Полный текст (3 539 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
وَهَكَذَا أَبُو بَكْرٍ ﵁ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا زَالَ يَسْتَعْمِل خَالِدًا فِي حَرْب أَهْلِ الرِّدَّةِ وَفِي فُتُوحِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَبَدَتْ مِنْهُ هَفَوَاتٌ كَانَ لَهُ فِيهَا تَأوِيلٌ، وَقَد ذُكِرَ لَهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فِيهَا هَوًى، فَلَمْ يَعْزِلْهُ مِن أَجْلِهَا بَل عَاتَبَهُ عَلَيْهَا؛ لِرُجْحَانِ الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ فِي بَقَائِهِ، وَأَنَّ غَيْرَهُ لَمْ يَكُن يَقُومُ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ الْمُتَوَلّيَ الْكَبِيرَ إذَا كَانَ خُلُقُهُ يَمِيلُ إلَى اللِّينِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خُلُقُ نَائِبِهِ يَمِيلُ إلَى الشِّدَّةِ، وَإِذَا كَانَ خُلُقُهُ يَمِيلُ إلَى الشِّدَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خُلُقُ نَائِبِهِ يَمِيلُ إلَى اللِّينِ؛ لِيَعْتَدِلَ الْأَمْرُ.
وَلهَذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصدِّيق ﵁ يُؤثِرُ اسْتِنَابَةَ خَالِدٍ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُؤْثِرُ عَزْلَ خَالِدٍ وَاسْتِنَابَةَ أَبِي عُبَيْد بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁؛ لِأَنَّ خَالِدًا كَانَ شَدِيدًا كَعُمَر بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَبَا عُبَيْدَةَ كَانَ لَيِّنًا كَأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ الْأَصْلَحُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُوَلِّيَ مَن وَلَّاهُ؛ لِيَكُونَ أَمْرُهُ مُعْتَدِلًا.
وَإِذَا كَانَت الْحَاجَةُ فِي الْوِلَايَةِ إلَى الْأَمَانَةِ أَشَدَّ قُدِّمَ الْأَمِينُ: مِثْلُ حِفْظِ الْأَمْوَالِ وَنَحْوِهَا. [٢٨/ ٢٥٤ - ٢٥٨]
٥١٧٢ - يَجُوزُ تَوْلِيَةُ غَيْرِ الْأَهْلِ لِلضَّرُورَةِ إذَا كَانَ أَصْلَحَ الْمَوْجُودِ، فَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ السَّعْيُ فِي إصْلَاحِ الْأَحْوَالِ حَتى يَكْمُل فِي النَّاسِ مَا لَا بُدَّ لَهُم مِنْهُ مِن أمُورِ الْوِلَايَاتِ وَالْإِمَارَاتِ وَنَحْوِهَا. [٢٨/ ٢٥٩]
٥١٧٣ - الْمَقْصُودُ الْوَاجِبُ بِالْوِلَايَاتِ:
أ - إصْلَاحُ دِينِ الْخَلْقِ الَّذِي مَتَى فَاتَهُم خَسِرُوا خُسْرَانًا مُبِينًا وَلَمْ يَنْفَعْهُم مَا نَعِمُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا.
ب - وَإِصْلَاحُ مَا لَا يَقُومُ الدِّينُ إلَّا بِهِ مِن أَمْرِ دُنْيَاهُمْ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أ - قَسْمُ الْمَالِ بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهِ.
ب - وَعُقُوبَاتُ الْمُعْتَدِينَ.
فَمَن لَمْ يَعْتَدِ أَصْلَحَ لَهُ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ.
стр. 3257
فَالْمَقْصُودُ أَنْ يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ، وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا.
وَكَلِمَةُ اللهِ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكَلِمَاتِهِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا كِتَابُهُ. [٢٨/ ٢٦٢ - ٢٦٣]
٥١٧٤ - لَيْسَ لِلرَّعِيَّةِ أَنْ يَطْلُبُوا مِن وُلَاةِ الْأَمْوَالِ مَا لَا يَسْتَحِقُّونَهُ، فَيَكُونُونَ مِن جِنْسِ مَن قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) ﴾ [التوبة: ٥٨].
وَلَا لَهُم أَنْ يَمْنَعُوا السُّلْطَانَ مَا يَجِبُ دَفْعُهُ إلَيْهِ مِن الْحُقُوقِ وَإِن كَانَ ظَالِمًا؛ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا ذُكِرَ جَوْرُ الْوُلَاةِ فَقَالَ: "أَدُّوا إلَيْهِم الَّذِي لَهُم؛ فَإنَّ اللهَ سَائِلُهُم عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ" (١) .
وَلَيْسَ لِوُلَاةِ الْأمُورِ أَنْ يَقْسِمُوهَا بِحَسَبِ أَهْوَائِهِمْ كَمَا يَقْسِمُ الْمَالِكُ مِلْكَهُ؛ فَإِنَّمَا هُم أُمَنَاءُ وَنُوَّابٌ وَوُكَلَاءُ، لَيْسُوا مُلَّاكًا؛ كَمَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنِّي - وَاللهِ- لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا؛ وَإِنَّمَا أنا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْت". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فَهَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَد أَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمَنْعُ وَالْعَطَاءُ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمَالِكُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِ، وَكَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ يُعْطُونَ مَن أَحَبُّوا وَيمْنَعُونَ مَن أَبْغَضُوا، وَإِنَّمَا هُوَ عَبْدُ اللهِ، يَقْسِمُ الْمَالَ بِأَمْرِهِ، فَيَضَعُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى. [٢٨/ ٢٦٦ - ٢٦٨]
٥١٧٥ - مَتَى اهْتَمَّتِ الْوُلَاةُ بِإِصْلَاحِ دِينِ النَّاسِ: صَلُحَ لِلطَّائِفَتَيْنِ فىِ دِينُهُم وَدُنْيَاهُمْ، وَإِلَّا اضْطَرَبَت الْأُمُورُ عَلَيْهِمْ.
وَمِلَاكُ ذَلِكَ كُلِّهِ: صَلَاحُ النّيَّةِ لِلرَّعِيَّةِ، وإخْلَاصُ الدِّينِ كُلِّهِ للهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْإِخْلَاصَ وَالتَّوَكُّلَ جِمَاعُ صَلَاحِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، كَمَا أَمَرَنَا أَنْ نَقُولَ فِي صَلَاتِنَا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ﴾ [الفاتحة: ٥]. الحواشي
(١) رواه البخاري(٣٤٥٥) ، ومسلم(١٨٤٢) بلفظ: "فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم".стр. 3258
وَأَعْظَمُ عَوْنٍ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ خَاصَّة وَلغَيْرِهِ عَامَّةً ثَلَاثَةُ أُمُورٍ:
أَحَدُهَا: الْإِخْلَاصُ للهِ وَالتوَكُّلُ عَلَيْهِ بِالدُّعَاءِ وَغَيْرِهِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ بِالْقَلْبِ وَالْبَدَنِ.
الثَّانِي: الْإِحْسَانُ إلَى الْخَلْقِ بِالنَّفْعِ وَالْمَالِ الَّذِي هُوَ الزَّكَاةُ.
الثَّالِثُ: الصَّبْرُ عَلَى أَذَى الْخَلْقِ وَغَيْرِهِ مِن النَّوَائِبِ. [٢٨/ ٣٦١]
٥١٧٦ - لَيْسَ حُسْنُ النِّيَّةِ بِالرَّعِيَّةِ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِم: أَنْ يَفْعَلَ مَا يَهْوُونَهُ وَيتْرُكَ مَا يَكْرَهُونَهُ، فَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١].
وَإِنَّمَا الْإِحْسَانُ إلَيْهِم فِعْلُ مَا يَنْفَعُهُم فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَلَو كَرِهَهُ مَن كَرِهَهُ، لَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفُقَ بِهِم فِيمَا يَكْرَهُونَهُ، فَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) عَن النَبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيءٍ إلا زَانَهُ وَلَا كَانَ الْعُنْفُ فِي شَيءٍ إلَّا شَانَهُ".
وَهَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ لَمْ يَرُدَّهُ إلَّا بِهَا أَو بِمَيْسُور مِن الْقَوْلِ.
وإذَا حَكَمَ عَلَى شَخْصٍ فَإِنَّهُ قَد يَتَأذَّى، فَإِذَا طَيَّبَ نَفْسَهُ بِمَا يَصْلُحُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ كَانَ ذَلِكَ تَمَامَ السِّيَاسَةِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا يُعْطِيهِ الطَّبِيبُ لِلْمَرِيضِ مِنَ الطِّبِّ الَّذِي يُسوغُ الدَّوَاء الْكَرِيه، وَقَد قَالَ اللهُ لِمُوسَى ﵇ لَمَّا أَرْسَلَهُ إلَى فِرْعَوْنَ-: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) ﴾ [طه: ٤٤].
وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الرَّجُلُ فِي سِيَاسَةِ نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَرَعِيَّتِهِ؛ فَإِنَّ النُّفُوسَ لَا تَقْبَلُ الْحَقَّ إلَّا بِمَا تَسْتَعِينُ بِهِ مِن حُظُوظِهَا الَّتِي هِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَيْهَا، فَتَكُونُ تِلْكَ الْحُظُوظُ عِبَادَةً للهِ وَطَاعَةً لَهُ مَعَ النِّيَّةِ الصَّالِحَةِ. [٢٨/ ٣٦٤ - ٣٦٦] الحواشي
(١) رواه البخاري(٦٠٣٠) ، ومسلم(٢٥٩٤) واللفظ لمسلم.стр. 3259
٥١٧٧ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ: أَنَّ الْعَدَالَةَ هِيَ الصَّلَاحُ فِي الدِّينِ، وَالْمُرُوءَةُ بِاسْتِعْمَالِ مَا يُجَمِّلُهُ وَيزينُهُ، وَتَجَنُّبِ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ. [٢٨/ ٣٦٨]
٥١٧٨ - لَا غِنَى لِوَلِيِّ الْأَمْرِ عَن الْمُشَاوَرَةِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ بِهَا نَبِيَّهُ ﷺ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .. فَغَيْرُهُ ﷺ أَوْلَى بِالْمَشُورَةِ.
وَإِذَا اسْتَشَارَهُم فَإِنْ بَيَّنَ لَهُ بَعْضُهُم مَا يَجِبُ اتبَاعُهُ مِن كِتَابِ اللهِ أَو سُنَّةِ رَسُولِهِ أَو إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَيْهِ اتبَاعُ ذَلِكَ، وَلَا طَاعَةَ لِأَحَد فِي خِلَافِ ذَلِكَ وَإِن كَانَ عَظِيمًا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].
وإن كَانَ أَمْرًا قَد تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِن كُل مِنْهُم رَأيَهُ وَوَجْهَ رَأيِهِ، فَأيُّ الْآرَاءِ كَانَ أَشْبَهَ بِكتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَمِلَ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) ﴾ [النساء: ٥٩].
وَأُولُو الْأَمْرِ صِنْفَانِ: الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ، وَهُم الَّذِينَ إذَا صَلَحُوا صَلَحَ النَاسُ.
فَعَلَى كُلّ مِنْهُمَا أَنْ يَتَحَرَّى بِمَا يَقُولُهُ وَيفْعَلُهُ طَاعَةَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتِّبَاعَ كِتَابِ اللهِ، وَمَتَى أَمْكَنَ فِي الْحَوَادِثِ الْمُشْكِلَةِ مَعْرِفَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَانَ هُوَ الْوَاجِبُ، وإن لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ لِضِيقِ الْوَقْتِ أَو عَجْزِ الطَّالِبِ أَو تَكَافُؤِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُ أَو غَيْرِ ذَلِكَ: فَلَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مَن يَرْتَضِي عِلْمَهُ وَدِينَهُ، هَذَا أَقْوَى الْأَقْوَالِ، وَقَد قِيلَ: لَيْسَ لَهُ التَّقْلِيدُ بِكلِّ حَالٍ، وَقِيلَ: لَهُ التَّقْلِيدُ بِكُلِّ حَالٍ. [٢٨/ ٣٨٦ - ٣٨٨]
٥١٧٩ - يَجِبُ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ وِلَايَةَ أَمْرِ النَّاسِ مِن أَعْظَمِ وَاجِبَاتِ الدِّينِ؛ بَل
стр. 3260
لَا قِيَامَ لِلدِّينِ وَلَا لِلدُّنْيَا إلَّا بِهَا، فَإِنَّ بَنِي آدَمَ لَا تَتِمُّ مَصْلَحَتُهُم إلَّا بِالِاجْتِمَاعِ لِحَاجَةِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ، وَلَا بُدَّ لَهُم عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ مِن رَأسٍ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إذَا خَرَجَ ثَلَاَثةٌ في سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ" (١) .
وَلهَذَا كَانَ السَّلَفُ -كالْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمَا- يَقُولُونَ: لَو كَانَ لَنَا دَعْوَةٌ مُجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِلسُّلْطَانِ. [٢٨/ ٣٩٠ - ٣٩١]
٥١٨٠ - إِن انْفَرَدَ السُّلْطَانُ عَن الدِّينِ، أَو الدِّينُ عَن السُّلْطَانِ: فَسَدَتْ أَحْوَالُ النَّاسِ (٢) . [٢٨/ ٣٩٤]
٥١٨١ - لَمَّا غَلَبَ عَلَى كَثِير مِن وُلَاةِ الْأُمُورِ إرَادَةُ الْمَالِ وَالشَّرَفِ، وَصَارُوا بِمَعْزِل عَن حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ فِي وِلَايَتِهِمْ: رَأَى كَثِيرٌ مِن النَّاسِ أَنَّ الْإِمَارَةَ تُنَافِي الْإِيمَانَ وَكَمَالَ الدِّينِ، ثمَّ مِنْهُم مَن غَلَّبَ الدِّينَ وَأَعْرَضَ عَمَّا لَا يَتِمُّ الدِّينُ إلَّا بِهِ مِن ذَلِكَ، وَمِنْهُم مَن رَأَى حَاجَتَهُ إلَى ذَلِكَ، فَأخَذَهُ مُعْرضًا عَن الدِّينِ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ مُنَافٍ لِذَلِكَ، وَصَارَ الدِّينُ عِنْدَهُ فِي مَحَلّ الرَّحْمَةِ وَالذُّلِّ، لَا فِي مَحَل الْعُلُوّ وَالْعِزِّ.
