← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

فَآيَة الْمَائِدَةِ خَاصَّةٌ وَهِيَ مُتَأَخِّرَة نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالْمُمْتَحِنَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ: "الْمَائِدَةُ مِن آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا فَأَحِلُّوا حَلَالَهَا وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا"، وَالْخَاصُّ الْمُتَأَخِّرُ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ الْمُتَقَدّمِ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ يَقُولُونَ: إنَّه مُفَسِّرٌ لَهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ صُورَةَ التَّخْصِيصِ لَمْ تَرِدْ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: إذَا فَرَضْنَا النَّصَّيْنِ خَاصَّيْنِ، فَأَحَدُ النَّصَّيْنِ حَرَّمَ ذَبَائِحَهُم وَنِكَاحَهُمْ، وَالْآخَرُ أَحَلَّهُمَا: فَالنَّصُّ الْمُحَلِّلُ لَهُمَا هُنَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ سُورَةَ الْمَائِدَةِ هِيَ الْمُتَأَخِّرَةُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، فَتَكُونُ نَاسِخَة لِلنَّصِّ الْمُتَقَدِّمِ. الْوَجْهُ الثانِي: أَنَّهُ قَد ثَبَتَ حِلُّ طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَالْكَلَامُ فِي نِسَائِهِمْ كَالْكَلَامِ فِي ذَبَائِحِهِمْ، فَإِذَا ثَبَتَ حِلُّ أَحَدِهِمَا ثَبَتَ حِل الْآخَرِ، وَحِلُّ أَطعِمَتِهِمْ لَيْسَ لَهُ مُعَارِضٌ أَصْلًا. وَيدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُم كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ. [٣٥/ ٢١٢ - ٢١٦] ٤٩٣٥ - الْقَوْلُ بِأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْقُرْآنِ هُم مَن كَانَ دَخَلَ جَدُّهُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ. بَل الصَّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ كَوْنَ الرَّجُلِ كِتَابِيًّا أو غَيْرَ كِتَابِيٍّ: هُوَ حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ لَا بِنسبةٍ، وَكُل مَن تَدَيَّنَ بِدِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَهُوَ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ أَبُوهُ أَو جَدُّهُ دَخَلَ فِي دِينِهِمْ أَو لَمْ يَدْخُلْ. وَسَوَاءٌ كَانَ دُخُوُلهُ قَبْلَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ أَو بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَن أَحْمَد، وَإِن كَانَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ مَعْرُوفٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الثَّابِت عَن الصَّحَابَةِ ﵃، وَلَا أَعْلَمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ نِزَاعًا.

стр. 3152

وَقَد عُلِمَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ الْمُسْتَفِيضِ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كَانَ فِيهِمْ يَهُودٌ كَثِيرٌ مِن الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِن بَنِي كِنَانَةَ وَحِمْيَرَ وَغَيْرِهِمَا مِن الْعَرَبِ؛ وَلهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ: "إنَّك تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كتَابٍ" (١)، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَو عَدْلَهُ معافريًّا، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن دَخَلَ أَبُوهُ قَبْلَ النَّسْخِ أَو بَعْدَهُ، وَكَذَلِكَ وَفْدُ نَجْرَانَ وَغَيْرِهِمْ مِن النَّصَارَى الَّذِينَ كَانَ فِيهِمْ عَرَبٌ كَثِيرُونَ أَقَرَّهُم بِالْجِزْيَةِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِن الْعَرَبِ لَمْ يُفَرِّقْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ولَا أَحَدٌ مِن خُلَفَائِهِ وَأَصْحَابِهِ بَيْن بَعْضِهِمْ وَبَعْضٍ؛ بَل قَبِلُوا مِنْهُم الْجِزْيَةَ وَأَبَاحُوا ذَبَائِحَهُم وَنِسَاءَهُمْ، وَكَذَلِكَ نَصَارَى الرُّومِ وَغَيْرُهُم لَمْ يُفَرّقُوا بَيْنَ صِنْفٍ وَصِنْفٍ. وَمَن تَدَبَّرَ السِّيرَةَ -النَّبَوِيَّةَ عَلِمَ كُلَّ هَذَا بِالضَّرُورَةِ، وَعَلِمَ أَنَّ التَّفْرِيقَ قَوْلٌ مُحْدَثٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ. [٣٥/ ٢٢٣ - ٢٢٦] ٤٩٣٦ - تَجُوزُ ذَكَاةُ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ وَتَذْبَحُ الْمَرْأَةُ وَإِن كَانَت حَائِضًا؛ فَإِنَّ حَيْضَتَهَا لَيْسَتْ فِي يَدِهَا. وَذَكَاةُ الْمَرْأَةِ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٣٥/ ٢٣٤] ٤٩٣٧ - وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: عَن الدَّابَّةِ كَالْجَامُوسِ وَغَيْرِهِ فِي الْمَاءِ فَيُذْبَحُ وَيمُوتُ فِي الْمَاءِ، هَل يُؤْكَلُ؟ فَأَجَابَ: إذَا كَانَ الْجُرْحُ غَيْرَ مُوحٍ (٢) وَغَابَ رَأْسُ الْحَيَوَانِ فِي الْمَاءِ لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ؛ فَإِنَّهُ اشْتَرَكَ فِي حُكْمِهِ الْحَاضِرُ وَالْمُبِيحُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: "إنْ خَالَطَ كَلْبَك كِلَابٌ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّك إنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كلْبك وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ" (٣). وَإِن كَانَ بَدَنُهُ فِي الْمَاءِ وَرَأسُهُ خَارجَ الْمَاءِ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ شَيْئًا.

стр. 3153

وَإِن كَانَ الْجُرْحُ مُوحِيًا فَفِيهِ نِزَاعٌ مَعْرُفٌ. [٣٥/ ٢٣٤] ٤٩٣٨ - قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ عَائِدٌ إلَى مَا تَقَدَّمَ مِن الْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ وَأَكِيلَةِ السَّبُعِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ؛ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي حَنيفَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَمَا أَصَابَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ أُبِيحَ. لَكِنْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يُذَكَّى مِن ذَلِكَ .. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ إذَا كَانَ حَيًّا فَذُكِّيَ حَلَّ أَكْلُهُ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ؛ فَإِنَّ حَرَكَاتِ الْمَذْبُوحِ لَا تَنْضَبِطُ؛ بَل فِيهَا مَا يَطُولُ زَمَانُهُ وَتَعْظُمُ حَرَكَتُهُ، وَقَد قَالَ ﷺ : "مَا أنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا" (١)، فَمَتَى جَرَى الدَّمُ الَّذِي يَجْرِي مِن الْمَذْبُوحِ الَّذِي ذُبحَ وَهُوَ حَيٌّ حَلَّ أَكْلُهُ (٢). [٣٥/ ٢٣٦ - ٢٣٧] ٤٩٣٩ - مَا وَقَعَ فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهَا وَلَمْ يُوصَلْ إلَى مَذْبَحِهِ فَتُجْرَحُ حَيْثُ أَمْكَنَ مِثْلُ الطَّعْنِ فِي فَخْذِهَا كَمَا يُفْعَلُ بِالصَّيْدِ الْمُمْتَنِعِ وَتُبَاحُ بِذَلِكَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْغلَمَاءِ؛ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعَانَ عَلَى مَوْتِهَا سَبَبٌ آخَرُ: مِثْلُ أَنْ يَكونَ رَأسُهَا غَاطِسًا فِي الْمَاءِ فَتَكُونُ قَد مَاتَتْ بِالْجُرْحِ وَالْغَرَقِ؛ فَلَا تُباحُ حِينَئِذٍ. [٣٥/ ٢٣٦] ٤٩٤٠ - التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ مَشْرُوعَةٌ، لَكِنْ قِيلَ: هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَقِيلَ: وَاجِبَة مَعَ الْعَمْدِ وَتَسْقُطُ مَعَ السَّهْوِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَقِيلَ: تَجِبُ مُطْلَقًا، فَلَا تُوكَلُ الذَّبِيحَةُ بِدُونهَا، سَوَاءٌ

стр. 3154

تَرَكهَا عَمْدًا أَو سَهْوًا كَالرِّوَايَةِ الْأخْرَى عَن أَحْمَد .. وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِن السَّلَفِ، وَهَذَا أَظْهَرُ الْأقْوَالِ؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ قَد عَلَّقَ الْحلَّ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤] .. وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) أَنَّهُ قَالَ: "مَا أنهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا". وَلَكنْ إذَا وَجَدَ الْإِنْسَانُ لَحْمًا قَد ذَبَحَهُ غَيْرُهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ وَيذْكُرَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، لِحَمْلِ أَمْرِ النَّاسِ عَلَى الصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ نَاسًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ يَأْتُونَ بِاللَّحْم وَلَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا؟ فَقَالَ: "سَمُّوا أَنْتُمْ وَكلُوا" (٢). [٣٥/ ١٣٩ - ١٤٠] ٤٩٤١ - يكره أن يجعل أهل الكتاب ذباحين، مع كثرة ذباحين مسلمين، ولكن لا يحرم. [المستدرك ٥/ ١٣٦] ٤٩٤٢ - يحرم ما ذبحه الكتابي لعيده أو ليتقرب به إلى شيء يعظمه، وهو رواية عن أحمد. [المستدرك ٥/ ١٣٦] ٤٩٤٣ - إذا لم يقصد المذكي الأكل؛ بل قصد مجرد حلّ يمينه: لم تبح الذبيحة. [المستدرك ٥/ ١٣٦] ٤٩٤٤ - قال النبي ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" (٣) ففي هذا دليل على أن الإحسان واجب على كل حال، حتى حال إزهاق النفس: ناطقها وبهيمها، فعلى الإنسان أن يحسن القتلة للآدميين، والذبحة للبهائم. [المستدرك ٥/ ١٣٦] ٤٩٤٥ - فيما يشترط قطعه من الحيوان عند الذبح أقوال.

стр. 3155

والأقوى إن قطع ثلاثة من الأربع يبيح، سواء كان فيها الحلقوم أو لم يكن؛ فإن قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم، وأبلغ في إنهار الدم. [المستدرك ٥/ ١٣٦ - ١٣٧] * * * (باب الصيد) ٤٩٤٦ - الصيد للحاجة فإنه جائز وأما الصيد الذي هو للهو واللعب: فمكروه، فإن كان فيه تعد على زرع الناس، وأموالهم فهو حرام. [المستدرك ٥/ ١٣٧] ٤٩٤٧ - المقتول بالبندق حرام باتفاق المسلمين، وأن أدرك حيًّا وذكي فحلال. [المستدرك ٥/ ١٣٨] ٤٩٤٨ - إذا جرح الصيد فغاب وليس فيه إلا سهمه فإنه يحل له على الصحيح من أقوالهم، وبه أفتى رسول الله ﷺ لما سأله عدي بن حاتم: "إنا نرمي الصيد فنقتفي أثره اليومين والثلاثة، ثم نجده ميتًا وفيه سهمه؟ فقال: إن رميت الصيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به الا أثر سهمك فكل" (١). وفي حديث أبي ثعلبة الخشني: "إذا رميت بسهمك فغاب ثلاثة أيام وأدركته فكل ما لم ينتن" (٢). فهذان الحديثان الصحيحان، الأول في البخاري والثاني في مسلم عليهما اعتمد العلماء، فإن كلاهما أفتى به النبي ﷺ ، ومن أفتى بغير ذلك فلم يبلغه الحديث. وأما إذا أنتن: فيكره أكله. [المستدرك ٥/ ١٣٨] ٤٩٤٩ - التحقيق أن المرجع في تعليم الفهد إلى أهل الخبرة، فإن قالوا:

стр. 3156

إنه من جنس تعليم الصقر بالأكل أُلحق به، وإن قالوا: إنه يُعلَّم (١) بترك الأكل كالكلب ألحق به. [المستدرك ٥/ ١٣٨] ٤٩٥٠ - إذا أكل الكلب بعد تعلمه: لم يحرم ما تقدم من صيده، ولم يبح ما أكل منه. وما أكل منه الكلب: لا يؤكل في أصح قولي العلماء، ولا يحرم على ما تقدم في أصح قولي العلماء أيضًا. [المستدرك ٥/ ١٣٨] * * * (حكم التنفس فِي الشُّرْبِ ثَلَاثًا، وحكم التنفس فِي الْإِنَاءِ) ٤٩٥١ - الْأَفْضَلُ أَنْ يَتَنَفَّسَ فِي الشُّرْبِ ثَلَاثًا، وَيَكُونُ نَفَسُهُ فِي غَيْرِ الْإِنَاءِ؛ فَإِنَّ التّنفُّسَ فِي الْإِنَاءِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَإِن لَمْ يَتَنَفَّسْ وَشَرِبَ بِنَفَسٍ وَاحِد جَازَ؛ فَإِنَّ فِي "الصَّحِيحِ" (٢) عَن أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا يَقُولُ: "إنَّهُ أَرْوَى وَأَمْرَى". فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التّنَفُّسِ ثَلَاثًا. وَفِي "الصَّحِيحِ" (٣) عَن أَبِي قتادة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ في الْإِنَاءِ"، فَهَذَا فِيهِ النَّهْيُ عَن التّنَفُّسِ فِي الْإِنَاءِ. وَعَن أَبِي سَعِيدٍ الخدري: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَن التّنَفُسِ فِي الشَّرَابِ فَقَالَ الرَّجُلُ: الْقَذَاةُ أَرَاهَا فِي الْإِنَاءِ؟ فَقَالَ: "أَهرِقْهَا"، قَالَ: فَإِنِّي لَا أَرْوَى عَن نَفَسٍ وَاحِدٍ، قَالَ: "فَأَبِن الْقَدَحَ عَن فِيك". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٤). فَلَمْ يَنْهَ النَّبِيُّ ﷺ عَن الشُّرْبِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ. وَمَا عَلِمْت أَحَدًا مِن الْأَئِمَّةِ أَوْجَبَ التَّنَفُّسَ وَحَرَّمَ الشُّرْبَ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ. وَفِعْلُهُ ﷺ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. [٣٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩] * * *

стр. 3157

(حكم الشُّرْبُ قَائِمًا) ٤٩٥٢ - أَمَّا الشُّرْبُ قَائِمًا: فَقَد جَاءَت أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ بِالنَّهْيِ وَأَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ بِالرُّخْصَةِ، وَلهَذَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، وَذُكِرَ فِيهِ رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَد، وَلَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ أَنْ تُحْمَلَ الرُّخْصَةُ عَلَى حَالِ الْعُذْرِ. فَأَحَادِيثُ النَّهْيِ مِثْلهَا فِي "الصَّحِيحِ" (١) عَن قتادة عَن أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ عَن الشُّرْبِ قَائِمًا. قَالَ قتادة: فَقُلْنَا: الْأَكْلُ؟ فَقَالَ: ذَاكَ شَرٌّ وَأَخْبَثُ. وَأَحَادِيثُ الرُّخْصَةِ مِثْل حَدِيثِ مَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) عَن عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ قَائِمًا مِن زَمْزَمَ. فَيَكُونُ هَذَا وَنَحْوُهُ مُسْتَثْنًى مِن ذَلِكَ النَّهْيِ. وَهَذَا جَارٍ عَن أَحْوَالِ الشَّرِيعَةِ: أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ يُبَاحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ بَل مَا هُوَ أَشَدُّ مِن هَذَا يُبَاحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ؛ بَل الْمُحَرَّمَاتُ الَّتِي حُرِّمَ أَكْلُهَا وَشُرْبُهَا كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ تُباحُ لِلضَّرُورَةِ. وَأَمَّا مَا حُرّمَ مُبَاشَرَتُهُ طَاهِرًا -كَالذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ- فَيُبَاحُ لِلْحَاجَةِ. [٣٢/ ٢٠٩ - ٢١٠] * * * (كَانَ النبي ﷺ لَا يَرُدُّ مَوْجُودًا، وَلَا يَتَكَلَّف مَفْقُودًا) ٤٩٥٣ - كَانَ ﷺ يَأْكُلُ فَاكِهَةَ بَلَدِهَ، مَا قُدِّمَتْ لَهُ فَاكِهَةٌ: فَتَرَكَ أَكْلَهَا، لَا عَلَى سَبِيلِ الزُّهْدِ الْفَاسِدِ، وَلَا عَلَى سَبِيلِ الْوَرَعِ الْفَاسِدِ؛ بَل كَانَ لَا يَرُدُّ مَوْجُودًا، وَلَا يَتَكَلَّفُ مَفْقُودًا، وَيَتَّبعُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ

стр. 3158

طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]، فَأَمَرَ بِالْأَكْلِ وَالشُّكْرِ. فَمَن حَرَّمَ الطَّيّبَاتِ عَلَيْهِ وَامْتَنَعَ مِن أَكْلِهَا بِدُونِ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ: فَهُوَ مَذْمُومٌ مُبْتَدِعٌ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، وَمَن أَكَلَهَا بِدُونِ الشُّكْرِ الْوَاجِبِ فِيهَا فَهُوَ مَذْمُومٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨]؛ أَيْ: شكْرِ النَّعِيمِ. وَمَن أَكَلَ بِنِيَّةِ الِاسْتِعَانَةِ عَلَى عِبَادَةٍ: كَانَ مَأْجُورًا عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي "الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ": "نَفَقَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةً" (١). [٣٢/ ٢١١ - ٢١٢] * * * (حكم الأكل ممن أكثرُ ماله من الحرام) ٤٩٥٤ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ مَعَهُ مَالٌ مِن حَلَالٍ وَحَرَامٍ، فَهَل يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَ مِن عَيْشِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: إنْ عَرَفَ الْحَرَامَ بِعَيْنِهِ لَمْ يَأْكُلْ حَتْمًا، وَإِن لَمْ يَعْرِفْ عَيْنَهُ لَمْ يَحْرُم الْأَكْلُ مِنْهُ، لَكِنْ إذَا كَثُرَ الْحَرَامُ كَانَ مَتْرُوكًا وَرَعًا (٢). [٣٢/ ٢١٥] * * *

стр. 3159

كتابُ الأيمانُ والنُّذُورُ ٤٩٥٥ - إِنَّمَا نَهَى عَنْهُ ﷺ [أي: النذر]؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إلَّا الْتِزَامُ مَا الْتَزَمَهُ، وَقَد لَا يَرْضَى بِهِ فَيَبْقَى آثِمًا. وَإِذَا فَعَلَ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ بِلَا نَذْرٍ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَالنَّاسُ يَقْصِدُونَ بِالنَّذْرِ تَحْصِيلَ مُطَالِبِهِمْ. وَاللهُ سُبْحَانَهُ لَا يَقْضِي تِلْكَ الْحَاجَةَ بِمُجَرَّدِ تِلْكَ الْعِبَادَةِ الْمَنْذُورَةِ؛ بَل يُنْعِمُ عَلَى عَبْدِهِ بِذَلِكَ الْمَطلُوبِ لِيَبْتَلِيَهُ أَيَشْكُرُ أَمْ يَكْفُرُ؟ وَشُكْرُهُ يَكُونُ بِفِعْلِ مَا أَمَرَهُ بِهِ وَتَرْكِ مَا نَهَاهُ عَنْهُ. [١٠/ ٤٢٠] ٤٩٥٦ - إذَا كَانَ النَّذْرُ لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ كَمَن يَحْلِفُ بِغَيْرِ اللهِ وَهَذَا شِرْكٌ، فَيَسْتَغْفِرُ اللهَ مِنْهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا وَفَاءٌ وَلَا كَفَّارَةٌ. [١١/ ٥٠٤] ٤٩٥٧ - لَيْسَ فِي الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَضِيلَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ يُقَدِّمُ بِهَا الْقِرَاءَة فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، أَو بَعْدَ الْفَجْرِ، وَنَحْو ذَلِكَ مِن الْأَوْقَاتِ، فَلَا قُرْبَةَ فِي تَخْصِيصِ مِثْل ذَلِكَ بِالْوَقْتِ. وَلَو نَذَرَ صَلَاةً أَو صِيَامًا أَو قِرَاءَةً أَو اعْتِكَافًا فِي مَكَانٍ بِعَيْنِهِ: أ- فَإِنْ كَانَ لِلتَّعْيِينِ مَزِيَّةٌ فِي الشَّرْعِ؛ كَالصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ. ب- وَإِن لَمْ يَكُن لَهُ مَزِيَّةٌ؛ كَالصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ فِي مَسَاجِدِ الْأَمْصَارِ: لَمْ يَتَعَيَّنْ بِالنَّذْرِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِالْوَفَاءِ بِهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَن نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ

стр. 3160

فَلَا يَعْصِهِ" (١). فَإِذَا كَانَ النَّذْرُ الَّذِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ لَا يَجِبُ أَنْ يُوَفَّى بِهِ إلَّا مَا كَانَ طَاعَةً بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، فَلَا يَجِبُ أَنْ يُوَفَّى مِنْهُ بِمُبَاحٍ، كَمَا لَا يَجِبُ أَنْ يُوَفَّى مِنْهُ بِمُحَرَّمٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ فِي الصُّورَتَيْنِ. وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي لُزُومِ الْكَفَارَةِ. [٣١/ ٥٠ - ٥١] ٤٩٥٨ - الْمَسَاجِدُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي بَنَتْهَا الْأَنْبِيَاءُ ﵇ وَشُرعَ لِلنَّاسِ السَّفَرُ إلَيْهَا وَوَجَبَ السَّفَرُ إلَيْهَا بِالنَّذْرِ: لَا يَجُوزُ إبْدَالُ عَرْصَتِهَا بِغَيْرِهَا؛ بَل يَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهَا وَإِبْدَالُ التَّأْلِيفِ وَالْبِنَاءِ بِغَيْرِهِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لِلنَّذْرِ، وَلَا يُسَافِرُ إلَيْهِ، فَيَجُوزُ إبْدَالُهُ لِلْمَصْلَحَةِ. [٣١/ ٢٣٣] ٤٩٥٩ - النذر مكروه .. وتوقف الشيخ تقي الدين في تحريمه. [المستدرك ٥/ ١٤٤] ٤٩٦٠ - الأحكام تتعلق بما أراده الناس بالألفاظ الملحونة؛ كقوله: حلفت بالله رفعًا ونصبًا، والله باصوم، أو باصلي ونحوه، وكقول الكافر: أشهد أن محمدًا رسول الله برفع الأول ونصب الثاني، وأوصيت لزيدٍ بمائة وأعتقت سالم، ونحو ذلك، وأن من رام جعل الناس كلهم في لفظ واحد بحسب عادة قوم بعينهم فقد رام ما لا يمكن عقلًا ولا يصلح شرعًا. [المستدرك ٥/ ١٣٩] ٤٩٦١ - الحالف لا بد له من شيئين: أ- من كراهة الشرط. ب- وكراهة الجزاء عند الشرط. ومن لم يكن كذلك: لم يكن حالفًا، سواء كان قصده الحظ والمنع، أو لم يكن. [المستدرك ٥/ ١٣٩]

стр. 3161

٤٩٦٢ - قال أصحابنا: فإن حلف باسم من أسماء الله تعالى التي قد يسمى بها غيره وإطلاقه ينصرف إلى الله تعالى فهو يمين إن نوى به الله أو أطلق، وإن نوى غيره فليس بيمين. قال أبو العباس: هذا من التأويل؛ لأنه نوى خلاف الظاهر، فإذا كان ظالمًا لم تنفعه وتنفع المظلوم. [المستدرك ٥/ ١٣٩] ٤٩٦٣ - يحرم الحلف بغير الله تعالى، وهو ظاهر المذهب، وعن ابن مسعود وغيره: لَأنْ أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقًا. قال أبو العباس: لأن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. [المستدرك ٥/ ١٤٠] ٤٩٦٤ - ولو حلف لا يغدر: فغدر، كفر للقسم لا لغدره، مع أن الكفارة لا ترفع إثمه. [المستدرك ٥/ ١٤٠] ٤٩٦٥ - اختلف كلام أبي العباس في الحلف بالطلاق، فاختار في موضع التحريم وتعزيره، وهو قول مالك ووجه لنا. واختار في موضع آخر، أنه لا يكره وأنه قول غير واحد من أصحابنا؛ لأنه لم يحلف بمخلوق، ولم يلتزم لغير الله شيئًا، وإنما التزم لله كما يلتزم بالنذر، والالتزام لله أبلغ من الالتزام به، بدليل النذر له، واليمين به، ولهذا لم تنكر الصحابة على من حلف بذلك كما أنكروا على من حلف بالكعبة. [المستدرك ٥/ ١٤٠ - ١٤١] ٤٩٦٦ - اختار شيخنا فيمن حلف بعتق أو طلاق وحنث: يخيَّر بين أن يوقعه أو يكفر كحلفه بالله ليوقعنه، وذكر أن الطلاق يلزمني ونحوه: حلف باتفاق العقلاء والأمم والفقهاء، وخرجه على نصوص لأحمد. [المستدرك ٥/ ١٤١] ٤٩٦٧ - لو قال: أنا بريء من رسول الله ﷺ إن كلمته، فحنث: فعليه كفارة يمين. [المستدرك ٥/ ١٤٢]

