← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.

стр. 3221

وانتهبوا، فقال ابن القاسم وابن الماجشون: القول قول المنتهب مع يمينه، وقال مطرف وابن كنانة وابن حبيب: القول قول المنهوب منه مع يمينه فيما يشبه، وقد تقدم ذلك، وذكرنا أنه اختيار شيخ الإسلام. [المستدرك ٥/ ١٨٨] ٥٠٥٨ - يجب أن يفرق بين فسق المدعى عليه وعدالته، فليس كل مدعى عليه يُرضى منه باليمين، ولا كل مدع يطالَب بالبينة. ويرجع (١) باليد العرفية إذا استويا في الحسية (٢) أو عدمها. [المستدرك ٥/ ١٨٨] ٥٠٥٩ - إن كانت العين بيد أحدهما: فمَن شاهِدُ الحال معه: كان ذلك لوْثًا فيحكم له بيمينه. [المستدرك ٥/ ١٨٨] ٥٠٦٠ - إذا نكل المدعى عليه عن اليمين: ردت على المدعي، وقيل: لا ترد؛ بل يحكم عليه بنكوله، وقيل: إن كان المدعَى عليه هو العالم بالمدعي، دون المدعِي؛ مثل أن يدعي الورثة أو الوصي على غريمٍ للميت دعوى فينكرها: فهنا لا يحلف المدعي؛ بل إذا نكل المنكر قضي عليه؛ لقوله ﷺ : "لا تضطروا الناس في أيمانهم إلى ما لا يعلمون" (٣). وإذا كان المدعي هو العالم؛ مثل: أن يدعي على ورثة الميت حقًّا عليه يتعلق بتركته: فهنا لهم رد اليمين عليه، فإذا لم يحلف لم يأخذ، وأما إذا كان المدعي يدعي العلم والمنكر يدعي العلم فهنا يتوجه القولان. [المستدرك ٥/ ١٨٩] ٥٠٦١ - الدعوى في التهمة كسرقة يعاقب المدعي عليه الفاجر، وأنه لا يجوز إطلاقه، ويحبس المستور. وذكر الشيخ تقي الدين ﵀ الأول قول أكثر العلماء، واختار تعزير مدع

стр. 3222

بسرقة ونحوها على من يعلم براءته، واختار بأن خبر من له رائي جني بأن فلانًا سرق كذا كخبر إنسي مجهول فيفيد تهمة. [المستدرك ٥/ ١٨٩ - ١٩٠] ٥٠٦٢ - قال الإمام أحمد في: في الرجل يقيم الشهود أيستقيم للحاكم أن يقول: احلف؟ فقال: قد فعل ذلك علي بن أبي طالب. وقال في رواية إبراهيم بن الحارث في رجل جاء بشهود على حق فقال المدعى عليه استحلفه: لم يلزم المدعي اليمين. حمل أبو العباس الرواية الأولى على أن للحاكم أن يفعل ذلك إذا أراد مصلحةً لظهور ريبة في الشهود، لا أنه يجب مطلقًا، والثانية على أنه لا يجب مطلقًا، فلا منافاة بين الروايتين. [المستدرك ٥/ ١٩٠] ٥٠٦٣ - قصة أبي قتادة (١) وخزيمة (٢) تقتضي الحكم بالشاهد [الواحد] في الأموال. وقد يقال: اليمين مع الشاهد الواحد حق للمستحلف، وللإمام فله أن يسقطها، وهذا أحسن. [المستدرك ٥/ ١٩٠ - ١٩١] ٥٠٦٤ - ولو قيل: إنه يحكم بشهادة امرأة واحدة مع يمين الطالب في الأموال: لكان متوجهًا، لأنهما [إنما] (٣) أقيما مقام الرجل في التحمل. [المستدرك ٥/ ١٩١]

стр. 3223

٥٠٦٥ - تثبت الوكالة ولو في غير المال بشاهد ويمين، وهو رواية عن أحمد. [المستدرك ٥/ ١٩١] ٥٠٦٦ - الإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة؛ بدليل الأمة السوداء في الرضاع، فإن عقبة بن الحارث أخبر النبي ﷺ "أن المرأة أخبرته أنها أرضعتهما" (١) فنهاه عنها من غير سماع من المرأة، وقد احتج به الأصحاب في قبول شهادة المرأة الواحدة في الرضاع، فلولا أن الإقرار بالشهادة بمنزلة الشهادة ما صحت الحجة. [المستدرك ٥/ ١٩١] ٥٠٦٧ - قال ابن القيم ﵀ في شهادة الرهن بقدر الدين: إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدره: فالقول قول المرتهن مع يمينه، ما لم يدَّع أكثر من قيمة الرهن عند مالك وأهل المدينة، وخالفه الأكثرون ومذهبه أرجح، واختاره شيخنا ﵀. [المستدرك ٥/ ١٩١] * * * (باب اليمين في الدعاوي) ٥٠٦٨ - قال أصحابنا: ومن تغليظ اليمين بالمكان: اليمين عند صخرة بيت المقدس. وليس له أصل في كلام أحمد ولا غيره من الأئمة؛ بل السُّنَّة أن تغليظ اليمين فيها كتغليظها في سائر المساجد عن المنبر. [المستدرك ٥/ ٢١٣] ٥٠٦٩ - لا يحلف المدعى عليه بالطلاق وفاقًا. [المستدرك ٥/ ٢١٣] ٥٠٧٠ - مال الشيخ تقي الدين وصاحب النكت إلى وجوب التغليظ إذا رآه الحاكم وطلبه. [المستدرك ٥/ ٢١٤]

стр. 3224

ونقل المجد من تعليق القاضي: تغليظ اليمين على المجوس بالله الذي بعث إدريس رسولًا؛ لأنهم يعتقدون أنه الذي جاء بالنجوم التي يعتقدون تعظيمها. ويغلظ على الصابئ "بالله الذي خلق النار"؛ لأنهم يعتقدون تعظيم النار. قال الشيخ تقي الدين: هذا بالعكس؛ لأن المجوس تعظم النار، والصابئة تعظم النجوم. [المستدرك ٥/ ٢١٤] ٥٠٧١ - لو أبى من وجبت عليه اليمين التغليظ: لم يصر ناكلًا، قال الشيخ تقي الدين: قصة مروان مع زيد تدل على أن القاضي إذا رأى التغليظ فامتنع من الإجابة أدى ما ادعي به ولو لم يكن كذلك لم يكن في التغليظ زجر قط. وقال الشيخ تقي الدين أيضًا: متى قلنا هو مستحب، فينبغي إنه إذا امتنع منه الخصم يصير ناكلًا. [المستدرك ٥/ ٢١٤] * * * (يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يحَكِّمُوا الله وَرَسُولَهُ فِي كلِّ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) ٥٠٧٢ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ تَوَلَّى حُكُومَةً عَلَى جَمَاعَةٍ مِن رُمَاةِ الْبُنْدُقِ وَيَقُولُ: هَذَا شَرْعُ الْبُنْدُقِ؟. فَأَجَابَ: لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أَحَدٍ مِن خَلْقِ اللهِ، لَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا الْكُفَّارِ، وَلَا الْفِتْيَانِ، وَلَا رُمَاةِ الْبُنْدُقِ (١)، وَلَا الْجَيْشِ، وَلَا الْفُقَرَاءِ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا بِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ. وَمَن ابْتَغَى غَيْرَ ذَلِكَ: تَنَاوَلَهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ

стр. 3225

مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. فَيَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُحَكِّمُوا اللهَ وَرَسُولَهُ فِي كُلِّ مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ. وَمَن حَكَمَ بِحُكْمِ الْبُنْدُقِ وَشَرْعِ الْبُنْدُقِ أَو غَيْرِهِ مِمَّا يُخَالِفُ شَرْعَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَحُكْمَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ: فَهُوَ مِن جِنْسِ التَّتَارِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَ حُكْمَ "الياسق" عَلَى حُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَن تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَقَد قَدَحَ فِي عَدَالَتِهِ وَدِينِهِ. [٣٥/ ٤٠٧ - ٤٠٨] * * *

стр. 3226

كتابُ الشَّهَادَات ٥٠٧٣ - يجب على من طلبت منه الشهادة أداؤها؛ بل إذا امتنع الجماعة من الشهادة أثموا كلهم باتفاق العلماء، وقدح ذلك في دينهم وعدالتهم. [المستدرك ٥/ ١٩٥] ٥٠٧٤ - الطلب العرفي أو مقتضى الحاد في طلب الشهادة: كاللفظي، علمها المشهود له أو لا؟ وهو ظاهر الخبر. وخبر "يشهد ولا يستشهد" (١) محمول على شهادة الزور. [المستدرك ٥/ ١٩٥] ٥٠٧٥ - إذا غلب على ظن الشاهد أنه يُمتحن فيدعى إلى القول المخالف للكتاب والسُّنَّة أو إلى محرم: فلا يسوغ له أداء الشهادة وفاقًا، اللَّهُمَّ إلا أن يظهر قولًا يريد به مصلحة عظيمة. [المستدرك ٥/ ١٩٥] ٥٠٧٦ - يجوز أخذ الأجرة على أداء الشهادة وتحملها، ولو تعينت إذا كان محتاجًا، وهو قول في مذهب أحمد، ويحرم كتمها ويقدح في عدالته. [المستدرك ٥/ ١٩٥] ٥٠٧٧ - الشهادة سبب موجب للحق، وحيث امتنع أداء الشهادة امتنعت كتابتها في ظاهر كلام أبي العباس والشيخ أبي محمد المقدسي. [المستدرك ٥/ ١٩٦]

стр. 3227

٥٠٧٨ - يجب على الشاهد أداء الشهادة إذا طلبت منه ولو كان الشهود أكثر من نصاب الشهادة. وأما إن كان المطلوب لا يتم النصاب إلا به فقد تعينت عليه إجماعًا، إلا أن تكون الشهادة بجور أو كذب ونحوه فلا يجوز أن يعان الظالم على ذلك لا بشهادة ولا غيرها. [المستدرك ٥/ ١٩٦] ٥٠٧٩ - اشتراط لفظ الشهادة لا أصل له في كتاب الله ولا سُنَّة رسوله ولا قول أحد من الصحابة، ولا يتوقف لفظ الشهادة لغةً على ذلك. ولا يشترط في أداء الشهادة لفظةُ أشهد، وهو مقتضى قول أحمد، قال علي بن المديني، أقول: إن العشرة في الجنة، ولا أشهد، فقال أحمد: متى قلت فقد شهدت. [المستدرك ٥/ ١٩٦] ٥٠٨٠ - يُعَرِّض في الشهادة إذا خاف الشاهد من إظهار الباطن ظلم المشهود عليه، وكذلك التعريض في الحكم إذا خاف الحاكم من إظهار الأمر وقوع الظلم عليه، وكذلك التعريض في الفتوى والرواية كاليمين وأولى؛ إذ اليمين خبر وزيادة. [المستدرك ٥/ ١٩٧] ٥٠٨١ - إذا شهد أن العين كانت ملكه حين خرجت من يده بغير حق حكم له بها. وأما إن شهد أنها كانت ملكه فقط فهل يحكم له بذلك؟ على وجهين في مذهب أحمد، وقولين للشافعي. [المستدرك ٥/ ١٩٧] ٥٠٨٢ - إن شهد بسبب الملك وظهوره مثل: أن يشهد أنه ابتاعه، أو ورثه أو حكم له به الحاكم الفلاني، فإن الحاكم هنا يحكم باستصحاب الحال إذا لم يثبت معارض راجح، والشاهد لا يشهد بناء على استصحاب الحال، ولا أعلم في الأولى خلافًا أن الحاكم يحكم باستصحاب الحال باتفاق العلماء. وأما صورة الخلاف فإن البينة لما شهدت بالملك في الماضي وسكتت