وَكَذَلِكَ لَمَّا غَلَبَ عَلَى كَثِيرٍ مِن أَهْلِ الدِّينِ الْعَجْزُ عَن تَكْمِيلِ الدِّينِ وَالْجَزَعُ لِمَا قَد يُصِيبُهُم فِي إقَامَتِهِ مِن الْبَلَاءِ: اسْتَضْعَفَ طَرِيقَتَهُم وَاسْتَذَلَّهَا مَن رَأَى أَنَّهُ لَا تَقُومُ مَصْلَحَتُهُ وَمَصْلَحَةُ غَيْرِهِ بِهَا، وَهَاتَانِ السَّبِيلَانِ الْفَاسِدَتَانِ:
أ- سَبِيلُ مَن انْتَسَبَ إلَى الّدين وَلَمْ يُكَمِّلْهُ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنَ السُّلْطَانِ وَالْجِهَادِ وَالْمَالِ.
ب- وَسَبِيلُ مَن أَقْبَلَ عَلَى السُّلْطَانِ وَالْمَالِ وَالْحَرْبِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِذَلِكَ إقَامَةَ الدِّينِ. [٢٨/ ٣٩٤ - ٣٩٥] الحواشي
(١) رواه أبو داود(٢٦٠٨) ، وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح.(٢) أي: إذا كان السلطان بمعزل عن الدين وعلماء الإسلام، وأقام حكمه على قوانين وضعية، أو كان العلماء بمعزل عن السلطان، ولا يأتونه للنصح والتوجيه: فسدت أحوال الناس.стр. 3261
٥١٨٢ - لَا تَجُوزُ مَعْصِيَةُ الْإِمَامِ بَرًّا كَانَ أَو فَاجِرًا، إلَّا أَنْ يَأمُرَهُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ، وَحُكْمُهُ أَو قَسْمُهُ إذَا وَافَقَ الْحَقَّ نَافِذٌ، بَرًّا كَانَ أَو فَاجِرًا. [٢٨/ ٥٨٧]
٥١٨٣ - إِنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ مِن أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبِعَةِ .. وَغَيْرِهِمْ مِن الْأَئِمَّةِ .. وَمَن قَبْلَهُم مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَو هَدَمَ كُلَّ كَنِيسَةٍ بِأَرْضِ الْعَنْوَةِ؛ كَأَرْضِ مِصْرَ وَالسَّوَادِ بِالْعِرَاقِ وَبَرِّ الشَّامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مُجْتَهِدًا فِي ذَلِكَ، وَمُتَّبِعًا فِي ذَلِكَ لِمَن يَرَى ذَلِكَ: لَمْ يَكُن ذَلِكَ ظُلْمًا مِنْهُ؛ بَل تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ وَمُسَاعَدَتُهُ فِي ذَلِكَ مِمَن يَرَى ذَلِكَ، وإِن امْتَنَعُوا عَن حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ لَهُم كَانُوا نَاقِضِينَ الْعَهْدَ، وَحَلَّتْ بِذَلِكَ دِمَاؤُهُم وَأَمْوَالُهُمْ. [٢٨/ ٦٣٤]
٥١٨٤ - لَا يُشِيرُ عَلَى وَليِّ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ بِمَا فِيهِ إظْهَارُ شَعَائِرِهِمْ (١) فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، أَو تَقْوِيَةُ أَمْرِهِمْ -بِوَجْه مِن الْوُجُوهِ- إلَّا:
أ - رَجُلٌ مُنَافِقٌ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَهُوَ مِنْهُم فِي الْبَاطِنِ.
ب - أَو رَجُلٌ لَهُ غَرَضٌ فَاسِدٌ؛ مِثْل أَنْ يَكُونُوا بَرْطَلُوهُ (٢) وَدَخَلُوا عَلَيْهِ بِرَغْبَةٍ أَو رَهْبَةٍ.
ج - أَو رَجُلٌ جَاهِلٌ فِي غَايَةِ الْجَهْلِ لَا يَعْرِفُ السِّيَاسَةَ الشَّرْعِيَّةَ الْإِلَهِيَّةَ الَّتِي تَنْصُرُ سُلْطَانَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَعْدَائِهِ وَأَعْدَاءِ الدِّينِ (٣) . [٢٨/ ٦٤٢]
٥١٨٥ - يَقُولُ تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] حُكَّامُ السُّوءِ يَقْبَلُونَ الْكَذِبَ مِمَن لَا يَجُوزُ قَبُولُ قَوْلِهِ مِن مُخْبِرٍ أَو شَاهِدٍ، الحواشي
(١) أي: النصارى وغيرهم من الكفار.(٢) أي: رشوه، والبِرْطِيلَ؛ أي: الرِّشْوةَ، وبَرْطَلَ فُلانًا: إِذا رَشاه، فَتَبَرْطَلَ؛ أي: فارْتَشَى، وَكَذَلِكَ بُرْطِلَ: إِذا رُشِيَ. يُنظر النهاية في غريب الحديث: مادة برطل.(٣) ولهذا رأينا في هذه الأزمان دولًا إسلامية سمحت ببناء كنائس النصارى، وأخرى ببناء معابد الرافضة، في بلاد لا يدين أهلُها إلا بدين الإسلام الصحيح السنيّ، وهذا لا يجوز.стр. 3262
وَيَأكُلُونَ السُّحْتَ مِن الرِّشَا وَغَيْرِهَا، وَمَا أَكْثَرُ مَا يَقْتَرِنُ هذان. [٢٥/ ١٣١]
٥١٨٦ - كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز ﵁ -وَهُوَ خَلِيفَةُ اللهِ عَلَى الْأَرْضِ -قَد وَكَّلَ أَعْوَانًا يَمْنَعُونَ الدَّاخِلَ مِن تَقْبِيلِ الْأَرْضِ ويُؤَدِّبُهُم إذَا قَبَّلَ أَحَد الْأَرْضَ. [٢٧/ ٩٣]
٥١٨٧ - الْأُمُورُ الْمُتَعَلّقَةُ بِالْإِمَامِ مُتَعَلِّقَة بِنُوَّابِهِ -أي: الإمام- فَمَا كَانَ إلَى الْحُكامِ فَأمْرُ الْحَاكِمِ الَّذِي هُوَ نَائِبُ الْإِمَامِ فِيهِ كَأمْرِ الْإِمَامِ؛ مِثْل تَزْوِيجِ الْأَيَامَى، وَالنَّظَرِ فِي الْوُقُوفِ وَإِجْرَائِهَا عَلَى شُرُوطِ وَاقِفِيهَا، وَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَوُقُوفِهَا، حَيْثُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ فِعْلُ ذَلِكَ، فَمَا جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ جَازَ لِنَائِبِهِ فِيهِ.
وَإِذَا كَانَت الْمَسْأَلَةُ مِن مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي شَاعَ فِيهَا النّزَاعُ: لَمْ يَكُن لِأَحَدٍ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى نَائِبِهِ مِن حَاكِمٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَنْقُضَ مَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ وَنُوَّابُهُ مِن ذَلِكَ. [٣٠/ ٤٠٧]
٥١٨٨ - يَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَن بَعْدَ الْخلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: خُلَفَاءَ، وإن كَانُوا مُلُوكًا وَلَمْ يَكُونُوا خُلَفَاءَ الْأَنْبِيَاءِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَاة الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي "صَحِيحَيْهِمَا" (١) عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "كانَت بَنُو إسْرَائِيلَ يَسُوسُهُم الأنبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ فَتَكْثُرُ، قَالُوا: فَمَا تَأمُرُنَا؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأوَّلِ فَالْأوَّلِ، ثُمَّ أَعْطُوهُم حَقَّهُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُم عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ".
فَقَوْلُهُ: "فَتَكْثُرُ" دَلِيلٌ عَلَى مَن سِوَى الرَّاشِدِينَ فَإِنَّهُم لَمْ يَكُونُوا كَثِيرًا. [٣٥/ ٢٠]
* * * الحواشي
(١) البخاري(٣٤٥٥) ، ومسلم(١٨٤٢) .стр. 3263
(ولاة الأمر يجب عليهم نصر الدين وإنكار المنكرات)
٥١٨٩ - وُلَاةُ الْأَمْرِ أَحَقُّ النَّاسِ بِنَصْرِ دِينِ الرَّسُولِ ﷺ وَمَا جَاءَ بِهِ مِن الْهُدَى وَدِيقِ الْحَقِّ، وبِإِنْكَارِ مَا نَهَى عَنْهُ وَمَا نُسِبَ إلَيْهِ بِالْبَاطِلِ مِنَ الْكَذِبِ وَالْبِدَعِ؛ إمَّا جَهْلًا مِن نَاقِلِهِ وَإِمَّا عَمْدًا.
فَإِنَّ أَصْلَ الدّينِ هُوَ الْأمْرُ بالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَرَأسُ الْمَعْرُوفِ هُوَ التَّوْحِيدُ وَرَأسُ الْمُنْكَرِ هُوَ الشِّرْكُ.
فَمَن أَرَادَ أَنْ يَأمُرَ بِمَا نَهَى عَنْهُ، وَينْهَى عَمَّا أَمَرَ بِهِ، وَيُغَيِّرَ شَرِيعَتَهُ وَدِينَهُ إمَّا جَهْلًا وَقِلَّةَ عِلْمٍ إمَّا لِغَرَض وَهَوًى: كَانَ السّلْطَانُ أَحَقَّ بِمَنْعِهِ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَكَانَ هُوَ أَحَقَّ بِإِظْهَارِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ.
فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَنْصُرَ رَسُولَهُ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، فَمَن كَانَ النَّصْرُ عَلَى يَدَيْهِ كَانَ لَهُ سَعَادَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِلَّا جَعَلَ اللهُ النَّصْرَ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ، وَجَازَى كلَّ قَوْمٍ بِعَمَلِهِمْ وَمَا رَبُّك بِظَلَّام لِلْعَبِيدِ.
وَاللهُ سُبْحَانَهُ قَد وَعَدَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ ظَاهِرًا، وَلَا يَظْهَرُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَنَّهُ مَن نَكَلَ عَنِ الْقِيَامِ بِالْحَقِّ استَبْدَلَ مَن يَقُومُ بِالْحَق فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) ﴾ [التوبة: ٣٩].
وَقَد أَرَى اللهُ النَّاسَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَالآفَاقِ مَا عَلِمُوا بِهِ تَصْدِيقَ مَا أَخْبَرَ بِهِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) ﴾ [فصلت: ٥٣]. [٢٧/ ٤٤٢ - ٤٤٣]
* * *
стр. 3264
(أهمية طاعة ولاة الأمر، والرد على من زعم أن ما يأخذه من الدولة إنما يأخذه بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ)
٥١٩٠ - ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ مِن الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي يَأمُرُ فِيهَا بِطَاعَةِ وُلَاةِ الْأمُورِ مَعَ جَوْرِهِمْ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُم إذَا أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُم وَإِن كَانُوا ظَالِمِينَ، فَإذَا حَكمَ حُكمًا عَادِلَا وَقَسَمَ قَسْمَا عَادِلًا: كَانَ هَذَا مِن الْعَدْلِ الَّذِي تَجِبُ طَاعَتُهُم فِيهِ؛ فَالظَّالِمُ لَو قَسَمَ مِيرَاثًا بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهِ بِكِتَابِ اللهِ كَانَ هَذَا عَدْلًا بِإجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
فَأمَّا إذَا كَانَ فِي الْقِسْمَةِ ظُلْمٌ؛ مِثْل أَنْ يُعْطَى بَعْضُ النَّاسِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّ، وَبَعْضهُم دُونَ مَا يَسْتَحِق: فَهَذَا هُوَ الِاسْتِيثَارُ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ قَالَ: "عَلَى الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِي عُسْرِهِ ويُسْرِهِ، وَمَنْشَطِهِ وَمَكرَهِهِ وَأثَرَةٍ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةِ" (١) .
وَمَعْلُومٌ أَن هَذَا مَا زَالَ فِي الْإِسْلَامِ مِن وُلَاةِ الْأمُورِ وَمَن دَخَلَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ (٢) ، وَإِنَّمَا يُسْتَثْنَى فِي الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَمَن اتَّبَعَهُمْ.
فَإذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: فَالْمُعْطَى إذَا أُعْطِيَ قَدْرَ حَقِّهِ أو دُونَ حَقِّهِ: كَانَ لَهُ ذَلِكَ بِحُكْمِ قِسْمَةِ هَذَا الْقَاسِمِ، كَمَا لَو قَسَمَ الْمِيرَاثَ وَأَعْطَى بَعْضَ الْوَرَثَةِ حَقَّهُ، كَانَ ذَلِكَ بِحُكْمِ هَذَا الْقَاسِمِ، وَكَمَا لَو حَكَمَ لِمُسْتَحِقٍّ بِمَا اسْتَحَقَّهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأخُذَ ذَلِكَ بِمُوجَبِ هَذَا الْحُكْمِ.
وَلَيْسَ لِقَائِل أَنْ يَقُولَ: أَخَذَهُ بِمُجَرَّدِ الِالسْتِيلَاءِ كَمَا لَو لَمْ يَكُن حَاكِمٌ وَلَا قَاسِمٌ (٣) ، فَإنَّهُ عَلَى نُفُوذِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ تَبْطُلُ الْأَحْكَامُ وَالْأَعْطِيَةُ الَّتِي فَعَلَهَا وُلَاةُ الْأمُورِ جَمِيعُهُم -غَيْرُ الْخُلَفَاءِ-. الحواشي
(١) رواه مسلم(١٨٣٩) .(٢) أي: أنهم يستأثرون بالأموال التي هي حقُّ للرعيّة، ويقتسمون كثيرًا منها بأهوائهم لا بالسويّة.(٣) أي: أنه ما وصله من مال من ولي الأمر إنما أخَذَهُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِيلَاءِ، فكأن الحاكم غاصبٌ =стр. 3265
وَحِينَئِذٍ: فَتَسْقُطُ طَاعَةُ وُلَاةِ الْأمُورِ؛ إذ لَا فَرْقَ بَيْنَ حُكمٍ وَقَسْمٍ وَبَيْنَ عَدَمِهِ!
وَفِي هَذَا الْقَوْلِ مِن الْفَسَادِ فِي الْعَقْلِ وَالدِّينِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي لُبٍّ؛ فَإِنَّهُ لَو فُتحَ هَذَا الْبَاب أَفْضَى مِن الْفَسَادِ إلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِن ظُلْم الظَّالِم.
ثُمَّ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَظُنُّ أَنَّ مَا يَأخُذُهُ قَدْرُ حَقِّهِ، وَكُلُّ وَاحَدٍ إنَّمَاَ يَشْهَدُ اسْتِحْقَاقَ نَفْسِهِ دُونَ اسْتِحْقَاقِ بَقِيَّةِ النَّاسِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَ الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وَهَل يجْعَلُ لَهُ مِنْهَا بِالْقِيمَةِ هَذَا أَو أَقَلُّ؟
وَالْإِنْسَانُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَكُونَ حَاكِمًا لِنَفْسِهِ وَلَا شَاهِدًا لِنَفْسِهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ قَاسِمًا لِنَفْسِهِ؟
وَالشَّرِيعَةُ جَاءَت بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، وَرَجَّحَتْ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا؟ وَهَذَا مِن فَوَائِدِ نَصْبِ وُلَاةِ الأُمُورِ، وَلَو كَانَ عَلَى مَا يَظُنُّهُ الْجَاهِلُ لَكَانَ وُجُودُ السُّلْطَانِ كَعَدَمِهِ، وَهذَا لَا يَقُولُهُ عَاقِلٌ فَضْلًا عَن أَنْ يَقُولَهُ مُسْلِمٌ.
