الرجوع على زوجها فيما أبرأته به من الصداق. ويملك الأب إسقاط دين الابن عن نفسه. [المستدرك ٤/ ١١٣]

стр. 2777

٤١٥٦ - لو قتل ابنَه عمدًا: لزمته الدية في ماله (١)، نصَّ عليه الإمام أحمد، وكذا لو جنى على طرفه لزمته ديته. [المستدرك ٤/ ١١٣] ٤١٥٧ - إذا أخذ من مال ولده شيئًا ثم انفسخ سبب استحقاقه، بحيث وجَب ردُّه إلى الذي كان مالكه؛ مثل أن يأخذ صداقها فتطلق، أو يأخذ الثمن ثم ترد السلعة بعيب، أو يأخذ المبيع ثم يفلس الولد بالثمن، ونحو ذلك، فالأقوى في جميع الصور أَنَّ للمالك الأول الرجوع على الأب. [المستدرك ٤/ ١١٣] ٤١٥٨ - للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء ما لم يتعلق به حق كالرهن والفَلَس. وإن تعلق به رغبة (٢)؛ كالمداينة والمناكحة، وقلنا يجوز الرجوع في الهبة: ففي التمليك (٣) نظر. [المستدرك ٤/ ١١٣] ٤١٥٩ - ليس للأب الكافر تملك مال ولده المسلم، لا سيما إذا كان الولد كافرًا فأسلم، وليس له أنْ يرجع في عطيته إذا كان وهبه إياها في حال الكفر فأسلم الولد. فأما إذا وهبه في حال إسلام الولد: ففيه نظر. [المستدرك ٤/ ١١٣ - ١١٤] ٤١٦٠ - الأشبه في زكاة دين الابن على الأب أن يكون بمنزلة المال التاوي (٤) كالضال فيخرج فيه ما خرج في ذلك. وهل يمنع دين الأب وجوب الزكاة والحج وصدقة الفطر والكفارة المالية وشراؤه العبد ليعتقه؟ يتوجه ألا يمنع ذلك لقدرته على إسقاطه. ويتوجه أن يمنع لأن وفاءه قد يكون خيرًا له ولولده. [المستدرك ٤/ ١١٤]

стр. 2778

٤١٦١ - قوله ﵊: "أنت ومالك لأبيك" (١) يقتضي إباحة نفسه كإباحة ماله، وهو نظير قول موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥] وهو يقتضي جواز استخدامه، وأنه يجب على الولد خدمة أبيه. ويقويه: منعه من الجهاد والسفر ونحو ذلك فيما يفوت انتفاعه به، لكن هذا يشترك فيه الأبوان. فيحتمل أن يقال: خصَّ الأب بالمال، وأما منفعة البدن فيشتركان فيها. [المستدرك ٤/ ١١٤ - ١١٥] ٤١٦٢ - قياس المذهب جواز أن يؤجر ولده لنفسه مع فائدة فيشتركان فيها. [المستدرك ٤/ ١١٥] ٤١٦٣ - يقدح في أهليته لأجل الأذى (٢)، سيَّما بالحبس. [المستدرك ٤/ ١١٥] * * * (ما الحكم فيمن خصّ أحد أبنائه بعطيةٍ ؟) ٤١٦٤ - وَسُئِلَ ﵀. عَن امْرَأَةٍ لَهَا أَوْلَادٌ غَيْرُ أَشِقَّاءَ، فَخَصَّصَتْ أَحَدَ الْأوْلَادِ وَتَصَدّقَتْ عَلَيْهِ بِحِصَّةٍ مِن مِلْكِهَا دُونَ بَقِيَّةِ إخْوَتِهِ، ثُمَّ تُوُفيَتْ الْمَذْكُورَةُ وَهِيَ مُقِيمَةٌ بِالْمَكَانِ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ، فَهَل تَصِحُّ الصَّدَقَةُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: إذَا لَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى مَاتَتْ: بَطَلَت الْهِبَةُ فِي الْمَشْهُورِ مِن مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. وَإِن أَقَبَضَتْهُ إيَّاة: لَمْ يَجُزْ عَلَى الصَّحِيحِ أَنْ يَخْتَصَّ بِهِ الْمَوْهُوبُ لَهُ؛ بَل يَكُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ إخْوَتِهِ. [٣١/ ٢٧٢، ٢٧٦ - ٢٧٧] * * *

стр. 2779

(هل الهبة تنتقل للورثة ؟) ٤١٦٥ - وَسُئِلَ: عَن دَارٍ لِرَجُل، وَأَنَّهُ تَصَدَّقَ مِنْهَا بِالنِّصْفِ وَالرُّبُعِ عَلَى وَلَدِهِ لِصُلْبِهِ (١)، وَالْبَاقِي -وَهُوَ الرُّبُعُ- تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى أُخْتِهِ شَقِيقَتِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تُوُفيَ وَلَدُهُ الَّذِي كَانَ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالنِّصْفِ وَالرُّبُعِ، ثُمَّ إنَّ المتَصَدِّقَ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ الدَّارِ عَلَى ابْنَتِهِ، فَهَل تَصِح الصَّدَقَةُ الْأَخِيرَةُ وَيَبْطُل مَا تَصَدَّقَ بِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ قَد مَلَّكَ أُخْتَه الرُّبُعَ تَمْلِيكًا مَقْبُوضًا وَمَلَّكَ ابْنَهُ الثَّلَاثَةَ أَرْبَاعٍ: فَمِلْكُ الْأُخْتِ يَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهَا، لَا إلَى الْبِنْتِ، وَلَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يَنْقُلَهُ إلَى ابْنَتِهِ. [٣١/ ٢٨١] ٤١٦٦ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ مَلَّكَ بِنْتَه ملكًا ثُمَّ مَاتَتْ، وَخَلَّفَتْ وَالِدَهَا وَوَلَدَهَا، فَهَل يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا كَتَبَهُ لِبِنْتِهِ أمْ لَا؟ فَأَجَابَ: مَا مَلَكَتْهُ الْبِنْتُ ملكا تَامًّا مَقْبُوضًا وَمَاتَتْ: انْتَقَلَ إلَى وَرَثَتِهَا، فَلِأَبِيهَا السُّدُسُ، وَالْبَاقِي لِابْنِهَا إذَا لَمْ يَكُن لَهَا وَارِثٌ غَيْرُهُمَا. وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ بَعْدَ مَوْتِ الْبِنْتِ فِيمَا مَلَّكَهَا بِالِاتِّفَاقِ. [٣١/ ٣٠١] * * * (متى يجوز الرجوع في الهبة ؟) ٤١٦٧ - لَيْسَ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ غَيْرَ الْوَالِدِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ عَلَى جِهَةِ الْمُعَاوَضَةِ لَفْظًا أو عُرْفًا، فَإِذَا كَانَت لِأَجْلِ عِوَضٍ وَلَمْ يَحْصُلْ: فَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِيهَا. [٣١/ ٢٨٤] ٤١٦٨ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَسَأَلَهَا الصُّلْحَ فَصَالَحَهَا، وَكتَبَ لَهَا دِينَاريْنِ، فَقَالَ لَهَا: هَبِينِي الدِّينَارَ الْوَاحِدَ، فَوَهَبَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَهَل لَهَا الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ وَالْحَالُ هَذِهِ؟

стр. 2780

فَأَجَابَ: نَعَمْ، لَهَا أَنْ تَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَتْهُ وَالْحَالُ هَذِهِ؛ فَإِنَّهُ سَأَلَهَا الْهِبَةَ وَطَلَّقَهَا مَعَ ذَلِكَ، وَهِيَ لَمْ تَطْلُبْ (١) نَفْسهَا أَنْ يَأْخُذَ مَالَهَا بِسُؤَالِهَا وَيُطَلِّقَهَا. [٣١/ ٢٩٠] ٤١٦٩ - إذَا كَانَت قَد قَالَتْ [أي: الواهبةُ لأُختها] عِنْدَ الْهِبَةِ: أَنَا أَهَبُ أُخْتِي لِتُعِينَنِي عَلَى أُمُورِي وَنتَعَاوَنُ أَنَا وَهِيَ فِي بِلَادِ الْغُرْبَةِ، أَو قَالَتْ لَهَا أُخْتُهَا: هَبِينِي هَذَا الْمِيرَاثَ، قَالَتْ: مَا أَوْهَبك إلَّا لِتَخْدِمِينِي فِي بِلَادِ الْغُرْبَةِ، ثُمَّ أَوْهَبَتْهَا، أَو جَرَى بَيْنَهُمَا مِن الِاتِّفَاقِ مَا يُشَبِّهُ ذَلِكَ، بِحَيْثُ وَهَبَتْهَا لِأَجْلِ مَنْفَعَةٍ تَحْصُلُ لَهَا مِنْهَا: فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهَا الْغَرَضُ فَلَهَا أَنْ تَفْسَخَ الْهِبَةَ وَتَرْجِعَ فِيهَا. [٣١/ ٢٩٣] ٤١٧٠ - إذَا كَانَ [أي: الأب، قَد وَهَبَ لِوَلَدِهِ شَيْئًا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغَيْرِ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ قَد صَارَتْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَو زَوَّجُوهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ: فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ. [٣١/ ٣٠٢] ٤١٧١ - من وَهَبَ لِابْنِهِ هِبَةً ثُمَّ تَصَرَّفَ فِيهَا، فادَّعَى أَنَّهَا (٢) مِلْكُهُ: تَضَمَّن ذلك الرجوعَ؛ لأنه أقر إقرارًا لا يملك إنشاءه. [المستدرك ٤/ ١١٠] * * * (هَل لِمَن أُهْدِيَ كَلْبَ صَيْدٍ فَأَهْدَى لِلْمُهْدي عِوَضًا أن يأَكْل هَذِهِ الْهَدِيَّةَ ؟) ٤١٧٢ - وَسُئِلَ: هَل لِمَن أهْدِيَ كَلْبَ صَيْدٍ فَأَهْدَى لِلْمُهْدي عِوَضًا، هَل لَهُ أَكْلُ هَذِهِ الْهَدِيَّةَ؟ فَأَجَابَ: إذَا أَعْطَى الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ، وَلَمْ يَكُن مِن نِيَّتِهِ أَنْ يَأْخُذَ عِوَضًا، وَلَا قَصدَ بالْهَدِيَّةِ الثَّوَابَ؛ بَل إكْرَامًا لِلْمُهْدَى إلَيْهِ ثُمَّ إنَّ الْمُهْدَى إلَيْهِ أَعْطَاهُ شَيْئًا: فَلَا بَأْسَ. [٣١/ ٢٨٣]