стр. 3162

٤٩٦٨ - يلزمه إبرار قسم في الأصح؛ كإجابة سؤال بالله، وقال شيخنا: إنما يجب على معين، فلا تجب إجابة سائل يقسم على الناس. [المستدرك ٥/ ١٤٢] ٤٩٦٩ - لا يجوز التعريض لغير ظالم، وهو قول بعض العلماء .. ؛ لأنه تدليس كالتدليس في المبيع، وقد كره أحمد التدليس، وقال: لا يعجبني، ونصه: لا يجوز التعريض مع اليمين. [المستدرك ٥/ ١٤٣] ٤٩٧٠ - من كرَّر أيمانًا قبل التكفير فروايات، ثالثها وهو الصحيح: إن كانت على فعل فكفارة وإلا فكفارتان. ومثل ذلك الحلف بنذور مكفرة وطلاق مكفر. [المستدرك ٥/ ١٤٣] ٤٩٧١ - قَوْلُهُ: أَحْلِفُ بِاللهِ أَو بِكَذَا: فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: أَعْقِدُهُ بِهِ وَأُلْصِقُهُ بِهِ؛ وَلهَذَا يُسَمَّى الْمُصَاحِبُ "حَلِيفًا" .. وَلهَذَا قِيلَ: إنَّ الْبَاءَ لِإِلْصَاقِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِالْمَحْلُوفِ بِهِ، وَإِنَّمَا أتَى بِلَامِ الْقَسَمِ تَوْكِيدًا ثَانِيًا، كَأَنَّهُ قَالَ: أُلْصِقُ وَأَعْتَقِدُ بِاللهِ مَضْمُونَ قَوْلِي لَأَفْعَلَنَّ، وَلهَذَا سُمِّيَ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ "تَحِلَّةً"؛ لِأنَّهُ يَحِلُّ هَذَا الْعَقْدَ الَّذِي عُقِدَ بِالْمَحْلُوفِ بِهِ، مِثْل فَسْخِ الْبَيْعِ الَّذِي يَحِلُّ مَا بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مِن الِانْعِقَادِ. فَالشَّارعُ جَعَلَ الْأيْمَانَ مِن بَابِ الْعُقُودِ الْجَائِزةِ بِهَذَا الْبَدَلِ، لَا مِن اللَّازِمَةِ مُطْلَقًا، كَمَا كَانَ الْعَقْدُ بَيْنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَحْلُوفِ بِهِ، وَهُوَ اللهُ سُبْحَانَهُ. [٣٥/ ٣٢١] ٤٩٧٢ - كَانَ نَظَرُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ إلَى مَعْنَى الصِّيغَةِ وَمَقْصُودِ الْمُتَكَلِّم سَوَاءً كَانت بِصِيغَةِ الْمُجَازَاتِ أَو بِصِيغَةِ الْقَسَمِ. فَإِذَا كَانَ مَقْصُودُهُ [الْحَضَّ] (١) أو الْمَنْعَ جَعَلُوهُ يَمِينًا وَإِن كَانَ بِصِيغَةِ الْمجَازَاتِ وَإِن كَانَ مَقْصُودُهُ التَّقَرُّبَ

стр. 3163

إلَى اللهِ جَعَلُوهُ نَاذِرًا وَإِن كَانَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ؛ وَلهَذَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ النَّاذِرَ حَالِفًا؛ لأنَّهُ مُلْتَزِمٌ لِلْفِعْلِ بِصِيغَةِ الْمُجَازَاةِ. فَإِنْ كَانَ الْمَنْذُورُ مِما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَمَرَهُ بِهِ وَإِلَّا جَعَلَ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ. وَكَذَلِكَ الْحَالِفُ إنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يُكَفّرَ يَمِينَهُ إذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا اعْتِبَارًا بِالْمَقْصُودِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيرْضَاهُ أُمِرَ بِهِ وَهُوَ النَّذْرُ الَّذِي يُوَفَّى بِهِ وَإِن كَانَ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ. وَإِن كَانَ غَيْرُهُ أَحَبَّ إلَى اللهِ وَأَرْضَى مِنْهُ أُمِرَ بِالْأَحَبِّ الْأَرْضَى للهِ وَإِن كَانَ بِصِيغَةِ النَّذْرِ وَأمِرَ بِكَفَّارَةِ يَمِينٍ. وَهَذَا كُلُّهُ تَحْقِيقًا لِطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ وَأَنَّ كُلَّ يَمِينٍ أَو نَذْرٍ أَو عَقْدٍ أَو شَرْطٍ تَضَمَّنَ. مَا يُخَالِفُ أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لَازِمًا بَل يَجِبُ تَقْدِيمُ أَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَى كُل ذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، وَقَد تَوَاتَرَت الْآثَارُ عَن الصحابة وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ أحَدُكمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبَرّ وَلَا يَتَّقِي اللهَ وَلَا يَصِل رَحِمَهُ، فَإِذَا أمِرَ بِذَلِكَ قَالَ: أَنَا قَد حَلَفْت بِاللهِ، فَيَجْعَلُ الْحَلِفَ بِاللهِ مَانِعًا لَهُ مِن طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ. فَإِذَا كَانَ قَد نَهَى سُبْحَانَهُ أَنْ يُجْعَلَ اللهُ [أَي: الْحَلِفُ بِاللهِ]: مَانِعًا مِن طَاعَةِ اللهِ، فَغَيْرُ ذَلِكَ أَوْلَى أَنْ يُنْهَى عَن كَوْنِهِ مَانِعًا مِن طَاعَةِ اللهِ. وَالْأَيْمَانُ الشَرْعِيَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلْكَفَّارَةِ كُلُّهَا تَعُودُ إلَى الْحَلِفِ بِاللهِ كَمَا سَنُنَبه عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُنَا ذِكْرُ بَعْضِ الْآثَارِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأثْرَمُ فِي سُنَنِهِ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللهِ أَحْمَد بْنَ حَنْبَلٍ يُسْأَلُ عَن رَجُلٍ قَالَ: مَا لهُ فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ قَالَ: كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَقَالَ الْأَثْرَمُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَخْبَرْنَا عِمْرَانُ، عَن قتادة، عَن

стр. 3164

زرارة بْنِ أَبِي أَوْفَى أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَت ابْنَ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةً جَعَلَتْ بُرْدَهَا عَلَيْهَا هَدْيًا إنْ لَبِسَتْهُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَفِي غَضَبٍ أَمْ فِي رِضًا؟ قَالُوا: فِي غَضَبٍ، قَالَ: إنَّ اللهَ ﵎ لَا يُتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالْغَضبِ، لِتُكَفِّر عَن يَمِينِهَا. قُلْت: ابْنُ عَبَّاسٍ اسْتَفْسَرَ النَّذْرَ هَل مَقْصُودُهَا التَّقَرُّبُ بِالْمَنْذُورِ، كَمَا قَد يَقُولُ الْقَائِلُ: إنْ سَلِمَ مَالِي تَصَدَّقْت بِهِ، أَو مَقْصُودُهَا الْحَلِفُ أَنَّهَا لَا تَلْبَسُهُ، فَيَكُونُ عَلَيْهَا كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَقَالَ: أَفِي غَضَبٍ أَمْ رِضًا؟ فَلَمَّا قَالُوا: فِي غَضبٍ عَلِمَ أَنَّهَا حَالِفَةٌ لَا نَاذِرَةٌ؛ وَلهَذَا سَمَّى الْفُقَهَاءُ هَذَا "نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ"، فَهُوَ يَمِينٌ وَإِن كَانَ صِيغَتُهُ صِيغَةَ الْجَزَاءِ. [٣٥/ ٣٣٦ - ٣٤٠] ٤٩٧٣ - مَا وَجَبَ بِالشَّرْعِ إذَا نَذَرَهُ الْعَبْدُ، أَو عَاهَدَ اللهَ عَلَيْهِ، أَو بَايَعَ عَلَيْهِ الرَّسُولَ أَو الْإِمَامَ، أَو تَحَالَفَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ: فَإِنَّ هَذِهِ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ تَقْتَضِي لَهُ وُجُوبًا ثَانِيًا غَيْرَ الْوُجُوبِ الثَّابِتِ بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ، فَتَكُونُ وَاجِبَةً مِن وَجْهَيْنِ، بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ تَارِكُهَا مِن الْعُقُوبَةِ مَا يَسْتَحِقُّهُ نَاقِضُ الْعُهُودِ وَالْمِيثَاقِ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ عَاصِي اللهِ وَرَسُولِهِ، هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ. [٣٥/ ٣٤٥ - ٣٤٦] ٤٩٧٤ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ حَلَفَ عَلَى وَلَدِهِ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ حَتَّى يُعْطِيَهُ الْكِسَاءَ الَّذِي أَخَذَهُ، ثُمَّ تبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا، فَهَل يَحْنَثُ إذَا دَخَلَ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: إذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ إذَا كَانَت الْحَالَةُ مَا ذُكِرَ؛ لِكَوْنِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ، كَمَا لَو حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْإِنَاءِ وَلَيْسَ فِيهِ مَاءٌ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ؛ وَلأَنَّهُ إنَّمَا حَلَفَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ ابْنَهُ أَخَذَهُ وَتَبَيَّنَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا فِيهِ أَيْضًا نِزَاعٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا حِنْثَ فِيهِ فَصَارَ غَيْرَ حَانِثٍ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. وَالْمَسْأَلَةُ الْمَشْهُورَةُ: إذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَتَبَيَّنَ بِخِلَافِهِ: فَإِنَّ هَذَا جَهْلٌ بِالْمَحْلوفِ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وَذَلِكَ جَهْلٌ بِصِفَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ. [٣٥/ ٣٤٧ - ٣٤٨]

стр. 3165

٤٩٧٥ - العهود والعقود: متقاربة المعنى أو متفقة: - فإذا قال: أعاهد الله أني أحج العام: فهو نذر وعهد ويمين. - وإن قال: لا أكلم زيدًا: فيمين وعهد، لا نذر. فالأيمان إن تضمنت معنى النذر وهو أن يلتزم لله قربة لزمه الوفاء بها: فهي عقد وعهد ومعاهدة لله؛ لأنه التزم لله ما يطلبه الله منه. وإن تضمنت معنى العقود التي بين الناس، وهو أن يلتزم كلٌّ مِن المتعاقدين للآخر ما اتفقا عليه: فمعاقدة ومعاهدة، يلزم الوفاء بها إن كان العقد لازمًا، وإن لم يكن لازمًا خير، وهذه أيمان بنص القرآن، ولم يعرض لها ما يحل عقدتها إجماعًا. [المستدرك ٥/ ١٤٤] ٤٩٧٦ - من نذر صوم الدهر أو صوم يوم الخميس والاثنين: فله صوم يوم وإفطار يوم كالمكان. [المستدرك ٥/ ١٤٤] ٤٩٧٧ - لو قال: إن فعلت كذا فعلي ذبح ولدي أو معصيةٌ غير ذلك أو نحوه وقصد اليمين (١): فيمين، وإلا فنذر معصية، فيذبح في مسألة الذبح كبشًا. ولو فعل المعصية: لم تسقط عنه الكفارة ولو في اليمين. [المستدرك ٥/ ١٤٥] ٤٩٧٨ - لو نذر طاعة حالفًا بها أجزأ كفارة يمين بلا خلاف عن الإمام أحمد، فكيف لا يجزئه إذا نذر معصية حالفًا بها. [المستدرك ٥/ ١٤٥] ٤٩٧٩ - من نذر صومًا معينا فله الانتقال إلى زمن أفضل منه. واستحب أحمد لمن نذر الحج مفردًا أو قارنًا أن يتمتع؛ لأنه أفضل، لأمر النبي أصحابه بذلك في حجة الوداع. [المستدرك ٥/ ١٤٦] ٤٩٨٠ - قول القائل: لئن ابتلاني الله لأصبرن، ولئن لقيت عدوًّا

