← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

جَاءَت أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ تُبَيِّنُ ذَلِك، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمْ يَأْمُرْ بِالْقِتَالِ، وَلَمْ يَرْضَ بِهِ، وَإِنَّمَا رَضِيَ بِالصُّلْحِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ اللهُ بِقِتَالِ الْبَاغِي، وَلَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِهِ ابْتِدَاءً. بَل غَالِبُ النَّاسِ لَا يَخْلُو مِن ظُلْمٍ وَبَغْي، وَلَكِنْ إذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِن الْمُؤْمِنِينَ فَالْوَاجِبُ الْإِصْلَاحُ بَيْنَهُمَا، وَإِن لَمْ تَكُنْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا مَأْمُورَةً بِالْقِتَالِ، فَإِذَا بَغَت الْوَاحِدَةُ بَعْدَ ذَلِك قُوتِلَتْ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَتْرُكِ الْقِتَالَ؛ وَلَمْ تُجِبْ إلَى الصُّلْحِ، فَلَمْ يَنْدَفِعْ شَرُّهَا إلَّا بِالْقِتَالِ، فَصَارَ قِتَالُهَا بِمَنْزِلَةِ قِتَالِ الصَّائِلِ الَّذِي لَا يَنْدَفِعُ ظُلْمُهُ عَن غَيْرِهِ إلَّا بِالْقِتَالِ. [٣٥/ ٦٨ - ٧٨] وَإِذَا كَانَ كَذَلِك: فَالْوَاجِبُ أَنْ يُسْعَى بَيْنَ هَاتِينَ الطَّائِفَتَيْنِ بِالصُّلْحِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَيُقَالَ لِهَذِهِ: مَا تَنْقِمُ مِن هَذِهِ؟ وَلهَذِهِ: مَا تَنْقِمُ مِن هَذِهِ؟ فَإِنْ ثَبَتَ عَلَى إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا اعْتَدَتْ عَلَى الْأُخْرَى بِإِتْلَافِ شَيْءٍ مِن الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ: كَانَ عَلَيْهَا ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ. وَإِن كَانَ هَؤُلَاءِ أَتْلَفوا لِهَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ أَتْلَفُوا لِهَؤُلَاءِ تَقَاصُّوا بَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. [٣٥/ ٨١] وَالْإِصْلَاحُ لَهُ طُرُقٌ: أ- مِنْهَا: أَنْ تُجْمَعَ أَمْوَالُ الزَّكَوَاتِ وَغَيْرُهَا حَتَّى يُدْفَعَ فِي مِثْل ذَلِك، فَإِنَّ الْغُرْمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ يُبِيحُ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْخُذَ مِن الزَّكَاةِ بِقَدْرِ مَا غَرِمَ. ب- وَمِن طُرُقِ الصُّلْحِ: أَنْ تَعْفُوَ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَو كِلَاهُمَا عَن بَعْضِ مَالِهَا عِنْدَ الْأُخْرَى مِن الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ. ج- وَمِن طُرُقِ الصُّلْحِ: أَنْ يَحْكمَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ، فَيُنْظَر مَا أَتْلَفَتْهُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِن الْأُخْرَى مِن النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، فَيَتَقَاصَّانِ ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، وَإِذَا فَضَلَ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَانِ.