стр. 2781

(حكم مَن أَهْدَى هَدِيَّةً لِوَلِيِّ أَمْرٍ لِيَفْعَلَ مَعَهُ مَا لَا يَجُوز، وحكم من أَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً لِيَخفَّ ظُلْمَهُ عَنْهُ، أَو لِيُعْطِيَهُ حَقَّهُ الْوَاجِبَ، وحكم الهدية في الشفاعة) ٤١٧٣ - قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ مَن أَهْدَى هَدِيَّةً لِوَلِيِّ أَمْرٍ لِيَفْعَلَ مَعَهُ مَا لَا يَجُوزُ كَانَ حَرَامًا عَلَى الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إلَيْهِ. وَهَذِهِ مِن الرّشْوَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الرَّاشِى وَالْمُرْتَشِي" (١)، وَالرِّشْوَةُ تُسَمَّى الْبِرْطِيلُ، وَالْبِرْطِيلُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الْحَجَرُ الْمُسْتَطِيلُ فَاهُ. فَأَمَّا إذَا أَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً لِيَكُفَّ ظُلْمَهُ عَنْهُ، أَو لِيُعْطِيَهُ حَقَّهُ الْوَاجِبَ: كَانَت هَذِهِ الْهَدِيَّةُ حَرَامًا عَلَى الْآخِذِ، وَجَازَ لِلدَّافِعِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "إنِّي لَأُعْطي أَحَدَهُم الْعَطِيَةَ فَيَخْرُجُ بِهَا يَتَأَبَّطُهَا نَارًا"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ فَلِمَ تُعْطِيهِمْ؟ قَالَ: "يَأْبُوْنَ إلَّا أَنْ يَسْأَلُونِي وَيَأْبَى اللهُ لِي الْبُخْلَ" (٢). وَأمَّا الْهَدِيَّةُ فِي الشَّفَاعَةِ: مِثْلُ أنْ يَشْفَعَ لِرَجُلٍ عِنْدَ وَليِّ أَمْرِ لِيَرْفَعَ عَنْهُ مَظْلمَةً، أَو يُوَصِّلَ إلَيْهِ حَقَّهُ، أَو يُوَلِّيَة وِلَايَةً يَسْتَحِقُّهَا، أو يَسْتَخْدِمُهُ فِي الْجُنْدِ الْمُقَاتِلَةِ -وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِذَلِكَ-. وَنَحْو هَذِهِ الشَّفَاعَةِ الَّتِي فِيهَا إعَانَةٌ عَلَى فِعْلٍ وَاجِبٍ، أَو تَرْك مُحَرَّمٍ: فَهَذِهِ أيْضًا لَا يَجُوزُ فِيهَا قَبُولُ الْهَدِيَّةِ، وَيَجُوزُ لِلْمُهْدِي أنْ يَبْذُلَ فِي ذَلِكَ مَا يَتَوَصَّلُ بهِ إلَى أخْذِ حَقِّهِ، أو دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ، هَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَن السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ الْأَكَابِرِ. وَيُقَالُ لِهَذَا الشَّافِعِ الَّذِي لَهُ الْحَاجَةُ الَّتِي تُقْبَلُ بِهَا الشَّفَاعَةُ: يَجِبُ عَلَيْك أنْ تَكُونَ نَاصِحًا للهِ وَرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ، وَلَو لَمْ يَكُن لَك هَذَا الْجَاهُ وَالْمَالُ، فَكَيْفَ إذَا كَانَ لَك هَذَا الْجَاهُ وَالْمَالُ؟

стр. 2782

فَأَنْتَ عَلَيْك أنْ تَنْصَحَ الْمَشْفُوعَ إلَيْهِ، فَتُبَيِّنُ لَهُ مَن يَسْتَحِقُّ الْوِلَايَةَ وَالِاسْتِخْدَامَ وَالْعَطَاءَ وَمَن لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ، وَتَنْصَحُ لِلْمُسْلِمِينَ بِفِعْلِ مِثْل ذَلِكَ، وَتَنْصَحُ للهِ وَلرَسُولِهِ بِطَاعَتِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا مِن أَعْظَمِ طَاعَتِهِ، وَتَنْفَعُ هَذَا الْمُسْتَحِقَّ بِمُعَاوَنَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا عَلَيْك أنْ تُصَلِّيَ وَتَصُومَ وَتُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ. وَأَمَّا الرَّجُلُ الْمَسْمُوعُ الْكلَامِ: فَإِذَا أكَلَ قَدْرًا زَائِدًا عَن الضِّيَافَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا بُدَّ لَهُ أنْ يُكَافِئَ الْمُطْعِمَ بِمِثْل ذَلِكَ، أَو لَا يَأْكُلُ الْقَدْرَ الزَّائِدَ، وَإِلَّا فَقَبُولُهُ الضِّيَافَةَ الزَّائِدَةَ مِثْل قَبُولِهِ لِلْهَدِيَّةِ، وَهُوَ مِن جِنْسِ الشَّاهِدِ وَالشَّافِعِ إذَا أَدَّى الشَّهَادَةَ وَقَامَ بِالشَّفَاعَةِ لِضِيَافَةٍ أَو جُعْلِ، فَإِنَّ هَذَا مِن أَسْبَابِ الْفَسَادِ. [٣١/ ٢٨٦ - ٢٨٨] * * * (حكم الهبة في مرض الموت) ٤١٧٤ - إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِمَالِهِ: فَلَيْسَ لَهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ أَنْ يَتَبَرَّعَ لِأَحَدٍ بِهِبَة، لَا مُحَابَاةً وَلَا إبْرَاءً مِن دَيْنٍ إلَّا بِإِجَازَةِ الْغُرَمَاءِ؛ بَل لَيْسَ لِلْوَرَثَةِ حَقٌّ إلَّا بَعْدَ وَفَاءِ الدَّيْنِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا أَن النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّة، وَالتَّبَرُّعُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ كَالْوَصِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. [٣١/ ٢٩٢] ٤١٧٥ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ خَلَّفَ شَيْئًا مِن الدُّنْيَا وَتَقَاسَمَهُ أَوْلَادُهُ، وَأَعْطَوْا أُمَّهُم كِتَابَهَا وَثَمَنَهَا، وَبَعْدَ قَلِيلٍ وَجَدَ الْأَوْلَادُ مَعَ أُمِّهِمْ شَيْئًا يَجِيءُ ثُلُثَ الْوِرَاثَةِ، فَقَالُوا: مِن أَيْنَ لَك هَذَا الْمَالُ؟ فَقَالَتْ: لَمَّا كَانَ أَبُوكُمْ مَرِيضًا طَلَبْتُ مِنْهُ شَيْئًا فَأَعْطَانِي ثُلُثَ مَالِهِ، فَأَخَذُوا الْمَالَ مِن أُمِّهِمْ وَقَالُوا: مَا أَعْطَاك أبُونَا شَيْئًا، فَهَل يَجِبُ رَدُّ الْمَالِ إلَيْهَا؟ فَأَجَابَ: مَا أَعْطَى الْمَرِيضُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ لِوُرَّاثِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَمَا أَعْطَاهُ الْمَرِيضُ لِامْرَأَتِهِ فَهُوَ كَسَائِرِ مَالِهِ، إلَّا أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ بَاقِي الْوَرَثَةِ.

