← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

٤٣٩٤ - وَسُئِلَ ﵀: عَن مُطَلَّقَةٍ ادَّعَتْ وَحَلَفَتْ أَنَّهَا قَضَتْ عِدَّتَهَا، فَتَزَوَّجَهَا زَوْجٌ ثَانٍ، ثُمَّ حَضَرَت امْرَأَةٌ أُخْرَى وَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ، وَصَدَّقَهَا الزَّوْجُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: إذَا لَمْ تَحِضْ إلَّا حَيْضَتَيْنِ فَالنِّكَاحُ الثَّانِي بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَإِذَا كَانَ الزَّوْجُ مُصَدِّقًا لَهَا وَجَبَ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَتُكْمِلَ عِدَّةَ الْأَوَّلِ بِحَيْضَة، ثُمَّ تَعْتَدُّ مِن وَطْءِ الثَّانِي عِدَّةً كَامِلَةً، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ الثَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَهَا تَزَوَّجَهَا (١). [٣٢/ ٧٩] * * * (حكم الوفاء بالنَّذْر الْمُعَلَّق بِالشَّرْطِ ؟) ٤٣٩٥ - أَمَّا النَّذْرُ الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ: فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ وُجُودَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: إنْ شَفَى اللهُ مَرِيضِي، أَو سَلَّمَ مَالِي الْغَائِبَ: فَعَلَيَّ صَوْمُ شَهْرٍ، أَو الصَّدَقَةُ بِمِائَةِ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ. وَتَنَازَعُوا فِيمَا إذَا لَمْ يَكُن مَقْصُودُهُ وُجُودَ الشَّرْطِ؛ بَل مَقْصُودُة عَدَمُ الشَّرْطِ، وَهُوَ حَالِفٌ بِالنَّذْرِ، كَمَا إذَا قَالَ: لَا أُسَافِرُ، هاِن سَافَرْت فَعَلَيَّ الصَّوْمُ، أَو الْحَجُّ، أَو الصَّدَقَةُ، أَو عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ وَنَحْو ذَلِكَ (٢)، عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَالصَّحَابَةُ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ عَلَى أَنَهُ يَجْزِيهِ كَفارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَهُوَ آخِرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَن أبِي حَنيفَةَ. وَأَمَّا إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْته فَعَلَيَّ إذًا عِتْقُ عَبْدِي: فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ الْعِتْقُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعِتْقُ (٣)، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكِ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَبِي حَنِيفَةَ.

стр. 2872

وَقِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن التَّابِعِينَ وَقَوْلُ دَاوُد وَابْنِ حَزْمٍ. وَقِيلَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهُوَ قَوْلُ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ التَّابِعِينَ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ التَّكْفِيرِ وَالْإِعْتَاقِ عَلَى الْمَشْهُورِ عَنْهُمَا. وَلَمْ يُنْقَلْ عَن الصَّحَابَةِ شَيْءٌ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ فِيمَا بَلَغَنَا بَعْدَ كَثْرَةِ الْبَحْثِ وَتَتَبُّعِ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ والمتأخرين (١)؛ بَل الْمَنْقُولُ عَنْهُم إمَّا ضَعِيفٌ؛ بَل كَذِبٌ مِن جِهَةِ النَّقْلِ، وَإِمَّا أَلَّا يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ، فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَحْلِفُونَ بِالطَّلَاقِ عَلَى عَهْدِهِمْ، وَلَكِنْ نُقِلَ عَن طَائِفَةٍ مِنْهُم فِي الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ أنْ يَجْزِيَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، كمَا إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ. [٣٢/ ٨٣ - ٨٥] * * * (نِكَاح الْمُتْعَةِ خَيْرٌ مِن نِكَاحِ التَّحْلِيلِ مِن ثَلَاثَةِ أَوْجهٍ) ٤٣٩٦ - إِنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ خَيْرٌ مِن نِكَاحِ التَّحْلِيلِ مِن ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِخِلَافِ التَّحْلِيلِ. الثانِي: أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَطَائِفَةٌ مِن السلَفِ، بِخِلَافِ التَّحْلِيلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَهُ رَغْبَة فِي ألْمَرْأَةِ، وَللْمَرْأَةِ رَغْبَةٌ فِيهِ إلَى أَجَلٍ، بِخِلَافِ الْمُحَلِّلِ، فَإِنَّ الْمَرْأةَ لَيْسَ لَهَا رَغْبَةٌ فِيهِ بِحَال، وَهُوَ لَيْسَ لَهُ رَغْبَةٌ فِيهَا؛ بَل فِي أَخْذِ مَا يُعْطَاهُ، وَإِن كَانَ لَهُ رَغْبَة فَهِيَ مِن رَغْبَتِهِ فِي الْوَطْءِ، لَا فِي اتِّخَاذِهَا زَوْجَةً، مِن جِنْسِ رَغْبَةِ الزَّانِي. فَنِكَاحٌ تَنَازَعَ السَّلَفُ فِي جَوَازِهِ: أَقْرَبُ مِن نِكاحٍ أجْمَعَ السَّلَفُ عَلى تَحْرِيمِهِ.

стр. 2873

وَإِذَا تَنَازَعَ فِيهِ الْخَلَفُ (١): فَإِنَّ أُولَئِكَ أَعْظَمُ عِلْمًا وَدِينًا. وَمَا أَجْمَعُوا عَلَى تَعْظِيمِ تَحْرِيمِهِ: كَانَ أَمْرُة أَحَقَّ مِمَّا اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَإِن اشْتَبَهَ تَحْرِيمُهُ عَلَى مَن بَعْدَهُمْ. [٣٢/ ٩٣ - ٩٧] ٤٣٩٧ - يُوجَدُ فِي نِكاحِ التَّحْلِيلِ مِن الْفَسَادِ أَعْظَمُ مِمَّا يُوجَدُ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ؛ إذ الْمُتَمَتِّعُ قَاصِدٌ لِلنِّكَاحِ إلَى وَقْتٍ، وَالْمُحَلِّلُ لَا غَرَضَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَكُلُّ فَسَادٍ نُهِيَ عَنْهُ الْمُتَمَتِّعُ فَهُوَ فِي التَّحْلِيلِ وَزِيادَةٌ؛ وَلهَذَا تُنْكِرُ قُلُوبُ النَّاسِ التَّحْلِيلَ أَعْظَم مِمَّا تُنْكِرُ الْمُتْعَةَ. وَالْمُتْعَةُ أُبِيحَتْ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَتَنَازَعَ السَّلَفُ فِي بَقَاءِ الْحِلِّ، وَنِكَاحُ التَّحْلِيلِ لَمْ يُبَحْ قَطُّ، وَلَا تَنَازَعَ السَّلَفُ فِي تَحْرِيمِهِ. وَمَن شَنَّعَ عَلَى الشِّيعَةِ بِإِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ مَعَ إبَاحَتِهِ لِلتَّحْلِيلِ فَقَد سَلَّطَهُم عَلَى الْقَدْحِ فِي السُّنَّةِ، كَمَا تَسَلَّطَت النَّصَارَى عَلَى الْقَدْحِ فِي الْإِسلَامِ بِمِثْل إبَاحَةِ التَّحْلِيلِ، حَتَّى قَالُوا: إنَّ هَؤُلَاءِ قَالَ لَهُم نَبِيُّهُم: إذَا طَلَّقَ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَزْنِيَ! وَذَلِكَ أَنَّ نِكَاحَ التَّحْلِيلِ سِفَاحٌ كَمَا سَمَّاهُ الصَّحَابَةُ بِذَلِكَ. [٣٠/ ٢٢٣ - ٢٢٤] * * * (حكم نكاح التحليل ؟) ٤٣٩٨ - التَّحْلِيلُ الَّذِي يَتَوَاطَئُونَ فِيهِ مَعَ الزَّوْجِ - لَفْظًا أَو عُرْفًا - عَلَى أنْ يُطَلِّقَ الْمَرْأَةَ أَو يَنْوِيَ الزوْجُ ذَلِكَ: مُحَرَّمٌ (٢)، لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ فَاعِلَهُ فِي أَحَادِيثَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَسَمَّاهُ التَّيْسَ الْمُسْتَعَارَ، وَقَالَ: "لَعَنَ اللهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ" (٣).

стр. 2874

وَكَذَلِكَ مِثْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِمْ لَهُم بِذَلِكَ آثَارٌ مَشْهُورَةٌ، يُصَرِّحُونَ فِيهَا بِأَنَّ مَن قَصَدَ التَّحْلِيلَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُحَلِّلٌ، وَإِن لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِي الْعَقْدِ، وَسَمَّوْهُ سِفَاحًا. وَلَا تَحِلُّ لِمُطَلِّقِهَا الْأَوَّلِ بِمِثْل هَذَا الْعَقْدِ، وَلَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْمُحَلِّلِ إمْسَاكُهَا بِهَذَا التَّحْلِيلِ؛ بَل يَجِبُ عَلَيْهِ فِرَاقُهَا. لَكِنْ إذَا كَانَ قَد تبَيَّنَ بِاجْتِهَاد أَو تَقْلِيدٍ جَوَازُ ذَلِكَ، فَتَحَلَّلَتْ وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ تَحْرِيمُ ذَلِكَ: فَالْأقْوَى أنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِرَاقُهَا؛ بَل يُمْنَعُ مِن ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَقَد عَفَا اللهُ فِي الْمَاضِي عَمَّا سَلَفَ (١). [٣٢/ ١٥١ - ١٥٢] وَإِذَا تَزَوَّجَتْ بِالْمُحَلِّلِ ثُمَّ طَلَّقَهَا: فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ إذ غَايَتُهَا أَنْ تَكُونَ مَوْطُوءَةً فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ مِنْهُ. [٣٢/ ١٥٣] ٤٣٩٩ - التحليل محرم لا يحلها، لكن من قلد فيه المجوِّز له، أو فعله باجتهاد، ثم يتبين له تحريم ذلك فتاب إلى اللّه: فالأقوى أنه لا يجب فراقها؛ بل يمتنع عن ذلك في المستقبل، وقد عفا الله عما مضى (٢). [المستدرك ٤/ ١٧٤] ٤٤٠٠ - لَمْ يَكن عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا أَبِي بَكْرٍ وَلَا عُمَرَ وَلَا عُثْمَانَ وَلَا عَلِيٍّ نِكَاحُ تَحْلِيلِ ظَاهِرٌ تَعْرِفُهُ الشُّهُودُ وَالْمَرْأَةُ وَالْأوْليَاءُ، وَلَمْ يَنْقُلْ أحَدٌ عَن النَّبِيِّ ﷺ وَلَا خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَنَّهُم أَعَادُوا الْمَرْاةَ عَلَى زَوْجِهَا بِنِكَاحِ تَحْلِيلٍ، فَإِنَّهُم إنَّمَا كَانوا يُطَلِّقُونَ فِي الْغَالِبِ طَلَاقَ السُّنَّةِ. وَلَمْ يَكُونُوا يَحْلِفُونَ بِالطَّلَاقِ؛ وَلهَذَا لَمْ يُنْقَلْ عَن الصَّحَابَةِ نَقْلٌ خَاصٌّ فِي الْحَلِفِ، وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنْهُم الْكَلَامُ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ لَا فِي الْحَلِفِ بِهِ. [٣٣/ ٣٦] * * *

стр. 2875

(مِن شَعَائِرِ النِّكَاحِ: إعْلَانُهُ) ٤٤٠١ - مِن شَعَائِرِ النِّكَاحِ: إعْلَانُهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَعْلِنُوا النِّكَاحَ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ" (١)، وَلهَذَا يَكْفِي فِي إعْلَانِهِ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِن الْعُلَمَاءِ وَطَائِفَة أُخْرَى تُوجِبُ الْإِشْهَادَ وَالْإِعْلَانَ؛ فَإِذَا تَوَاصَوْا بِكِتْمَانِهِ بَطَلَ. [٣٢/ ٩٤] * * * (حكم نكاح السر؟ وحكم الإشهاد على النكاح ؟) ٤٤٠٢ - وَسُئِلَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: عَن رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مُصَافَحَةً (٢)، عَلَى صَدَاقٍ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ. فَهَل يَصِحُّ النِّكَاحُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: إذَا تَزَوَّجَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَكَتَمَا النِّكَاحَ: فَهَذَا نِكَاحٌ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ بَل الَّذِي عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ أنَّهُ "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيِّ" (٣)، "وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" (٤). وَكِلَا هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ مَأْثُورٌ فِي السُّنَنِ عَن النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن السَّلَفِ: لَا نِكَاحَ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَمَالِكٌ يُوجِبُ إعْلَانَ النِّكَاحِ. وَنِكَاحُ السِّرِّ: هُوَ مِن جِنْسِ نِكَاحِ الْبَغَايَا.

