← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

تَرَجَّحَ عِنْدَهُ بِلَا دَعْوَى منه لِلِاجْتِهَادِ؛ كَمُجْتَهِدٍ في أَعْيَانِ الْمُفْتِينَ وَالْأَئِمَّةِ إذَا تَرَجَّحَ عِنْدَ أَحَدِهِمَا قَلَّدَهُ [الفروع ٦/ ٣٧٧] ٥٠٠٣ - مَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَى مَعْرِفَتِهِ: فَإِنَّ اللهَ نَصَبَ عَلَى الْحَقِّ فِيهِ دَلِيلًا. [الاختيارات ٤٨٢، والفروع ٦/ ٣٧٧] ٥٠٠٤ - النَّبِيه إذا سمع اختلاف العلماء وأدلتهم في الجملة: عنده ما يعرف به رجحان القول. [المستدرك ٥/ ١٥٧] ٥٠٠٥ - ليس لحاكمٍ وغيره أن يبتدئ (١) الناس بقهرهم على ترك ما يسوغ وإلزامهم برأيه واعتقاده اتفاقًا، ولو جاز هذا لجاز لغيره مثله، وأفضى إلى التفرق والاختلاف. [المستدرك ٥/ ١٥٧] ٥٠٠٦ - لا تشترط الحرية في الحاكم، واختاره أبو الخطاب وابن عقيل. [المستدرك ٥/ ١٥٨] ٥٠٠٧ - ولاية القضاء يجوز تبعيضها، ولا يجب أن يكون عالمًا بما في ولايته؛ فإن منصب الاجتهاد ينقسم، حتى لو ولاه في المواريث لم يجب أن يعرف إلا الفرائض والوصايا وما يتعلق بذلك. وإن ولاه عقد الأنكحة وفسخها لم يجب أن يعرف إلا ذلك. وعلى هذا: فقُضاة الأطراف يجوز أن لا يقضوا في الأمور الكبار والدماء والقضايا المشكلة. وعلى هذا: فلو قال: اقض فيما تعلم، كما يقول له: أفت فيما تعلم: جاز، ويبقى ما لا يعلم خارجًا عن ولايته. [المستدرك ٥/ ١٥٩] ٥٠٠٨ - الوكالة يصح قبولها على الفور والتراخي بالقول والفعل، والولاية نوع منها. [المستدرك ٥/ ١٦٠]

стр. 3187

٥٠٠٩ - لا يجوز التقليد في معرفة الحكم اتفاقًا، وقبله لا يجوز على المشهور إلا أن يضيق الوقت ففيه وجهان، فإن عجز عن معرفة الحق بتعارض الأدلة ففيه وجهان، فهذه أربع مسائل. والعجز قد يعني به: العجز الحقيقي، وقد يعني به: المشقة العظيمة، والصحيح الجواز في هذين الموضعين. [المستدرك ٥/ ١٦٠] ٥٠١٠ - إذا استناب الحاكم في الحكم من غير مذهبه، إن كان لكونه أرجح فقد أحسن، وإلا لم تجز الاستنابة. [المستدرك ٥/ ١٦٠] ٥٠١١ - القضاة ثلاثة: من يصلح، ومن لا يصلح، والمجهول. فلا يرد من أحكام من يصلح إلا ما علم أنه باطل، ولا ينفذ من أحكام من لا يصلح إلا ما علم أنه حق. واختاره صاحب المغني وغيره، وإن كان لا يجوز توليته ابتداء (١). وأما المجهول فينظر فيمن ولاه، فإن كان لا يولي إلا الصالح جعل صالحًا، وإن كان يولي هذا تارة وهذا تارة نفذ ما كان حقًّا، ورد الباطل، والباقي موقوف. [المستدرك ٥/ ١٦١] ٥٠١٢ - يجوز اجتهاد الرأي للقاضي والمفتي إذا لم يجد في الحادثة نصًّا من الكتاب أو السُّنَّة؛ كقول جماهير السلف وأئمة الفقهاء؛ كمالك والأوزاعي والثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وغيرهم. وقد تكون تلك الحكومة في الكتاب والسُّنَّة على وجه خفي لم يدركه، أو تكون مركبة من مقدمتين من الكتاب والسُّنَّة لكنه لم يتفطن لذلك فيجوز له أن يجتهد برأيه حينئذ لكونه لم يجد تلك الحكومة في الكتاب ولا في السُّنَّهَ وإن كانت فيهما. [المستدرك ٥/ ١٦١ - ١٦٢] * * *

стр. 3188

(الْمَقْصُودُ مِن الْقَضَاءِ) ٥٠١٣ - الْمَقْصُودُ مِن الْقَضَاءِ: أ - وُصُولُ الْحُقُوقِ إلَى أَهْلِهَا. ب - وَقَطْعُ الْمُخَاصَمَةِ. فَوُصُولُ الْحُقُوقِ: هُوَ الْمَصْلَحَةُ. وَقَطْعُ الْمُخَاصَمَةِ: إزَالَةُ الْمَفْسَدَةِ. فَالْمَقْصُودُ هُوَ جَلْبُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ وَإِزَالَةُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ. فَالْأَقسَامُ أَرْبَعَةٌ: أ - إمَّا فَصْلٌ بِصُلْح (١)، فَهَذَا هُوَ الْغَايَةُ. ب - وَإِمَّا فَصْلٌ بِحُكْم مَرَّ، فَقَد حَصَلَ مَعَهُ وُصُولُ الْحَقِّ وَقَطْعُ الْخُصُومَةِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مَعَهُ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ. ج - وَإِمَّا صُلْحٌ عَلَى تَرْكِ بَعْضِ مَا يَدَّعِي أَنَّهُ حَقٌّ، فَهَذَا أَيْضًا قَد حَصَلَ مَقْصُودُ الصُّلْحِ وَقَطع النِّزَاعِ، وَلَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ وُصُولِ الْحُقُوقِ، لَكِنْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِن التَّرْكِ. وَمِن هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالصُّلْحِ أَحْسَنُ مِن الْحُكْمِ بِالْفَصْلِ الْمُرِّ؛ لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي دَفْعِ الْخُصُومَةِ، وَامْتَازَ ذَلِكَ بِصَلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ مَعَ تَرْكِ أَحَدِهِمَا لِحَقِّهِ، وَامْتَازَ الآخَرُ بِأَخْذِ الْمُسْتَحِقِّ حَقَّهُ مَعَ ضَغَائِنَ. د - وَأَمَّا لَا فَصْلَ وَلَا صُلْحَ: فَهَذَا لَا يَصْلُحُ، يَحْصُلُ بِهِ مَفْسَدَةُ تَرْكِ الْقَضَاءِ. وَإِن كَانَ الْحَقُّ فِي يَدِ صَاحِبِهِ كَالْوَقْفِ وَغَيْرِهِ يَخَافُ إنْ لَمْ يُحْفَظْ بِالْبَيِّنَاتِ أَنْ يُنْسِيَهُ شَرْط وَيَجْحَد وَلَا يَأْتِيهِ وَنَحْو ذَلِكَ؛ فَهُنَا فِي سَمَاعِ الدَّعْوَى وَالشَّهَادَةِ

стр. 3189

مِن غَيْرِ خَصْمٍ حِفْظُ الْحَقِّ الْمَجْحُودِ عَن خَصْمٍ مُقَدَّرٍ وَهَذَا أَحَدُ مَقْصُودَي الْقَضَاءِ فَلِذَلِكَ يُسْمَعُ ذَلِكَ. [٣٥/ ٣٥٥ - ٣٥٦] * * * (وجوب تحكيم شرع الله، وقتال من خرج عنه) ٥٠١٤ - عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ أَنْ يُحَكمُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَأَفْضَلَ الْمُرْسَلِينَ، وَأَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَى اللهِ، لَيْسَ لِأَحَد أَنْ يَخْرُجَ عَن حُكْمِهِ فِي شَيْءٍ، سَوَاءٌ كَانَ مِن الْعُلَمَاءِ أَو الْمُلُوكِ أَو الشُّيُوخِ أَو غَيْرِهِمْ. وَلَو أَدْرَكَهُ مُوسَى أَو عِيسَى وَغَيْرُهُمَا مِن الرُّسُلِ كَانَ عَلَيْهِم اتِّبَاعُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] (١). وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى النَّبِيِّ الْمُتَقَدِّمِ أَنْ يُصَدِّقَ مَن يَأْتِي بَعْدَهُ، وَعَلَى النَّبِيِّ الْمُتَأَخِّرِ أَنْ يُصَدِّقَ مَن كَانَ قَبْلَهُ؛ وَلهَذَا لَمْ تَخْتَلِف الْأَنْبِيَاءُ؛ بَل دِينُهُم وَاحِدٌ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي "الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ": "إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ". فَدِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ، وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، كُلُّهُم مُسْلِمُونَ مُؤْمِنُونَ، لَكِنَّ بَعْضَ الشَّرَائِعِ تَتَنَوَّعُ، فَقَد يُشَرِّعُ فِي وَقْتٍ أَمْرًا لِحِكْمَة، ثُمَّ يُشَرِّعُ فِي وَقْتٍ آخَرَ أَمْرًا آخَرَ لِحِكْمَة؛ كَمَا شَرَعَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ الصَّلَاةَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ، فَتَنَوَّعَت الشَّرِيعَةُ وَالدِّينُ وَاحِدٌ، وَكَانَ اسْتِقْبَالُ الشَّامِ ذَلِكَ الْوَقْتَ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ، وَكَذَلِكَ السَّبْتُ لِمُوسَى مِن دِينِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ لَمَّا نُسِخَ صَارَ دِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ النَّاسِخَ، وَهُوَ الصَّلَاةُ إلَى الْكَعْبَةِ.

стр. 3190

فَمَن تَمَسَّكَ بِالْمَنْسُوخِ دُونَ النَّاسِخِ فَلَيْسَ هُوَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَلَا هُوَ مُتَّبعٌ لِأَحَدٍ مِن الْأَنْبِيَاءِ، وَمَن بَدَّلَ شَرْعَ الْأَنْبِيَاءِ وَابْتَدَعَ شَرْعًا فَشَرْعُهُ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ كَمَا قَالَ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وَلهَذَا كَفَرَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لِأَنَّهُم تَمَسَّكُوا بِشَرْع مُبَدَّلٍ مَنْسُوخٍ. وَاللهُ أَوْجَبَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ كُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ خَاتَمُ الرُّسُلِ، فَعَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ اتِّبَاعُهُ، وَاتِّبَاعُ مَا شَرَعَهُ مِن الدِّينِ، وَهُوَ مَا أَتَى بِهِ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَسُيُوفُ المُسْلِمِينَ تَنْصُرُ هَذَا الشَّرْعَ وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ؛ كَمَا قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ نَضْرِبَ بِهَذَا - يَعْنِي: السَّيْفَ - مَن خَرَجَ عَن هَذَا - يَعْنِي: الْمُصْحَفَ -". قَالَ تَعالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥]، فَبَيَّنَ أَنَّهُ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَنْزَلَ الْعَدْلَ وَمَا بِهِ يُعْرَفُ الْعَدْلُ؛ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، وَأَنْزَلَ الْحَدِيدَ. فَمَن خَرَجَ عَن الْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ قُوتِلَ بِالْحَدِيدِ؛ فَالْكتَابُ وَالْعَدْلُ مُتَلَازِمَانِ، وَالْكِتَابُ هُوَ الْمُبَيِّنُ لِلشَّرْع؛ فَالشَّرْعُ هُوَ الْعَدْلُ، وَالْعَدْلُ هُوَ الشَّرْعُ، وَمَن حَكَمَ بِالْعَدْلِ فَقَد حَكَمَ بِالشَّرْعِ (١). وَقَد يَقُولُ كَثِيرٌ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَالْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ أَقْوَالًا بِاجْتِهَادِهِمْ، فَهَذِهِ يَسُوغُ الْقَوْلُ بِهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَى كُل مُسْلِمٍ أَنْ يَلْتَزِمَ إلَّا قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَهَذَا

стр. 3191

شَرْعٌ دَخَلَ فِيهِ التَّأْوِيلُ وَالِاجْتِهَادُ، وَقَد يَكُونُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ الْمُنَزَّلِ، فَيَكُونُ لِصَاحِبِهِ أَجْرَانِ، وَقَد لَا يَكونُ مُوَافِقًا لَهُ، لَكِنْ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، فَإِذَا اتَّقَى الْعَبْدُ اللهَ مَا اسْتَطَاعَ آجَرَهُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ وَغَفَرَ لَهُ خَطَأَهُ. وَمَن كَانَ هَكَذَا لَمْ يَكُن لِأَحَدٍ أَنْ يَذُمَّهُ وَلَا يَعِيبَهُ وَلَا يُعَاقِبَهُ، وَلَكِنْ إذَا عُرِفَ الْحَقُّ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ تَرْكُ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ لِقَوْل أَحَدٍ مِن الْخَلْقِ، وَذَلِكَ هُوَ الشَّرْعُ الْمُنَزَّلُ مِن عِنْدِ اللهِ، وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهُوَ دِينُ اللهِ وَرَسُولِهِ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَيكُونَ الدِّينُ كُلُّة للهِ. لَا يُجَاهِدُونَ عَلَى قَوْلِ عَالِمٍ وَلَا شَيْخٍ وَلَا مُتَأَوّلٍ؛ بَل يُجَاهِدُونَ لِيُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ، وَيكُونَ الدِّينُ لَهُ كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رَياءً، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ: "مَن قَاتَلَ لِتكُونَ كلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ". فَالْمَقْصُودُ بِالْجِهَادِ أَنْ لَا يُعْبَدَ أَحَدٌ إلَّا اللهُ؛ فَلَا يَدْعُو غَيْرَهُ وَلَا يُصَلِّي لِغَيْرِهِ وَلَا يَسْجُدُ لِغَيْرِهِ. [٣٥/ ٣٦٣ - ٣٦٨] * * * (هل حكم الحاكم يرفع الخلاف؟ وواجب الحكام تجاه اختلاف المسلمين والعلماء) ٥٠١٥ - فَصْلٌ: فِيمَا جَعَلَ اللهُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ، وَمَا لَمْ يَجْعَلْ لِوَاحِدٍ مِن الْمَخْلُوقِينَ الْحُكْمَ فِيهِ؛ بَل الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ للهِ تَعَالَى وَلرَسُولِهِ ﷺ ، لَيْسَ لِأَحَد مِن الْحُكَّامِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَو كَانَ ذَلِكَ الشَّخْصُ مِن آحَادِ الْعَامَّةِ.

стр. 3192

وَهَذَا مِثْلُ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ الْخَلْقِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهَا وَيعْمَلُوا بِهَا، وَقَد بَيَّنَهَا فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ بِمَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، أَو تَنَازَعَت الْأُمَّةُ فِيهِ: إذَا وَقَعَ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْحُكَّامِ وَبَيْنَ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ مِن الْعُلَمَاءِ أَو الْجُنْدِ أَو الْعَامَّةِ أَو غَيْرِهِمْ: لَمْ يَكُن لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا عَلَى مَن يُنَازِعُهُ، وَيُلْزِمَهُ بِقَوْلِهِ، وَيمْنَعَهُ مِن الْقَوْلِ الآخَرِ، فَضْلًا عَن أَنْ يُؤْذِيَهُ أَو يُعَاقِبَهُ؛ مِثْلُ أَنْ يَتَنَازَعَ حَاكِمٌ أَو غَيْرُ حَاكِمٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] هَل الْمُرَادُ بِهِ الْجِمَاعُ؟ كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ وَقَالُوا: إنَّ مَسَّ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لَا لِشَهْوَةٍ وَلَا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، أَو الْمُرَادُ بِهِ اللَّمْسُ بِجَمِيعِ الْبَشَرَةِ إمَّا لِشَهْوَةٍ وَإِمَّا مُطْلَقًا؟. وَكَذَلِكَ تَنَازَعُوا فِي كَثِيرٍ مِن مَسَائِلِ الْفَرَائِضِ، وَفِي كَثِيرٍ مِن مَسَائِلِ الطَّلَاقِ وَالْإِيلَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَثِيرٍ مِن مَسَائِلِ الْعِبَادَاتِ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ، وَفِي مَسَائِلِ زِيَارَاتِ الْقُبُورِ، مِنْهُم مِن كَرِهَهَا مُطْلَقًا، وَمِنْهُم مَن أَبَاحَهَا، وَمِنْهُم مَن اسْتَحَبَّهَا إذَا كَانَت عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ. وَتَنَازَعُوا فِي بَعْضِ تَفْسِيرِ الْآيَاتِ وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: هَل ثَبَتَتْ عَن النَّبِيِّ ﷺ ؟ أَو لَمْ تَثْبُتْ؟ فَهَذِهِ الْأُمُورُ الْكُلِّيَّةُ لَيْسَ لِحَاكِم مِن الْحُكَّامِ كَائِنًا مَن كَانَ -وَلَو كَانَ مِن الصَّحَابَةِ- أَنْ يَحْكُمَ فِيهَا بقَوْلِهِ عَلَى مَن نَازَعَهُ فِي قَوْلِهِ، فَيَقُولُ: أَلْزَمْته أَنْ لَا يَفْعَلَ وَلَا يُفْتِيَ إلَّا بِالْقَوْلِ اَلَّذِي يُوَافِقُ لِمَذْهَبِي؛ بَل الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ للهِ وَرَسُولِهِ. وَالْحَاكِمُ وَاحِدٌ مِن الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ تَكَلَّمَ بِمَا عِنْدَهُ، وَإِذَا كَانَ عِنْدَ مُنَازِعِهِ عِلْمٌ تَكَلَّمَ بِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ وَعُرِفَ حُكْمُ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجَبَ عَلَى الْجَمِيعِ اتِّبَاعُ حُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن خَفِيَ ذَلِكَ أُقِرَّ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى قَوْلِهِ، أُقِرَّ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَقَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى

стр. 3193

مَذْهَبِهِ، وَلَمْ يَكُن لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَمْنَعَ الْآخَرَ إلَّا بِلِسَانِ الْعِلْمِ وَالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ، فَيَقُولُ مَا عِنْدَهُ مِن الْعِلْمِ. وَأَمَّا بِالْيَدِ وَالْقَهْرِ: فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ إلَّا فِي الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي يُتَحَاكَمُ فِيهَا إلَيْهِ؛ مِثْلُ مَيِّتٍ مَاتَ وَقَد تَنَازَعَ وَرَثَتُهُ فِي قَسْمِ تَرِكَتِهِ، فَيُقَسِّمُهَا بَيْنَهُم إذَا تَحَاكَمُوا إلَيْهِ، وَإِذَا حَكَمَ هُنَا بِأَحَدِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ أَلْزَمَ الْخَصْمَ بِحُكْمِهِ. وَلَمْ يَكُن لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَنَا لَا أَرْضَى حَتَّى يَحْكُمَ بِالْقَوْلِ الْآخَرِ. فَإِنَّ الْحَاكِمَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ. [٣٥/ ٣٥٧ - ٣٦٠] ٥٠١٦ - مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ لَيْسَ لِأَحَد مِن الْقُضَاةِ أَنْ يَفْصِلَ النِّزَاعَ فِيهِ بِحُكْم، وَإِذَا لَمْ يَكُن لِأَحَد مِن الْقُضَاةِ أَنْ يَقُولَ: حَكَمْت بِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الصَّحِيحُ، وَأَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ؛ بَل الْحَاكِمُ فِيمَا تَنَازَعَ فِيهِ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أو أَجْمَعُوا عَلَيْهِ: قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ كَقَوْلِ آحَادِ الْعُلَمَاءِ إنْ كَانَ عَالِمًا، وَإِن كَانَ مُقَلِّدًا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامَّةِ الْمُقَلِّدِينَ. وَالْمَنْصِبُ وَالْوِلَايَةُ لَا يَجْعَلُ مَن لَيْسَ عَالِمًا مُجْتَهِدًا عَالِمًا مُجْتَهِدًا. وَلَو كَانَ الْكَلَامُ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ بِالْوِلَايَةِ وَالْمَنْصِبِ: لَكَانَ الْخَلِيفَةُ وَالسُّلْطَانُ أَحَقَّ بِالْكَلَامِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَبِأَنْ يَسْتَفْتِيَهُ النَّاسُ وَيرْجِعُوا إلَيْهِ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِم فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ. فَإِذَا كَانَ الْخَلِيفَةُ وَالسُّلْطَانُ لَا يَدَّعِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ وَلَا يَلْزَمُ الرَّعِيَّةَ حُكمُهُ فِي ذَلِكَ بِقَوْل دُونَ قَوْلٍ إلَّا بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ: فَمَن هوَ دُونَ السُّلْطَانِ فِي الْوِلَايَةِ أَوْلَى بِأَنْ لَا يَتَعَدَّى طُورَهُ. فَكُلُّ مَن كَانَ أَعْلَمَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْكَلَامِ فِيهَا مِن غَيْرِهِ وَإِن لَمْ يَكُن حَاكِمًا، وَالْحَاكِمُ لَيْسَ لَهُ فِيهَا كَلَامٌ لِكَوْنِهِ حَاكِمًا؛ بَل إنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ تَكَلَّمَ فِيهَا كَآحَادِ الْعُلَمَاءِ. [٢٧/ ٢٩٦ - ٢٩٧] ٥٠١٧ - لَيْسَ الْمُرَادُ بِالشَّرْعِ اللَّازِمِ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ حُكْمُ الْحَاكِمِ، وَلَو كَانَ

стр. 3194

الْحَاكِمُ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ؛ بَل حُكْمُ الْحَاكِمِ الْعَالِمِ الْعَادِلِ يُلْزِمُ قَوْمًا مُعَيَّنِينَ تَحَاكَمُوا إلَيْهِ فِي قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، لَا يُلْزِمُ جَمِيعَ الْخُلُقِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى عَالِمٍ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُقَلِّدَ حَاكِمًا لَا فِي قَلِيلٍ وَلَا فِي كَثِيرٍ إذَا كَانَ قَد عَرَفَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ بَل لَا يَجِبُ عَلَى آحَادِ الْعَامَّةِ تَقْلِيدُ الْحَاكِمِ فِي شَيْءٍ؛ بَل لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَن يَجُوزُ لَهُ اسْتِفْتَاؤُهُ، وَإِن لَمْ يَكن حَاكِمًا. وَمَتَى تَرَكَ الْعَالِمُ مَا عَلِمَهُ مِن كِتَاب اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَاتَّبَعَ حُكْمَ الْحَاكِمِ الْمُخَالِفِ لِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ كَانَ مُرْتًدًّا كَافِرًا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ٣]. وَلَو ضُرِبَ وَحُبسَ وَأُوذِيَ بِأَنْوَاعِ الْأَذَى لِيَدَعَ مَا عَلِمَهُ مِن شَرْعِ اللهِ وَرَسُولِهِ الَّذِي يَجِبُ اتباعُهُ وَاتَّبَعَ حُكْمَ غَيْرِهِ: كَانَ مُسْتَحِقًّا لِعَذَابِ اللهِ؛ بَل عَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ وَإِن أُوذِيَ فِي اللهِ، فَهَذِهِ سُنَّةُ اللهِ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَأَتْبَاعِهِمْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]. وَهَذَا إذَا كَانَ الْحَاكِمُ قَد حَكَمَ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ قَد تَنَازَعَ فِيهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، فَحُكْمُ الْحَاكِمِ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ تُخَالِفُ مَا حَكَمَ بِهِ: فَعَلَى هَذَا أَنْ يَتَّبعَ مَا عَلِمَ مِن سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَيَأْمُرَ بِذَلِكَ ويُفْتِيَ بِهِ، وَيَدْعُوَ إلَيْهِ وَلَا يُقَلِّدَ الْحَاكِمَ. هَذَا كُلُّهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِن تَرَكَ الْمُسْلِمُ عَالِمًا كَانَ أَو غَيْرَ عَالِمٍ مَا عَلِمَ مِن أَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ لِقَوْلِ غَيْرِهِ: كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْعَذَاب قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]. وَإِن كَانَ ذَلِكَ الْحَاكِمُ قَد خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا النَّصُّ - مِثْل كَثِيرٍ مِن الصَّحَابَةِ