стр. 2783

وَيَنْبَغِي لِلْأَوْلَادِ أَنْ يُقِرُّوا أُمَّهُم وَيُجِيزُوا ذَلِكَ لَهَا (١)، لَكِنْ لَا يُجْبَرُونَ عَلَى ذَلِكَ؛ بَل تُقَسَّمُ جَمِيعُ التَّرِكَةِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِث" (٢). [٣١/ ٣٠٤] ٤١٧٦ - ليس معنى المرض المخوف الذي يغلب على القلب (٣) الموت منه، أو يتساوى في الظن جانب البقاء والموت؛ لأن أصحابنا جعلوا ضرب المخاض من الأمراض المخوفة. وليس الهلاك فيه غالبًا ولا مساويًا للسلامة، وإنما الغرض أن يكون سببًا صالحًا للموت فيضاف إليه ويجوز حدوثه عنده. وأقرب ما يقال: ما يكثر الموت منه، فلا عبرة بما يندر الموت منه. ولا يجب أن يكون الموت منه أكثر من السلامة. [المستدرك ٤/ ١١٥ - ١١٦] ٤١٧٧ - ذكر القاضي: أن الموهوب له يقبض (٤) الهبة ويتصرف فيها مع كونها موقوفة على الإجازة. وهذا ضعيف. والذي ينبغي: أنَّ تسليم الموهوب إلى الموهوب له: يذهب حيث شاء (٥). [المستدرك ٤/ ١١٦] ٤١٧٨ - يملك الورثة أن يحجروا على المريض إذا اتهموه بأنه تبرع بما زاد على الثلث؛ مثل أن يهب ويتصدق (٦) ويحابي، ولا يحسب ذلك، أو يخافون أن يعطي بعض المال لإنسان تمتنع عطيته، ونحو ذلك. كذلك لو كان المال بيد وكيل أو شريك أو مضارب، وأرادوا الاحتياط على ما بيده، بأن يجعلوا معه يدًا أخرى لهم: فالأظهر أنهم يملكون ذلك أيضًا.

стр. 2784

وهكذا يقال في كل عين تعلق بها حق الغير كالعبد الجاني والتركة. [المستدرك ٤/ ١١٦] ٤١٧٩ - لو أوصى لوارث أو لأجنبي بزائد على الثلث فأجاز الورثة الوصية بعد موت الموصي: صحت الإجازة بلا نزاع. وكذلك قبله في مرض الموت. [المستدرك ٤/ ١١٧] ٤١٨٠ - إن أجاز الوارث الوصية وقال: ظننت قيمته ألفًا، فبانت أكثر: قُبِل، وكذا لو أجاز، وقال: أردت أصل الوصية. [المستدرك ٤/ ١١٧] ٤١٨١ - لا تصح إجازتهم ولا ردهم إلا بعد موت الموصي. وعنه: تصح إجازتهم قبل الموت في مرضه. قال في القاعدة الرابعة: الإمام أحمد شبَّهه بالعفو عن الشفعة، فخرجه المجد في شرحه عفى روايتين، واختارها صاحب "الرعاية" والشيخ تقي الدين. [المستدرك ٤/ ١١٧] ٤١٨٢ - قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ ليس لِلْأَبِ [أَنْ] (١) يَتَمَلَّكَ من مَالِ ابْنِهِ في مَرَضِ مَوْتِ الْأبِ ما يَخْلُفُ تَرِكَةً؛ لِأَنَّهُ بِمَوَضِهِ قد انْعَقَدَ السَّبَبُ الْقَاطِعُ لِتَمَلُّكِهِ، فَهُوَ كما لو تَمَلَّكَ في مَرَضِ مَوْتِ الِابْنِ. [المستدرك ٤/ ١١٧ - ١١٨] * * * (صِلَةُ ذِي الرَّحِمِ الْمُحْتَاجِ أَفْضَل مِن الْعِتْقِ) ٤١٨٣ - صِلَةُ ذِي الرَّحِمِ الْمُحْتَاجِ أَفْضَلُ مِن الْعِتْقِ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (٢) أَنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَعْتَقَتْ جَارِيَةً لَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "لَو أَعْطَيْتهَا أَخْوَالَك كانَ خَيْرًّا لَك". فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد فَضَّلَ إعْطَاءَ الْخَالِ عَلَى الْعِتْقِ، فَكَيْفَ الْأَوْلَادُ الْمُحْتَاجُونَ؟ (٣١/ ٢٩٨)

стр. 2785

كتاب الوصايا ٤١٨٤ - سُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَمَّن قَالَ: يُدْفَعُ هَذَا الْمَالُ إلَى يَتَامَى فُلَانٍ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَلَمْ يُعْرَفْ أهَذَا إقْرَارٌ أَو وَصِيَّةٌ؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تُبَيِّنُ مُرَادَهُ: هَل هُوَ إقْرَارٌ أَو وَصِيَّة: عُمِلَ بِهَا. وَإِن لَمْ يُعْرَفْ: فَمَا كَانَ مَحْكُومًا لَهُ بِهِ: لَمْ يُزَلْ عَن مِلْكِهِ بِلَفْظِ مُجْمَلٍ؛ بَل يُجْعَلُ وَصِيَّةً. [٣١/ ٣٠٥] ٤١٨٥ - تَنْعَقِدُ الْوَصِيَّةُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا إذَا فُهِمَت الْمُخَاطَبَةُ مِن الْمُوصِي، وَيَبْقَى قَبُولُ [حُكْمِ] (١) الْوَصِيَّةِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا مَوْقُوفًا عَلَى قَبُولِ الْمُوصَى لَهُ لَفْظًا أَو عُرْفًا، وَعَلَى إذْنِهِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهَا أَو إذْنِ الشَّارعِ، وَيَجُوزُ صَرْفُ مَالِ الْأَسِيرِ فِي فِكَاكِهِ بِلَا إذْنِهِ. [٣١/ ٣٠٦] ٤١٨٦ - مُجَرَّدُ التَّمْلِيكِ بِدُونِ الْقَبْضِ الشَّرْعِيِّ: لَا يَلْزَمُ بِهِ عَقْدُ الْهِبَةِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَت هِبَةَ تَلْجِئَةٍ؛ بِحَيْثُ تُوهَبُ فِي الظَّاهِرِ وَتُقْبَضُ، مَعَ اتِّفَاقِ الْوَاهِبِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى أَنَّهُ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُ إذَا شاءَ، وَنَحْو ذَلِكَ مِن الْحِيَلِ الَّتِي تُجْعَلُ طَرِيقًا إلَى مَنْعِ الْوَارِثِ أو الْغَرِيمِ حُقُوقَهُمْ، فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ: كَانَت أَيْضًا هِبَةً بَاطِلَةً. [٣١/ ٣٠٧] ٤١٨٧ - لَا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ تَخْصِيصُ بَعْضِ أَوْلَادِهِ بِعَطِيَّة مُنَجَّزَةٍ، وَلَا وَصِيَّةٍ

стр. 2786

بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا أَنْ يُقِرَّ لَهُ بِشَيءٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ تَنْفِيذُهُ بِدُونِ إجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٣١/ ٣٠٨ - ٣٠٩] ٤١٨٨ - إِنَّ الْوَصِيَّةَ لِوَلَدِ الْوَلَدِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ جَائِزَةً، كمَا وَصَّى الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ لِوَلَدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزبَيْرِ. وَالْوَصِيةُ تَصِحُّ لِلْمَعْدُومِ بِالْمَعْدُومِ (١). [٣١/ ٣٠٩] ٤١٨٩ - لَا يَجُوزُ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ أَوْلَادِهِ دونَ بَعْضٍ فِي وَصِيَّتِهِ وَلَا مَرَضِ مَوْتِهِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ أَنْ يَخُصَّ بَعْضَهُم بِالْعَطِيَّةِ فِي صِحَّتِهِ أَيْضًا؛ بَل عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ، وَيَرُدَّ الْفَضْلَ، كَمَا أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَشِيرَ بْنَ سَعِيدٍ حَيْثُ قَالَ لَهُ: "اُرْدُدْهُ"، فَرَدَّة، وَقَالَ: "إنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ"، وَقَالَ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ: "أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي" (٢). وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ الَّذِي فُضِّلَ أَنْ يَأخُذَ الْفَضْلَ؛ بَل عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ فِي حَيَاةِ الظَّالِمِ الْجَائِرِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ، فِي أَصَحِّ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. [٣١/ ٣٠٩ - ٣١٠] ٤١٩٠ - لَو ادَّعَى مُدَّعٍ عَلَى صَبِيٍّ أَو مَجْنُونٍ جِنَايَةً أَو حَقًّا: لَمْ يُحْكَمْ لَهُ، وَلَا يَحْلِف الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ، وإن كَانَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ لَا يَقُولُ إلَّا بِيَمِينٍ، وَلَهَا نَظَائِرُ، هَذَا فِيمَا يُشْرَعُ فِيهِ الْيَمِينُ بِالِاتِّفَاقِ أَو عَلَى أَحَدِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ، فَكَيْفَ بِالْوَصِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَذْكُر الْعُلَمَاءُ تَحْلِيفَ الْمُوصَى لَهُ فِيهَا؟ وَالْوَصِيَّةُ تَكُونُ لِلْحَمْلِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَيَسْتَحِقُّهَا إذَا وُلدَ حَيًّا، وَلَمْ يَقُلْ مُسْلِم: إنَّهَا تُؤَخَّرُ إلَى حِينِ بُلُوغِهِ وَلَا يَحْلِفُ. [٣١/ ٣١١] ٤١٩١ - مَا زَادَ عَلَى ثُلُثِ التَّرِكَةِ فَهُوَ لِلْوَارِثِ. [٣١/ ٣١١]