стр. 3292

فَإِنْ كَانَ يَجْهَلُ عَدَدَ الْقَتْلَى، أَو مِقْدَارَ الْمَالِ: جَعَلَ الْمَجْهُولَ كَالْمَعْدُومِ. وَإِذَا ادَّعَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى بِزِيَادَة: فَإِمَّا أَنْ تُحَلِّفَهَا عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، وَإِمَّا تَمْتَنِعُ عَن الْيَمِينِ فَيُقْضَى بِرَدِّ الْيَمِينِ أَو النُّكُولِ. فَإِنْ كَانَت إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ تَبْغِي؛ بِأَنْ تَمْتَنِعَ عَن الْعَدْلِ الْوَاجِبِ، وَلَا تُجِيبَ إلَى أَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَتُقَاتِلَ عَلَى ذَلِك، أَو تَطْلُبَ قِتَالَ الْأُخْرَى وَإِتْلَافَ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، كَمَا جَرَتْ عَادَتُهُم بِهِ. فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى كَفِّهَا إلَّا بِالْقَتْلِ قُوتِلَتْ حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللهِ. وَإِن أَمْكَنَ أَنْ تُلْزَمَ بِالْعَدْلِ بِدُونِ الْقِتَالِ مِثْلُ أَنْ يُعَاقِبَ بَعْضَهُمْ، أَو يَحْبِسَ، أَو يَقْتُلَ مَن وَجَبَ قَتْلُهُ مِنْهُمْ، وَنَحْو ذَلِك: عَمِلَ ذَلِك، وَلَا حَاجَةَ إلَى الْقِتَالِ. [٣٥/ ٨٥ - ٨٧] ٥٢١٣ - ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أَيْضًا فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ عَن الْحَسَنِ ابْنِهِ: "إنَّ ابْنِي هَذَا سَيدٌ، وَسَيصْلِحُ اللهُ بِهِ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِن الْمُسْلِمِينَ" (١)، فَأَصْلَحَ اللهُ بِهِ بَيْنَ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَشِيعَةِ مُعَاوِيةَ. وَأَثْنَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْحَسَنِ بِهَذَا الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ عَلَى يَدَيْهِ، وَسَمَّاهُ سَيِّدًا بِذَلِك؛ لِأَجْلِ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْحَسَن يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَيَرْضَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. وَلَو كَانَ الِاقْتِتَالُ الَّذِي حَصَلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ لَمْ يَكُن الْأَمْرُ كَذَلِك؛ بَل يَكُونُ الْحَسَنُ قَد تَرَكَ الْوَاجِبَ، أَو الْأَحَبَّ إلَى اللهِ. وَهَذَا النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ يُبَيِّنُ أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ مَحْمُودٌ، مَرْضِيٌّ للهِ وَرَسُولِهِ. [٣٥/ ٧٠ - ٧١] * * *

стр. 3293

(هل نازع معاوية عليًّا الخلافة؟ وما عذر الفريقين في قتالهم ؟) ٥٢١٤ - مُعَاوِيةُ لَمْ يَدَّعِ الْخِلَافَةَ، وَلَمْ يُبَايَعْ لَهُ بِهَا حَيْنَ قَاتَلَ عَلِيًّا، وَلَمْ يُقَاتِلْ عَلَى أَنَّهُ خَلِيفَةٌ، وَلَا أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْخِلَافَةَ، وَيُقِرُّونَ لَهُ بِذَلِك، وَقَد كَانَ مُعَاوِيةُ يُقِرُّ بِذَلِك لِمَن سَأَلَهُ عَنْهُ، وَلَا كَانَ مُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ يَرَوْنَ أَنْ يَبْتَدُوا عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ بِالْقِتَالِ وَلَا يَعْلُوَا. بَل لَمَّا رَأَى عَلِيٌّ ﵁ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِم طَاعَتُهُ وَمُبَايَعَتهُ، إذ لَا يَكُون لِلْمُسْلِمِيْنِ إلَّا خَلِيفَةٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُم خَارِجُونَ عَن طَاعَتِهِ يَمْتَنِعُونَ عَن هَذَا الْوَاجِبِ، وَهُم أَهْلُ شَوْكَةٍ: رَأَى أَنْ يُقَاتِلَهُم حَتَّى يُؤَدُّوا هَذَا الْوَاجِبَ، فَتَحْصُلَ الطَّاعَةُ وَالْجَمَاعَةُ. وَهُم قَالُوا: إنَّ ذَلِك لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّهُم إذَا قُوتِلُوا عَلَى ذَلِك كَانُوا مَظْلُومِينَ، قَالُوا: لِأَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُومًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَتُهُ فِي عَسْكَرِ عَلِيٍّ، وَهُم غَالِبُونَ لَهُم شَوْكَةٌ، فَإِذَا امْتَنَعْنَا ظَلَمُونَا وَاعْتَدَوْا عَلَيْنَا. وَعَلِيٌّ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُمْ، كَمَا لَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ عَن عُثْمَانَ، وَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نُبَايِعَ خَلِيفَةً يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْصِفَنَا وَيَبْذُلَ لنَا الْإِنْصَافَ. * * * (الإمساك عما شجر بين الصحابة والحكمة فيه، وعدم تعيين المصيب إلا … ) ٥٢١٥ - مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ: أَنَّهُ وَإِن كَانَ الْمُخْتَارُ الْإِمْسَاكَ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَالِاسْتِغْفَارَ لِلطَّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا وَمُوَالَاتَهُمْ: فَلَيْسَ مِن الْوَاجِبِ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِن الْعَسْكَرِ لَمْ يَكُن إلَّا مُجْتَهِدًا مُتَأَوِّلًا كَالْعُلَمَاءِ؛ بَل فِيهِم الْمُذْنِبُ وَالْمُسِيءُ، وَفِيهِم الْمُقَصِّرُ فِي الِاجْتِهَادِ لِنَوْعٍ مِن الْهَوَى. لَكِنْ إذَا كَانَت السَّيِّئَةُ فِي حَسَنَاتٍ كَثِيرَةٍ: كَانَت مَرْجُوحَةً مَغْفُورَةً. [٤/ ٤٣٤] ٥٢١٦ - نهى النبي ﷺ عن التفضيل بين الأنبياء، وعن تفضيله على يونس،