стр. 3195

وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ تَكَلَّمُوا فِي مَسَائِلَ بِاجْتِهَادِهِمْ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ تُخَالِفُ اجْتِهَادَهُم -: فَهُم مَعْذُورُونَ لِكَوْنِهِمْ اجْتَهَدُوا و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وَلَكِنْ مَن عَلِمَ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَن السُّنَّةِ إلَى غَيْرِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦]. وَمَن اتَّبَعَ مَا بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ كَانَ مَهْدِيًّا مَنْصُورًا بِنُصْرَةِ اللهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣]. وَإِذَا أَصَابَت الْعَبْدَ مُصِيبَةٌ كَانَت بِذَنْبِهِ لَا بِاتَّبَاعِهِ لِلرَّسُولِ ﷺ ؛ بَل بِاتِّبَاعِهِ لِلرَّسُولِ ﷺ يُرْحَمُ وَيُنْصَرُ وَبِذُنُوبِهِ يُعَذَّبُ وَيُخْذَلُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. فَالشَّرْعُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَتَّبِعَهُ وَيجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ نَصْرُهُ وَالْجِهَادُ عَلَيْهِ هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَأَمَّا حُكْمُ الْحَاكِمِ فَذَاكَ يُقَال لَهُ قَضَاءُ الْقَاضِي، لَيْسَ هُوَ الشَّرْعَ الَّذِي فَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ طَاعَتُهُ؛ بَل الْقَاضِي الْعَالِمُ الْعَادِلُ يُصِيبُ تَارَةً وَيُخْطِئُ تَارَةً، وَلَو حَكَمَ الْحَاكِمُ لِشَخْصٍ بِخِلَافِ الْحَقِّ فِي الْبَاطِنِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُهُ وَلَو كَانَ الْحَاكِمُ سَيِّدَ الْأَوَّلِينَ والآخرين، كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ ألحَنُ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ بِنَحْو مِمَّا أَسْمَعُ، فَمَن قَضَيْت لَهُ مِن حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُدُهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِن النَّارِ" (١)، فَهَذَا سَيِّدُ الْحُكَّامِ وَالْأُمَرَاءِ

стр. 3196

وَالْمُلُوكِ يَقُولُ: إذَا حَكَمْت لِشَخْصٍ بِشَيْءٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ فَلَا يَأْخُذُهُ. [٣٥/ ٣٧٢ - ٣٧٧] ٥٠١٨ - فَرَضَ اللهُ عَلَى وُلَاةِ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ اتِّبَاعَ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَإِذَا تَنَازَعَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ فِي شَيْءٍ مِن مَسَائِلِ الدِّينِ وَلَو كَانَ الْمُنَارعُ مِن آحَادِ طَلَبَةِ الْعِلْمِ: لَمْ يَكُن لِوُلَاةِ الْأُمُورِ أَنْ يُلْزِمُوهُ بِاتبُاعِ حُكْمِ حَاكِمٍ (١)؛ بَل عَلَيْهِم أَنْ يُبَيِّنُوا لَهُ الْحَقَّ كَمَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ لِلْجَاهِلِ الْمُتَعَلِّمُ (٢). فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ، وَظَهَرَ وَعَانَدَهُ بَعْدَ هَذَا: اسْتَحَقَّ الْعِقَابَ. وَأَمَّا مَن يَقُولُ: إنَّ الَّذِي قُلْتُه هُوَ قَوْلِي، أَو قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن الْعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَد قُلْته اجْتِهَادًا أَو تَقْلِيدًا: فَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ لَا تَجُوزُ عُقُوبَتُهُ، وَلَو كَانَ قَد أَخْطَأَ خَطَأً مُخَالِفًا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَلَو عُوقِبَ هَذَا لَعُوقِبَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ مَا مِنْهُم مِن أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ أَقْوَالٌ اجْتَهَدَ فِيهَا، أَو قَلَّدَ فِيهَا وَهُوَ مُخْطِئٌ فِيهَا، فَلَو عَاقَبَ اللهُ الْمُخْطِئَ لَعَاقَبَ جَمِيعَ الْخَلْقِ. فَالْمُفْتِي وَالْجُنْدِيُّ وَالْعَامِّيُّ إذَا تَكلَّمُوا بِالشَّيْءِ بِحَسَب اجْتِهَادِهِمْ اجْتِهَادًا أَو تَقْلِيدًا قَاصِدِينَ لِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ بِمَبْلَغِ عِلْمِهِمْ: لَا يَسْتَحِقُّونَ الْعُقوبَةَ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (٣)، وَإِن كَانُوا قَد أَخْطَؤوا خَطَأً مُجْمَعًا عَلَيْهِ. وَإِذَا قَالُوا: إنَّا قُلْنَا الْحَقَّ، وَاحْتَجُّوا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ: لَمْ يَكُن لِأَحَد مِن الْحُكَّامِ أَنْ يُلْزِمَهُم بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، وَلَا يَحْكُمَ بِأَنَّ الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْحَقُّ دُونَ قَوْلِهِمْ؛ بَل يَحْكُمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُم الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.

стр. 3197

وَالْحَقُّ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ لَا يُغَطَّى؛ بَل يُظْهَرُ، فَإِنْ ظَهَرَ رَجَعَ الْجَمِيعُ إلَيْهِ، وَإِن لَمْ يَظْهَرْ سَكَتَ هَذَا عَن هَذَا، وَسَكَتَ هَذَا عَن هَذَا. وَعَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ أَنْ يَمْنَعُوهُم مِن التَّظَالُم، فَإِذَا تَعَدَّى بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ مَنَعُوهُم الْعُدْوَانَ، وَهُم قَد أُلْزِمُوا بِمَنْعِ ظُلْمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَنْ يَكونَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ فِي بِلَادِهِمْ إذَا قَامَ بِالشُّرُوطِ الْمَشْرُوطَةِ عَلَيْهِم لَا يُلْزِمُهُ أَحَدٌ بتَرْكِ دِينِهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ دِينَهُ يُوجِبُ الْعَذَابَ، فَكَيْفَ يَسُوغُ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ أَنْ يُمَكِّنُوا طَوَائِفَ الْمُسْلِمِينَ مِن اعْتِدَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ؟ وَحُكْمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِقَولِهِ وَمَذْهَبِهِ؟ هَذَا مِمَّا يُوجِبُ تَغَيُّرَ الدُّوَلِ وَانْتِقَاضِهَا؛ فَإِنَّهُ لَا صَلَاحَ لِلْعِبَادِ عَلَى مِثْل هَذَا. وَهَذَا إذَا كَانَ الْحُكَّامُ قَد حَكَمُوا فِي مَسْأَلَةٍ فِيهَا اجْتِهَادٌ وَنِزَاعُ مَعْرُوفٌ. فَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ الَّذِي قَد حَكَمُوا بِهِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا هُوَ مَذْهَبُ أَئِمَّتِهِم الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِمْ، وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَا فِيهِ آيَةٌ مِن كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ؛ بَل قَوْلُهُم يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ الْأَئِمَّةِ: فَكَيْفَ يَحِلُّ مَعَ هَذَا أَنْ يُلْزَمَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِاتِّبَاعِ هَذَا الْقَوْلِ، وَينْفُذُ فِيهِ هَذَا الْحُكْمُ الْمُخَالِفُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَأَنْ يُقَالَ: الْقَوْلُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَأَقْوَالُ السَّلَفِ لَا يُقَالُ وَلَا يُفْتَى بِهِ؛ بَل يُعَاقَبُ ويُؤْذَى مَن أَفْتَى بِهِ وَمَن تَكَلَّمَ بِهِ وَغَيْرُهُم، ويُؤْذَى الْمُسْلِمُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ لِكَوْنِهِم اتَّبَعُوا مَا عَلِمُوهُ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ، وَإِن كَانَ قَد خَفِيَ عَلَى غَيْرِهِمْ؟ وَهُمْ (١) يَعْذِرُونَ مَن خَفِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَا يُلْزِمُونَ بِاتِّبَاعِهِمْ، وَلَا يَعْتَدُونَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُعَانُ مَن لَا يَعْرِفُ الْحَقَّ؛ بَل يُحْكَمُ بِالْجَهْلِ وَالظُّلْمِ، وَيُلْزَمُ مَن

стр. 3198

عَرَفَ مَا عَرَفَهُ مِن شَرِيعَةِ الرَّسُولِ أَنْ يَتْرُكَ مَا عَلِمَهُ مِن شَرْعِ الرَّسُولِ ﷺ لِأَجْلِ هَذَا؟ لَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى وَعِنْدَ مَلَائِكَتِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَعِبَادِهِ، وَاللهُ لَا يَغْفُلُ عَن مِثْل هَذَا. [٣٥/ ٣٧٨ - ٣٨١] ٥٠١٩ - لَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكمَ بِأَنَّ هَذَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَنَّ هَذَا الْعَمَلَ طَاعَةٌ أَو قُرْبَةٌ، أَو لَيْسَ بِطَاعَة وَلَا قُرْبَةٍ، وَلَا بِأَنَّ السَّفَرَ إلَى الْمَسَاجِدِ وَالْقُبُورِ وَقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ يُشْرَعُ أَو لَا يُشْرَعُ، لَيْسَ لِلْحُكَّامِ فِي هَذَا مَدْخَلٌ، إلَّا كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ غَيْرُهُم مِن الْمُسْلِمِينَ؛ بَل الْكَلَامُ فِي هَذَا لِجَمِيعِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَمَن كَانَ عِنْدَهُ عِلْم تَكَلَّمَ بِمَا عِنْدَهُ مِن الْعِلْمِ. وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى عَالِمٍ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (١)؛ بَل يُبَيِّنُ لَهُ أَنَّهُ قَد أَخْطَأَ: - فَإِنْ بَيَّنَ لَهُ بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَجِبُ قَبُولُهَا أَنَّهُ قَد أَخْطَأَ، وَظَهَرَ خَطَؤُهُ لِلنَّاسِ وَلَمْ يَرْجِعْ بَل أَصَرَّ عَلَى إظْهَارِ مَا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالدُّعَاءَ إلَى ذَلِكَ: وَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِن ذَلِكَ وَيُعَاقَبَ إنْ لَمْ يَمْتَنِعْ. - وَأَمَّا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ ذَلِكَ بالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ: لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتُهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا مَنْعُهُ مِن ذَلِكَ الْقَوْلِ (٢). فَإِنَّ اللهَ إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعَ الرَّسُولِ وَطَاعَتَهُ، وَاتِّبَاعَ حُكْمِهِ وَأَمْرِهِ وَشَرْعِهِ وَدِينِهِ، وَهُوَ حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَهُوَ الَّذِي فَرَّقَ اللهُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالرَّشَادِ وَالْغَيِّ. [٣٥/ ٣٨٢ - ٣٨٣] ٥٠٢٠ - عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ: "إنَّهُ قَد كانَ فِي