стр. 2876

لَكِنْ إن اعْتَقَدَ هَذَا نِكَاحًا جَائِزًا كَانَ الْوَطْءُ فِيهِ وَطْءَ شُبْهَةٍ يُلْحَقُ الْوَلَدُ فِيهِ وَيَرِثُ أَبَاهُ. [٣٢/ ١٠٢ - ١٠٣] فَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَضْرِبُ عَلَى النِّكَاحِ السِّرِّ، فَإِنَّ نِكَاحَ السِّرِّ مِن جِنْسِ اتِّخَاذِ الْأَخْدَانِ شَبِيهٌ بهِ، لَا سِيَّمَا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ وَكَتَمَا ذَلِكَ، فَهَذَا مِثْلُ الَّذِي يَتَّخِذُ صَدِيقَةً، لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ يَتَمَيَّزُ بِهِ عَن هَذَا، فَلَا يَشَاءُ مَن يَزْنِي بِامَرَأةٍ صَدِيقَةٍ لَهُ إلَّا قَالَ: تَزَوَّجْتهَا، وَلَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ لِمَن تَزَوَّجَ فِي السِّرّ: إنَّهُ يَزْنِي بِهَا إلَّا قَالَ ذَلِكَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فَرْقٌ مُبِينٌ. فَإِذَا ظَهَرَ لِلنَّاسِ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ قَد أَحْصَنَهَا: تَمَيَّزَتْ عَن الْمُسَافِحَاتِ وَالْمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانًا. كَمَا أَنَّهُ إذَا كَتَمَ نِكَاحَهَا فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ لَمْ تَتَمَيَّزْ مِن الْمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانًا. وَقَد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ هَذَا عَن هَذَا: فَقِيلَ: الْوَاجِبُ الْإِعْلَانُ فَقَطْ، سَوَاءٌ أَشْهَدَ أَو لَمْ يُشْهِدْ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَكَثِيرٍ مِن فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ. وَقِيلَ: الْوَاجِبُ الْإِشْهَادُ، سَوَاء أَعْلَنَ أَو لَمْ يُعْلِنْ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَن أَحْمَد. وَقِيلَ: يَجِبُ الأمْرَانِ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ عَن أَحْمَد. وَقِيلَ: يَجِبُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الرِّوَايَةُ الرَّابِعَةُ عَن أَحْمَد. وَاشْتِرَاطُ الْإِشْهَادِ وَحْدَهُ ضَعِيفٌ، لَيْسَ لَهُ أَصْل فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ حَدِيثٌ. وَمِن الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ دَائِمًا لَهُ شُرُوطٌ لَمْ يُبَيِّنْهَا رَسُولُ اللّهِ ﷺ ، وَهَذَا مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى (١)، فَجَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ يَحْتَاجُونَ إلَى مَعْرِفَةِ هَذَا.

стр. 2877

وَإِذَا كَانَ هَذَا شَرْطًا: كَانَ ذِكْرُهُ أَوْلَى مِن ذِكْرِ الْمَهْرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَمْ يَكُن لَهُ ذِكْرٌ فِي كِتَابِ اللّهِ وَلَا حَدِيثٍ ثَابِتٍ عَن رَسُولِ اللّهِ ﷺ . فَتَبيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا أوْجَبَهُ اللّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي مَنَاكِحِهِمْ. قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِن أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ: لَمْ يَثْبُتْ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي الْإِشْهَادِ عَلَى النكَاحِ شَيْءٌ. ثُمَّ مِن الْعَجَب أَنَّ اللّهَ أمَرَ بِالْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ فِي النِّكَاحِ، ثُمَّ يَأْمُرُونَ بِهِ فِي النِّكَاحِ وَلَا يُوجِبُهُ أَكْثَرُهُم فِي الرَّجْعَةِ! وَاللّهُ أَمَرَ بِالْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ؛ لِئَلَّا يُنْكِرَ الزَّوْجُ وَيَدُوم مَعَ امْرَأَتِهِ، فَيُفْضِي إلَى إقَامَتِهِ مَعَهَا حَرَامًا، وَلَمْ يَأمُرْ بِالْإِشْهَادِ عَلَى طَلَاقٍ لَا رَجْعَةَ مَعَهُ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يُسَرِّحُهَا بِإِحْسَانٍ عقيب الْعِدَّةِ فَيَظْهَرُ الطَّلَاقُ. وَلهَذَا قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ مِمَّا يَعِيبُ بِهِ اهْلَ الرَّأيِ: أَمَرَ اللّه بِالْإِشْهَادِ فِي الْبَيْعِ دُونَ النكَاحِ، وَهُم أَمَرُوا بِهِ فِي النكَاحِ دُونَ الْبَيْعِ! وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَالْإِشْهَادُ فِي الْبَيْعِ إمَّا وَاجِبٌ وَإِمَّا مُسْتَحَبٌّ، وَقَد دَلَّ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. وَأَمَّا النِّكَاحُ فَلَمْ يَرِد الشَّرْعُ فِيهِ بِإِشْهَاد وَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ أُمِرَ فِيهِ بِالْإِعْلَانِ، فَأَعْنَى إعْلَانُهُ مَعَ دَوَامِهِ عَن الْإِشْهَادِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تَكونُ عِنْدَ الرَّجُلِ وَالنَّاسُ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ، فَكَانَ هَذَا الْإِظْهَارُ الدَّائِمُ مُغْنِيًا عَن الْإِشْهَادِ كَالنَّسَبِ، فَإِنَّ النَّسَبَ لَا يُحْتَاجُ إلَى أَنْ يُشْهِدَ فِيهِ أَحَدًا عَلَى وِلَادَةِ امْرَأَتِهِ؛ بَل هَذَا يَظْهَرُ وَيُعْرفُ أَنَّ امْرَأَتَه وَلَدَتْ هَذَا فَأَغْنَى هَذَا عَن الْإِشْهَادِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ فَإِنَّهُ قَد يجْحَدُ وَيَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.

стр. 2878

وَلهَذَا إذَا كَانَ النِّكَاحُ فِي مَوْضِع لَا يَظْهَرُ فِيهِ: كَانَ إعْلَانُهُ بِالْإِشْهَادِ. فَالْإِشْهَادُ قَد يَجِبُ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يُعْلَنُ وَيَظْهَرُ، لَا لِأَنَّ كُلَّ نِكَاحٍ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ؛ بَل إذَا زَوَّجَهُ وَلِيَّتَهُ ثُمَّ خَرَجَا فَتَحَدَّثَا بِذَلِكَ وَسَمِعَ النَّاسُ، أَو جَاءَ الشُّهُودُ وَالنَّاسُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَأَخْبَرُوهُم بِأنَّهُ تَزَوَّجَهَا: كَانَ هَذَا كَافِيًا. وَهَكَذَا كَانَت عَادَة السَّلَفِ، لَمْ يَكونُوا يُكَلِّفُونَ إحْضارَ شَاهِدَيْنِ، وَلَا كِتَابَةَ صَدَاقٍ. فَالَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ: أَنَ النِّكَاحَ مَعَ الْإِعْلَانِ: يَصِحُّ وَإِن لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدَانِ. وَأَمَّا مَعَ الْكِتْمَانِ وَالْإِشْهَادِ: فَهَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ. وَإِذَا اجْتَمَعَ الْإِشْهَادُ وَالْإِعْلَانُ: فَهَذَا الَّذِي لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ. وَإِن خَلَا عَن الْإِشْهَادِ وَالْإِعْلَانِ: فَهُوَ بَاطِل عِنْدَ الْعَامَّةِ. وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَلِيِّ فَإِنَّهُ قَد دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَالسُّنَّةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَهُوَ عَادَةُ الصَّحَابَةِ إنَّمَا كَانَ يُزَوِّجُ النِّسَاءَ الرِّجَالُ، لَا يُعْرَفُ أَنَّ امْرَأَةً تُزَوِّجُ نَفْسَهَا، وَهَذَا مِمَّا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَمُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ. [٣٢/ ١٢٦ - ١٣١] * * * (حكم نكاح الحامل ؟) ٤٤٠٣ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَا أَصَابَهَا، فَوَلَدَتْ بَعْدَ شَهْرَيْنِ، فَهَل يَصِحُّ النِّكَاحُ؟ وَهَل يَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: لَا يَلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ الْمَهْرُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. لَكِنْ لِلْعُلَمَاءِ فِي الْعَقْدِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ؛ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا.

стр. 2879

وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ وَلَا نِصْفَ مَهْرٍ وَلَا مُتْعَةَ كَسَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ إذَا حَصَلَت الْفُرْقَةُ فِيهَا قَبْلَ الدُّخُولِ. لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا حَاكِمٌ يَرَى فَسَادَ الْعَقْدِ؛ لِقَطْعِ النِّزَاعِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ لَهُ الْوَطْءُ حَتَّى تَضَعَ؛ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقِيلَ: يَجُوزُ لَهُ الْوَطْءُ قَبْلَ الْوَضْعِ؛ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. فَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ. لَكِنْ هَذَا النِّزَاعُ إذَا كَانَت حَامِلًا مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ أَو سَيِّدٍ أَو زَوْجٍ؛ فَإِنَّ النِّكَاحَ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ إذَا فَارَقَ قَبْلَ الدُّخُولِ. وَأَمَّا الْحَامِلُ مِن الزنى فَلَا كَلَامَ فِي صِحَّةِ نِكَاحِهَا (١). وَالنِّزَاعُ فِيمَا إذَا كَانَ نَكَحَهَا طَائِعًا، وَأَمَّا إذَا نَكَحَهَا مُكْرَهًا فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمَا (٢). [٣٢/ ١٠٥ - ١٠٦، ٣٤/ ١٧ - ١٨] * * * (حكم نِكَاح الزَّانِيَةِ) ٤٤٠٤ - نِكَاحُ الزَّانِيَةِ: حَرَامٌ حَتَّى تَتُوبَ، سَوَاءٌ كَانَ زَنَى بِهَا هُوَ أَو غَيْرُهُ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ بِلَا رَيْبٍ. وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى جَوَازِهِ وَهُوَ قَوْلُ الثَّلَاثَةِ، لَكِنْ مَالِكٌ يَشْتَرِطُ الاِسْتِبْرَاءَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ يُجَوِّزُ الْعَقْدَ قَبْلَ الاِسْتِبْرَاءِ إذَا كَانَت حَامِلًا، لَكِنْ إذَا كَانَت حَامِلًا لَا يَجُوزُ وَطْؤُهَا حَتَّى تَضَعَ، وَالشَّافِعِيُّ يُبِيحُ الْعَقْدَ وَالْوَطْءَ

