← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

الصَّبِيَّ وَالْمَرْأَةَ الْأَجْنَبِيَّةَ، أَو يُبَاشِرُ بِلَا جِمَاعٍ .. فَهَؤُلَاءِ يُعَاقَبُونَ تَعْزِيرًا وَتَنْكِيلًا وَتَأْدِيبًا بِقَدْرِ مَا يَرَاهُ الْوَالِي عَلَى حَسَبِ كَثْرَةِ ذَلِكَ الذَّنْبِ فِي النَّاسِ وَقِلَّتِهِ، فَإِذَا كَانَ كَثيرًا زَادَ فِي الْعُقُوبَةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ قَلِيلًا. وَعَلَى حَسَبِ حَالِ الْمُذْنِبِ، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْمُدْمِنِينَ عَلَى الْفُجُورِ زِيدَ فِي عُقُوبَتِهِ، بِخِلَافِ الْمُقِلِّ مِن ذَلِكَ. وَعَلَى حَسَبِ كِبَرِ الذَّنْبِ وَصِغَرِهِ، فَيُعَاقِبُ مَن يَتَعَرَّضُ لِنِسَاءِ النَّاسِ وَأَوْلَادِهِمْ بِمَا لَا يُعَاقَبُ مَن لَمْ يَتَعَرَّضْ إلَّا لِمَرْأَةٍ وَاحِدَةٍ أَو صَبِيٍّ وَاحِدٍ. وَلَيْسَ لِأَقَلِّ التَّعْزِيرِ حَدٌّ؛ بَل هُوَ بِكُلِّ مَا فِيهِ إيلَامُ الْإِنْسَانِ مِن قَوْلٍ وَفِعْلٍ، وَتَرْكِ قَوْلٍ وَتَرْكِ فِعْلٍ، فَقَد يُعَزَّرُ الرَّجُلُ بِوَعْظِهِ وَتَوْبِيخِهِ وَالْإِغْلَاظِ لَهُ، وَقَد يُعَزَّرُ بِهَجْرِهِ وَتَرْكِ السَّلَامَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتُوبَ إذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْمَصْلَحَة، كَمَا هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا، وَقَد يُعَزَّرُ بِعَزْلِهِ عَن وِلَايَتِهِ، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يُعَزِّرُونَ بِذَلِكَ. وَأمَّا أَعْلَاهُ: فَقَد قِيلَ: "لَا يُزَاد عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ". وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ. وَجِمَاعُ ذَلِكَ أَنَّ الْعُقُوبَةَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى ذَنْبٍ مَاضٍ جَزَاءً بِمَا كَسَبَ نَكَالًا مِنَ اللهِ؛ كَجَلْدِ الشَّارِبِ وَالْقَاذِفِ، وَقَطْعِ الْمُحَارِبِ وَالسَّارِقِ. وَالثَّانِي: الْعُقُوبَةُ لِتَأْدِيَةِ حَقٍّ وَاجِب وَتَرْكِ مُحَرَّمٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ كَمَا يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ حَتَّى يُسْلِمَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَكَمَا يُعَاقَبُ تَارِكُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَحُقُوق الْآدَمِيِّينَ حَتَى يُؤَدُّوهَا. فَالتَّعْزِيرُ فِي هَذَا الضَّرْبِ أَشَدُّ مِنْهُ فِي الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، وَلهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُضْرَبَ مَرَّةٌ بَعْد مَرَّةٍ حَتى يُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ الْوَاجِبَةَ، أَو يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ.

стр. 3117

وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلَّا فِي حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ": قَد فَسَّرَهُ طَائِفَة مِن أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِحُدُودِ اللهِ: مَا حَرُمَ لِحَقّ اللهِ؛ فَإِنَّ الْحُدُودَ فِي لَفْظِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يُرَادُ بِهَا الْفَصْلُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَام، مِثْل آخِرِ الْحَلَالِ وَأَوَّلَ الْحَرَامِ، فَيُقَالُ فِي الْأَوَّلِ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ويُقَالُ فِي الثَّانِي: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]. وَأمَّا تَسْمِيَةُ الْعُقُوبَةِ الْمُقَدَّرَةِ حَدًّا فَهُوَ عُرْفٌ حَادِثٌ، وَمُرَادُ الْحَدِيثِ: أَنَّ مَن ضَربَ لِحَقِّ نَفْسِهِ كَضَرْبِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي النُّشُوزِ لَا يَزِيدُ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ. [٢٨/ ٣٤٣ - ٣٤٨] ٤٨٦٦ - إِنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَو شَهِدَ شَاهِدٌ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَكَانَ قَدِ اسْتَفَاضَ عَنْهُ نَوْعٌ مِن أَنْوَاعِ الْفُسُوقِ الْقَادِحَةِ فِي الشَّهَادَةِ: فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبُولُ شَهَادَتِهِ، وَيجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَجْرَحَهُ بِذَلِكَ وَإِن لَمْ يَرَهُ، فَقَد ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَة فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: "وَجَبَتْ وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَة فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ، فَسَألُوهُ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: هَذِهِ الْجِنَازَةُ أثنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًا فَقُلْت وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ، وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أثنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا فَقُلْت وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ، أَنتُمْ شُهَدَاؤُ اللهِ: في الْأَرْضِ" (٢). مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَانِهِ امْرَأَةٌ تُعْلِنُ الْفُجُورَ فَقَالَ: لَو كُنْت رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَينةٍ لَرَجَمْت هَذِهِ (٣). فَالْحُدُودُ لَا تُقَامُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ، وَأَمَّا الْحَذَرُ مِن الرَّجُلِ فِي شَهَادَتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْمُعَايَنَةِ؛ بَل الِاسْتِفَاضَةُ كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ، وَمَا هُوَ دُونَ

стр. 3118

الِاسْتِفَاضَةِ، حَتَّى أَنَّهُ ئسْتَدلُّ عَلَيْهِ بِأَقْرَانِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: "اعْتَبِرُوا النَّاسَ بِأَخْدَانِهِمْ"، فَهَذَا لِدَفْعِ شَرِّهِ مِثْل الِاحْتِرَازِ مِن الْعَدُوِّ. وَقَد قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: "احْتَرِسُوا مِنَ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنّ"، فَهَذَا أَمْرُ عُمَرَ مَعَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ عُقُوبَةُ الْمُسْلِمِ بِسُوءِ الظَّنِّ. [٢٨/ ٣٧١ - ٣٧٢] ٤٨٦٧ - الْقِصَاصُ فِي الْجِرَاحِ أَيْضًا ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ بِشَرْطِ الْمُسَاوَاةِ. وَإِذَا لَمْ تُمْكِنْ الْمُسَاوَاةُ: مِثْل أَنْ يَكْسِرَ لَهُ عَظْمًا بَاطِنًا، أَو يَشُجَّهُ دُونَ الْمُوضحَةِ فَلَا يُشْرَعُ الْقِصَاصُ؛ بَل تَجِبُ الدِّيَةُ الْمَحْدُودَةُ أَو الْأَرْشُ. وَأَمَّا الْقِصَاصُ فِي الضَّرْبِ بِيَدِهِ أَو بِعَصَاه أَو سَوْطِهِ مِثْل أَنْ يَلْطِمَهُ أَو يَلْكُمَهُ أَو يَضْرِبَهُ بِعَصَا وَنَحْوِ ذَلِكَ: فَقَد قَالَتْ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ: إنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ؛ بَل فِيهِ التَّعْزِيرُ؛ لِأنَّهُ لَا تُمْكِن الْمُسَاوَاةُ فِيهِ. وَالْمَأْثُورُ عَن الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ: أَنَّ الْقِصَاصَ مَشْرُوعٌ فِي ذَلِكَ وَهُوَ نَصُّ أَحْمَد وَغَيْرِهِ مِن الْفُقَهَاءِ وَبِذَلِكَ جَاءَت سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّوَابُ. [٢٨/ ٣٧٩] ٤٨٦٨ - الْقِصَاصُ فِي الْأَعْرَاضِ مَشْرُوعٌ: وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا لَعَنَ رَجُلًا أَو دَعَا عَلَيْهِ فَلَه أَنْ يَفْعَلَ بِهِ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا شَتَمَهُ بشَتْمَة لَا كَذِبَ فِيهَا. وَالْعَفْوُ أَفْضَلُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ [الشورى: ٤٠، ٤١]. ويُسَمَّى هَذَا الِانْتِصَارُ. وَالشَّتِيمَةُ الَّتِي لَا كَذِبَ فِيهَا: مِثْل الْإِخْبَارِ عَنْهُ بِمَا فِيهِ مِن الْقَبَائِحِ، أَو تَسْمِيَتِهِ بِالْكَلْبِ أَو الْحِمَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَأَمَّا إنِ افْتَرَى عَلَيْهِ: لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَيْهِ، وَلَو كَفَّرَهُ أَو فَسَّقَهُ بِغَيْرِ

стр. 3119

حَقٍّ لَم يَحِلَّ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَهُ أَو يُفَسِّقَهُ بِغَيْرِ حَق، وَلَو لَعَنَ أَبَاهُ أَو قَبِيلَتَهُ أَو أَهْلَ بَلَدِهِ وَنحْو ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى عَلَى أُولَئِكَ فَإِنَّهُم لَمْ يَظْلِمُوهُ. فَإِنْ كَانَ الْعُدْوَانُ عَلَيْهِ فِي الْعِرْضِ مُحَرَّمًا لَحِقّه؛ لِمَا يَلْحَقُهُ مِن الْأَذَى: جَازَ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ بِمِثْلِهِ كَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ بِمِثْل مَا دَعَاة. وَأَمَّا إذَا كَانَ مُحَرَّمًا لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى كَالْكَذِبِ: لَمْ يَجُزْ بِحَال. وَهَكَذَا قَالَ كَثِيرٌ مِن الْفُقَهَاءِ: إذَا قَتَلَه بِتَحْرِيق أَو تَغْرِيقٍ أَو خَنقٍ أَو نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ مَا لَمْ يَكُن الْفِعْلُ مُحَرَّمًا فِي نَفْسِهِ كَتَجْرِيعِ الْخَمْرِ وَاللِّوَاطِ بِهِ. وَمِنْهُم مَن قَالَ: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ إلَّا بِالسَّيْفِ. وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَدْلِ. [٢٨/ ٣٨٠ - ٣٨١] ٤٨٦٩ - "من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فلا دية له ولا قصاص" (١): قال ابن القيم ﵀ بعد كلام سبق: وكذلك من اطلع في بيت قوم من ثقب أو شق في الباب بغير إذنهم فنظر حريمه أو عورة فلهم حذفه وطعنه في عينه، فإن انقلعت عينه فلا ضمان عليهم، وساق الأحاديث ثم قال: وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: هذا ليس من باب دفع الصائل بل من باب عقوبة المعتدي المؤذي. [المستدرك ١/ ٢٢٦] ٤٨٧٠ - مِن الْحُقُوقِ: الْأَبْضَاعُ؛ فَالْوَاجِبُ الْحُكْمُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِن إمْسَاكٍ بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ. فَيَجِبُ عَلَى كُل مِن الزَّوْجَيْنِ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى الْآخَرِ حُقُوقَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ وَانْشِرَاحِ صَدْرٍ؛ فَإِنَّ لِلْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ حَقًّا فِي مَالِهِ وَهُوَ الصَّدَاقُ وَالنَّفَقَةُ بِالْمَعْرُوفِ، وَحَقًّا فِي بَدَنِهِ وَهُوَ الْعِشْرَةُ وَالْمُتْعَةُ؛ بِحَيْثُ لَو آلَى مِنْهَا اسْتَحَقَّت