стр. 3199

الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُن فِي أمّتي أَحَدٌ فَعُمَرُ" (١)، وَمَعَ هَذَا فَمَا كَانَ يُلْزِمُ أَحَدًا بِقَوْلِهِ، وَلَا يَحْكُمُ فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ؛ بَل كَانَ يُشَاوِرُ الصَّحَابَةَ ويُرَاجَعُ (٢)؛ فَتَارَةً يَقُولُ قَوْلًا فَتَرُدُّهُ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ فَيَرْجِعُ إلَيْهَا .. وَقَالَ: امْرَأَة أَصَابَتْ وَرَجُلٌ أَخْطَأَ. وَكَانَ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ مِثْل مَسائِلِ الْفَرَائِضِ وَالطَّلَاقِ يَرَى رَأْيًا، وَيرَى عَلِي بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَأْيًا، وَيَرَى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَأْيًا، وَيرَى زيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَأْيًا، فَلَمْ يُلْزِمْ أَحَدًا أَنْ يَأْخُذَ بِقَوْلِهِ؛ بَل كُلٌّ مِنْهُم يُفْتِي بِقَوْلِهِ، وَعُمَرُ ﵁ إمَامُ الْأُمَّةِ كُلُّهَا وَأَعْلَمُهُم وأدينهم وَأَفْضَلُهُمْ، فَكَيْفَ يَكونُ وَاحِدٌ مِن الْحُكَّامِ خَيْرًا مِن عُمَرَ!! وَاللهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ وَاحِدٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إذَا خِيفَ الشِّقَاقُ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا الظَّالِمُ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ؛ بَل أَمَرَ بِحُكْمَيْنِ، وَأَلَا يَكُونَا مُتَّهَمَيْنِ؛ بَل حَكَمًا مِن أَهْلِ الرَّجُلِ وَحَكَمًا مِن أَهْلِ الْمَرْأَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ [النساء: ٣٥]؛ أَيْ: الْحَكَمَيْنِ، ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥]؛ أَيْ: بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ. فَإِنْ رَأَيَا الْمَصْلَحَةَ أَنْ يَجْمَعَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ جَمَعَا، وَإِن رَأَيَا الْمَصْلَحَةَ أَنْ يُفَرِّقَا بَيْنَهُمَا فَرَّقَا. فَهُنَا لَمَّا اشْتَبَهَ الْحَقُّ لَمْ يَجْعَل اللهُ الْحُكْمَ لِوَاحِد، وَهُوَ فِي قَضِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ

стр. 3200

بَيْنَ زَوْجَيْنِ (١). وَلَو حَكَمَ حَاكِمٌ وَاحِدٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي أَمْرٍ ظَاهِرٍ لَمْ ينفذْ حُكْمُهُ بِاتّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَكيْفَ بِأُمُورِ الدِّينِ وَالْعِبَادَاتِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَد اشْتَبَهَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِن النَّاسِ؟ هَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحْكُمُ فِيهِ إلَّا اللهُ وَرَسُولُهُ، فَمَن كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ بَيَّنَهُ وَأَوْضَحَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمُونَ إذَا عَرَفُوا شَرْعَ نَبِيِّهِمْ لَمْ يَعْدِلُوا عَنْهُ. وَإِن كَانَ كلُّ قَوْمٍ يَقُولُونَ: عِنْدَنَا عِلْمٌ مِن الرَّسُولِ، وَلَمْ يَكُن هُنَاكَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ يُجْمَعُونَ فِيمَا تَنَازَعُوا فِيهِ: كَانَ أَحَدُ الْحِزْبَيْنِ لَهُم أَجْرَانِ وَالْآخَرُونَ لَهُم أَجْرٌ وَاحِدٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩]. وَوَليُّ الْأَمْرِ: - إنْ عَرَفَ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ: حَكَمَ بَيْنَ النَّاسِ بِهِ. - وَإِن لَمْ يَعْرِفْهُ وَأَمْكنَهُ أَنْ يَعْلَمَ مَا يَقُولُ هَذَا وَمَا يَقُولُ هَذَا حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ: حَكَمَ بِهِ. - وَإِن لَمْ يُمْكِنْهُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا: تَرَكَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا هُم عَلَيْهِ، كُلٌّ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ أَحَدًا بِقَبُولِ قَوْلِ غَيْرِهِ وَإِن كَانَ حَاكِمًا. وَإِذَا خَرَجَ وُلَاةُ الْأُمُورِ عَن هَذَا: فَقَد حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَوَقَعَ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إلَّا وَقَعَ بَأْسُهُم

стр. 3201

بَيْنَهُم" (١)، وَهَذَا مِن أَعْظَمِ أَسْبَابِ تَغْيِيرِ الدُّوَلِ، كَمَا قَد جَرَى مِثْلُ هَذَا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي زَمَانِنَا وَغَيْرِ زَمَانِنَا. وَمَن أَرَادَ اللهُ سَعَادَتَهُ: جَعَلَهُ يَعْتَبِرُ بِمَا أَصَابَ غَيْرَهُ، فَيَسْلُكُ مَسْلَكَ مَن أَيَّدَهُ اللهُ وَنَصَرَهُ، وَيجْتَنِبُ مَسْلَكَ مَن خَذَلَهُ اللهُ وَأَهَانَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠، ٤١]، فَقَد وَعَدَ اللهُ بِنَصْرِ مَن يَنْصُرُهُ، وَنَصْرُهُ هُوَ نَصْرُ كِتَابِهِ وَدِينِهِ وَرَسُولِهِ، لَا نَصْرُ مَن يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، وَيتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَعْلَمُ. فَإِنَّ الْحَاكِمَ إذَا كَانَ دَيِّنًا لَكِنَّهُ حَكَمَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مِن أَهْلِ النَّارِ، وَإِن كَانَ عَالِمًا لَكِنَّهُ حَكَمَ بِخِلَافِ الْحَقِّ الَّذِي يَعْلَمُهُ كَانَ مِن أَهْلِ النَّارِ، وَإِذَا حَكَمَ بِلَا عَدْلٍ وَلَا عِلْمٍ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مِن أَهْلِ النَّارِ. وَهَذَا إذَا حَكَمَ فِي قَضِيَّةٍ مُعَيّنةٍ لِشَخْصِ. وَأَمَّا إذَا حَكَمَ حُكْمًا عَامًّا فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ فَجَعَلَ الْحَقَّ بَاطِلًا وَالْبَاطِلَ حَقًّا، وَالسُّنَّةَ بِدْعَةً وَالْبِدْعَةَ سُنَةً، وَالْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا، وَنَهَى عَمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَأَمَرَ بِمَا نَهَى اللهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ: فَهَذَا لَوْنٌ آخَرُ، يَحْكُمُ فِيهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ. [٣٥/ ٣٨٤ - ٣٨٨] ٥٠٢١ - الْأُمَّةُ إذَا تَنَازَعَتْ -فِي مَعْنَى آيَةٍ أَو حَدِيثٍ أَو حُكْمٍ خَبَرِيٍّ أَو طَلَبِيٍّ-: لَمْ يَكُن صِحَّةُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَفَسَادُ الْآخَرِ ثَابِتًا بِمُجَرَّدِ حُكْمِ حَاكِمٍ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُنَفَّذُ حُكْمُهُ فِي الْأُمُورِ الْمُعَيَّنةِ دُونَ الْعَامَّةِ. وَلَو جَازَ هَذَا لَجَازَ أَنْ يَحْكُمَ حَاكِمٌ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] هُوَ الْحَيْضُ وَالْأَطْهَارُ، وَيكُونُ هَذَا حُكْمًا يلزمُ جَمِيعَ النَّاسِ قَوْلُهُ .. وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ.

стр. 3202

وَاَلَّذِي عَلَى السُّلْطَانِ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ بَيْنَ الْأُمَّةِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: أ - إمَّا أَنْ يَحْمِلَهُم كُلَّهُم عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]. وَإِذَا تَنَازَعُوا فَهِمَ كلَامهُم إنْ كَانَ مِمَن يُمْكِنُهُ فَهْمُ الْحَقِّ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ دَعا النَّاسَ إلَيْهِ. ب - وَأَنْ يُقِرَّ النَّاسَ عَلَى مَا هُم عَلَيْهِ، كَمَا يُقِرَّهُم عَلَى مَذَاهِبِهِم الْعَمَلِيَّةِ. فَأَمَّا إذَا كَانَت الْبِدْعَةُ ظَاهِرَةً -تَعْرِفُ الْعَامَّةُ أَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلشَّرِيعَةِ- كَبِدْعَةِ الْخَوَارجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْقَدَرَيَّةِ وَالْجَهْمِيَّة: فَهَذِهِ عَلَى السُّلْطَانِ إنْكَارُهَا؛ لِأَنَّ عِلْمَهَا عَامٌّ. كَمَا عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ عَلَى مَن يَسْتَحِلُّ الْفَوَاحِشَ وَالْخَمْرَ وَتَرْكَ الصَّلَاةِ وَنَحْو ذَلِكَ. وَمَعَ هَذَا فَقَدَ يَكْثُرُ أَهْلُ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ فِي بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ حَتَّى يَصِيرَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ كَلَامِهِمْ مُكَافِئًا -عِنْدَ الْجُهَّالِ- لِكَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ، حَتَّى يَشْتَبِهَ الْأَمْرُ عَلَى مَن يَتَوَلَّى أَمْرَ هَؤُلَاءِ، فَيَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى مَن يَقُومُ بِإِظْهَارِ حُجَّةِ اللهِ وَتَبْيِينِهَا حَتَّى تَكُونَ الْعُقُوبَةُ بَعْدَ الْحُجَّةِ. وَإِلَّا فَالْعُقُوبَةُ قَبْلَ الْحُجَّه لَيْسَتْ مَشْرُوعَة، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]. وَأَمَّا إلْزَامُ السُّلْطَانِ فِي مَسَائِلِ النِّزَاعِ بِالْتِزَامِ قَوْلٍ بِلَا حُجَّةٍ مِن الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُفِيدُ حُكْمُ حَاكِمٍ بِصِحَّةِ قَوْلٍ دُونَ قَوْلٍ فِي مِثْل ذَلِكَ، إلَّا إذَا كَانَ مَعَهُ حُجَّةٌ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهَا، فَيَكُونُ كَلَامُهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَبَعْدَهَا سَوَاءً، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْكُتُبِ الَّتِي يُصَنِّفُهَا فِي الْعِلْمِ. نَعَمْ، الْوِلَايَةُ قَد تُمَكِّنُهُ مِن قَوْلِ حَقٍّ وَنَشْرِ عِلْمٍ قَد كَانَ يَعْجِزُ عَنْهُ بِدُونِهَا، وَبَابُ الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ غَيْرُ بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ وَعَدَمِهِ.