стр. 2787

٤١٩٢ - الْوَلَدُ الْيَتِيمُ لَا يُتبَرَّعُ بِشَيءٍ مِن مَالِهِ. [٣١/ ٣١١] ٤١٩٣ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ تُوُفِّيَ، وَأَوْصَى فِي حَالِ مَرَضِهِ أَنْ يُبَاعَ فَرَسُهُ الْفُلَانِي وَيُعْطَى ثَمَنُهُ كلهُ لِمَن يَحُجُّ عَنْهُ حُجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَبِيعَتْ بِتِسْعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَأرَادَ الْحَاكِمُ أنْ يَسْتَأجِرَ إنْسَانًا أَجْنَبِيًّا لِيَحجَّ بِهَذَا الْمِقْدَارِ، فَجَاءَ رَجُل غَيْرُة فَقَالَ: أَنَا أَحُجُّ بِأرْبَعِمِائَة، فَهَل يَجُوزُ ذَلِكَ؟ فَأجَابَ: بَل يَجِبُ إخْرَاجُ جَمِيعِ مَا أَوْصَى بِهِ إنْ كَانَ يُخْرَجُ مِن ثُلُثِهِ، وَإِن كَانَ لَا يُخْرَجُ مِن ثُلُثِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْوَرَثَةِ إخْرَاجُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِ، بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ [إلَّا بِهِ] (١). [٣١/ ٣١٣] ٤١٩٤ - إذا أوصى أن يُحج عنه بألف، فقال رجل: أنا أحج بأربعمائة: وجب إخراج جميع ما أوصى به إن خرج من ثلثه. وإن لم يخرج: لم يجب على الورثة إخراج الزائد على الثلث، إلا أن يكون واجبًا بحيث لا يحصل حجة الإسلام إلا به. [المستدرك ٤/ ١٢٠] ٤١٩٥ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ أَوْصَى زَوْجَتَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَنَّهَا لَا تُوهِبُ شَيْئًا مِن مَتَاعِ الدُّنْيَا لِمَن يَقْرأ الْقُرْآنَ وَيُهْدِي لَهُ. فَهَل أَصَابَ فِيمَا أَوْصَى؟ فَأجَابَ: تُنَفَّذ وَصِيَّتُهُ؛ فَإنَّ إعْطَاءَ أُجْرَةٍ لِمَن يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ويُهْدِيه لِلْمَيِّتِ بِدْعَةٌ لَمْ يُنْقَلْ عَن أَحَدٍ مِن السَّلَفِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِيمَن يَقْرَأُ للهِ وَيُهْدِي لِلْمَيِّتِ، وَفِيمَن يُعْطِي أُجْرَة عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وُجُوهٌ. فَأمَّا الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَإِهْدَائِهَا: فَهَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَن أحَدٍ مِن الْأَئِمَّةِ وَلَا أَذِنَ فِي ذَلِكَ؛ فَإنَّ الْقِرَاءَةَ إذَا كَانَت بأُجْرَة: كَانَت مُعَاوَضَةً، فَلَا يَكُونُ فِيهَا أَجْرٌ، وَلَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ شَيءٌ، وَإِنَّمَا يَصِلُ إلَيْهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ.

стр. 2788

وَالِاسْتِئْجَارُ عَلَى مُجَرَّدِ التِّلَاوَةِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَد مِن الْأئِمَّةِ، وَإِنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي الِاسْتِئْجَارِ عَلَى التَّعْلِيمِ، لَكِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ إذَا أَرَادَتْ نَفْعَ زَوْجِهَا فَلْتَتَصَدَّقْ عَنْهُ بِمَا تُرِيدُ الِاستِئْجَارَ بِهِ، فَإِنَّ الصَّدَقَةَ تَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَينْفَعُهُ اللهُ بِهَا، وإِن تَصَدَّقَتْ بِذَلِكَ عَلَى قَوْمٍ مِن قُرَّاءِ الْقُرْآنِ الْفُقَرَاءِ لِيَسْتَغْنُوا بِذَلِكَ عَن قِرَاءَتِهِمْ حَصَلَ مِن الْأَجْرِ بِقَدْرِ مَا أُعِينُوا عَلَى الْقِرَاءَةِ وَينْفَعُ اللهُ الْمَيّتَ بِذَلِكَ. [٣١/ ٣١٥ - ٣١٦] ٤١٩٦ - وَسُئِلَ: عَن مَسْجِدٍ لِرَجُل، وَعَلَيْهِ وَقْفٌ، وَالْوَقْفُ عَلَيْهِ حِكْرٌ (١)، وَأَوْصَى قَبْلَ وَفَاتِهِ أَنْ يُخْرَجَ مِن الثُّلثِ ويُشْتَرَى الْحِكْرُ الَّذِي لِلْوَقْفِ فَتَعَذَّرَ مُشْتَرَاهُ؟ فَأجَابَ: بَل عَلَى الْوَصِيِّ أَنْ يُخْرِجَ جَمِيعَ الثُّلُثِ كَمَا أَوْصَاهُ الْمَيِّتُ، وَلَا يَدَعُ لِلْوَرَثَةِ شَيْئًا، ثُمَّ إنْ أَمْكَنَ شِرَاءُ الْأَرْضِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْمُوصِي اشْتَرَاهَا وَوَقَفَهَا، وَإِلَّا اشْتَرَى مَكانًا آخَرَ وَوَقَفَ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي وَصَّى بِهَا الْمُوصِي، كَمَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا قَالَ: بِيعُوا غُلَامِي مِن زيدٍ وَتَصَدَّقُوا بِثَمَنِهِ، فَامْتَنَعَ فُلَانٌ مِن شِرَائِهِ: فَإِنَّهُ يُبَاعُ مِن غَيْرِهِ ويُتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ. فَالْوَصِيَّةُ بِشِرَاءِ مُعَيَّنٍ وَالتَّصَدّقِ بِهِ لِوَقْفٍ: كَالْوَصِيَّةِ بِبَيْعِ مُعَيَّنٍ وَالتَّصَدُّقِ بِثَمَنِهِ؛ لِأَنَّ الْمُوصَى لَهُ هُنَا: جِهَةُ الصَّدَقَةِ وَالْوَقْفِ وَهِيَ بَاقِيَةٌ، وَالتَّعْيِينُ إذَا فَاتَ قَامَ بَدَلُهُ مَقَامَهُ، كَمَا لَو أَتْلَفَ الْوَقْفَ مُتْلِفٌ، أَو أَتْلَفَ الْمُوصَى بِهِ مُتْلِفٌ: فَإنَّ بَدَلَهُمَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا فِي ذَلِكَ. فَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْمُوصَى بِهِ وَالْمَوْقُوفِ؛ وَبَيْنَ بَدَلِ الْفوصَى لَهُ وَالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، فَإِنَهُ لَو وَصَّى لِزَيْدٍ لَمْ يَكُن لِغَيْرِهِ، وَلَو وَصَّى أَنْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ الْمُعَيَّنَ، أَو نَذَرَ عِتْقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ فَمَاتَ الْمُعَيَّنُ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ. [٣١/ ٣١٦ - ٣١٧] ٤١٩٧ - إذَا أَوْصَى أَنْ يُبَاعَ شَيءٌ مُعَيَّن مِن مَالِهِ مِن عَقَارٍ أَو مَنْقُولٍ يُضَمُّ

стр. 2789

إلَى ثَمَنِهِ شَيءٌ آخَرُ قَدَّرَهُ مِن مَالِهِ، وَيُصْرَفُ ذَلِكَ فِي وَقْفٍ شَرْعِيٍّ: جَازَ. وَإِذَا كانَ ذَلِكَ يُخْرَجُ مِن الثلُثِ أُخْرِجَ، فإن لَمْ تَرْضَ الْوَرَثَةُ، وَمَا أَعْطَاهُ لِلْوَرَثَةِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ إنْ أَعْطَى أَحَدًا مِنْهُم زِيادَةً عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإجَازَةِ الْوَرَثَةِ. وَإن أَعْطَى كُلَّ إنْسَانٍ شَيْئًا مُعَينًا بِقَدْرِ حَقِّهِ أَو بَعْضِ حَقِّهِ: فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَحَدُهُمَا: لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وإذَا قِيلَ: إنَّ لَهُ ذَلِكَ بِحَسَبِ مِيرَاثِ أَحَدِهِمْ؛ فَإنَّ عَطِيَّةَ الْمَرِيضِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ بِمَنْزِلَةِ وَصِيَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي مِثْل ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. [٣١/ ٣١٨] ٤١٩٨ - لو جُرِحَ جُرْحًا مُوحِيًا (١): صحت توبته، والمراد مع ثبات عقله لصحة وصية عمر وعلي. وذكر الشيخ وغيره: أن حكم من ذبح أو أبينت حشوته وهي أمعاؤه لا خرقها وقطعها فقط: فهو كميت. [المستدرك ٤/ ١١٩] ٤١٩٩ - نقل حرب فيمن وصى لأجنبي وله قرابة: لا يرثه محتاج، يرد إلى قرابته. وذكر شيخنا رواية: له ثلثاها وللموصى له ثلثها. [المستدرك ٤/ ١١٩] * * * (بَاب الْمُوصَى إلَيْهِ) ٤٢٠٠ - تصح الوصية للحمل.