стр. 3120

الْفُرْقَةَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَذَلِكَ لَو كَانَ مَجْبُوبًا أَو عِنِّينًا لَا يُمْكِنُهُ جِمَاعُهَا فَلَهَا الْفرْقَةُ، وَوَطْؤُهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. [٢٨/ ٣٨٣] * * * (بَابُ حَدِّ الزِّنَا) ٤٨٧١ - مَن زَنَى بِأُخْتِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ: وَجَبَ قَتْلُهُ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ: مَرَّ بِي خَالِي أَبُو بُرْدَةَ وَمَعَهُ رَايَة فَقُلْت: أَيْنَ تَذْهَب يَا خَالِي؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَأُخَمِّسَ مَالَهُ (١). [٣٤/ ١٧٧] ٤٨٧٢ - الْوَاجِبُ عَلَى أَوْلَادِهَا وَعُصْبَتِهَا [أي: الزانية] أَنْ يَمْنَعُوهَا مِن الْمُحَرَّمَاتِ، فَإِنْ لَمْ تَمْتَنِعْ إلَّا بِالْحَبْسِ حَبَسُوهَا، وَإِن احْتَاجَتْ إلَى الْقَيْدِ قَيَّدُوهَا. وَمَا يَنْبَغِي لِلْوَلَدِ أَنْ يَضْرِبَ أُمَّهُ (٢). وَأَمَّا بِرُّهَا فَلَيْسَ لَهُم أَنْ يَمْنَعُوهَا بِرَّهَا، وَلَا يَجُوزَ لَهُم مُقَاطَعَتُهَا بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُ بِذَلِكَ مِن السُّوءِ؛ بَل يَمْنَعُوهَا بِحَسَبِ قُدْرَتهِمْ، وَإِن احْتَاجَتْ إلَى رِزْقٍ وَكِسْوَةٍ رَزَقُوهَا وَكَسَوْهَا، وَلَا يَجُوزُ لَهُم إقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهَا بِقَتْل وَلَا غَيْرِهِ (٣)، وَعَلَيْهِم الْإِثْمُ فِي ذَلِكَ. [٣٤/ ١٧٨] ٤٨٧٣ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَمَّن حَلَفَ لِوَلَدِهِ أَنَّهُ إنْ فَعَلَ مُنْكَرًا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَأَقَرَّ لِوَالِدِهِ فَضَرَبَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَبَقِيَ تَغْرِيبُ عَامٍ، فَهَل يَجُوزُ فِي تَغْرِيبِ الْعَامِ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا؟

стр. 3121

فَأَجَابَ: إذَا غَرَّبَهُ فِي الْحَبْسِ وَلَو فِي دَارِ الْأبِ: بَرَّ فِي يَمِينِهِ، وَإِن كَانَ مُطْلَقًا غَيْرَ مقَيَّدٍ فِي مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَيْدُ وَلَا جَعْلُهُ فِي مَكانٍ مُظْلِمٍ. [٣٤/ ١٧٩] ٤٨٧٤ - إنْ تَابَ مِن الزنى وَالسَّرِقَةِ أَو شُرْبِ الْخَمْرِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إلَى الْإِمَامِ: فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَدِّ يَسْقُطُ عَنْهُ كَمَا يَسْقُطُ عَن الْمُحَاربِينَ بِالْإِجْمَاعِ إذَا تَابُوا قَبْلَ الْقُدْرَةِ. [٣٤/ ١٨٠] * * * (لماذا يُذمُّ ولد الزنا ؟) ٤٨٧٥ - إِنَّمَا يُذَمُّ وَلَدُ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا خَبِيثًا كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا، كَمَا تُحْمَدُ الْأَنْسَابُ الْفَاضِلَةُ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ عَمَلِ الْخَيْرِ. فَأَمَّا إذَا ظَهَرَ الْعَمَلُ: فَالْجَزَاءُ عَلَيْهِ، وَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاهُمْ. [٤/ ٣١٢] * * * (عقوبة اللِّواط) ٤٨٧٦ - أَمَّا الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ فَيَجِبُ قَتْلُهُمَا رَجْمًا بِالْحِجَارَةِ، سَوَاءٌ كَانَا مُحْصَنَيْنِ أَو غَيْرَ مُحْصَنَيْنِ؛ لِمَا فِي السُّنَنِ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ" (١)، وَلِأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ اتَّفَقوا عَلَى قَتْلِهِمَا. وَعَلَيْهِمَا الِاغْتِسَالُ مِن الْجَنَابَةِ، وَتَرْتَفِعُ الْجَنَابَةُ مِن الِاغْتِسَالِ، لَكِنْ لَا يَطْهُرَانِ مِن نَجَاسَةِ الذَّنْبِ إلَّا بِالتَّوْبَةِ. [٣٤/ ١٨٢] * * *

стр. 3122

(بَاب حَدِّ الْقَدْفِ) ٤٨٧٧ - وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: عَن رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِن أَهْلِ الْخَيْرِ، وَلَهُ مُطَلَّقَة، وَشَرَطَ إنْ رَدَّ مُطَلَّقَتَهُ كَانَ الصَّدَاقُ حَالًّا، ثُمَّ إنَّهُ رَدَّ الْمُطَلَّقَةَ وَقَذَفَ هُوَ وَمُطَلَّقَتُهُ عِرْضَ الزَّوْجَةِ وَرَمَوْهَا بِالزِّنَا؟ وَطَلَّقَهَا بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا، فَمَا الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمَا؟ فَأَجَابَ: أَمَّا مُطَلَّقَتُهُ فَتُحَدُّ عَلَى قَذْفِهَا ثَمَانِينَ جَلْدَةً إذَا طَلَبَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمَقْذُوفَةُ، وَلَا تُقْبَلُ لَهَا شَهَادَة أَبَدًا؛ لِأَنَّهَا فَاسِقَةٌ. وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ جَلْدَةً إذَا طَلَبَت الْمَرْأَةُ ذَلِكَ وَلَا تُقْبَلُ لَهُ شَهَادَة أَبَدًا وَهُوَ فَاسِقٌ إذَا لَمْ يَتبْ. وَهَل لَهُ إسْقَاطُ الْحَدِّ بِاللّعَانِ؟ فِيهِ لِلْفُقَهَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. وَصَدَاقُهَا بَاقٍ عَلَيْهِ لَا يَسْقُطُ بِاللِّعَانِ كَمَا سَنَّ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهَذَا كُلُّهُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ مِن جَوَازِ اللِّعَانِ فَفِيهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ: أَحدُهَا: لَا يُلَاعِنُ؛ بَل يُحَدُّ حَدَّ الْقَذْفِ وَتَسْقُطُ شَهَادَتُهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَد فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. والثَّاني: يُلَاعِنُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنيفَةَ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. والثالِثُ: إنْ كَانَ هُنَاكَ حَمْلٌ لَاعَنَ لِنَفْيِهِ وَإِلَّا فَلَا، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَة عَن أَحْمَد. [٣٤/ ١٨٣ - ١٨٤] ٤٨٧٨ - إذَا قَذَفَة [أي: قَذَفَ رَجُلًا] بِالزنى أَو اللِّوَاطِ، وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ حُرًّا مُسْلِمًا لَمْ يُشْتَهَرْ عَنْهُ ذَلِكَ: فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ إذَا طَلَبَهُ الْمَقْذُوفُ، وَهُوَ ثَمَانُونَ جَلْدَةً إنْ كَانَ الْقَاذِفُ حُرًّا، وَأَرْبَعُونَ إنْ كَانَ رَقِيقًا، عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأرْبَعَةِ. [٣٤/ ١٨٥] * * *

стр. 3123

(بَابُ حَدِّ الْمُسْكِرِ) ٤٨٧٩ - الصحيح في حد الخمر: أحد (١) الروايتين الموافقة لمذهب الشافعي وغيره: أن الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ليست واجبة على الإطلاق، ولا محرمة على الإطلاق؛ بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام، كما جوزنا له الاجتهاد في صفة الضرب فيه بالجريد والنعال وأطراف الثياب بخلاف بقية الحدود. ويقتل شارب الخمر في الرابعة عند الحاجة إلى قتله إذا لم ينته الناس بدونه. [المستدرك ٥/ ١١٠] ٤٨٨٠ - إذا شككت في المطعوم والمشروب هل يسكر أو لا؟ لم يحرم عليك بمجرد الشك، ولم يقم الحد على شاربه، ولا ينبغي إباحته للناس إذا كان يجوز أن يكون مسكرًا؛ لأن إباحة الحرام مثل تحريم الحلال. [المستدرك ٥/ ١١٠ - ١١١] ٤٨٨١ - رخص أكثر العلماء فيما يكره عليه من المحرمات لحق الله كأكل الميتة وشرب الخمر وهو ظاهر مذهب أحمد ﵀. ٤٨٨٢ - مَذْهَبُ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ: الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ لَهُم بِإِحْسَانٍ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلَّ خَمْرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ اخْتِيَارُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ صَاحِبِ أَبِي حَنيفَةَ. وَذَهَبَ طَائِفَة مِن الْعُلَمَاءِ مِن أَهْلِ الْكُوفَةِ كَالنَّخْعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَشَرِيكٍ وَغَيْرِهِمْ إلَى أَنَّ مَا أَسْكَرَ مِن غَيْرِ الشَّجَرَتَيْنِ -النَّخْلِ وَالْعِنَبِ- كَنَبِيذِ

стр. 3124

الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ وَالْعَسَلِ وَلَبَنِ الْخَيْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَحْرُمُ مِنْهُ الْقَدْرُ الَّذِي يُسْكِرُ، وَأَمَّا الْقَلِيلُ الَّذِي لَا يُسْكِرُ فَلَا يَحْرُمُ. وَأَمَّا عَصِيرُ الْعِنَبِ الَّذِي إذَا غَلَا وَاشْتَدَّ وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ فَهُوَ خَمْرٌ يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. والْقَوْلُ الْأَوَّلُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ. فَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ- ﷺ : "أَيُّهَا النَّاسُ إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِن خَمْسَةٍ: مِن الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ" (١). وَقَد اسْتَفَاضَت الْأَحَادِيثُ عَن النَّبِيِّ ﷺ بِأَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَهُوَ حَرَامٌ، كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) عَن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن الْبِتْعِ- وَهُوَ نَبِيذُ الْعَسَلِ -وَكَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَشْرَبُونَهُ فَقَالَ: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ" .. وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (٣) وَغَيْرِهِ عَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" (٤). وَلَكِنَّ عُذْرَ مَن خَالَفَهَا مِن أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهَا لَمْ تَبْلُغْهُمْ، وَسَمِعُوا أَنَّ مِن الصَّحَابَةِ مَن شَرِبَ النَّبِيذَ، وَبَلَغَتْهُم فِي ذَلِكَ آثَارٌ، فَظَنُّوا أَنَّ الَّذِي شَرُبوهُ كَانَ مُسْكِرًا، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي تَنَازَعَ فِيهِ الصَّحَابَةُ هُوَ مَا نبِذَ فِي الْأوْعِيَةِ الصُّلْبَةِ. فَلَمَّا سَمِعَ طَائِفَةٌ مِن عُلَمَاءِ الْكوفَةِ أَنَّ مِن السَّلَفِ مَن شَرِبَ النَّبِيذَ ظَنُّوا

стр. 3125

أَنَّهُم شَرِبُوا الْمُسْكِرَ فَقَالَ طَائِفَة مِنْهُمْ: كَالشَّافِعِيِّ (١) وَالنَّخْعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَشَرِيكٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرِهِمْ: يَحِلُّ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُم فِي ذَلِكَ مُجْتَهِدُونَ قَاصِدُونَ لِلْحَقِّ، وَقَد قَالَ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" (٢). بَل النَّبِيذُ الَّذِي شَرِبَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَالصَّحَابَةُ هُوَ أَنَّهُم كَانُوا يَنْبِذُونَ التَّمْرَ أَو الزَّبِيبَ أَو نَحْو ذَلِكَ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَحْلُوَ، فَيَشْرَبُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ وَثَانِيَ يَوْمٍ وَثَالِثَ يَوْمٍ، وَلَا يَشْرَبُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ؛ لِئَلَّا تَكُونَ الشِّدَّةُ قَد بَدَتْ فِيهِ، وَإِذَا اشْتَدَّ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُشْرَبْ. [٣٤/ ١٨٦ - ١٨٩، ١٩٥] * * * (حكم الحشيشة) ٤٨٨٣ - كُلُّ شَرَابٍ مُسْكِرٍ فَهُوَ خَمْرٌ، فَهُوَ حَرَامٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ الْأَئِمَّةِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَد وَغَيْرُهُمْ، وَهَذَا الْمُسْكِرُ يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى شَارِبِهِ، وَهُوَ نَجِسٌ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ. وَكَذَلِكَ الْحَشِيشَةُ الْمُسْكِرَةُ يَجِبُ فِيهَا الْحَدُّ (٣)، وَهِيَ نَجِسَةٌ فِي أَصَحِّ الْوُجُوهِ .. ، لِأَنَّهَا تُسْكِرُ بِالِاسْتِحَالَةِ كَالْخَمْرِ النَّيءِ، بِخِلَافِ مَا لَا يُسْكِرُ بَل يُغَيِّبُ الْعَقْلَ كَالْبَنْجِ، أَو يُسْكِرُ بَعْدَ الِاسْتِحَالَةِ كَجَوْزَةِ الطِّيبِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَجِسِ.