стр. 3203

نَعَمْ، لِلْحَاكِمِ إثْبَاتُ مَا قَالَهُ زَيْدٌ أَو عَمْرٌو، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مُخْتَصًّا بِهِ كَانَ مِمَّا يَحْكُمُ فِيهِ الْحُكَّامُ. وَإِن كَانَ مِن الْأَقْوَالِ الْعَامَّةِ كَانَ مِن بَابِ مَذَاهِبِ النَّاسِ. فَأَمَّا كَوْنُ هَذَا الْقَوْلِ ثَابِتًا عِنْدَ زَيْدٍ بِبَيِّنَةٍ أَو إقْرَارٍ أَو خَطٍّ: فَهَذَا يَتَعَلَّقُ بِالْحُكَّامِ. [٣/ ٢٣٨ - ٢٤١] * * * (باب آداب القاضي) ٥٠٢٢ - أجمع المسلمون على أن الحاكم ليس له أن يقبل الرشوة، سواء حكم بحق أو بباطل، ولا يحكم لنفسه. [المستدرك ٥/ ١٦٣] ٥٠٢٣ - ليس للحاكم أن يكون له وكيل يُعْرَف أنه وكيله يتجر له في بلاد عمله، وإذا عُرف أن الحاكم بهذه المثابة فإنه يُنهى عن ذلك، فإن انتهى وإلا استبدل به من هو أصلح منه إن أمكن. [المستدرك ٥/ ١٦٣] ٥٠٢٤ - إذا فصلَ الحكومةَ بينَهُ وبين غريمِهِ حاكِمٌ نافذُ الحكمِ في الشرع لعلمه ودينه: لم يكن لغريمه أن يحاكم عند حاكم آخر. [المستدرك ٥/ ١٦٣] ٥٠٢٥ - من ادعى أن بعض الحكام أخذ منه شيئًا وكان الرجل معروفًا بالصدق: فله على الحاكم اليمين. وإن كان غيره من الصادقين، وقد قال مثل قوله: لم ترد أخبار الصادقين؛ بل ينبغي عزل الحاكم. وإن كان الحاكم معروفًا بالأمانة والرجل فاجرًا: لم يلتفت إلى قوله وعزر. وإن كان كل منهما متهمًا: فله تحليفه ولا يعزر. [المستدرك ٥/ ١٦٣] ٥٠٢٦ - الأشبه أنه لا يكره للحاكم شراء ما يحتاجه، ما لم يكن في شرائه

стр. 3204

مظنة المحاباة والاستغلال والتبذّل (١). [المستدرك ٥/ ١٦٣] ٥٠٢٧ - قال القاضي في التعليق: قاس المخالف القاضي على المفتي في مباشرة البيع، قال القاضي: أما المفتي فإنه لا يحابى في العادة، والقاضي بخلافه، ولا يكره له البيع في مجلس فتياه، ولا يكره له قبول الهدية بخلاف القاضي. قال أبو العباس: هذا فيه نظر وتفصيل؛ فإن العالم شبيه في هديته ومعاملته بالقاضي [من بعض الوجوه] (٢). والعالم لا يعتاض عن (٣) تعليمه. [المستدرك ٥/ ١٦٣ - ١٦٤] ٥٠٢٨ - لا يمضي حكم العدو على عدوه، كما لا تقبل شهادته عليه؛ بل يترافعان إلى حاكم آخر. [المستدرك ٥/ ١٦٤] ٥٠٢٩ - ليس للحاكم منع الناس مما أباحه الله ورسوله مثل: أن يمنع أن يزوج المرأة وليها، أو يمنع الشهود أو غيرهم من كتابة مهرها. وإذا منع القاضي ذلك ليصل إليه منافع هذه الأمور: كان هذا من المكس، نظير من يستأجر حانوتًا في القرية على ألا يبيع غيره. [المستدرك ٥/ ١٦٤] ٥٠٣٠ - إذا حبست زوجها على الحق: فله عديها ما كان يجب قبل الحبس من إسكانها حيث شاء ومنعها الخروج، فإذا أمكن حبسه في مكان تكون هي عنده تمنعه من الخروج فعل ذلك، فإنه ليس للغريم منع المحبوس من حوائجه إذا احتاج؛ بل يخرجه ويلازمه مثل: غسل الجنابة، نحوه، والزوج له منعها مطلقًا. [المستدرك ٥/ ١٦٤ - ١٦٥]

стр. 3205

٥٠٣١ - فعل الحاكم حكم في أصح الوجهين في مذهب أحمد وغيره. [المستدرك ٥/ ١٦٦] ٥٠٣٢ - خبره في غير محل ولايته كخبره في غيره زمن ولايته. ونظير إخبار القاضي بعد عزله إخبار أمير الغزو أو الجهاد بعد عزله بما فعله. [المستدرك ٥/ ١٦٦] ٥٠٣٣ - يجوز للحنفي الحاكم أن يستنيب شافعيًّا يحكم باجتهاده، وإن خالف اجتهاد مستنيبه، ولو شرط عليه أن يحكم بقول مستنيبه لم يجز هذا الشرط. وأيضًا: إذا رأى المستنيب قول بعض الأئمة أرجح من بعض لم يجز له أن يحكم بالمرجوح؛ بل عليه أن يحكم بالراجح، فكيف لا يكون له أن يستنيب من يحكم بالراجح، وإن خالف قول إمامه؟ وليس على الخلق لا القضاة ولا غيرهم أن يطيعوا أحدًا في كل ما يأمر به وينهى عنه إلا رسول الله ﷺ ، ومن سواه من الأئمة فإنه يؤخذ من قوله ويترك، فيجوز لكل من الحكام أن يستنيب من يخالفه في مذهبه ليحكم بما أنزل الله. [المستدرك ٥/ ١٦٦ - ١٦٧] ٥٠٣٤ - قال أصحابنا: ولا ينقض الحاكم حكم نفسه ولا غيره إلا أن يخالف نصًّا أو إجماعًا. قال أبو العباس: ويفرق في هذا بين ما إذا استوفى المحكوم له الحق الذي ثبت له من المال، أو لم يستوف، فإن استوفى فلا كلام، وإن لم يستوف: فالذي ينبغي نقض حكمه نفسه والإشارة على غيره بالنقض. [المستدرك ٥/ ١٦٧] ٥٠٣٥ - إذا رفع إليه الخصمان عقدًا فاسدًا عنده فقط، وأقَرَّا (١) بأنَّ نافِذَ

стр. 3206

الحكم حَكَم بصحته: فله إلزامهما بذلك وردُّه، والحكم بمذهبه، وقال شيخنا: قد يقال: قياس المذهب أنه كالبينة، ثم ذكر أنه كبينة إن عيَّنَا الحاكم. [المستدرك ٥/ ١٦٩] ٥٠٣٦ - إذا حكم أحد الخصمين على خصمه: جاز؛ لقصة ابن مسعود؛ وكذا إذا حكم مفت في مسألة اجتهادية. وهل يفتقر ذلك إلى تعيين الخصمين أو حضورهما، أو يكفي وصف القصة له؟ الأشبه أنه لا يفتقر؛ بل إذا تراضيا بقوله في قضية موصوفة مطابقة لقضيتهم فقد لزمه، فإن أراد أحدهما الامتناع فإن كان قبل الشروع فينبغي جوازه، وإن كان بعد الشروع لم يملك الامتناع؛ لأنه إذا استشعر بالغلبة امتنع فلا يحصل المقصود. [المستدرك ٥/ ١٦٩] ٥٠٣٧ - إن حكما بينهما من يصلح للقضاء: نفذ حكمه، وهو كحاكم الإمام، وعنه: ينفذ في قود وحد قذف ولعان ونكاح، وظاهر كلامه ينفذ في غير فرج، واختار شيخنا نفوذ حكمه بعد حكم حاكم لا إمام، وأنه إن حكَّم أحدهما خصمه أو حكمًا مفتيًا في مسألة اجتهادية: جاز. [المستدرك ٥/ ١٦٩] * * * (باب طريق الحكم وصفته) ٥٠٣٨ - ظاهر قوله: "فإذا أحضرها سمعها الحاكم وحكم": أن الشهادة لا تسمع قبل الدعوى، فإن كان الحق لآدمي معين فالصحيح من المذهب أنها لا تسمع قبل الدعوى .. قال الشيخ تقي الدين ﵀: تسمع ولو كان في البلد. [المستدرك ٥/ ١٧٠ - ١٧١] ٥٠٣٩ - "والوصية مثل الوكالة"، قال الشيخ تقي الدين ﵀: الوكالة إنما تُثبت استيفاء حق أو إبقاءه. [المستدرك ٥/ ١٧١] ٥٠٤٠ - تُسمع البيِّنة قبل الدعوى في كل حق لآدمي غير معين: كالوقف

стр. 3207

على الفقراء، أو على مسجد، أو رباط، أو وصية لأحدهما، قال الشيخ تقي الدين ﵀: وكذا عقوبة كذاب مفتر على الناس، والمتكلم فيهم. [المستدرك ٥/ ١٧١] ٥٠٤١ - قال الشيخ تقي الدين ﵀ في حفظ وقف وغيره بالثبات عن خصم مقدر: تسمع الدعوى والشهادة فيه بلا خصم. [المستدرك ٥/ ١٧١] ٥٠٤٢ - قال ابن القيم ﵀: [النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ الْيَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي إذَا أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا، لِقُوَّةِ جَانِبِهِ بِالشَّاهِدِ، وَمَكَّنَهُ مِن الْيَمِينِ بِغَيْرِ بَذْلِ خَصْمِهِ وَرِضَاهُ، وَحَكَمَ لَهُ بِهَا مَعَ شَاهِدِهِ، فَلَأَنْ يُحْكمَ بِهِ بِالْيَمِينِ الَّتِي يَبْذُلُهَا خَصْمُهُ مَعَ قُوَّةِ جَانِبِهِ بِنكُولِ خَصْمِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَهَذَا مِمَّا لَا يَشُكُّ فِيهِ مَن لَهُ حَوْضٌ فِي حُكْمِ الشَّرِيعَةِ وَعِلَلِهَا وَمَقَاصِدِهَا. وَلهَذَا شُرِعَت الْأَيْمَانُ فِي الْقَسَامَةِ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي، لِقُوَّةِ جَانِبِهِ بِاللَّوْثِ. وَهَذِهِ هِيَ الْمَوَاضِعُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي اسْتَثْنَاهَا مُنْكِرُو الْقِيَاسِ] (١). وَلَمَّا كَانَت أَفْهَامُ الصَّحَابَةِ ﵃ فَوْقَ أَفْهَامِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَعِلْمُهمْ بِمَقَاصِدِ نَبِيِّهِمْ ﷺ وَقَوَاعِدِ دِينِهِ وَشَرْعِهِ، أَتَمَّ مِن عِلْمِ كُلِّ مَن جَاءَ بَعْدَهُمْ: عَدَلُوا عَن ذَلِكَ إلَى غَيْرِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ، وَحَكَمُوا بِالرَّدِّ مَعَ النُّكُولِ فِي مَوْضِعٍ، وَبِالنُّكُولِ وَحْدَهُ فِي مَوْضِعٍ. وَهَذَا مِن كَمَالِ فَهْمِهِمْ وَعِلْمِهِمْ بِالْجَامِعِ وَالْفَارِقِ وَالْحِكَمِ وَالْمُنَاسَبَاتِ، وَلَمْ يَرْتَضوا لِأَنْفُسِهِمْ عِبَارَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاصْطِلَاحَاتهمْ وَتَكَلُّفَاتِهِمْ، فَهُم كَانُوا أَعْمَقَ الْأُمَّةِ عِلْمًا، وَأَقَلَّهُم تَكَلُّفًا.