стр. 3294

ونحو ذلك من الكلام الذي وإن كان حقًّا في نفس الأمر فقد يفضي إلى فتنة في القلب. وإذا كان الأموات على الإطلاق لا ينبغي لنا ألا نخير بينهم إلا لحاجة؛ فالصحابة الذين أُمرنا بالاستغفار لهم، وبمسألة ألا تجعل في قلوبنا غلَّا لهم أولى، والكلام فيما شجر بينهم يفضي إلى الغل المذموم. ونحن وإن علمنا بالنوع أن أحد المختلفين مخطئ: فليس علينا أن نَعْلمه بالشخص، إلا في مسألة تتعلق بنا. فأما اثنان اختلفا في مسألة تختص بأعيانهما: فلا حاجة بنا إلى الكلام في عين المخطئ، وهذا أصل مستمر (١). [المستدرك ٢/ ٢٣٦] * * * (هل يزيد بن معاوية نَكَتَ رأس الحسين بالقضيب ؟) ٥٢١٧ - تَبَيَّنَ أَنَّ الْقِصَّةَ الَّتِي يَذْكُرُونَ فِيهَا حَمْلَ رَأْسِ الْحُسَيْنِ إلَى يَزِيدَ وَنَكْتَهُ إيَّاهَا بِالْقَضِيبِ كَذَبُوا فِيهَا، وَإِن كَانَ الْحَمْلُ إلَى ابْنِ زِيادٍ -وَهُوَ الثَّابِتُ بِالْقِصَّةِ- فَلَمْ يُنْقَلْ بِإِسْنَاد مَعْرُوفٍ أَنَّ الرَّأْسَ حُمِلَ إلَى قُدَّامِ يَزِيدَ، وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ إلَّا إسْنَادًا مُنْقَطِعًا، قَد عَارَضَهُ مِن الرِّوَايَاتِ مَا هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ وَأَظْهَرُ، نَقَلُوا فِيهَا أَنَّ يَزِيدَ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ الْحُسَيْنِ أَظْهَرَ التَّأَلُّمَ مِن ذَلِكَ وَقَالَ: لَعَنَ اللهُ أَهْلَ الْعِرَاقِ، لَقَد كُنْت أَرْضَى مِن طَاعَتِهِمْ بِدُونِ هَذَا، وَقَالَ فِي ابْنِ زِيَادٍ: أَمَا إنَّهُ لَو كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُسَيْنِ رَحِمٌ لَمَا قَتَلَهُ، وَأَنَّهُ ظَهَرَ فِي دَارِهِ النَّوْحُ لِمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ، وَأَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ وَتَلَاقَى النِّسَاءُ تَبَاكَيْنَ، وَأَنَّهُ خَيَّرَ ابْنَهُ عَلِيًّا بَيْنَ الْمُقَامِ عِنْدَهُ وَالسَّفَرِ إلَى الْمَدِينَةِ فَاخْتَارَ السَّفَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَجَهَّزَهُ إلَى الْمَدِينَةِ جَهَازًا حَسَنًا. فَهَذَا وَنَحْوَهُ مِمَّا نَقَلُوهُ بِالْأَسَانِيدِ الَّتِي هِيَ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ مِن ذَلِكَ الْإِسْنَادِ