стр. 2880

مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ مَاءَ الزَّانِي غَيْرُ مُحْتَرَمٍ وَحُكْمُهُ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، هَذَا مَأْخَذُهُ. وَمَالِكٌ وَأَحْمَد يَشْتَرِطَانِ الاِسْتِبْرَاءَ وَهُوَ الصَّوَابُ، لَكِنْ مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ يَشْتَرِطَانِ الاِسْتِبْرَاءَ بِحَيْضَةِ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَن أحْمَد. أَنَّهُ لَا بُدَّ مِن ثَلَاثِ حِيَضٍ، وَالصَّحِيحُ: أنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا الاِسْتِبْرَاءُ فَقَطْ، فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ زَوْجَةً يَجِبُ عَلَيْهَا عِدَّةٌ. وَقَد ثَبَتَ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَصَرِيحِ السُّنةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ: أَنَ الْمُخْتَلِعَةَ لَيْسَ عَلَيْهَا إلَّا الاِسْتِبْرَاءُ بِحَيْضَة، لَا عِدَّة كَعِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، فَإِذَا كَانَت الْمُخْتَلِعَةُ لِكَوْنِهَا لَيْسَتْ مُطَلَّقَةً لَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ؛ بَل الاِسْتِبْرَاءُ -وَيُسَمَّى الاِسْتِبْرَاءُ عِدَّةً- فَالْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَة أَوْلَى، وَالزَّانِيَةُ أَوْلَى. وَعَلَى هَذَا: فَالْعِدَّةُ لَا تَكُونُ إلَّا مِن طَلَاقٍ، لَكِنَّ هَذَا أَيْضًا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَالاِعْتِبَارُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكونُ إلَّا رَجْعِيًّا، وَأَنَّ كُلَّ فُرْقَةٍ مُبَايِنَةٍ فَلَيْسَتْ مِن الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ حَتَّى الْخُلْع. وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْكَلَامُ فِي نِكَاحِ الزَّانِيَةِ، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: فِي اسْتِبْرَائِهَا، وَهُوَ عِدَّتُهَا، وَقَد تَقَدَّمَ قَوْلُ مَن قَالَ: لَا حُرْمَةَ لِمَاءِ الزَّانِي، يُقَالُ لَهُ: الاِسْتِبْرَاءُ لَمْ يَكُن لِحُرْمَةِ مَاءِ الْأَوَّلِ؛ بَل لِحُرْمَةِ مَاءِ الثَّانِي؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَلْحِقَ وَلَدًا لَيْسَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَسْتَبْرِئْهَا وَكَانَت قَد عُلِّقَتْ مِن الزَّانِي. وَأَيْضًا: فَفِي اسْتِلْحَاقِ الزَّانِي وَلَدَهُ إذَا لَمْ تَكُن الْمَرْأَةُ فِرَاشًا قَوْلَانِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَللْعَاهِرِ الْحَجَرُ" (١) فَجَعَلَ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ دُونَ الْعَاهِرِ.

стр. 2881

فَإِذَا لَمْ تَكُن الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْحَدِيثُ، وَعُمَرُ أَلْحَقَ أَوْلَادًا وُلِدُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِآبَائِهِمْ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهَا لَا تَحِلُّ حَتَّى تَتُوبَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالاِعْتِبَارُ. وَالْمَشْهُورُ فِي ذَلِكَ آيَةُ النُّورِ قَوْله تَعَالَى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٣]. وَالَّذِينَ لَمْ يَعْمَلُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ ذَكَرُوا لَهَا تَأوِيلًا وَنَسْخًا: أَمَّا التَّأْوِيلُ: فَقَالُوا الْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ الْوَطْءُ، وَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ فَسَادُهُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ. أَمَّا أَوَّلًا: فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ لَفْظُ نِكَاحٍ إلَّا وَلَا بُدَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعَقْدُ، وَإِن دَخَلَ فِيهِ الْوَطْءُ أيْضًا. فَأَمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ مُجَرَّدُ الْوَطْءِ فَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي كِتَابِ اللهِ قَطُّ. وَثَانِيهَا: أَنَ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ اسْتِفْتَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّزَوُّجِ بِزَانِيَةٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ سَبَبُ النُّزُولِ خَارِجًا مِن اللَّفْظِ؟ الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: الزَّانِي لَا يَطَأُ إلَّا زَانِيَةً، أو الزَّانِيَةُ لَا يَطَؤُهَا إلَّا زَانٍ؛ كَقَوْلِهِ: الْآكِلُ لَا يَأْكُلُ إلَّا مَأْكُولًا، وَالْمَأْكُولُ لَا يَأْكُلُهُ إلَّا آكِلٌ، وَالزَّوْجُ لَا يَتَزَوَّجُ إلَّا بِزَوْجَةٍ، وَالزَّوْجَةُ لَا يَتَزَوَّجُهَا إلَّا زَوْجٌ، وَهَذَا كَلَامٌ يُنَزَّهُ عَنْهُ كَلَامُ اللهِ. الرَّابِعُ: أَنَّ الزَّانِيَ قَد يَسْتَكْرِهُ امْرَأَةً فَيَطَؤُهَا فَيَكُونُ زَانِيًا وَلَا تَكُونُ زَانِيَةً، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ قَد تَزْنِي بِنَائِمٍ وَمُكْرَهٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَلَا يَكُونُ زَانِيًا. وَقَوْلُ مَن قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فِي غَايَةِ الضَّعْفِ.

стр. 2882

فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]؟ قِيلَ: الْمُتَزَوِّجُ بِهَا إنْ كَانَ مُسْلِمًا فَهُوَ زَانٍ، وَإِن لَمْ يَكُن مُسْلِمًا فَهُوَ كَافِرٌ. فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِن تَحْرِيمِ هَذَا وَفَعَلَهُ: فَهُوَ زَانٍ، وَإِن لَمْ يَكُن مُؤْمِنًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَهُوَ مُشْرِكٌ، كَمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كَانُوا يَتَزَوَّجُونَ الْبَغَايَا. يَقُولُ: فَإِنْ تَزَوَّجْتُمْ بِهِنَّ كَمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ مِن غَيْرِ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِ ذَلِكَ فَأَنْتُمْ مُشْرِكُونَ، وَإِنْ اعْتَقَدْتُمْ التَّحْرِيمَ فَأَنْتُمْ زُنَاةٌ (١). [٣٢/ ١٠٩ - ١١٧] * * * (كما تدين تدان) ٤٤٠٥ - إذَا كَانَ [أي: الزوج] يَزْنِي بِنِسَاءِ النَّاسِ كَانَ هَذَا مِمَّا يَدْعُو الْمَرْأَةَ إلَى أَنْ تُمَكنَ مِنْهَا غَيْرَهِ، كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ كَثِيرًا، فَلَمْ أرَ مَن يَزْنِي بِنِسَاءِ النَّاسِ أَو ذُكْرَانٍ إلَّا فَيَحْمِل امْرأتَهُ عَلَى أَنْ تَزْنِيَ بِغَيْرِهِ مُقَابَلَةً عَلَى ذَلِكَ وَمُغَايَظَةً. وأيْضًا فَإِذَا كَانَ عَادَتُهُ الزنى اسْتَغْنَى بِالْبَغَايَا فَلَمْ يَكْفِ امْرَأَتَهُ فِي الْإِعْفَافِ فَتَحْتَاجُ إلَى الزنَا. [٣٢/ ١٢٠] * * * (تفسير ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾) ٤٤٠٦ - ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [المائدة: ٥] الْحَرَائِر، وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ: هُنَّ الْعَفَائِفُ.

стр. 2883

فَقَد نُقِلَ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِيرُ ﴿الْمُحْصَنَاتِ﴾ بِالْحَرَائِرِ وَبِالْعَفَائِفِ، وَهَذَا حَقٌّ. وَلَفْظُ الْمُحْصَنَاتِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْحَرَائِرُ: فَالْعِفَّةُ دَاخِلَةٌ فِي الْإِحْصَانِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ فَإِنَّ أَصْلَ الْمُحْصَنَةِ هِيَ الْعَفِيفَةُ الَّتِي أحْصِنَ فَرْجُهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]. ثمَّ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنَّ الْحُرَّةَ عِنْدَهُم لَا تُعْرَفُ بِالزِّنَا، وَإِنَّمَا تعْرَفُ بِالزنى الْإِمَاءُ، وَلهَذَا لَمَّا بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ هِنْدَ امْرَأةَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى أَلَّا تَزْنِيَ قَالَتْ: أَوَ تَزْنِي الْحُرَّةُ؟ فَهَذَا لَمْ يَكُن مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ. وَالْحُرَّةُ خِلَاف الْأَمَةِ صَارَتْ فِي عُرْفِ الْعَامَّةِ أَنَّ الْحُرَّةَ هِيَ الْعَفِيفَةُ؛ لِأنَّ الْحُرَّةَ الَّتِي لَيْسَتْ أَمَةً كانت مَعْرُوفَةً عِنْدَهُم بِالْعِفَّةِ، وَصَارَ لَفْظُ الْإِحْصَانِ يَتَنَاوَلُ الْحُرّيَّةَ مَعَ الْعِفَّةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَاءَ لَمْ يمُنْ عَفَائِفَ. [٣٢/ ١٢١ - ١٢٢] * * * (حكم زواج الرجل من ابنته من الزِّنَا ؟) ٤٤٠٧ - وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّة ﵀: عَن بِنْتِ الزِّنَا: هَل تزَوَّجُ بِأَبِيهَا؟ فَأَجَابَ: مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ مِن الْعُلَمَاءِ أَنَهُ لَا يَجُوزُ التَّزْوِيجُ بِهَا، وَهُوَ الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، حَتَّى تَنَازَعَ الْجُمْهُورُ: هَل يُقْتَلُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْمُتَأَوّلَ الْمَعْذُورَ لَا يَفْسُقُ؛ بَل وَلَا يَأْثَمُ. فَإِذَا كَانَ يَحْرمُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَنْكِحَ بِنْتَهُ مِن الرِّضَاعِ، وَلَا يَثْبُتَ فِي حَقِّهَا شَيْءٌ مِن أَحْكَامِ النَّسَبِ -سِوَى التَّحْرِيمِ وَمَا يَتْبَعُهَا مِن الْحُرْمَةِ-: فَكَيْفَ يُبَاحُ لَهُ نِكَاحُ بِنْتٍ خُلِقَتْ مِن مَائِهِ؟ وَأَيْنَ الْمَخْلُوقَةُ مِن مَائِهِ مِن الْمُتَغَذِّيَةِ بِلَبَنٍ دُرَّ بِوَطْئِهِ؟ [٣٢/ ١٣٤ - ١٣٦] * * *