стр. 3126

وَمَن ظَنَّ أَنَّ الْحَشِيشَةَ لَا تُسْكِرُ وَإِنَّمَا تُغَيِّبُ الْعَقْلَ بِلَا لَذَّةٍ فَلَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ أَمْرِهَا؛ فَإِنَّهُ لَوْلَا مَا فِيهَا مِن اللَّذَّةِ لَمْ يَتَنَاوَلُوهَا وَلَا أَكَلُوهَا، بِخِلَافِ الْبَنْجِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا لَذَّةَ فِيهِ. وَالشَّارعُ فَرَّقَ فِي الْمُحَرَّمَاتِ بَيْنَ مَا تَشْتَهِيهِ النُّفوسُ وَمَا لَا تَشْتَهِيهِ، فَمَا لَا تَشْتَهِيهِ النُّفُوسُ كَالدَّمِ وَالْمَيْتَةِ اُكْتُفِيَ فِيهِ بِالزَّاجِرِ الشَّرْعِيِّ، فَجَعَلَ الْعُقُوبَةَ فِيهِ التَّعْزِيزُ. وَأَمَّا مَا تَشْتَهِيهِ النُّفُوسُ فَجَعَلَ فِيهِ مَعَ الزَّاجِرِ الشَّرْعِيِّ زَاجِرًا طَبِيعِيًّا وَهُوَ الْحَدُّ، وَالْحَشِيشَةُ مِن هَذَا الْبَابِ. [٣٤/ ١٩٧ - ١٩٨] ٤٨٨٤ - أَمَّا الْحَشِيشَةُ الْمَلْعُونَةُ الْمُسْكِرَةُ: فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِهَا مِن الْمُسْكِرَاتِ، وَالْمُسْكِرُ مِنْهَا حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ؛ بَل كُلّ مَا يُزِيلُ الْعَقْلَ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ وَلَو لَمْ يَكُن مُسْكِرًا كَالْبَنْجِ؛ فَإِنَّ الْمُسْكرَ يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ وَغَيْرَ الْمُسْكِرِ يَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ. وَأَمَّا قَلِيلُ الْحَشِيشَةِ الْمُسْكِرَةِ فَحَرَامٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ كَسَائِرِ الْقَلِيلِ مِن الْمُسْكِرَاتِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْكِرُ مَأكُولًا أَو مَشْرُوبًا، أَو جَامِدًا أَو مَائِعًا، فَلَو اصْطَبَغَ كَالْخَمْرِ كَانَ حَرَامًا. وَنَبِيُّنا ﷺ بُعِثَ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَإِذَا قَالَ كَلِمَةً جَامِعَةً: كَانَت عَامَّة فِي كُل مَا يَدْخُلُ فِي لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا، سَوَاءٌ كَانَت الْأَعْيَانُ مَوْجُودَةً فِى زَمَانِهِ أَو مَكَانِهِ أَو لَمْ تكُنْ (١). فَلمَّا قَالَ: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ": تَنَاوَلَ ذَلِكَ مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ مِن خَمْرِ التَّمْرِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ يَتَنَاوَلُ مَا كَانَ بِأَرْضِ الْيَمَنِ مِن خَمْرِ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

стр. 3127

وَهَذِهِ الْحَشِيشَةِ فَإِنَّ أَوَّلَ مَا بَلَغَنَا أَنَّهَا ظَهَرَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَوَاخِرِ الْمِائَةِ السَّادِسَةِ وَأَوَائِلِ السَّابِعَةِ، حَيْثُ ظَهَرَتْ دَوْلَةُ التتر، وَكَانَ ظُهُورُهَا مَعَ ظُهُورِ سَيْفِ جنكسخان لَمَّا أَظْهَرَ النَّاسُ مَا نَهَاهُم اللهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ مِن الذُّنُوبِ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِم الْعَدُوَّ (١)، وَكَانَت هَذِهِ الْحَشِيشَةُ الْمَلْعُونَةُ مِن أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ، وَهِيَ شَرٌّ مِن الشَّرَابِ الْمُسْكِرِ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَالْمُسْكِرُ شَرٌّ مِنْهَا مِن وَجْهٍ آخَرَ، فَإِنَّهَا مَعَ أَنَّهَا تُسْكِرُ آكِلَهَا: تُورِثُ التَّخْنِيثَ والديوثة، وَتُفْسِدُ الْمِزَاجَ، وَتُوجِبُ كَثْرَةَ الْأَكْلِ، وَتُورِثُ الْجُنُونَ، وَكَثِيرٌ مِن النَّاسِ صَارَ مَجْنُونًا بِسَبَبِ أَكْلِهَا. وَمَن كَانَ يَسْتَحِلُّ ذَلِكَ جَاهِلًا .. فَإِنَّهُ مَا يَعْرِفُ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَالسُّكْرُ مِنْهَا حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ وَلَمْ يُقِرَّ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ كَافِرًا مُرْتَدًّا. [٣٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥، ٢١١] ٤٨٨٥ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن جَمَاعَةٍ مِن الْمُسْلِمِينَ رِجَالٍ كُهُولٍ وَشُبَّانٍ وَهُم حُجَّاجٌ مُوَاظِبُونَ عَلَى أَدَاءِ مَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِم مِن صَوْم وَصَلَاةٍ وَعِبَادَةٍ .. وَقَد اجْتَمَعَتْ عُقُولُهُم وَأَذْهَانُهُم وَرَأيُهُم عَلَى أَكْلِ الْغُبَيْرَاء (٢)، وَكَانَ قَوْلُهُم وَاعْتِقَادُهُم فِيهَا أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ وَسَيِّئَةٌ .. غَيْرَ أَنَّ لَهُم وِرْدًا بِاللَّيْلِ وَتَعَبُّدَاتٍ وَيزْعُمُونَ أَنَّهَا إذَا حَصَلَتْ نَشْوَتُهَا بِرُؤُوسِهِمْ تَأَمُرُهُم بِتِلْكَ الْعِبَادَةِ وَلَا تَأَمُرُهُم بِسُوء وَلَا فَاحِشَةٍ .. أَفْتُونَا. فَأَجَابَ: يَجِبُ عَلَى آكِلِهَا حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ، وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ ضُلَّالٌ جُهَّالٌ عُصَاةٌ للهِ وَلرَسُولِهِ، وَكَفَى بِرَجُلٍ جَهْلًا أَنْ يَعْرِفَ بِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مُحَرَّمٌ، وَأَنَّهُ

стр. 3128

مَعْصِيَة للهِ وَلرَسُولِهِ ثُمَّ يَقُولُ: إنَّهُ تَطِيبُ لَه الْعِبَادَةُ! وَتَصْلُحُ لَهُ حَالُهُ! ويحُ هَذَا الْقَائِلِ!! (١) أَيَظُنُّ أَنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ حَرَّمَ عَلَىْ الْخَلْقِ مَا يَنْفَعُهُم وَيُصْلِحُ لَهُم حَالَهُمْ؟!! نَعَمْ، قَد يَكُونُ فِي الشَّيءِ مَنْفَعَةٌ وَفِيهِ مَضَرَّةٌ أَكْثرُ مِن مَنْفَعَتِهِ، فَيُحَرِّمُهُ اللهُ ؛ لِأَنَّ الْمَضَرَّةَ إذَا كَانَت أَكْثَرَ مِن الْمَنْفَعَةِ بَقِيَت الزّيَادَةُ مَضَرَّةً مَحْضَةً. وَلهَذَا تَجُودُ النُّفُوسُ فِي السَّمَاعِ الْمُحَرَّمِ وَالْعِشْرَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِالْأَمْوَالِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ بِمَا لَا تَجُودُ بِهِ فِي الْحَقِّ (٢). وَمَا هَذَا بِاَلَّذِي يُبِيحُ تِلْكَ الْمَحَارِمِ، أَو يَدْعُو الْمُؤْمِنَ إلَى فِعْلِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ لِأَنَّ الطَّبْعَ لَمَّا أَخَذَ نَصِيبَهُ مِن الْحَظّ الْمُحَرَّمِ: لَمْ (٣) يُبَالِ بِمَا بَذَلَهُ عِوَضًا عَن ذَلِكَ. وَلَيْسَ فِي هَذَا مَنْفَعَةٌ فِي دِينِ الْمَرْءِ وَلَا دُنْيَاهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لَذَّةُ سَاعَةٍ، بِمَنْزِلَةِ لَذَّةِ الزَّانِي حَالَ الْفِعْلِ، وَلَذَّةِ شِفَاءِ الْغَضَبِ حَالَ الْقَتْلِ، وَلَذَّةِ الْخَمْرِ حَالَ النَّشْوَةِ، ثُمَّ إذَا صَحَا مِن ذَلِكَ وَجَدَ عَمَلَهُ بَاطِلًا، وَذُنُوبَهُ مُحِيطَة بِهِ، وَقَد نَقَصَ عَلَيْهِ عَقْلُهُ وَدِينُهُ وَخُلُقُهُ (٤).

стр. 3129

وَأيْنَ هَؤُلَاءِ الضُّلَّالُ مِمَّا تُورِثُهُ هَذِهِ الْمَلْعُونَةُ مِن قِلَّةِ الْغَيْرَةِ، وَزَوَالِ الْحَمِيَّةِ، حَتَّى يَصِيرَ آكِلُهَا إمَّا دَيُّوثًا (١) وَإِمَّا مَأْبُونا (٢) وَإِمَّا كِلَاهُمَا. وَتُفْسِدُ الْأَمْزِجَةَ حَتَّى جَعَلَتْ خَلْقًا كَثِيرًا مَجَانِينَ، وَمَن لَمْ يُجَنَّ مِنْهُم فَقَد أَعْطَتْهُ نَقْصَ الْعَقْلِ، وَلَو صَحَا مِنْهَا فإِنَّه لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي عَقْلِهِ خَبَل (٣). ثُمَّ إنَّ كَثِيرَهَا يُسْكِرُ حَتَّى يَصُدَّ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَن الصَّلَاةِ، وَهِيَ وَإِن كَانَت لَا تُوجِبُ قُوَّةَ نَفْسِ صَاحِبِهَا حَتَّى يُضَارِبَ ويُشَاتِمَ (٤)، فَكَفَى بِالرَّجُلِ شَرًّا أَنَّهَا تَصُدُّهُ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَن الصَّلَاةِ إذَا سَكِرَ مِنْهَا. وَقَلِيلُهَا وَإِن لَمْ يُسْكِرْ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَلِيلِ الْخَمْرِ. ثُمَّ إنَّهَا تُورِثُ مِن مَهَانَةِ آكِلِهَا، وَدَنَاءَةِ نَفْسِهِ، وَانْفِتَاحِ شَهْوَتِهِ مَا لَا يُورِثُهُ الْخَمْرُ. فَفِيهَا مِن الْمَفَاسِدِ مَا لَيْسَ فِي الْخَمْرِ، وَإِن كَانَ فِي الْخَمْرِ مَفْسَدَة لَيْسَتْ فِيهَا وَهِيَ الْحِدَّةُ، فَهِيَ بِالتَّحْرِيمِ أَوْلَى مِن الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ ضَرَرَ آكِلِ الْحَشِيشَةِ عَلَى نَفْسِهِ أشَدُّ مِن ضَرَرِ الْخَمْرِ، وَضَرَرَ شَارِبِ الْخَمْرِ عَلَى النَّاسِ أَشَدُّ .. وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللهُ الْمَحَارِمَ لِأَنَّهَا تَضُرُّ أصْحَابَهَا. [٣٤/ ٢٢١ - ٢٢٤] * * * (حكم شرب الخمر وحدُّه، وهل يُقتل إذا شرب في الرابعة ؟) ٤٨٨٦ - أَمَّا شَارِبُ الْخَمْرِ فَيَجِبُ بِاتِّفَاقِ الأئِمَّةِ أنْ يُجْلَدَ الْحَدَّ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَحَدُّهُ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً أَو ثَمَانُونَ جَلْدَة، فَإِنْ جَلَدَهُ ثَمَانِينَ جَازَ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَإِن اقْتَصَرَ عَلَى الْأرْبَعِينَ فَفِي الْإِجْزَاءِ نِزَاعٌ.