стр. 3295

الْمُنْقَطِعِ الْمَجْهُولِ تُبَيِّنُ أَنَّ يَزِيد لَمْ يُظْهِرِ الرضا بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ وَأَنَّهُ أَظْهَرَ الْأَلَمَ لِقَتْلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِسَرِيرَتِهِ. وَقَد عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِهِ ابْتِدَاءً لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مَا انْتَقَمَ مِن قَاتِلِيهِ وَلَا عَاقَبَهُم عَلَى مَا فَعَلُوا؛ إذ كَانُوا قَتَلُوهُ لِحِفْظِ مُلْكِهِ الَّذِي كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ مِن الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ الْبَيْت ﵃ أَجْمَعِينَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ نَقْلَ رَأْسِ الْحُسَيْنِ إلَى الشَّامِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي زَمَنِ يَزِيدَ، فَكَيْفَ بِنَقْلِهِ بَعْدَ زَمَنِ يَزِيدَ؟ وَإِنَّمَا الثَّابِتُ: هُوَ نَقْلُهُ مِن كَرْبَلَاءَ إلَى أَمِيرِ الْعِرَاقِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زَيادٍ بِالْكوفَةِ، وَاَلَّذِي ذَكَرَ الْعُلَمَاءَ أَنَّهُ دُفِنَ بِالْمَدِينَةِ. [٢٧/ ٤٧٩ - ٤٨٠] * * * (هل قتل الحجاج أحدًا من بني هاشم ؟) ٥٢١٨ - وقد عَلِمَ أَهْلُ النَّقْلِ كُلُّهُم أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا مِن بَنِي هَاشِمٍ، كَمَا عَهِدَ إلَيْهِ خَلِيفَتُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَأَنَّهُ لَمَّا تَزَوَّجَ بِنْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَغَيْرِهِمْ مِن قُرَيْشٍ وَرَأَوْهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لَهَا، وَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى فَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. بَل بَنُو مَرْوَانَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَمْ يَقْتُلُوا أَحَدًا مِن بَنِي هَاشِمٍ لَا آلِ عَلِيٍّ وَلَا آلِ الْعَبَّاسِ، إلَّا زيدَ بْنَ عَلِيٍّ الْمَصْلُوبَ بِكُنَاسَةِ الْكوفَةِ وَابْنَهُ يَحْيَى. [٢٧/ ٤٨١] * * * (فضائل مسلمة الفتح) ٥٢١٩ - إيمَانُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ ثَابِتٌ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ وَإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ؛ كَإِيمَانِ أَمْثَالِهِ مِمَن آمَنَ عَامَ فَتْحِ مَكةَ؛ مِثْل أَخِيهِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَمِثْل سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ،

стр. 3296

وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَأَبِي أَسَدِ (١) بْنِ أَبِي العاص بْنِ أُمَيَّةَ، وَأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُسَمَّوْنَ الطُّلَقَاءَ. وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ مِن أَحْسَنِ النَّاسِ إسْلَامًا وَأَحْمَدُهُم سِيرَةً. وَقَد اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا شفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ -أَبَا مُعَاوِيةَ- عَلَى نَجْرَانَ نَاثِبًا لَهُ، وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو سُفْيَانَ عَامِلَهُ عَلَى نَجْرَان. وَكَانَ مُعَاوِيةُ أَحْسَنَ إسْلَامًا مِن أَبِيهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَمَا أَنَّ أَخَاهُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ وَمِن أَبِيهِ. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ العاص أَحَدَ الْأُمَرَاءِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ أَيْضًا. وَقَدَّمَ عَلَيْهِم خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لِشَجَاعَتِهِ وَمَنْفَعَتِهِ فِي الْجِهَادِ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَبَا عُبَيْدَةَ أَمِيرًا عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ عمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ كَانَ شَدِيدًا فِي اللهِ، فَوَلَّى أَبَا عُبَيْدَةَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَيِّنًا. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ لَيِّنًا وَخَالِدٌ شَدِيدًا عَلَى الْكُفَّارِ، فَوَلَّى اللَّيِّنَ الشَّدِيدَ وَوَلَّى الشَّدِيدَ اللَّيّنَ لِيَعْتَدِلَ الْأَمْرُ، وَكِلَاهُمَا فَعَلَ مَا هُوَ أَحَبُّ إلَى اللهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ؛ فَإِنَّ نَبِيِّنَا ﷺ أَكْمَلُ الْخَلْقِ، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَنَعَتَهُ اللهُ تَعَالَى بِأَكْمَلِ الشَّرَائِعِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي نَعْتِ أُمَّتِهِ: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [افتح: ٢٩]. فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاسْتُخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ مِن الشِّدَّةِ مَا لَمْ يَكُن فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ، حَتَّى فَاقَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، حَتَّى قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ بَعْدَ أَنْ جَهَّزَ جَيْشَ أُسَامَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ تَكْمِيلًا لَهُ لِكَمَالِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي صَارَ خَلِيفَةً لَهُ. وَلَمَّا اسْتَخْلَفَ عُمَرَ جَعَلَ اللهُ فِيهِ مِن الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ مَا لَمْ يَكُن فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ تَكْمِيلًا لَهُ، حَتَّى صَارَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلهَذَا اسْتَعْمَلَ هَذَا خَالِدًا، وَهَذَا أَبَا عُبَيْدَةَ.