стр. 3166

لأجاهدن، ولو علمت أي عمل أحب إلى الله لعملته: فهو نذر معلق بشرط؛ كقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥] الآية [التوبة: ٧٥]. [المستدرك ٥/ ١٤٨] ٤٩٨١ - الصواب على أصلنا أن يقال (١) في جميع العبادات والكفارات؛ بل وسائر الواجبات التي هي من جنس الجائز: أنه يجوز تقديمها إذا وجد سبب الوجوب، ولا يتقدم على سببه. فعلى هذا إذا قال: إن شفى الله مريضي فلِلَّه (٢) علي صوم شهر: فله تعجيل الصوم قبل الشفاء لوجود النذر. [المستدرك ٥/ ١٤٩] ٤٩٨٢ - يلزم الوفاء بالوعد، وهو وجه في مذهب أحمد، ويخرج رواية عنه من تعجيل العارية والصلح على عوض المتلف بمؤجل. [المستدرك ٥/ ١٤٩] ٤٩٨٣ - إن نذر أن يهب: برَّ بالإيجاب كيمينه (٣). [المستدرك ٥/ ١٤٩] ٤٩٨٤ - فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٤) عَن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَن نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ وَمَن نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ"، فَإِذَا كَانَ الْمَنْذورُ الَّذِي عَاهَدَ اللهَ يَتَضَمَّنُ ضَرَرًا غَيْرَ مُبَاحٍ يُفْضِي إلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَو فِعْلِ مُحَرَّمٍ: كَانَ هَذَا مَعْصِيَةً لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ؛ بَل لَو نَذَرَ عِبَادَةً مَكْرُوهَةً مِثْل قِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ، وَصِيَامِ النَّهَارِ كُلِّهِ لَمْ يَجِب الْوَفَاءُ بِهَذَا النَّذْرِ. ثُمَّ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَل عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَظْهَرُهُمَا: أَنَّ عَلَيْهِ

стр. 3167

كَفَّارَةَ يَمِينٍ؛ لِمَا ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ -فِي "الصَّحِيحِ" (١) أَنَّهُ قَالَ: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينٍ". وَأَمَّا إذَا عَجَزَ عَن فِعْلِ الْمَنْذُورِ، أَو كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ مَشَقَّةٌ: فَهُنَا يُكَفِّرُ وَيَأْتِي بِبَدَلٍ عَن الْمَنْذُورِ، كَمَا فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ أُخْتَهُ لَمَّا نَذَرْت أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَة قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّ اللهَ لَغَنِي عَن تَعْذِيبِ أُخْتِك نَفْسَهَا مُرْهَا فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ -وَرُوِيَ: وَلْتَصُمْ-" (٢). فَهَذَا الرَّجُلُ (٣) الَّذِي عَقَدَ مَعَ اللهِ تَعَالَى صَوْمَ نِصفِ الدَّهْرِ وَقَد أَضَرَّ ذَلِكَ بِعَقْلِهِ وَبَدَنِهِ عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ وَيَتَنَاوَلَ مَا يُصْلِحُ عَقْلَهُ وَبَدَنَهُ، ويُكَفرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ، وَيَكونُ فِطْرُهُ قَدْرَ مَا يَصْلُحُ بِهِ عَقْلُهُ وَبَدَنُهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَمِلُهُ حَالُهُ: إمَّا أَنْ يُفْطِرَ ثُلْثَي الدَّهْرِ، أَو ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ أَو جَمِيعَهُ. فَإِذَا أَصْلَحَ حَالَهُ: فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْعَوْدُ إلَى صَوْمِ يَوْم وَفِطْرِ يَوْمٍ بِلَا مَضَرَّةٍ وَإِلَّا صَامَ مَا يَنْفَعُهُ مِن الصَّوْمِ، وَلَا يَشْغَلُة عَمَّا هُوَ أَحَبُّ إلى اللهِ مِنْهُ، فَاللهُ لَا يُحِبُّ أَنْ يُتْرَكَ الْأَحَبّ إلَيْهِ بِفِعْلِ مَا هُوَ دُونَهُ، فَكَيْفَ يُوجبُ ذَلِكَ؟ وَأَمَّا النُّورُ الَّذِي وَجَدَهُ بِهَذَا الصَّوْمِ: فَمَعْلُومٌ أَنَّ جِنْسَ الْعِبَادَاتِ لَيْسَ شَرًّا مَحْضًا؛ بَل الْعِبَادَاتُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا تَشْتَمِلُ عَلَى مَنْفَعَةٍ وَمَضَرَّةٍ، وَلَكِنْ لَمَّا تَرَجَّحَ ضَرَرُهَا عَلَى نَفْعِهَا نَهَى عَنْهَا الشَّارعُ، كَمَا نَهَى عَن صِيَام الدَّهْرِ، وَقِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ دَائِمًا، وَعَن الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ، مَعَ أنَّ خَلْقًا يَجِدُونَ فِي

стр. 3168

الْمُوَاصَلَةِ الدَّائِمَةِ نُورًا بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْجُوعِ، وَذَلِكَ مِن جِنْسِ مَا يَجِدُهُ الْكُفَّارُ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْأُمِّيِّينَ مِثْلُ الرُّهْبَانِ وَعُبَّادِ الْقُبُورِ. كَمَا قَد رَأَيْنَا مِن هَؤُلَاءِ خَلْقًا كَثِيرًا آلَ بِهِم الْإِفْرَاطُ فِيمَا يُعَانُونَهُ مِن شَدَائِدِ الْأَعْمَالِ إلَى التَّفْرِيطِ وَالتَّثْبِيطِ وَالْمَلَلِ وَالْبَطَالَةِ، وَرُبَّمَا انْقَطَعُوا عَن اللهِ بالْكُلِّيَّةِ، أَو بِالْأَعْمَالِ الْمَرْجُوحَةِ عَن الرَّاجِحَةِ، أَو بِذَهَابِ الْعَقْلِ بِالْكُلِّيَّةِ، أَو بِحُصُولِ خَلَلٍ فِيهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَ أَعْمَالِهِمْ وَأَسَاسَهَا عَلَى غَيْرِ اسْتِقَامَةٍ وَمُتَابَعَةٍ (١). وَأَمَّا قَوْلُهُ: أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ نَفْسِي فِي اللهِ: فَهَذَا كَلَامٌ مُجْمَلٌ، فَإِنَّهُ إذَا فَعَلَ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ فَأفْضَى ذَلِكَ إلَى قَتْلِ نَفْسِهِ فَهَذَا مُحْسِنٌ فِي ذَلِكَ؛ كَاَلَّذِي يَحْمِلُ عَلَى الصَّفِّ وَحْدَهُ حَمْلًا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَقَد اعْتَقَدَ أَنَّهُ يُقْتَلُ فَهَذَا حَسَنٌ (٢)، وَفِي مِثْلِهِ أَنْزَلَ الله قَوْلَهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾ [البقرة: ٢٠٧]. وَأَمَّا إذَا فَعَلَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ حَتَّى أَهْلَكَ نَفْسَهُ: فَهَذَا ظَالِمٌ مُتَعَدّ بِذَلِكَ. وَقَتْلُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ حَرَامٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصّحَاحِ" أَنَّهُ قَالَ: "مَن قتلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٣). وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ: أَنَّ اللهَ لَيْس رِضَاهُ أَو مَحَبَّتُهُ فِي مُجَرَّدِ عَذَابِ

стр. 3169

النَّفْسِ وَحَمْلِهَا عَلَى الْمَشَاقِّ، حَتَّى يَكُونَ الْعَمَلُ كُلَّمَا كَانَ أَشَقَّ كَانَ أَفْضَلَ، كَمَا يَحْسَبُ كَثِيرٌ مِن الْجُهَّالِ أَنَّ الأجْرَ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لَا، وَلَكِنَّ الْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ مَنْفَعَةِ الْعَمَلِ وَمَصْلَحَتِهِ وَفَائِدَتِهِ، وَعَلَى قَدْرِ طَاعَةِ أَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ. فَأَيُّ الْعَمَلَيْنِ كَانَ أَحْسَنَ وَصَاحِبُهُ أَطْوَعَ وَأَتْبَعَ كَانَ أَفْضَلَ، فَإِنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَتَفَاضَلُ بِالْكَثْرَةِ، وَإِنَّمَا تَتَفَاضَلُ بِمَا يَحْصُلُ فِي الْقُلُوبِ حَالَ الْعَمَلِ. وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ اللهَ لَمْ يَأْمُرْنَا إلَّا بِمَا فِيهِ صَلَاحُنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا إلَّا عَمَّا فِيهِ فَسَادُنَا؛ وَلهَذَا يُثْنِي اللهُ عَلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَيأْمُرُ بِالصَّلَاحِ وَالْإِصْلَاحِ وَينْهَى عَن الْفَسَادِ. فَالأمْرُ الْمَشْرُوعُ الْمَسْنُونُ جَمِيعُهُ مَبْنَاهُ عَلَى: أ- الْعَدْلِ. ب- وَالِاقْتِصَادِ. ج- وَالتَّوَسُّطِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ الْأُمُورِ وَأَعْلَاهَا؛ كَالْفِرْدَوْسِ فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، فَمَن كَانَ كَذَلِكَ فَمَصِيرُهُ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. هَذَا فِي كُلِّ عِبَادَةٍ لَا تُقْصَدُ لِذَاتِهَا مِثْل الْجُوعِ وَالسَّهَرِ وَالْمَشْيِ. وَأَمَّا مَا يُقْصَدُ لِنَفْسِهِ مِثْلُ مَعْرِفَةِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ: فَهَذِهِ شُرعَ فِيهَا الْكَمَالُ، لَكِنْ يَقَعُ فِيهَا سَرَفٌ وَعُدْوَانٌ بِإِدْخَالِ مَا لَيْسَ مِنْهَا فِيهَا، مِثْلُ أَنْ يُدْخِلَ تَرْكَ الْأَسْبَابِ الْمَأمُورِ بِهَا فِي التَّوَكلِ. [٢٥/ ٢٧٦ - ٢٨٤] ٤٩٨٥ - مَن ظَنَّ أَنَّ حَاجَتَهُ إنَّمَا قُضِيَتْ بِالنَّذْرِ فَقَد كَذَبَ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ. [٢٥/ ٣١٤] * * *

стр. 3170

(النذر أعظم من الحلف) ٤٩٨٦ - النَّذْرُ أَعْظَمُ مِن الْحَلِفِ، وَلهَذَا لَو نَذَرَ لِغَيْرِ اللهِ فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ بِاتِّفَاقٍ الْمُسْلِمِينَ؛ مِثْلُ أَنْ يَنْذِرَ لِغَيْرِ اللهِ صَلَاةً أَو صَوْمًا أَو حَجًّا أَو عُمْرَةً أَو صَدَقَةً. وَلَو حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا: لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ، قِيلَ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُكَفرَ عَن الْيَمِينِ وَلَا يَفْعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَن يَمِينِهِ" (١). وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ (٢) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَن النَّذْرِ وَقَالَ: "إنَّهُ لَا يَأْتي بِخَيْر، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِن الْبَخِيلِ"، فَإِذَا كَانَ النَّذْرُ لَا يَأْتِي بِخَيْر، فَكَيْفَ بِالنَذْرِ لِلْمَخْلُوقِ؟ وَلَكِنَّ النَذْرَ للهِ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ إذَا كَانَ فِي طَاعَةٍ، وَإِذَا كَانَ مَعْصِيَةً لَمْ يَجُز الْوَفَاءُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. [١/ ٨١] * * * (مقدمات نَافِعَةٌ جِدًّا في باب الْأَيْمَانِ وَالنّذُورِ) ٤٩٨٧ - مُقَدِّمَاتٌ نَافِعَة جِدًّا فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ: الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى: أَن الْيَمِينَ تَشْتَمِلُ عَلَى جُمْلَتَيْنِ: أ- جُمْلَةٌ مُقْسَمٌ بِهَا. ب- وَجُمْلَةٌ مُقْسَمٌ عَلَيْهَا. وَمَسَائِلُ الْأَيْمَانِ: أ- إمَّا فِي حُكْمِ الْمَحْلُوفِ بِهِ. ب- وَإِمَّا فِي حُكْمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ.