стр. 2790

وقياس المنصوص في الطلاق: أنها إذا وضعته لتسعة (١) أشهر: استحق الوصية إذا كانت ذات زوج أو سيد يطأ، ولأكثر من أربع سنين إن اعتزلها، وهو الصواب. [المستدرك ٤/ ١٢٠] ٤٢٠١ - إن وصف (٢) الموصى له أو الموقوف عليه بخلاف صفته؛ مثل أن يقول: على أولادي السود وهم بيض، أو العشرة وهم اثنا (٣) عشر: فههنا: الأوجه إذا عُلم ذلك أنْ يعتبر الموصوف دون الصفة. والذي يقتضيه المذهب: أن الغلط في الصفة لا يمنع الورثة صحة العقد. [المستدرك ٤/ ١٢٠] ٤٢٠٢ - [حُكْمُ ما] (٤) إذَا أَوْصَى لِوَلَدِهِ في دُخُولِ وَلَدِ بَنِيهِ: حُكْمُ الْوَقْفِ، قَالَهُ في "الْفُرُوعِ" وَغَيْرِهِ. وَأَشَارَ الشَّيْخُ تَقِي الدِّينِ ﵀ إلَى دُخُولِهِمْ في الْوَقْفِ دُونَ الْوَصِيَّةِ؛ لِأنَّ الْوَقْفَ يتأبد، وَالْوَصِيَّةُ تَمْلِيكٌ لِلْمَوْجُودِينَ، فَيَخْتَصُّ بِالطَّبَقَةِ الْعُلْيَا الْمَوْجُودَةِ. [المستدرك ٤/ ١٢٠] ٤٢٠٣ - سُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن وَصِيٍّ عَلَى أَيْتَامٍ بِوِكَالَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَللْأَيْتَامِ دَارٌ، فَبَاعَهَا وَكِيلُ الْوَصِيِّ مِن قَبْلِ أَنْ يَنْظُرَهَا، وَقَبَضَ الثَّمَنَ ثُمَّ زِيدَ فِيهَا، فَهَل لَهُ أَنْ يَقْبَلَ الزِّيَادَةَ أَمْ لَا؟ فَأجَابَ: إنْ كَانَ الْوَكِيلُ بَاعَهَا بِثَمَنِ الْمِثْل وَقَد رُئيَتْ لَهُ: صَحَّ الْبَيْعُ. وإِن لَمْ تُرَ لَهُ: فِيهِ نِزَاعٌ. وَإِن بَاعَهَا بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ: فَقَد فَرَّطَ فِي الْوَصِيَّةِ، ويَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا فَرَّطَ فِيهِ، أَو يَفْسَخُ الْبَيْعَ إذَا لَمْ يَبْذُلْ لَهُ تَمَامَ الْمِثْلِ. [٣١/ ٣١٩]

стр. 2791

٤٢٠٤ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ جَلِيلِ الْقَدْرِ، وَأَوْصَى بِأُمُور، فَجَاءَ رَجُلٌ إلَى وَصِيِّهِ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَقَالَ: يَا فُلَانُ: جِئْتُك فِي حَيَاةِ فُلَانٍ الْمُوصِي بِمَال، فَلِي عِنْدَهُ كَذَا وَكَذَا، فَذَكَرَ الْوَصِيُّ ذَلِكَ لِلْمُوصِي، فَقَالَ الْمُوصي: مَن ادَّعَى بَعْدَ مَوْتِي عَلَيَّ شَيْئًا فَحَلِّفْهُ وَأَعْطِه بِلَا بَيِّنَةٍ، فَهَل يَجُوزُ أَو يَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ فِعْلُ ذَلِكَ مَعَ يَمِينِ الْمُدَّعِي؟ فَأجَابَ: نَعَمْ، يَجِبُ عَلَى الْوَصِيِّ تَسْلِيمُ مَا ادَّعَاهُ هَذَا الْمُدَّعِي إذَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ يُخْرَجُ مِن الثلثِ أَو لَا. أَمَّا إذَا كَانَ يُخْرَجُ مِن الثُّلُثِ كَانَ أَسْوَأَ الْأَحْوَالِ، كَمَا يَكُونُ هَذَا الْمُوصِي مُتبرِّعًا بِهَذَا الْإعْطَاءِ. وَلَو وَصَّى لِمُعَيَّن إذَا فَعَلَ فِعْلًا، أَو وَصَّى لِمُطْلَقِ مَوْصُوفٍ: فَكُل مِن الْوَصِيَّتَيْنِ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ الْأئِمَّةِ؛ فَإنَّهُم لَا يُنَازِعُونَ فِي جَوَازِ الْوَصِيَّةِ بِالْمَجْهُولِ، وَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي جَوَازِ الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ؛ وَلهَذَا لَا يَقَعُ شُبْهَةٌ لِأَحَدٍ فِي أَنَّهُ إذَا خَرَجَ مِن الثُّلُثِ وَجَبَ تَسْلِيمُهُ، وَإِنَّمَا قَد تَقَعُ الشُّبْهَةُ فِيمَا إذَا لَمْ يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ. وَالصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ: أَنَّهُ يَجِبُ تَسْلِيمُ ذَلِكَ مِن رَأسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصَايَا، فَإنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَفْهُومُهُ رَدُّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْأَمْرُ بِتَسْلِيمِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ. [٣١/ ٣١٩ - ٣٢٠] ٤٢٠٥ - وَسئِلَ: عَن رَجُلٍ وَصِيٍّ عَلَى مَالِ يَتِيم، وَقَد قَارَضَ فِيهِ مُدَّةَ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَقَد رَبِحَ فِيهِ فَائِدَة مِن وَجْهِ حلّ، فَهَل يَحِلّ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأخُذَ مِن الْفَائِدَةِ شَيْئًا؟ فَأجَابَ: الرِّبْحُ كُلُّهُ لِلْيَتِيم، لَكِنْ إنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَقِيرًا وَقَد عَمِلَ فِي الْمَالِ فَلَة أَنْ يَأخُذَ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِن أجْرَةِ مِثْلِهِ أَو كِفَايَتِهِ، فَلَا يَأخُذْ فَوْقَ أُجْرَةِ عَمَلِهِ، وَإِن كَانَت الْأُجْرَةُ أَكْثَرَ مِن كِفَايَتِهِ لَمْ يَأخُذْ أَكْثَرَ مِنْهَا. [٣١/ ٣٢٢ - ٣٢٣]

стр. 2792

٤٢٠٦ - وَسُئِلَ ﵀: عَن وَصِيٍّ تَحْتَ يَدِهِ أيْتَامٌ أطْفَالٌ وَوَالِدَتُهُم حَامِلٌ، فَهَل يُعْطِي الْأَطْفَالَ نَفَقَةً وَاَلَّذِي يَخْدِمُ الْأطْفَالَ وَالْوَالِد إذَا أخَذَتْ صَدَاقَهَا؟ فَهَل يَجُوزُ أَنْ تَأكُلَ الْأَطْفَالُ وَوَالِدَتُهُم وَمَن يَخْدِمُهُم جَمِيعَ الْمَالِ؟ فَأجَابَ: أمَّا الزَّوْجَةُ: فَتُعْطَى قَبْلَ وَضْعِ الْحَمْلِ. وَأَمَّا سَائِرُ الْوَرَثَةِ: فَإنْ أُخّرَتْ قِسْمَةُ التَّرِكَةِ إلَى حِينِ الْوَضْعِ فَيُنْفِقُ عَلَى الْيَتَامَى بِالْمَعْرُوفِ. وَلَا بَأسَ أَنْ يَخْتَلِطَ مَالُهُم بِمَالِ الْأُمِّ، وَيَكُونُ خُبْزُهُم جَمِيعًا وَطَبْخُهُم جَمِيعًا إذَا كَانَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْيَتَامَى؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ سَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَن ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وَأَمَّا الْحَمْلُ: فَإنْ أُخّرْت (١) فَلَا كَلَامَ، وإن عُجّلْت: أُخِّرَ لَهُ نَصِيبُ ذَكَرٍ احْتِيَاطًا. [٣١/ ٣٢٣] ٤٢٠٧ - إذَا آنَسَ الْوَصِيُّ مِنْهُم [أي: اليتامى] الرُّشْدَ: دَفعَ إلَيْهِم الْمَال، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى شُهُودٍ؛ بَل يُقِرُّ بِرُشْدِهِمْ، وَيُسَلِّمُ إلَيْهِم الْمَالَ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ، لَكِنْ لَهُ إثْبَاتُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ. [٣١/ ٣٢٥] ٤٢٠٨ - لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَقْضِيَ مَا يُدّعَى مِن الدَّيْنِ إلَّا بِمُسْتَنَد شَرْعِيٍّ؛ بَل وَلَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَى مِن الْمُدَّعِي، فَإنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّعْوِيضُ إلَّا بِقِيمَةِ الْمِثْلِ، وَمَا عَوَّضَهُ بِدُونِ الْقِيمَةِ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِهِ: أ - فَإمَّا أَنْ يَضْمَنَ مَا نَقَصَ مِن حَقِّ الْوَرَثَةِ. ب - وَإِمَّا أَنْ يَفْسَخَ التَّعْوِيضَ ويُوَفِّيَ الْغَرِيمَ حَقَّهُ.