стр. 3297

وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى الشَّامِ إلَى أَنْ وُلِّيَ عُمَرُ، فَمَاتَ يَزِيدُ بْنُ أبِي سُفْيَانَ، فَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ مُعَاوَيةَ مَكَانَ أَخِيهِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَبَقِيَ مُعَاوَيَةُ عَلَى وِلَايَتِهِ تَمَامَ خِلَافَتِهِ، وَعُمَرُ وَرَعِيَّتُهُ تَشْكُرُهُ وَتَشْكُرُ سِيرَتَهُ فِيهِمْ، وَتُوَالِيهِ وَتُحِبُّهُ لِمَا رَأَوْا مِن حُلْمِهِ وَعَدْلِهِ، حَتَّى أَنَّهُ لَمْ يَشْكُهُ مِنْهُم مُشْتَكٍ، وَلَا تظلَّمه مِنْهُم مُتَظَلِّمٌ. وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيةَ لَيْسَ مِن أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا وُلدَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ يَزِيدَ بَاسِمِ عَمِّهِ مِن الصَّحَابَةِ. وَقَد شَهِدَ مُعَاوِيَةُ، وَأَخُوهُ يَزِيدُ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَغَيْرُهُم مِن مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَزْوَةَ حنين، وَدَخَلُوا فِي قَؤله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾ [التوبة: ٢٦]. وَهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ دَخَلُوا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الطُّلَقَاءَ مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ هُم مِمَن أَنْفَقَ مِن بَعْدِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ، وَقَد وَعَدَهُم اللهُ الْحُسْنَى؛ فَإِنَّهُم أَنْفَقُوا بحنين وَالطُّائِفِ، وَقَاتَلُوا فِيهِمَا ﵃. وَقَد أَسْلَمَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعَمْرُو بْنُ العاص، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الحجبي وَغَيْرُهُمْ. وَأسْلَمَ بَعْدَ الطُّلَقَاءِ: أَهْلُ الطَّائِفِ، وَكَانُوا آخِرَ النَّاسِ إسْلَامًا، وَكَانَ مِنْهُم عُثْمَانُ بْنُ أَبِي العاص الثَّقَفِي الَّذِي أَمَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ، وَكَانَ مِن خِيَارِ الصَّحَابَةِ، مَعَ تَأَخُّرِ إسْلَامِهِ. فَقَد يَتَأَخَّرُ إسْلَامُ الرَّجُلِ وَيَكُونُ أَفْضَلَ مِن بَعْضِ مَن تَقَدَّمَهُ بِالْإِسْلَامِ، كَمَا إسْلَامُ عُمَر، فَإِنَّهُ يُقَالُ: إنَّهُ أَسْلَمَ تَمَامَ الْأَرْبَعِينَ، وَكَانَ مِمَن فَضَّلَهُ اللهُ

стр. 3298

عَلَى كَثِيرٍ مِمَن أَسْلَمَ قَبْلَهُ، وَكَانَ عُثْمَانُ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَسْلَمُوا قَبْلَ عُمَر عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ، وَتَقَدَّمَهُم عُمَر. وَأَوَّلُ مَن أَسْلَمَ مِن الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ أَبُو بَكْر، وَمِن الْأَحْرَارِ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ، وَمِن الْمَوَالِي زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَمِن النِّسَاءِ خَدِيجَةُ أَم الْمُؤْمِنِينَ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَالصُّحْبَة: اسْمُ جِنْسٍ، تَقَعُ عَلَى مَن صَحِبَ النَّبِيِّ ﷺ قَلِيلًا أَو كَثِيرًا، لَكِنْ كُلٌّ مِنْهُم لَهُ مِن الصُّحْبَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، فَمَن صَحِبَهُ سَنَةً أَو شَهْرًا أَو يَوْمًا أَو سَاعَةً أَو رَآهُ مُؤْمِنًا فَلَهُ مِن الصُّحْبَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ. [٤/ ٤٥٣ - ٤٦٤] * * * (عَلِيٌّ وَأَصْحَابهُ وَمُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابهُ كلاهما عَلَى حَقٍّ، ولكنّ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ كَانُوا أَقْرَبَ إلَى الْحَقِّ مِن مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابِهِ) ٥٢٢٠ - ثَبَتَ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (١) مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخدري أَنَّهُ قَالَ: "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِن النَّاسِ، فَتَقْتُلُهُم أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ"، وَفِي لَفْظٍ: "فَتَقْتُلُهُم أَدْنَاهُم إلَى الْحَقِّ"، فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كِلْتَا الطَّائِفَتَيْنِ المُقْتَتِلَتَيْنِ -عَلِي وَأَصْحَابُهُ وَمُعَاوِيةُ وَأَصْحَابُهُ- عَلَى حَقٍّ، وَأَنَّ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ كانُوا أَقْرَبَ إلَى الْحَقِّ مِن مُعَاوِيةَ وَأَصْحَابِهِ. فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ هُوَ الَّذِي قَاتَلَ الْمَارِقِينَ، وَهُم الْخَوَارِجُ الحرورية الَّذِينَ كَانُوا مِن شِيعَةِ عَلِيٍّ، ثُمَّ خَرَجُوا عَلَيْهِ وَكَفَّرُوهُ وَكَفَّرُوا مَن وَالَاهُ، وَنَصَبُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ وَقَاتَلُوهُ وَمَن مَعَهُ. [٤/ ٤٦٧] * * *