стр. 2884

(بِنْتُ الْمُلَاعَنَةِ لَا تُبَاحُ لِلْملَاعِنِ) ٤٤٠٨ - بِنْتُ الْمُلَاعَنَةِ: لَا تُباحُ لِلْملَاعِنِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا نِزَاغ شَاذٌّ، مَعَ أَنَّ نَسَبَهَا يَنْقَطِعُ مِن أَبِيهَا، وَلَكِنْ لَو اسْتَلْحَقَهَا لَلَحِقَتْهُ، وَهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ النَّسَبَ تَتَبَعَّضُ أَحْكَامُهُ، فَقَد يَكُونُ الرَّجُلُ ابْنًا فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ، فَابْنُ الْمُلَاعَنَةِ لَيْسَ بِابْن، لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ، وَهُوَ ابْنٌ فِي بَابِ النِّكَاحِ. [٣٢/ ١٣٩] * * * (حكم نكاح الزَّانِيَةَ) ٤٤٠٩ - الدَّيُّوثُ: الَّذِي لَا غَيْرَهَ لَهُ. وَلهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ مِن قَوْلَي الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الزَّانِيَةَ لَا يَجُوزُ تَزَوُّجُهَا إلَّا بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَت الْمَرْأَة تَزْنِي لَمْ يَكُن لَهُ أَنْ يُمْسِكَهَا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ؛ بَل يُفَارِقُهَا وَإِلَّا كَانَ دَيُّوثًا. [٣٢/ ١٤١] * * * (باب الشروط والعيوب في النكاح) ٤٤١٠ - لو شرطت أنه يطؤها في وقت دون وقت: ذكر القاضي ذلك في الجامع أنه من الشروط الفاسدة. ونصَّ الإمام أحمد في الأَمَة: يجوز أن يشترط أهلها أن تخدمهم نهارًا ويرسلوها ليلًا: يتوجه منه صحة هذا الشرط (١) إن كان فيه غرض صحيح؛ مثل أن يكون لها بالنهار عمل فتشترط ألا يستمتع بها إِلَّا ليلًا ونحو ذلك. [المستدرك ٤/ ١٦٩] ٤٤١١ - شرط عدم النفقة فاسد، ويتوجه صحته، لا سيما إذا قلنا: إنه إذا أعسر الزوج ورضيت الزوجة به لم تملك المطالبة بالنفقة بعد. [المستدرك ٤/ ١٦٩]

стр. 2885

٤٤١٢ - إذا اشترطت ألا تسلِّم نفسها إلا في وقت بعينه فهو نظير تأخير التسليم في البيع والإجارة، وقياس المذهب صحته، وذكر أصحابنا أنه لا يصح. [المستدرك ٤/ ١٦٩] ٤٤١٣ - لو شرطت زيادة في النفقة فقياس المذهب وجوب الزيادة، وكذلك إذا اشترطت زيادة في المنفعة التي يستحقها بمطلق العقد، مثل أن تشترط ألا يترك الوطء إلا شهرًا، أو ألا يسافر عنها أكثر من شهر: فإن أصحابنا القاضي وغيره قالوا في تعليل المسألة: لأنها شرطت عليه شرطًا لا يمنع المقصود بعقد النكاح، ولها فيه منفعة فيلزم الزوج الوفاء به. وهذا التعليل يقتضي صحة كلِّ شرط لها فيه منفعة ولا يمنع مقصود النكاح (١). [المستدرك ٤/ ١٦٩] ٤٤١٤ - في مفردات ابن عقيل: ذكر أبو بكر فيما إذا شرط ألا يطأ، أو (٢) لا ينفق، أو إن فارق رجع بما أنفق: روايتين. يعني: في صحة العقد. قال الشيخ تقي الدين: ويحتمل صحة شرط عدم النفقة. واختار فيما إذا شرط أن لا مهر: فساد العقد، وأنه قول أكثر السلف. واختار أيضا الصحة فيما إذا شرط عدم الوطء كشرط ترك ما تستحقه. ونقل الأثرم توقفه (٣) في الشرط. [المستدرك ٤/ ١٧٠] ٤٤١٥ - إذا شرط الزوج للزوجة في العقد، أو اتفقا قبله ألا يُخرجها من دارها، أو بلدها، أو لا يتزوج، أو لا يتسوى عليها، أو إن تزوج عليها فلها تطليقها: صح الشرط، وهو مذهب الإمام أحمد.

стр. 2886

وإذا أراد أن يتزوج عليها أو يتسرى، وقد شرط لها عدم ذلك: فقد يُفهم من إطلاق أصحابنا جوازه بدون إذنها، لكونهم إنما ذكروا أن لها الفسخ ولم يتعرضوا للمنع. وما أظنهم قصدوا ذلك. وظاهر الأثر والقياس يقتضي منعه كسائر الشروط الصحيحة. وقال أيضًا: لو شرط ألا يخرجها من منزل أبويها فمات الأب: فالظاهر أن الشرط باطل، ويحتمل ألا يخرجها من منزل أمها إلا أن تتزوج الأم. ولو تعذر سكن المنزل لخراب أو غيره فهل يسقط حقها من الفسخ بنقلها عنه؟ أفتيت بأنه إن نقلها إلى منزل ترتضيه هي فلا فسخ. وإن نقلها إلى منزل لا ترتضيه فلها الفسخ، ولم أقف فيه على نقل (١). [المستدرك ٤/ ١٧١ - ١٧٢] ٤٤١٦ - لا يصح نكاح المحلل، ونية ذلك كشرطه. وإذا ادعى الزوج الثاني أنه نوى التحليل أو الاستمتاع: فينبغي ألا يقبل منه في بطلان نكاح المرأة، إلا أن تصدقه، أو تقوم بيِّنَة إقرار على التواطؤ قبل العقد. ولا ينبغي أن يُقبل على الزوج الأول، فتحل في الظاهر بهذا النكاح إلا أن يصدق على إفساده. فأما إن كان الزوج الثاني ممن يعرف بالتحليل: فينبغي أن يكون ذلك تقدم اشتراطه، إلا أن يصرح قبل العقد بأنه نكاح رغبة. وأما الزوج الأول: فإن غلب على ظنِّه صدق الزوج الثاني حرمت عليه فيما بينه وبين الله تعالى.

стр. 2887

ولو تقدم شرط عرفي أو لفظي بنكاح التحليل، وادعى أنه قصد نكاح الرغبة: قُبل في حق المرأة إن صححنا هذا العقد، وإلا فلا. وإن ادعاه بعد المفارقة: ففيه نظر، وينبغي ألا يقبل قوله؛ لأن الظاهر خلافه. ولو صدقت الزوجة أن النكاح الثاني كان فاسدًا فلا تحل للأول، لاعترافها بالتحريم عليه. [المستدرك ٤/ ١٧٣ - ١٧٤] ٤٤١٧ - إن شرط الزوجان أو أحدهما فيه (١) خِيارًا صح العقد والشرط (٢). [المستدرك ٤/ ١٧٥] ٤٤١٨ - لو شرط عليها أن تحافظ على الصلوات الخمس وتلزم الصدق والأمانة فيما بعد العقد فتركته فيما بعد: ملك الفسخ، كما لو شرطت عليه ترك التسري فتسرى. [المستدرك ٤/ ١٧٥] ٤٤١٩ - إن شرطها بكرًا أو جميلة فهل له الخيار؟ على وجهين: أحدهما: له الخيار واختاره الشيخ تقي الدين. قال شيخنا: ويرجع على الغار. [المستدرك ٤/ ١٧٥] ٤٤٢٠ - وإذا أعتقت الأمة تحت عبد ثبت الخيار لها اتفاقًا، وكذلك تحت حر، وهو رواية عن الإمام أحمد ومذهب أبي حنيفة. ولو شرط عليها سيدها دوام النكاح تحت حر أو عبد فرضيت: لزمها ذلك، ومذهب الإمام أحمد يقتضيه؛ فإنه يجوز العتق بشرط. * * *

стр. 2888

(هل الشرط الفاسد يُبطل النكاح ؟) ٤٤٢١ - الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ فِي النِّكَاحِ كَثِيرَةٌ: كَنِكَاحِ الشِّغَارِ، وَالْمُحَلِّلِ، وَالْمُتْعَةِ، وَمِثْل أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَلَّا مَهْرَ لَهَا، أَو عَلَى مَهْرٍ مُحَرَّمٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ. وَللْعُلَمَاءِ فِيهَا أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ. وَالثانِي: يَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَبْطُلُ الشرْطُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ فِي الْجَمِيعِ. والْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ: أَنَّهُ يَبْطُلُ نِكَاحُ الشِّغَارِ وَالْمُتْعَةِ وَنِكَاحُ التَّحْلِيلِ الْمَشْرُوطُ فِي الْعَقْدِ، وَيَصِحُّ النِّكَاحُ مَعَ الْمَهْرِ الْمُحَرَّمِ وَمَعَ نَفْيِ الْمَهْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَد احْتَجَّ الْأَكْثَرُونَ عَلَى هَؤُلَاءِ بِالنُّصُوصِ الثَّابِتَةِ عَن النَّبِيِّ ﷺ ، بِنَهْيِهِ عَن نِكَاحِ الشِّغَار، وَعَن نِكَاحِ التَّحْلِيلِ؛ كَنَهْيِهِ عَن نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَالنَّهْيُ عَن النِّكَاحِ يَقْتَضِي فَسَادَهُ؛ كَنَهْيِهِ عَن النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ، وَالنِّكَاحِ بِلَا وَليٍّ وَلَا شُهُودٍ. وَبِأَنَّ الصَّحَابَةَ أَبْطَلُوا هَذِهِ الْعُقُودَ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي نِكَاحِ الشِّغَارِ، وَجَعَلُوا نِكَاحَ التَّحْلِيلِ سِفَاحًا، وَتَوَعَّدُوا الْمُحَلِّلَ بِالرَّجْم، وَمَنَعُوا مِن غَيْرِ نِكَاحِ الرَّغْبَةِ. فَتَبَيَّنَ بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَسَادُ هَذِهِ الْأَنْكِحَةِ. وَلِأَنَّ الشُّرُوطَ فِي النِّكَاحِ أَوْكَدُ مِنْهَا فِي الْبَيْعِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (١): "إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ" (٢)، ثُمَّ

стр. 2889

الْبَيْعُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالتَّرَاضِي؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، فَالنِّكَاحُ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالتَّرَاضِي بِطَرِيقِ الْأوْلَى وَالْأَحْرَى. وَالْعَقْدُ الْفَاسِدُ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْعَاقِدُ إلَّا عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ، فَإِلْزَامُهُ بِدُونِ تِلْكَ الصِّفَةِ إلْزَامٌ بِعَقْدٍ لَمْ يَرْضَ بِهِ، وَهُوَ خِلَافُ النُّصُوصِ وَالْأصُولِ. وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنَّ الْأمْرَ إلَيْهَا: - فَإِنْ رَضِيَتْ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ كَانَ زَوْجًا، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ. - وَإِن لَمْ تَرْضَ بِهِ لَمْ يَكن زَوْجًا؛ كَالنِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ عَلَى إجَازَتِهَا، وَكَذَلِكَ فِي النِّكَاحِ عَلَى مَهْرٍ لَمْ يُسلَّمْ لَهَا؛ لِتَحْرِيمِهِ، أَو اسْتِحْقَاقِهِ، فَإِنْ شَاءَتْ أَنْ تَرْضَى بِهِ زَوْجًا بِمَهْر آخَرَ كَانَ ذَلِكَ، وَإِن شَاءَتْ أَنْ تُفَارِقَهُ فَلَهَا ذَلِكَ، وَلَيْسَ قَبْلَ رِضَاهَا نِكَاحٌ لَازِمٌ. [٣٢/ ١٥٧ - ١٦٤] * * * (هل يصح أن تشترط المرأة عِنْدَ النِّكَاحِ ألا يَتَزَوَّج عَلَيْهَا ؟) ٤٤٢٢ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةٍ فَشُرِطَ عَلَيْهِ عِنْدَ النِّكَاحِ أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُلُهَا مِن مَنْزِلِهَا، وَكَانَت لَهَا ابْنَة فَشُرِطَ عَلَيْهِ أَنْ تَكونَ عِنْدَ أُمِّهَا. فَهَل يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ تَصِحُّ هَذِهِ الشُّرُوطُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ؛ كَعُمَر بْنِ الْخَطَّابِ وَعَمْرِو بْنِ العاص ﵄، وشريح الْقَاضِي وَالْأوْزَاعِي وَإِسْحَاق. وَمَذْهَبُ مَالِك إذَا شُرِطَ أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَو تَسَرَّى أنْ يَكُونَ أمْرُهَا