بَل قَد قَالَ الْعُقَلَاءُ: سِتّونَ سَنَةً مِن سُلْطَانٍ ظَالِمٍ خَيْرٌ مِن لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِلَا سُلْطَانٍ.
وَمَا أَحْسَنَ قَوْل عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ:
لَوْلَا الْأَئِمَّةُ لَمْ يَأمَن لَنَا سُبُلُ … وَكَانَ أَضْعَفُنَا نَهْبًا لِأقْوَانَا [٣٠/ ١٣٤ - ١٣٦]
* * *
الحواشي
(١) = لأموال الدولة، فإذا وصله شيء من هذا المال فإنما يأخذه لا لأنه أخذ حقه، بل استولى عليه، ولو استطاع أن يسرق من مال الدولة مالًا لسرقه معتقدًا حلّه، وهذا منهج الخوارج.стр. 3266
(عدم الخروج على ولاة الأمور وغشِّهم)
٥١٩١ - وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْفَضْلِ فَلَا يُرَخّضونَ لِأَحَدٍ فِيمَا نَهَى اللهُ عَنْهُ مِن مَعْصِيَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَغِشِّهِمْ وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ: بِوَجْهِ مِن الْوُجُوهِ كَمَا عُرِفَ مِن عَادَاتِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالدِّينِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا وَمِن سِيرَةِ غَيْرِهِمْ. [٣٥/ ١٢]
٥١٩٢ - طَاعَةُ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاجِبَةٌ عَلَى كل أَحَدٍ، وَطَاعَةُ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَاجِبَةٌ لِأَمْرِ اللهِ بِطَاعَتِهِمْ، فَمَن أَطَاعَ اللهَ وَرَسُولَهُ بِطَاعَةِ وُلَاةِ الْأَمْرِ للهِ فَأجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَن كَانَ لَا يُطِيعُهُم إلَّا لِمَا يَأخُذُهُ مِن الْوِلَايَةِ وَالْمَالِ فَإِنْ أعْطَوْهُ أَطَاعَهُمْ، وإن مَنَعُوهُ عَصَاهُمْ: فَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن خَلَاقٍ. [٣٥/ ١٦ - ١٧]
* * *
(مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ: تَرْكُ الْخُرُوجِ بِالْقِتَالِ عَلَى الْمُلُوكِ الْبُغَاةِ)
٥١٩٣ - وَلهَذَا كَانَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ: تَرْكَ الْخُرُوجِ بِالْقِتَالِ عَلَى الْمُلُوكِ الْبُغَاةِ، وَالصَّبْرَ عَلَى ظُلْمِهِمْ، إلَى أَنْ يَسْتَرِيحَ بَرُّ أو يُسْتَرَاحُ مِن فَاجِرٍ.
وَقَد يَكُونُ هَذَا مِن أَسْرَارِ الْقُرْآنِ فِي كَوْنِهِ لَمْ يَأمُرْ بِالْقِتَالِ ابْتِدَاءً، وإنَّمَا أَمَرَ بِقِتَالِ الطَّائِفَة الْبَاغِيَةِ بَعْدَ اقْتِتَالِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَأَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا. [٤/ ٤٤٤]
* * *
(شرح حديث: "خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً ")
٥١٩٤ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللهُ مُلْكهُ -أَو الْمُلْكَ- مَن يَشَاءُ" (١) .. وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عَن سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ.
وَاسْتُدلَّ بِهِ عَلَى مَن تَوَقَّفَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، مِن أَجْلِ افْتِرَاقِ النَّاسِ عَلَيْهِ؛ الحواشي
(١) رواه أبو داود(٤٦٤٦) ، والترمذي(٢٢٢٦) ، وأحمد(٢١٩١٩) ، وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح.стр. 3267
حَتَّى قَالَ أَحْمَد: مَن لَمْ يُرَبِّعْ بِعَلِيّ فِي الْخِلَافَةِ فَهُوَ أَضَلُّ مِن حِمَارِ أَهْلِهِ، وَنَهَى عَن مُنَاكَحَتِهِ.
وَهُوَ مُتَّفَق عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَعُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّصَوُّفِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْعَامَّةِ.
وَإِنَّمَا يُخَالِفُهُم فِي ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
وَوَفَاةُ النَبِيِّ ﷺ كَانَت فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ مِن هِجْرَتِهِ، وَإِلَى عَامِ ثَلَاثِينَ سَنَةَ كَانَ إصْلَاحُ ابْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ السَّيِّدِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِن الْمُؤْمِنِينَ بِنُزُولِهِ عَن الْأَمْرِ عَامَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ فِي شَهْرِ جُمَادَى الْأُولَى، وَسُمّيَ "عَامَ الْجَمَاعَةِ"؛ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَى مُعَاوَيةَ، وَهُوَ أَوَّلُ الْمُلُوكِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) : "سَتَكُونُ خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ وَرَحْمَةٍ، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ وَجَبْرِيَّةٌ، ثمَّ يَكُونُ مُلكٌ عَضُوضٌ".
وَالْغَرَضُ هُنَا بَيَانُ جِمَاعِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيئاتِ الْوَاقِعَةِ بَعْدَ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِي الْإِمَارَةَ وَفِي تَرْكِها؛ فَإنَّهُ مَقَامُ خَطَرٍ؛ وَذَلِكَ أنَّ خَبَرَهُ بِانْقِضَاءِ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِيهِ الذَّمُّ لِلْمَلِكِ وَالْعَيْبِ لَهُ.
* * *
(هل الخلافة واجبة؟ وحكم من لَا يَتَأَتَّى لَهُ فِعْلُ الْحَسَنَةِ الرَّاجحَةِ إلَّا بِسَيِّئَةٍ دُونَهَا فِي الْعِقَابِ ؟)
٥١٩٥ - هُنَا طَرَفَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَن يُوجِبُ ذَلِكَ [أي: الخلافة] فِي كُلِّ حَالٍ وَزَمَانٍ، وَعَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَيَذُمُّ مَن خَرَجَ عَن ذَلِكَ مُطْلَقًا أَو لِحَاجَة، كَمَا هُوَ حَالُ أَهْلِ الْبِدَعِ مِن الحواشي
(١) لم أجده عند مسلم، وهو عند الدارمي(٢١٤٦) .стр. 3268
الْخَوَارج وَالْمُعْتَزِلَةِ (١) .
وَالثَّاني: مَن يُبِيحُ الْمُلْكَ مُطْلَقًا، مِن غَيْرِ تَقَيُّدٍ بِسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ، كَمَا هُوَ فِعْلُ الظَّلَمَةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ وَأَفْرَادِ الْمُرْجِئَةِ (٢) .
وَهَذَا تَفْصِيل جَيِّدٌ.
وتَحْقِيقُ الْأَمْرِ أَنْ يُقَالَ: انْتِقَالُ الْأَمْرِ عَن خِلَافَةِ النبوَّةِ إلَى الْمُلْكِ:
أ - إمَّا أَنْ يَكُونَ لِعَجْزِ الْعِبَادِ عَن خِلَافَةِ النُّبُوَةِ.
ب - أَو اجْتِهَادٍ سَائِغٍ.
ج - أَو مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ عِلْمًا وَعَمَلًا.
فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعَجْزِ عِلْمًا أَو عَمَلًا: كَانَ ذُو الْمُلْكِ مَعْذُورًا فِي ذَلِكَ، وَإِن كَانَت خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ وَاجِبَةً مَعَ الْقُدْرَةِ، كَمَا تَسْقُطُ سَائِرُ الْوَاجِبَاتِ مَعَ الْعَجْزِ؛ كَحَالِ النَّجَاشِيّ لَمَّا أَسْلَمَ وَعَجَزَ عَن إظْهَارِ ذَلِكَ فِي قَوْمِهِ؛ بَل حَالُ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ تُشْبِهُ ذَلِكَ مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ، لَكِنَّ الْمُلْكَ كَانَ جَائِزًا لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ كدَاوُد وَسُلَيْمَانَ ويُوسُفَ.
وَإِن كَانَ مَعَ الْقُدْرَةِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَقُدِّرَ أَنَّ خِلَافَةَ النُّبُوَّةِ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَتْ وَاجِبَةً، وَأَنَّ اخْتِيَارَ الْمُلْكِ جَائِزٌ فِي شَرِيعَتِنَا كَجَوَازِهِ فِي غَيْرِ شَرِيعَتِنَا: فَهَذَا التَّقْدِيرُ إذَا فرِضَ أَنَّهُ حَقٌّ فَلَا إثْمَ عَلَى الْمَلِكِ الْعَادِلِ أَيْضًا.
وَأَمَّا إذَا كَانَت خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ وَاجِبَةً وَهِيَ مَقْدُورَةٌ وَقَد تُرِكَتْ: فَتَرْكُ الْوَاجِبِ سَبَبٌ لِلذَّمِّ وَالْعِقَابِ. الحواشي
(١) وهذا ما شاهدناه من خوارج هذا العصر، حيث خرجوا على أمة الإسلام وحكامها وعلمائها ومُجاهديها في بعض بلاد المسلمين، وأعلنوا الخلافة وحاربوا كل من لم يدخل تحت لوائهم.(٢) ذكر الشيخ حكم الْفلْكِ: هَل هُوَ جَائِزٌ فِي شَرِيعَتِنَا وَلَكِن خِلَافَةَ النُّبُوّةِ مُسْتَحَبَّة وَأفْضَلُ مِنْهُ؟ أَمْ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ وَاجِبَةٌ؟ وإِنَّمَا تَجْوِيزُ تَرْكِهَا إلَى الْمُلْكِ لِلْعُذْرِ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ؟
لكنه قال في موضع آخر: وَأَمَّا فِي شَرْعِ مَن قَبْلَنَا فَإِنَّ الْمُلْكَ جَائِزٌ؛ كَالْغِنَى يَكُونُ لِلْأَنْبِيَاءِ تَارَةً وَللصَّالِحِينَ أُخْرَى. (٣٥/ ٣٣)стр. 3269
ثُمَّ هَل تَرْكُهَا كَبِيرَةٌ أَو صَغِيرَةٌ؟
إنْ كَانَ صَغِيرَةً لَمْ يَقْدَحْ فِي الْعَدَالَةِ، وَإِن كَانَ كَبِيرَةً فَفِيهِ الْقَوْلَانِ.
لَكِنْ يُقَالُ هُنَا: إذَا كَانَ الْقَائِمُ بِالْمُلْكِ وَالْإِمَارَةِ يَفْعَلُ مِن الْحَسَنَاتِ الْمَأمُورِ بِهَا ويتْرُكُ مِن السَّيّئَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مَا يَزِيدُ بِهِ ثَوَابُهُ عَلَى عُقُوبَةِ مَا يَتْرُكُهُ مِن وَاجِبٍ أَو يَفْعَلُهُ مِن مَحْظُورٍ: فَهَذَا قَد تَرَجَّحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيئِّاَتِهِ.
فَإِذَا كَانَ غَيْرُهُ مُقَصِّرًا فِي هَذِهِ الطَّاعَةِ الَّتِي فَعَلَهَا مَعَ سَلَامَتِهِ عَن سَيِّئَاتِهِ: فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْفَاضِلُ مِن حَسَنَاتِ الْأَمِيرِ أَكْثَرَ مِن مَجْمُوعِ حَسَنَاتِ هَذَا أَو أَقَلَّ.
فَإِنْ كَانَت فَاضِلَةً أَكْثَرَ: كَانَ أَفْضَلَ.
وإن كَانَ أَقَلَّ: كَانَ مَفْضُولًا.
وَإِن تَسَاوَيا: تَكَافَآ.
هَذَا مُوجَبُ الْعَدْلِ، وَمُقْتَضَى نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَن يَعْتَبِرُ الْمُوَازَنَةَ وَالْمُقَابَلَةَ فِي الْجَزَاءِ وَفِي الْعَدَالَةِ أَيْضًا.
وَأَمَّا مَن يَقُولُ: إنَّهُ بِالْكَبِيرَةِ الْوَاحِدَةِ يَسْتَحِقُّ الْوَعِيدَ وَلَو كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ كَثِيرَةٌ عَظِيمَةٌ، فَلَا يَجِيءُ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن الْعُلَمَاءِ فِي الْعَدَالَةِ.
وَالْأوَّلُ أَصَحُّ عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ النُّصُوصُ.
وَيتَفَرَّعُ مِن هُنَا مَسْأَلَةٌ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ لَا يَتَأَتَّى لَهُ فِعْلُ الْحَسَنَةِ الرَّاجِحَةِ إلَّا بِسَيِّئةٍ دُونَهَا فِي الْعِقَابِ: فَلَهَا صُورَتَانِ:
إحْدَاهُمَا: إذَا لَمْ يُمْكِنْ إلَّا ذَلِكَ، فَهُنَا لَا يَبْقَى سَيِّئَةٌ؛ فَإِنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ أَو الْمُسْتَحَبُّ إلَّا بِهِ: فَهُوَ وَاجِبٌ أَو مُسْتَحَبٌّ.
стр. 3270
ثُمَّ إنْ كَانَ مَفْسَدَتُهُ دُونَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ: لَمْ يَكُن مَحْظُورًا؛ كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْأُمُورِ الْمَحْظُورَةِ الَّتِي تُبِيحُهَا الْحَاجَاتُ كَلُبْسِ الْحَرِيرِ فِي الْبَرْدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذَا بَابٌ عَظِيمٌ (١) .
فَإِنَّ كَثِيرًا مِن النَّاسِ يَسْتَشْعِرُ سُوءَ الْفِعْلِ، وَلَا يَنْظُرُ إلَى الْحَاجَةِ الْمُعَارِضةِ لَهُ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا مِن ثَوَابِ الْحَسَنَةِ مَا يَرْبُو عَلَى ذَلِكَ؛ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمَحْظُورُ مُنْدَرِجًا فِي الْمَحْبُوبِ، أَو يَصِيرُ مُبَاحًا إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ إلَّا مُجَرَّدُ الْحَاجَةِ.
كَمَا أَنَّ مِن الأمُورِ الْمُبَاحَةِ بَل وَالْمَأمُورِ بِهَا إيجَابًا أَو اسْتِحْبَابًا: مَا يُعَارِضُهَا مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ تَجْعَلُهَا مُحَرَّمَةَ أَو مَرْجوحَةً؛ كَالصِّيَامِ لِلْمَرِيضِ، وَكَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ لِمَن يُخَافُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، كَمَا قَالَ ﷺ : "قَتَلُوهُ قَتَلَهُم اللهُ، هَلَّا سَألوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا؟ فَإنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ" (٢) .