стр. 3171

فَأَمَّا الْمَحْلُوفُ بِهِ: فَالْأَيْمَانُ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا الْمُسْلِمُونَ مِمَّا قَد يَلْزَمُ بِهَا حُكمٌ "سِتَّةُ أَنْوَاعٍ" لَيْسَ لَهَا سَابعٌ: أَحَدُهَا: الْيَمِينُ بِاللهِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِمَّا فِيهِ الْتِزَامُ كُفْرٍ عَلَى تَقْدِيرِ الْخَبَرِ؛ كَقَوْلِهِ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَو نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا، عَلَى مَا فِيهِ مِن الْخِلَافِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. الثانِي: الْيَمِينُ بِالنَّذْرِ الَّذِي يُسَمَّى "نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ"؛ كَقَوْلِهِ: عَلِيَّ الْحَجُّ لَا أَفْعَلُ كَذَا، أَو إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ، أَو مَالِي صَدَقَةٌ إنْ فَعَلْت كَذَا وَنَحْو ذَلِكَ. الثالِثُ: الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ. الرَّابعُ: الْيَمِينُ بِالْعِتَاقِ. الْخَامِسُ: الْيَمِينُ بِالْحَرَامِ؛ كَقَوْلِهِ: عَلِيَّ الْحَرَامُ لَا أَفْعَلُ كَذَا. السَّادِسُ: الظِّهَارُ؛ كَقَوْلِهِ: أَنْتَ عَلِيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ فَعَلْت كَذَا. فَهَذَا مَجْمُوعُ مَا يَحْلِفُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مِمَّا فِيهِ حُكْمٌ. فَأمَّا الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ؛ كَالْحَلِفِ بِالْكَعْبَةِ، أَو قَبْرِ الشَّيْخِ، أَو بِنِعْمَةِ السُّلْطَانِ، أَو بِجَاه أَحَدٍ مِن الْمَخْلُوقِينَ: فَمَا أَعْلَمُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافًا أَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا، وَأَنَّ الْحَلِفَ بِهَا لَا يُوجِبُ حِنْثًا وَلَا كَفَّارَةً. وَهَل الْحَلِفُ بِهَا مُحَرَّمٌ أَو مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ؟ فِيهِ قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّه مُحَرَّمٌ. وَأَمَّا أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ فَقَالُوا: أَوَّلُ مَن أَحْدَثَهَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ، وَكَانَت السُّنَّةُ أَنَّ النَّاسَ يُبَايِعُونَ الْخُلَفَاءَ كَمَا بَايَعَ الصَّحَابَةُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَعْقِدُونَ الْبَيْعَةَ كَمَا يَعْقِدُونَ عَقْدَ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهَا. وَإمَّا أَنْ يَذْكُرُوا الشُّرُوطَ الَّتِي يُبَايِعُونَ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَقُولُونَ: بَايَعْنَاك عَلَى ذَلِكَ، كَمَا بَايَعَتِ الْأَنْصَارُ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ.

стр. 3172

فَلَمَّا أَحْدَثَ الْحَجَّاجُ مَا أَحْدَثَ مِن الْعَسْفِ كَانَ مِن جُمْلَتِهِ أَن حَلَّفَ النَّاسِ عَلَى بَيْعِهِمْ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ وَالْيَمِينِ بِاللهِ وَصَدَقَةِ الْمَالِ. الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَيْمَانَ يُحْلَفُ بِهَا: - تَارَةً بِصِيغَةِ الْقَسَمِ. - وَتَارَةً بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ. لَا يُتَصَوَّرُ أَنَّ تَخْرُجَ الْيَمِينُ عَن هَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ. فَالْأوَّلُ: كَقَوْلِهِ: وَاللهِ لَا أَفْعَلُ كَذَا، أَو الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي أَنْ أَفْعَلَ كَذَا، أَو عَلَيَّ الْحَرَامُ لَا أَفْعَل كَذَا، أَو عَلَيَّ الْحَجُّ لَا أَفْعَلُ. وَالثَّانِي: كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَو نَصْرَانِيٌّ، أَو بَرِيءٌ مِن الْإِسْلَامِ، أَو إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ، أَو إنْ فَعَلْت كَذَا فَامْرَأَتِي حَرَامٌ، أَو فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَو إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ، أَو فَمَالِي صَدَقَةٌ (١). ثُمَّ هَذَا التَّقْسِيمُ لَيْسَ مِن خَصَائِصِ الْأَيْمَانِ الَّتِىِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللهِ؛ بَل غَيْرُ ذَلِكَ مِن الْعُقُودِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ:

стр. 3173

- تَارَةً تكُونُ بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ الَّذِي هُوَ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ؛ كَقَوْلِهِ فِي الْجَعَالَةِ: مَن رَدَّ عَبْدِي الْآبِقَ فَلَهُ كَذَا، وَقَوْلِهِ فِي السَّبْقِ: مَن سَبَقَ فَلَهُ كَذَا. وَتَارَةً بِصِيغَةِ التَنْجِيزِ: - إمَّا صِيغَةُ خَبَرٍ؛ كَقَوْلِهِ: بِعْت وَزَوَّجْت. - وَإِمَّا صِيغَةُ طَلَب؛ كَقَوْلِهِ: بِعْنِي وَاخْلَعْنِي. الْمُقَدِّمَةُ الثالِثَة -وَفِيهَا يَظْهَرُ سِرُّ مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ وَنَحْوِهَا-: أَنَّ صِيغَةَ التَّعْلِيقِ الَّتِي تُسَمَّى "صِيغَةَ الشَّرْطِ وَصِيغَةَ الْمُجَازَاةِ" تَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَنْوَاعٍ؛ لِأنَّ الْحَالِفَ: أ- إمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْصُوبٌ وُجُودَ الشَّرْطِ فَقَطْ. ب- أَو وُجُودَ الْجَزَاءِ فَقَطْ. ج - أَو وَجُودَهُمَا. د- وَإِمَّا أَنْ لَا يَقْصِدَ وُجُودَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ بَل يَكُونُ مَقْصُودُهُ عَدَمَ الشَّرْطِ فَقَطْ. هـ - أَو الْجَزَاءِ فَقَطْ. و- أَو عَدَمُهُمَا. فَالْأوَّلُ: بِمَنْزِلَةِ كَثِيرٍ مِن صُوَرِ الْخُلْعِ وَالْكِتَابَةِ وَنَذْرِ التَّبَرُّرِ وَالْجَعَالَةِ وَنَحْوِهَا؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فَأَنْت طَالِق أَو فَقَد خَلَعْتُك، أَو قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ أَدَّيْت أَلْفًا فَأَنْت حُرٌّ، أَو قَالَ: إنْ رَدَدْت عَبْدِي الْآبِقَ فَلَك أَلْفٌ، أَو قَالَ: إنْ شَفَى اللهُ مَرِيضِي أَو سَلِمَ مَالِي الْغَائِبُ: فَعَلَيَّ عِتْقُ كَذَا وَالصَّدَقَةُ بِكَذَا. فَالْمُعَلِّقُ قَد لَا يَكُونُ مَقْصُوده إلَّا أَخْذَ الْمَالِ وَرَدَّ الْعَبْدِ وَسَلَامَةَ الْعِتْقِ وَالْمَالِ، وَإِنَّمَا الْتَزَمَ الْجَزَاءَ عَلَى سبِيلِ الْعِوَضِ؛ كَالْبَائِعِ الَّذِي إنَّمَا مَقْصُودُهُ أَخْذُ الثَّمَنِ وَالْتَزَمَ رَدَّ الْمَبِيعِ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ.

стр. 3174

فَهَذَا الضَّرْبُ شَبِيهٌ بِالْمُعَاوَضَةِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ قَد جَعَلَ الطَّلَاقُ عُقُوبَةً لَهَا؛ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إذَا ضَرَبْتِ أُمِّي فَأنْت طَالِقٌ، أَو إنْ خَرَجْت مِن الدَّارِ فَأَنْت طَالِقٌ. وَأمَّا الثَّانِي: فَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا طَهُرْت فَأنْت طَالِقٌ، أَو يَقُولَ لِعَبْدِهِ: إذَا مُتّ فَأَنْت حُرٌّ، وَنَحْو ذَلِكَ مِن التَّعْلِيقِ الَّذِي هُوَ تَوْقِيتٌ مَحْضٌ. فَهَذَا الضَّرْبُ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَجَّزِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَصَدَ الطَّلَاقَ وَالْعِتَاقَ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ إلَى الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ بِمَنْزِلَةِ تَأجِيلِ الدَّيْنِ. وَأمَّا الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ وُجُودَهُمَا جَمِيعًا: فَمِثْلُ الَّذِي قَد آذَتْهُ امْرَأَتُهُ حَتَّى أَحَبَّ طَلَاقَهَا وَاسْتِرْجَاعَ الْفِدْيَةِ مِنْهَا فَيَقُولُ: إنْ أبرأتيني مِن صَدَاقِك أَو مِن نَفَقَتِك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهُوَ يُرِيدُ كُلًّا مِنْهُمَا. وَأمّا الرَّابعُ: وَهُوَ أَنْ يَكونَ مَقْصُودُهُ عَدَمَ الشَّرْطِ لَكِنَّهُ إذَا وُجِدَ لَمْ يَكْرَه الْجَزَاءَ؛ بَل يُحِبُّهُ، أَو لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَكْرَهُهُ: فَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ زَنَيْت فَأنْت طَالِقٌ، أَو إنْ ضَرَبْت أُمِّي فَأَنْت طَالِقٌ وَنَحْو ذَلِكَ مِن التَّعْلِيقِ الَّذِي يقْصدُ فِيهِ عَدَمَ الشَّرْطِ، وَيقْصِدُ وُجُودَ الْجَزَاءِ عِنْدَ وُجُودِهِ؛ بِحَيْثُ تَكُونُ إذَا زَنَتْ أَو إذَا ضَرَبَتْ أُمَّهُ يُحِبُّ فِرَاقُهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لَهُ، فَهَدا فِيهِ مَعْنَى الْيَمِينِ وَمَعْنَى التَّوْقِيتِ. وَأمّا الْخَامِسُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ عَدَمَ الْجَزَاءِ، وَتَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ لِئَلَّا يُوجَدَ، وَلَيْسَ لَهُ غَرَضٌ فِي عَدَمِ الشَّرْطِ: فَهَذَا قَلِيلٌ (١)، كَمَن يَقُولُ: إنْ أَصَبْتَ مِائَةَ رَمْيَةٍ أَعْطَيْتُك كَذَا. وَأمَّا السَّادِسُ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودهُ عَدَمَ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ، وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الْجَزَاءُ بِالشَّرْطِ لِيَمْتَنِعَ وَجُودُهُمَا فَهُوَ مِثْلُ نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَمِثْلُ الْحَلِفِ