стр. 3208

وَالْمُتَأَخِّرُونَ عَكْسُهُم فِي الْأَمْرَيْنِ. فَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: "احْلِف بِاللهِ لَقَد بِعْت الْعَبْدَ وَمَا بِهِ دَاءٌ عَلِمْتَهُ"، فَأَبَى. فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ، وَلَمْ يَرُدَّ الْيَمِينَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى الْمُدَّعِي، وَيقُولُ لَهُ: احْلِفْ أَنْتَ أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْلَمَهُ الْمُدَّعِي، وَيُمْكِنُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهُ، فَإِذَا لَمْ يَحْلِف الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يُكَلَّف الْمُدَّعِي الْيَمِينَ. فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ قَد بَاعَهُ بِالْبَرَاءَةِ مِن الْعُيُوبِ، وَهُوَ إنَّمَا يَبْرَأُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ، فَقَالَ لَهُ: "احْلِفْ أَنَّكَ بِعْتَهُ وَمَا بِهِ عَيْبٌ تَعْلَمُهُ". وَهَذَا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ دُونَ الْمُدَّعِي، فَإِنَّهُ قَد تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ: أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِالْعَيْبِ، وَأَنَّهُ كَتَمَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ. وَأَمَّا أَثَرُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَوْلُ الْمِقْدَادِ: "احْلِفْ أَنَّهَا سَبْعَةُ آلَافٍ"، فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ، فَلَمْ يَحْكُمْ لَهُ بِنُكُولِ عُثْمَانَ: فَوَجْهُهُ: أَنَّ الْمُقْرِضَ إنْ كَانَ عَالِمًا بِصِدْقِ نَفْسِهِ وَصِحَّةِ دَعْوَاهُ: حَلَفَ وَأَخَذَهُ، وَإِن لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ: لَمْ تَحِلَّ لَهُ الدَّعْوَى بِمَا لَا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ، فَإِذَا نَكَلَ عَن الْيَمِينِ لَمْ يَقْضِ لَهُ بِمُجَرَّدِ نُكُولِ خَصْمِهِ؛ إذ خَصْمُهُ قَد لَا يَكُونُ عَالِمًا بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ، فَإِذَا قَالَ لِلْمُدَّعِي: إنْ كُنْتَ عَالِمًا بِصِحَّةِ دَعْوَاكَ فَاحْلِفْ وَخُذْ: فَقَد أَنْصَفَهُ جدّ الْإِنْصَافِ. فَلَا أَحْسَنَ مِمَّا قَضَى بِهِ الصَّحَابَةُ ﵃، وَهَذَا التَّفْصِيلُ فِي الْمَسْأَلَةِ هُوَ الْحَقُّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا قَدَّسَ اللهُ رَوْحَهُ. [المستدرك ٥/ ١٧٣ - ١٧٤] ٥٠٤٣ - الخط كاللفظ إذا ثبت أنه كان عنده على سبيل الوديعة، أو أنه قبضه أخذ بالخط، كما لو تلفظ بذلك، ولو أن يأخذ منه ما أخذه إذا كانت الوديعة قد تلفت بغير تفريط. [المستدرك ٥/ ١٧٤] ٥٠٤٤ - ظاهر كلام أبي العباس صحة الدعوى على المبهم؛ كدعوى

стр. 3209

الأنصار على اليهود قتل صاحبهم ودعوى المسروق منه على بني أبيرق وغيرهم. [المستدرك ٥/ ١٧٥] ٥٠٤٥ - يُقْبل في الترجمة والجرح والتعديل والتعريف والرسالة: قول عدل واحد، وهو رواية عن أحمد. ويُقبل الجرح والتعديل: باستفاضة. [المستدرك ٥/ ١٧٧] ٥٠٤٦ - للمحكوم عليه أن يطالب الحاكم عليه بتسمية البينة؛ ليتمكن من القدح فيها بالاتفاق. [المستدرك ٥/ ١٧٨] ٥٠٤٧ - يلزم الحاكم أن يكتب للمدَّعى عليه إذا ثبتت براءته محضرًا بذلك إن تضرر بتركه. [المستدرك ٥/ ١٧٨] ٥٠٤٨ - اختلفت الرواية عن أحمد فيما لو حكم الحاكم بما يرى المحكوم له تحريمه فهل يباح له بالحكم؟ على روايتين، والتحقيق في هذا: أنه ليس للرجل أن يطلب من الإمام ما يرى أنه حرام، ومن فعل هذا فقد فعل ما يعتقد تحريمه، وهذا لا يجوز لكن لو كان الطالب غيره، أو ابتدأ الإمام بحكمه أو قسمه فهنا يتوجه القول بالحل. [المستدرك ٥/ ١٧٨] ٥٠٤٩ - العمل بالخط مذهب قوي؛ بل هو قول جمهور السلف، وإذا رأى الرجل بخط أبيه حقًّا له وهو يعلم صدقه جاز له أن يدعيه ويحلف عليه. [المستدرك ٥/ ١٧٩] ٥٠٥٠ - إذا أمكن القاضي أن يرسل إلى الغائب رسولًا، ويكتب إليه الكتاب والدعوى، ويجاب عن الدعوى بالكتاب والرسول: فهذا هو الذي ينبغي، كما فعل النبي ﷺ بمكاتبة اليهود لما ادعى الأنصار عليهم قتل صاحبهم، وكاتبهم ولم يحضرهم. وهكذا ينبغي أن يكون في كل غائب طلب إقراره أو إنكاره إذا لم يُقم الطالب بينة، وإن أقام بينة فمن الممكن أيضًا أن يقال: إذا كان الخصم في

стр. 3210

البلد لم يجب عليه حضور مجلس الحاكم؛ بل يقول: أرسلوا إلي من يعلمني بما يدعي به علي. واذا كان لا بد للقاضي من رسول إلى الخصم يبلغه الدعوى ويحضره: فيجوز أن يقام مقامه رسول؛ فإن المقصود من حضور الخصم سماع الدعوى ورد الجواب بإقرار أو إنكار. [المستدرك ٥/ ١٨٠] * * * (باب كتاب القاضي إلى القاضي) ٥٠٥١ - يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص. [المستدرك ٥/ ١٨١] ٥٠٥٢ - المحكوم به إن كان عينًا في بلد الحاكم: فإنه يسلمه إلى المدعي، ولا حاجة إلى كتاب. [المستدرك ٥/ ١٨١] وأما إن كان دينًا أو عينًا في بلد أخرى: فهنا يقف على الكتاب. ٥٠٥٣ - لو قيل: إنما نحكم على الغائب إذا كان المحكوم به حاضرًا؛ لأن فيه فائدة وهي تسليمه، وأما إذا كان المحكوم به غائبًا فينبغي أن يكاتب الحاكم بما ثبت عنده من شهادة الشهود حتى يكون الحكم في بلد التسليم: لكان متوجها. [المستدرك ٥/ ١٨١] ٥٠٥٤ - من عرف خطه بإقرار أو إنشاء أو عقد أو شهادة: عمل به كالميت، فإن حضر وأنكر مضمونه: فكاعترافه بالصوت وإنكاره مضمونه. [المستدرك ٥/ ١٨٢] ٥٠٥٥ - اتفق العلماء على أنه يشهد على الشخص إذا عرف صوته مع إمكان الاشتباه، وجوز الجمهور كمالك وأحمد الشهادة على الصوت من غير

стр. 3211

رؤية المشهود عليه، والشهادة على الخط أضعف، لكن جوازه قوي أقوى من منعه، وكتابه في غير عمله أو بعد عزله كخبره. [المستدرك ٥/ ١٨٢] * * * (أقسام الدعاوى، ومعنى البيِّنة) ٥٠٥٦ - الدَّعَاوَى قِسْمَانِ: أ - دَعْوَى تُهْمَةٍ. ب - وَغَيْرِ تُهْمَةٍ. فَدَعْوَى التُّهْمَةِ: أَنْ يَدَّعِيَ فِعْلًا يَحْرُمُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، يُوجِبُ عُقُوبَتَهُ؛ مِثْل قَتْلٍ، أَو قَطْعِ طَرِيقٍ، أَو سَرِقَةٍ، أَو غَيْرِ ذَلِكَ مِن أَنْوَاعِ الْعُدْوَانِ الْمُحَرَّمِ؛ كَاَلَّذِي يَسْتَخْفِي بِهِ بِمَا يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنةِ عَلَيْهِ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ فِي الْعَادَةِ. وَغَيْرُ التُّهْمَةِ: أَنْ يَدَّعِيَ دَعْوَى عَقْدٍ مِن بَيْعٍ، أَو قَرْضٍ، لَا يَكُونُ فِيهَا سَبَبُ فِعْلٍ مُحَرَّمٍ. فَكُلُّ مِن الْقِسْمَيْنِ: أ - قد يَكُونُ دَعْوَى حَدٍّ (١) للهِ مَحْضٌ كَالشُّرْبِ وَالزِّنَا. ب - وَقَد يَكُونُ حَقًّا مَحْضًا لِآدَمِيِّ كَالْأَمْوَالِ. ج - وَقَد يَكُونُ فِيهِ الْأَمْرَانِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ. فَهَذَانِ الْقِسْمَانِ إذَا أَقَامَ الْمُدَّعِيَ فِيهِ حُجَّةً شَرْعِيَّةً وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَو يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُم لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالِهِمْ؛ وَلَكِنَّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٢).

стр. 3212

فَهَذَا الْحَدِيثُ نَصَّ أَنَّ أَحَدًا لَا يُعْطَى بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ. وَنَصَّ فِي أَنَّ الدَّعْوَى الْمُتَضَمِّنَةَ لِلْإِعْطَاءِ تَجِبُ فِيهَا الْيَمِينُ ابْتِدَاءً عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الدَّعَاوَى الْمُوجِبَةَ لِلْعُقُوبَاتِ لَا تُوجِبُ إلَّا الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (١). وَقَد ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (٢) عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِشَاهِد وَيمِينٍ. [وَابْنُ عَبَّاسٍ هُوَ الَّذِي رَوَى عَن النَّبِيِّ ﷺ : "أنَّهُ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" وَهُوَ الَّذِي: رَوَى أَنَّهُ "قَضَى بِالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ" وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ؛ بَل هَذَا فِي دَعْوَى، وَهَذَا فِي دَعْوَى] (٣). وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ: "الْبَيِّنَةُ عَلَى مَن ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَن أَنْكَرَ" (٤): فَهَذَا قَد رُوِيَ، وَلَكِنْ لَيْسَ إسْنَادُهُ فِي الصَّحَّةِ وَالشُّهْرَةِ مِثْل غَيْرِهِ، وَلَا رَوَاهُ عَامَّةُ أَصْحَابِ السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ، وَلَا قَالَ بِعُمُومِهِ أَحَدٌ مِن عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، إلَّا طَائِفَةٌ مِن فُقَهَاءِ الْكوفَةِ، مِثْل أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُم يَرَوْنَ الْيَمِينَ دَائِمًا فِي جَانِبِ الْمُنْكِرِ، حَتَّى فِي الْقَسَامَةِ، يُحَلِّفُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَا يَقْضُونَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَلَا يَرُدُّونَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي عِنْدَ النُّكُولِ، وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ.

стр. 3213

وَأَمَّا سَائِرُ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ -مِن أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالشَّامِ وَفُقَهَاءِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ، مِثْل ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ-: فَتَارَةً يُحَلِّفُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، كَمَا جَاءَت بِذَلِكَ السُّنَّةُ. وَالْأَصْلُ عِنْدَهُمْ: أَنَّ الْيَمِينَ مَشْرُوعَةٌ فِي أَقْوَى الْجَانِبَيْنِ. وَأَجَابُوا عَن ذَلِكَ الْحَدِيثِ: تَارَةً بِالتَّضْعِيفِ، وَتَارَةً بِأَنَّهُ عَامٌّ، وَأَحَادِيثُهُم خَاصَّةً، وَتَارَةً بِأَنَّ أَحَادِيثَهُم أَصَحُّ وَأَكْثَرُ، فَالْعَمَلُ بِهَا عِنْدَ التَّعَارُضِ أَوْلَى. وَقَد ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّهُ طَلَبَ الْبَيِّنَةَ مِن الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ مِن الْمُنْكِرِ" فِي حُكُومَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، لَيْسَتْ مِن جِنْسِ دَعَاوَى التُّهَمِ، مِثْل مَا خَرَّجَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ حُكُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "شَاهِدَاكَ أَو يَمِينُهُ" .. وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ: "بَيِّنَتُكَ إنَّهَا بِئْرُكَ، وَإِلَّا فَيَمِينُهُ" (٢). وَعَن وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ مِن حَضْرَ مَوْتَ، وَرَجُلٌ مِن كِنْدَةَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ الَّذِي مِن حَضْرَمَوْتَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ كَانَت لِأَبِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ؛ هِيَ أَرْضِي فِي يَدِي أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ألكَ بَيِّنَةٌ؟ " قَالَ: لَا، قَالَ: "فَلَكَ يَمِينُهُ لا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ الرَّجُلُ فَاجِرٌ لَا يُبَالِي مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِن شَيْءٍ، فَقَالَ: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ"، فَلَمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ لِيَحْلِفَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ"" (٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَى الْمَطْلُوبِ إلَّا الْيَمِينَ، مَعَ ذِكْرِ الْمُدَّعِي لِفُجُورِهِ، وَقَالَ: "لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إلَّا ذَلِكَ".