стр. 2793

وَالْمُسْتَنَدُ الشَرْعِيُّ مُتَعَدِّدٌ؛ مِثْلُ: أ - إقْرَارِ الْمَيِّتِ. ب - أو إقْرَارِ مَن يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَيْهِ؛ مِثْلُ وَكِيلِهِ إذَا أَقَرَّ بِمَا وَكَّلَهُ فِيهِ، وَيدْخُلُ فِي ذَلِكَ دِيوَانُ الْأمِيرِ وَأُسْتَاذُ دَارِهِ؛ مِثْل شَاهِدٍ يَحْلِفُ مَعَهُ الْمُدَّعِي، وَمِثْل خَظِّ الْمَيّتِ الَّذِي يُعْلَمُ أَنَّهُ خَطّهُ وَغَيْر ذَلِكَ. [٣١/ ٣٢٥] ٤٢٠٩ - إذَا كَانَ الْمَيّت مِمَن يَكْتُبُ مَا عَلَيْهِ لِلنَّاسِ (١) فِي دَفْتَرٍ وَنَحْوِهِ، وَلَهُ كَاتِبٌ يَكْتُبُ بِإذْنِهِ مَا عَلَيْهِ وَنَحْوه: فَإنَهُ يُرْجَعُ فِي ذَلِكَ (٢) إلَى الْكِتَابِ الَّذِي بِخَطِّهِ أَو خَطِّ وَكِيلِهِ. فَمَا كَانَ مَكْتُوبًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْوَفَاءِ: كَانَ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِ الْمَيِّتِ بِهِ؛ فَالْخَطُّ فِي مِثْل ذَلِكَ كَاللَّفْظِ. وَإِقْرَارُ الْوَكِيلِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ بِلَفْظِهِ أَو خَطِّهِ الْمُعْتَبَرِ: مَقْبُولٌ. وَلَكِنْ عَلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ: الْيَمِينُ بِالِاسْتِحْقَاقِ أَو نَفِي الْبَرَاءَةِ، كَمَا لَو ثَبَتَ الدَّيْنُ بِإِقْرَارٍ لَفْظِيٍّ. وَأَمَّا إعْطَاءُ الْمُدَّعِي مَا يَدَّعِيه بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ الذِي لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ دَعْوَاهُ وَدَعْوَى غَيْرِهِ: فَلَا يَجُوزُ. [٣١/ ٣٢٦] ٤٢١٠ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن الْوَصِيِّ وَنَحْوِهِ إذَا كَانَ بَعْضُ مَالِ الْوَصِىِّ مُشْتَركًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَصِيٍّ عَلَيْهِ، وَللْمُوصى فِيهِ نَصِيبٌ، وَبَاعَ الشُّرَكَاءُ أَنْصبَاءَهُم أو اكْتَروهُ لِلْوَصِىِّ، وَاحتَاجَ الْوَلِيُّ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَ الْيَتِيمِ أَو يَكْرِيَهُ مَعَهُمْ، فَهَل يَجُوزُ لَهُ الشّرَاءُ؟ فَأجَابَ: يَجُوزُ لَهُ الشِّرَاءُ؛ لِأنَّ الشُّرَكَاءَ غَيْرُ مُتَّهَمِينَ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِمْ. وَيشْهَدُ لَهُ الْمَعْنَى قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. [٣١/ ٣٢٦]

стр. 2794

٤٢١١ - إذَا مَاتَ الْوَصِيُّ وَلَمْ يُعْرَفْ أَنَّ مَالَ الْيَتِيمِ قَد ذَهَبَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ: فَهُوَ بَاقٍ بِحُكْم يُوجِبُ إبْقَاءَهُ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ. لَكِنْ هَل يَكُونُ دينًا يُحَاصُّ (١) الْغُرَمَاءَ؟ أَو يَكُونُ أَمَانَةً يُؤخَذُ مِن أَصْلِ الْمَالِ؟ فِيهِ نِزَاعٌ. وإذَا ادَّعَى الْوَارِثُ رَدَّهُ إلَيْهِ لَمْ يُقْبَل بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْوَصِيُّ قَد أَقْبَضَهُ لِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ الْغَيْرُ أَقْبَضَهُ لِلْيَتِيمِ، فَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ وَكَانَ الْإِقْبَاضُ مِمَّا يسوغُ: فَقَد بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْوَصِيِّ فِي ذَلِكَ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ الْيَتِيمُ قَد رَشَدَ، فَسَلَّمَ إلَيْهِ مَالَهُ بَعْدَ أَنْ آنَسَ الرُّشْدَ، وَإِن لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْحَجْرَ عَنْهُ لَا يحْتَاجُ إلَى ثُبُوتِ الْحَاكِمِ وَلَا حُكْمِهِ؛ بَل مَتَى آنَسَ الْوَصِيُّ مِنْهُ الرُّشدَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَالَهُ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. وَأَمَّا إنْ كَانَ الْوَصِيُّ قَد سَلَّمَ الْمَالَ مَن لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُهُ إلَيْهِ: فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ. ثُمَّ إنْ كَانَ الْمَالُ وَصَلَ إلَى الْيَتِيمِ الباين رُشْدُهُ: فَقَد بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْوَصيِّ، كَمَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ كُلِّ غَاصِبٍ يوصِلُ الْمَالَ إلَى مُسْتَحِقِّهِ. وَلَو كَانَ بِغَيْرِ فِعْلِ الْغَاصِبِ وَلَا تَعَدٍّ مِثْل أَنْ يَأُخُذَهُ الْمَالِكُ قَهْرًا، أَو يُخَلِّصَهُ لَهُ بَعْضُ النَّاسِ، أَو تُطَيِّرَهُ إلَيْهِ الرِّيحُ. فَإِنْ أَنْكَرَ الْيَتِيمُ بَعْدَ إينَاسِ الرُّشْدِ وُصُولَهُ إلَيْهِ مِن جِهَةِ ذَلِكَ الْقَابِضِ الَّذِي لَيْسَ بِوَكِيل لِلْوَصِيِّ: فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. وَأَمَّا إنْ أَنْكَرَ إقْبَاضَ الْوَصِيِّ أَو وَكِيلِهِ لِأحَد: فَهَل يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَو قَوْلُ الْوَصِيِّ؟ فِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ. [٣١/ ٣٢٩ - ٣٣٠]

стр. 2795

٤٢١٢ - بَيْعُ الْعَقَارِ لَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَفْعَلَهُ إلَّا لِحَاجَةٍ أو مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ بَيِّنةٍ. [٣١/ ٣٣١] ٤٢١٣ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ لَهُ جَارِيَةٌ، وَلَهُ مِنْهَا أَوْلَاد خَمْسَة، وَأَوْدَعَ عِنْدَ إنْسَانٍ دَرَاهِمَ وَقَالَ لَهُ: إنْ أَنَا مُتّ تُعْطِيهَا الدَّرَاهِمَ، ثُمَّ إنَّهُ مَاتَ، فَأخذَتْ مِن الْوَصيِّ بَعْض الدَّرَاهِمِ، ثُمَّ إنَ أوْلَادَهَا طَلَبُوهَا إلَى الْحَاكِمِ، وَطَلَبُوا مِنْهَا الدَّرَاهِمَ، فَأَعْطَتْهُم إيَّاهَا وَاعْتَرَفَتْ أَنَّهَا أَخَذَتْهَا مِن الْمُوصَى، ئُمَّ إنَّهُم طَلَبُوا الْوَصِيَّ بِجُمْلَةِ الْمَالِ، وَادَّعَوْا أَنَّ الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ أَنهُ مِنْهَا لَمْ يَكُن مِنْهُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ أَنَّهُ مِن الْمَبْلَغِ أَمْ لَا؟ فَأجَابَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَوْدَعِ الْمُوصَى إلَيْهِ فِي قَدْرِ الْمَالِ مَعَ يَمِينِهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُة أنَّهُ دَفَعَ إلَى الْمَرْأَةِ مَا دَفَعَ إذَا صَدَّقَتْهُ عَلَى ذَلِكَ. وَالْقَوْلُ قَوْلُ كُل مِنْهُمَا مَعَ يَمِينِهِ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِن ذَلِكَ. وَالْوَصِيَّةُ لِأُمِّ الْوَلَدِ وَصِيَّةٌ صَحِيحَةٌ إذَا كَانَت تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، وَلهَذِهِ الْمَرْأةِ أَنْ تَأخُذَ مَا وُصِّيَ لَهَا بِهِ إذَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ، فَإنْ أَنْكَرَ الْوَارِثُ الْوَصِيَّةَ فَلَهَا عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَإِن شَهِدَ لَهَا شَاهِدٌ عَدْلٌ وَحَلَفَتْ مَعَ شَاهِدِهَا حُكِمَ لَهَا بِذَلِكَ. وَإِذَا خَرَجَ الْمَالُ عَن يَدِ الْوَصِيِّ وَشَهِدَ لَهَا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لَهَا. وَإِذَا كَانَت كَتَمَتْ أَوَّلًا مَا عِنْدَ الْوَصِيِّ لِتَأخُذَ مِنْهُ مَا وَصَّى لَهَا بِهِ: كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهَا فِي الْبَاطِنِ، وَإِن لَمْ يَقُمْ لَهَا بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ؛ فَإن مَن عَلِمَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ مَالًا فِي بَاطِنِ ذَلِكَ وَأَخَذَهُ كَانَ مُتَأوِّلًا فِي ذَلِكَ. [٣١/ ٣٣٢ - ٣٣٣] ٤٢١٤ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ وَصَّى لِرَجُلَيْنِ عَلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ إنَّهُمَا اجْتَهَدَا فِي ثُبُوتِ الْوَصِيَّةِ (١)، فَهَل لَهُم أَنْ يَأخُذُوا مِن مَالِ الْيَتِيمِ مَا غَرِمُوا عَلَى ثُبُوتِهَا؟