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يُبْنَى جَوَازُ الْعُدُولِ أَحْيَانًا عَن بَعْضِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ، كَمَا يَجُوزُ تَرْكُ بَعْضِ وَاجِبَاتِ الشَّرِيعَةِ وَارْتكَابُ بَعْضِ مَحْظُورَاتِهَا لِلضَّرُورَةِ؛ وَذَلِكَ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْعَجْزُ عَن بَعْضِ سُنَتِهِمْ، أَو وَقَعَت الضَّرُورَةُ إلَى بَعْضِ مَا نَهَوْا عَنْهُ؛ بِأنْ تكونَ الْوَاجِبَاتُ الْمَقْصُودَةُ بِالْإِمَارَةِ لَا تَقُومُ إلَّا بِمَا مَضَرَّتُهُ أَقَلُّ.
وَهَكَذَا مَسْألَةُ التَّرْكِ كَمَا قلْنَاهُ أَوَّلا، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يُخَالِفُهُ إلَّا أَهْلُ الْبِدَعِ وَنَحْوُهُم مِن أَهْلِ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ.
وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا كَانَ يُمْكِنُ فِعْلُ الْحَسَنَاتِ بِلَا سَيِّئَةٍ، لَكِنْ بِمَشَقَّة لَا تُطِيعُهُ نَفْسُهُ عَلَيْهَا، أَو بِكَرَاهَة مِن طَبْعِهِ؛ بِحَيْثُ لَا تُطِيعُهُ نَفْسُهُ إلَى فِعْلِ تِلْكَ الحواشي
(١) صدق ﵀، وينبني عليه من المصالح أو المفاسد العظيمة ما لا يُحصى، فبحسب إعمال الأفراد والمجتمعات والحكومات لهذه القاعدة تزداد المصالح وتقل المفاسد، ويعظم الخير، ويتقلص الشر.(٢) رواه أبو داود(٣٣٦) ، وابن ماجه(٥٧٢) ، والدارمي(٧٧٩) ، وأحمد(٣٠٥٦) ، وقال الألباني في ضعيف أبي داود: حسن دون قوله: "إنما كان يكفيه".стр. 3271
الْحَسنَاتِ الْكِبَارِ الْمَأمُورِ بِهَا إيجَابًا أَو اسْتِحْبَابًا إنْ لَمْ يَبْذُلْ لِنَفْسِهِ مَا تُحِبُّهُ مِن بَعْضِ الْأمُورِ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا الَّتِي إثْمُهَا دُونَ مَنْفَعَةِ الْحَسَنَةِ.
فَهَذَا الْقِسْمُ كَثُرَ فِي دُوَلِ الْمُلُوكِ .. وَبِسَبَبِهِ نَشَأَتِ الْفِتَنُ بَيْنَ الْأمَّةِ، فَأَقْوَامٌ نَظَرُوا إلَى مَا ارْتكَبُوهُ مِن الْأمُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فَذَمُّوهُم وَأَبْغَضُوهُمْ.
وَأَقْوَامٌ نَظَرُوا إلَى مَا فَعَلُوهُ مِن الْأُمُورِ الْمَأمُورِ بِهَا فَأحَبُّوهُمْ.
ثُمَّ الْأَوَّلُونَ رُبَّمَا عَدُّوا حَسَنَاتِهِمْ سَيِّئَاتٍ، وَالْآخَرُونَ رُبَّمَا جَعَلُوا سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ.
فَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الْحَسَنَاتِ حَسَنَاتٌ، وَالسَّيِّئَاتِ سَيِّئَات، وَهُم خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيّئًا، وَحُكْمُ الشَّرِيعَةِ أَنَّهُم لَا يُؤْذَنُ لَهُم فِيمَا فَعَلُوهُ مِن السَّيئَاتِ وَلَا يُؤمَرُونَ بِهِ.
وَلَا يُجْعَلُ حَظُّ أَنْفُسِهِمْ عُذْرًا لَهُم فِي فِعْلِهِمْ إذَا لَمْ تكُن الشَّرِيعَةُ عَذَرَتْهُمْ.
لَكِنْ يُؤمَرُونَ بِمَا فَعَلُوهُ مِن الْحَسَنَاتِ وَيُحَضُّونَ عَلَى ذَلِكَ، وَيُرَغَّبُونَ فِيهِ، وَإِن عُلِمَ أَنَّهُم لَا يَفْعَلُونَهُ إلَّا بِالسَّيِّئَاتِ الْمَرْجُوحَةِ؛ كَمَا يُؤمَرُ الْأُمَرَاءُ بالْجِهَادِ، وَإن عُلِمَ أَنَّهُم لَا يُجَاهِدُونَ إلَّا بِنَوْع مِن الظُلْمِ الَّذِي تَقِلُّ مَفْسَدَتُهُ بِالنَّسْبَةِ إلَى مَصْلَحَةِ الْجِهَادِ.
ثُمَّ إذَا عُلِمَ أَنَّهُم إذَا نُهُواْ عَن تِلْكَ السَّيئاتِ تَرَكُوا الْحَسَنَاتِ الرَّاجِحَةَ الْوَاجِبَةَ: لَمْ يُنْهَوْا عَنْهَا؛ لِمَا فِي النَّهْيِ عَنْهَا مِن مَفْسَدَةِ تَرْكِ الْحَسَنَاتِ الْوَاجِبَةِ، إلا أَنْ يُمْكِنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَيُفْعَلُ حِينَئِذٍ تَمَامُ الْوَاجِبِ، كَمَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْتَعْمِلُ مَن فِيهِ فجُور؛ لِرُجْحَانِ الْمَصْلَحَةِ فِي عَمَلِهِ، ثُمَّ يُزِيلُ فُجُورَهُ بِقُوَّتِهِ وَعَدْلِهِ.
ويكُونُ تَرْكُ النَّهْيِ عَنْهَا حِينَئِذٍ: مِثْل تَرْكِ الْإِنْكَارِ بِالْيَدِ أَو بِالسِّلَاحِ إذَا كَانَ فِيهِ مَفْسَدَة رَاجِحَةٌ عَلَى مَفْسَدَةِ الْمُنْكرِ (١) . الحواشي
(١) فليس كل منكر يجوز إنكارُه، بل يجب مراعاة المصالح والمفاسد في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.стр. 3272
فَإِذَا كَانَ النَّهْيُ مُسْتَلْزِمًا فِي الْقَضِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ لِتَرْكِ الْمَعْرُوفِ الرَّاجِحِ: كَانَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَلْزِمًا لِفِعْلِ الْمُنْكَرِ الرَّاجِحِ؛ كَمَن أَسْلَمَ عَلَى أَنْ لَا يُصَلِّيَ إلَّا صَلَاتَيْنِ، كَمَا هُوَ مَأثُورٌ عَن بَعْضِ مَن أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَو أَسْلَمَ بَعْضُ الْمُلُوكِ الْمُسَلَّطِينَ وَهُوَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، أَو يَفْعَلُ بَعْضَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَو نُهي عَن ذَلِكَ ارْتَدَّ عَن الْإِسْلَامِ (١) .
فَفَرْقٌ بَيْنَ:
أ - تَرْكِ الْعَالِمِ أَو الْأَمِيرِ لِنَهْيِ بَعْضِ النَّاسِ عَن الشَّئِ إذَا كَانَ فِي النَّهْيِ مَفْسَدَة رَاجِحَةٌ.
ب - وَبَيْنَ إذْنِهِ فِي فِعْلِهِ (٢) .
وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَفِي حَالٍ أُخْرَى يَجِبُ إظْهَارُ النَّهْيِ: إمَّا لِبَيَانِ التَّحْرِيم، وَاعْتِقَادِهِ، وَالْخَوْفِ مِن فِعْلِهِ، أَو لِرَجَاءِ التَّرْكِ، أَو لِإِقَامَةِ الْحجَّةِ بِحَسَبِ الأَحْوَالِ؛ وَلهَذَا تَنَوَّعَ حَالُ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَجِهَادِهِ وَعَفْوِهِ وَإِقَامَتِهِ الْحُدُودَ وَغِلْظَتِهِ وَرَحْمَتِهِ. [٣٥/ ١٨ - ٣٢]
* * *
(لَا يُزَال الْمُنْكَرُ بِمَا هُوَ أنْكَرُ مِنْهُ)
٥١٩٦ - لَا يُزَالُ الْمُنْكَرُ بِمَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ، بِحَيْثُ يُخْرَجُ عَلَيْهِم [أي: الأمراء] بِالسِّلَاحِ، وَتُقَامُ الْفِتَنُ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ مِن أصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ النَّبوِيَّةُ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الْفَسَادِ الَّذِي يَرْبُو الحواشي
(١) وهذا من باب التدرج في تطبيق الشريعة، للمصلحهَ الراجحة، قال الشيخ العلَّامة ابن عثيمين: جاءت الشريعة الإسلامية بالتدرج في التشريع شيئًا فشيئًا، وهكذا المنكر لا بد أن نأخذ الناس فيه بالمعالجة حتى يتم الأمر. اهـ. مجموع فتاوى ابن عثيمين (٥/ ٢١٠).(٢) فالسكوت عن قول الحق شيء، وقول الباطل والتدليس وتحريف النصوص شيء آخر، فالثاني لا يُباح بحال، بخلاف الأول، فيجوز للمصلحة الراجحة.стр. 3273
عَلَى فَسَادِ مَا يَكُونُ مِن ظُلْمِهِمْ؛ بَل يُطَاعُ اللهُ فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ، وَيُفْعَلُ مَا أَمَرَ بِهِ ويُتْرَكُ مَا نَهَى عَنْهُ. [٣٥/ ٢١] * * *
(شرح حديث: "عَلَيْكُمْ بسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِن بَعْدِي تَمَسَّكوا بِها وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ")
٥١٩٧ - قَوْله ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِن بَعْدِي تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" (١) : فَهَذَا أَمْرٌ وَتَحْضِيضٌ عَلَى لُزُومِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ، وَأَمْرٌ بِالِاسْتِمْسَاكِ بِهَا، وَتَحْذِيرٌ مِن الْمُحْدَثَاتِ الْمُخَالِفَةِ لَهَا، وَهَذَا الْأَمْرُ مِنْهُ وَالنَّهْيُ: دَليلٌ بَيِّنٌ فِي الْوُجُوبِ.
ثُمَّ اخْتَصَّ مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: "اقْتَدُوا بالذين مِن بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" فَهَذَانِ أُمِرَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا، وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أُمِرَ بِلُزومِ سُنَّتِهِمْ.
وَفِي هَذَا تَخْصِيصٌ لِلشَّيْخَيْنِ مِن وَجْهيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ السُّنَّةَ مَا سَنُّوهُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا الْقُدْوَةُ فَيَدْخُلُ فِيهَا الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا فِيمَا فَعَلَاهُ مِمَّا لَمْ يَجْعَلُوهُ سُنَّةً.
الثَّانِي: أَنَّ السُّنَّةَ أَضَافَهَا إلَى الْخُلَفَاءِ، لَا إلَى كُلّ مِنْهُمْ.
فَقَد يُقَالُ: إمَّا ذَلِكَ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ بَعْضُهُم وَأَمَّا الْقُدْوَةُ فَعَيَّن الْقُدْوَة بِهَذَا وَبِهَذَا، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ نَظَرٌ.
وَيُسْتَفَادُ مِن هَذَا: أَنَّ مَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ مِن الِاجْتِهَادِ الَّذِي سَبَقَهُمَا بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَلَّت النُّصُوصُ وَمُوَافَقَةُ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ عَلَى رُجْحَانِهِ، وَكَانَ سَبَبَهُ افْتِرَاقُ الْأمَّةِ: لَا يُؤْمَرُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمَا فِيهِ، إذ لَيْسَ ذَلِكَ الحواشي
(١) رواه أبو داود(٤٦٠٧) ، والترمذي(٢٦٧٦) ، وابن ماجه(٤٢) ، والدارمي(٩٦) ، وأحمد(١٧١٤٢) ، وصحَّحه الألباني في صلاة التراويح(٨٦) .стр. 3274
مِن سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ سَاسَا الْأمَّةَ بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، وَسَلِمَا مِن التَّأوِيلِ فِي الدِّمَاءِ وَالْأمْوَالِ.
وَعُثْمَانَ ﵁ غَلَّبَ الرَّغْبَةَ وَتَأَوَّلَ فِي الْأَمْوَالِ.
وَعَلِيٌّ غَلَّبَ الرَّهْبَةَ وَتَأَوَّلَ فِي اْلدِّمَاءِ.
وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ كَمُلَ زُهْدُهُمَا فِي الْمَالِ وَالرِّيَاسَةِ.
وَعُثْمَانُ كَمُلَ زُهْدُهُ فِي الرِّيَاسَةِ.
وَعَلِيٌّ كَمُلَ زُهْدُهُ فِي الْمَالِ. [٣٥/ ٢٢ - ٢٣]
* * *
(النَّبِيِّ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ)
٥١٩٨ - التَّحْقِيقُ أَن مِن النُّبُوَّةِ مَا يَكُونُ مُلْكًا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أ - إمَّا أَنْ يُكذَّبَ وَلَا يتَّبعَ وَلَا يُطَاعَ: فَهُوَ نَبِيٌّ لَمْ يُؤتَ مُلْكًا.
ب - وَإِمَّا أَنْ يُطَاعَ، فَنَفْسُ كَوْنِهِ مُطَاعًا هُوَ مُلْكٌ.
لَكِنْ إنْ كَانَ لَا يَأمُرُ إلَّا بِمَا أُمِرَ بِهِ: فَهُوَ عَبْدٌ رَسُولٌ لَيْسَ لَهُ مُلْكٌ.
وَهُوَ حَالُ نَبِيِّنَا فَإِنَّهُ كَانَ عَبْدًا رَسُولًا، مُؤَيَّدًا مُطَاعًا مَتْبُوعًا، فَأُعْطِيَ فَائِدَةَ كَوْنِهِ مُطَاعًا مَتْبُوعًا لِيَكُونَ لَهُ مِثْل أَجْرِ مَن اتَّبَعَهُ، وَليَنْتَفِعَ بِهِ الْخَلْقُ ويُرْحَمُوا بِهِ، ويُرْحَمُ بِهِمْ.
وَلَمْ يَخْتَرْ أَنْ يَكُونَ مَلَكًا لِئَلَّا يُنْقَصَ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الِاسْتِمْتَاعِ بِالرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ عَن نَصِيبِهِ فِي الْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ الرَّسُولَ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِن النَّبِيِّ الْمَلَكِ.