стр. 3130

وَقَد رُوِيَ مِن وُجُوهٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "مَن شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إنْ شَرِبَهَا فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إنْ شَرِبَهَا فَاجْلِدُوهُ، ثُمَّ إنْ شَرِبَهَا فِي الثَّالِثَةِ أَو الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ" (١)، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الشَّارِبِ فِي الثَّالِثَةِ أَو الرَّابِعَةِ. وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَا يُوجِبُونَ الْقَتْلَ؛ بَل يَجْعَلُونَ هَذَا الْحَدِيث مَنْسُوخًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِن مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ. وَطَائِفَة يَقُولُونَ: إذَا لَمْ يَنْتَهُوا عَن الشُّرْبِ إلَّا بِالْقَتْلِ جَازَ ذَلِكَ. وَالْحَقُّ مَا تَقَدَّمَ (٢)، وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ (٣) أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُدْعَى حَمَّارًا وَهُوَ كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، فَكَانَ كُلَّمَا شَرِبَ جَلَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَعَنَهُ رَجُل فَقَالَ: لَعَنَهُ اللهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤتَى بِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "لَا تَلْعَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ"، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ جُلِدَ مَعَ كَثْرَةِ شُرْبِهِ. [٣٤/ ٢١٦ - ٢١٧] * * * (بَابُ التَّعْزِير) ٤٨٨٧ - من قال: الله أكبر عليك: فهو من نحو الدعاء عليه، فإن لم يكن بحق وإلا كان ظالمًا له، يستحق الانتصار منه لذلك، إما بمثل قوله، أو تعزيره. [المستدرك ٥/ ١١٢] ٤٨٨٨ - من قذف رجلًا بأنه ينظر إلى حريم الناس وهو كذاب عزر على افترائه بما يزجره وأمثاله إذا طالبه المقذوف بذلك، وكذلك إذا شتمه بأنه فاسق أو أنه يشرب الخمر، وهو كاذب عليه يعزر. [المستدرك ٥/ ١١٢] ٤٨٨٩ - من اعتاد الكذب فصار إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا

стр. 3131

ائتمن خان: فهو منافق والمنافق شر من الكافر، فإذا قال رجل للذي يكذب: النصراني خير منك، وقصد أن النصراني الذي لا يكذب خير من هذا الكذاب مع أن دين الإسلام هو الحق فلا شيء عليه؛ فإن الكذب أساس النفاق، ومن لا يكذب خير ممن يكذب. [المستدرك ٥/ ١١٢] ٤٨٩٠ - ومن التعزير الذي جاءت به السُّنَّة ونص عليه أحمد والشافعي: نفي المخنث، وحَلَق عمر رأس نصر بن حجاج ونفاه لما افتتن به النساء، فكذلك من افتتن به الرجال من المردان؛ بل هو أولى. [المستدرك ٥/ ١١٢] ٤٨٩١ - لا يُقَدَّر التعزير؛ بل بما يردع المعزَّر، وقد يكون بالعزل والنيل من عرضه؛ مثل أن يقال له: يا ظالم، يا معتدي، وبإقامته من المجلس. والذين قدروا التعزير من أصحابنا: إنما هو فيما إذا كان تعزيرًا على ما مضى من فعل أو ترك. فإن كان تعزيرًا لأجل ترك ما هو فاعل له: فهو بمنزلة قتل المرتد والحربي وقتال الباغي والعادي، وهذا تعزير غير مقدر؛ بل قد ينتهي إلى القتل، كما في الصائل لأخذ المال يجوز أن يمنع من الأخذ ولو بالقتل. وعلى هذا: فإذا كان المقصودُ دفعَ الفساد ولم يندفع إلا بالقتل قتل، وحينئذ فمن تكرر منه فعل الفساد، ولم يرتدع بالحدود المقدرة؛ بل استمر على ذلك الفساد هو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل فيقتل. ويمكن أن يُخَرَّج قتل الشارب في الرابعة على هذا. [المستدرك ٥/ ١١٣] ٤٨٩٢ - يقتل الجاسوس الذي تكرر منه التجسس على المسلمين لعدوهم. وهو أصل عظيم في إصلاح الناس. وكذلك تارك الواجب، فلا يزال يعاقب حتى يفعله. ومن فر إلى بلاد العدو ولم يندفع ضرره إلا بقتله قتل. [المستدرك ٥/ ١١٣]

стр. 3132

٤٨٩٣ - التعزير بالمال سائغ، إتلافًا وأخذًا وهو جار على مذهب أحمد؛ لأنه لم يختلف أصحابه أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها. وقول الشيخ أبي محمد المقدسي: لا يجوز أخذ ماله؛ يعني: المعزَّر، فإشارة منه إلى ما يأخذه الولاة الظلمة. [المستدرك ٥/ ١١٣] ٤٨٩٤ - التعزير يكون على فعل المحرمات وترك الواجبات. فمِن ترك الواجبات: مَن كتم ما يجب بيانه؛ كالبائع المدلس (١)، والمؤجر المدلس، والناكح وغيرهم من المُعامِلين (٢)، وكذا الشاهد والمخبر، والمفتي والحاكم ونحوهم، فإن كتمان الحق مشبه بالكذب. وينبغي أن يكون سببًا للضمان، كما أن الكذب سبب للضمان. فإن ترك الواجبات عندنا في الضمان كفعل المحرمات، حتى قلنا: من قدر على إنجاء شخص بإطعام أو سقي فلم يفعل فمات ضمنه. فعلى هذا: فلو كتم شهادة كتمانًا أبطل بها حق مسلم ضمنه، مثل أن يكون عليه حق ببينة وقد أداه حقَّه، وله بينة بالأداء، فكتم الشهادة حتى ضمن ذلك الحق، وكما لو كانت وثائق لرجل فكتمها أو جحدها حتى فات الحق، ولو قال: أنا أعلمها ولا أؤديها، فوجوب الضمان ظاهر. وقد يكون التعزير على ترك المستحب، كما يعزر العاطس الذي لم يحمد الله بترك تشميته. وقال أبو العباس في موضع آخر: والتعزير على الشيء دليل على تحريمه. ومن هذا الباب ما ذكره أصحابنا وأصحاب الشافعي من قتل الداعية من

стр. 3133

أهل البدع، كما قتل الجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وغيلان القدري. وقتل هؤلاء له مأخذان: أحدهما: كون ذلك كفرًا؛ كقتل المرتد ردة مجردة أو مغلظة، وهذا المعنى يعم الداعي إليها وغير الداعي، وإذا كفروا فيكون قتلهم من باب قتل المرتد. والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم، أنهم يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي في رد الشهادة، وترك الرواية عنه، والصلاة خلفه، وهجره، ولهذا ترك أصحاب الكتب الستة وأحمد في مسنده الرواية عن مثل عمرو بن عبيد ونحوه، ولم يتركوا الرواية عن القدرية الذين ليسوا بدعاة. وعلى هذا المأخذ: فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين؛ لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد (١). ويشبه قتلُ المحاربين للسُّنَّة بالرأي: قتلَ المحاربين لها بالرواية، وهو قتل من يتعمد الكذب على رسول الله ﷺ ، كما قتل النبي ﷺ الذي كذب عليه في حياته، وهو حديث جيد، لما فيه من تغيير سُنَّته. وقرر أبو العباس هذا مع نظائر له في "الصارم المسلول، على شاتم الرسول"؛ كقتل الذي يتعرض لحرَمه أو يسبه ونحو ذلك، وكما أمر النبي ﷺ بقتل المفرق بين جماعة المسلمين لما فيه من تفريق الجماعة. ومن هذا الباب قتل الجاسوس المسلم الذي يخبر العدو بعورات المسلمين. ومنه الذي يكذب بلسانه أو خطه، أو يأمر بذلك حتى يقتل به أعيان

стр. 3134

الأمة: علماؤها وأمراؤها، فيحصل بكذبه أنواع كثيرة من الفساد، فهذا متى لم يندفع فساده إلا بقتله فلا ريب في قتله، وإن جاز أن يندفع وجاز ألا يندفع: قتل أيضًا. وعلى هذا جاء قوله تعالى ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٢]، وقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣]. وأما إن اندفع الفساد الأكبر بقتله، لكن بقي فساد دون ذلك، فهو محل نظر. قال أبو العباس: وأفتيت أميرًا مقدمًا على عسكر كبير في الحربية (١) إذا نهبوا أموال المسلمين ولم ينزجروا إلا بالقتل أن يقتل من يكفون بقتله ولو أنهم عشرة؛ إذ هو من باب دفع الصائل. قال: وأمرت أميرًا خرج لتسكين الفتنة الثائرة بين قيس ويمن قد قتل منهم ألفان أن يقتل من يحصل بقتله كف الفتنة، ولو أنهم مائة. قال: وأفتيت ولاة الأمور في شهر رمضان، سنة أربع وسبع مائة بقتل من أمسك في سوق المسلمين وهو سكران وقد شرب الخمر مع أهل الذمة وهو مجتاز بشقة لحم يذهب بها إلى ندمائه، وكنت أفتيهم قبل هذا: بأنه يعاقب عقوبتين عقوبة على الشرب، وعقوبة على الفطر في نهار رمضان، فقالوا: ما مقدار التعزير؟ فقلت: هذا يختلف باختلاف الذنب، وحال المذنب، وحال الناس، وتوقفت عن القتل، فكبر هذا على الأمراء والناس حتى خفت أنه إن لم يقتل ينحلُّ نظام الإسلام لجرأة الناس على انتهاك المحارم في نهار رمضان، فأفتيت بقتله فقتل، ثم ظهر فيما بعد أنه كان يهوديًّا وأنه أظهر الإسلام. [المستدرك ٥/ ١١٣ - ١١٦]

стр. 3135

٤٨٩٥ - المطلوب (١): له ثلاث أحوال: أحدها: براءته في الظاهر، فهل يحضره الحاكم؟ على روايتين. وذكر أبو العباس في موضع آخر: أن المدعي حيث ظهر كذبه في دعواه بما يؤذي به المدعى عليه عزر لكذبه ولأذاه، وأن طريقة القاضي رد هذه الدعوى على الروايتين، بخلاف ما إذا كانت ممكنة، ونص أحمد في رواية عبد الله فيما إذا عُلم بالعرف المطرد أنه لا حقيقة للدعوى لا يعدّيه (٢)، وفيما لم يعرف واحد من الأمرين يعدّيه (٣)، كما في رواية الأثرم، وهذا التفريق حسن. والحال الثاني: احتمال الأمرين، وأنه يحضره بلا خلاف. والحال الثالث: تهمته، وهو قيام سبب يوهم أن الحق عنده، فإن الاتهام افتعال من الوهم، وحبسه هنا بمنزلة حبسه بعد إقامة البينة وقبل التعزير، أو بمنزلة حبسه بعد شهادة أحد الشاهدين. والمقصود: أنه إذا استحق التعزير وكان متهفا بما يوجب حقًّا واحدًا (٤)؛ مثل أن يثبت عليه هتك الحرز ودخوله ولم يقر بأخذ المال وإخراجه ويثبت عليه المحاربة لخروجه بالسلاح وشهره له، ولم يثبت عليه القتل والأخذ، فهذا يعزر لما فعله من المعاصي، وهل يجوز أن يجْعل (٥) ذلك أيضًا امتحانًا لا غير، فيجمع بين المصلحتين؟ هذا قوي في حقوق الآدميين. فأما حدود الله تعالى عند الحاجة إلى إقامتها فيحتمل، ويقوى ذلك إذا أنكر الجميع ثم قامت البينة ببعض ما أنكر فإنه يصير لوثًا. [المستدرك ٥/ ١١٦ - ١١٧]