стр. 2890

بِيَدِهَا وَنَحْو ذَلِكَ: صَحَّ هَذَا الشَّرْطُ أَيْضًا وَمَلَكَت الْفُرْقَة بِهِ، وَهُوَ فِي الْمَعْنَى نَحْوُ مَذْهَبِ أَحْمَد فِي ذَلِكَ. لِمَا أَخْرَجَاهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُّوجَ". [٣٢/ ١٦٤] * * * (حكم من تزوج وشُرِط عليه في العقد أن كل امرأة يتزوجها فهي طالق وكل جارية يتسرى بها تعتق عليه؛ ثم إنه تزوج وتسرى ؟) ٤٤٢٣ - الْأَقْوَالُ فِي هَذه الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَة: أَحَدُهَا: يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ. والثَّانِي: لَا يَقَعُ بِهِ وَلَا تَمْلِكُ امْرَأَتُهُ فِرَاقَهُ. والثَّالِثُ -وَهُوَ أعْدَلُ- الْأقْوَالِ: أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاق وَلَا عِتَاق، لَكِنْ لِامْرَأَتِهِ مَا شَرَطَ لَهَا، فَإِنْ شَاءَتْ تُقِيمُ مَعَهُ؛ وَإِن شَاءَتْ أَنْ تُفَارِقَهُ. وَهَذَا أَوْسَطُ الأَقْوَالِ. [٣٢/ ١٦٩] * * * (هل الفسخ المختلف فيه يفتقر إلى حاكم ؟) ٤٤٢٤ - الْأَقْوَى أَنَّ الْفَسْخَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ كَالْعُنَّةِ: لَا يَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ، لَكِنْ إذَا رُفِعَ إلَى حَاكِمٍ يَرَى فِيهِ إمْضَاءَهُ أَمْضَاهُ، وَإِن رَأَى إبْطَالَهُ أَبْطَلَهُ. [٣٢/ ١٦٥] * * * (بَاب الْعُيُوبِ فِي النِّكَاحِ) ٤٤٢٥ - إذَا ظَهَرَ بِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ جُنُونٌ أو جُذَامٌ أَو بَرَصٌ: فَلِلْآخَرِ فَسْخُ

стр. 2891

النِّكَاحِ، لَكِنْ إذَا رَضِيَ بَعْدَ ظُهُورِ الْعَيْبِ فَلَا فَسْخَ لَهُ، وَإِذَا فَسَخَتْ فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ شَيْئًا مِن جِهَازِهَا، وَإِن فَسَخَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ مَهْرُهَا، وَإِن فَسَخَتْ بَعْدَهُ لَمْ يَسْقُطْ. [٣٢/ ١٧١] ٤٤٢٦ - خرج الشيخ تقي الدين جواز الفسخ بلا حكم في الرضى بعاجز عن الوطء كعاجز عن النفقة، قال في القاعدة الثالثة والستين: ورجح الشيخ تقي الدين أن جميع الفسوخ لا تتوقف على حكم حاكم. [المستدرك ٤/ ١٧٧] ٤٤٢٧ - السُّنَّة المعتبرة في التأجيل هي الهلالية، وهذا هو المفهوم من كلام العلماء؛ لكن تعليلهم بالفصول يوهم خلاف ذلك؛ لكن ما بينهما متقارب. ويتخرج إذا علمت بعنته أو اختارت المقام معه على عسرته هل لها الفسخ؟ على روايتين. ولو خُرِّج هذا في جميع العيوب لتوجه. [المستدرك ٤/ ١٧٧ - ١٧٨] ٤٤٢٨ - ترد المرأة بكل عيب ينفر عن كمال الاستمتاع. [المستدرك ٤/ ١٧٨] ٤٤٢٩ - لو بان الزوج عقيمًا: فقياس قولنا: ثبوتُ (١) الخيار للمرأة؛ لأن (٢) لها حقًّا في الولد؛ ولهذا قلنا: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، وعن الإمام أحمد ما يقتضيه، وروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أيضًا. ولو قيل: إن الفسخ يثبت بتراضيهما تارة، وبحكم الحاكم أخرى، أو بمجرد فسخ المستحق، ثم الآخر إن أمضاه وإلا أمضاه الحاكم: لتوجه، وهو الأقوى. ومتى أذن الحاكم أو حكم لأحد باستحقاق عقد أو فسخ مأذون له: لم

стр. 2892

يحتج بعد ذلك إلى حكم بصحته بلا نزاع، لكن لو عقد الحاكم أو فسخ: فهو فعله والأصح أنه حكم. وإذا اعتبر تفريق الحاكم ولم يكن في الموضع حاكم يفرق: فالأشبه أن لها الامتناع، وكذلك تملك الانتقال من منزله؛ فإن من ملك الفسخ للعقد ملك الامتناع من التسليم، وينبغي أن تملك النفقة في هذه المدة لأنَّ المانع منه. [المستدرك ٤/ ١٧٨ - ١٧٩] ٤٤٣٠ - إذا دخل النقصُ على الزوج؛ لعيب المرأة، أو (١) فوات صفة، أو شرط صحيح أو باطل: فإنه ينقص من المسمى بنسبة ما نقص، وهذا النقص من مهر المثل. وإذا كان الذي نقص هو المرأة (٢)، بأن يكون الزوج هو المعيب، أو (٣) تكون قد اشترطت فيه صفة أو شرطًا صحيحًا أو فاسدًا: فالواجب هنا أن ينسب ما نقص هذا الفائت من مهر المثل لولا وجوده (٤) فيزاد على المسمى بنسبته. فيقال: كم مهر المثل لو لم يسلم لها ما شرطته، أو كان الزوج معيبًا؟ فيقال: ألف درهم، وإذا سلَّم لها ذلك أو كان الزوج سليمًا فيقال: ثمانمائة درهم، فيكون فوات الصفة والعيب قد نقصها من مهر المثل الخمس؛ فينقصها من المسمى بحسب ذلك. فيكون بقيَّتَه (٥) مالٌ ذهب منه خمسه، فيزاد عليه مثل ربعه، فإذا كان

стр. 2893

ألفين: استحقت (١) ألفين وخمسمائة. وهذا هو المهر الذي رضيت به لو كان الزوج معيبًا أو لم يشترط صفة، وهذا هو العدل، ويرجع الزوج المغرور بالصداق على من غرَّه من المرأة أو الولي في أصح قولي العلماء. [المستدرك ٤/ ١٧٩] * * * (هل الاستحاضة الدائمة عيب يُفسخ به النكاح ؟) ٤٤٣١ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِكْرًا فَوَجَدَهَا مُسْتَحَاضَةً لَا يَنْقَطِعُ دَمُهَا مِن بَيْتِ أُمِّهَا، وَأَنَّهُم غَرُّوهُ، فَهَل لَهُ فَسْخُ النِّكاحِ وَيَرْجِعُ عَلَى مَن غَرَّهُ بِالصَّدَاقِ؟. فَأَجَابَ: هَذَا عَيْبٌ يَثْبُتُ بِهِ فَسْخُ النِّكَاحِ فِي أَظْهَر الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ؛ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْوَطْءُ مَعَهُ إلَّا بِضَرَر يَخَافُهُ وَأَذًى يَحْصُلُ لَهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ وَطْءَ الْمُسْتَحَاضَةِ عِنْدَ أَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَة. وَمَا يَمْنَعُ الْوَطْءَ حِسًّا؛ كَاسْتِدَادِ الْفَرْجِ، أَو طَبْعًا؛ كَالْجُنُونِ وَالْجُذَامِ: يُثْبِتُ الْفَسْخَ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، كَمَا جَاءَ عَن عُمَرَ. وَأَمَّا مَا يَمْنَعُ كَمَالَ الْوَطْءِ كَالنَّجَاسَةِ فِي الْفَرْجِ: فَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ أَشَدُّ مِن غَيْرِهَا. وَإِذَا فُسِخَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ. وَإِن فُسِخَ بَعْدَهُ؟ قِيلَ: إنَّ الصَّدَاقَ يَسْتَقِرُّ بِمِثْل هَذِهِ الْخَلْوَةِ، وَإِن كَانَ قَد وَطِئَهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ عَلَى مَن غَرَّهُ.

стр. 2894

وَقِيلَ: لَا يَسْتَقِرُّ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَ مَن ادَّعَى الْغُرُورَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَغُرَّهُ. وَلَهُ الْخِيَارُ مَا لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى الرضى بِقَوْلٍ أَو فِعْلٍ. فَإِنْ وَطِئَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا خِيَارَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الْجَهْلَ، فَهَل لَهُ الْخِيَارُ؟ فِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، وَالْأظْهَرُ ثُبُوتُ الْفَسْخِ. [٣٢/ ١٧٢ - ١٧٣] * * * (هل لمن تزوج بكرًا فبانت ثيبًا فسخ النكاح ؟) ٤٤٣٢ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأة عَلَى أنَّهَا بِكْرٌ فَبَانَتْ ثَيِّبًا، فَهَل لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ وَيَرْجعُ عَلَى مَن غَرَّهُ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: لَهُ فَسْخُ النِّكَاحِ، وَلَه أَنْ يُطَالِبَ بِأَرْشِ الصَّدَاقِ -وَهُوَ تَفَاوُتُ مَا بَيْنَ مَهْرِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ- فَيُنْقِصُ بِنِسْبَتِهِ مِن الْمُسَمَّى، وَإِذَا فَسَخَ قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ الْمَهْرُ. [٣٢/ ١٧٣] * * * (حكم النكاح في الْجَاهِلِيَّةِ؟ وحكم مناكح أهل الشرك ؟) ٤٤٣٣ - النِّكَاحُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ صَحِيحٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَنَاكِحِ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّتِي لَا تَحْرُمُ فِي الْإِسْلَامِ، وَيَلْحَقُهَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ: مِن الْإِرْثِ وَالْإِيلَاءِ وَاللِّعَانِ وَالظهَارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. [٣٢/ ١٧٤] * * * (باب نكاح الكفار) ٤٤٣٤ - الصواب: أن أنكحتهم المحرمة في دين الإسلام: حرام مطلقًا، إذا لم يسلموا عُوقبوا عليها. وإن أسلموا: عفي لهم عن ذلك؛ لعدم اعتقادهم تحريمه.