стр. 3299

(الصواب مع عليٍّ في قتاله معاوية) ٥٢٢١ - عَلِي وَأَصْحَابُهُ أَوْلَى بِالْحَقِّ وَأَقْرَبَ إلَى الْحَقِّ مِن مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابِهِ، كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن أَبِي سَعِيدٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فِرْقَةٍ مِن الْمُسْلِمِينَ فَتَقْتُلُهُم أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ" (١). وَكَانَ سَبُّ عَلِيٌّ وَلَعْنُهُ: مِن الْبَغْيِ الَّذِي اسْتَحَقَّتْ بهِ الطَّائِفَةُ أَنْ يُقَالَ لَهَا: الطَّائِفَةُ الْبَاغِيَةُ؛ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢) عَن أَمْ سَلَمَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ". وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى: أ- صِحَّةِ إمَامَةِ عَلِيٍّ. ب- وَوُجُوبِ طَاعَتِهِ. ج- وَأَنَّ الدَّاعِيَ إلَى طَاعَتِهِ دَاعٍ إلَى الْجَنَّةِ. د- وَالدَّاعِي إلَى مُقَاتَلَتِهِ دَاعٍ إلَى النَّارِ -وَإِن كَانَ مُتَأَوِّلًا-. هـ- وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُن يَجُوزُ قِتَالُ عَلِيٍّ. وَعَلَى هَذَا: فَمُقَاتِلُة مُخْطِئٌ وَإِن كَانَ مُتَأَوِّلًا أَو بَاغٍ بِلَا تَأْوِيلٍ، وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ لِأَصْحَابِنَا، وَهُوَ الْحُكْمُ بِتَخْطِئَةِ مَن قَاتَلَ عَلِيًّا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْفقَهَاءِ الَّذِينَ فَرَّعُوا عَلَى ذَلِكَ قِتَالَ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلينَ. يَبْقَى أَنْ يُقَالَ: فَاللهُ تَعَالَى قَد أَمَرَ بِقِتَالِ الطَّائِفَةِ الْبَاغِيَةِ، فَيَكُونُ قِتَالُهَا كَانَ وَاجِبًا مَعَ عَلِيٍّ، وَاَلَّذِينَ قَعَدُوا عَن الْقِتَالِ هُم خمْلَةُ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ؛ كَسَعْد، وَزيْدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأُسَامَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مسلمة، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَهُم يَرْوُونَ النُّصُوصَ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقُعُودِ عَن الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ، وَقَوْلهُ ﷺ : "الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِن الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِن السَّاعِي" (٣).