стр. 3136

٤٨٩٦ - ذكر أبو العباس: أن المرتد إذا قبلت توبته ساغ تعزيره بعد التوبة. [المستدرك ٥/ ١٢٠] ٤٨٩٧ - إذا كانت المعصية لا حد فيها ولا كفارة، وفعلها: فإنه يعزر. وقد يفعل معصية لا كفارة فيها ولا حد ولا تعزير أيضًا كما لو شتم نفسه أو سبَّها قاله القاضي، ومال الشيخ تقي الدين إلى وجوب التعزير. [المستدرك ٥/ ١٢٠] ٤٨٩٨ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ لَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ فَاتُّهِمَ وَضُرِبَ بِالْمَقَارعِ، وَخَسِرَ وَالِدُهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ وُجِدَت السَّرِقَةُ، فَجَاءَ صَاحِبُ السَّرِقَةِ وَصَالَحَ المتهوم عَلَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَهَل يَصِحُّ مِنْهُ (١) إبْرَاءٌ بِغَيْرِ رِضَى وَالِدِهِ إذَا كَانَ تَحْتَ الْحَجْر؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الْمَضْرُوبُ تَحْتَ حَجْرِ أَبِيهِ: لَمْ يَصِحَّ صُلْحُهُ وَلَا إبْرَاؤُهُ (٢). وَمَا غَرِمَهُ أَبُوهُ بِسَبَبِ هَذِهِ التُّهْمَةِ الْبَاطِلَةِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ عَلَى مَن غَرَّمَهُ إيَّاهُ بِعُدْوَانِهِ، سَوَاءٌ أَبْرَأَهُ الِابْنُ أَو لَمْ يُبْرِئْهُ؛ فَالْمَضْرُوبُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَضْرِبَ مَن طَلَبَ ضَرْبَهُ مِن الْمُتَّهِمِينَ لَهُ مِثْل مَا ضَرَبَهُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ بِالشَّرِّ قَبْلَ ذَلِكَ، هَكَذَا ذَكَرَهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ اللهِ وَرَسُولِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ لِقَوْم طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَضْرِبَ رَجُلًا عَلَى تُهْمَةٍ: إنْ شِئْتُمْ ضَرَبْته لَكمْ، فَإِنْ ظَهَرَ مَا لَكُمْ عِنْدَهُ وَإِلَّا ضَرَبْتُكُمْ مِثْل مَا ضَرَبْته، فَقَالُوا: هَذَا حُكْمُك؟ فَقَالَ: هَذَا

стр. 3137

حُكْمُ اللهِ وَرَسُولِهِ (١). وَهَذَا فِي ضَرْبِ مَن لَمْ يُعْرَفْ بِالشَّرِّ، وَأَمَّا ضَرْبُ مِن عُرِفَ بِالشَّرِّ فَذَاكَ مَقَامٌ آخَرُ. [٣٤/ ٢٣١ - ٢٣٢] ٤٨٩٩ - مَن فَعَلَ مُحَرَّمًا أَو تَرَكَ وَاجِبًا اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُقَدَّرَةً بِالشَّرْعِ كَانَ تَعْزِيرًا يَجْتَهِدُ فِيهِ وَلي الْأَمْرِ، فَيُعَاقِبُ الْغَنِيَّ الْمُمَاطِلَ بِالْحَبْسِ، فَإِنْ أَصَرَّ عُوقِبَ بِالضَّرْبِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ، وَقَد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْفقَهَاءُ مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ ﵃، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. [٢٨/ ٢٧٩] * * * (واجب الرجل تجاه الخدم والعمال) ٤٩٠٠ - سُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ: عَن رَجُل مِن أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ مَمَالِيكُ وَعِنْدَهُ غِلْمَانٌ، فَهَل لَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى أَحَدِهِمْ حَدًّا إذَا ارْتكَبَهُ؟ فَأَجَابَ: الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَهُم كُلَّهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُم عَن الْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، وَأَقَلُّ مَا يَفْعَلُ: أَنَّهُ إذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا مِنْهُم يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ مَا يَشْتَرِطُهُ مِن الْأَعْمَالِ، وَمَتَى خَرَجَ وَاحِدٌ مِنْهُم عَن ذَلِكَ طَرَدَهُ (٢). وَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى عُقُوبَتِهِمْ بِحَيْثُ يُقِرُّهُ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ الَّذِي اعْتَادَ النَّاسُ، وَغَيْرُهُ لَا يُعَاقِبُهُم عَلَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ تَحْتَ حِمَايَتِهِ وَنَحْو ذَلِكَ: فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَزِّرَهُم عَلَى ذَلِكَ إذَا لَمْ يُؤَدُّوا الْوَاجِبَاتِ وَيتْرُكُوا الْمُحَرَّمَاتِ إلَّا بِالْعُقُوبَةِ، وَهُوَ الْمُخَاطَبُ بِذَلِكَ حِينَئِذٍ، فَإِنَّهُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَيْهِ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُقِيمَ هُوَ الْوَاجِبَ وَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ بِالْوَاجِبِ: صَارَ الْجَمِيعُ

стр. 3138

مُسْتَحِقِّينَ الْعُقُوبَةَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوُا الْمُنْكرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُم اللهُ بِعِقَاب مِنْهُ" (١). فَمِن الْقَبِيحِ أنْ يُعَاقِبَهُم عَلَى حُقُوقِهِ وَلَا يُعَاقِبَهُم عَلَى حُقُوقِ اللهِ (٢)! وَالتَّأْدِيبُ يَكُونُ بِسَوْطٍ مُعْتَدِلٍ، وَضَرْبٍ مُعْتَدِلٍ، وَلَا يَضْرِبُ الْوَجْهَ وَلَا الْمَقَاتِلَ. [٣٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦] * * * (عقوبةُ من شَتَمَ أَبَاهُ) ٤٩٠١ - إذَا شَتَمَ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَاعْتَدَى عَلَيْهِ: فَإِنَّهُ يَجِبُ أنْ يُعَاقَبَ عُقُوبَةً بَلِيغَةً تَرْدَعُهُ وَأَمْثَالَهُ عَن مِثْل ذَلِكَ؛ بَل وَأَبْلَغُ مِن ذَلِكَ أَنَّهُ قَد ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٣) أَنَّهُ قَالَ: "مِن الْكَبَائِرِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ! " قَالُوا: وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: "يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَباهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُب أمَّهُ". فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد جَعَلَ مِن الْكَبَائِرِ أَنْ يَسبَّ الرَّجُلُ أَبَا غَيْرِهِ لِئَلَّا يَسُبَّ أَبَاهُ، فكَيْفَ إذَا سَبَّ هُوَ أَبَاه مُبَاشَرَةً؟. [٣٤/ ٢٢٦] * * * (حكم الِاسْتِمنَاء) ٤٩٠٢ - أَمَّا الِاسْتِمْنَاء بِالْيَدِ فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَكَذَلِكَ يُعَزَّزُ مَن فَعَلَهُ. وَفي الْقَوْلِ الْآخَرِ هُوَ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، وَأَكْثَرُهُم لَا يُبِيحُونَهُ لِخَوْفِ الْعَنَتِ وَلَا غَيْرِهِ.

стр. 3139

وَنُقِلَ عَن طَائِفَةٍ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُم رَخَّصوا فِيهِ لِلضَّرُورَةِ؛ مِثْل أَنْ يَخْشَى الزنا فَلَا يُعْصَمُ مِنْهُ إلَّا بِهِ، وَمِثْل أَنْ يَخَافَ إنْ لَمْ يَفْعَلْهُ أَنْ يَمْرَضَ، وَهَذَا قَوْلُ أَحْمَد وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا بِدُونِ الضَّرُورَةِ فَمَا عَلِمْت أَحَدًا رَخَّصَ فِيهِ. [٣٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠] * * * (بَاب الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ) ٤٩٠٣ - نصابها ثلاثة دراهم خالصة ومغشوشة. [المستدرك ٥/ ١٢١] ٤٩٠٤ - اللّص الذي غرضه سرقة أموال الناس، ولا غرض له في شخص معين: فإنَّ قطع يده واجب، ولو عفا عنه رب المال. [المستدرك ٥/ ١٢١] ٤٩٠٥ - لا يشترط في القطع في السرقة مطالبة المسروق منه بماله، وهي رواية عن أحمد، ومذهب مالك؛ كإقرار بالزنا بأمة غيره. [المستدرك ٥/ ١٢١] ٤٩٠٦ - من سرق ثمرًا أو كثرًا أو ماشية من غير حرز: أضعفت عليه القيمة وهو مذهب أحمد، وكذا غيرها، وهو رواية عنه. وأما غير الشجر والنخل والماشية إذا سرقه من غير حرز: فلا يضمن عوضها إلا مرة واحدة. وعنه: أن ذلك كالثمر والماشية، اختاره أبو بكر، والشيخ تقي الدين. [المستدرك ٥/ ١٢١ - ١٢٢] ٤٩٠٧ - قال في الفروع: وقياس قول شيخنا -يعني به: الشيخ تقي الدين-: أن السارق كالشارب في الرابعة يقتل عنده إذا لم يتب بدونه. [المستدرك ٥/ ١٢٢] ٤٩٠٨ - اختار تعزير مدَّعِ سرقةٍ ونحوها على من تُعلم براءته. [المستدرك ٥/ ١٢٢]

стр. 3140

٤٩٠٩ - خَبَرُ مَن قَالَ لَهُ جِنِّيٌّ بِأَنَّ فُلَانًا سَرَقَ كَذَا: كَخَبَرِ إنْسِيٍّ مَجْهُولٍ فَيُفِيدُ تُهْمَةً. [إقامة الدليل على إبطال التحليل ٤٣٦] * * * (أَصْنَافُ النَّاس فِي التُّهَمِ، وهل يجوز حبس المتهم دون قيام البيِّنة على ذلك ؟) ٤٩١٠ - أَمَّا التُّهَمُ فِي السَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ [أي: الوالي] أَنْ يُفَوِّضَهَا إلَى مَن يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ يَظْلِمُ فِيهَا، مَعَ إمْكانِ أَنْ يُقِيمَ فِيهَا مِن الْعُدُولِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. وَذَلِكَ أَنَ النَّاسَ فِي التُّهَمِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: أ- صِنْفٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ بِالدّينِ وَالْوَرَعِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِن أَهْلِ التُّهَمِ، فَهَذَا لَا يُحْبَسُ وَلَا يُضْرَبُ؛ بَل وَلَا يُسْتَحْلَفُ فِي أَحَدِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ؛ بَل يُؤَدَّبُ مَن يَتَّهِمُهُ فِيمَا ذَكَرَهُ كَثيرٌ مِنْهُمْ. ب- والثانِي: مَن يَكُونُ مَجْهُولَ الْحَالِ لَا يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلَا فُجُورٍ، فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يُكْشَفَ عَن حَالِهِ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْر أَنَّ النَّبِيّ ﷺ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ (١). وَقَد نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأئِمَّةُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَو ادَّعَى عَلَيْهِ مُدَّعٍ، فَإِنَّهُ يَحْضُرُ مَجْلِسَ وَليِّ الْأَمْرِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا، وَإِن كَانَ فِي ذَلِكَ تَعْوِيقُهُ عَن أَشْغَالِهِ فَكَذَلِكَ تَعْوِيقُ هَذَا إلَى أَنْ يُعْلَمَ أَمْرُهُ، ثُمَّ إذَا سَأَلَ عَنْهُ وَوُجِدَ بَارًّا أُطْلِقَ، وَإِن وُجِدَ فَاجِرًا كَانَ مِن: ج- الصِّنْفِ الثالِثِ، وَهُوَ الْفَاجِرُ الَّذِي قَد عُرِفَ مِنْهُ السَّرِقَةُ قَبْلَ ذَلِكَ،