стр. 3214

وَفِي حَدِيثِ الْقَسَامَةِ أَنَّ الْأَنْصَارَ: قَالُوا: كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ (١)؟ وَهَذَا الْقَسَمُ لَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا: أَنَّ الْقَوْلَ فِيهِ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ، إذ لَمْ يَأْتِ الْمُدَّعِي بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَهِيَ الْبَيِّنَةُ. لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي هِيَ الْحُجَّة الشَّرْعِيَّةُ: أ - تَارَةً تَكُونُ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ ذَكَرَيْنِ. ب - وَتَارَةً تَكُونُ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ. ج - وَتَارَةً أَرْبَعَةُ رِجَالٍ. د - وَتَارَةً ثَلَاثَةٌ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِن الْعُلَمَاءِ، وَذَلِكَ فِي دَعْوَى إفْلَاسِ مَن عُلِمَ لَهُ مَالٌ مُتَقَدِّمٌ، كَمَا ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (٢) مِن حَدِيثِ قَبِيصةَ بْنِ مُخَارِقٍ قَالَ: "لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلةُ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاَثةٍ: رَجُل تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِن عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُومَ ثَلَاَثَةُ مِن ذَوِي الْحِجَا مِن قَوْمِهِ يَقُوُلونَ: لَقَد أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِن عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا". فَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ أَقَلُّ مِن ثَلَاثَةٍ، وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ بِهِ: وَهُوَ اخْتِيَارُ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. قَالُوا: وَلِأَنَّ الْإِعْسَارَ مِن الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي تَقْوَى فِيهَا التُّهْمَةُ بِإِخْفَاءِ الْمَالِ، فَرُوعِيَ فِيهَا الزِّيَادَةُ فِي الْبَيِّنَةِ، وَجُعِلَتْ بَيْنَ مَرْتَبَةِ أَعْلَى الْبَيِّنَاتِ وَمَرْتَبَةِ أَدْنَى الْبَيِّنَاتِ. هـ - وَتَارَةً تَكُونُ الْحُجَّةُ شَاهِدًا وَيمِينُ الطَّالِبِ.

стр. 3215

و- وَتَارَةً تَكُونُ الحجةُ نساءً، إما امْرَأَةً وَاحِدَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَإِما امْرَأَتَيْنِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ، وَإما أَرْبَعَ نِسْوَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. ز- وَتَارَةً تَكُونُ رَجُلًا وَاحِدًا فِي دَاءِ الدَّابَّةِ، وَشَهَادَةِ الطَّبِيبِ، إذَا لَمْ يُوجَدَ اثْنَانِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. ح - وَتَارَةً تَكُونُ لَوْثًا وَلَطْخًا وشبهةً مَعَ أَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ، كَمَا فِي الْقَسَامَةِ، وَامْتَازَتْ بِكَوْنِ الْأَيْمَانِ فِيهَا خَمْسِينَ: تَغْلِيظًا لِشَأْنِ الدَّمِ، كَمَا امْتَازَ اللِّعَانُ بِكَوْنِ الْأَيْمَانِ فِيهِ أَرْبَعًا. وَالْقَسَامَةُ يَجِبُ فِيهَا الْقَوَدُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَتُوجِبُ الدِّيَةَ فَقَطْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا أَهْلُ الرَّأْي: فَيُحَلِّفُونَ فِيهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَاصَّةً، وَيوجِبُونَ عَلَيْهِ الدِّيَةَ مَعَ تَحْلِيفِهِ (١).

стр. 3216

الْقِسْمُ الثَّانِي مِن الدَّعَاوَى: "دَعَاوَى التُّهَمِ": وَهِيَ دَعْوَى الْجِنَايَةِ وَالْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ؛ كَدَعْوَى الْقَتْلِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَالسَّرِقَةِ، وَالْقَذْفِ، وَالْعُدْوَانِ. فَهَذَا يَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، فَإِنَّ الْمُتَّهَمُ: أ - إمَّا أَنْ يَكُونَ بَرِيئًا لَيْسَ مِن أَهْلِ تِلْكَ التُّهْمَةِ. ب - أَو فَاجِرًا مِن أَهْلِهَا. ج - أَو مَجْهُولَ الْحَالِ لَا يَعْرِفُ الْحَاكِمُ حالَه. فَإِنْ كَانَ بَرِيئًا: لَمْ تَجُزْ عُقُوبَتهُ اتِّفَاقًا، وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْمُتَّهَمِ لَهُ عَلَى قَوْلَيْنِ أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ يُعَاقَبُ صِيَانَةً لِتَسَلُّطِ أَهْلِ الشَرِّ وَالْعُدْوَانِ عَلَى أَعْرَاضِ الْبُرَآءِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُون الْمُتَّهَمُ مَجْهُولَ الْحَالِ، لَا يُعْرَفُ بِبِرٍّ وَلَا فُجُورٍ: فَهَذَا يُحْبَسُ حَتَّى يَنْكَشِفَ حَالُهُ عِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ: أَنَّهُ يَحْبِسُهُ الْقَاضِي وَالْوَالِي، هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمُحَقِّقِي أَصْحَابِهِ، وَذَكَرَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَدُ: قَد حَبَسَ النَّبِيُّ ﷺ فِي تُهْمَةٍ، قَالَ أَحْمَدُ: وَذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِلْحَاكِمِ أَمْرُهُ، وَقَد رَوَى أَبُو دَاوُد فِي "سُنَنِهِ" وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا مِن حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَن أَبِيهِ، عَن جَدِّهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ" (١). وَالْأُصُولُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ تُوَافِقُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُم مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا طَلَبَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، الَّذِي يَسُوغُ إحْضَارُهُ: وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ إحْضَارُهُ إلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، حَتَّى يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا، ويُحْضِرُهُ مِن مَسَافَةِ الْعَدْوَى -

стр. 3217

الَّتِي هِيَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ بَرِيدٌ- وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُ الذَّهَابُ إلَيْهِ وَالْعَوْدُ فِي يَوْمِهِ، كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَن أَحْمَدَ، وَعَن بَعْضِهِمْ يُحْضِرُهُ مِن مَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَهِيَ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ، كَمَا هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَن أَحْمَدَ. ثُمَّ إنَّ الْحَاكِمَ قَد يَكُونُ مَشْغُولًا عَن تَعْجِيلِ الْفَصْلِ، وَقَد تَكُونُ عِنْدَهُ حُكُومَاتٌ سَابِقَةٌ، فَيَكُونَ الْمَطْلُوبُ مَحْبُوسًا مَعُوقًا مِن حِينِ يُطْلَبُ إلَى أَنْ يُفْصَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ، وَهَذَا حَبْسٌ بِدُونِ التُّهْمَةِ، فَفِي التُّهْمَةِ أَوْلَى؛ فَإِنَّ الْحَبْسَ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ هُوَ السِّجْنُ فِي مَكَان ضَيِّقٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَعْوِيقُ الشَّخْصِ وَمَنْعُهُ مِن التَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي بَيْتٍ أَو مَسْجِدٍ، أَو كَانَ بِتَوْكِيلِ نَفْسِ الْخَصْمِ أَو وَكِيلِهِ عَلَيْهِ، وَمُلَازَمَتُهُ لَهُ. وَلَمَّا كَانَ حُضُورُ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ مِن جِنْسِ الْحَبْسِ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَل يَحْضُرُ الْخَصْمُ الْمَطْلُوبُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى أَو لَا يَحْضُرُ حَتَّى يُبَيِّنَ الْمُدَّعِي أَنَّ لِلدَّعْوَى أَصْلًا، عَلَى قَوْلَيْنِ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَدَ، وَالْأَوَّلُ: قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَالثَّانِي: قَوْلُ مَالِكٍ (١). الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ؛ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِذَا جَازَ حَبْسُ الْمَجْهُولِ فَحَبْسُ هَذَا أَوْلَى. وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ: إنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الدَّعَاوَى يَحْلِفُ، وُيرْسَلُ بِلَا حَبْسٍ وَلَا غَيْرِهِ، فَلَيْسَ هَذَا -عَلَى إطْلَاقِهِ- مَذْهَبًا لِأَحَدٍ مِن الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ مِن الْأَئِمَّةِ، وَمَن زَعَمَ أَنَّ هَذَا -عَلَى إطْلَاقِهِ وَعُمُومِهِ- هُوَ الشَّرْعُ: فَقَد غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا مُخَالِفًا لِنُصُوصِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.

стр. 3218

وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِن الْمُتَّهَمِينَ، كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ، فِي قِصَّةِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ: هَل الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي، أَو كِلَاهُمَا أَو لَا يُسَوَّغُ ضَرْبُهُ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي وَالْقَاضِي. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي. وَوَجْهُ هَذَا: أَنَّ الضَّرْبَ الْمَشْرُوعَ هُوَ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ أَسْبَابِهَا وَتَحَقُّقِهَا. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُحْبَسُ وَلَا يُضْرَبُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَن بِدْعَتِهِ: أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُحْبَسُ إلَى الْمَوْتِ. وَأَمَّا عُقُوبَةُ مَن عُرِفَ أَنَّ الْحَقَّ عِنْدَهُ، وَقَد جَحَدَهُ: فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، لَا نِزَاعَ بَيْنَهُم أَنَّ مَن وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ مِن عَيْنٍ أَو دَيْنٍ -وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ- وَامْتَنَعَ مِنْهُ، أَنَّهُ يُعَاقَبُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ، وَنَصُّوا عَلَى عُقُوبَتِهِ بِالضَّرْبِ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ مِن الطَّوَائِفِ الْأَرْبَعَةِ. وَفِي "السُّنَنِ" عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَطْلُ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ" (١)، وَالْعُقُوبَةُ لَا تَخْتَصُّ بِالْحَبْسِ؛ بَل هِيَ فِي الضَّرْبِ أَظْهَرُ مِنْهَا فِي الْحَبْسِ، وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ" (٢) وَالظَّالِمُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ شَرْعًا. وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ، لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ، وَهِيَ نَوْعَانِ:

стр. 3219

أ- تَرْكُ وَاجِبٍ. ب- أَو فِعْلُ مُحَرَّمٍ. فَمَن تَرَكَ الْوَاجِبَاتِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، كَقَضَاءِ الدُّيُونِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَاتِ: مِن الْوَكَالَاتِ، وَالْوَدَائِعِ، وَأَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَالْوُقُوفِ، وَالْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَرَدِّ الْغُصُوبِ، وَالْمَظَالِمِ: فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا. وَكَذَلِكَ مَن وَجَبَ عَلَيْهِ إحْضَارُ نَفْسٍ لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهَا؛ مِثْل: أَنْ يَقْطَعَ الطَّرِيقَ، وَيلْتَجِئَ إلَى مَن يَمْنَعُهُ وَيَذُبَّ عَنْهُ؛ فَهَذَا يُعَاقَبُ حَتَّى يُحْضِرَهُ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْإحْضَارُ إلَى مَن يَظْلِمُهُ، أَو إحْضَارُ الْمَالِ إلَى مَن يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ" حَقٍّ: فَهَذَا لَا يَجِبُ وَلَا يَجُوزُ، فَإِنَّ الْإِعَانَةَ عَلَى الظُّلْمِ ظُلْمٌ. وَالْمَعَاصِي ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ فِيهِ حَدٌّ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ؛ كَالزنا وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالْقَذْفِ. فَهَذَا يَكْفِيهِ الْحَدُّ عَن الْحَبْسِ وَالتَّعْزِيرِ. وَنَوْعٌ فِيهِ كَفَّارَةٌ، وَلَا حَدَّ فِيهِ؛ كَالْجِمَاعِ فِي الْإِحْرَامِ وَنَهَارِ رَمَضَانَ، وَوَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ، فَهَذَا تُغْنِي فِيهِ الْكَفَّارَةُ عَن الْحَدِّ. وَهَل تَكْفِي عَن التَّعْزِيرِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْفُقَهَاءِ، وَهُمَا لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ. وَنَوْعٌ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ وَلَا حَدَّ، كَسَرِقَةِ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالنَّظَرُ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا يَسُوغُ فِيهِ التَّعْزِيرُ وُجُوبًا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَجَوَازًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. ثُمَّ إنْ كَانَ الضَّرْبُ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ، مِثْل أَنْ يَضْرِبَهُ لِيُؤَدِّبَ بِهِ: فَهَذَا لَا يَتَقَدَّرُ بَل يَضْرِبُ يَوْمًا، فَإِنْ فَعَلَ الْوَاجِبَ وَإِلَّا ضُرِبَ يَوْمًا آخَرَ بِحَسَبِ مَا يَحْتَمِلُة، وَلَا يَزِيدُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ عَلَى مِقْدَارِ أَعْلَى التَّعْزِيرِ.