стр. 2796

فَأجَابَ: إذَا كَانَا مُتَبَرِّعَيْنِ بِالْوَصِيَّةِ فَمَا أَنْفَقَاهُ عَلَى إثْبَاتِهَا بِالْمَعْرُوفِ: فَهُوَ مِن مَالِ الْيَتِيمِ. [٣١/ ٣٣٣] ٤٢١٥ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ تُوُفِّيَ صَاحِبٌ لَهُ فِي الْجِهَادِ، فَجَمَعَ تَرِكَتَهُ فِي مُدَّةِ ثَلَاثِ سِنِينَ بَعْدَ تَعَبٍ، فَهَل يَجِبُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أُجْرَةٌ؟ فَأجَابَ: إنْ كَانَ وَصِيًّا فَلَهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِن أجْرَةِ مِثْلِهِ أَو كِفَايَتِهِ. وإن كَانَ مُكْرَهًا عَلَى هَذَا الْعَمَلِ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْله. وإن عَمِلَ مُتَبَرِّعًا فَلَا شَئَ لَهُ مِن الْأجْرَةِ؛ بَل أَجْرُهُ عَلَى اللهِ. وَإِن عَمِلَ مَا يَجِبُ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ: فَفِي وُجُوبِ أَجْرِهِ نزاع، وَالْأَظْهَرُ الْوُجُوبُ. [٣١/ ٣٣٤] * * * (باب الموصى به) ٤٢١٦ - يظهر لي أنه لا تصح الوصية بالحمل (١)؛ نظرًا إلى علة التفريق؛ إذ ليس النهي عن التفريق يختص بالبيع؛ بل هو عام في كل تفريق، إلا العتق وافتداء الأسرى. [المستدرك ٤/ ١٢٢] ٤٢١٧ - قال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ فِيمَن أُوْصِي إلَيْهِ بِإخْرَاجِ حَجَّةِ: أَنَّ وِلَايَةَ (٢) إخْرَاجِهَا وَالتَّعْيِينَ لِلنَّاظِرِ الْخَاصِّ إجْمَاعًا، وَإِنَّمَا (٣) للوليّ الْعَامِّ الِاعْتِرَاضُ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أو فِعْلِهِ مُحَرَّمًا. [المستدرك ٤/ ١٢٣]

стр. 2797

٤٢١٨ - يجب على الوصي تقديم الواجب على المتبرع به، فلو وصى بتبرعات لمعين أو غير معين، فمنع الورثة [بعض التركة] (١) أو جحدوا الدَّيْن: قال أبو العباس: أفتيت بأن الوصي يخرج الدين مما قدر عليه مقدمًا على الوصية، وإن اعتقد الورثة أنه نصيب الوصية. وليس هذا مثل غصب المشاع. وإذا قال: اصنع في مالي ما شئت، أو هو بحكمك افعل فيه ما شئت، ونحو ذلك من ألفاظ الإباحة لا الأمر: قال أبو العباس: له أن يخرج ثلثه، وله ألا يخرجه، فلا يكون الإخراج واجبًا ولا محرمًا، بل هو موقوف على اختيار الوصي. [المستدرك ٤/ ١٢٣] ٤٢١٩ - لو قال: يدفع هذا إلى يتامى فلان: فإقرار بقرينة، وإلا فوصية. [المستدرك ٤/ ١٢٣] ٤٢٢٠ - يجوز للوصي صرف الوصية فيما هو أصلح من الجهة التي عيَّنها المُوصِي. [المستدرك ٤/ ١٢٣] * * *

стр. 2798

كتَابُ الفَرَائِضِ أركان الإرث، وأسبابه، وموانعه: ٤٢٢١ - ذكر الشيخ في فتاويه: إن خَرَجَتْ حَشْوَتُهُ ولم تَبْنِ، ثُمَّ مَاتَ وَلَدُهُ: وَرِثَهُ. وإن أُبينَتْ: فَالظَّاهِرُ يَرِثُهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ زَهُوقُ النَّفْسِ وَخُرُوجُ الرُّوحِ، ولم يُوجَدْ، وَلأنَّ الطِّفْلَ يَرِثُ ويُوَرَّثُ بِمُجَرَّدِ استهلاله، وإن كان لَا يَدُلُّ على حَيَاةٍ أَثْبَتَ من حَيَاةِ هذا. [المستدرك ٤/ ١٢٥] ٤٢٢٢ - ذكر الشيخ في ميراث الحمل أن الحيوان يتحرك بعد ذبحه شديدًا وهو كميت. [المستدرك ٤/ ١٢٥] ٤٢٢٣ - أسباب التوارث: رحم، ونكاح، وولاءُ عتق إجماعًا. وقد ذكر عند عدم ذلك كله (١): أ - موالاته، [وهي المؤاخاة]. ب - ومعاقدته، [وَهِيَ الْمُحَالَفَةُ]. ج - وإسلامه على يديه. د - والتقاطه. هـ - وكونهما من أهل الديوان (٢). وهو رواية عن أحمد.

стр. 2799

[اخْتَارَهُ شَيْخُنَا] (١). وقيل: يرث عبدٌ سيده عند عدم الورثة، واختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٤/ ١٢٥] ٤٢٢٤ - قَوْلُهُ: (وَلِلْأُمِّ أَرْبَعَة أَحْوَالٍ: حَالٌ لها السُّدُسُ وهو مع وُجُودِ الْوَلَدِ أو وَلَدِ الِابْنِ أو اثْنَيْنِ من الْإخْوَةِ وَالْأخَوَاتِ. تنبيه: ظَاهِرٌ قَوْلِهِ: (وَحَالٌ رَابعٌ: وَهِيَ إذَا لم يَكن لِوَلَدِهَا أَبٌ؛ لِكَوْنِهِ وَلَدَ زنى أو مَنْفِيًّا بِلِعَانٍ، فإنه مُنْقَطِعٌ تَعْصِيبُهُ من جِهَةِ مَن نَفَاهُ). وَعَنْهُ: أنها هِيَ عَصَبَتُهُ (٢). اخْتَارَهُ أبو بَكْرٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَصَاحِبُ "الْفَائِقِ" (٣). [المستدرك ٤/ ١٢٦] ٤٢٢٥ - الآمر بقتل مورثه لا يرثه ولو انتفى عنه الضمان. [المستدرك ٤/ ١٢٦، ٤/ ١٣٢] * * * الجد والإخوة: ٤٢٢٦ - الجد يُسقط الإخوة من الأم إجماعًا، وكذا من الأبوين أو الأب، وهي رواية عن الإمام أحمد، وهو مذهب الصديق وغيره من الصحابة ﵃. [المستدرك ٤/ ١٢٧] ٤٢٢٧ - جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ مُوَافِقُونَ لَلصِّدِّيقِ فِي أَنَّ الْجَدَّ كَالْأَبِ يَحْجُبُ الإخْوَةَ، وَهُوَ مَرْوِي عَن بِضْعَةَ عَشَرَ مِن الصَّحَابَةِ.

стр. 2800

وَالصَّوَابُ بِلَا رَيْبٍ: قَوْلُ الصِّدِّيقِ. [٣١/ ٣٤٢ - ٣٤٣] * * * أحوال الأم: ٤٢٢٨ - الإخوة لا يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، إلا إذا كانوا وارثين غير محجوبين بالأب؛ فللأم في مثل أبوين وأخوين الثلث. [المستدرك ٤/ ١٢٧] * * * الجدات: ٤٢٢٩ - لا يرث غير ثلاث جدات: أ - أم الأم. ب - وأم الأب. ج - وأم أبي الأب. وإن علون أمومة وأبوة. إلا المدلية بغير وارث كأم أبي الأم. [المستدرك ٤/ ١٢٧] * * * التعصيب: ٤٢٣٠ - يرث مولى من أسفل عند عدم الورثة. [المستدرك ٤/ ١٢٧] * * * باب الرد ٤٢٣١ - لو خلفت المرأة زوجًا وبنتًا وأُمًّا. فهذه الفريضة تقسم على أحد عشر: للبنت ستة أسهم، وللزوج ثلاثة أسهم، وللأم سهمان. وهذا على قول من يقول بالرد كأبي حنيفة وأحمد (١).