стр. 3228

عنه في الحال كان هذا ريبة تجوز أن البينة علمت بالزوال وسكتت عن ذلك، وأما إذا شهدت بسبب الملك لم يكن فيه ريبة، والأصل بقاء الملك، وإذا شهدت أنه لم يزل ملكه إلى أن غصبت منه أو استعيرت أو زالت يده عنه بغير حق، كما لو شهدت له أنه لم يزل ملكه عنه إلى أن مات فإنه يحكم به للورثة حتى تقوم حجة بما يخالف ذلك. وكذلك هناك يحكم للذي كان حائزًا إلى حين زوال حوزه؛ كزوال الملك، ولا أعلم في هذا خلافًا، ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف؛ فإن الغاصب والمستعير وغيرهما إذا جحدوا ملك غيرهم فشهدت البينة أنه لم يزل ملكه إلى حين الغصب مثلًا: احتاجوا إلى إثبات الانتقال إليهم، وإلا فالأصل بقاء الملك، وقد علم أن زوال اليد بالعدوان فلا يقبل أن اليد يده إذا عرف من مستندها ما يصلح مستندًا له من زوال اليد المحققة والانتقال إلى يد عادية، أما هذه البينة أو غيرها فلا يكلف رب البينة بقاء الملك إلى حين الدعوى لتعذر ذلك أو لعسره وفيه معونة عظيمة لكل سارق وناهب. يوضح ذلك أن الحاكم يحكم باستصحاب اليد وبغيرها من الطرق التي تفيد غالب الظن، والشاهد لا يشهد إلا بالعلم؛ لأن الحاكم لا بد له من فصل الحكومة فيفصلها لأقوى الجانبين حجة. [المستدرك ٥/ ١٩٧ - ١٩٨] ٥٠٨٣ - تجوز شهادة الأعمى على من سمع صوته وعرفه وإن لم يعرف اسمه ونسبه ويؤديها عليه إذا سمع صوته. [المستدرك ٥/ ١٩٩] ٥٠٨٤ - ويشهد بالاستفاضة ولو عن واحد تسكن نفسه إليه، اختاره الجد. [المستدرك ٥/ ١٩٩] ٥٠٨٥ - قال القاضي: لا تصح الشهادة بمجهول ولا لمجهول. قال أبو العباس: وفي هذا نظر؛ بل تصح الشهادة بالمجهول ويقضي له بالمتيقن، وللمجهول يصح في مواضع كثيرة. [المستدرك ٥/ ٢٠٠]

стр. 3229

٥٠٨٦ - قال شيخنا في الذمي إذا زنى بالمسلمة: قتل، ولا يرفع عنه القتل الإسلام، ولا يشترط فيه أداء الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم؛ بل يكفي استفاضة ذلك واشتهاره. [المستدرك ٥/ ٢٠١] ٥٠٨٧ - إذا حضر الموت وليس عنده مسلم فله أن يشهد من حضره من أهل الذمة في الوصية ويحلفوا إذا شهدوا وهذا قول جمهور السلف وهو قول إمام الأئمة أحمد وأبي عبيد، وعليه يدل القرآن والسُّنَّة. وهذا مبني على أصل وهو أن الشهادة عند الحاجة يجوز فيها مثل شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال. وهل تعتبر عدالة الكافرين في الشهادة بالوصية في دينهما؟ عموم كلام الأصحاب يقتضي أنها لا تعتبر، وإن كنا إذا قبلنا شهادة بعضهم على بعض اعتبرنا عدالتهم في دينهم. [المستدرك ٥/ ٢٠١ - ٢٠٢] ٥٠٨٨ - شهادة الفاسق مردودة بنص القرآن واتفاق المسلمين، وقد يجيز بعضهم الأمثل فالأمثل، من الفساق عند الضرورة إذا لم يجد عدول ونحو ذلك، وأما قبول شهادة الفاسق فهذا لم يقله أحد من المسلمين. [المستدرك ٥/ ٢٠٢] ٥٠٨٩ - قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] يقتضي أنه يقبل في الشهادة على حقوق الآدميين من رضوه شهيدًا بينهم ولا ينظر إلى عدالته، كما يكون مقبولًا عليهم فيما ائتمنوه عليه. وقوله تعالى في آية الرجعة والوصية: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولم يصف الرجلين نفسهما بأنهما عدل؛ بل وصفهما بأنهما ذوا عدل؛ أي: صاحبا عدل. والعدل في المقال هو الصدق والبيان، الذي هو ضد الكذب والكتمان،

стр. 3230

كما بينه تعالى في قوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٠٢]، والعدل في كل زمان ومكان وفي كل طائفة بحسبها، فيكون الشهيد في كل قوم مَن كان ذا عدل فيهم، وإن كان لو كان في غيرهم لكان عدله على وجه آخر. وبهذا يمكن الحكم بين الناس، وإلا فلو اعتبر في شهود كل طائفة ألا يشهد عليهم إلا من يكون قائمًا بأداء الواجبات وترك المحرمات كما كان الصحابة ﵃ لبطلت الشهادات كلها أو غالبها. وقال أبو العباس في موضع آخر: إذا فسر الفاسق في الشهادة بالفاجر وبالمتهم فينبغي أن يفرق بين حال الضرورة وعدمها كما قلنا في الكفار. وقال أبو العباس في موضع آخر: ويتوجه أن تقبل شهادة المعروفين بالصدق، وإن لم يكونوا ملتزمين للحدود عند الضرورة؛ مثل: الجند، وجفاة البدو، وأهل القرية الذين لا يوجد فيهم عدل. وله أصول، منها: قبول شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيرهم، وشهادة بعضهم على بعض في قول، وشهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال، وشهادة الصبيان فيما لا يطلع عليه الرجال. ويظهر ذلك بالمحتضر في السفر إذا حضره اثنان كافران واثنان مسلمان يصدقان، وليس بملتزمين للحدود، أو اثنان مبتدعان، فهاذان خير من الكافرين. والشروط التي في القرآن إنما هي في تحمل الشهادة، لا في الأداء. وينبغي أن نقول في الشهود ما نقول في المحدثين، وهو أنه من الشهود من تقبل شهادته في نوع دون نوع، أو شخص دون شخص، كما أن في المحدثين كذلك. ونبأ الفاسق ليس بمردود بل هو موجب للتبيُّن والتثبُّت كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا

стр. 3231

فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾ [الحجرات: ٦]، وفي القراءة الأخرى: ﴿فتثبتوا﴾ فعلينا التبين والتثبت عند خبر الفاسق الواحد، ولم نؤمر به عند خبر الفاسقين، وذلك أن خبر الاثنين يوجب من الاعتقاد ما لا يوجبه خبر الواحد، أما إذا علم أنهما لم يتواطئا فهذا قد يحصل به العلم. [المستدرك ٥/ ٢٠٢ - ٢٠٤] ٥٠٩٠ - ترد الشهادة بالكذبة الواحدة، وإن لم نقل هي كبيرة، وهي رواية عن الإمام أحمد. [المستدرك ٥/ ٢٠٤] ٥٠٩١ - ومن شهد على إقرار كذب مع علمه بالحال، أو تكرر منه النظر إلى الأجنبيات، والقعود في مجالس تنتهك فيها المحرمات الشرعية: قدح ذلك في عدالته. ولا يستريب أحد فيمن صلى محدثًا أو إلى غير القبلة، أو بعد الوقت أو بلا قراءة أنها كبيرة. [المستدرك ٥/ ٢٠٤] ٥٠٩٢ - من ترك الجماعة: فليس عدلًا، ولو قلنا هي سُنَّة. [المستدرك ٥/ ٢٠٤] ٥٠٩٣ - تحرم محاكاة الناس على وجه السخرية المضحكة، ويعزر فاعلها هو ومن يأمره بها؛ لأنه أذى. [المستدرك ٥/ ٢٠٥] ٥٠٩٤ - تقبل شهادة الكافر على المسلم في الوصية في السفر إذا لم يوجد غيره، وهو مذهب أحمد، ولا تعتبر عدالتهم [في دينهم، واستحلافهم حقٌّ للمشهود عليه، فإن شاء حلّفهم] (١)، وإن شاء لم يحلفهم، [ليست حقًّا لله] (٢). وقول أحمد: أقبل شهادة أهل الذمة إذا كانوا في سفر ليس فيه غيرهم: هذه ضرورة. يقتضي هذا التعليل قبولها في كل ضرورة، حضرًا، وسفرًا، وصية، وغيرها وهو متجه. [المستدرك ٥/ ٢٠٥]

стр. 3232

٥٠٩٥ - لو حكم حاكم بخلاف آية الوصية ينقض حكمه؛ فإنه إنما خالف نص الكتاب بتأويلات سمجة. [المستدرك ٥/ ٢٠٥] ٥٠٩٦ - الصحيح قبول شهادة النساء في الرجعة؛ فإن حضورهن عندها أيسر من حضورهن عند كتابة الوثائق في الديون. وعن أحمد في شهادة الكفار في كل موضع ضرورة غير المنصوص عليه روايتان، لكن التحليف هنا لم يتعرضوا له، فيمكن أن يقال: لا تحليف؛ لأنهم إنما يحلفون حيث تكون شهادتهم بدلًا من (١) التحمل، بخلاف ما إذا كانوا أصولًا قد علموا من غير تحمل. وقال أبو العباس في موضع آخر: ولو قيل: تقبل شهادتهم مع أيمانهم في كل شيء عدم فيه المسلمون: لكان وجهًا، وتكون شهادتهم بدلًا مطلقًا. وإذا قبلنا شهادة الكفارة في الوصية في السفر: فلا يعتبر كونهم من أهل الكتاب، وهو ظاهر القرآن. وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، وهو رواية عن أحمد. ولو قيل: إنهم يحلفون مع شهادة بعضهم على بعض كما يحلفون على شهادتهم على المسلمين، في وصية السفر لكان متوجهًا. [المستدرك ٥/ ٢٠٦] ٥٠٩٧ - الواجب في العدو أو الصديق ونحوهما: أنه إن علم منهما العدالة الحقيقية قبلت شهادتهما، وأما إن كانت عداوتهما ظاهرة مع إمكان أن يكون الباطن بخلافه: لم تقبل، ويتوجه هذا في الأب ونحوه. [المستدرك ٥/ ٢٠٦] ٥٠٩٨ - لا تشترط الحرية في الشهادة، وهو رواية في مذهب أحمد. وظاهر كلام أبي العباس: ولو في الحدود والقصاص، وهو مذهب أحمد. [المستدرك ٥/ ٢٠٧]