стр. 3300

وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَعَامَّةِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ، حَتَّى قَالَ (١): لَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّ قُعُودَ عَلِيٍّ عَن الْقِتَالِ كَانَ أَفْضَلَ لَهُ لَو قَعَدَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ مِن حَالِهِ فِي تَلَوُّمِهِ فِي الْقِتَالِ، وَتبَرُّمِهِ بِهِ، وَمُرَاجَعَةِ الْحَسَنِ ابْنِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا يُعَارِضُ وُجُوبَ طَاعَتِهِ. وَبِهَذَا احْتَجُّوا عَلَى الْإِمَامِ أَحْمَد فِي تَرْكِ التَّرْبِيعِ بِخِلَافَتِهِ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا أَظْهَرَ ذَلِكَ قَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: إذَا قُلْت: كَانَ إمَامًا وَاجِبَ الطَّاعَةِ فَفِي ذَلِكَ طَعْنٌ عَلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، حَيْثُ لَمْ يُطِيعَاهُ بَل قَاتَلَاهُ. فَقَالَ لَهُم أَحْمَد: إنِّي لَسْت مِن حَرْبِهِم فِي شَيْءٍ. يَعْنِي: أنَّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ عَلِيٌّ وَإِخْوَانُهُ لَا أَدْخُلُ بَيْنَهُم فِيهِ؛ لِمَا بَيْنَهُم مِن الِاجْتِهَادِ وَالتَّأْوِيلِ الَّذِي هُم أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِن مَسَائِلِ الْعِلْمِ الَّتِي تَعْنِينِي حَتَّى أَعْرِفَ حَقِيقَةَ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَأَنَا مَأْمُورٌ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ، وَأنْ يَكُونَ قَلْبِي لَهُم سَلِيمًا، وَمَأْمُورٌ بِمَحَبَّتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ، وَلَهُم مِن السَّوَابِقِ وَالْفَضَائِلِ مَا لَا يُهْدَرُ، وَلَكِنَّ اعْتِقَادَ خِلَافَتِهِ وَإِمَامَتِهِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ، وَمَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَجَبَ اتِّبَاعُهُ، وَإِن كَانَ بَعْضُ الْأَكَابِرِ تَرَكَهُ (٢). [٤/ ٤٣٧ - ٤٣٨] * * * (مذاهب العلماء في يزيد بن معاوية، والراجح عند الشيخ) ٥٢٢٢ - افْتَرَقَ النَّاسُ فِي يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ثَلَاثُ فِرَقٍ: طَرَفَانِ وَوَسَطٌ:

стр. 3301

فَأَحَدُ الطَّرَفَيْنِ قَالُوا: إنَّه كَانَ كَافِرًا مُنَافِقًا. وَالطَّرَفُ الثَّانِي: يَظُنُّونَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَإِمَامَ عَدْلِ، وَأَنَّهُ كَانَ مِن الصَّحَابَةِ. وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ عِنْدَ مَن لَهُ أَدْنَى عَقْل وَعِلْمِ بِالْأُمُورِ وَسَيْر الْمُتَقَدِّمِينَ. وَلهَذَا لَا يُنْسَبُ إلَى أَحَدٍ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ الْمَعْرُوفِينَ بِالسُّنَّةِ وَلَا إلَى ذِي عَقْلٍ مِن الْعُقَلَاءِ الَّذِينَ لَهُم رَأْيٌ وَخِبْرَةٌ. وَالْقوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ مَلِكًا مِن مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ، لَهُ حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ، وَلَمْ يُولَدْ إلَّا فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَلَمْ يَكُن كَافِرًا، وَلَكِنْ جَرَى بِسَبَبِهِ مَا جَرَى مِن مَصْرَعِ الْحُسَيْنِ، وَفِعْلِ مَا فُعِلَ بِأَهْلِ الْحَرَّةِ، وَلَمْ يَكُن صَاحِبًا وَلَا مِن أَوْليَاءِ اللهِ الصَّالِحِينَ. وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. ثُمَّ افْتَرَقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ لَعَنَتْهُ، وَفِرْقَةٌ أَحَبَّتْهُ، وَفِرْقَةٌ لَا تَسُبُّهُ وَلَا تُحِبُّهُ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَن الْإِمَامِ أَحْمَد، وَعَلَيْهِ الْمُقْتَصِدُونَ مِن أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ مِن جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَد: قُلْت لِأَبِي: إنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ إنَّهُم يُحِبُّونَ يَزِيدَ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ وَهَل يُحِبُّ يَزِيدَ أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؟ فَقُلْت: يَا أَبَتِ فَلِمَاذَا لَا تَلْعَنُهُ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ وَمَتَى رَأَيْت أَبَاك يَلْعَنُ أَحَدًا؟. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ المقدسي لَمَّا سُئِلَ عَن يَزِيدَ: فِيمَا بَلَغَنِي لَا يُسَبُّ وَلَا يُحَبُّ. وَبَلَغَنِي أَيْضًا أَنَّ جَدَّنَا أَبَا عَبْدِ اللهِ ابْنَ تَيْمِيَّة سُئِلَ عَن يَزِيدَ: فَقَالَ: لَا تَنْقُصْ وَلَا تَزِدْ.