стр. 2895

واختلف في الصحة والفساد. والصواب: أنها صحيحة من وجه فاسدة من وجه (١): - فإن أريد بالصحة إباحة التصرف: فإنما يباح لهم بشرط الإسلام. - وإن أريد نفوذه وترتيب أحكام الزوجية عليه: من حصولِ الحلّ به للمطلِّق ثلاثًا، ووقوعِ الطلاق فيه، وثبوتِ الإحصان به: فصحيح. [المستدرك ٤/ ١٨٠] ٤٤٣٥ - يحتمل أن يقال في أنكحة الكفار التي نقضي بفسادها: إن كان حصل بها دخول استقرت، وإن لم يكن حصل دخول فرق بينهما. وإن أسلم الكافر أو ترافعوا إلينا والمهر فاسد، وقبضته الزوجة ودخل بها الزوج: استقر. وإن لم يكن دخل وقبضته فرض لها مهر المثل، ونصَّ عليه الإمام أحمد. [المستدرك ٤/ ١٨٠ - ١٨٢] ٤٤٣٦ - إن أسلمت الزوجة والزوج كافر ثم أسلم قبل الدخول أو بعد الدخول: فالنكاح باق ما لم تنكح غيره، والأمر إليها، ولا حكم له عليها، ولا حق لها عليه؛ لأن الشارع لم يفصل، وهو مصلحة محضة، وكذا إن أسلم قبلها، وليس له حبسها، فمتى أسلمت ولو قبل الدخول أو بعده فهي امرأته إن اختار. ونقل عنه (٢) ابن منصور في نصراني تزوج نصرانية على قلة تمر ثم أسلما: فإن دخل بها فهو جائز، وإن لم يدخل بها فلها صداق مثلها.

стр. 2896

وظاهر هذا: أنه قبل الدخول يجب مهر المثل بكل حال وإن قبضت المحرم. قال أبو العباس: وهو قوي؛ إذ تقابض الكفار إنما يمضي على المشهور إذا وجد عن الطرفين، وهنا البضع لم يقبض. وكذا إن ارتد الزوجان أو أحدهما ثم أسلما أو أحدهما. [المستدرك ٤/ ١٨٢ - ١٨٣] ٤٤٣٧ - قياس المذهب فيما أراه أن الزوجة إذا أسلمت قبل الزوج فلا نفقة لها؛ لأن الإسلام سبب يوجب البينونة. والأصل عدم إسلامه في العدة، فإذا لم يسلم حتى انقضت العدة تبينا وقوع البينونة بالإسلام، ولا نفقة عندنا للبائن، وإن أسلم قبل انقضائها فههنا [قد] (١) يُخَرَّج وجهًا له. [المستدرك ٤/ ١٨٣] ٤٤٣٨ - لو تزوج المرتدُ كافرةً مرتدةً كانت أو غيرها، أو تزوج المرتدةَ كافرٌ ثم أسلما: فالذي ينبغي أن يقال هنا: إنا نقرهم على نكاحهم أو مناكحهم؛ كالحربي إذا نكح نكاحًا فاسدًا ثم أسلما فإن المعنى واحد. وهذا جيد في القياس إذا قلنا: إن المرتد لا يؤمر بقضاء ما تركه في الردة من العبادات، لكن طرده: أنه لا يحد على ما ارتكبه في الردة من المحرمات، وفيه خلاف في المذهب. وإن كان المنصوص أنه يحد. ومما يدخل في هذا: كل عقود المرتدين إذا أسلموا قبل التقابض أو بعده.

стр. 2897

وهذا باب واسع يدخل فيه جميع أحكام أهل الشرك في النكاح وتوابعه، والأموال وتوابعها لو استولوا على مال مسلم أو تقاسموا ميراثًا ثم أسلموا بعد ذلك، والدماء وتوابعها. [المستدرك ٤/ ١٨٥] ٤٤٣٩ - قوله: وإن أسلم الزوجان معًا فهما على نكاحهما. قال الشيخ تقي الدين: يدخل في المعية لو شرع الثاني قبل أن يفرغ الأول. [المستدرك ٤/ ١٨٥] ٤٤٤٠ - وإن كانت الردة بعد الدخول: فهل تتعجل الفرقة أو تقف على انقضاء العدة؟ على روايتين. واختار الشيخ تقي الدين هنا مثل اختياره فيما إذا أسلم أحدهما بعد الدخول كما تقدم. [المستدرك ٤/ ١٨٥] * * * (حكم نكاح الكتابية ؟) ٤٤٤١ - نِكَاحُ الْكِتَابِيَّةِ جَائِزٌ بالْآيَةِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِن الْأئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَد رُوِيَ عَن ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ نِكَاحَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ شُرَكَاءَ أَعْظَمَ مِمَن تَقُولُ: إنَّ رَبَّهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَهُوَ الْيَوْم مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِن أَهْلِ الْبِدَعِ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَد وَصَفَهُم بِالشِّرْكِ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. قِيلَ: إنَّ أَهْلَ الْكِتَاب لَيْسَ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ شِرْكٌ؛ فَإِنَّ اللهَ إنَّمَا بَعَثَ الرُّسُلَ بِالتَّوْحِيدِ، فَكُلُّ مَن آمَنَ بِالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ لَمْ يَكُن فِي أَصْلِ دِينِهِمْ شِرْكٌ، وَلَكِنَّ النَّصَارَى ابْتَدَعُوا الشِّرْكَ كَمَا قَالَ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾

стр. 2898

فَحَيْثُ وَصَفَهُم بِأَنَّهُم أَشْرَكُوا فَلِأَجْلِ مَا ابْتَدَعُوهُ مِن الشرْكِ الَّذِي لَمْ يَأْمُر اللهُ بِهِ. [٣٢/ ١٧٨ - ١٧٩] * * * (حكم وَطْء الْإِمَاءِ الْكِتَابِيَّاتِ والمجوسيات ؟) ٤٤٤٢ - وَطْءُ الْإِمَاءِ الْكِتَابِيَّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَقْوَى مِن وَطْئِهِنَّ بِمِلْكِ النِّكاحِ عِنْدَ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ مِن الْأَئِمَّةِ الْأرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يُذْكَرْ عَن أَحَدٍ مِن السَّلَفِ تَحْرِيم ذَلِكَ كَمَا نُقِلَ عَن بَعْضِهِمْ الْمَنْعُ مِن نِكَاحِ الْكِتَابِيَّاتِ. وَأَمَّا الْأَمَةُ الْمَجُوسِيَّةُ: فَالْكَلَامُ فِيهَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ نِكَاحَ الْمَجُوسِيَّاتِ لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْوَثَنِيَّاتِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد عَن خَمْسَةٍ مِن الصَّحَابَةِ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَجَعَلَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مِن جِنْسِ خِلَافِ أَهْلِ الْبِدَعِ. والْأَصْلُ الثَّانِي: أَنَّ مَن لَا يَجُوزُ نِكَاحُهُنَ لَا يَجُوزُ وَطْؤُهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَالْوَثَنِيَّاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِك وَالشَّافِعِيِّ وَأحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَحُكِيَ عَن أَبِي ثَوْرٍ: أَنَّهُ قَالَ: يُبَاحُ وَطْءُ الْإِمَاءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ عَلَى أَيِّ دِينٍ كُنَّ. فَقَد تبَيَّنَ أَنَّ فِى وَطْءِ الْأمَةِ الْوَثَنِيَّةِ نِزَاعًا. وَحِينَئِذٍ فَنَقُولُ: الدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ التَّسَرِّي بِهِنَّ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ، وَلَمْ يَقُمْ عَلَى تَحْرِيمِهِنَّ دَلِيلٌ مِن نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ، فَبَقِيَ حِلُّ وَطْئِهِنَّ عَلَى الْأَصْلِ. الثانِي: أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، يَقْتَضِي عُمُومَ جَوَازِ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مُطْلَقًا إلَّا مَا استَثْنَاهُ الدَّليلُ. [٣٢/ ١٨١ - ١٨٣] * * *

стр. 2899

(المجوس ليسوا أهل كتاب) ٤٤٤٣ - وَأَمَّا الْمَجُوسِيَّةُ فَقَد ذَكَرْنَا أَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَجُوسَ لَا تَحِل ذَبَائِحُهُم وَلَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يُقَالَ: لَيْسُوا مِن أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمَن لَمْ يَكُن مِن أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يَحِلَّ طَعَامُهُ وَلَا نِسَاؤُهُ. وَأَيْضًا: فَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّة وَغَيْرِهِ مِن التَّابِعِينَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِن الْمَجُوسِ وَقَالَ: "سُنُوا بِهِم سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ، وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ" (١) وَهَذَا مُرْسَلٌ. وَعَن خَمْسَةٍ مِن الصَّحَابَةِ تُوَافِقُهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْهُم خِلَافٌ. وَقَد عَمِلَ بِهَذَا الْمُرْسَلِ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَالْمُرْسَلُ: فِي أَحَدِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ حُجَّة؛ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَفِي الْآخَرِ: هُوَ حُجَّة إذَا عَضَّدَهُ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ، أَو أُرْسِلَ مِن وَجْهٍ آخَرَ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. فَمِثْلُ هَذَا الْمُرْسَلِ حُجَّة بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَهَذَا الْمُرْسَلُ نَصٌّ فِي خُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ. فَإِنْ قِيلَ: رُوِيَ عَن عَلِيٍّ: أَنَّهُ كَانَ لَهُم كِتَابٌ فَرُفِعَ. قِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ قَد ضَعَّفَهُ أَحْمَد وَغَيْرُهُ، وَإِن صَحَّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهُم كِتَابٌ فَرُفِعَ، لَا أَنَّهُ الْآنَ بِأَيْدِيهِمْ كِتَابٌ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ

стр. 2900

يَدْخُلُوا فِي لَفْظِ: (أَهْلِ الْكِتَابِ)؛ إذ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ كِتَابٌ لَا مُبَدَّلٌ وَلَا غَيْرُ مُبَدَّلٍ، وَلَا مَنْسُوخٌ وَلَا غَيْرُ مَنْسُوخٍ. [٣٢/ ١٨٧ - ١٨٩] * * * (بَابُ الصَّدَاقِ) ٤٤٤٤ - السُّنَّةُ: تَخْفِيفُ الصَّدَاقِ وَأَلَّا يَزِيدَ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَنَاتِهِ، فَقَد رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ أَعْظَمَ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً" (١). وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصْدِقَ الْمَرْأَةَ صَدَاقًا يَضُرُّ بِهِ إنْ نَقَدَهُ، وَيَعْجِزُ عَن وَفَائِهِ إنْ كَانَ دَينًا. وَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْجَفَاءِ وَالْخُيَلَاءِ وَالرِّيَاءِ مِن تَكْثِيرِ الْمَهْرِ لِلرِّيَاءِ وَالْفَخْرِ، وَهُم لَا يَقْصِدُونَ أَخْذَهُ مِن الزَّوْجِ، وَهُوَ يَنْوِي أَلَّا يُعْطِيَهُم إيَّاهُ: فَهَذَا مُنْكَرٌ قَبِيحٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ، خَارِجٌ عَن الشَّرِيعَةِ. وَإِن قَصَدَ الزَّوْجُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ وَهُوَ فِي الْغَالِبِ لَا يُطِيقُة: فَقَد حَمَّلَ نَفْسَهُ، وَشَغَلَ ذِمَّتَه، وَتَعَرَّضَ لِنَقْصِ حَسَنَاتِهِ، وَارْتهَانِهِ بِالدَّيْنِ، وَأَهْلُ الْمَرْاةِ قَد آذَوْا صِهْرَهُم وَضَرُّوهُ. وَالْمُسْتَحَبُّ فِي الصَّدَاقِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْيَسَارِ: أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ عَاجِلِهِ وَآجِلِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا بَنَاتِهِ، وَكَانَ مَا بَيْنَ أَرْبَعِمِائَةٍ إلَى خَمْسِمِائَةٍ بِالدَّرَاهِمِ الْخَالِصَةِ نَحْوًا مِن تِسْعَةَ عَشَرَ دِينَارًا، فَهَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَد اسْتَنَّ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الصَّدَاقِ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قُلْت لِعَائِشَةَ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ رَسُولِ اللّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيِّ عَشْرَةَ أُوقِيَّة وَنَشًّا.