стр. 3233

٥٠٩٩ - قال أبو العباس في قوم [في ديوان] (١) أجروا شيئًا: لا تقبل شهادة أحد منهم على المستأجر لأنهم وكلاء أو أولياء. [المستدرك ٥/ ٢٠٧] ٥١٠٠ - الشهادة في مصرف الوقف مقبولة، وإن كان مستندها الاستفاضة في أصح القولين. [المستدرك ٥/ ٢٠٧] ٥١٠١ - ما لا يطلع عليه الرجال؛ كعيوب النساء تحت الثياب، والرضاع، والاستهلال، والبكارة والثيوبة، والحيض ونحوه: فيقبل فيه شهادة امرأة واحدة .. قال الشيخ تقي الدين قال أصحابنا: والاثنتان أحوط من المرأة الواحدة. [المستدرك ٥/ ٢٠٧] ٥١٠٢ - نقل جماعة: من ترك الوتر ليس عدلًا، وقاله شيخنا في الجماعة على أنها سُنَّة، لأنه يسمى ناقص الإيمان. [المستدرك ٥/ ٢٠٨] ٥١٠٣ - ويعتبر أيضًا اجتناب المحارم بأن لا يأتي كبيرة .. وهي ما فيه حد في الدنيا أو وعيد نص عليه، وعند شيخنا، أو غضب أو لعنة أو نفي الإيمان، قال: ولا يجوز أن يقع نفي الإيمان لأمر مستحب؛ بل لكمال واجب. [المستدرك ٥/ ٢٠٨] ٥١٠٤ - من أخذ بالرخص فنصّه: يفسق، وذكره ابن عبد البر إجماعًا، وقال شيخنا كرهه العلماء. [المستدرك ٥/ ٢٠٨] ٥١٠٥ - من قصد خروج الريح منه ليضحك الجماعة: فإنه يعزر على ذلك، وترد شهادته، فقد ذكر العلماء أن هذا عمل قوم لوط، ومن لا يستحيي من الناس لا يستحيي من الله. والمصرُّ على ذلك فاسق، مسلوب الولاية، مردود الشهادة. [المستدرك ٥/ ٢٠٩]

стр. 3234

٥١٠٦ - قال ابن القيم ﵀ في الحكم بالتواتر: وإن لم يكن المخبرون عدولًا ولا مسلمين. قال شيخنا: وهذا يقتضي أن القاضي إذا حصل له العلم بشهادة الشهود لم يحتج إلى تزكية. [المستدرك ٥/ ٢٠٩] ٥١٠٧ - لو زكوا الشهود ثم ظهر فسقهم ضمن المزكون. وكذلك يجب في الولاية لو أراد الإمام أن يولي قاضيًا أو واليًا لا يعرفه فيسأل عنه فزكّاه أقوام ووصفوه بما يصلح معه للولاية ثم رجعوا أو ظهر بطلان تزكيتهم: فينبغي أن يضمنوا ما أفسده الوالي والقاضي، وذلك لو أشاروا عليه وأمروا بولايته. لكن الذي لا ريب في ضمانه هو من تعهد المعصية منه مثل الخيانة، مثل من يعلم منه الخيانة أو العجز ويخبر عنه بخلاف ذلك، أو يأمر بولايته، أو يكون لا يعلم حاله ويزكيه أو يشير به. فأما إن اعتقد صلاحه وأخطأ فهذا معذور، والسبب ليس محرمًا. وعلى هذا: فالمزكي للعامل من المقترض والمشتري والوكيل كذلك. [المستدرك ٥/ ٢١٢] ٥١٠٨ - شاهد الزور إذا تاب بعد الحكم فيما لا يبطل برجوعه: فهنا قد يتعلق به حق آدمي، ثم تارة يجيء إلى الإمام تائبًا فهذا بمنزلة قاطع الطريق إذا تاب قبل القدرة عليه، وتارة يتوب بعد ظهور تزويره فهنا لا ينبغي أن يسقط عنه التعزير. [المستدرك ٥/ ٢١٢] ٥١٠٩ - من شهد بعد الحكم شهادة تنافي شهادته الأولى: فكرجوعه عن الشهادة الأولى وأولى. [المستدرك ٥/ ٢١٣] ٥١١٠ - يغرم الشاهد ما غرمه الوكيل من الزيادة بسببه، تعمد الكذب أو أخطا كالرجوع. [المستدرك ٥/ ٢١٣]

стр. 3235

٥١١١ - أَمَّا الشهَادَةُ بِالْإِعْسَارِ: فَإِذَا شَهِدُوا (١) أَنَّهُ مُعْسِرٌ عَمَّا لَزِمَه مِن الدَّيْنِ، وَعَرَفُوا قَدْرَة: صَحَّت الشَّهَادَةُ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ قُدْرَتَهُ عَلَى وَفَاءِ بَعْضِهِ. وَتَصِحُّ الشَّهَادَةُ بِذَلِكَ وَإِن لَمْ يَعْرِفُوا قَدْرَهُ إذَا شَهِدُوا بِأنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى وَفَاءِ شَيءٍ، لَكِنَّ الْعِلْمَ بِهَذَا مُتَعَذِّرٌ فِي الْغَالِبِ. وَلَكِنْ إذَا كَانَ الدَّيْنُ عَن مُعَاوَضَةٍ -كثَمَنِ بَيْعٍ وَبَدَلِ قَرْضٍ- وَكَانَ لَهُ مَالٌ مَعْرُوفٌ، فَإِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ بِذَهَابِ مَالِهِ: صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَن لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ، وَفِي مِثْل هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ مُعْسِرٌ عَاجِزٌ عَن وَفَاءِ مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ إن ادَّعَى الْعَجْزَ عَن وَفَاءِ قَلِيلٍ أَو كَثِيرٍ حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، وَحَصَلَ الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ، وَإِن ادَّعَى أَنَهُ لَيْسَ لَهُ إلَّا كَذَا حَلَفَ عَلَيْهِ. وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْبَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بِعُسْرَتِهِ ثَلَاثَةً إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ؛ لِلْخَبَرِ الْمَأثُورِ فِي ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا لَو شَهِدَتْ بِتَلَفِ مَالِهِ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ. وَالْحَدِيثُ حَدِيثُ قَبِيصَةَ بْنِ مخارق الْهِلَالِيِّ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" (٢) عَن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "لَا تَحِلُّ الْمَسْألةُ إلَّا لِثَلَاَثةٍ: .. وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاَثة مِن ذَوِي الحجى مِن قَوْمِهِ فَيَقُولُونَ: لَقَد أَصَابَ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْألةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِن عَيْشٍ". [٣٥/ ٤١٠ - ٤١١] ٥١١٢ - لَا تُقْبَلُ شَهَادَة الضَّرَّةِ فِيمَا يُبْطِلُ نِكَاحَ ضَرَّتِهَا، لَا بِرِضَاع وَلَا غَيْرِهِ. [٣٥/ ٤١٢] ٥١١٣ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن الشَّهَادَةِ عَلَى الْعَاصِي وَالْمُبْتَدِعِ: هَل تَجُوزُ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَالشُّهْرَةِ؟ أَمْ لَا بُدَّ مِن السَّمَاعِ وَالْمُعَايَنَةِ؟.

стр. 3236

فَأَجَابَ: مَا يُجْرَحُ بِهِ الشَّاهِدُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِ وَدِينِهِ فَإِنَّهُ يَشْهَدُ بِهِ إذَا عَلِمَهُ الشَّاهِدُ بِهِ بِالِاسْتِفَاضَةِ، ويكُونُ ذَلِكَ قَدْحًا شَرْعِيًّا، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ طَوَائِفُ الْفُقَهَاءِ مِن الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ فِي كُتُبِهِم الْكِبَارِ وَالصّغَارِ، صَرَّحُوا فِيمَا إذَا جُرِحَ الرَّجُلُ جَرْحًا مُفْسِدًا أَنَّهُ يَجْرَحُهُ الْجَارحُ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ، أَو رَآهُ وَاسْتَفَاضَ. وَمَا أَعْلَمُ فِي هَذَا نِزَاعًا بَيْنَ النَّاسِ؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُم يَشْهَدُونَ فِي وَقْتِنَا فِي مِثْل عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا مِن أَهْلِ الْعَدْلِ وَالدِّينِ بِمَا لَمْ يَعْلَمُوهُ إلَّا بِالِاسْتِفَاضَةِ. ويشْهَدُونَ فِي مِثْل الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ وَالْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ وَعَمْرُو بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْلَانَ الْقَدَرِيِّ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَبَإِ الرافضي وَنَحْوِهِمْ مِن الظُّلْمِ وَالْبِدْعَةِ بِمَا لَا يَعْلَمُونَهُ إلَّا بِالِاسْتِفَاضَةِ. وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَة فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا فَقَالَ: "وَجَبَتْ"، وَمُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَة فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: "وَجَبَتْ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ مَا قَوْلُك: وَجَبَتْ وَجَبَتْ؟ قَالَ: "هَذِهِ الْجِنَازَةُ أثنَيْتُمْ عَلَيْهَا خَيْرًّا فَقُلْت: وَجَبَتْ لَهَا الْجَنَّةُ، وَهَذِهِ الْجِنَازَةُ أثنَيْتُمْ عَلَيْهَا شَرًّا فَقُلْت: وَجَبَتْ لَهَا النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ". هَذَا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ تَفْسِيقَهُ لِرَدِّ شَهَادَتِهِ وَوِلَايَتِهِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ التَّحْذِيرَ مِنْهُ وَاتّقَاءَ شَرِّهِ فَيُكْتَفَى بِمَا دُونَ ذَلِكَ؛ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: اعْتَبِرُوا النَّاسَ بِأَخْدَانِهِمْ. فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُخَالِطًا فِي السَّيْرِ لِأَهْلِ الشَّرِّ يُحَذَّرُ عَنْهُ (٢).

стр. 3237

والدَّاعِي إلَى الْبِدْعَةِ: مُسْتَحِقٌّ الْعُقُوبَةَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَعُقُوبَتُهُ تكُونُ: أ - تَارَةً بِالْقَتْلِ. ب - وَتَارَةً بِمَا دُونَهُ. كَمَا قَتَلَ السَّلَفُ جَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ وَالْجَعْدَ بْنَ دِرْهَمٍ وَغَيْلَانَ الْقَدَرِيَّ وَغَيْرَهُمْ. وَلَو قُدّرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ، أَو لَا يُمْكِنُ عُقُوبَتُهُ: فَلَا بُدَّ مِن بَيَانِ بِدْعَتِهِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا (١)؛ فَإِنَّ هَذَا مِن جُمْلَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ. والْبدْعَةُ الَّتِي يُعَدُّ بِهَا الرَّجُلُ مِن أَهْلِ الْأَهْوَاءِ: مَا اشْتَهَرَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ مُخَالَفَتُهَا لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ كَبِدْعَةِ الْخَوَارجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ. فَإِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُبَارَكِ وُيوسُفَ بْنَ أَسْبَاطٍ وَغَيْرَهُمَا قَالُوا: أُصُولُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً هِيَ أَرْبَعٌ: الْخَوَارجُ وَالرَّوَافِضُ وَالْقَدَرِّيَةُ وَالْمُرْجِئَةُ. قِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ: فالْجَهْمِيَّة؟ قَالَ: لَيْسَت الْجَهْمِيَّة مِن أُمَّةِ محَمَّدٍ ﷺ . والْجَهْمِيَّة: نفاة الصِّفَاتِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ، وَإِنَّ اللهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُعْرَجْ بِهِ إلَى اللهِ، وَإِنَّ اللهَ لَا عِلْمَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا حَيَاةَ وَنَحْو ذَلِكَ، كَمَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ والمتفلسفة وَمَن اتَّبَعَهُمْ. وَقَد قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ: هُمَا صِنْفَانِ فَاحْذَرْهُمَا: الْجَهْمِيَّة وَالرَّافِضَةُ.