стр. 2801

وعلى قول من لا يقول بالرد كمالك والشافعي فيقسم عندهم على اثني عشر سهمًا: للبنت ستة أسهم، وللزوج ثلاثة، وللأم سهمان والباقي لبيت المال (١). [المستدرك ٤/ ١٢٧ - ١٢٨] * * * ميراث ذوي الأرحام: ٤٢٣٢ - يُورِّث ذوي الأرحام جمهورُ السلف وأحمد في المشهور عنه وأبو حنيفة وطوائف من أصحاب الشافعي، وقول مالك إذا فسد بيت المال. والقول الثاني: يرث بيت المال، وهو قول الشافعي ومالك وأحمد في رواية. [المستدرك ٤/ ١٢٨] * * * الغرقى ومن عمي موتهم: ٤٢٣٣ - خرَّج أبو بكر (٢) ومن بعده منع توارث بعضهم من بعض. وهذا التخريج من المصنف عن الإمام أحمد ﵀ فيما إذا اختلف ورثة كل ميت في السابق منهما ولا بيِّنة، واختاره المصنف والمجد وحفيده الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٤/ ١٢٨] * * *

стр. 2802

ميراث أهل الملل: ٤٢٣٤ - قال ابن القيم ﵀: وأما توريث المسلم من الكافر فاختلف فيه السلف، فذهب كثير منهم إلى أنه لا يرث، كما لا يرث الكافر المسلم، وهذا هو المعروف عن الأئمة الأربعة وأتباعهم. وقالت طائفة منهم: بل يرث المسلم الكافر دون العكس، وهذا قول معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد ابن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين، وسعيد بن المسيب، ومسروق بن الأجدع، وعبد الله بن مغفل، ويحيى بن يعمر، وإسحاق بن راهويه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قالوا: نرثهم ولا يرثوننا، كما ننكح نساءهم ولا ينكحون نساءَنا (١). قال شيخنا: وقد ثبت بالسُّنَّة المتواترة أن النبي ﷺ كان يُجري الزنادقة المنافقين في الأحكام الظاهرة مجرى المسلمين فيرثون ويورَثون. وأما أهل الذمة فمن قال بقول معاذ ومعاوية ومن وافقهما يقول: قول النبي ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر" (٢) المراد به: الحربي، لا المنافق ولا المرتد ولا الذمي، [ولا ريب أن حمل قوله: "لا يرث المسلم الكافر" على الحربي أولى، وأقرب محملًا، فإن في توريث المسلمين منهم ترغيبا في الإسلام لمن أراد الدخول فيه من أهل الذمة، فإن كثيرًا منهم يمنعهم من الدخول في الإسلام خوف أن يموت أقاربهم، ولهم أموال فلا يرثون منهم شيئًا. وقد سمعنا ذلك منهم من غير واحد منهم شفاهًا، فإذا علم أن إسلامه لا يسقط ميراثه ضعف المانع من الإسلام وصارت رغبته فيه قوية، وهذا وحده كافٍ في التخصيص، وهم يخصون العموم بما هو دون ذلك بكثير، فإن هذه

стр. 2803

مصلحة ظاهرة يشهد لها الشرع بالاعتبار في كثير من تصرفاته، وقد تكون مصلحتها أعظم من مصلحة نكاح نسائهم، وليس في هذا ما يخالف الأصول، فإن أهل الذمة إنما ينصرهم، ويقاتل عنهم المسلمون، ويفتدون أَسْراهم، والميراث يستحق بالنصرة، فيرثهم المسلمون، وهم لا ينصرون المسلمين، فلا يرثونهم، فإن أصل الميراث ليس هو بموالاة القلوب، ولو كان هذا معتبرًا فيه كان المنافقون لا يرثون، ولا يورثون، وقد مضت السُّنَّة بأنهم يرثون ويورثون] (١). إلى أن قال: قال شيخنا: ومما يؤيد القول بأن المسلم يرث الذمي ولا يرثه الذمي: أن الاعتبار في الأرث بالمناصرة، والمانعُ هو المحاربة. إلى أن قال: فلما دخل مكة في حجة الوداع قيل له: ألا تنزل في دارك؟ فقال: "وهل ترك عقيل لنا من دار" (٢). قال الشيخ: وهذا الحديث قد استدل به طوائف على مسائل؛ فالشافعي احتج به على جواز بيع رباع مكة، وليس في الحديث أنه باعها. إلى أن قال ابن القيم: وهذه المسائل الثلاث من محاسن الشريعة: وهي: أ - توريث من أسلم على ميراث قبل قسمته. ب - وتوريث المعتق عبدَه بالولاء. ج - وتوريث المسلم قريبه الذمي. وهي مسألة نزاع بين الصحابة والتابعين. وأما المسألتان الأخيرتان: فلم يعلم عن الصحابة فيهما نزاع؛ بل المنقول عنهم التوريث.

стр. 2804

قال شيخنا: والتوريث في هذه المسائل على وفق أصول الشرع؛ فإن المسلمين لهم إنعام وحق على أهل الذمة: بحقن دمائهم، والقتال عنهم، وحفظ دمائهم، وأموالهم، وفداء أسراهم. [المستدرك ٤/ ١٢٨ - ١٣٠] ٤٢٣٥ - يرث المسلم من قريبه الكافر الذمي؛ لئلا يمتنع قريبه من الإسلام، ولوجوب نصرتهم ولا ينصروننا. [المستدرك ٤/ ١٣٠] ٤٢٣٦ - عند شيخنا يرث المنافق ويورث؛ لأنه ﵇ لم يأخذ من تركة منافق شيئًا ولا جعله فيئًا، فعلم أن الميراث مداره على النُّصْرة (١) الظاهرة. واسم الإسلام يجري عليهم في الظاهر. [المستدرك ٤/ ١٣٠] ٤٢٣٧ - عند شيخنا وغيره قد يسمَّى من فعل بعض المعاصي منافقًا. [المستدرك ٤/ ١٣٠] ٤٢٣٨ - المرتد إذا قتل في ردته أو مات عليها: فمالُه لوارثه المسلم، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو المعروف عن الصحابة، ولأن ردَّته كمرض موته. والزنديق منافق يرث ويورث؛ لأنه ﵇ لم يأخذ من تركة منافقٍ شيئًا. [المستدرك ٤/ ١٣٠] * * * ميراث المطلقة: ٤٢٣٩ - من طلَّق امرأته في مرض موته بقصد حرمانها من الميراث: ورثته إذا كان الطلاق رجعيًّا إجماعًا. وكذا إن كان بائنًا عند جمهور أئمة الإسلام، وقضى به عمر ﵁ ولم يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك خلافًا، وإنما ظهر الخلاف في خلافة ابن الزبير.

стр. 2805

وعلى قول الجمهور فهل تعتد عدة طلاق أو وفاة أو أطولهما؟ فيها أقوال: أظهرها الثالث. وهل يكمل لها المهر؟ فيه قولان: أظهرهما أنه يكمل. [المستدرك ٤/ ١٣٠ - ١٣١] ٤٢٤٠ - لو تزوج في مرض موته مُضَارَّةً لتنقيص إرث غيرها وَأَقَرَّتْ (١) به: ورثَتْه؛ لأن له أن يوصي بالثلث. [المستدرك ٤/ ١٣١] ٤٢٤١ - وَسُئِلَ الشَّيْخُ ﵀: عَن امْرأةٍ مُزَوَّجَةٍ وَلِزَوْجِهَا ثَلَاثُ شُهُورٍ وَهُوَ فِي مَرَضٍ مُزْمِنٍ، فَطَلَبَ مِنْهَا شَرَابًا فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ فَنَفَرَ مِنْهَا وَقَالَ لَهَا: أَنْت طَالِق ثَلَاثَةً، وَبَعْدَ عِشْرِينَ يَوْمًا تُوُفِّيَ الزَّوْجُ: فَهَل يَقَعُ الطَّلَاقُ؟ فَأجَابَ: أَمَّا الطَّلَاقُ فَإِنَّهُ يَقَعُ إنْ كَانَ عَاقِلَا مُخْتَارَا، لَكِنْ تَرِثُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَوْلِ الْقَدِيمِ، كَمَا قَضَى بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عفان فِي امْرَأَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَإِنَّهُ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَوَرَّثَهَا مِنْهُ عُثْمَانَ. وَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ: مِن عِدَّةِ الطَّلَاقِ أَو عِدَّةِ الْوَفَاةِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ عَقْلُهُ قَد زَالَ: فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ. [٣١/ ٣٦٨] ٤٢٤٢ - مَسْألَة الْمُطَلِّقِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ: اَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ تَوْرِيثُهَا، كَمَا قَضَى بِذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ عفان ﵁ لِامْرَأَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ تُماضر بِنْتِ الأصبغ، وَقَد كَانَ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ (٢). وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَأبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ. ثُمَّ عَلَى هَذَا: هَل تَرِثُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ؟ وَالْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ؟ عَلَى
следующие страницы →