стр. 2901

قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قلْت: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ، فَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَم. رَوَاة مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ". وَقَد تَقَدَّمَ عَن عُمَرَ أَنَّ صَدَاقَ بَنَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ نَحْوًا مِن ذَلِكَ. فَمَن دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَى أَنْ يَزِيدَ صَدَاقَ ابْنَتِهِ عَلَى صَدَاقِ بَنَاتِ رَسُولِ اللّهِ ﷺ اللَّوَاتِي هُنَ خَيْرُ خَلْقِ اللهِ فِي كُلِّ فَضِيلَةٍ، وَهُنَّ أَفْضَلُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فِي كُلِّ صِفَةِ: فَهُوَ جَاهِلٌ أَحْمَقُ. وَهَذَا مَعَ الْقُدْرَةِ وَالْيَسَارِ، فَأمَّا الْفَقِيرُ وَنَحْوُهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصْدِقَ الْمَرْأَةَ إلا مَا يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ. وَالْأوْلَى تَعْجِيلُ الصَّدَاقِ كُلِّهِ لِلْمَرْأَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ إذَا أَمْكَنَ، فَإِنْ قَدَّمَ الْبَعْضَ وَأخَّرَ الْبَعْضَ: فَهُوَ جَائِزٌ، وَقَد كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ الطَّيِّبُ يُرَخِّصُونَ الصَّدَاقَ. فَتَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى وَزْنِ نَوَاةِ مِن ذَهَبٍ. قَالُوا: وَزْنُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثٌ. وَزَوَّجَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِنْتَه عَلَى دِرْهَمَيْنِ وَهِيَ مِن أَفْضَلِ أَيِّمٍ مِن قُرَيْشٍ، بَعْدَ أَنْ خَطَبَهَا الْخَلِيفَةُ لِابْنِهِ فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهَا بِهِ. وَالَّذِي نُقِلَ عَن بَعْضِ السَّلَفِ مِن تَكْثِيرِ صَدَاقِ النِّسَاءِ فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأنَّ الْمَالَ اتَّسَعَ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا يُعَجِّلُونَ الصَّدَاقَ كُلَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، لَمْ يَكُونُوا يُؤَخرُونَ مِنْهُ شَيْئًا. وَمَن كَانَ لَهُ يَسَارٌ وَوَجَدَ فَأَحَبَّ أَنْ يُعْطِيَ امْرَأَتَهُ صَدَاقًا كَثِيرًا فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠]. أَمَّا مَن يَشْغَلُ ذِمَّتَهُ بِصَدَاق لَا يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَهُ، أَو يَعْجِزُ عَن وَفَائِهِ: فَهَذَا مَكْرُوهٌ.

стр. 2902

وَكَذَلِكَ مَن جَعَلَ فِي ذِمَّتِهِ صَدَاقًا كَثِيرًا مِن غَيْرِ وَفَاءِ لَهُ: فَهَذَا لَيْسَ بِمَسْنُون. [٣٢/ ١٩٢ - ١٩٥] ٤٤٤٥ - مَا يُقَدِّمُهُ الزَّوْجُ لِلْمَرْأَةِ مِن النَّقْدِ الَّذِي اتَّفَقُوا عَلَيْهِ -غَيْرَ الصَّدَاقِ الَّذِي يُكْتَبُ فِي الْكِتَابِ- إذَا أَعْطَاهَا الزَّوْجُ ذَلِكَ أَو بَعْضَهُ أَو بَدَلَهُ: فَإِنَّهُ لَا يُحْسَبُ عَلَيْهَا مِن الصَّدَاقِ الْمَكْتُوبِ؛ بَل لَو لَمْ يُعْطِهَا ذَلِكَ لَكَانَ لَهَا أَنْ تَطْلُبَهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ، وَكَانَ مِن الصَّدَاقِ الَّذِي يَسْتَقِرُّ بِالْمَوْتِ تَأْخُذُهُ كُلُّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنَّهَا إذَا رَضِيَتْ بِأَنْ يَكونَ لَهَا مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ -يُسَمِّيهِ السَّلَفُ: عَاجِلًا وَآجِلًا- وَشَارَطَتْهُ عَلَى أَنْ يُقَدِّمَ لَهَا كَذَا وَيُؤَخِّرَ كَذَا - وَإِن لَمْ تَذْكُرْ حِينَ الْعَقْدِ - فَالشَّرْطُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الْعَقْدِ إذَا لَمْ يُفْسَخْ حِينَ عَقْدِ الْعَقْدِ كَالْمَشْرُوطِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أَنَّهُ إذَا دَخَلَ بِهَا يُعْطِيهَا قَبْلَ الدُّخُولِ ذَلِكَ، فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَمْ تَسْتَحِقَّ مَا شَرَطَ لَهَا تَعْجِيلَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ. [٣٢/ ١٩٥ - ١٩٦] ٤٤٤٦ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلِ اعْتَقَلَتْهُ زَوْجَتُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ عَلَى الصَّدَاقِ مُدَّةَ شَهْرَيْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَوْجُودٌ، فَهَل يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أنْ يُبْقِيَهُ أَو يُطْلِقُهُ؟ فَأَجَابَ: إذَا لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ: حَلَّفَهُ الْحَاكِمُ عَلَى إعْسَارِهِ وَأَطْلَقَهُ، وَلَمْ يَجُزْ حَبْسُهُ وَتَكْلِيفُهُ الْبَيِّنَةَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي الْمَذَاهِبِ الْأرْبَعَةِ. [٣٢/ ١٩٧] ٤٤٤٧ - وَسُئِلَ: ﵀: عَن امْرَأَةٍ بكْرٍ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ وَدَخَلَ بِهَا، ثُمَّ ادَّعَى أنَّهَا كَانَت ثَيِّبًا، وَتَحَاكَمَا إلَى حَاكِمٍ: فَأَرْسَلَ مَعَهَا امْرَأَتَيْنِ وَجَدُوهَا كانت بِكْرًا فَأَنْكَرَ، وَنَكَلَ عَن الْمَهْرِ، مَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟ فَأَجَابَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ بَل عَلَيْهِ كَمَالُ الْمَهْرِ. وَقَضَى الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْأئِمَّةُ الْمَهْدِيُّونَ: أَنَّ مَن أَغْلَقَ الْبَابَ وَأَرْخَى السِّتْرَ فَقَد وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْعِدَّةُ وَالْمَهْرُ. [٣٢/ ١٩٧]

стр. 2903

٤٤٤٨ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ خَطَبَ امْرَأَةً فَاتَّفَقُوا عَلَى النِّكَاحِ مِن غَيْرِ عَقْدٍ، وَأَعْطَى أَبَاهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ شَيْئًا فَمَاتَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ، هَل لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا أَعْطَى؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانُوا قَد وَفَّوْا بِمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَمْنَعُوهُ مِن نِكَاحِهَا حَتَّى مَاتَتْ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَرْجِعَ مَا أَعْطَاهُمْ، كَمَا أَنَّهُ لَو كَانَ قَد تَزَوَّجَهَا اسْتَحَقَّتْ جَمِيعَ الصَّدَاقِ؛ وَذَلِكَ لأنَّهُ إنَّمَا بَذَلَ لَهُم ذَلِكَ لِيُمَكِّنُوهُ مِن نِكَاحِهَا وَقَد فَعَلُوا ذَلِكَ، وَهَذَا غَايَةُ الْمُمْكِنِ. [٣٢/ ١٩٨] ٤٤٤٩ - وَسُئِلَ ﵀: عَن امْرَأَةٍ تَزَوَّجَتْ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَفَرَّقَ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا، فَهَل لَهَا مَهْر؟ فَأَجَابَ: إذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا مُزَوَّجَةٌ وَلَمْ تَسْتَشْعِرْ لَا مَوْتَهُ وَلَا طَلَاقَهُ: فَهَذِهِ زَانِيَةٌ مُطَاوِعَة لَا مَهْرَ لَهَا. وَإِذَا اعْتَقَدَتْ مَوْتَهُ [أو] (١) طَلَاقَهُ: فَهُوَ وَطْءُ شُبْهَةِ بِنِكَاح فَاسِدٍ، فَلَهَا الْمَهْرُ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَد وَمَالِكٍ أَنَّ لَهَا الْمُسَمَّى، وَعَن أَحْمَد رِوَايَةٌ أُخْرَى كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَهَا مَهْرَ الْمِثْلِ. [٣٢/ ١٩٨] ٤٤٥٠ - إذَا خَلَا الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ فَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا مِن الْوَطْءِ وَلَمْ يَطَأُهَا: لَمْ يَسْتَقِرَّ مَهْرُهَا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ من الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ: مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَإِذَا اعْتَرَفَتْ بِأَنَّهَا لَمْ تُمَكِّنْهُ مِن وَطْئِهَا: لَمْ يَسْتَقِرَّ مَهْرُهَا بِاتِّفَاقِهِمْ. وَلَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةٌ مَا دَامَتْ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقِهِمْ. وَإِذَا كَانَت مُبْغِضَةً لَهُ مُخْتَارَةً سِوَاهُ: فَإِنَّهَا تَفْتَدِي نَفْسَهَا مِنْهُ. [٣٢/ ٢٠١]

стр. 2904

٤٤٥١ - يتقرر المهر بالخلوة وإن منعته الوطء، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حرب (١). [المستدرك ٤/ ١٩٩] ٤٤٥٢ - تَزَوُّجُ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ إذَا لَمْ يُجْزِهِ السَّيِّدُ: بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. لَكِنْ إذَا أَجَازَهُ السَّيِّد بَعْدَ الْعَقْدِ صَحَّ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى. وَإِذَا طَلَبَ النِّكَاحَ فَعَلَى السَّيّدِ أَنْ يُزَوِّجَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]. [٣٢/ ٢٠١ - ٢٠٢] ٤٤٥٣ - لو قيل: إنه يكره جعل الصداق دينًا، سواء كان مؤخر الوفاء وهو حال أو كان مؤجلًا لكان متوجهًا؛ لحديث الواهبة نفسها للنبي. [المستدرك ٤/ ١٨٦] ٤٤٥٤ - الصداق المقدم إذا كثر وهو قادر على ذلك لم يكره، إلا أن يقترن بذلك ما يوجب الكراهة من معنى المباهاة ونحو ذلك. فأما إن كان عاجزًا عن ذلك: فيكره، بل يحرم إذا لم يتوصل إليه إلا بمسألة أو غيرها من الوجوه المحرمة. فأما إن كثر وهو مؤخر في ذمته: فينبغي أن يكره هذا كله؛ لما فيه من تعريض نفسه لشغل الذمة. [المستدرك ٤/ ١٨٦] ٤٤٥٥ - لو تزوجها على مائة مقدمة ومائة مؤجلة صح، ولا تستحق المطالبة بالمؤجلة إلا بموت أو فرقة (٢)، نص عليه الإمام أحمد. [المستدرك ٤/ ١٨٦] ٤٤٥٦ - جاء عن ابن سيرين عن شريح "أن رجلًا تزوج امرأة على عاجل