стр. 3238

فَهَذَانِ الصِّنْفَانِ: شِرَارُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَمِنْهُم دَخَلَت الْقَرَامِطَةُ الْبَاطِنِيَّةُ؛ كالْنُّصَيْرِيَّة والْإِسْمَاعِيلِيَّة، وَمِنْهُم اتَّصَلَت الِاتّحَادِيَّةُ؛ فَإِنَّهُم مِن جِنْسِ الطَّائِفَةِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ. والرَّافِضَةُ فِي هَذ الْأَزْمَانِ مَعَ الرَّفْضِ جهمية قَدَرِيَّةٌ؛ فَإِنَّهُم ضَمُّوا إلَى الرَّفْضِ مَذْهَبَ الْمُعْتَزِلَةِ، ثُمَّ قَد يَخْرُجُونَ إلَى مَذْهَبِ الْإِسْمَاعِيلِيَّة وَنَحْوٍ مِن أَهْلِ الزَّنْدَقَةِ وَالِاتِّحَادِ. [٣٥/ ٤١٢ - ٤١٥] ٥١١٤ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن شُهُودٍ شَهِدُوا بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ (١) وَلَمَّا شَخَصَ (٢) قَالُوا: غَلِطْنَا وَرَجَعُوا، فَهَل يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ، إذَا رَجَعَ عَن شَهَادَتِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِهَا لَمْ يُحْكَمْ بِهَا، وَإِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَد غَلِطَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ، وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي دِينِهِ وَلَا عَدَالَتِهِ. [٣٥/ ٤١٥] ٥١١٥ - قول من قال: لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين بحال: ليس معهم بذلك نص ولا قياس، ولكن كثير من الناس يغلطون، لأنهم يجعلون الخاص من الشارع عامًّا، والله أمر بإشهاد المسلمين على المسلمين إذا أمكن، فظن من ظن أن هذا يقتضي أن لا يشهد غيرهم ولو لم يوجد مسلم. وباب الشهادات مبناها على الفرق بين حال القدرة وحال العجز؛ ولهذا قُبِلَتْ (٣) شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال، وقد نص أحمد على شهادتين في الجواح وغيرها إذا اجتمعن ولم يكن عندهن رجال، مثل اجتماعهن في الحمامات والأعراس ونحو ذلك. وهذا هو الصواب؛ فإنه لا نص ولا إجماع ولا قياس يمنع شهادة النساء

стр. 3239

في مثل ذلك، وليس في الكتاب والسّنَّة ما يمنع (١) شهادة النساء في العقوبات مطلقًا. [المستدرك ٥/ ١٦٦] * * * (بَابُ الْقِسمَةُ) ٥١١٦ - ما لا يمكن قسمة عينه إذا طلب أحد الشركاء بيعه وقسم ثمنه: بيع وقسم ثمنه. [المستدرك ٥/ ١٨٣] ٥١١٧ - لو طلب أحد الشريكين الإجارة: أُجبر الآخر عليها، ذكره الأصحاب ولو في الوقف، ولو طلب أحدهم العلو لم يجب؛ بل يكرى عليهما على مذهب جماهير العلماء كأبي حنيفة ومالك وأحمد. وإذا أوجبنا على الشريك أن يؤاجر مع صاحبه فأجر أحد الشريكين العين المؤجرة، بدون إذن شريكه مدة: فينبغي أن يستحق أكثر الأمرين من أجرة المثل والأجرة المسماة؛ لأن الأجرة المسماة إذا كانت أكثر فالمستأجر رضي أن ينتفع بها. وعلى قياس ذلك: كل من اكترى مال غيره بغير إذنه. [المستدرك ٥/ ١٨٤] ٥١١٨ - ليس لأحدهما أن يفسخ حتى ينقضي الدور ويستوفي كل منهما حقه منه. ولو استوفى أحدهما نوبته ثم تلفت المنافع في مدة الإجارة: فإنه يرجع على الأول ببدل حصته من تلك المدة التي استوفاها ما لم يكن قد رضي بمنفعته في الزمن المتأخر على أي حال كان، جعلًا للتالف قبل القبض؛ كالتالف في الإجارة. [المستدرك ٥/ ١٨٤ - ١٨٥] ٥١١٩ - إذا طلب أحد الشركاء القسمة فيما ينقسم: لزم الحاكم إجابته، ولو لم يثبت عنده ملكه كبيع المرهون والجاني. [المستدرك ٥/ ١٨٥]

стр. 3240

٥١٢٠ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا دَارٌ مُشْتَرَكَةٌ، فَطَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ فَامْتَنَعَ شَرِيكُهُ مِن الْمُقَاسَمَةِ، فَهَل يُجْبَرُ عَلَى الْقِسْمَةِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: إنْ كَانَت تَقْبَل الْقِسْمَةَ مِن غَيْرِ ضَرَرٍ، بِحَيْثُ لَا تَنْقُصُ فِي الْبَيْعِ: أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَإِلَّا كَانَ لِطَالِب الْقِسْمَةِ أَنْ يَطْلُبَ الْبَيْعَ. قَد يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ وَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا الثَّمَنُ. وَالْإِجْبَارُ عَلَى الْقِسْمَةِ الْمَذْكُورَةِ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ. وَالْإِجْبَارُ عَلَى الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِ أَحْمَد. [٣٥/ ٤١٦] ٥١٢١ - إذَا طَلَبَ الشَّرِيكُ أَنْ يُؤَجِّرُوا الْعَيْنَ، وَيُقسِّمُوا الْأُجْرَةَ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ، أَو يهايئوه (١) فَيَقْتَسِمُوا الْمَنْفَعَةَ: وَجَبَ عَلَى الشُّرَكَاءِ أَنْ يُجِيبُوهُ إلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ. فَإِنْ أَجَابُوهُ إلَى الْمُهَايَأةِ وَطَلَبُوا تَطْوِيلَ الدَّوْرِ الَّذِي يَأخُذُ فِيهِ نَصِيبَهُ وَطَلَبَ هُوَ تَقْصِيرَ الدَّوْرِ: وَجَبَتْ إجَابَتُهُ دُونَهُمْ؛ فَإِنَّ الْمُهَايَأَةَ بِالزَّمَانِ فِيهَا تَأخِيرُ حُقُوقِ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ عَن بَعْضٍ، فَكُلَّمَا كَانَ الِاسْتِيفَاءُ أَقْرَبَ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ اسْتِيفَاءِ الشُّرَكَاءِ جَمِيعِهِمْ حُقُوقَهُمْ، وَالتَّأخِيرُ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ، فَكُلَّمَا قَلَّ زَمَنُ التَّأخّرِ كَانَ أَوْلَى. [٣٥/ ٤١٨] ٥١٢٢ - أَمَّا قِسْمَةُ اللَّحْمِ بِالْقِيمَةِ: فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ فَإِنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازٌ بَيْنَ الْأَنْصِبَاءِ، لَيْسَتْ بَيْعًا عَلَى الصَّحِيحِ. وَهَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَاسِمُ أَهْلَ خَيْبَرَ خَرْصًا فَيَخْرُصُ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ مَا عَلَى النَّخْلِ فَيُقَسِّمُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ. وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ خَرْصًا.

стр. 3241

وَكَذَلِكَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَنْحَرُونَ الْجُزُرَ ويُقَسِّمُونَهَا بَيْنَهُم بِلَا مِيزَانٍ، كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِي ﷺ . وَكَذَلِكَ جَمِيعُ هَذَا الْبَابِ، يَجُوزُ قِسْمَةُ التِّينِ وَالْعِنَبِ بِغَيْرِ كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ، وَتَجُوزُ قِسْمَةُ الرُّمَّانِ عَدَدًا، وَكَذَلِكَ الْبِطِّيخُ وَالْخِيَارُ. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَعْدُودَاتِ كلِّهَا أَنَّهَا تُقَسَّمُ بِالْقِيمَةِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْقِسْمَةُ بَيْعًا، لَكِنَّ تَعْدِيلَ الْأَجْزَاءِ مُعْتَبَرٌ فِيهِ الْخِبْرَةُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُعَدَّلَ الْأَنْصَابُ بمَا (١) يُمْكِنُ: إمَّا مِن كَيْلٍ أَو وَزْنٍ إنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا بِالْخَرْصِ وَالتَّقْوِيمِ، لَيْسَ هَذَا مِثْل الْبَيْعِ؛ فَإِنَّ الْقِسْمَةَ جَائِزَةٌ فِي جَمِيعِ الْمَالِ، وَيجُوزُ قِسْمَةُ التَّمْرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ. [٣٥/ ٤١٩] * * * (بَابُ الإقْرَارُ) ٥١٢٣ - التحقيق أن يقال: إن المخبر إن أخبر بما على نفسه فهو مقر، وإن أخبر بما على غيره لنفسه فهو مدّع، وإن أخبر بما على غيره لغيره، فإن كان مؤتمنًا عليه فهو مخبر، وإلا فهو شاهد؛ فالقاضي والوكيل والمكاتب والوصي والمأذون له كل هؤلاء ما أدّوه فهم مؤتمنون فيه، فإخبارهم بعد العزل ليس إقرارًا، وإنما هو خبر محض. [المستدرك ٥/ ٢١٥] ٥١٢٤ - إن قال: أنا مقر، أو خذها، أو اتزنها، أو اقبضها، أو أحرزها، أو هي صحاح - فعلى وجهين: أحدهما: يكون مقرًّا، واختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٥/ ٢١٥] ٥١٢٥ - الشَّاهِدُ يَشْهَدُ بِمَا سَمِعَهُ مِن كَلَامِ الْمُقِرّ، وَالْإِقْرَارُ يَصِحُّ بِالْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ، وَالْمُتَمَيّزِ وَغَيْرِ الْمُتَمَيِّزِ.

стр. 3242

وَإِذَا قَامَتْ بَيّنَةٌ أُخْرَى بِتَعْيِينِ مَا دَخَلَ فِي اللَّفْظِ: جَازَ ذَلِكَ وَعُمِلَ بِمُوجِبِ شَهَادَتِهِمْ. [٣٥/ ٤٢١] ٥١٢٦ - وَسُئِلَ ﵀: عَن امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ أَوْلَادًا .. وَأَنَّهَا أَقَرَّتْ فِي مَرَضِهَا الْمُتَّصِلِ بِالْمَوْتِ لِأَوْلَادِهَا الْأَشِقَّاءِ بِأَنَّ لَهُم فِي ذِمَّتِهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ. فَأجَابَ: إذَا كَانَت كَاذِبَةً فِي هَذَا الْإِقْرَارِ فَهِىَ عَاصِيَة للهِ وَرَسُولِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا إنْ كَانَت صَادِقَةً فَهِيَ مُحْسِنَة فِي ذَلِكَ مُطِيعَةٌ للهِ وَلرَسُولِهِ، وَمَن أَعَانَهَا عَلَى ذَلِكَ لِأَجْلِ اللهِ تَعَالَى. وَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الْحُكْمِ: فَأكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لَا يَقْبَلُونَ هَذَا الْإِقْرَارَ كَأبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ التُّهْمَةَ فِيهِ ظَاهِرَةٌ وَلِأَنّ حُقُوقَ الْوَرَثَةِ تَعَلَّقَتْ بِمَالِ الْمَيِّتِ بِالْمَرَضِ، فَصَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فِي حَقّهِمْ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَبَرّعَ لِأَحَدِهِمْ بِالْإِجْمَاعِ. وَمِن الْعُلَمَاءِ مَن يَقْبَلُ الْإِقْرَارَ كَالشَّافِعِيِّ؛ بِنَاءً عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ، وَأَنَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا يَكْذِبُ وَلَا يَظْلِمُ. وَالْوَاجِبُ عَلَى مَن عَرَفَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَنَحْوِهَا أَنْ يُعَاوِنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى لَا يُعَاوِنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَينْبَغِي الْكَشْفُ عَن مِثْل هَذِهِ الْقَضِيَّةِ. [٣٥/ ٤٢٥ - ٤٢٧] ٥١٢٧ - وَسُئِلَ ﵀: عَن رَجُلٍ مَاتَ وَخَلَّفَ رَجُلَيْنِ وَامْرَأَةً (١)، فَعَوَّضَا الْمَرْأَةَ مَا يَخُصُّهَا مِن مِيرَاثِ وَالِدِهَا، وَأَبْرَأَتْ إخْوَتَهَا الْبَرَاءَةَ الشَّرْعِيَّةَ بِالْعُدُولِ (٢) عَمَّا بَقِيَ بِأيْدِيهِمْ مِن مُدَّةٍ تَزِيدُ عَلَى سِتّينَ سَنَة، وَهِيَ مُقِيمَةٌ مَعَهُم بِالنَّاحِيَةِ، وَلَمْ يَكُن لَهَا مَعَهُم تَعَلُّق بِطُولِ هَذِهِ الْمُدَّةِ.