وَإِن كَانَ يَأمُرُ بِمَا يُرِيدُهُ مُبَاحًا لَهُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْمَلكِ كَمَا قِيلَ لِسُلَيْمَانَ: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩) ﴾ [ص: ٣٩] فَهَذَا نَبِيٌّ مَلكٌ. [٣٥/ ٣٤]
* * *
стр. 3275
(قاعدة في مواضع الأئمة في مجامع الأمة)
٥١٩٩ - لَنْ يَقُومَ الدِّينُ إلَّا بِالْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ وَالْحَدِيدِ: كِتَابٌ يَهْدِي بِهِ، وَحَدِيدٌ يَنْصُرُهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥].
فَالْكِتَابُ: بِهِ يَقُومُ الْعِلْمُ وَالدِّينُ.
وَالْمِيزَانُ: بِهِ تَقُومُ الْحُقوقُ فِي الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ والقبوض.
وَالْحَدِيدُ: بِهِ تَقُومُ الْحُدُودُ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ.
وَلهَذَا كَانَ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ:
أ - الْكِتَابُ لِلْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ.
ب - وَالْمِيزَانُ لِلْوُزَرَاءِ وَالْكُتَّابِ وَأَهْلِ الدّيوَانِ.
ج - وَالْحَدِيدُ لِلْأُمَرَاءِ وَالْأجْنَادِ.
وَالْكِتَابُ لَهُ الصَّلَاةُ، وَالْحَدِيدُ لَهُ الْجِهَادُ؛ وَلهَذَا كَانَ أَكْثَرُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبوِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ.
وَلهَذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ مِن الْقُرْآنِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٥]. وَالصَّلَاةُ أَوَّلُ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ، وَأَصْلُ أَعْمَالِ الْإِيمَانِ؛ وَلهَذَا سَمَّاهَا إيمَانًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]؛ أَيْ: صَلَاتَكُمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، هَكَذَا نُقِلَ عَن السَّلَفِ.
وَفِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إيمَانٌ بِاللهِ وَجِهَادٌ في سَبِيلِهِ" (١) . الحواشي
(١) البخاري(٢٥١٨) .стр. 3276
مَعَ قَوْلِهِ فِي "الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ" لَمَّا سَأَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ فِي وَقْتِهَا"، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "بِرُّ الْوَالِدَيْنِ"، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ: سَبِيلِ اللهِ" (١) .
فَإن قَوْلَهُ: "إيمَانٌ بِاللهِ" دَخَلَ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْأَوَّلِ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ؛ إذ لَيْسَ لِكُلِّ أَحَدٍ وَالِدَانِ.
فَالْأوَّلُ مُطْلَقٌ، وَالثَّاني مُقَيَّدٌ بِمَن لَهُ وَالِدَانِ.
وَلهَذَا كَانَت سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَسَائِرِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَمَن سَلَكَ سَبِيلَهُم مِن وُلَاةِ الْأُمُورِ -فِي الدَّوْلَةِ الْأمَوِيَّةِ وَالْعَبَّاسِيَّةِ- أَنَّ الْإِمَامَ يَكُونُ إمَامًا فِي هَذَيْنَ الْأَصْلَيْنِ جَمِيعًا: الصَّلَاةُ وَالْجِهَادُ؛ فَاَلَّذِي يَؤُمُّهُم فِي الصَّلَاةِ يَؤُمُّهُم فِي الْجِهَادِ، وَأَمْرُ الْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ وَاحِدٌ فِي الْمُقَامِ وَالسَّفَرِ.
فصْلٌ
وَكَانَت مَوَاضِعُ الْأَئِمَّةِ وَمَجَامِعُ الْأُمَّةِ هِيَ الْمَسَاجِدَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَسَّسَ مَسْجِدَهُ الْمُبَارَكَ عَلَى التَّقْوَى، فَفِيهِ الصَّلَاةُ وَالْقِرَاءَةُ وَالذِّكْرُ، وَتَعْلِيمُ الْعِلْمِ وَالْخُطَبُ، وَفِيهِ السِّيَاسَةُ وَعَقْدُ الْأَلْوِيَةِ وَالرَّايَاتِ وَتَأمِيرُ الْأمَرَاءِ وَتَعْرِيفُ الْعُرَفَاءِ، وَفِيهِ يَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَهُ لِمَا أهَمَّهُم مِن أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.
وَكَانَ الْخُلَفَاءُ وَالْأُمَرَاءُ يَسْكُنُونَ فِي بُيُوتِهِمْ كَمَا يَسْكُنُ سَائِرُ الْمُسْلِمِينَ فِي بُيُوتِهِمْ، لَكِنَّ مَجْلِسَ الْإِمَامِ الْجَامِعَ هُوَ الْمَسْجِدُ الْجَامِعُ.
فَلَمَّا كَانَت إمَارَة مُعَاوِيَة احْتَجَبَ لمَّا خَافَ أَنْ يُغْتَالَ كَمَا اُغْتِيلَ عَلَيَّ، وَاتّخذَ الْمَقَاصِير فِي الْمَسَاجِدِ لِيُصَلِّيَ فِيهَا ذُو السُّلْطَانِ وَحَاشِيَته وَاتَّخَذَ الْمَرَاكِبَ، فَاسْتَنَّ بِهِ الْخُلَفَاءُ الْمُلُوك بِذَلِكَ، فَصَارُوا مَعَ كَوْنِهِمْ يَتَوَلَّوْنَ الْحَرْبَ وَالصَّلَاةَ بِالنَّاسِ وَيُبَاشِرُونَ الْجُمْعَة وَالْجَمَاعَة وَالْجِهَاد وَإِقَامَة الْحُدُودِ: لَهُم قُصُور يَسْكُنُونَ فِيهَا وَيَغْشَاهُم رُؤُوس النَّاسِ فِيهَا. الحواشي
(١) رواه البخاري(٢٧٨٢) ، ومسلم(٨٥) .стр. 3277
فصْلٌ
فِي الْخِلَافَةِ وَالسُّلْطَانِ وَكَيْفِيَّةِ كَوْنِهِ ظِلَّ اللهِ فِي الْأَرْضِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] .. وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] يَعُمُّ آدَمَ وَبَنِيهِ، لَكِنَّ الِاسْمَ مُتَنَاوِلٌ لِآدَمَ عَيْنًا؛ كقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ﴾ [التين: ٤]، وَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) ﴾ [الرحمن: ١٤]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ﴾ [السجدة: ٧، ٨] إلَى أَمثَالِ ذَلِكَ.
وَالْخَلِيفَةُ: هُوَ مَن كَانَ خَلَفًا عَن غَيْرِهِ، فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا سَافَرَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ في الْأَهْلِ" (١) .
وَالْمُرَادُ بِالْخَلِيفَةِ: أَنَّهُ خَلَفَ مَن كَانَ قَبْلَهُ مِن الْخَلْقِ.
وَقَد ظَنَّ بَعْضُ الْقَائِلِينَ الغالطين -كَابْنِ عَرَبِيِّ- أَن الْخَلِيفَةَ هُوَ الْخَلِيفَةُ عَن اللهِ، مِثْل نَائِبِ اللهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الْأِنْسَانُ مُسْتَخْلَفًا.
وَاللهُ لَا يَجُوزُ لَهُ خَلِيفَةٌ؛ وَلهَذَا لَمَّا قَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ: يَا خَلِيفَةَ اللهِ، قَالَ: لَسْت بِخَلِيفَةِ اللهِ، وَلَكِنِّي خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَسْبِي ذَلِكَ.
بَل هُوَ سُبْحَانَهُ يَكُونُ خَلِيفَةً لِغَيْرِهِ .. ؛ وَذَلِكَ لِأنَّ اللهَ حَي شَهِيدٌ مُهَيْمِنٌ قَيُّومٌ رَقِيب حَفِيظ غَنِيٌّ عَن الْعَالَمِينَ، لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ وَلَا ظَهِيرٌ، وَلَا يَشْفَعُ أَحَدٌ عِنْدَهُ إلَّا بِإِذْنِهِ.
وَالْخَلِيفَةُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسْتَخْلَفِ بِمَوْت أَو غَيْبَةٍ، وَيَكُونُ لِحَاجَةِ الْمُسْتَخْلِفِ إلَى الِاسْتِخْلَافِ.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ: "السّلْطَانُ ظِلُّ اللهِ فِي الْأَرضِ يَأوِي إلَيْهِ كُلُّ الحواشي
(١) رواه مسلم(١٣٤٢) .стр. 3278
ضَعِيفٍ وَمَلْهُوف" (١) : وَهَذَا صَحِيحٌ؛ فَإِنَّ الظِّلَّ مُفْتَقِرٌ إلَى آوٍ .. فَالسُّلْطَانُ عَبْدُ اللهِ مَخْلُوقٌ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَفِيهِ مِن الْقُدْرَةِ وَالسُّلْطَانِ وَالْحِفْظِ وَالنُّصْرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعَانِي السُّؤْدُدِ وَالصَّمَدِيَّةِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْخَلْقِ مَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ظِلَّ اللهِ فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ أَقْوَى الْأسْبَاب الَّتِي بِهَا يُصْلِحُ أمُورَ خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ، فَإِذَا صَلَحَ ذُو السُّلْطَانِ صَلَحَتْ أُمُورُ النَّاسِ، وَإِذَا فَسَدَ فَسَدَتْ بِحَسَبِ فَسَادِهِ، وَلَا تَفْسُدُ مِن كُلِّ وَجْهٍ؛ بَل لَا بُدَّ مِن مَصَالِحَ، إذ هُوَ ظِلُّ اللهِ، لَكِنَّ الظِّلَّ تَارَةً يَكُونُ كَامِلًا مَانِعًا مِن جَمِيعِ الْأَذَى، وَتَارَةً لَا يَمْنَعُ إلَّا بَعْضَ الْأَذَى.
وَأَمَّا إذَا عُدِمَ الظِّلُّ: فَسَدَ الْأَمْرُ؛ كَعَدَمِ سِرِّ الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي بِهَا قِيَامُ الْأمَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. [٣٥/ ٣٦ - ٤٦]
* * *
(بم ثبتت خِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ -)
٥٢٠٠ - حَكَى أَصْحَابُنَا عَن الْإِمَامِ أحْمَد فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ: هَل ثَبَتَتْ بِاخْتِيَارِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ؟ أَو بِالنصِّ الْخَفِيِّ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَو الْبَيِّنِ؟
أَحَدُهُمَا: بِالِاخْتِيَارِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمُتَكَلِّمِين؛ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ.
والثَّانِيَةُ: بِالنَصِّ الْخَفِيِّ وَهُوَ قَوْلُ طَوَائِفَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْمُتَكَلِّمِين، ويُرْوَى عَن الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
وَبَعْضُ أَهْلِ هَذَا الْقَوْلِ يَقُولُونَ بِالنَّصِّ الْجَلِيِّ.
وَامَّا قَوْلُ الْإِمَامِيَّةِ إنَّهَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ الْجَلِيِّ عَلَى عَلِيٍّ، وَقَوْلُ: "الزَّيْدِيَّةِ الجارودية إنَّهَا بِالنَّصِّ الْخَفِيِّ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ الراوندية إنَّهَا بِالنَّصِّ عَلَى الْعَبَّاسِ: فَهَذِهِ أَقْوَالٌ ظَاهِرَةُ الْفَسَادِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ. الحواشي
(١) ضغفه الألباني في السلسلة الضعيفة(١٦٦٣) .стр. 3279
وَإِنَّمَا يَدِينُ بِهَا: إمَّا جَاهِلٌ، وَإِمَّا ظَالِمٌ، وَكَثِيرٌ مِمَن يَدِينُ بِهَا زِنْدِيقٌ (١) .
وَالتَّحْقِيقُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَحْمَد: أَنَّهَا انْعَقَدَتْ بِاخْتِيَارِ الصَّحَابَةِ وَمُبَايَعَتِهِمْ لَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ بِوُقُوعِهَا عَلَى سَبيلِ الْحَمْدِ لَهَا وَالرِّضَا بِهَا، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِطَاعَتِهِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ دَلَّ إلْأَمَّةَ وَأَرْشَدَهُم إلَى بَيْعَتِهِ.
فَهَذِهِ الْأَوْجُهُ الثَّلَاثَةُ: الْخَبَرُ وَالْأَمْرُ وَالْإِرْشَادُ ثَابِتٌ مِن النَّبِيِّ ﷺ .
الْأوَّلُ: كَقَوْلِهِ: "رَأَيْت كَأَنِّي عَلَى قَلِيبٍ أَنْزِعُ مِنْهَا فَأتَى ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَو ذنوبين" (٢) .. الْحَدِيثُ.
وَكَقَوْلِهِ: "اُدْعِي لِي أبَاك وَأَخَاك حَتَّى أكتُبَ لِأَبِي بَكرٍ كِتَابًا لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ النَّاسُ مِن بَعْدِي"، ثُمَّ قَالَ: "يَأبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إلَّا أبَا بَكْرٍ" (٣) . فَهَذَا إخْبَارٌ مِنْهُ بِأَنَّ اللهَ وَالْمُؤمِنِينَ: لَا يَعْقِدُونَهَا إلَّا لِأبِي بَكْرٍ الَّذِي همَّ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ.
وَأمَّا الْأمْرُ: فَكَقَوْلِهِ: "اقْتَدَوْا بالذين مِن بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" (٤) ..
وَقَوْلِهِ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْهُ إنْ لَمْ أَجِدْك؟ قَالَ: "فَأتِي أبَا بَكْرٍ" (٥) .
والثَّالِثُ: تَقْدِيمُهُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ. [٣٥/ ٤٧ - ٤٩]
* * *
(باب قتل أهل البغي)
٥٢٠١ - هم الخارجون على الإمام بتأويل سائغ. [المستدرك ٥/ ١٢٧]
٥٢٠٢ - عامةُ الفتن التي وقعت من أعظم أسبابها: قلة الصبر؛ إذ الفتنة لها سببان: الحواشي
(١) كحال أكثر علماء وساسة الرافضة في هذا الزمان، فقد ظهر جليًّا زندقتهم، من خلال عبارات الكفر والشرك والغلو في الصالحين والأولياء، وموالاة النصارى وعداوتهم لأهل السُّنَّة، وذبحهم وتهجيرهم.(٢) رواه البخاري(٣٦٣٤) ، ومسلم(٢٣٩٣) .(٣) رواه مسلم(٢٣٨٧) .(٤) رواه الترمذي(٣٦٦٢) ، وأحمد(٢٣٢٤٥) ، وصحَّحه الألباني في صحيح الترمذي.(٥) رواه البخاري(٣٦٥٩) ، ومسلم(٢٣٨٦) .стр. 3280
أ - إما ضعف العلم.
ب - وإما ضعف الصبر.