стр. 3220

وَقَد اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِقْدَارِ التَّعْزِيرِ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ، وَعَلَى قَدْرِ الْجَرِيمَةِ، فَيَجْتَهِدُ فِيهِ وَليُّ الْأَمْرِ. الثَّانِي -وَهُوَ أَحْسَنُهَا-: أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ فِي مَعْصِيَةٍ قَدْرَ الْحَدِّ فِيهَا، فَلَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ عَلَى النَّظَرِ وَالْمُبَاشَرَةِ حَدَّ الزِّنَا، وَلَا عَلَى السَّرِقَةِ مِن غَيْرِ حِرْزٍ حَدَّ الْقَطْعِ، وَلَا عَلَى الشَّتْمِ بِدُونِ الْقَذْفِ حَدَّ الْقَذْفِ. وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَالْقَوْلُ الثَّالِث: أَنَّهُ يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ أَدْنَى الْحُدُودِ: إمَّا أَرْبَعِينَ، وَإِمَّا ثَمَانِينَ وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. وَالْمَنْقُولُ عَن النَّبِيِّ ﷺ وخُلَفَائِهِ ﵃ يُوَافِقُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فَإِنَّ "النَّبِىَّ ﷺ : أَمَرَ بِجَلْدِ الَّذِي وَطِئَ جَارَيةَ امْرَأَتِهِ -وَقَد أَحَلَّتْهَا لَهُ- مِائَةً" (١). وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄: "أَمَرَا بِجَلْدِ مَن وُجِدَ مَعَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ فِي فِرَاشٍ مِائَةَ جَلْدَةٍ". وَأَمَّا ضَرْبُ الْمُتَّهَمِ إذَا عُرِفَ أَنَّ الْمَالَ عِنْدَهُ -وَقَد كَتَمَهُ وَأَنْكَرَهُ- فَيُضْرَبُ لِيُقِرَّ بِهِ. فَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ. فَإِنَّهُ ضَرْبٌ لِيُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ. [٣٥/ ٣٨٩ - ٤٠٧] ٥٠٥٧ - قال ابن القيم ﵀: وقد ذكر أصحاب مالك القسامة في الأموال، وذلك فيما إذا أغار قوم على بيت رجل وأخذوا ما فيه والناس ينظرون إليهم ولم يشهدوا على معاينة ما أخذوا، ولكن علم أنهم أغاروا

стр. 3221

وانتهبوا، فقال ابن القاسم وابن الماجشون: القول قول المنتهب مع يمينه، وقال مطرف وابن كنانة وابن حبيب: القول قول المنهوب منه مع يمينه فيما يشبه، وقد تقدم ذلك، وذكرنا أنه اختيار شيخ الإسلام. [المستدرك ٥/ ١٨٨] ٥٠٥٨ - يجب أن يفرق بين فسق المدعى عليه وعدالته، فليس كل مدعى عليه يُرضى منه باليمين، ولا كل مدع يطالَب بالبينة. ويرجع (١) باليد العرفية إذا استويا في الحسية (٢) أو عدمها. [المستدرك ٥/ ١٨٨] ٥٠٥٩ - إن كانت العين بيد أحدهما: فمَن شاهِدُ الحال معه: كان ذلك لوْثًا فيحكم له بيمينه. [المستدرك ٥/ ١٨٨] ٥٠٦٠ - إذا نكل المدعى عليه عن اليمين: ردت على المدعي، وقيل: لا ترد؛ بل يحكم عليه بنكوله، وقيل: إن كان المدعَى عليه هو العالم بالمدعي، دون المدعِي؛ مثل أن يدعي الورثة أو الوصي على غريمٍ للميت دعوى فينكرها: فهنا لا يحلف المدعي؛ بل إذا نكل المنكر قضي عليه؛ لقوله ﷺ : "لا تضطروا الناس في أيمانهم إلى ما لا يعلمون" (٣). وإذا كان المدعي هو العالم؛ مثل: أن يدعي على ورثة الميت حقًّا عليه يتعلق بتركته: فهنا لهم رد اليمين عليه، فإذا لم يحلف لم يأخذ، وأما إذا كان المدعي يدعي العلم والمنكر يدعي العلم فهنا يتوجه القولان. [المستدرك ٥/ ١٨٩] ٥٠٦١ - الدعوى في التهمة كسرقة يعاقب المدعي عليه الفاجر، وأنه لا يجوز إطلاقه، ويحبس المستور. وذكر الشيخ تقي الدين ﵀ الأول قول أكثر العلماء، واختار تعزير مدع

стр. 3222

بسرقة ونحوها على من يعلم براءته، واختار بأن خبر من له رائي جني بأن فلانًا سرق كذا كخبر إنسي مجهول فيفيد تهمة. [المستدرك ٥/ ١٨٩ - ١٩٠] ٥٠٦٢ - قال الإمام أحمد في: في الرجل يقيم الشهود أيستقيم للحاكم أن يقول: احلف؟ فقال: قد فعل ذلك علي بن أبي طالب. وقال في رواية إبراهيم بن الحارث في رجل جاء بشهود على حق فقال المدعى عليه استحلفه: لم يلزم المدعي اليمين. حمل أبو العباس الرواية الأولى على أن للحاكم أن يفعل ذلك إذا أراد مصلحةً لظهور ريبة في الشهود، لا أنه يجب مطلقًا، والثانية على أنه لا يجب مطلقًا، فلا منافاة بين الروايتين. [المستدرك ٥/ ١٩٠] ٥٠٦٣ - قصة أبي قتادة (١) وخزيمة (٢) تقتضي الحكم بالشاهد [الواحد] في الأموال. وقد يقال: اليمين مع الشاهد الواحد حق للمستحلف، وللإمام فله أن يسقطها، وهذا أحسن. [المستدرك ٥/ ١٩٠ - ١٩١] ٥٠٦٤ - ولو قيل: إنه يحكم بشهادة امرأة واحدة مع يمين الطالب في الأموال: لكان متوجهًا، لأنهما [إنما] (٣) أقيما مقام الرجل في التحمل. [المستدرك ٥/ ١٩١]

стр. 3223

٥٠٦٥ - تثبت الوكالة ولو في غير المال بشاهد ويمين، وهو رواية عن أحمد. [المستدرك ٥/ ١٩١] ٥٠٦٦ - الإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة؛ بدليل الأمة السوداء في الرضاع، فإن عقبة بن الحارث أخبر النبي ﷺ "أن المرأة أخبرته أنها أرضعتهما" (١) فنهاه عنها من غير سماع من المرأة، وقد احتج به الأصحاب في قبول شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، فلولا أن الإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة ما صحت الحجة. [المستدرك ٥/ ١٩١] ٥٠٦٧ - قال ابن القيم ﵀ في شهادة الرهن بقدر الدين: إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدره: فالقول قول المرتهن مع يمينه، ما لم يدَّع أكثر من قيمة الرهن عند مالك وأهل المدينة، وخالفه الأكثرون ومذهبه أرجح، واختاره شيخنا ﵀. [المستدرك ٥/ ١٩١] * * * (باب اليمين في الدعاوي) ٥٠٦٨ - قال أصحابنا: ومن تغليظ اليمين بالمكان: اليمين عند صخرة بيت المقدس. وليس له أصل في كلام أحمد ولا غيره من الأئمة؛ بل السُّنَّة أن تغليظ اليمين فيها كتغليظها في سائر المساجد عن المنبر. [المستدرك ٥/ ٢١٣] ٥٠٦٩ - لا يحلف المدعى عليه بالطلاق وفاقًا. [المستدرك ٥/ ٢١٣] ٥٠٧٠ - مال الشيخ تقي الدين وصاحب النكت إلى وجوب التغليظ إذا رآه الحاكم وطلبه. [المستدرك ٥/ ٢١٤]

стр. 3224

ونقل المجد من تعليق القاضي: تغليظ اليمين على المجوس بالله الذي بعث إدريس رسولًا؛ لأنهم يعتقدون أنه الذي جاء بالنجوم التي يعتقدون تعظيمها. ويغلظ على الصابئ "بالله الذي خلق النار"؛ لأنهم يعتقدون تعظيم النار. قال الشيخ تقي الدين: هذا بالعكس؛ لأن المجوس تعظم النار، والصابئة تعظم النجوم. [المستدرك ٥/ ٢١٤] ٥٠٧١ - لو أبى من وجبت عليه اليمين التغليظ: لم يصر ناكلًا، قال الشيخ تقي الدين: قصة مروان مع زيد تدل على أن القاضي إذا رأى التغليظ فامتنع من الإجابة أدى ما ادعي به ولو لم يكن كذلك لم يكن في التغليظ زجر قط. وقال الشيخ تقي الدين أيضًا: متى قلنا هو مستحب، فينبغي إنه إذا امتنع منه الخصم يصير ناكلًا. [المستدرك ٥/ ٢١٤] * * * (يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يحَكِّمُوا الله وَرَسُولَهُ فِي كلِّ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) ٥٠٧٢ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ تَوَلَّى حُكُومَةً عَلَى جَمَاعَةٍ مِن رُمَاةِ الْبُنْدُقِ وَيَقُولُ: هَذَا شَرْعُ الْبُنْدُقِ؟. فَأَجَابَ: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أَحَدٍ مِن خَلْقِ اللهِ، لَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا الْكُفَّارِ، وَلَا الْفِتْيَانِ، وَلَا رُمَاةِ الْبُنْدُقِ (١)، وَلَا الْجَيْشِ، وَلَا الْفُقَرَاءِ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا بِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ. وَمَن ابْتَغَى غَيْرَ ذَلِكَ: تَنَاوَلَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ

стр. 3225

مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُحَكِّمُوا اللهَ وَرَسُولَهُ فِي كُلِّ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ. وَمَن حَكَمَ بِحُكْمِ الْبُنْدُقِ وَشَرْعِ الْبُنْدُقِ أَو غَيْرِهِ مِمَّا يُخَالِفُ شَرْعَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَحُكْمَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ: فَهُوَ مِن جِنْسِ التَّتَارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَ حُكْمَ "الياسق" عَلَى حُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَن تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَقَد قَدَحَ فِي عَدَالَتِهِ وَدِينِهِ. [٣٥/ ٤٠٧ - ٤٠٨] * * *
следующие страницы →