стр. 3243

فَلَمَّا توُفِّيَ إخْوَتُهَا وَتَحَقَّقَت الْمَرْأَةُ مَوْتَ الْعُدُولِ: أَنْكَرَت الْمَشْهُودَ عَلَيْهَا، وَادَّعَتْ عَلَى وَارِثِ إخْوَتِهَا [أنَّ] (١) مَا يَخُصُّهَا مِن مِيرَاثِ وَالِدِهَا بَاقٍ مَعَ إخْوَتِهَا، وَأَثْبَتَ لَهَا الْحَاكِمُ مَا ادَّعَتْهُ، وَقَامَت الْبَيِّنَةُ عَلَيْهَا بِالْبَرَاءَةِ بِطَرِيقِهَا، فَهَل يَنْدَفِعُ مَا أَثْبَتَ لَهَا الْحَاكِمُ؟ فَأجَابَ: إذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ شَرْعِيَّةٌ عَلَى إقْرَارِهَا بالْقَبْضِ وَالْإِبْرَاءِ الشَّرْعِيِّ: كَانَت دَعْوَى وَرَثَتِهَا (٢) بَاطِلَةً (٣). وَلَو أَقَامُوا (٤) بَيِّنةً وَأَثْبَتُوا (٥) ذَلِكَ عِنْدَ الْحَاكِمِ: كانت بَيِّنَةُ الْإِقْرَارِ بِالْقَبْضِ وَالْإِبْرَاءِ مُقَدَّمَةً؛ لِأَنَّ مَعَهَا مَزِيدَ عِلْمٍ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَدَّعِيَ أَنَّهَا أَقَرَّتْ مُكْرَهَةً، أَو حَيَاءً، أَو أَقَرَّتْ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَلَمْ يُوجَد الْمُقَرُّ بِهِ، فَلَهَا تَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّ بَاطِنَ الْإِقْرَارِ كَظَاهِرِهِ، أَو أَنَهُم لَا يَعْلَمُونَ بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ. وَإِذَا كَانَ شُهُودُ الْإِبْرَاءِ قَد مَاتُوا وَخُطُوطُهُم مَعْرُوفَة: شَهِدَ بِذَلِكَ مَن يَعْرِفُ خُطُوطَهُمْ، وَحَكَمَ بِهِ مَن يَرَى مِن الْعُلَمَاءِ. مَعَ أَنَّ دَعْوَاهَا بِحَقِّهَا بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ مِن غَيْرِ مَانِعٍ يَعُوقُ: لَا يُقْبَلُ فِي أَحَدِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ. [٣٥/ ٤٢٧ - ٤٢٨] ٥١٢٨ - إذَا أَقَرَّ [أي: الزوج] أَنَّ جَمِيعَ مَا فِي بَيْتِهِ مِلْكٌ لِزَوْجَتِهِ إلَّا السِّلَاحَ وَالدَّوَابَّ وَآلَةَ الْخَيْلِ: كَانَ هَذَا إقْرَارًا صَحِيحًا يُعْمَلُ بِمُوجَبِهِ بِلَا خِلَافٍ، وإذَا كَانَ مُسْتَنَدُهُ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ أَنَّه ملَّك لِزَوْجَتِهِ تَمَلّكًا شَرْعِيًّا لَازِمًا كَانَ الْإِقْرَارُ صَحِيحًا بَاطِنًا وَظَاهِرًا. [٣٥/ ٤٢٩]

стр. 3244

٥١٢٩ - لا يجوز تلقين الإقرار لمن لا يعلم أنه صادق فيه، ولا الشهادة عليه، إلا إذا علم أنه كاذب في ذلك؛ كالعقود المحرمة. [المستدرك ٥/ ٢١٥] ٥١٣٠ - إذا خلف رجل مالًا بينه وبين آخر فأنكر الورثة حتى أبرأ وأخذوا منه بعض شيء: لم يصح إبراؤهم؛ لأنهم مكرهون، وكذلك إذا قال: ما لكم عندي، غير كذا فأبرؤه، ثم ظهر أن لهم عنده غير ما أقر لهم به فلا يصح إبراؤهم من الزائد الذي كتمه. [المستدرك ٥/ ٢١٦] ٥١٣١ - إذا كان الإنسان ببلد سلطان ظالم أو قطاع طريق ونحوهم من الظلمة، فخاف أن يؤخذ ماله، أو المال الذي يتركه لورثته، أو المال الذي بيده للناس، إما بحجة أنه ميت لا وارث له، أو بحجة أنه مال غائب، أو بلا حجة أصلًا: فيجوز له الإقرار بما يدفع عنه هذا الظلم ويحفظ هذا المال لصاحبه؛ مثل أن يقر لحاضر: أنه ابنه، أو يقر أن له عليه كذا وكذا، أو يقر أن المال الذي بيده لفلان، ويتأول في إقراره بأنه يعني بقوله: "ابني" كونه صغيرًا، أو بقوله: "أخي" أخوة الإسلام، وأن المال الذي بيده له؛ أي: لأنه قبضه لكوني قد وكلته في إيصاله إلى مستحقه، لكن يشترط أن يكون المقر له أمينًا. والاحتياط أن يشهد على المقر له أيضًا: أن هذا الإقرار تلجئه، تفسيره كذا وكذا. [المستدرك ٥/ ٢١٦] ٥١٣٢ - وإن أقر من عليه ولاء بنسب وارث لم يقبل إقراره إلا أن يصدقه مولاه، وخرج في المحرر وغيره يقبل إقراره، واختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٥/ ٢١٧] ٥١٣٣ - إن أقر من شك في بلوغه وذكر أنه لم يبلغ فالقول قوله بلا يمين، قطع به في المغني والمحرر لعدم تكليفه. ويتوجه أن يجب عليه اليمين، لأنه إن كان لم يبلغ لم يضره، وإن كان قد بلغ حجر عليه فأقر بالحق. [المستدرك ٥/ ٢١٧]

стр. 3245

٥١٣٤ - إذا أقر المريض مرض الموت المخوف لوارث: فيحتمل أن يجعل إقراره لوارث كالشهادة فترد في حق من ترد شهادته له كالأب، بخلاف من لا ترد. ثم هذا هل يحلف المقر له معه كالشاهد؟ وهل تعتبر عدالة المقر؟ ثلاث احتمالات. ويحتمل أن يفرق مطلقًا بين العدل وغيره؟ فإن العدل معه من الدين ما يمنعه من الكذب ويُحوجه إلى (١) براءة ذمته، بخلاف الفاجر. ولو حلف المقر له مع هذا تأكد؛ فإن في قبول الإقرار مطلقًا فساد عظيم، كذلك في رده أيضًا. [المستدرك ٥/ ٢١٨] ٥١٣٥ - لا تقبل الدعوى بما يناقض إقراره، إلا أن يذكر شبهة تجري بها العادة. [المستدرك ٥/ ٢١٩] ٥١٣٦ - إذا أنكر زوجية امرأته قدام الحاكم فلما أبرأته الزوجة بعد ذلك اعترف بالزوجية وطلق على مائتي درهم: لم يبطل حقها؛ بل هو باق في ذمته لها أخذه منه. [المستدرك ٥/ ٢١٩] ٥١٣٧ - إن الرجوع عن الدعوى مقبول، والرجوع عن الإقرار غير مقبول. [المستدرك ٥/ ٢٢٠] ٥١٣٨ - الإقرار الذي لم يتعلق به حق لله ولا حق لآدمي هو من باب الدعاوي فيصح الرجوع عنه. [المستدرك ٥/ ٢٢٠ - ٢٢١] ٥١٣٩ - من أقر بقبض ثمن أو غيره ثم أنكر وقال: ما قبضت، وسأل إحلاف خصمه: فله ذلك في أصح قولي العلماء. [المستدرك ٥/ ٢٢١] ٥١٤٠ - لا يشترط في صحة الإقرار كون المُقَرّ به بيد المُقِرّ.

стр. 3246

٥١٤١ - الإقرار قد يكون بمعنى الإنشاء؛ كقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١] ولو أقر به وأراد إنشاء تمليكه صح. [المستدرك ٥/ ٢٢١] ٥١٤٢ - إن قال: غصبت هذا المال من زيد لا بل من عمرو: لزمه دفعه إلى زيد ويغرم قيمته لعمرو .. وقيل: لا إقرار (١) مع استدراك متصل، واختاره الشيخ تقي الدين. [المستدرك ٥/ ٢٢١] ٥١٤٣ - من أقر بملك ثم ادعى شراءه قبل إقراره: لا يقبل ما يناقض إقراره إلا مع شبهة معتادة. [المستدرك ٥/ ٢٢٢] ٥١٤٤ - لو قال الرجل: أنا لا أكذب فلانًا: لم يكن مصدقًا له؛ فالمتوجه أنه مجرد نفى للإنكار، إن لم ينضم إليه قرينة بأن يكون المدعَى مما يعلمه المطلوب، أو قد (٢) ادعى عليه علمه، وإلا لم يكن إقرارًا. [المستدرك ٥/ ٢٢٢] ٥١٤٥ - الصواب في الإقرار المعلق بشرط: أنَّ نفس الإقرار لا يتعلق، وإنما يتعلق المقر به؛ لأن المقر به قد يكون معلقًا بسبب قد يوجبه، أو يوجب أداءه دليل يظهره. [المستدرك ٥/ ٢٢٣] ٥١٤٦ - إذا أقرَّ العامي بمضمون محض وادعى عدم العلم بدلالة اللفظ ومثله يجهله قبل منه على المذهب. [المستدرك ٥/ ٢٢٣] ٥١٤٧ - إذا أقرَّ لغيره بعين له فيها حق لا يثبت إلا برضا المالك؛ كالرهن والإجارة ولا بينة، قال الأصحاب: لم يقبل. ويتوجه أن يكون القول قوله؛ لأن الإقرار ما تضمن ما يوجب تسليم العين أو المنفعة، فما أقر بما يوجب التسليم كما في قوله: "كان له علي ألف وقضيته"، ولأنا نجوز مثل هذا الاستثناء في الإنشاءات في البيع ونحوه فكذلك في الإقرارات. والقرآن يدل على ذلك في آية الدين، وكذا لو أقر بفعل فعله وادعى إذن المالك. [المستدرك ٥/ ٢٢٣]