فإن الجهل والظلم أصل الشر، وفاعل الشر إنما يفعله لجهله بأنه شر، وتكون نفسه تريده؛ فبالعلم يزول الجهل، وبالصبر يحبس الهوى والشهوة فتزول تلك الفتنة. [المستدرك ٥/ ١٢٧]
٥٢٠٣ - الأفضل ترك قتال أهل البغي حتى يبدؤه (١) . [المستدرك ٥/ ١٢٨]
٥٢٠٤ - ذكر ابن عبد البر في كتابه "بهجة المجالس" قال رجل لابن سيرين: إني وقعت فيك فاجعلني في حل، قال: لا أحب أن أحل لك ما حرم الله عليك.
وقال شيخنا: إن في الآية المذكورة: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) ﴾ [الشورى: ٣٩] فائدة عظيمة، وهو أن حمدهم على أنهم ينتصرون عند البغي عليهم، كما أنهم هم يعفون عند الغضب، ليسوا مثل الذي ليس له قوة الانتصار وفعله؛ لعجزهم، أو كسلهم، أو وهنهم، أو ذلهم، أو حزنهم؛ فإن أكثر من يترك الانتصار بالحق إنما يتركه لهذه الأمور وأشباهها، وليسوا مثل الذي إذا غضب لا يغفر ولا يعفو؛ بل يتعدى أو ينتقم حتى يُكَفَّ مِن خارج، كما عليه أكثر الناس إذا غضبوا أو قدروا، لا يقفون عند العدل، فضلًا عن الإحسان.
فحمدهم على أنهم هم ينتصرون وهم يعفون، ولهذا قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يُستذلوا، فإذا قدروا عفوا. [المستدرك ٥/ ١٢٨]
٥٢٠٥ - إن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رئاسة فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفته على الأخرى.
ولكن قال الشيخ تقي الدين: إن جهل قدر ما نهبته كل طائفة من الأخرى تساوتا، كمن جهل قدر المحرم من ماله أخرج نصفه والباقي له. [المستدرك ٥/ ١٢٩]
* * * الحواشي
(١) أي: الإمام. وفي حاشية الروض المربع: حتى يبدؤوا [الخوارج] الإمام. (١٣/ ٣٤٧).стр. 3281
(أقوال أَهْل الْأَهْوَاءِ فِي قِتَالِ عَلِيٍّ وَمَن حَارَبَهُ)
٥٢٠٦ - أَهْلُ الْأَهْوَاءِ فِي "قِتَالِ عَلِيٍّ وَمَن حَارَبَهُ" عَلَى أَقْوَالٍ: أَمَّا الْخَوَارجُ: فَتُكَفِّرُ الطَّائِفَتَانِ الْمُقْتَتِلَانِ (١) جَمِيعًا.
وَأَمَّا الرَّافِضَةُ: فَتكَفِّرُ مَن قَاتَلَ عَلِيًّا، مَعَ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُ مِن أَنَّهُ حَكَمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ وَمَنَعَ مِن تَكفِيرِهِمْ.
فَفِي الْجُمْلَةِ: أَهْلُ الْبِدَعِ مِن الْخَوَارجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ: يَجْعَلُونَ الْقِتَالَ مُوجِبًا لِكُفْر أَو لِفِسْق.
وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ: فَمُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَالَةِ الْقَوْمِ.
ثُمَّ لَهُم فِي التَّصْوِيبِ وَالتَّخْطِئَةِ مَذَاهِبُ لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُصِيبَ عَلِيٌّ فَقَطْ.
والثَّانِي: الْجَمِيعُ مُصِيبُونَ.
والثَّالِثُ: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ.
والرَّابعُ: الْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُم مُطْلَقًا، مَعَ الْعِلْمِ بِأنَّ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ هُم أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ؛ كَمَا فِي حَدِيث أَبِي سَعِيدٍ لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِن الْمُسْلِمِينَ فَيَقْتُلُهُم أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ" (٢) .
وَهَذَا فِي حَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ، وَالْأَحَادِيثُ تَدُلّ عَلَى أَنَّ حَرْبَ الْجَمَلِ فِتْنَةٌ، وَأَنَّ تَرْكَ الْقِتَالِ فِيهَا أَوْلَى، فَعَلَى هَذَا نُصُوصُ أَحْمَد وَأَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ. الحواشي
(١) جاء في الحاشية لابن قاسم: لغة في المثنى؛ يعني بذلك: أن المثنى يلزم حالة واحدة وهي الألف رفعًا ونصبًا وجرًّا.
ولا يظهر أن هذا صواب -إن صحت نسبة هذه الحاشية لابن قاسم- فالشيخ لم يستعمل هذه العبارة في أي موضع من كتبه، وكما أن صواب العبارة على هذه اللغة أيضًا هو (الطائفتين المقتتلتان) لا (المقتتلان).
فالذي يترجح لي أن هناك تصحيف في الكلمة، وصوابها: الطائفتين المقتتلتين.(٢) رواه مسلم(١٠٦٥) .стр. 3282
وَذَلِكَ الشِّجَارُ بِالْأَلْسِنَةِ وَالْأَيْدِي (١) : أَصْلٌ لِمَا جَرَى بَيْنَ الْأُمَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
فَلْيَعْتَبِرِ الْعَاقِلُ بِذَلِكَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. [٣٥/ ٥٠ - ٥١]
* * *
(خطورة قتال المسلم، وعظم إثمه)
٥٢٠٧ - وَسُئِلَ ﵀: عَن طَائِفَتَيْنِ مِن الْفَلَّاحِينَ اقْتَتَلَتَا فَكَسَرَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَانْهَزَمَتِ الْمَكْسُورَةُ وَقُتِلَ مِنْهُم بَعْدَ الْهَزِيمَةِ جَمَاعَةٌ: فَهَل يُحْكَمُ لِلْمَقْتُولِينَ مِن الْمَهْزُومِينَ بِالنَّارِ؟
فَأَجَابَ: إنْ كَانَ الْمُنْهَزِمُ قَد انْهَزَمَ بِنِيَّةِ التَّوْبَةِ عَن الْمُقاتَلَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَمْ يُحْكَمْ لَهُ بِالنَّارِ؛ فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَن عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات.
وَأَمَّا إنْ كَانَ انْهِزَامُهُ عَجْزًا فَقَطْ وَلَو قَدَرَ عَلَى خَصْمِهِ لَقَتَلَهُ فَهُوَ فِي النَّارِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ" (٢) .
فَالْمَقْتُولُ قَد يُقَالُ: إنَّهُ بِمُصِيبَةِ الْقَتْلِ قَد يُخَفَّفُ عَنْهُ الْعَذَابُ وَإِن كَانَ مِن أَهْلِ النَّارِ، وَمُصِيبَةُ الْهَزِيمَةِ دُونَ مُصِيبَةِ الْقَتْلِ.
فَظَهَرَ أَنَّ الْمَهْزُومَ أَسْوأُ حَالًا مِن الْمَقْتُولِ إذَا كَانَ مُصِرًّا عَلَى قَتْلِ أخِيهِ، وَمَن تَابَ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. [٣٥/ ٥١ - ٥٢]
* * *
(الفرق بَيْنَ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ وَبَيْنَ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ)
٥٢٠٨ - جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْخَوَارجِ الْمَارِقِينَ وَبَيْنَ أَهْلِ الْجَمَلِ وصفين، وَغَيْرِ أَهْلِ الْجَمَلِ وصفين مِمَن يُعَدُّ مِن الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلينَ. الحواشي
(١) الذي حصل بين الصحابة.(٢) رواه البخاري(٣١) ، ومسلم(٢٨٨٨) .стр. 3283
وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَن الصَّحَابَةِ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِين، وَعَلَيْهِ نُصُوصُ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ وَأَتْبَاعِهِمْ مِن أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ مَسْرُورًا لِقِتَالِ الْخَوَارجِ وَيَرْوِي الْحَدِيثَ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ، وَأَمَّا قِتَالُ صَفِّينَ فَذُكِرَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ فِيهِ نَصٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ رَآهُ، وَكَانَ أَحْيَانًا يَحْمَدُ مَن لَمْ يَرَ الْقِتَالَ.
وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَسَنِ: "إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِن الْمُسْلِمِينَ" (١) ، فَقَد مَدَحَ الْحَسَنَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِإِصْلَاحِ اللهِ بِهِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ: أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَأَصْحَابِ مُعَاوِيةَ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ تَرْكَ الْقِتَالِ كَانَ أَحْسَنَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُن الْقِتَالُ وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا.
وَقِتَالُ الْخَوَارجِ قَد ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بهِ وَحَضَّ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يُسَوَّى بَيْنَ مَا أَمَرَ بِهِ وَحَضَّ عَلَيْهِ وَبَيْنَ مَا مَدَحَ تَارِكَهُ وَأَثْنَىَ عَلَيْهِ؟. [٣٥/ ٥٤ - ٥٦]
٥٢٠٩ - أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الطَّائِفَةَ الْمَارِقَةَ يَقْتُلُهَا أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْحَقِّ، فَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمَن مَعَهُ هُم الَّذِينَ قَاتَلُوهُم، فَدَلَّ كَلَامُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَنَّهُم أَدْنَى إلَى الْحَقِّ مِن مُعَاوِيَةَ وَمَن مَعَهُ مَعَ إيمَانِ الطَّائِفَتَيْنِ. [٢٥/ ٣٠٦]
* * *
(حكم من لَعَنَ أَحَدًا مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ومعنى الصحبة ودرجاتها)
٥٢١٠ - مَن لَعَنَ أَحَدًا مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ -كمعاوية بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَمْرِو بْنِ العاص وَنَحْوِهِمَا .. - فَإِنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ الْبَلِيغَةِ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الدِّينِ.
وَتَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَل يُعَاقَبُ بِالْقَتْلِ أَو مَا دُونَ الْقَتْلِ؟ الحواشي
(١) رواه البخاري(٢٧٠٤) .стр. 3284
وَكُلُّ مَن رَأَى رَسُولَ الله ﷺ مُؤْمِنًا بَهْ: فَلَهُ مِن الصُّحْبَةِ بِقَدْرِ ذَلِك، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "يَغْزُو جَيْشٌ، فَيَقُولُ: هَل فِيكُمْ مَن صَحِبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ ثمْ، ثُمَّ يَغْزُو جَيْشٌ فَيَقُولُ: هَل فِيكُمْ مَن رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ، نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ" (١) وَذَكَرَ الطَّبَقَةَ الثَّالِثَةَ.
فَعَلَّقَ الْحُكْمَ بِرُؤْيَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا عَلَّقَهُ بِصُحْبَتِهِ (٢) .
وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ "الصُّحْبَهِ" فِيهِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ: كَانَ مَن اخْتَصَّ مِن الصَّحَابَةِ بِمَا يَتَمَيَّزُ بَهْ عَن غَيْرِهِ يُوصَفُ بِتِلْكَ الصُّحْبَةِ، دُونَ مَن لَمْ يَشْرَكْهُ فِيهَا.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لَمَّا اخْتَصَمَ هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ: "يَا خَالِدُ لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَاَلَّدِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَو أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْل أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ" (٣) .
فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ هُوَ وَأَمْثَالُهُ مِن السَّابِقِينَ الْأَوَّلينَ مِن الَّذِينَ أَنْفَقُوا قَبْلَ الْفَتْحِ فَتْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَغَيْرُهُ مِمَن أَسْلَمَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنْفَقُوا وَقَاتَلُوا دُونَ أولَئِكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، وَالْمُرَادُ بِالْفَتْح: فَتْحُ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَكَانَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ أَكْثَرَ مِن أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُم الَّذِينَ فَتَحُوا خَيْبَرَ. الحواشي
(١) رواه البخاري(٣٥٩٤) ، ومسلم(٢٥٣٢) .(٢) بنى الشيخ كلامه على الحديث الذي ذكره، ولم أجده بهذا اللفظ، بل الذي في صحيح مسلم(٢٥٣٢) ، عَن أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَن رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَن رَأَى مَن صَحِبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَل فِيكمْ مَن رَأَى مَن صَحِبَ مَن صَحِبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ".(٣) رواه البخاري(٣٦٧٣) ، ومسلم(٢٥٤٠) .стр. 3285
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَحِبُوهُ قَبْلَ الْفَتْحِ اخْتَصُّوا مِن الصُّحْبَةِ بِمَا اسْتَحَقُّوا بِهِ التَّفْضِيلَ عَلَى مَن بَعْدَهُمْ.
وَلَمَّا كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ مِن مَزِيَّةِ الصُّحْبَةِ مَا تَمَيَّزَ بَهْ عَلَى جَمِيعِ الصَّحَابَةِ خَصَّهُ بِذَلِك فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَن أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَلَامٌ، فَطَلَبَ أَبُو بَكْرٍ مِن عُمَرَ أَنَّ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَامْتَنَعَ عُمَرُ، وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ مَا جَرَى، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ نَدِمَ، فَخَرَجَ يَطْلُبُ أَبَا بَكْرٍ فِي بَيْتِهِ، فَذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا جَاءَ عُمَرُ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْضَبُ لِأَبِي بَكْرٍ؛ وَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي جِئْت إلَيْكُمْ فَقُلْت: إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ، فَقُلْتُمْ: كَذَبْت، وَقَالَ أَبُو بَكرٍ: صَدَقْت، فَهَل أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي فَهَل أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي" (١) ؟
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الصُّحْبَةَ فِيهَا خُصُوصٌ وَعُمُومٌ، وَعُمُومُهَا يَنْدَرِجُ فِيهِ كُلُّ مَن رَآهُ مُؤْمِنًا بَهْ، وَلهَذَا يُقَال: صَحِبْته سَنَةً، وَشَهْرًا، وَسَاعَةً، وَنَحْو ذَلِك.
ومُعَاوِيةُ وَعَمْرُو بْنُ العاص وَأَمْثَالُهُم مِن الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَتَّهِمْهُم أَحَدٌ مِن السَّلَفِ بِنِفَاق.
وَأَيْضًا: فَعَمْرُو بْنُ العاص وَأَمْثَالُهُ مِمَّن قَدِمَ مُهَاجِرًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ هَاجَرُوا إلَيْهِ مِن بِلَادِهِمْ طَوْعًا لَا كَرْهًا، وَالْمُهَاجِرُونَ لَمْ يَكُن فِيهِمْ مُنَافِقٌ، وَإِنَّمَا كَانَ النِّفَاقُ فِي بَعْضِ مَن دَخَلَ مِن الْأَنْصَارِ.
وَأَمَّا مُعَاوِيةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَأَمْثَالُهُ مِن الطُّلَقَاءِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ كَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، هَؤُلَاءِ وَغَيْرُهُم مِمَن حَسُنَ إسْلَامُهُم بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُتَّهَمْ أَحَدٌ مِنْهُم بَعْدَ ذَلِك بِنِفَاقِ. الحواشي
(١) رواه البخاري(٣٦٦١) .стр. 3286
وَمُعَاوِيَةُ قَد اسْتَكْتَبَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ، وَقِه الْعَذَابَ" (١) .