стр. 3175

بِالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ عَلَى حَضٍّ أَو مَنْعٍ أَو تَصْدِيقٍ أَو تَكْذِيبٍ: مِثْلُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: تَصَدَّقْ، فَيَقُولُ: إنْ تَصَدَّقَ فَعَلَيْهِ صِيَامُ كَذَا وَكَذَا، أَو فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَو فَعَبِيدُهُ أَحْرَارٌ، أَو يَقُولَ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَعَلَيَّ نَذْرُ كَذَا، أَو امْرَأَتِي طَالِقٌ أَو عَبْدِي حُرٌّ، أَو يَحْلِفُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ مِمَن يَقْصِدُ مَنْعَهُ -كَعَبْدِهِ وَنَسِيبِهِ وَصَدِيقِهِ مِمَن يَحُضُّهُ عَلَى طَاعَتِهِ- فَيَقُولُ لَهُ: إنْ فَعَلْت أَو إنْ لَمْ تَفْعَلْ: فَعَلَيَّ كَذَا، أَو فَامْرأتِي طَالِقٌ (١)، وَنَحْو ذَلِكَ: فَهَذَا نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ. وَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِن الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ يُخَالِفُهُ فِي الْمَعْنَى نَذْرُ التَّبَرُّرِ وَالتَّقَرُّبِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِن الْخُلْعِ والْكتَابَةِ؛ فَإِنَّ الَّذِي يَقُولُ: إنْ سَلَّمَنِي اللهُ أَو سَلَّمَ مَالِي مِن كَذَا، أَو إنْ أَعْطَانِي اللهُ كَذَا فَعَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ أَو أَصُومَ أَو أَحُجَّ: قَصْدُهُ حُصُولَ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ الْغَنِيمَةُ أَو السَّلَامَةُ، وَقَصَدَ أَنْ يَشْكُرَ اللهَ عَلَى ذَلِكَ بِمَا نَذَرَهُ لَهُ. وَكَذَلِكَ الْمُخَالِعُ وَالْمكَاتِبُ: قَصْدُهُ حُصُولُ الْعِوَضِ وَبَذْلُ الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ عِوَضًا عَن ذَلِكَ. وَأَمَّا النَّذْرُ فِي اللَّجَاج وَالْغَضَبِ إذَا قِيلَ لَهُ: افْعَلْ كَذَا فَامْتَنَعَ مِن فِعْلِهِ ثُمَّ قَالَ: إنْ فَعَلْته فَعَلَيَّ الْحَجُّ او الصِّيَامُ، فَهُنَا مَقْصُودُهُ أَنْ لَا يَكُونَ الشَّرْطُ، ثُمَّ إنَّهُ لِقُوَّةِ امْتِنَاعِهِ ألْزَمَ نَفْسَهُ إنْ فَعَلَهُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّقِيلَةِ عَلَيْهِ؛ لِيَكونَ لُزُومُهَا لَهُ إذَا فَعَلَ مَانِعًا لَهُ مِن الْفِعْلِ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: إنْ فَعَلْته فَامْرَأَتِي طَالِقٌ؛ أَو فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ؛ إنَّمَا مَقْصُودُهُ الِامْتِنَاعُ، وَالْتَزَمَ بِتَقْدِيرِ الْفِعْلِ مَا هُوَ شَدِيدٌ عَلَيْهِ مِن فِرَاقِ أَهْلِهِ وَذَهَابِ مَالِهِ، لَيْسَ غَرَضُ هَذَا أَنْ يَتَقَرَّبَ إلَى اللهِ بِعِتْقٍ أَو صَدَقَةٍ، وَلَا أَنْ يُفَارِقَ امْرَأَتَهُ. وَلهَذَا سَمَّى الْعُلَمَاءُ هَذَا "نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ " مَأخُوذٌ مِن قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 3176

فِيمَا أَخْرَجَاهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١): "وَاللهِ لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ: فِي أَهْلِهِ، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِن أَنْ يُعْطيَ كفَّارَتَهُ الَّتي فَرَضَ الله" (٢). وَاللَّجَاجُ: التَّمَادِي فِي الْخُصُومَةِ؛ وَمِنْهُ قِيلُ: رَجُلٍ لَجُوج إذَا تَمَادَى فِي الْخُصُومَةِ؛ وَلهَذَا تُسَمِّي الْعُلَمَاءُ هَذَا "نَذْر اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ" فَإِنَّهُ يَلِجُّ حَتَّى يَعْقِدَهُ، ثُمَّ يَلِجُّ فِي الِامْتِنَاعِ مِن الْحِنْثِ. فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ اللَّجَاجَ بِالْيَمِينِ أَعْظَمُ إثْمًا مِن الْكَفَّارَةِ، وَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأيْمَانِ. فَصُورَةُ هَذَا النَّذْرِ صُورَةُ نَذْرِ التَّبَرُّرِ فِي اللَّفْظِ (٣)، وَمَعْنَاهُ شَدِيدُ الْمُبَايَنَةِ لِمَعْنَاهُ. وَمِن هنا نَشَأَت الشُّبْهَةُ عَلَى طَائِفَةٍ مِن الْعُلَمَاءِ، وَيتَبَيَّنُ فِقْهُ الصَّحَابَةِ ﵃ الَّذِينَ نَظَرُوا إلَى مَعَانِي الْأَلْفَاظِ لَا إلَى صُوَرِهَا.

стр. 3177

إذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَنْوَاعُ الدَّاخِلَةُ فِي قِسْمِ التَّعْلِيقِ: فَقَد عَلِمْت أَنَّ بَعْضَهَا مَعْنَاهُ مَعْنَى الْيَمِينِ بِصِيغَةِ الْقَسَمِ، وَبَعْضَهَا لَيْسَ مَعْنَاهُ ذَلِكَ. فَمَتَى كَانَ الشَّرْطُ الْمَقْصُودُ: حَضًّا عَلَى فِعْلٍ، أَو مَنْعًا مِنْهُ، أَو تَصْدِيقًا لِخَبَرِ، أو تَكْذِيبًا: كَانَ الشَّرْطُ مَقْصُودَ الْعَدَمِ هُوَ وَجَزَاؤُهُ؛ كَنَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ عَلَى وَجْهِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ. [٣٥/ ٢٤٢ - ٢٥٠، ٢٧٨] * * * (قَاعِدة فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ) ٤٩٨٨ - إنَّ الْحَالِفَ بِاللهِ قَد بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى حُكْمَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. وَكَانُوا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لَا مَخْرَجَ لَهُم مِن الْيَمِينِ قَبْلَ أَنْ تُشْرَعَ الْكَفَّارَةُ .. ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَمِينَ بِاللهِ عَقْدٌ بِاللهِ، فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ كَمَا يَجِبُ بِسَائِرِ الْعُقودِ وَأَشَدُّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَحْلِفُ بِاللهِ، أَو أُقْسِمُ بِاللهِ، وَنَحْو ذَلِكَ: فِي مَعْنَى قَوْلِهِ أَعْقِدُ بِاللهِ؛ وَلهَذَا عُدِّيَ بِحَرْفِ الْإِلْصَاقِ (١) الَّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي الرَّبْطِ وَالْعَقْدِ، فَيَنْعَقِدُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِاللهِ كمَا تَنْعَقِدُ إحْدَى الْيَدَيْنِ بِالْأُخْرَى فِي الْمُعَاقَدَةِ؛ وَلهَذَا سَمَّاهُ اللهُ عَقْدًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، فَإِذَا كَانَ قَد عَقَدَهَا بِاللهِ كَانَ الْحِنْثُ فِيهَا نَقْضًا لِعَهْدِ اللهِ وَمِيثَاقِهِ، لَوْلَا مَا فَرَضَهُ اللهُ مِن التَّحِلَةِ، وَلهَذَا سُمِّيَ حَلُّهَا حِنْثًا. والْحِنْثُ: هُوَ الْإِثْمُ فِي الْأَصْلِ؛ فَالْحِنْثُ فِيهَا سَبَبٌ لِلْإِثْمِ، لَوْلَا الْكَفَّارَة الْمَاحِيَةُ، فَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ مَنَعَتْهُ أَنْ يُوجِبَ إثْمًا (٢).

стр. 3178

فَأَمَّا الْحَلِفُ بِالنَّذْرِ الَّذِي هُوَ "نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ"؛ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ، أَو فَمَالِي صَدَقَةٌ، أَو فَعَلَيَّ صِيَامٌ، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ عَن الْفِعْلِ، أَو أَنْ يَقُولَ: إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ وَنَحْوَهُ: فَمَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ مِن أَهْلِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد، وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ، فَأَكْثَرُهُم قَالُوا: هُوَ مُخَيَّر بَيْنَ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَالْمَشْهُورُ عَن أَحْمَد. وَمِنْهُم مَن قَالَ: بَل عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عَيْنًا كَمَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الْيَمِينِ بِاللهِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأبُو حَنِيفَةَ فِي الرِّوَايَةِ الْأخْرَى وَطَائِفَةٌ: بَل يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَذَا النَّذْرِ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَالدَّليلُ عَلَيْهِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّا نَقُولُ: إنَّ مُوجَبَ صِيغَةِ الْقَسَمِ مِثْلُ مُوجَبِ صِيغَةِ التَّعْلِيقِ. وَالنَّذْرُ نَوْعٌ مِن الْيَمِينِ، وَكُلُّ نَذْرٍ فَهُوَ يَمِينٌ، فَقَوْلُ النَّاذِرِ: للهِ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَحْلِفُ بِاللهِ لَأَفْعَلَنَّ، مُوجَبُ هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ الْتِزَامُ الْفِعْلِ مُعَلَّقًا بِاللهِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "النَّذْرُ حَلِفٌ" (١). فَقَوْلُهُ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجّ للهِ: بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَوَاللهِ لَأَحُجَّنَّ.

стр. 3179

وَطَرْدُ هَذَا: أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ بِرًّا لَزِمَهُ فِعْلُهُ، وَلَمْ يَكُن لَهُ أَنْ يُكَفّرَ؛ فَإِنَّ حَلِفَهُ لَيَفْعَلَنَّه نَذْرٌ لِفِعْلِهِ. وَكَذَلِكَ طَرْدُ هَذَا: أَنَّهُ إذَا نَذَرَ لَيَفْعَلَنَّ مَعْصِيَةً أَو مُبَاحًا فَقَد حَلَفَ عَلَى فِعْلِهَا، بِمَنْزِلَةِ مَا لَو قَالَ: وَاللهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا. وَلَو حَلَفَ بِاللهِ لَيَفْعَلَنَّ مَعْصِيَةً أَو مُبَاحًا لَزِمَتْه كَفَّارَةُ يَمِينٍ. فَأَمَّا الْيَمِينُ "بِالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ" فِي اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ؛ مِثْلُ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا حَضًّا أَو مَنْعًا، أَو تَصْدِيقًا أَو تَكْذِيبًا؛ كَقَوْلِهِ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَو لَا فَعَلْت كَذَا، وَإِن فَعَلْت كَذَا فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ، أَو إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ، فَمَن قَالَ مِن الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ: إنَّ نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ يَجِبُ فِيهِ الْوَفَاءُ فَإِنَّهُ يَقُولُ: هُنَا يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ أَيْضًا. وَأَمَّا الْجُمْهُورُ الَّذِينَ قَالُوا فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ تُجْزئُهُ الْكَفَّارَةُ فَاخْتَلَفُوا هُنَا فِي الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ: فَمِنْهُم مَن فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَمِينِ بِالنَّذْرِ وَقَالُوا: إنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ بِالْحِنْثِ وَلَا تُجْرئُهُ الْكَفَّارَةُ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ بِالنَّذْرِ (١). [٣٥/ ٢٥٠ - ٢٦٧] * * * (أحوال من حلف لفعل طاعة، أو معصية، أو أمر مباح) ٤٩٨٩ - الْأَفْعَالُ "ثَلَاثَةٌ": إمَّا طَاعَة وَإِمَّا مَعْصِيَة وَإِمَّا مُبَاحٌ. فَإِذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ مُبَاحًا أَو لَيَتْرُكَنَّهُ: فَهَاهُنَا الْكَفَّارَةُ مَشْرُوعَةٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِعْلَ مَكْرُوهٍ أَو تَرْكَ مُسْتَحَبٍّ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ (٢٢٤)﴾ [البقرة: ٢٢٤].