стр. 3247

٥١٤٨ - الاستثناء يمنع دخول المستثني في اللفظ، لا أنه يخرجه بعدما دخل في الأصح. [المستدرك ٥/ ٢٢٤] ٥١٤٩ - يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ ما دُونَ النِّصْفِ. وَظَاهِرُ كَلَامِهِ في الْمُسْتَوْعِبِ أَنَّهُ كَالِاسْتِثْنَاءِ في الْيَمِينِ على ما تَقَدَّمَ في كِتَابِ الْأَيْمَانِ، وَذَكَرَهُ (١) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدّينِ ﵀ وقال: مِثْلُهُ كُلُّ صِلَةِ كَلَامٍ مُغَيِّرٍ له، وَاخْتَارَ أَنَّ الْمُتَقَارِبَ مُتَوَاصِلٌ (٢). [المستدرك ٥/ ٢٢٤ - ٢٢٥] ٥١٥٠ - إِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ وَهَبَ أو رَهَنَ وَأَقْبَضَ، أو أَقَرَّ بِقَبْضِ ثَمَنٍ أو غَيْرِهِ ثُمَّ أنْكَرَ، وقال: ما قَبَضْت وَلَا أَقْبَضْت وَسَأَلَ إحْلَافَ خَصْمِهِ: فَهَل يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ على وَجْهَيْنِ .. إحْدَاهُمَا: يَلْزَمُهُ الْيَمِينُ. وهو الْمَذْهَبُ .. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. [الإنصاف ١٢/ ١٩٥] ٥١٥١ - يعتبر في الكلام عرف المتكلم، فيحمل مطلق كلامه على أقل محتملاته. [المستدرك ٥/ ٢٢٦] * * * (الاشتقاق) ٥١٥٢ - قال ابن القيم ﵀: قلت يومًا لشيخنا أبي العباس ابن تيمية قدس الله روحه: قال ابن جنين: مكثت برهة إذ ورد علي لفظ آخذ معناه من نفس حروفه وصفاتها وجرسه وكيفية تركيبه، ثم أَكْشِفُه فإذا هو كما ظننته أو قريبًا منه، فقال لي ﵀: وهذا كثير ما يقع لي. ثم ذكر لي فصلًا عظيم النفع في التناسب بين اللفظ والمعنى ومناسبة الحركات لمعنى اللفظ، وأنهم في الغالب يجعلون الضمة التي هي أقوى

стр. 3248

الحركات للمعنى الأقوى، والفتحة خفيفة للمعنى الخفيف، والمتوسطة للمتوسط، فيقولون: "عزَّ يعَزُّ" بفتح العين إذا صلب، "وأرض عزاز" صلبة، ويقولون: "عزَّ يعِزُّ" بكسرها إذا امتنع، والممتنع فوق الصلب، فقد يكون الشيء صلبًا ولا يمتنع على كاسره، ثم يقولون: "عزَّه يعُزُّه" إذا غلبه، قال الله تعالى في قصة داود: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ [ص: ٢٣]، والغلبة أقوى من الامتناع؛ إذ قد يكون الشيء ممتنعًا في نفسه، متحصنًا عن عدوه، ولا يغلب غيره؛ فالغالب أقوى من الممتنع فأعطوه أقوى الحركات، والصلب أضعف من الممتنع فأعطوه أقوى الحركات، والصلب أضعف من الممتنع فأعطوه أضعف الحركات، والممتنع المتوسط بين المرتبتين فأعطوه حركة الوسط. [المستدرك ٥/ ٢٢٧ - ٢٢٨] * * * (علم النفس) ٥١٥٣ - قال ابن القيم ﵀ في أقسام النفوس وطبائعها وانقسام الناس بالنسبة إليها، وسألت يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه المسألة وقطع الآفات والأشغال بتنقية الطريق وبتنظيفها. فقال لي جملة كلامه: النفس مثل الباطوس -وهو جبُّ القَذَر- (١) كلما نبشته ظهر وخرج، ولكن إن أمكنك أن تسقف عليه وتعبره وتجوزه فافعل، ولا تشتغل بنبشه، فإنك لن تصل إلى قراره، وكلما نبشت شيئًا ظهر غيره. فقلت: سألت عن هذه المسألة بعض الشيوخ، فقال لي: مثل آفات النفس مثل الحيات والعقارب التي في طريق المسافر، فإن أقبل على تفتيش الطريق عنها والاشتغال بقتلها انقطع ولم يمكنه السير قط ولكن لتكن همتك المسير والإعراض عنها وعدم الالتفات إليها، فإذا عرض لك فيها ما يعوقك عن المسير فاقتله ثم امض على سيرك.

стр. 3249

فاستحسن شيخ الإسلام ذلك جدًّا وأثنى على قائله. [المستدرك ٥/ ٢٢٨ - ٢٢٩] ٥١٥٤ - قال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر الخلاف في السمع والبصر: أيهما أشرف؟ قال شيخ الإسلام تقي الدين قدس الله روحه ونوَّر ضريحه: وفصل الخطاب: أن إدراك السمع أعم وأشمل، وإدراك البصر أتم وأكمل، فهذا له التمام والكمال، وذاك له العموم والشمول، فقد ترجح كل منهما بما اختص. [المستدرك ٥/ ٢٢٩] ٥١٥٥ - قال ابن القيم ﵀: سمعت رجلًا يقول لشيخنا: إذا خان الرجل في نقد الدراهم سلبه الله معرفة النقد، أو قال: نسيه، فقال الشيخ: هكذا من خان الله تعالى ورسوله في مسائل العلم. [المستدرك ٥/ ٢٢٩] * * *

стр. 3250

كِتَابُ قِتَالِ أَهلِ البَغْيِ إِلي نِهَايَةِ الإقرَارِ (باب الخلافة والملك) ٥١٥٦ - أوجب النبي ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر فهو تنبيه على أنواع الاجتماع. [المستدرك ٥/ ١٢٣] ٥١٥٧ - استماع كلام المبتدع للرد عليه من جنس الجهاد (١). [المستدرك ٥/ ١٢٤] ٥١٥٨ - هذه المحن والفتن إذا لم يطلبها المرء ولم يتعرض لها؛ بل ابتلي بها ابتداء: أعانه الله تعالى عليها بحسب حال ذلك العبد عنده؛ لأنه لم يكن منه في طلبها فعل ولا قصد، حتى يكون ذلك ذنبًا يعاقب عليه، ولا كان منه كبر واختيال مثل دعوى قوة أو ظن كفاية بنفسه حتى يخذل بترك توكله ويوكل إلى نفسه؛ فإن العبد يُؤتَى من ترك ما أمر به (٢). [المستدرك ٥/ ١٢٤] ٥١٥٩ - المبتلى من غير تعرض (٣): قد يفرط بترك المأمور وفعل المحظور، حتى يخذل ولا يعان، فيؤتى من ذنوبه، لا من نفس ما ابتلي به، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥]. فأما المؤمنون الذين لم يكن منهم تفريط ولا عدوان: فإذا ابتلوا أُعينوا. وقد تبيَّن أن التعرض للفتن بالإيجاب والتحريم بالعهود والنذور وطلب

стр. 3251

الولاية وتمني لقاء العدو ونحو ذلك: هو من الذنوب. [المستدرك ٥/ ١٢٥] ٥١٦٠ - لا يُعلم العدل والظلم إلا بالعلم، فصار الدين كله: العلم والعدل، وضد ذلك الظلم والجهل، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢]. [المستدرك ٥/ ١٢٥] ٥١٦١ - قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الرَّدُّ إلَى اللهِ هُوَ الرَّدُّ إلَى كِتَابِهِ، وَالرَّدُّ إلَى الرَّسُولِ بَعْدَ مَوْتِهِ هُوَ الرَّدُّ إلَى سُنَّتِهِ. [المستدرك ٣٥/ ٦] ٥١٦٢ - قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] جَعَلَ اللهُ الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلَهُ هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. [٣٥/ ٦] ٥١٦٣ - فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١) عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تناصحوا مَن وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَكُمْ". وَفِي "السُّنَنِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ مَسْعودٍ ﵁ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَبَلَّغَهُ إلَى مَن لَمْ يَسْمَعْهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَن هُوَ أفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، ثَلَاثٌ لَا يَغلُّ عَلَيْهنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إخْلَاصُ الْعَمَلِ للهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإنَّ دَعْوَتَهُم تُحِيطُ مِن وَرَائِهِمْ" (٢). وَيغَلُّ: بِالْفَتْحِ هُوَ الْمَشْهُورُ، وَيُقَالُ: غَلَى صَدْرَهُ فَغَلَّ: إذَا كَانَ ذَا غِشِّ وَضَغَنٍ وَحِقْدٍ؛ أَيْ: قَلْبُ الْمُسْلِمِ لَا يَغلُّ عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ

стр. 3252

الثَّلَاثَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي قَوْلِهِ: "إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تناصوا مَن وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَكُمْ". فَإِنَّ اللهَ إذَا كَانَ يَرْضَاهَا لنَا: لَمْ يَكُن قَلْبُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يُحِبُّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ يَغِلُّ عَلَيْهَا يُبْغِضُهَا وَيكْرَهُهَا، فَيَكُونُ فِي قَلْبِهِ عَلَيْهَا غِلٌّ؛ بَل يُحِبُّهَا قَلْبُ الْمُؤْمِنِ وَيَرْضَاهَا. [٣٥/ ٧ - ٨] ٥١٦٤ - مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِن طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمُنَاصَحَتِهِمْ وَاجِبٌ عَلَى الْإِنْسَانِ وَإِن لَمْ يُعَاهِدْهُم عَلَيْهِ، وَإِن لَمْ يَحْلِفْ لَهُم الْأَيْمَانَ الْمُؤَكَّدَةَ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالزَّكَاةُ وَالصّيَامُ وَحَجُّ الْبَيْتِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِن الطَّاعَةِ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ تَوْكِيدًا وَتَثْبِيتًا لِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِن طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَمُنَاصَحَتِهِمْ. [٣٥/ ٩] * * * ولاة الأمور ٥١٦٥ - وُلَاةِ الْأُمُورِ فِينَا هُم خُلَفَاءُ الرَّسُولِ. [١٩/ ١١٧] ٥١٦٦ - الْأُمَرَاءُ الَّذِينَ كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَن وَقْتِهَا وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن قِتَالِهِمْ: إِنْ قِيلَ: -وَهُوَ الصَّحِيحُ- إنَّهُم كَانُوا يُفَوِّتُونَهَا فَقَد أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْأُمَّةَ بِالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ، وَقَالَ: "اجْعَلُوا صَلَاَتكُمْ مَعَهُم نَافِلَةً"، وَنَهَى عَن قِتَالِهِمْ كَمَا نَهَى عَن قِتَالِ الْأَئِمَّةِ إذا اسْتَأثَرُوا وَظَلَمُوا النَّاسَ حُقُوقَهُمْ، وَاعْتَدَوْا عَلَيْهِمْ، وَإِن كَانَ يَقَعُ مِن الْكَبَائِرِ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مَا يَقَعُ. وَمُؤَخِّرُهَا عَن وَقْتِهَا فَاسِقٌ، وَالْأَئِمَّة لَا يُقَاتَلُونَ بِمُجَرَّدِ الْفِسْقِ، وَإِن كَانَ الْوَاحِدُ الْمَقْدُورُ قَد يُقْتَلُ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْفِسْقِ؛ كَالزنا وَغَيْرِهِ. فَلَيْسَ كُلُّ مَا جَازَ فِيهِ الْقَتْلُ جَازَ أَنْ يُقَاتَلَ الْأَئِمَّةُ لِفِعْلِهِمْ إيَّاهُ؛ إذ فَسَادُ الْقِتَالِ أَعْظَمُ مِن فَسَادِ كَبِيرَةٍ يَرْتَكِبُهَا وَليُّ الْأَمْرِ. [٢٢/ ٦١]