стр. 3141

أَو عُرِفَ بِأسْبَابِ السَّرِقَةِ؛ مِثْل أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالْقِمَارِ وَالْفَوَاحِشِ الَّتِي لَا تَتَأَتَّى إلَّا بالْمَالِ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذَا لَوْثٌ فِي التُّهْمَةِ (١)؛ وَلهَذَا قَالَتْ طَائِفَةٌ مِن الْعُلَمَاءِ إنَّ مِثْل هَذَا يُمْتَحَنُ بِالضَّرْبِ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي .. حَتَّى يُقِرَّ بِالْمَالِ (٢). ثُمَّ الْمُتَوَلِّي لَهُ أَنْ يَقْصِدَ بِضَرْبِهِ مَعَ تَقْرِيرِهِ: عُقُوبَتَهُ عَلَى فُجُورِهِ الْمَعْرُوفِ فَيَكُونُ تَعْزِيرًا وَتَقْرِيرًا. وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَوَلِّي أَنْ يُرْسِلَ جَمِيعَ المتهومين (٣) حَتَّى يَأْتِيَ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى مَن سَرَقَ (٤)؛ بَل قَد أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ فِي قِصَّةٍ كَانَت تُهْمَةً فِي سَرِقَةٍ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥] .. إلَى آخِرِ الْآيَاتِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا يُقَالُ لَهُم بَنُو أبيرق سَرَقُوا لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ طَعَامًا وَدِرْعَيْنِ، فَجَاءَ

стр. 3142

صَاحِبُ الْمَالِ يَشْتَكِي إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَ قَوْمٌ يُزَكُّونَ الْمُتَّهَمِينَ بِالْبَاطِلِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ ظَنَّ صِدْقَ الْمُزَكِّينَ، فَلَامَ صَاحِبَ الْمَالِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَلَمْ يَقُل النَّبِيُّ ﷺ لِصَاحِبِ الْمَالِ: أَقِم الْبَينةَ، وَلَا حَلَّفَ الْمُتَّهَمِينَ؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ الْمُتَّهَمِينَ كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالشَّرِّ، وَظَهَرَت الرِّيبَةُ عَلَيْهِمْ. وَهَكَذَا حَكَمَ النَّبِي ﷺ بِالْقَسَامَةِ فِي الدّمَاءِ إذَا كَانَ هُنَاكَ لَوْثٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ صِدْقُ الْمُدَّعِينَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مِن الْحُدُودِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، لَيْسَتْ مِن الْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ. فَلَوْلَا الْقَسَامَةُ فِي الدِّمَاءِ لَأَفْضَى إلَى سَفْكِ الدّمَاءِ فَيَقْتُلُ الرَّجُلُ عَدُوَّهُ خُفْيَةً، وَلَا يُمْكِنُ أَوْليَاءُ الْمَقْتُولِ إقَامَة الْبَيِّنةِ. وَالْيَمِينُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالسَّارِقِ وَالْقَاطِعِ: سَهْلَةٌ؛ فَإِنَّ مَن يَسْتَحِلُّ هَذِهِ الْأمُورَ لَا يَكْتَرِثُ بِالْيَمِينِ. وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُم لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (١): هَذَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ مِن الْمُدَّعِي حُجَّةٌ غَيْرَ الدَّعْوَى، فَإِنَّهُ لَا يُعْطَى بِهَا شَيْئًا، وَلَكِنْ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. فَأمَّا إذَا أَقَامَ شَاهِدًا بِالْمَالِ: فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَد حَكَمَ فِي الْمَالِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْحِجَازِ وَأهْلِ الْحَدِيثِ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ. وَإِذَا كَانَ فِي دَعْوَى الذَمِ لَوْثٌ: فَقَد قَالَ النَّبِيّ ﷺ لِلْمُدَّعِينَ: "أتحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ " (٢). كَذَلِكَ أَمْرُ قُطَّاع الطَّرِيقِ وأَمْرُ اللُّصُوصِ، وَهُوَ مِن الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ مِن الْحُقُوقِ الْخَاصَّةِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَأَمَنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فِي

стр. 3143

الْمَسَاكِنِ وَالطُّرُقَاتِ إلَّا بِمَا يَزْجُرُهُم فِي قَطْعِ هَؤُلَاءِ، وَلَا يَزْجُرُهُم أَنْ يَحْلِفَ كُلٌّ مِنْهُم؛ وَلهَذَا اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَ قَاطِعَ الطَّرِيقِ لِأَخْذِ الْمَالِ يُقْتَل حَتْمًا وَقَتْلُهُ حَدٌّ للهِ، وَلَيْسَ قَتْلُهُ مُفَوَّضًا إلَى أَوْليَاءِ الْمَقْتُولِ. قَالُوا: لِأَنَّ هَذَا لَمْ يَقْتُلْهُ لِغَرَضٍ خَاصٍّ مَعَهُ (١)، إنَّمَا قَتَلَهُ لِأَجْلِ الْمَالِ، فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ هَذَا الْمَقْتُولِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، فَقَتْلُهُ مَصلَحَةٌ عَامَّةٌ، فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ السَّارِقُ لَيْسَ غَرَضُهُ فِي مَالٍ مُعَيَّنٍ، وَإِنَّمَا غَرَضُة أَخْذُ مَالِ هَذَا وَمَالِ هَذَا، كَذَلِكَ كَانَ قَطْعُة حَقًّا وَاجِبًا للهِ لَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ؛ بَل رَبُّ الْمَالِ يَأُخُذُ مَالَهُ وَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ، حَتَّى لَو قَالَ صَاحِب الْمَالِ: أَنَا أُعْطِيهِ مَالِي لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَطْعُ، كَمَا قَالَ صَفْوَانُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَنَا أَهَبُهُ رِدَائِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَهَلَّا فَعَلْت قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ". وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا: مَن ظَهَرَ عِنْدَهُ مَالٌ يَجِبُ عَلَيْهِ إحْضَارُهُ؛ كَالْمَدِينِ إذَا ظَهَرَ أَنَّهُ غَيَّبَ مَالَهُ وَأَصَرَّ عَلَى الْحَبْسِ، وَكَمَنَ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ وَلَمْ يَرُدَّهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا ظَهَرَ كَذِبُهُ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِفُ، لَكِنْ يُضْرَبُ حَتَّى يُحْضِرَ الْمَالَ الَّذِي يَجِبُ إحْضَارُهُ، أَو يُعَرِّفُ مَكَانَهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عَامَ خَيْبَرٍ فِي عَمِّ حيي بْنِ أَخْطَبَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ صَالَحَهُم عَلَى أَنَّ لَهُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، فَقَالَ لِهَذَا الرَّجُلِ: "أَيْنَ كنْزُ حيي بْنِ أَخْطَبَ؟ "، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، فَقَالَ: "الْمَالُ كثِيرٌ وَالْعَهْدُ أَحْدَثُ مِن هَذَا"، ثُمَّ قَالَ: "دُونَك هَذَا"، فَمَسَّهُ بِشَيْء مِن الْعَذَابِ فَدَلَّهُم عَلَيْهِ فِي خَرِبَةٍ هُنَاكَ (٢). فَهَذَا لَمَّا قَالَ أذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ، وَالْعَادَةُ تكَذِّبُهُ فِي ذَلِكَ: لَمْ

стр. 3144

يَلْتَفتْ إلَيْهِ؛ بَل أَمَرَ بِعُقُوبَتِهِ حَتَّى دَلَّهُم عَلَى الْمَالِ، فَكَذَلِكَ مَن أَخَذَ مِن أَمْوَالِ النَّاسِ وَادَّعَى ذَهَابَهَا دَعْوَى تكذِّبُهُ فِيهَا الْعَادَةُ كَانَ هَذَا حُكْمهُ. [٣٤/ ٢٣٦ - ٢٤٠] ٤٩١١ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَمَّن كَانَ لَهُ ذَهَبٌ مَخِيطٌ فِي ثَوْبِهِ فَأعْطَاهُ لِلْغَسَّالِ نِسْيَانًا، فَلَمَّا رَدَّهُ الْغَسَّالُ إلَيْهِ بَعْدَ غَسْلِهِ وَجَدَ مَكَانَ الذَّهَبِ مُفَتَّقًا وَلَمْ يَجِدْهُ، فَمَا الْحُكْمُ فِيهِ؟ الْجَوَابُ: إمَّا أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا يُبرِّيهِ، وَإِمَّا أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ أَخَذَ الذَّهَبَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيضْمَنُهُ، فَإِنْ كَانَ الْغَسَّالُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ وَظَهَرَت الرِّيبَةُ بِظُهُورِ الْفَتْقِ جَازَ ضَرْبُهُ وَتَعْزِيرُهُ. [٣٤/ ٢٤٠] * * * (بَابُ حَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ) ٤٩١٢ - أَجَمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ مُقَاتَلَةِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَقَد ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شهِيدٌ" (١). فَالْقُطَّاعُ إذَا طَلَبُوا مَالَ الْمَعْصُومِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُم شَيْئًا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ؛ بَل يَدْفَعُهُم بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعُوا إلَّا بِالْقِتَالِ فَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ، فَإِنْ قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا، وَإِن قَتَلَ وَاحِدًا مِنْهُم عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ دَمُهُ هَدَرًا. وَكَذَلِكَ إذَا طَلَبُوا دَمَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُم وَلَو بِالْقَتْلِ إجْمَاعًا، لَكِنَ الدَّفْعَ عَن الْمَالِ لَا يَجِبُ؛ بَل يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُم الْمَالَ وَلَا يُقَاتِلَهُمْ. وَأَمَّا الدَّفْعُ عَن النَّفْسِ فَفِي وُجُوبِهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد. [٣٤/ ٢٤٢] ٤٩١٣ - وَسُئِلَ -رفع الله منزلته في الفردوس الأعلى (٢) -: عَن ثَلَاثَةٍ مِن

стр. 3145

اللُّصُوصِ أَخَذَ اثْنَانِ مِنْهُم جِمَالًا، وَالثَّالِثُ قَتَلَ الْجَمَّالَ، هَل تُقْتَلُ الثَّلَاثَةُ؟ فَأجَابَ: إذَا كَانَ الثَّلَاثَةُ حَرَامِيَّةً اجْتَمَعُوا لِيَأْخُذُوا الْمَالَ بِالْمُحَارَبَةِ قُتِلَ الثَّلَاثَةُ وإِن كَانَ الَّذِي بَاشَرَ الْقَتْلَ وَاحِدًا مِنْهُمْ. [٣٤/ ٢٤٤] ٤٩١٤ - المحاربون في المصر والصحراء حكمهم واحد، وهو قول مالك في المشهور عنه والشافعي وأكثر أصحابنا. [المستدرك ٥/ ١٢٢] * * * الكفارات ٤٩١٥ - حَلِفُ كُلِّ وَاحِدٍ أَنَّ أَفْضَلَ الْمَذَاهِبِ مَذْهَبُ فُلَانٍ: إنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُم يَعْتَقِدُ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: لَا يَحْنَثُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَن حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُة كَمَا لَو حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ فَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ. [٢٠/ ٢٠٥ - ٢٠٦] ٤٩١٦ - قِيلَ: الصَّيْدُ هو مِن بَابِ ضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ كَدِيَةِ الْمَقْتُولِ، بِخِلَافِ الطّيبِ وَاللّبَاسِ فَإِنَّهُ مِن بَابِ التَّرَفُّهِ، وَكَذَلِكَ الْحَلْقُ وَالتَّقْلِيمُ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مِن بَابِ التَّرَفُّهِ لَا مِن بَابِ مُتْلَي لَهُ قِيمَةٌ فَإِنَّه لَا قِيمَةَ لِذَلِكَ؛ فَلِهَذَا كَانَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِي شَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلَّا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ. وَطَرْدُ هَذَا أَنَّ مَن فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا لَا يَحْنَثُ، سَوَاءٌ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَو الْعَتَاقِ أَو غَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّ مَن فَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ نَاسِيًا لَمْ يَعْصِ وَلَمْ يُخَالِفْ، وَالْحِنْثُ فِي الْأَيْمَانِ؛ كَالْمَعْصِيَةِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَكَذَلِكَ مَن بَاشَرَ النَّجَاسَةَ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِن بَابِ فِعْلِ الْمَحْظُورِ، بِخِلَافِ تَرْكِ طَهَارَةِ الْحَدَثِ فَإِنَّهُ مِن بَابِ الْمَأمُورِ [٢٠/ ٥٧٠] * * *