стр. 3180

وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِعْلَ وَاجِبٍ أَو تَرْكَ مُحَرَّمٍ: فَهَاهُنَا لَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِالِاتِّفَاقِ؛ بَل يَجِبُ التَّكْفِيرُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. [٣٥/ ٢٥٣] * * * (انْقَسَمَت الْأُمَّة فِي دُخُولِ الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ فِي حَدِيثِ الاِسْتِثْنَاءِ عَلَى ثلَاثَةِ أَقْسَامٍ) ٤٩٩٠ - اعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ انْقَسَمَتْ فِي دُخُولِ الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ فِي حَدِيثِ الِاسْتِثْنَاءِ (١) عَلَى ثَلَاَثةِ أقسَامٍ: فَقَوْمٌ قَالُوا: يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ أَنْفُسُهُمَا، حَتَّى لَو قَالَ: أَنْت طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللهُ، وَأَنْت حُرٌّ إنْ شَاءَ اللهُ: دَخَلَ ذَلِكَ فِي عُمُومِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا. وَقَوْمٌ قَالُوا: [لَا] (٢) يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ، لَا إيقَاعُهُمَا وَلَا الْحَلِفُ بِهِمَا، بِصِيغَةِ الْجَزَاءِ وَلَا بِصِيغَةِ الْقَسَمِ، وَهَذَا أَشْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمَد. والْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ إيقَاعَ الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ لَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ؛ بَل يَدْخُلُ فِيهِ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَن أَحْمَد. وهَذَا الْقَوْلُ الثَّالِثُ هُوَ الصَّوَابُ الْمَأْثُورُ مَعْنَاهُ عَن أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَجُمْهُورِ التَّابِعِينَ؛ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ، لَمْ يَجْعَلُوا فِي الطَّلَاقِ اسْتِثْنَاءً، وَلَمْ يَجْعَلُوهُ مِن الْأَيْمَانِ. [٣٥/ ٢٨٣ - ٢٨٤] * * *

стр. 3181

(مُوجَبُ نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ) ٤٩٩١ - مُوجَبُ نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ عِنْدَنَا أَحَدُ شَيْئَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ: أ- إمَّا التَّكْفِيرُ. ب- وَإِمَّا فِعْلُ الْمُعَلَّقِ. وَلَا ريبَ أَنَّ مُوجَبَ اللَّفْظِ فِي مِثْل قَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، أَو صَدَقَةُ أَلْفٍ، أَو فَعَلَيَّ الْحَجُّ، أَو صَوْمُ شَهْرٍ: هُوَ الْوُجُوبُ عِنْدَ الْفِعْلِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذَا الْوُجُوبِ وَبَيْنَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا لَمْ يَلْتَزِمُ الْوُجُوبَ الْمُعَلَّقَ ثَبَتَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ عِتْقُ هَذَا الْعَبْدِ، أَو تَطْلِيقُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، أَو عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ أَو أَهْدِيَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْعَبْدِ لِلْإِعْتَاقِ، وَالْمَالِ لِلتَّصَدُّقِ، وَالْبَدَنَةِ لِلْهَدْيِ. [٣٥/ ٣٠٥] * * * (إذَا حَلَفَ بِالظِّهَارِ أَو بِالْحَرَامِ يُكفركفارة يمين) ٤٩٩٢ - إذَا حَلَفَ بِالظّهَارِ أَو بِالْحَرَامِ عَلَى [حَضٍّ] (١) أَو مَنْعٍ؛ كَقَوْلِهِ: إنْ فَعَلْت هَذَا فَأَنْت عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَو حَرَامٌ، أَو الْحَرَامٌ يَلْزَمُنِي، أَو الظّهَارُ (٢) لَا أَفْعَلُهُ أَو لَأَفْعَلَنَّهُ: فَهَذَا أَصْحَابُنَا فِيهِ إذَا حَنِثَ بِالظِّهَارِ كَمَا أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ؛ وَلهَذَا قَالُوا فِي أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ: مِنْهَا الظِّهَارُ. وَكُنْت أُفْتِي بِهَذَا تَقْلِيدًا .. وَأَفْتَيْت بَعْدَ هَذَا أَنَّ عَلَيْهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ عَدَمَ الْفِعْلِ وَعَدَمَ التَّحْرِيمِ، كَمَا قُلْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ: "نَذْرِ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ"، وَكَمَا قُلْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: هُوَ يَهُودِيٌّ أَو نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا، وَقَوْلِهِ: هُوَ يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَالْمَيْتَةَ إنْ فَعَلَ كَذَا.

стр. 3182

فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُن مَقْصُودُهُ الْحُكْمَ عِنْدَ الشَّرْطِ وَإِنَّمَا الْغَرَضُ الِامْتِنَاعُ مِن فِعْلٍ: فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ فَعَلَ كَذَا، وَلَيْسَ غَرَضُهُ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ عِنْدَ الْفِعْلِ، وَإِنَّمَا غَرَضُهُ الِامْتِنَاعُ مِن الْفِعْلِ، وَذكَر الْتِزَامَ ذَلِكَ تَقْدِيرًا تَحْقِيقًا لِلْمَنْعِ. بِخِلَافِ مَا لَو أَرَادَ ثُبُوتَ التَّحْرِيمِ عُقُوبَةً لَهَا؛ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهَا أَو لِأُمِّهَا: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْت عَلَيَّ حَرَامٌ، فَهُنَا يَكُونُ مَقْصُودُهُ ثُبُوتَ التَّحْرِيمِ، كَمَا أَنَّ فِي "نَذْرِ التَّبَرُّرِ" مَقْصُودُهُ ثُبُوتُ الْوُجُوبِ، وَكَمَا فِي "الْخُلْعِ" مَقْصُودُهُ أَخْذُ الْعِوَضِ وَنَحْو ذَلِكَ. ثُمَّ إن طَرَدْنَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتَاقِ -كَمَا يَتَخَرَّجُ عَلَى أُصُولِنَا، وَكَمَا يُؤْثَرُ عَن الصَّحَابَةِ جُعِلَ الْعِتْقُ دَاخِلًا فِي نَذْرِ اللَّجَاجِ .. -: فَهُوَ مُتَوَجِّهٌ، وَهُوَ أَقْوَى إنْ شَاءَ اللهُ. [٣٥/ ٣١٩ - ٣٢٣] * * * (كفارة اليمين) ٤٩٩٣ - كَفَّارَةُ الْيَمِينِ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾، فَمَتَى كَانَ وَاجِدًا فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ بِإِحْدَى الثَّلَاثِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَإِذَا اخْتَارَ أَنْ يُطْعِمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ فَلَهُ ذَلِكَ. وَمِقْدَارُ مَا يُطْعِمُ: مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ إطْعَامَهُمْ: هَل هُوَ مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ؟ أَو بِالْعُرْفِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، مِنْهُم مَن قَالَ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِالْعُرْفِ لَا بِالشَّرْعِ، فَيُطْعِمُ أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ مِن أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُونَ أَهْلِيهِمْ قَدْرًا وَنَوْعًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُد وَأَصْحَابِهِ مُطْلَقًا، وَالْمَنْقولُ عَن أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ هَذَا الْقَوْلُ؛ وَلهَذَا كَانُوا يَقُولُونَ: الْأَوْسَطُ خُبْزٌ وَلَبَنٌ، خُبْزٌ وَسَمْنٌ، خُبْزٌ وَتَمْرٌ، وَالْأَعْلَى خُبْزٌ وَلَحْمٌ.

стр. 3183

وَقَد بَسَطْنَا الْآثَارَ عَنْهُم فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاعْتِبَارُ، وَهُوَ قِيَاسُ مَذْهَبِ أَحْمَد وَأُصُولِهِ؛ فَإِنَّ أَصْلَهُ أَنَّ مَا لَمْ يُقَدِّرْهُ الشَّارعُ فَإِنَّهُ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، وَهَذَا لَمْ يُقَدِّرْهُ الشَّارعُ فَيُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، لَا سِيَّمَا مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. وَقَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأُدْمِ: هَل هُوَ وَاجِبٌ أَو مُسْتَحَبٌّ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ كَانَ يُطْعِمُ أَهْلَهُ بِأُدُم أطْعَمَ الْمَسَاكِينَ بِأُدُمِ، وَإِن كَانَ إنَّمَا يُطْعِمُ بِلَا أُدْم لَمْ يَكُن لَهُ أَنْ يُفَضِّلَ الْمَسَاكِينَ عَلَى أَهْلِهِ؛ بَل يُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ مِن أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ. وَإِذَا جَمَعَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ وَعَشَّاهُم خُبْزًا وَأُدْمًا مِن أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أكْثَرِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِي الدَّلِيلِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِطْعَامِ، لَمْ يُوجِب التَّمْلِيكَ، وَهَذَا إطْعَامٌ حَقِيقَةً (١). وَأَمَّا التَّصَرُّفُ بِمَا شَاءَ فَاللهُ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ إنَّمَا أَوْجَبَ فِيهَا التَّمْلِيكَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهَا بِاللَّامِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وَلهَذَا حَيْثُ ذَكَرَ اللهُ التَّصَرُّفَ بِحَرْفِ الظَّرْفِ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]، ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّمْلِيكُ؛ بَل يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَ مِن الزَّكَاةِ وَإِن لَمْ يَكُن ذَلِكَ تَمْلِيكًا لِلْمُعْتَقِ، وَيجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا سِلَاحًا يُعِينُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ. [٣٥/ ٣٤٩ - ٣٥٣] * * *

стр. 3184

(بَابُ الْقَضَاءُ) ٤٩٩٤ - كُلُّ مَن حَكَمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَهُوَ قَاضٍ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبَ حَرْبٍ، أَو مُتَوَلِّي دِيوَانٍ، أَو مُنْتَصِبًا لِلِاحْتِسَابِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ، حَتَّى الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ الصِّبْيَانِ فِي الْخُطُوطِ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنَ الْحُكَّامِ. [١٨/ ١٧٠] ٤٩٩٥ - لَو شَرَطَ الْإِمَامُ عَلَى الْحَاكِمِ، أَو شَرَطَ الْحَاكِمُ عَلَى خَلِيفَتِهِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَذْهَب مُعَيَّنٍ: بَطَلَ الشَّرْطُ، وَفِي فَسَادِ الْعَقْدِ وَجْهَانِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا إذَا أَمْكَنَ الْقُضَاةُ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْعِلْمِ وَالْعَدْلِ مِن غَيْرِ هَذَا الشَّرْطِ (١) فَعَلُوا. فَأَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّ فِي الْخُرُوجِ عَن ذَلِكَ مِن الْفَسَادِ جَهْلًا وَظُلْمًا أَعْظَمَ مِمَّا فِي التَّقْدِيرِ: كَانَ ذَلِكَ مِن بَابِ دَفْعِ أَعْظَمِ الفسادين بِالْتِزَامِ أَدْنَاهُمَا، وَلَكِنْ هَذَا لَا يُسَوِّغُ لِوَاقِفٍ أَنْ لَا يَجْعَلَ النَّظَرَ فِي الْوَقْفِ إلَّا لِذِي مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ دَائِمًا مَعَ إمْكَان، إلَّا أَنْ يَتَوَلَّى فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ، فَكَيْفَ إذَا لَمْ يُشْرَطْ ذَلِكَ؟. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ: فَالْحَاكِمُ عَلَى أَيِّ مَذْهَبٍ كَانَ إذَا كَانَت وِلَايَتُهُ تَتَنَاوَلُ النَّظَرَ فِي هَذَا الْوَقْفِ: كَانَ تَفْوِيضُهُ سائغًا، وَلَمْ يَجُزْ لِحَاكِم آخَرَ نَقْضُ مِثْل هَذَا، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ فِي التَّفْوِيضِ إلَيْهِ مِن الْمَصْلَحَةِ فِي الْمَالِ وَمُسْتَحِقِّهِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهِ. [٣١/ ٧٣ - ٧٤] ٤٩٩٦ - الواجب اتخاذ ولاية القضاء دينًا وقربة، فإنها من أفضل القربات، وإنما فسد حال الأكثر لطلب الرئاسة والمال بها، ومن فعل ما يمكنه لم يلزمه ما يعجز عنه. [المستدرك ٥/ ١٥٥] ٤٩٩٧ - الولاية لها ركنان: القوة والأمانة؛ فالقوة في الحكم ترجع إلى

стр. 3185

العلم والعدل في تنفيذ الحكم، والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالى. [المستدرك ٥/ ١٥٥] ٤٩٩٨ - أما سؤال الولاية فقد ذمه النبي ﷺ ، وأما سؤال يوسف قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] فلأنه كان طريقًا إلى أن يدعوهم إلى الله، ويعدل بين الناس، ويرفع عنهم الظلم، ويفعل من الخير ما لم يكونوا يفعلوه، مع أنهم لم يكونوا يعرفون حاله، وقد علم بتأويل الرؤيا ما يؤول إليه حال الناس، ففي هذه الأحوال ونحوها ما يوجب الفرق بين مثل هذه الحال وبين ما نهى عنه. وأيضًا: فليست هذه إمارة محضة إنما هي أمانة. وقد يقال: هذا شرع من قبلنا. [المستدرك ٥/ ١٥٥] ٤٩٩٩ - من باشر القضاء مع عدم الأهلية المسوغة للولاية وأصر على ذلك عاملًا بالجهل والظلم: فهو فاسق، ولا يجوز أن يولى خطبة، ولا تنفذ أحكامه ولا عقوده كما تنفذ أحكام العالم العادل. بل من العلماء من يردها كلها، وهو قول أكثر أصحاب الشافعي وأحمد. ومن العلماء من ينفذ ما وافق الحق لمسيس الحاجة، ولما يلحق الناس من الضرر، والحق يجب اتباعه سواء قام به البر والفاجر، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة ومالك وطائفة من أصحاب أحمد وهو الراجح. [المستدرك ٥/ ١٥٦] ٥٠٠٠ - يشترط في القاضي أن يكون ورعًا. [المستدرك ٥/ ١٥٦] ٥٠٠١ - يجب تولية الأمثل فالأمثل. [المستدرك ٥/ ١٥٧] ٥٠٠٢ - أَكْثَرُ من تَمَيَّزَ في الْعِلْمِ من الْمُتَوَسِّطِينَ إذَا نَظَرَ وَتَأَمَّلَ أَدِلَّةَ الْفَرِيقَيْنِ بِقَصْدٍ حَسَنٍ، وَنَظَرٍ تَامٍّ: تَرَجَّحَ عِنْدَهُ أَحَدُهُمَا، لَكِنْ قد لَا يثق بِنَظَرِهِ؛ بَل يَحْتَمِلُ أَنَّ عِنْدَهُ مالا يَعْرِفُ جَوَابَهُ، وَالْوَاجِبُ على مِثْل هذا مُوَافَقَتُهُ لِلْقَوْلِ الذي