стр. 3253

٥١٦٧ - مِن الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ الْمَأمُورِ بِهِ: الصَّبْرُ عَلَى ظُلْمِ الْأَئِمَّةِ وَجَوْرِهِمْ، كَمَا هُوَ مِن أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَكَمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ لَمَّا قَالَ: لا إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أثَرَة فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلَقَّوْنِي عَلَى الْحَوْضِ" (١)، وَقَالَ: "مَن رَأَى مِن أَمِيرِهِ شيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ" (٢)، إلَى أَمْثَالِ ذَلِكَ. وَنُهُوْا عَن قِتَالِهِمْ مَا صَلَّوْا؛ وَذَلِكَ: أ - لِأَنَّ مَعَهُم أَصْلُ الدِّينِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ تَوْحِيدُ اللهِ وَعِبَادَتُهُ. ب - وَمَعَهُم حَسَنَاتٌ وَتَرْكُ سَيِّئَاتٍ كَثِيرَةٍ. وَأَمَّا مَا يَقَعُ مِن ظُلْمِهِمْ وَجَوْرِهِمْ بِتَأوِيلٍ سَائِغٍ أَو غَيْرِ سَائِغٍ: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَالَ؛ لِمَا فِيهِ مِن ظُلْمٍ وَجَوْرٍ كَمَا هُوَ عَادَةُ أَكْثَرِ النُّفُوسِ تُزِيلُ الشَّرَّ بِمَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَتُزِيلُ الْعُدْوَانَ بِمَا هُوَ أَعْدَى مِنْهُ. فَالْخُرُوج عَلَيْهِم يُوجِبُ مِن الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ أَكْثَرَ مِن ظُلْمِهِمْ، فَيُصْبَرُ عَلَيْهِ كَمَا يُصْبَرُ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْوُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنْكَرِ عَلَى ظُلْمِ الْمَأمُورِ وَالْمَنْهِيِّ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧]. وينْدَرجُ فِي ذَلِكَ وُلَاةُ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ عَلَيْهِم مِن الصَّبْرِ وَالْحِلْمِ مَا لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِمْ، كَمَا أَنَّ عَلَيْهِم مِن الشَّجَاعَةِ وَالسَّمَاحَةِ مَا لَيْسَ عَلَى غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْإِمَارَةِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِذَلِكَ. [٢٨/ ١٧٩ - ١٨٠] ٥١٦٨ - هَذِهِ رِسَالَةٌ (٣) مُخْتَصَرَةٌ فِيهَا جَوَامِعُ مِن السِّيَاسَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْآيَاتِ النَبّوَيَّةِ لَا يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةُ.

стр. 3254

وَهَذِهِ الرِّسَالَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى آيَتَيْنِ فِي كِتَابِ اللهِ؛ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٨، ٥٩]. قَالَ الْعُلَمَاءُ: نَزَلَت الآيَةُ الْأُولَى فِي وُلَاةِ الْأُمُورِ، عَلَيْهِم أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمُوا بَيْنَ النَّاسِ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، وَنَزَلَتْ الثَّانِيَةُ فِي الرَّعِيَّةِ مِن الْجُيُوشِ وَغَيْرِهِمْ، عَلَيْهِم أَنْ يُطِيعُوا أُولي الْأَمْرِ الْفَاعِلِينَ لِذَلِكَ فِي قَسْمِهِمْ وَحُكْمِهِمْ وَمَغَازِيهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يَأمُرُوا بِمَعْصِيَةِ اللهِ، فَإِذَا أَمَرُوا بِمَعْصِيَةِ اللهِ فَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي شَيءٍ رَدُّوهُ إلَى كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ . وَإِذَا كَانَت الآيَةُ قَد أَوْجَبَتْ أَدَاءَ الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَالْحُكْمَ بِالْعَدْلِ: فَهَذَانِ جِمَاعُ السِّيَاسَةِ الْعَادِلَةِ وَالْوِلَايَةِ الصَّالِحَةِ. أَمَّا أَدَاءُ الْأَمَانَاتِ فَفِيهِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا الْوِلَايَاتُ: وَهُوَ كَانَ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ، فَإِنَّ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ وَتَسَلَّمَ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ مِن بَنِي شَيْبَةَ طَلَبَهَا مِنْهُ الْعَبَّاسُ لِيَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَسِدَانَةِ الْبَيْتِ فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَدَفَعَ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ إلَى بَنِي شَيْبَةَ. فَيَجِبُ عَلَى وَليِّ الْأَمْرِ أَنْ يُوَلّيَ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ مِن أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ أَصْلَحَ مَن يَجِدُهُ لِذَلِكَ الْعَمَلِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مَن وَلِيَ مِن أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا وَهُوَ يَجِدُ مَن هُوَ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ فَقَد خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ". فَيَجِبُ عَلَى كُلّ مَن وَلِيَ شَيْئًا مِن أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ .. أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيمَا تَحْتَ يَدِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَصْلَحَ مَن يَقْدِرُ عَلَيْهِ. [٢٨/ ٢٤٤ - ٢٤٧]

стр. 3255

٥١٦٩ - يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ الْأَصْلَحَ فِي كُل مَنْصِبٍ؛ فَإنَّ الْوِلَايَةَ لَهَا رُكْنَانِ: الْقُوَّةُ وَالْأَمَانَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦]. وَالْقُوَّةُ فِي كُلّ وِلَايَةٍ بِحَسْبِهَا؛ فَالْقوَّةُ فِي إمَارَةِ الْحَرْبِ تَرْجِعُ إلَى شَجَاعَةِ الْقَلْبِ وَإِلَى الْخِبْرَةِ بِالْحُرُوبِ وَالْمُخَادَعَةِ فِيهَا؛ فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ، وإلَى الْقُدْرَةِ عَلَى أَنْوَاعِ الْقِتَالِ: مِن رَمْىٍ وَطَعْنٍ وَضَرْبٍ وَرُكُوبٍ وَكَرٍّ وَفَرٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَالْقُوَّةُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ تَرْجِعُ إلَى الْعِلْمِ بِالْعَدْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ. وَالْأَمَانَةُ تَرْجِعُ إلَى خَشْيَةِ اللهِ، وَأَلَّا يَشْتَرِيَ بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وَتَرْكِ خَشْيَة النَّاسِ، وَهَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلَاثُ الَّتِي أَخَذَهَا اللهُ عَلَى كُلِّ مَن حَكَمَ عَلَى النَّاسِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤]. [٢٨/ ٢٥٣ - ٢٣٤] ٥١٧٠ - الْقَاضِي: اسْمٌ لِكُلِّ مَن قَضَى بَيْنَ اثْنَيْنِ وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ خَلِيفَةً أَو سُلْطَانًا أَو نَائِبًا أَو وَالِيًا، أَو كَانَ مَنْصُوبًا لِيَقْضِيَ بِالشَّرْعِ، أَو نَائِبًا لَهُ، حَتَّى مَن يَحْكُم بَيْنَ الصِّبْيَانِ فِي الْخطُوطِ إذَا تَخَايَرُوا، هَكَذَا ذَكَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. [٢٨/ ٢٣٤] ٥١٧١ - إِذَا تَعَيَّنَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ أَمَانَةً وَالْآخَرُ أَعْظَمُ قُوَّةً: قُدِّمَ أَنْفَعُهُمَا لِتِلْكَ الْوِلَايَةِ وَأَقَلُّهُمَا ضَرَرًا فِيهَا، فَيُقَدَّمُ فِي إمَارَةِ الْحُرُوبِ الرَّجُلُ الْقَوِيّ الشُّجَاعُ وَإِن كَانَ فِيهِ فُجُورٌ عَلَى الرَّجُلِ الضَّعِيفِ الْعَاجِزِ وَإِن كَانَ أَمِينًا. وَلهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَعْمِلُ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْحَرْبِ مُنْذُ أَسْلَمَ وَقَالَ: "إنَّ خَالِدَ سَيْف سَلَّهُ اللهُ عَلَى الْمُشْرِكينَ" (١)، مَعَ أَنَّهُ أَحْيَانًا قَد كَانَ يَعْمَلُ مَا يُنْكِرُهُ النَّبِيُّ ﷺ .

стр. 3256

وَهَكَذَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا زَالَ يَسْتَعْمِل خَالِدًا فِي حَرْب أَهْلِ الرِّدَّةِ وَفِي فُتُوحِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَبَدَتْ مِنْهُ هَفَوَاتٌ كَانَ لَهُ فِيهَا تَأوِيلٌ، وَقَد ذُكِرَ لَهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فِيهَا هَوًى، فَلَمْ يَعْزِلْهُ مِن أَجْلِهَا بَل عَاتَبَهُ عَلَيْهَا؛ لِرُجْحَانِ الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ فِي بَقَائِهِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَكُن يَقُومُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَلّيَ الْكَبِيرَ إذَا كَانَ خُلُقُهُ يَمِيلُ إلَى اللِّينِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خُلُقُ نَائِبِهِ يَمِيلُ إلَى الشِّدَّةِ، وَإِذَا كَانَ خُلُقُهُ يَمِيلُ إلَى الشِّدَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خُلُقُ نَائِبِهِ يَمِيلُ إلَى اللِّينِ؛ لِيَعْتَدِلَ الْأَمْرُ. وَلهَذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصدِّيق ﵁ يُؤثِرُ اسْتِنَابَةَ خَالِدٍ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُؤْثِرُ عَزْلَ خَالِدٍ وَاسْتِنَابَةَ أَبِي عُبَيْد بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁؛ لِأَنَّ خَالِدًا كَانَ شَدِيدًا كَعُمَر بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ كَانَ لَيِّنًا كَأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ الْأَصْلَحُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُوَلِّيَ مَن وَلَّاهُ؛ لِيَكُونَ أَمْرُهُ مُعْتَدِلًا. وَإِذَا كَانَت الْحَاجَةُ فِي الْوِلَايَةِ إلَى الْأَمَانَةِ أَشَدَّ قُدِّمَ الْأَمِينُ: مِثْلُ حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا. [٢٨/ ٢٥٤ - ٢٥٨] ٥١٧٢ - يَجُوزُ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْأَهْلِ لِلضَّرُورَةِ إذَا كَانَ أَصْلَحَ الْمَوْجُودِ، فَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ السَّعْيُ فِي إصْلَاحِ الْأَحْوَالِ حَتى يَكْمُل فِي النَّاسِ مَا لَا بُدَّ لَهُم مِنْهُ مِن أمُورِ الْوِلَايَاتِ وَالْإِمَارَاتِ وَنَحْوِهَا. [٢٨/ ٢٥٩] ٥١٧٣ - الْمَقْصُودُ الْوَاجِبُ بِالْوِلَايَاتِ: أ - إصْلَاحُ دِينِ الْخَلْقِ الَّذِي مَتَى فَاتَهُم خَسِرُوا خُسْرَانًا مُبِينًا وَلَمْ يَنْفَعْهُم مَا نَعِمُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا. ب - وَإِصْلَاحُ مَا لَا يَقُومُ الدِّينُ إلَّا بِهِ مِن أَمْرِ دُنْيَاهُمْ، وَهُوَ نَوْعَانِ: أ - قَسْمُ الْمَالِ بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهِ. ب - وَعُقُوبَاتُ الْمُعْتَدِينَ. فَمَن لَمْ يَعْتَدِ أَصْلَحَ لَهُ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ.