стр. 3146

كتاب الأطعمة ٤٩١٧ - هِيَ [أي: لُحُومِ الْخَيْلِ]: حَلَالٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد وَصَاحِبَي أَبِي حَنِيفَةَ وَعَامَّةِ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ، وَقَد ثَبَتَ أَنَّهُم نَحَرُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَسًا وَأَكَلَ لَحْمَهُ. [٣٥/ ٢٠٨] ٤٩١٨ - إذَا تَوَلَّدَ الْبَغْلُ بَيْنَ فَرَسٍ وَحِمَارِ وَحْشٍ، أَو بَيْنَ أَتَانٍ وَحِصَانٍ: جَازَ أَكْلُهُ، وَهَكَذَا كُلُّ مُتَوَلِّدٍ بَيْنَ أَصْلَيْنِ مُبَاحَيْنِ، وَإِنَّمَا حَرُمَ مَا تَوَلَّدَ مِن بَيْنِ حَلَالٍ وَحَرَام؛ كَالْبَغْلِ الَّذِي أَحَدُ أَبَوَيْهِ حِمَارٌ أَهْلِيٌّ. [٣٥/ ٢٠٨] ٤٩١٩ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن نَعْجَةٍ وَلَدَتْ خَرُوفًا نِصْفُهُ كَلْبٌ وَنصْفُهُ خَرُوفٌ وَهُوَ نِصْفَانِ بِالطُّولِ، هَل يَحِلُّ أَكْلُهُ؟ فَأَجَابَ: لَا يُؤكَلُ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ؛ فَإِنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِن حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَإِن كَانَ ممَيَّزًا؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ التَّذْكِيَةِ، وَلَا يَصِحُّ تَذْكِيَةُ مِثْل هَذَا لِأَجْلِ الِاختِلَاطِ. [٣٥/ ٢٠٩] ٤٩٢٠ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ: نَزَلَ عِنْدَ قَوْمِ وَلَمْ يَكُن مَعَهُ مَا يَأْكُلُ هُوَ وَلَا دَابَّتُهُ، وَامْتَنَعَ الْقَوْمُ أَنْ يَبِيعوهُ وَأَنْ يُضِيفُوهُ، فَحَصَلَ لَهُ ضَرَرٌ وَلدَابَّتِهِ، فَهَل لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُم مَا يَكْفِيهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ؟ فَأَجَابَ: إذَا اضْطَرَّ هُوَ وَدَابَّتُهُ وَعِنْدَهُم مَالٌ يَطْعَمُونَهُ وَلَمْ يَطْعَمُوهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ كِفَايَتَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِمْ وَيُعْطِيَهُم ثَمَنَ الْمِثْلِ. وَإِن كَانَ فِي سَفَرٍ وَجَبَ عَلَيْهِم أَنْ يُضِيفُوهُ إنْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى ضِيَافَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يُضِيفُوهُ أَخَذَ ضِيَافَتَهُ بِغَيْرِ اخْتيَارِهِمْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَيُّمَا رَجُلٍ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِم أَنْ يَقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعَاقِبَهُم بِمِثْل قِرَاهُ مِن

стр. 3147

زَرْعِهِمْ وَمَالِهِمْ" (١). ٤٩٢١ - أما الضبع فإنها مباحة في مذهب مالك والشافعي وأحمد، وحرام في مذهب أبي حنيفة؛ لأنها من ذوات الأنياب، والأولون استدلّوا بقوله ﷺ : "إنها صيد وأمر بأكلها" رواه أهل السنن وصححه الترمذي (٢). قالوا: ليس لها ناب؛ لأن أضراسها صفيحة لا ناب فيها. [المستدرك ٥/ ١٣٢] ٤٩٢٢ - في كلب الماء نزاع، الأولى تركه. [المستدرك ٥/ ١٣٢] ٤٩٢٣ - وما يستخبث؛ أي: تستخبثه العرب، وقال الشيخ تقي الدين: وعند الإمام أحمد وقدماء أصحابه لا أثر لاستخباث العرب، وإن لم يحرمه الشرع حل. [المستدرك ٥/ ١٣٣] ٤٩٢٤ - من اضطر إلى محرم حل منه ما يسد رمقه؛ يعني: ويجب عليه أكل ذلك على الصحيح من المذهب نص عليه، وذكره الشيخ تقي الدين وفاقًا. [المستدرك ٥/ ١٣٣] ٤٩٢٥ - يجب تقديم السؤال (٣) على أكل المحرم على الصحيح من المذهب، وقال الشيخ تقي الدين: إنه يجب ولا يأثم، وأنه ظاهر المذهب. [المستدرك ٥/ ١٣٤] ٤٩٢٦ - المضطر إلى طعام الغير: - إن كان فقيرًا: فلا يلزمه عوض؛ إذ إطعام الجائع وكسوة العاري فرض كفاية، ويصيران فرض عين على المعين إذا لم يقم به غيره.

стр. 3148

- وإن كان غنيًّا: لزمه العوض؛ إذ الواجب معاوضته. [المستدرك ٥/ ١٣٤] ٤٩٢٧ - إذا وجد المضطر طعامًا لا يعرف مالكه وميتة: فإنه يأكل الميتة إذا لم يعرف مالك الطعام وأمكن رده إليه بعينه، أما إذا تعذر رده إلى مالكه، بحيث يجب أن يصرف إلى الفقراء؛ كالمغصوب والأمانات التي لا يعرف مالكها: فإنه يقدم ذلك على الميتة. [المستدرك ٥/ ١٣٤] ٤٩٢٨ - الضِّيَافَة قَدْرَ كِفَايَتِهِ مع الْأُدْمِ على الصَّحِيحِ من الْمَذْهَبِ، وَأَوْجَبَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى الْمَعْرُوفَ عَادَةً؛ كَزَوْجَةٍ وَقَرِيبٍ وَرَقِيقٍ. [الإنصاف ١٠/ ٣٨٢] ٤٩٢٩ - يأكل الضيف على ملك صاحب الطعام على وجه الإباحة، وليس ذلك بتمليك. [المستدرك ٥/ ١٣٥] ٤٩٣٠ - يكره ذبح الفرس الذي ينتفع به في الجهاد بلا نزاع. [المستدرك ٥/ ١٣٥] ٤٩٣١ - أَكْلُ الشَّوَى والشريح جَائِزٌ، سَوَاءٌ غَسَلَ اللَّحْمَ أَو لَمْ يَغْسِلْ؛ بَل غَسْل لَحْمِ الذَّبِيحَةِ بِدْعَة (١). [٢١/ ٥٢٢] ٤٩٣٢ - وسُئل شيخ الإسلام ﵀ عَن رَجُلٍ نَقَلَ عَن بَعْضِ السَّلَفِ مِن الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ قَالَ: أَكْلُ الْحَلَالِ مُتَعَذَّرٌ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ؟ فَأَجَابَ ﵁: هَذَا الْقَائِلُ الَّذِي قَالَ: أَكْلُ الْحَلَالِ مُتَعَذّرٌ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ غالط مُخْطِئٌ فِي قَوْلِهِ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّ مِثْل هَذِهِ الْمَقَالَةِ كَانَ يَقُولُهَا بَعْضُ أَهْلِ الْبِدَع وَبَعْضُ أَهْلِ الْفِقْهِ الْفَاسِدِ وَبَعْضُ أَهْلِ النُّسُكِ الْفَاسِدِ، فَأَنْكَرَ الْأَئِمَّةُ ذَلِكَ، حَتَّى الْإِمَامُ أَحْمَد فِي وَرَعِهِ الْمَشْهُورِ كَانَ يُنْكِرُ مِثْل هَذِهِ الْمَقَالَةِ.

стр. 3149

وَهَؤلَاءِ يَحْكُونَ فِي الْوَرَعِ الْفَاسِدِ حِكَايَاتٍ بَعْضُهَا كَذِبٌ مِمَن نقِلَ عَنْهُ وَبَعْضُهَا غَلَطٌ، كَمَاْ يَحْكُونَ عَن الْإِمَامِ أحْمَد: أَنَّ ابْنَهُ صَالِحًا لَمَّا تَوَلَّى الْقَضَاءَ لَمْ يَكُن يَخْبِزُ فِي دَارِهِ، وَأَنَّ أَهْلَهُ خَبَزُوا فِي تَنُّورِهِ فَلَمْ يَأَكُل الْخُبْزَ؛ فَأَلْقَوْهُ فِي دِجْلَة فَلَمْ يَكُن يَأْكُلُ مِن صَيْدِ دِجْلَة! وَهَذَا مِن أَعْظَمِ الْكَذِبِ وَالْفِرْيَةِ عَلَى مِثْل هَذَا الْإِمَامِ، وَلَا يَفْعَلُ مِثْل هَذَا إلَّا مَن هُوَ مِن أَجْهَلِ النَّاسِ أَو أَعْظَمِهِمْ مَكْرًا بِالنَاسِ وَاحْتِيَالًا عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَقَد نَزَّهَهُ اللهُ عَن هَذَا وَهَذَا. وَكُلُّ عَالِمٍ يَعْلَمُ أَنَّ ابْنَهُ لَمْ يَتَوَلَّ الْقَضَاءَ فِي حَيَاتِهِ وَإِنَّمَا تَوَلَّاهُ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَلَكِنْ كَانَ الْخَلِيفَةُ الْمُتَوَكِّلُ قَد أَجَازَ أَوْلَادَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ جَوَائِزَ مِن بَيْتِ الْمَالِ، فَأَمَرَهُم أَبُو عَبْدِ اللهِ أَنْ لَا يَقْبَلُوا جَوَائِزَ السُّلْطَانِ فَاعْتَذَرُوا إلَيْهِ بِالْحَاجَةِ فَقَبِلَهَا مَن قَبِلَهَا مِنْهُم فَتَرَكَ الْأَكْلَ مِن أَمْوَالِهِمْ، وَالِانْتِفَاعَ بِنِيرَانِهِمْ فِي خُبْزٍ أَو مَاءٍ، لِكَوْنِهِمْ قَبِلُوا جَوَائِزَ السُّلْطَانِ. وَسَأَلُوهُ عَن هَذَا الْمَالِ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالُوا: أَنَحُجُّ مِنْهُ؛ فَقَالَ: نَعَمْ. وَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ إنَّمَا امْتَنَعَ مِنْهُ لِئَلَّا يَصِيرَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى أَنْ يُدَاخِلَ الْخَلِيفَةَ فِيمَا يُرِيدُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "خُذ الْعَطَاءَ مَا كَانَ عَطَاءً، فَإِذَا كَانَ عِوَضًا عَن دِينِ أَحَدِكمْ فَلَا يَأْخُذْهُ" (١). [٢٩/ ٣١١ - ٣١٣] ٤٩٣٣ - لَمْ يُرَغِّب النَّبِيُّ ﷺ فِي أَكْلِ الْبِطّيخِ، وَجَمِيعُ مَا يُرْوَى مِن هَذَا الْجِنْسِ فَهُوَ كَذِبٌ. وَأَمَّا أَكْلُ الْبِطّيخِ بِالرُّطَبِ فَهُوَ كَأَكْلِ الْقِثَّاءِ بِالرُّطَبِ، وَالْحَدِيثُ بِذَلِكَ أَصَحُّ، وَالْمُرَادُ بِهِ حَلَاوَةُ هَذَا وَرُطُوبَةُ هَذَا.