стр. 2905

وآجل إلى الميسرة، فقدمته إلى شريح فقال: لنا على ميسرة فآخذه لك". وقياس المذهب أن هذا الشرط صحيح؛ لأن الجهالة فيه أقل من جهالة الفرقة، وكان هذا الشرط في الحقيقة مقتضى العقد. ولو قيل بصحته في جميع الآجال لكان متوجهًا (١). [المستدرك ٤/ ١٨٦ - ١٨٧] ٤٤٥٧ - لو تزوجها على أن يعطيها في كل سنة تبقى معه مائة درهم: فقد يؤخذ من كلام كثير من أصحابنا أن هذه تسمية فاسدة لجهالة المسمى، وتتوجه صحته، بل هو الأشبه بأصولنا، كما لو باعه الصبرة كل قفيز بدرهم، أو أكراه الدار كل شهر بدرهم، ولأن تقدير المهر بمدة النكاح بمنزلة تأجيله بمدة النكاح؛ إذ لا فرق بين جهالة القدر وجهالة الأجل. وعلى هذا: لو تزوجها على أن يخيط لها كل شهر ثوبًا: صح أيضًا؛ إذ لا فرق بين الأعيان والمنافع. وإن تزوجها على منفعة داره أو عبده ما دامت زوجته: فهنا قد تبطل المنفعة (٢) قبل زوال النكاح، فإن شرط لها مثل ذلك إذا تلفت: فهنا ينبغي أن يصح. وإن لم يشترط: ففيه نظر. [المستدرك ٤/ ١٨٧] ٤٤٥٨ - إن تزوجها على أن يعلمها أو يعلم غلامها صنعة صح، ذكره القاضي، والأشبه جوازه أيضًا ولو كان المعلِّم أخاها أو ابنها أو أجنبيًّا. [المستدرك ٤/ ١٨٨] ٤٤٥٩ - الأوجه أنه إذا تزوج بنية أن يعطيها صداقًا محرمًا، أو لا يوفيها الصداق: أن الفرج لا يحل له؛ فإن هذا لم يستحل الفرج بماله.

стр. 2906

فلو تاب من هذه النية: ينبغي أن يقال: حكمه حكم ما لو تزوجها بعين محرمة والمرأة لا تعلم تحريمها. [المستدرك ٤/ ١٨٩] ٤٤٦٠ - لو شرط [الأب] جميع المهر له صح كشعيب ﵇، وشَرَط عدم الإجحاف القاضي في المجرد. قال الشيخ تقي الدين: وهذا ضعيف ولا يتصور الإجحاف لعدم ملكها له. [المستدرك ٤/ ١٨٩] ٤٤٦١ - إن لم يحصل للمرأة ما أصدقها: لم يكن النكاح لازمًا، ولو أُعطيت بدله كالبيع، وإنما يلزم ما ألزم به الشارع أو التزمه المكلف. فإن أصدقها شيئًا معينًا وتلف قبل قبضه: ثبت للزوجة فسخ النكاح. وإن كان الشرط باطلًا ولم يعلم المشترط ببطلانه: لم يكن العقد لازمًا؛ بل إن رضي بدون الشرط وإلا فله الفسخ. [المستدرك ٤/ ١٩٠] ٤٤٦٢ - لو قيل في كل موضع تبرعت المرأة بالصداق ثم وقع الطلاق وهو باق بعينه أنه يرجع بالنصف على من هو في يده -وكذلك في جميع الفسوخ-: لم يبعد، بخلاف ما لو خرج بمعاوضة. [المستدرك ٤/ ١٩٧] ٤٤٦٣ - النقد المتقدم محسوب من الصداق وإن لم يكتب في الصداق إذا تواطئوا عليه، ويطالب بنصفه عند الفرقة قبل الدخول؛ لأن الشرط المتقدم كالمقارن. [المستدرك ٤/ ١٩٧] ٤٤٦٤ - إذا أبرأت المرأة زوجها من صداقها ثم طلقها: فهل لها الرجوع إذا كان يمكنها؛ لكون مثل هذا الإبراء لا يصدر في العادة إلا على أن يمسكها أو خوفًا من أن يطلقها أو يتزوج عليها أو نحو ذلك؟ فيه قولان هما روايتان عن أحمد. وأما إذا كانت نفسها قد طابت بالإبراء مطلقًا وهو أن يكون ابتداء منها لا بسبب منه ولا عوض: فهنا لا ترجع بلا ريب. [المستدرك ٤/ ١٩٧]

стр. 2907

٤٤٦٥ - من أعطى قومًا شيئًا واتفقوا على أن يزوجوه بنتهم فماتت البنت: لم يكن له أن يرجع عليهم بشيء مما أعطاهم، وإن كانوا لم يفوا له بما طلبه منهم فله الرجوع. [المستدرك ٤/ ١٩٨] ٤٤٦٦ - قد كتبت عن الإمام أحمد فيما إذا أهدى لها (١) هدية بعد العقد: فإنها ترد ذلك إليه إذا زال العقد الفاسد، فهذا يقتضي أن ما وهبه لها بسبب النكاح فإنه يبطل إذا زال النكاح، وهو خلاف ما ذكره أبو محمد وغيره. وهذا المنصوص جار على أصول المذهب الموافق لأصول الشريعة، وهو أن كل من أُهدي له شيء، أو وُهب له شيء بسببٍ: [فإنه يثبت له حكم ذلك السبب، بحيث يستحق مَن يستحق ذلك السبب، و] (٢) يثبت بثبوته ويزول بزواله، ويحرم بحرمته، ويحل بحله حيث جاز في تولي الهدية مثل من أهدي له للقرض: فإنه يثبت له فيه حكم بدل القرض. وكذلك من أُهدي له لولاية مشتركة بينه وبين غيره كالإمام وأمير الجيش وساعي الصدقات: فإنه يثبت في الهدية حكم ذلك الاشتراك. ولو كانت الهدية قبل العقد، وقد وعدوه بالنكاح فزوجوا غيره: رجع بها. [المستدرك ٤/ ١٩٨] ٤٤٦٧ - ما قبض بسبب النكاح فكمهر (٣). [المستدرك ٤/ ١٩٨] ٤٤٦٨ - لو صالحت عن صداقها المسمى بأقل جاز؛ لأنه إسقاط لبعض حقها.

стр. 2908

ولو صالحته على أكثر من ذلك: بطل الفضل؛ لأن في ذلك ربًا؛ لأنه زيادة على حقها. وقياس المذهب: جوازه؛ لأنه زيادة على المهر بعد العقد وذلك جائز، وصححنا أنه يصح أن يصطلحا على مهر المثل باقل منه وأكثر، مع أنه واجب بالعقد. [المستدرك ٤/ ١٩٩] ٤٤٦٩ - لا تقبل دعوى (١) عدم علمه بها، والمنصوص: ولو أنه أعمى؛ لأن العادة أنه لا يخفى عليه ذلك، فقد قدم أصحابنا هنا العادة على الأصل، فكذا دعوى إنفاقه (٢)؛ فإن العادة هناك (٣) أقوى قاله شيخنا (٤). [المستدرك ٤/ ٢٠٠] ٤٤٧٠ - لا بد من اعتبار العصر في مهر المثل؛ فإن الزمان إن كان زمان رخص رخص وإن زادت المهور، وإن كان زمن غلاء وخوف نقص، وقد تعتبر عادة البلد والقبيلة في زيادة المهر ونقصه. وينبغي أيضًا اعتبار الصفات المعتبرة في الكفاءة، فإن كان أبوها موسرًا (٥) ثم افتقر، أو ذا صنعة جيدة، ثم تحول إلى دونها، أو كانت له رئاسة وملك ثم زالت عنه تلك الرئاسة والملك: فيجب اعتبار مثل هذا. وكذلك لو كان أهلها لهم عزُّ في أوطانهم ورئاسة فانقلبوا إلى بلد ليس لهم فيه عز ولا رئاسة، فإن المهر يختلف بذلك في العادة. [المستدرك ٤/ ٢٠٠] ٤٤٧١ - الشرط المتقدم كالمقارن، والإطراد العرفي كاللفضي (٦). [المستدرك ٤/ ٢٠٠]

стр. 2909

٤٤٧٢ - إن اختلفا في قبض المهر (١): فالمتوجه [أنه] (٢) إن كانت العادة الغالبة جارية بحصول القبض في هذه الديون أو الأعيان فالقول قول من يوافق العادة، وهو جار على أصولنا وأصول مالك في تعارض الأصل والعادة، والظاهر: أنه يرجح (٣). وفرق بين دلالة الحال المطلقة العامة وبين دلالة الحال المقيدة المخصوصة. [المستدرك ٤/ ٢٠١] ٤٤٧٣ - من عُرفت أنها زوجة فلان وأنه تزوجها ولم يسم لها صداقًا، فمات: فلها المطالبة بمهر المثل، ولو لم يكن لها بينة بمقدار الصداق، وعليها اليمين أنها لم تُبْرؤه (٤)، ولم تقبض صداقها. [المستدرك ٤/ ٢٠١] ٤٤٧٤ - الأب هو الذي بيده عقدة النكاح، وهو رواية عن الإمام أحمد، وقاله طائفة من العلماء. وليس في كلام الإمام أحمد أن عفوه صحيح لأن بيده عقدة النكاح، بل لأن له أن يأخذ من مالها ما شاء. وتعليل الامام أحمد بالأخذ من مالها ما شاء يقتضي جواز العفو بعد الدخول على الصداق كله. وكذلك سائر الديون. [المستدرك ٤/ ٢٠١] ٤٤٧٥ - الأشبه في مسألة الزوجة الصغيرة: أنه يستحق وليها المطالبة لها بنصف الصداق، والنصف الآخر لا يطالب به إلا إذا مكنت من نفسها؛ لأن النصف مستحق بإزاء الحبس، وهو حاصل بالعقد، والنصف الآخر بإزاء الدخول، فلا تستحقه إلا ببذل نفسها. [المستدرك ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢]

стр. 2910

٤٤٧٦ - تجب المتعة لكل مطلقة، وهو رواية عن الإمام أحمد نقلها حنبل، وهو ظاهر دلالة القرآن. واختار أبو العباس في الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة أن لكل مطلقة متعة إلا التي لم يدخل بها وقد فرض لها، وهو رواية عن الإمام أحمد وقاله عمر. وتكون نفقته الرجعية مغنية عن متاع آخر بحيث لا يجب لها كسوتان. [المستدرك ٤/ ٢٠٢] ٤٤٧٧ - قال أصحابنا وغيرهم: يجب مهر المثل للموطوءة بشبهة. وينبغي أنه إذا أمكن أن يكون في وطء الشبهة مسمى فيكون هو الواجب. فإن كان الاشتباه عليه فقط: فينبغي ألا يجب لها مهر. وإن كان عليها فقط: فإن اعتقدت أنه زوجها فلا يبعد أن يجب لها المهر المسمى. [المستدرك ٤/ ٢٠٣] ٤٤٧٨ - قوله: ويجب مهر المثل للموطوءة بشبهة. وظاهر كلام الشيخ تقي الدين: أنه لا يجب لها مهر؛ لأنه قال: البضع إنما يتقوم على زوج أو شبهه فيملكه. [المستدرك ٤/ ٢٠٤] ٤٤٧٩ - ولا يجب المهر للمكرهة على الزنى. وهو رواية عن أحمد ومذهب أبي حنيفة. [المستدرك ٤/ ٢٠٤] ٤٤٨٠ - متى خرجت منه زوجته بغير اختياره؛ بإفسادها، أو بإفساد غيرها، أو بيمينه لا تفعلي شيئًا ففعلته: فله مهره (١)، وهو رواية عن الإمام أحمد؛
следующие страницы →