стр. 3257

فَالْمَقْصُودُ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ، وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا. وَكَلِمَةُ اللهِ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكَلِمَاتِهِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا كِتَابُهُ. [٢٨/ ٢٦٢ - ٢٦٣] ٥١٧٤ - لَيْسَ لِلرَّعِيَّةِ أَنْ يَطْلُبُوا مِن وُلَاةِ الْأَمْوَالِ مَا لَا يَسْتَحِقُّونَهُ، فَيَكُونُونَ مِن جِنْسِ مَن قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾ [التوبة: ٥٨]. وَلَا لَهُم أَنْ يَمْنَعُوا السُّلْطَانَ مَا يَجِبُ دَفْعُهُ إلَيْهِ مِن الْحُقُوقِ وَإِن كَانَ ظَالِمًا؛ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا ذُكِرَ جَوْرُ الْوُلَاةِ فَقَالَ: "أَدُّوا إلَيْهِم الَّذِي لَهُم؛ فَإنَّ اللهَ سَائِلُهُم عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ" (١). وَلَيْسَ لِوُلَاةِ الْأمُورِ أَنْ يَقْسِمُوهَا بِحَسَبِ أَهْوَائِهِمْ كَمَا يَقْسِمُ الْمَالِكُ مِلْكَهُ؛ فَإِنَّمَا هُم أُمَنَاءُ وَنُوَّابٌ وَوُكَلَاءُ، لَيْسُوا مُلَّاكًا؛ كَمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنِّي - وَاللهِ- لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا؛ وَإِنَّمَا أنا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْت". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَهَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَد أَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَنْعُ وَالْعَطَاءُ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَالِكُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ، وَكَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ يُعْطُونَ مَن أَحَبُّوا وَيمْنَعُونَ مَن أَبْغَضُوا، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللهِ، يَقْسِمُ الْمَالَ بِأَمْرِهِ، فَيَضَعُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى. [٢٨/ ٢٦٦ - ٢٦٨] ٥١٧٥ - مَتَى اهْتَمَّتِ الْوُلَاةُ بِإِصْلَاحِ دِينِ النَّاسِ: صَلُحَ لِلطَّائِفَتَيْنِ فىِ دِينُهُم وَدُنْيَاهُمْ، وَإِلَّا اضْطَرَبَت الْأُمُورُ عَلَيْهِمْ. وَمِلَاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ: صَلَاحُ النّيَّةِ لِلرَّعِيَّةِ، وإخْلَاصُ الدِّينِ كُلِّهِ للهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْإِخْلَاصَ وَالتَّوَكُّلَ جِمَاعُ صَلَاحِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، كَمَا أَمَرَنَا أَنْ نَقُولَ فِي صَلَاتِنَا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥].

стр. 3258

وَأَعْظَمُ عَوْنٍ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ خَاصَّة وَلغَيْرِهِ عَامَّةً ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: الْإِخْلَاصُ للهِ وَالتوَكُّلُ عَلَيْهِ بِالدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ بِالْقَلْبِ وَالْبَدَنِ. الثَّانِي: الْإِحْسَانُ إلَى الْخَلْقِ بِالنَّفْعِ وَالْمَالِ الَّذِي هُوَ الزَّكَاةُ. الثَّالِثُ: الصَّبْرُ عَلَى أَذَى الْخَلْقِ وَغَيْرِهِ مِن النَّوَائِبِ. [٢٨/ ٣٦١] ٥١٧٦ - لَيْسَ حُسْنُ النِّيَّةِ بِالرَّعِيَّةِ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِم: أَنْ يَفْعَلَ مَا يَهْوُونَهُ وَيتْرُكَ مَا يَكْرَهُونَهُ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]. وَإِنَّمَا الْإِحْسَانُ إلَيْهِم فِعْلُ مَا يَنْفَعُهُم فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَلَو كَرِهَهُ مَن كَرِهَهُ، لَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفُقَ بِهِم فِيمَا يَكْرَهُونَهُ، فَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن النَبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيءٍ إلا زَانَهُ وَلَا كَانَ الْعُنْفُ فِي شَيءٍ إلَّا شَانَهُ". وَهَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ لَمْ يَرُدَّهُ إلَّا بِهَا أَو بِمَيْسُور مِن الْقَوْلِ. وإذَا حَكَمَ عَلَى شَخْصٍ فَإِنَّهُ قَد يَتَأذَّى، فَإِذَا طَيَّبَ نَفْسَهُ بِمَا يَصْلُحُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ كَانَ ذَلِكَ تَمَامَ السِّيَاسَةِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا يُعْطِيهِ الطَّبِيبُ لِلْمَرِيضِ مِنَ الطِّبِّ الَّذِي يُسوغُ الدَّوَاء الْكَرِيه، وَقَد قَالَ اللهُ لِمُوسَى ﵇ لَمَّا أَرْسَلَهُ إلَى فِرْعَوْنَ-: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٤]. وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الرَّجُلُ فِي سِيَاسَةِ نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَرَعِيَّتِهِ؛ فَإِنَّ النُّفُوسَ لَا تَقْبَلُ الْحَقَّ إلَّا بِمَا تَسْتَعِينُ بِهِ مِن حُظُوظِهَا الَّتِي هِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَيْهَا، فَتَكُونُ تِلْكَ الْحُظُوظُ عِبَادَةً للهِ وَطَاعَةً لَهُ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ. [٢٨/ ٣٦٤ - ٣٦٦]

стр. 3259

٥١٧٧ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ: أَنَّ الْعَدَالَةَ هِيَ الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، وَالْمُرُوءَةُ بِاسْتِعْمَالِ مَا يُجَمِّلُهُ وَيزينُهُ، وَتَجَنُّبِ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ. [٢٨/ ٣٦٨] ٥١٧٨ - لَا غِنَى لِوَلِيِّ الْأَمْرِ عَن الْمُشَاوَرَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهَا نَبِيَّهُ ﷺ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩] .. فَغَيْرُهُ ﷺ أَوْلَى بِالْمَشُورَةِ. وَإِذَا اسْتَشَارَهُم فَإِنْ بَيَّنَ لَهُ بَعْضُهُم مَا يَجِبُ اتبَاعُهُ مِن كِتَابِ اللهِ أَو سُنَّةِ رَسُولِهِ أَو إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ اتبَاعُ ذَلِكَ، وَلَا طَاعَةَ لِأَحَد فِي خِلَافِ ذَلِكَ وَإِن كَانَ عَظِيمًا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. وإن كَانَ أَمْرًا قَد تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِن كُل مِنْهُم رَأيَهُ وَوَجْهَ رَأيِهِ، فَأيُّ الْآرَاءِ كَانَ أَشْبَهَ بِكتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَمِلَ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩]. وَأُولُو الْأَمْرِ صِنْفَانِ: الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ، وَهُم الَّذِينَ إذَا صَلَحُوا صَلَحَ النَاسُ. فَعَلَى كُلّ مِنْهُمَا أَنْ يَتَحَرَّى بِمَا يَقُولُهُ وَيفْعَلُهُ طَاعَةَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتِّبَاعَ كِتَابِ اللهِ، وَمَتَى أَمْكَنَ فِي الْحَوَادِثِ الْمُشْكِلَةِ مَعْرِفَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَانَ هُوَ الْوَاجِبُ، وإن لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ لِضِيقِ الْوَقْتِ أَو عَجْزِ الطَّالِبِ أَو تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُ أَو غَيْرِ ذَلِكَ: فَلَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مَن يَرْتَضِي عِلْمَهُ وَدِينَهُ، هَذَا أَقْوَى الْأَقْوَالِ، وَقَد قِيلَ: لَيْسَ لَهُ التَّقْلِيدُ بِكلِّ حَالٍ، وَقِيلَ: لَهُ التَّقْلِيدُ بِكُلِّ حَالٍ. [٢٨/ ٣٨٦ - ٣٨٨] ٥١٧٩ - يَجِبُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ وِلَايَةَ أَمْرِ النَّاسِ مِن أَعْظَمِ وَاجِبَاتِ الدِّينِ؛ بَل

стр. 3260

لَا قِيَامَ لِلدِّينِ وَلَا لِلدُّنْيَا إلَّا بِهَا، فَإِنَّ بَنِي آدَمَ لَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُم إلَّا بِالِاجْتِمَاعِ لِحَاجَةِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ، وَلَا بُدَّ لَهُم عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مِن رَأسٍ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إذَا خَرَجَ ثَلَاَثةٌ في سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ" (١). وَلهَذَا كَانَ السَّلَفُ -كالْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا- يَقُولُونَ: لَو كَانَ لَنَا دَعْوَةٌ مُجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِلسُّلْطَانِ. [٢٨/ ٣٩٠ - ٣٩١] ٥١٨٠ - إِن انْفَرَدَ السُّلْطَانُ عَن الدِّينِ، أَو الدِّينُ عَن السُّلْطَانِ: فَسَدَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ (٢). [٢٨/ ٣٩٤] ٥١٨١ - لَمَّا غَلَبَ عَلَى كَثِير مِن وُلَاةِ الْأُمُورِ إرَادَةُ الْمَالِ وَالشَّرَفِ، وَصَارُوا بِمَعْزِل عَن حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ فِي وِلَايَتِهِمْ: رَأَى كَثِيرٌ مِن النَّاسِ أَنَّ الْإِمَارَةَ تُنَافِي الْإِيمَانَ وَكَمَالَ الدِّينِ، ثمَّ مِنْهُم مَن غَلَّبَ الدِّينَ وَأَعْرَضَ عَمَّا لَا يَتِمُّ الدِّينُ إلَّا بِهِ مِن ذَلِكَ، وَمِنْهُم مَن رَأَى حَاجَتَهُ إلَى ذَلِكَ، فَأخَذَهُ مُعْرضًا عَن الدِّينِ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مُنَافٍ لِذَلِكَ، وَصَارَ الدِّينُ عِنْدَهُ فِي مَحَلّ الرَّحْمَةِ وَالذُّلِّ، لَا فِي مَحَل الْعُلُوّ وَالْعِزِّ. وَكَذَلِكَ لَمَّا غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِن أَهْلِ الدِّينِ الْعَجْزُ عَن تَكْمِيلِ الدِّينِ وَالْجَزَعُ لِمَا قَد يُصِيبُهُم فِي إقَامَتِهِ مِن الْبَلَاءِ: اسْتَضْعَفَ طَرِيقَتَهُم وَاسْتَذَلَّهَا مَن رَأَى أَنَّهُ لَا تَقُومُ مَصْلَحَتُهُ وَمَصْلَحَةُ غَيْرِهِ بِهَا، وَهَاتَانِ السَّبِيلَانِ الْفَاسِدَتَانِ: أ- سَبِيلُ مَن انْتَسَبَ إلَى الّدين وَلَمْ يُكَمِّلْهُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنَ السُّلْطَانِ وَالْجِهَادِ وَالْمَالِ. ب- وَسَبِيلُ مَن أَقْبَلَ عَلَى السُّلْطَانِ وَالْمَالِ وَالْحَرْبِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إقَامَةَ الدِّينِ. [٢٨/ ٣٩٤ - ٣٩٥]
следующие страницы →