стр. 3186

تَرَجَّحَ عِنْدَهُ بِلَا دَعْوَى منه لِلِاجْتِهَادِ؛ كَمُجْتَهِدٍ في أَعْيَانِ الْمُفْتِينَ وَالْأَئِمَّةِ إذَا تَرَجَّحَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا قَلَّدَهُ [الفروع ٦/ ٣٧٧] ٥٠٠٣ - مَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَى مَعْرِفَتِهِ: فَإِنَّ اللهَ نَصَبَ عَلَى الْحَقِّ فِيهِ دَلِيلًا. [الاختيارات ٤٨٢، والفروع ٦/ ٣٧٧] ٥٠٠٤ - النَّبِيه إذا سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الجملة: عنده ما يعرف به رجحان القول. [المستدرك ٥/ ١٥٧] ٥٠٠٥ - ليس لحاكمٍ وغيره أن يبتدئ (١) الناس بقهرهم على ترك ما يسوغ وإلزامهم برأيه واعتقاده اتفاقًا، ولو جاز هذا لجاز لغيره مثله، وأفضى إلى التفرق والاختلاف. [المستدرك ٥/ ١٥٧] ٥٠٠٦ - لا تشترط الحرية في الحاكم، واختاره أبو الخطاب وابن عقيل. [المستدرك ٥/ ١٥٨] ٥٠٠٧ - ولاية القضاء يجوز تبعيضها، ولا يجب أن يكون عالمًا بما في ولايته؛ فإن منصب الاجتهاد ينقسم، حتى لو ولاه في المواريث لم يجب أن يعرف إلا الفرائض والوصايا وما يتعلق بذلك. وإن ولاه عقد الأنكحة وفسخها لم يجب أن يعرف إلا ذلك. وعلى هذا: فقُضاة الأطراف يجوز أن لا يقضوا في الأمور الكبار والدماء والقضايا المشكلة. وعلى هذا: فلو قال: اقض فيما تعلم، كما يقول له: أفت فيما تعلم: جاز، ويبقى ما لا يعلم خارجًا عن ولايته. [المستدرك ٥/ ١٥٩] ٥٠٠٨ - الوكالة يصح قبولها على الفور والتراخي بالقول والفعل، والولاية نوع منها. [المستدرك ٥/ ١٦٠]

стр. 3187

٥٠٠٩ - لا يجوز التقليد في معرفة الحكم اتفاقًا، وقبله لا يجوز على المشهور إلا أن يضيق الوقت ففيه وجهان، فإن عجز عن معرفة الحق بتعارض الأدلة ففيه وجهان، فهذه أربع مسائل. والعجز قد يعني به: العجز الحقيقي، وقد يعني به: المشقة العظيمة، والصحيح الجواز في هذين الموضعين. [المستدرك ٥/ ١٦٠] ٥٠١٠ - إذا استناب الحاكم في الحكم من غير مذهبه، إن كان لكونه أرجح فقد أحسن، وإلا لم تجز الاستنابة. [المستدرك ٥/ ١٦٠] ٥٠١١ - القضاة ثلاثة: من يصلح، ومن لا يصلح، والمجهول. فلا يرد من أحكام من يصلح إلا ما علم أنه باطل، ولا ينفذ من أحكام من لا يصلح إلا ما علم أنه حق. واختاره صاحب المغني وغيره، وإن كان لا يجوز توليته ابتداء (١). وأما المجهول فينظر فيمن ولاه، فإن كان لا يولي إلا الصالح جعل صالحًا، وإن كان يولي هذا تارة وهذا تارة نفذ ما كان حقًّا، ورد الباطل، والباقي موقوف. [المستدرك ٥/ ١٦١] ٥٠١٢ - يجوز اجتهاد الرأي للقاضي والمفتي إذا لم يجد في الحادثة نصًّا من الكتاب أو السُّنَّة؛ كقول جماهير السلف وأئمة الفقهاء؛ كمالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وغيرهم. وقد تكون تلك الحكومة في الكتاب والسُّنَّة على وجه خفي لم يدركه، أو تكون مركبة من مقدمتين من الكتاب والسُّنَّة لكنه لم يتفطن لذلك فيجوز له أن يجتهد برأيه حينئذ لكونه لم يجد تلك الحكومة في الكتاب ولا في السُّنَّهَ وإن كانت فيهما. [المستدرك ٥/ ١٦١ - ١٦٢] * * *

стр. 3188

(الْمَقْصُودُ مِن الْقَضَاءِ) ٥٠١٣ - الْمَقْصُودُ مِن الْقَضَاءِ: أ - وُصُولُ الْحُقُوقِ إلَى أَهْلِهَا. ب - وَقَطْعُ الْمُخَاصَمَةِ. فَوُصُولُ الْحُقُوقِ: هُوَ الْمَصْلَحَةُ. وَقَطْعُ الْمُخَاصَمَةِ: إزَالَةُ الْمَفْسَدَةِ. فَالْمَقْصُودُ هُوَ جَلْبُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ وَإِزَالَةُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ. فَالْأَقسَامُ أَرْبَعَةٌ: أ - إمَّا فَصْلٌ بِصُلْح (١)، فَهَذَا هُوَ الْغَايَةُ. ب - وَإِمَّا فَصْلٌ بِحُكْم مَرَّ، فَقَد حَصَلَ مَعَهُ وُصُولُ الْحَقِّ وَقَطْعُ الْخُصُومَةِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مَعَهُ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ. ج - وَإِمَّا صُلْحٌ عَلَى تَرْكِ بَعْضِ مَا يَدَّعِي أَنَّهُ حَقٌّ، فَهَذَا أَيْضًا قَد حَصَلَ مَقْصُودُ الصُّلْحِ وَقَطع النِّزَاعِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ وُصُولِ الْحُقُوقِ، لَكِنْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِن التَّرْكِ. وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصُّلْحِ أَحْسَنُ مِن الْحُكْمِ بِالْفَصْلِ الْمُرِّ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي دَفْعِ الْخُصُومَةِ، وَامْتَازَ ذَلِكَ بِصَلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ مَعَ تَرْكِ أَحَدِهِمَا لِحَقِّهِ، وَامْتَازَ الآخَرُ بِأَخْذِ الْمُسْتَحِقِّ حَقَّهُ مَعَ ضَغَائِنَ. د - وَأَمَّا لَا فَصْلَ وَلَا صُلْحَ: فَهَذَا لَا يَصْلُحُ، يَحْصُلُ بِهِ مَفْسَدَةُ تَرْكِ الْقَضَاءِ. وَإِن كَانَ الْحَقُّ فِي يَدِ صَاحِبِهِ كَالْوَقْفِ وَغَيْرِهِ يَخَافُ إنْ لَمْ يُحْفَظْ بِالْبَيِّنَاتِ أَنْ يُنْسِيَهُ شَرْط وَيَجْحَد وَلَا يَأْتِيهِ وَنَحْو ذَلِكَ؛ فَهُنَا فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ

стр. 3189

مِن غَيْرِ خَصْمٍ حِفْظُ الْحَقِّ الْمَجْحُودِ عَن خَصْمٍ مُقَدَّرٍ وَهَذَا أَحَدُ مَقْصُودَي الْقَضَاءِ فَلِذَلِكَ يُسْمَعُ ذَلِكَ. [٣٥/ ٣٥٥ - ٣٥٦] * * * (وجوب تحكيم شرع الله، وقتال من خرج عنه) ٥٠١٤ - عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ أَنْ يُحَكمُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَأَفْضَلَ الْمُرْسَلِينَ، وَأَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَى اللهِ، لَيْسَ لِأَحَد أَنْ يَخْرُجَ عَن حُكْمِهِ فِي شَيْءٍ، سَوَاءٌ كَانَ مِن الْعُلَمَاءِ أَو الْمُلُوكِ أَو الشُّيُوخِ أَو غَيْرِهِمْ. وَلَو أَدْرَكَهُ مُوسَى أَو عِيسَى وَغَيْرُهُمَا مِن الرُّسُلِ كَانَ عَلَيْهِم اتِّبَاعُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] (١). وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى النَّبِيِّ الْمُتَقَدِّمِ أَنْ يُصَدِّقَ مَن يَأْتِي بَعْدَهُ، وَعَلَى النَّبِيِّ الْمُتَأَخِّرِ أَنْ يُصَدِّقَ مَن كَانَ قَبْلَهُ؛ وَلهَذَا لَمْ تَخْتَلِف الْأَنْبِيَاءُ؛ بَل دِينُهُم وَاحِدٌ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي "الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ": "إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ". فَدِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، كُلُّهُم مُسْلِمُونَ مُؤْمِنُونَ، لَكِنَّ بَعْضَ الشَّرَائِعِ تَتَنَوَّعُ، فَقَد يُشَرِّعُ فِي وَقْتٍ أَمْرًا لِحِكْمَة، ثُمَّ يُشَرِّعُ فِي وَقْتٍ آخَرَ أَمْرًا آخَرَ لِحِكْمَة؛ كَمَا شَرَعَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ الصَّلَاةَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ، فَتَنَوَّعَت الشَّرِيعَةُ وَالدِّينُ وَاحِدٌ، وَكَانَ اسْتِقْبَالُ الشَّامِ ذَلِكَ الْوَقْتَ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ السَّبْتُ لِمُوسَى مِن دِينِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَمَّا نُسِخَ صَارَ دِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ النَّاسِخَ، وَهُوَ الصَّلَاةُ إلَى الْكَعْبَةِ.

стр. 3190

فَمَن تَمَسَّكَ بِالْمَنْسُوخِ دُونَ النَّاسِخِ فَلَيْسَ هُوَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَلَا هُوَ مُتَّبعٌ لِأَحَدٍ مِن الْأَنْبِيَاءِ، وَمَن بَدَّلَ شَرْعَ الْأَنْبِيَاءِ وَابْتَدَعَ شَرْعًا فَشَرْعُهُ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ كَمَا قَالَ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وَلهَذَا كَفَرَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لِأَنَّهُم تَمَسَّكُوا بِشَرْع مُبَدَّلٍ مَنْسُوخٍ. وَاللهُ أَوْجَبَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ خَاتَمُ الرُّسُلِ، فَعَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ اتِّبَاعُهُ، وَاتِّبَاعُ مَا شَرَعَهُ مِن الدِّينِ، وَهُوَ مَا أَتَى بِهِ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَسُيُوفُ المُسْلِمِينَ تَنْصُرُ هَذَا الشَّرْعَ وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ كَمَا قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ نَضْرِبَ بِهَذَا - يَعْنِي: السَّيْفَ - مَن خَرَجَ عَن هَذَا - يَعْنِي: الْمُصْحَفَ -". قَالَ تَعالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥]، فَبَيَّنَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَنْزَلَ الْعَدْلَ وَمَا بِهِ يُعْرَفُ الْعَدْلُ؛ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَأَنْزَلَ الْحَدِيدَ. فَمَن خَرَجَ عَن الْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ قُوتِلَ بِالْحَدِيدِ؛ فَالْكتَابُ وَالْعَدْلُ مُتَلَازِمَانِ، وَالْكِتَابُ هُوَ الْمُبَيِّنُ لِلشَّرْع؛ فَالشَّرْعُ هُوَ الْعَدْلُ، وَالْعَدْلُ هُوَ الشَّرْعُ، وَمَن حَكَمَ بِالْعَدْلِ فَقَد حَكَمَ بِالشَّرْعِ (١). وَقَد يَقُولُ كَثِيرٌ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَالْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ أَقْوَالًا بِاجْتِهَادِهِمْ، فَهَذِهِ يَسُوغُ الْقَوْلُ بِهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَى كُل مُسْلِمٍ أَنْ يَلْتَزِمَ إلَّا قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَهَذَا
следующие страницы →