وَكَانَ أَخُوهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ خَيْرًا مِنْهُ وَأَفْضَلَ، وَهُوَ أَحَدُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ بَعَثَهُم أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فِي فَتْحِ الشَّامِ. [٣٥/ ٥٨ - ٦٥]
* * *
(الْحَسَنَة الْعَظِيمَة يَغْفِرُ الله بِهَا السَّيِّئَةَ الْعَظِيمَةَ)
٥٢١١ - فِي "الصَّحِيحِ" (٢) عَن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْسَلَهُ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَقَالَ لَهُمَا: ائْتِيَا رَوْضَةَ خاخ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً، وَمَعَهَا كِتَابٌ، قَالَ عَلِيٌّ: فَانْطَلَقْنَا تَتَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى لَقِينَا الظَّعِينَةَ، فَقُلْنَا: أَيْنَ الْكِتَابُ؟ فَقَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، فَقُلْنَا لَهَا: لتخرجن الْكِتَابَ أَو لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، قَالَ: فَأَخْرَجَتْهُ مِن عِقَاصِهَا، فَأتَيْنَا به النَّبِيَّ ﷺ ، وَإِذَا كِتَابٌ مِن حَاطِبٍ إلَى بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُم بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟ "، فَقَالَ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا فَعَلْت هَذَا ارْتدَادًا عَن دِينِي، وَلَا رِضَاءً بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ كُنْت امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أَكُنْ مِن أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَن مَعَك مِن الْمُسْلِمِينَ لَهُم قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهِم أَهَالِيهمْ بِمَكَّةَ، فَأَحْبَبْت إذ فَاتَنِي ذَلِك مِنْهُم أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُم يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي.
وَفِي لَفْظٍ: وَعَلِمْت أَن ذَلِك لَا يَضُرُّك؛ يَعْنِي: لِأَنَّ اللهَ يَنْصُرُ رَسُولَهُ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا.
فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إنَّهُ قَد شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيك أَنَّ اللهَ قَد اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ لَهُمْ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَد غَفَرْت لَكُمْ". الحواشي
(١) رواه أحمد(١٧١٥٢) ، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة(٣٢٢٧) : إسناده حسن في الشواهد.(٢) البخاري(٣٠٠٧) .стр. 3287
فَهَذِهِ السَّيِّئَةُ الْعَظِيمَةُ غَفَرَهَا اللهُ لَهُ بِشُهُودِ بَدْرٍ.
فَدَلَّ ذَلِك عَلَى أَنَّ الْحَسَنَةَ الْعَظِيمَةَ يَغْفِرُ اللهُ بِهَا السَّيئةَ الْعَظِيمَةَ (١) . [٣٥/ ٦٧ - ٦٨]
* * *
(لَا يُشْهَدُ لِمُعَيَّن بِالْجَنَّةِ إلَّا بِدَلِيل خَاصٍّ، وَلَا يُشْهَدُ عَلَى معَيَّنٍ بِالنَّارِ إلَّا بِدَلِيل خَاصٍّ)
٥٢١٢ - لَا يُشْهَدُ لِمُعَيَّن بِالْجَنَّةِ إلَّا بِدَلِيل خَاصٍّ، وَلَا يُشْهَدُ عَلَى مُعَيَّنٍ بِالنَّارِ إلَّا بِدَلِيل خَاصٍّ، وَلَا يُشْهَدُ لَهُم بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ مِن انْدِرَاجِهِمْ فِي الْعُمُومِ؛ لِأَنَّهُ قَد يَنْدَرجُ فِي العمومين فَيَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].
وَإِنَّمَا يَقُولُ بِحُبُوطِ الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا بِالْكَبِيرَةِ الْخَوَارجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِتَخْلِيدِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ.
وَسَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَئِمَّةُ الدِّينِ لَا يَعْتَقِدُونَ عِصْمَةَ أَحَدٍ مِن الصَّحَابَةِ وَلَا الْقَرَابَةِ وَلَا السَّابِقِينَ وَلَا غَيْرِهِمْ؛ بَل يَجُوزُ عِنْدَهُم وُقُوعُ الذُّنُوبِ مِنْهُمْ، وَاللهُ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُم بِالتَّوْبَةِ، وَيَرْفَعُ بِهَا دَرَجَاتِهِمْ، وَيَغْفِرُ لَهُم بِحَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ، أَو بِغَيْرِ ذَلِك مِن الْأَسْبَابِ.
وَلَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ هُم الَّذِينَ قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّهُم مَعْصُومُونَ مِن الْإِصْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ، فَأَمَّا الصِّدِّيقونَ، وَالشُّهَدَاءُ، وَالصَّالِحُونَ: فَلَيْسُوا بِمَعْصُومِينَ، وَهَذَا فِي الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقَةِ. الحواشي
(١) فلا ينبغي لمن قارف كبيرة أو موبقة أن يقنط أو يكسل عن الطاعة، فإذا علم أن من الطاعات ما يُكفر بها السيئات ولو عظمت ازداد نشاطًا وإقبالًا على فعل الخير.стр. 3288
وَأَمَّا مَا اجْتَهَدُوا فِيهِ: فَتَارَةً يُصِيبُونَ، وَتَارَةً يُخْطِئُونَ.
فَإِذَا اجْتَهَدُوا فَأَصَابُوا فَلَهُم أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدُوا وَأَخْطَؤُوا فَلَهُم أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، وَخَطَؤُهُم مَغْفُورٌ لَهُمْ.
وَأَهْلُ الضَّلَالِ يَجْعَلُونَ الْخَطَأَ وَالْإِثْمَ مُتَلَازِمَيْنِ: فَتَارَةً يَغْلُونَ فِيهِمْ وَيَقُولُونَ: إنَّهُم مَعْصُومُونَ.
وَتَارَةً يَجْفُونَ عَنْهُم وَيَقُولُونَ: إنَّهُم بَاغُونَ بِالْخَطَأِ.
وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ لَا يَعْصِمُونَ وَلَا يُؤَثِّمون.
وأما الْحَدِيثُ الَّذِي فِيهِ: "إنَّ عَمَّارًا تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ" (١) : لَيْسَ فِي كَوْنِ عَمَّارٍ تَقْتُلهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ مَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ، فَإِنَّهُ قَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠]، فَقَد جَعَلَهُم مَعَ وُجُودِ الِاقْتِتَالِ وَالْبَغْيِ مُؤْمِنِينَ إخْوَةً؛ بَل مَعَ أَمْرِهِ بِقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ جَعَلَهُم مُؤْمِنِينَ. وَلَيْسَ كُلُّ مَا كَانَ بَغْيًا وَظُلْمًا أَو عُدْوَانًا يُخْرِجُ عُمُومَ النَّاسِ عَن الْإِيمَانِ، وَلَا يُوجِبُ لَعْنَتَهُمْ، فَكَيْفَ يُخْرِجُ ذَلِك مَن كَانَ مِن خَيْرِ الْقُرُونِ؟
وَكُلُّ مَن كَانَ بَاغِيًا، أَو ظَالِمًا، أَو مُعْتَدِيًا، أَو مُرْتَكِبًا مَا هُوَ ذَنْبٌ فَهُوَ قِسْمَانِ:
أ- مُتَأَوِّلٌ.
ب- وَغَيْرُ مُتَأَوِّلٍ.
فَالْمُتَأَوِّلُ الْمُجْتَهِدُ؛ كَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، الَّذِينَ اجْتَهَدُوا، وَاعْتَقَدَ بَعْضُهُم حِلَّ أُمُورٍ، وَاعْتَقَدَ الْآخَرُ تَحْرِيمَهَا، كَمَا اسْتَحَلَّ بَعْضُهُم بَعْضَ أَنْوَاعِ الْأَشْرِبَةِ، الحواشي
(١) رواه البخاري(٤٤٧) ، ومسلم(٢٩١٦) .стр. 3289
وَبَعْضُهُم بَعْضَ الْمُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ، وَبَعْضُهُم بَعْضَ عُقُودِ التَّحْلِيلِ وَالْمُتْعَةِ، وَأَمْثَالُ ذَلِك، فَقَد جَرَى ذَلِك وَأَمْثَالُهُ مِن خِيَارِ السَّلَفِ.
فَهَؤُلَاءِ الْمُتَأَوِّلُونَ الْمُجْتَهِدُونَ غَايَتُهُم أَنَّهُم مُخْطِئُونَ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (١) أَنَّ اللهَ اسْتَجَابَ هَذَا الدُّعَاءَ.
وَقَد أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَن دَاوُد وَسُلَيْمَانَ ﵇ أنَّهُمَا حَكَمَا فِي الْحَرْثِ، وَخَصَّ أَحَدَهُمَا بِالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ، مَعَ ثَنَائِهِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْعِلْمِ وَالْحُكْمِ.
وَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا فَهِمَ أَحَدُهُم مِن الْمَسْأْلَةِ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ الْآخَرُ لَمْ يَكُن بِذَلِك مَلُومًا وَلَا مَانِعًا لِمَا عُرِفَ مِن عِلْمِهِ وَدِينِهِ (٢) ، وَإِن كَانَ ذَلِك مَعَ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ يَكُون إثْمًا وَظُلْمًا، وَالْإِصْرَارُ عَلَيْهِ فِسْقًا؛ بَل مَتَى علِمَ تَحْرِيمهُ ضَرُورَةً كَانَ تَحْلِيلُهُ كُفْرًا؛ فَالْبَغْيُ هُوَ مِن هَذَا الْبَابِ.
أَمَا إذَا كَانَ الْبَاغِي مُجْتَهِدًا وَمُتَأَوِّلًا، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّهُ بَاغٍ؛ بَل اعْتَقَدَ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَإِن كَانَ مُخْطِئًا فِي اعْتِقَادِهِ: لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَتُهُ بَاغِيًا مُوجِبَةً لِإِثْمِهِ، فَضْلًا عَن أَنْ تُوجِبَ فِسْقَهُ.
وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلينَ يَقُولُونَ: مَعَ الْأَمْرِ بِقِتَالِهِمْ قِتَالُنَا لَهُم لِدَفْعِ ضَرَرِ بَغْيِهِمْ لَا عُقُوبَةً لَهُمْ؛ بَل لِلْمَنْعِ مِن الْعُدْوَانِ.
وَيَقُولُونَ: إنَّهُم بَاقُونَ عَلَى الْعَدَالَةِ لَا يُفَسَّقُونَ.
وَيَقُولُونَ: هُم كَغَيْرِ الْمُكَلَّفِ، كَمَا يُمْنَعُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالنَّاسِي وَالْمغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمُ مِن الْعُدْوَانِ أَنْ لَا يَصْدُرَ مِنْهُمْ؛ بَل تُمْنَعُ الْبَهَائِمُ مِن الْعُدْوَانِ. الحواشي
(١) مسلم(١٢٥) .(٢) وعلى هذا؛ فلا ينبغي لمن علم الحق والصواب في مسألة أن يرد بعنف ويُثرب على من اجتهد وأخطأ من العلماء أو طلاب العلم فيها.стр. 3290
ثُمَّ بِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْبَغْيُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ: يَكُون ذَنْبًا، وَالذُّنُوبُ تَزُولُ عُقُوبَتُهَا بِأَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ: بِالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ، وَالْمَصَائِبِ الْمُكَفِّرَةِ، وَغَيْرِ ذَلِك.
ثُمَّ إنَّ عَمَّارًا تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ لَيْسَ نَصًّا فِي أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لمعاوية وَأَصْحَابِهِ؛ بَل يُمْكِنُ أنَّهُ أُرِيدَ بَهْ تِلْكَ الْعِصَابَةُ الَّتِي حَمَلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلَتْهُ، وَهِيَ طَائِفَةٌ مِن الْعَسْكَرِ، وَمَن رَضِيَ بِقَتْلِ عَمَّارٍ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا.
وَمِن الْمَعْلُومِ أَنَّهُ كَانَ فِي الْعَسْكَرِ مَن لَمْ يَرْضَ بِقَتْلِ عَمَّارٍ؛ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاص وَغَيْرِهِ؛ بَل كُلُّ النَّاسِ كَانُوا مُنْكرِينَ لِقَتْلِ عَمَّارٍ، حَتَّى مُعَاوِيةُ، وَعَمْرٌو.
وَالْفُقَهَاءُ لَيْسَ فِيهِمْ مَن رَأْيه الْقِتَالُ مَعَ مَن قَتَلَ عَمَّارًا، لَكِنْ لَهُم قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ كَمَا كَانَ عَلَيْهِمَا أَكَابِرُ الصَّحَابَةِ:
أ- مِنْهُم مَن يَرَى الْقِتَالَ مَعَ عَمَّارٍ وَطَائِفَتِهِ.
ب- وَمِنْهُم مَن يَرَى الْإِمْسَاكَ عَن الْقِتَالِ مُطْلَقًا.
وَفِي كُلٍّ مِن الطَّائِفَتَيْنِ طَوَائِفُ مِن السَّابِقِينَ الْأَوَّلينَ.
فَفِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: عَمَّارٌ، وَسَهْلُ بْنُ حنيف، وَأَبُو أَيُّوبَ.
وَفِي الثَّانِي: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مسلمة، وَأُسَامَةُ بْنُ زيدٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَنَحْوُهُمْ.
وَلَعَلَّ أَكْثَرَ الْأَكَابِرِ مِن الصَّحَابَةِ كَانُوا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ، وَلَمْ يَكن فِي الْعَسْكَرَيْنِ بَعْدَ عَلِيٍّ أَفَضْلُ مِن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَكَانَ مِن الْقَاعِدِينَ.
وحَدِيثُ عَمَّارٍ: قَد يَحْتَجُّ بِهِ مَن رَأَى الْقِتَالَ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ قَاتِلُوهُ بُغَاةً؛ فَاللهُ يَقُول: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾.
والمتمسكون يَحْتَحُّونَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي أَنَّ الْقُعُودَ عَن الْفِتْنَةِ خَيْرٌ مِن الْقِتَالِ فِيهَا، وَتَقُولُ: إنَّ هَذَا الْقِتَالَ وَنَحْوَهُ هُوَ قِتَالُ الْفِتْنَةِ؛ كَمَا
стр. 3291
جَاءَت أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ تُبَيِّنُ ذَلِك، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمْ يَأْمُرْ بِالْقِتَالِ، وَلَمْ يَرْضَ بِهِ، وَإِنَّمَا رَضِيَ بِالصُّلْحِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ اللهُ بِقِتَالِ الْبَاغِي، وَلَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِهِ ابْتِدَاءً.