стр. 3150

وَكَانَ أَحَبَّ الشَّرَابِ إلَيْهِ ﷺ الْحُلْوُ الْبَارِدُ. [٣٢/ ٢١٣] * * * (بَابٌ الذَّكَاة) ٤٩٣٤ - لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى أَحَدٍ أَكَلَ مِن ذَبِيحَةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَلَا يُحَرِّمَ ذَبْحَهُم لِلْمُسْلِمِينَ، وَمَن أَنْكَرَ ذَلِكَ فَهُوَ جَاهِلٌ مُخْطِئٌ، مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ أَصْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ لَا يَسُوغُ فِيهَا الْإِنْكَارُ إلَّا بِبَيَانِ الْحُجَّةِ وَإِيضَاحِ الْمَحَجَّةِ، لَا الْإِنْكَارُ الْمُجَرَّدُ الْمُسْتَنِدُ إلَى مَحْضِ التَّقْلِيدِ؛ فَإِنَّ هَذَا فِعْلُ أَهْلِ الْجَهْلِ وَالْأَهْوَاءِ (١). كَيْفَ وَالْقَوْلُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَقَبْلَهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا مُخَالِفٌ لِمَا عُلِمَ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلمَا عُلِمَ مِن حَالِ أَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ؟. فَاِنْ قِيلَ: هَذ الْآيَةُ مُعَارَضَة بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة ة ٢٢١]، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. قِيلَ: الْجَوَابُ مِن ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الشِّرْكَ الْمُطْلَقَ فِي الْقُرْآنِ لَا يَدْخُل فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُونَ فِي الشِّرْكِ الْمُقَيَّدِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]، فَجَعَلَ الْمُشْرِكِينَ قِسْمًا غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: إذَا قُدِّرَ أَنَ لَفْظَ "الْمُشْرِكَاتِ" و"الْكَوَافِرِ" يَعُمُّ الْكِتَابِيَّاتِ:

стр. 3151

فَآيَة الْمَائِدَةِ خَاصَّةٌ وَهِيَ مُتَأَخِّرَة نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالْمُمْتَحِنَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: "الْمَائِدَةُ مِن آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا"، وَالْخَاصُّ الْمُتَأَخِّرُ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ الْمُتَقَدّمِ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ يَقُولُونَ: إنَّه مُفَسِّرٌ لَهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ صُورَةَ التَّخْصِيصِ لَمْ تَرِدْ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: إذَا فَرَضْنَا النَّصَّيْنِ خَاصَّيْنِ، فَأَحَدُ النَّصَّيْنِ حَرَّمَ ذَبَائِحَهُم وَنِكَاحَهُمْ، وَالْآخَرُ أَحَلَّهُمَا: فَالنَّصُّ الْمُحَلِّلُ لَهُمَا هُنَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ هِيَ الْمُتَأَخِّرَةُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَتَكُونُ نَاسِخَة لِلنَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ. الْوَجْهُ الثانِي: أَنَّهُ قَد ثَبَتَ حِلُّ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَالْكَلَامُ فِي نِسَائِهِمْ كَالْكَلَامِ فِي ذَبَائِحِهِمْ، فَإِذَا ثَبَتَ حِلُّ أَحَدِهِمَا ثَبَتَ حِل الْآخَرِ، وَحِلُّ أَطعِمَتِهِمْ لَيْسَ لَهُ مُعَارِضٌ أَصْلًا. وَيدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُم كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ. [٣٥/ ٢١٢ - ٢١٦] ٤٩٣٥ - الْقَوْلُ بِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ هُم مَن كَانَ دَخَلَ جَدُّهُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ. بَل الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ كَوْنَ الرَّجُلِ كِتَابِيًّا أو غَيْرَ كِتَابِيٍّ: هُوَ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لَا بِنسبةٍ، وَكُل مَن تَدَيَّنَ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهُوَ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ أَبُوهُ أَو جَدُّهُ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ أَو لَمْ يَدْخُلْ. وَسَوَاءٌ كَانَ دُخُوُلهُ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ أَو بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَن أَحْمَد، وَإِن كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الثَّابِت عَن الصَّحَابَةِ ﵃، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ نِزَاعًا.

стр. 3152

وَقَد عُلِمَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ الْمُسْتَفِيضِ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كَانَ فِيهِمْ يَهُودٌ كَثِيرٌ مِن الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِن بَنِي كِنَانَةَ وَحِمْيَرَ وَغَيْرِهِمَا مِن الْعَرَبِ؛ وَلهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ: "إنَّك تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كتَابٍ" (١)، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَو عَدْلَهُ معافريًّا، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن دَخَلَ أَبُوهُ قَبْلَ النَّسْخِ أَو بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ وَفْدُ نَجْرَانَ وَغَيْرِهِمْ مِن النَّصَارَى الَّذِينَ كَانَ فِيهِمْ عَرَبٌ كَثِيرُونَ أَقَرَّهُم بِالْجِزْيَةِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِن الْعَرَبِ لَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ولَا أَحَدٌ مِن خُلَفَائِهِ وَأَصْحَابِهِ بَيْن بَعْضِهِمْ وَبَعْضٍ؛ بَل قَبِلُوا مِنْهُم الْجِزْيَةَ وَأَبَاحُوا ذَبَائِحَهُم وَنِسَاءَهُمْ، وَكَذَلِكَ نَصَارَى الرُّومِ وَغَيْرُهُم لَمْ يُفَرّقُوا بَيْنَ صِنْفٍ وَصِنْفٍ. وَمَن تَدَبَّرَ السِّيرَةَ -النَّبَوِيَّةَ عَلِمَ كُلَّ هَذَا بِالضَّرُورَةِ، وَعَلِمَ أَنَّ التَّفْرِيقَ قَوْلٌ مُحْدَثٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ. [٣٥/ ٢٢٣ - ٢٢٦] ٤٩٣٦ - تَجُوزُ ذَكَاةُ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ وَتَذْبَحُ الْمَرْأَةُ وَإِن كَانَت حَائِضًا؛ فَإِنَّ حَيْضَتَهَا لَيْسَتْ فِي يَدِهَا. وَذَكَاةُ الْمَرْأَةِ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٣٥/ ٢٣٤] ٤٩٣٧ - وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: عَن الدَّابَّةِ كَالْجَامُوسِ وَغَيْرِهِ فِي الْمَاءِ فَيُذْبَحُ وَيمُوتُ فِي الْمَاءِ، هَل يُؤْكَلُ؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الْجُرْحُ غَيْرَ مُوحٍ (٢) وَغَابَ رَأْسُ الْحَيَوَانِ فِي الْمَاءِ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ؛ فَإِنَّهُ اشْتَرَكَ فِي حُكْمِهِ الْحَاضِرُ وَالْمُبِيحُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: "إنْ خَالَطَ كَلْبَك كِلَابٌ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّك إنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كلْبك وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ" (٣). وَإِن كَانَ بَدَنُهُ فِي الْمَاءِ وَرَأسُهُ خَارجَ الْمَاءِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ شَيْئًا.

стр. 3153

وَإِن كَانَ الْجُرْحُ مُوحِيًا فَفِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُفٌ. [٣٥/ ٢٣٤] ٤٩٣٨ - قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ عَائِدٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِن الْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ وَأَكِيلَةِ السَّبُعِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ؛ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي حَنيفَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَمَا أَصَابَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ أُبِيحَ. لَكِنْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يُذَكَّى مِن ذَلِكَ .. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ إذَا كَانَ حَيًّا فَذُكِّيَ حَلَّ أَكْلُهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ؛ فَإِنَّ حَرَكَاتِ الْمَذْبُوحِ لَا تَنْضَبِطُ؛ بَل فِيهَا مَا يَطُولُ زَمَانُهُ وَتَعْظُمُ حَرَكَتُهُ، وَقَد قَالَ ﷺ : "مَا أنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا" (١)، فَمَتَى جَرَى الدَّمُ الَّذِي يَجْرِي مِن الْمَذْبُوحِ الَّذِي ذُبحَ وَهُوَ حَيٌّ حَلَّ أَكْلُهُ (٢). [٣٥/ ٢٣٦ - ٢٣٧] ٤٩٣٩ - مَا وَقَعَ فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهَا وَلَمْ يُوصَلْ إلَى مَذْبَحِهِ فَتُجْرَحُ حَيْثُ أَمْكَنَ مِثْلُ الطَّعْنِ فِي فَخْذِهَا كَمَا يُفْعَلُ بِالصَّيْدِ الْمُمْتَنِعِ وَتُبَاحُ بِذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْغلَمَاءِ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعَانَ عَلَى مَوْتِهَا سَبَبٌ آخَرُ: مِثْلُ أَنْ يَكونَ رَأسُهَا غَاطِسًا فِي الْمَاءِ فَتَكُونُ قَد مَاتَتْ بِالْجُرْحِ وَالْغَرَقِ؛ فَلَا تُباحُ حِينَئِذٍ. [٣٥/ ٢٣٦] ٤٩٤٠ - التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ مَشْرُوعَةٌ، لَكِنْ قِيلَ: هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: وَاجِبَة مَعَ الْعَمْدِ وَتَسْقُطُ مَعَ السَّهْوِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَقِيلَ: تَجِبُ مُطْلَقًا، فَلَا تُوكَلُ الذَّبِيحَةُ بِدُونهَا، سَوَاءٌ

стр. 3154

تَرَكهَا عَمْدًا أَو سَهْوًا كَالرِّوَايَةِ الْأخْرَى عَن أَحْمَد .. وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِن السَّلَفِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْأقْوَالِ؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ قَد عَلَّقَ الْحلَّ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] .. وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) أَنَّهُ قَالَ: "مَا أنهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا". وَلَكنْ إذَا وَجَدَ الْإِنْسَانُ لَحْمًا قَد ذَبَحَهُ غَيْرُهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَيذْكُرَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، لِحَمْلِ أَمْرِ النَّاسِ عَلَى الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ نَاسًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ يَأْتُونَ بِاللَّحْم وَلَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا؟ فَقَالَ: "سَمُّوا أَنْتُمْ وَكلُوا" (٢). [٣٥/ ١٣٩ - ١٤٠] ٤٩٤١ - يكره أن يجعل أهل الكتاب ذباحين، مع كثرة ذباحين مسلمين، ولكن لا يحرم. [المستدرك ٥/ ١٣٦] ٤٩٤٢ - يحرم ما ذبحه الكتابي لعيده أو ليتقرب به إلى شيء يعظمه، وهو رواية عن أحمد. [المستدرك ٥/ ١٣٦] ٤٩٤٣ - إذا لم يقصد المذكي الأكل؛ بل قصد مجرد حلّ يمينه: لم تبح الذبيحة. [المستدرك ٥/ ١٣٦] ٤٩٤٤ - قال النبي ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" (٣) ففي هذا دليل على أن الإحسان واجب على كل حال، حتى حال إزهاق النفس: ناطقها وبهيمها، فعلى الإنسان أن يحسن القتلة للآدميين، والذبحة للبهائم. [المستدرك ٥/ ١٣٦] ٤٩٤٥ - فيما يشترط قطعه من الحيوان عند الذبح أقوال.

стр. 3155

والأقوى إن قطع ثلاثة من الأربع يبيح، سواء كان فيها الحلقوم أو لم يكن؛ فإن قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم، وأبلغ في إنهار الدم. [المستدرك ٥/ ١٣٦ - ١٣٧] * * * (باب الصيد) ٤٩٤٦ - الصيد للحاجة فإنه جائز وأما الصيد الذي هو للهو واللعب: فمكروه، فإن كان فيه تعد على زرع الناس، وأموالهم فهو حرام. [المستدرك ٥/ ١٣٧] ٤٩٤٧ - المقتول بالبندق حرام باتفاق المسلمين، وأن أدرك حيًّا وذكي فحلال. [المستدرك ٥/ ١٣٨] ٤٩٤٨ - إذا جرح الصيد فغاب وليس فيه إلا سهمه فإنه يحل له على الصحيح من أقوالهم، وبه أفتى رسول الله ﷺ لما سأله عدي بن حاتم: "إنا نرمي الصيد فنقتفي أثره اليومين والثلاثة، ثم نجده ميتًا وفيه سهمه؟ فقال: إن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به الا أثر سهمك فكل" (١). وفي حديث أبي ثعلبة الخشني: "إذا رميت بسهمك فغاب ثلاثة أيام وأدركته فكل ما لم ينتن" (٢). فهذان الحديثان الصحيحان، الأول في البخاري والثاني في مسلم عليهما اعتمد العلماء، فإن كلاهما أفتى به النبي ﷺ ، ومن أفتى بغير ذلك فلم يبلغه الحديث. وأما إذا أنتن: فيكره أكله. [المستدرك ٥/ ١٣٨] ٤٩٤٩ - التحقيق أن المرجع في تعليم الفهد إلى أهل الخبرة، فإن قالوا:
следующие страницы →