بَل غَالِبُ النَّاسِ لَا يَخْلُو مِن ظُلْمٍ وَبَغْي، وَلَكِنْ إذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِن الْمُؤْمِنِينَ فَالْوَاجِبُ الْإِصْلَاحُ بَيْنَهُمَا، وَإِن لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا مَأْمُورَةً بِالْقِتَالِ، فَإِذَا بَغَت الْوَاحِدَةُ بَعْدَ ذَلِك قُوتِلَتْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْرُكِ الْقِتَالَ؛ وَلَمْ تُجِبْ إلَى الصُّلْحِ، فَلَمْ يَنْدَفِعْ شَرُّهَا إلَّا بِالْقِتَالِ، فَصَارَ قِتَالُهَا بِمَنْزِلَةِ قِتَالِ الصَّائِلِ الَّذِي لَا يَنْدَفِعُ ظُلْمُهُ عَن غَيْرِهِ إلَّا بِالْقِتَالِ. [٣٥/ ٦٨ - ٧٨]
وَإِذَا كَانَ كَذَلِك: فَالْوَاجِبُ أَنْ يُسْعَى بَيْنَ هَاتِينَ الطَّائِفَتَيْنِ بِالصُّلْحِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَيُقَالَ لِهَذِهِ: مَا تَنْقِمُ مِن هَذِهِ؟ وَلهَذِهِ: مَا تَنْقِمُ مِن هَذِهِ؟ فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا اعْتَدَتْ عَلَى الْأُخْرَى بِإِتْلَافِ شَيْءٍ مِن الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ: كَانَ عَلَيْهَا ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ.
وَإِن كَانَ هَؤُلَاءِ أَتْلَفوا لِهَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ أَتْلَفُوا لِهَؤُلَاءِ تَقَاصُّوا بَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. [٣٥/ ٨١]
وَالْإِصْلَاحُ لَهُ طُرُقٌ:
أ- مِنْهَا: أَنْ تُجْمَعَ أَمْوَالُ الزَّكَوَاتِ وَغَيْرُهَا حَتَّى يُدْفَعَ فِي مِثْل ذَلِك، فَإِنَّ الْغُرْمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ يُبِيحُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِن الزَّكَاةِ بِقَدْرِ مَا غَرِمَ.
ب- وَمِن طُرُقِ الصُّلْحِ: أَنْ تَعْفُوَ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَو كِلَاهُمَا عَن بَعْضِ مَالِهَا عِنْدَ الْأُخْرَى مِن الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ.
ج- وَمِن طُرُقِ الصُّلْحِ: أَنْ يَحْكمَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ، فَيُنْظَر مَا أَتْلَفَتْهُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِن الْأُخْرَى مِن النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، فَيَتَقَاصَّانِ ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، وَإِذَا فَضَلَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَانِ.
стр. 3292
فَإِنْ كَانَ يَجْهَلُ عَدَدَ الْقَتْلَى، أَو مِقْدَارَ الْمَالِ: جَعَلَ الْمَجْهُولَ كَالْمَعْدُومِ.
وَإِذَا ادَّعَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى بِزِيَادَة: فَإِمَّا أَنْ تُحَلِّفَهَا عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، وَإِمَّا تَمْتَنِعُ عَن الْيَمِينِ فَيُقْضَى بِرَدِّ الْيَمِينِ أَو النُّكُولِ.
فَإِنْ كَانَت إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ تَبْغِي؛ بِأَنْ تَمْتَنِعَ عَن الْعَدْلِ الْوَاجِبِ، وَلَا تُجِيبَ إلَى أَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَتُقَاتِلَ عَلَى ذَلِك، أَو تَطْلُبَ قِتَالَ الْأُخْرَى وَإِتْلَافَ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُم بِهِ.
فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى كَفِّهَا إلَّا بِالْقَتْلِ قُوتِلَتْ حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللهِ.
وَإِن أَمْكَنَ أَنْ تُلْزَمَ بِالْعَدْلِ بِدُونِ الْقِتَالِ مِثْلُ أَنْ يُعَاقِبَ بَعْضَهُمْ، أَو يَحْبِسَ، أَو يَقْتُلَ مَن وَجَبَ قَتْلُهُ مِنْهُمْ، وَنَحْو ذَلِك: عَمِلَ ذَلِك، وَلَا حَاجَةَ إلَى الْقِتَالِ. [٣٥/ ٨٥ - ٨٧]
٥٢١٣ - ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَيْضًا فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ عَن الْحَسَنِ ابْنِهِ: "إنَّ ابْنِي هَذَا سَيدٌ، وَسَيصْلِحُ اللهُ بِهِ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِن الْمُسْلِمِينَ" (١) ، فَأَصْلَحَ اللهُ بِهِ بَيْنَ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَشِيعَةِ مُعَاوِيةَ.
وَأَثْنَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْحَسَنِ بِهَذَا الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ عَلَى يَدَيْهِ، وَسَمَّاهُ سَيِّدًا بِذَلِك؛ لِأَجْلِ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْحَسَن يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَيَرْضَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.
وَلَو كَانَ الِاقْتِتَالُ الَّذِي حَصَلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ لَمْ يَكُن الْأَمْرُ كَذَلِك؛ بَل يَكُونُ الْحَسَنُ قَد تَرَكَ الْوَاجِبَ، أَو الْأَحَبَّ إلَى اللهِ.
وَهَذَا النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ يُبَيِّنُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ مَحْمُودٌ، مَرْضِيٌّ للهِ وَرَسُولِهِ. [٣٥/ ٧٠ - ٧١]
* * * الحواشي
(١) رواه البخاري(٢٧٠٤) .стр. 3293
(هل نازع معاوية عليًّا الخلافة؟ وما عذر الفريقين في قتالهم ؟)
٥٢١٤ - مُعَاوِيةُ لَمْ يَدَّعِ الْخِلَافَةَ، وَلَمْ يُبَايَعْ لَهُ بِهَا حَيْنَ قَاتَلَ عَلِيًّا، وَلَمْ يُقَاتِلْ عَلَى أَنَّهُ خَلِيفَةٌ، وَلَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْخِلَافَةَ، وَيُقِرُّونَ لَهُ بِذَلِك، وَقَد كَانَ مُعَاوِيةُ يُقِرُّ بِذَلِك لِمَن سَأَلَهُ عَنْهُ، وَلَا كَانَ مُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ يَرَوْنَ أَنْ يَبْتَدُوا عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ بِالْقِتَالِ وَلَا يَعْلُوَا.
بَل لَمَّا رَأَى عَلِيٌّ ﵁ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِم طَاعَتُهُ وَمُبَايَعَتهُ، إذ لَا يَكُون لِلْمُسْلِمِيْنِ إلَّا خَلِيفَةٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُم خَارِجُونَ عَن طَاعَتِهِ يَمْتَنِعُونَ عَن هَذَا الْوَاجِبِ، وَهُم أَهْلُ شَوْكَةٍ: رَأَى أَنْ يُقَاتِلَهُم حَتَّى يُؤَدُّوا هَذَا الْوَاجِبَ، فَتَحْصُلَ الطَّاعَةُ وَالْجَمَاعَةُ.
وَهُم قَالُوا: إنَّ ذَلِك لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّهُم إذَا قُوتِلُوا عَلَى ذَلِك كَانُوا مَظْلُومِينَ، قَالُوا: لِأَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُومًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَتُهُ فِي عَسْكَرِ عَلِيٍّ، وَهُم غَالِبُونَ لَهُم شَوْكَةٌ، فَإِذَا امْتَنَعْنَا ظَلَمُونَا وَاعْتَدَوْا عَلَيْنَا.
وَعَلِيٌّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُمْ، كَمَا لَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ عَن عُثْمَانَ، وَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نُبَايِعَ خَلِيفَةً يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْصِفَنَا وَيَبْذُلَ لنَا الْإِنْصَافَ.
* * *
(الإمساك عما شجر بين الصحابة والحكمة فيه، وعدم تعيين المصيب إلا … )
٥٢١٥ - مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ: أَنَّهُ وَإِن كَانَ الْمُخْتَارُ الْإِمْسَاكَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَالِاسْتِغْفَارَ لِلطَّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا وَمُوَالَاتَهُمْ: فَلَيْسَ مِن الْوَاجِبِ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِن الْعَسْكَرِ لَمْ يَكُن إلَّا مُجْتَهِدًا مُتَأَوِّلًا كَالْعُلَمَاءِ؛ بَل فِيهِم الْمُذْنِبُ وَالْمُسِيءُ، وَفِيهِم الْمُقَصِّرُ فِي الِاجْتِهَادِ لِنَوْعٍ مِن الْهَوَى.
لَكِنْ إذَا كَانَت السَّيِّئَةُ فِي حَسَنَاتٍ كَثِيرَةٍ: كَانَت مَرْجُوحَةً مَغْفُورَةً. [٤/ ٤٣٤]
٥٢١٦ - نهى النبي ﷺ عن التفضيل بين الأنبياء، وعن تفضيله على يونس،
стр. 3294
ونحو ذلك من الكلام الذي وإن كان حقًّا في نفس الأمر فقد يفضي إلى فتنة في القلب. وإذا كان الأموات على الإطلاق لا ينبغي لنا ألا نخير بينهم إلا لحاجة؛ فالصحابة الذين أُمرنا بالاستغفار لهم، وبمسألة ألا تجعل في قلوبنا غلَّا لهم أولى، والكلام فيما شجر بينهم يفضي إلى الغل المذموم.
ونحن وإن علمنا بالنوع أن أحد المختلفين مخطئ: فليس علينا أن نَعْلمه بالشخص، إلا في مسألة تتعلق بنا.
فأما اثنان اختلفا في مسألة تختص بأعيانهما: فلا حاجة بنا إلى الكلام في عين المخطئ، وهذا أصل مستمر (١) . [المستدرك ٢/ ٢٣٦]
* * *
(هل يزيد بن معاوية نَكَتَ رأس الحسين بالقضيب ؟)
٥٢١٧ - تَبَيَّنَ أَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي يَذْكُرُونَ فِيهَا حَمْلَ رَأْسِ الْحُسَيْنِ إلَى يَزِيدَ وَنَكْتَهُ إيَّاهَا بِالْقَضِيبِ كَذَبُوا فِيهَا، وَإِن كَانَ الْحَمْلُ إلَى ابْنِ زِيادٍ -وَهُوَ الثَّابِتُ بِالْقِصَّةِ- فَلَمْ يُنْقَلْ بِإِسْنَاد مَعْرُوفٍ أَنَّ الرَّأْسَ حُمِلَ إلَى قُدَّامِ يَزِيدَ، وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ إلَّا إسْنَادًا مُنْقَطِعًا، قَد عَارَضَهُ مِن الرِّوَايَاتِ مَا هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ وَأَظْهَرُ، نَقَلُوا فِيهَا أَنَّ يَزِيدَ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ الْحُسَيْنِ أَظْهَرَ التَّأَلُّمَ مِن ذَلِكَ وَقَالَ: لَعَنَ اللهُ أَهْلَ الْعِرَاقِ، لَقَد كُنْت أَرْضَى مِن طَاعَتِهِمْ بِدُونِ هَذَا، وَقَالَ فِي ابْنِ زِيَادٍ: أَمَا إنَّهُ لَو كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُسَيْنِ رَحِمٌ لَمَا قَتَلَهُ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ فِي دَارِهِ النَّوْحُ لِمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ، وَأَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ وَتَلَاقَى النِّسَاءُ تَبَاكَيْنَ، وَأَنَّهُ خَيَّرَ ابْنَهُ عَلِيًّا بَيْنَ الْمُقَامِ عِنْدَهُ وَالسَّفَرِ إلَى الْمَدِينَةِ فَاخْتَارَ السَّفَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَجَهَّزَهُ إلَى الْمَدِينَةِ جَهَازًا حَسَنًا.
فَهَذَا وَنَحْوَهُ مِمَّا نَقَلُوهُ بِالْأَسَانِيدِ الَّتِي هِيَ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ مِن ذَلِكَ الْإِسْنَادِ الحواشي
(١) فليست هذه القاعدة مختصة وقاصرة على ما حصل بين الصحابة، بل يجب إعمالها في كل خلاف حصل بين عالمين، فلا حاجة بنا إلى أن نعرف أعيان المردود عليهم من المجتهدين.стр. 3295
الْمُنْقَطِعِ الْمَجْهُولِ تُبَيِّنُ أَنَّ يَزِيد لَمْ يُظْهِرِ الرضا بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَأَنَّهُ أَظْهَرَ الْأَلَمَ لِقَتْلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِسَرِيرَتِهِ.
وَقَد عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِهِ ابْتِدَاءً لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مَا انْتَقَمَ مِن قَاتِلِيهِ وَلَا عَاقَبَهُم عَلَى مَا فَعَلُوا؛ إذ كَانُوا قَتَلُوهُ لِحِفْظِ مُلْكِهِ الَّذِي كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ مِن الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ الْبَيْت ﵃ أَجْمَعِينَ.
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ نَقْلَ رَأْسِ الْحُسَيْنِ إلَى الشَّامِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي زَمَنِ يَزِيدَ، فَكَيْفَ بِنَقْلِهِ بَعْدَ زَمَنِ يَزِيدَ؟ وَإِنَّمَا الثَّابِتُ: هُوَ نَقْلُهُ مِن كَرْبَلَاءَ إلَى أَمِيرِ الْعِرَاقِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زَيادٍ بِالْكوفَةِ، وَاَلَّذِي ذَكَرَ الْعُلَمَاءَ أَنَّهُ دُفِنَ بِالْمَدِينَةِ. [٢٧/ ٤٧٩ - ٤٨٠]
* * *
(هل قتل الحجاج أحدًا من بني هاشم ؟)
٥٢١٨ - وقد عَلِمَ أَهْلُ النَّقْلِ كُلُّهُم أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا مِن بَنِي هَاشِمٍ، كَمَا عَهِدَ إلَيْهِ خَلِيفَتُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَأَنَّهُ لَمَّا تَزَوَّجَ بِنْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَغَيْرِهِمْ مِن قُرَيْشٍ وَرَأَوْهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لَهَا، وَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى فَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
بَل بَنُو مَرْوَانَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمْ يَقْتُلُوا أَحَدًا مِن بَنِي هَاشِمٍ لَا آلِ عَلِيٍّ وَلَا آلِ الْعَبَّاسِ، إلَّا زيدَ بْنَ عَلِيٍّ الْمَصْلُوبَ بِكُنَاسَةِ الْكوفَةِ وَابْنَهُ يَحْيَى. [٢٧/ ٤٨١]
* * *
(فضائل مسلمة الفتح)
٥٢١٩ - إيمَانُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ ثَابِتٌ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ؛ كَإِيمَانِ أَمْثَالِهِ مِمَن آمَنَ عَامَ فَتْحِ مَكةَ؛ مِثْل أَخِيهِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَمِثْل سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ،
следующие страницы →