стр. 3302

وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ فِيهِ وَفِي أَمْثَالِهِ وَأَحْسَنِهَا. أَمَّا تَرْكُ سَبِّهِ وَلَعْنَتِهِ: - فَبِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِسْقُهُ الَّذِي يَقْتَضِي لَعْنَهُ. - أَو بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفَاسِقَ الْمُعَيَّنَ لَا يُلْعَنُ بِخُصُوصِهِ، إمَّا تَحْرِيمًا وَإِمَّا تَنْزِيهًا. وَهَذَا كَمَا أَنَّ نُصُوصَ الْوَعِيدِ عَامَّةٌ فِي أَكَلِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ، فَلَا نَشْهَدُ بِهَا عَامَّةً عَلَى مُعَيَّنٍ بِأَنَّهُ مِن أَصْحَابِ النَّارِ؛ لِجَوَازِ تَخَلُّفِ الْمُقْتَضِي عَن الْمُقْتَضَى لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ؛ إمَّا تَوْبَةٍ، وَإِمَّا حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ، وَإِمَّا مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ، وَإِمَّا شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ، وَإِمَّا غَيْرِ ذَلِكَ. وَلتَرْكِ الْمَحَبَّةِ مَأْخَذَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ مِن الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَا يُوجِبُ مَحَبَّتَهُ، فَبَقِيَ وَاحِدًا مِن الْمُلُوكِ الْمُسَلَّطِينَ، وَمَحَبَّةُ أَشْخَاصِ هَذَا النَّوْعِ لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً، وَهَذَا الْمَأْخَذُ وَمَأْخَذُ مَن لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ فِسْقُهُ اعْتَقَدَ تَأْوِيلًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ صدَرَ عَنْهُ مَا يَقْتَضِي ظُلْمَهُ وَفِسْقَهُ فِي سِيرَتِه. وَأَمَّا الَّذِينَ لَعَنُوهُ مِن الْعُلَمَاءِ؛ كَأَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وإلكيا الْهَرَّاسِي وَغَيْرِهِمَا: فَلِما صَدَرَ عَنْهُ مِن الْأَفْعَالِ الَّتِي تُبِيحُ لَعْنَتَهُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سَوَّغُوا مَحَبّتَهُ أَو أَحَبُّوهُ كَالْغَزَالِيِّ والدستي فَلَهُم مَأْخَذَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُسْلِمٌ وُلِّيَ أَمْرَ الْأُمَّةِ عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ وَتَابَعَهُ بَقَايَاهُمْ، وَكَانَت فِيهِ خِصَالٌ مَحْمُودَةٌ، وَكَانَ مُتَأَوِّلًا فِيمَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ مِن أَمْرِ الْحَرَّةِ وَغَيْرِهِ، فَيَقُولُونَ: هُوَ مُجْتَهِدٌ مُخْطِئٌ. وَالْمَأْخَذُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيُّ" عَن ابْنِ عُمَر أَنَّ

стр. 3303

رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُو الْقُسطَنْطينيّةَ مَغْفُورٌ لَهُ" (١)، وَأَوَّلُ جَيْشٍ غَزَاهَا كَانَ أَمِيرُهُ يَزِيدَ. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَسُوغُ فِيهِمَا الِاجْتِهَادُ؛ فَإِنَّ اللَّعْنَةَ لِمَن يَعْمَلُ الْمَعَاصِيَ مِمَّا يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَاد، وَكَذَلِكَ مَحَبَّةُ مَن يَعْمَلُ حَسَنَاتٍ وَسَيِّئَاتٍ؛ بَل لَا يَتَنَافَى عِنْدَنَا أَنْ يَجْتَمِعَ فِي الرَّجُلِ الْحَمْدُ وَالذَّم، وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، كَذَلِكَ لَا يَتَنَافَى أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لَهُ، وَأَنْ يُلْعَنَ وَيُشْتَمَ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ وَجْهَيْنِ … لَكِنَّ الْحَالَ الْأَوَّلَ أَوْسَطُ وَأَعْدَلُ. وَبِذَلِكَ أَجَبْت مقدم المغل بولاي، لَمَّا قَدِمُوا دِمَشْقَ فِي الْفِتْنَةِ الْكَبِيرَةِ، وَجَرَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مُخَاطَبَاتٌ، فَسَأَلَنِي فِيمَا سَأَلَنِي: مَا تَقُولُونَ فِي يَزِيدَ؟ فَقُلْت: لَا نَسُبُّهُ وَلَا نُحِبُّهُ؛ فَاِنَّهُ لَمْ يَكُن رَجُلًا صَالِحًا فَنُحِبُّهُ، وَنَحْنُ لَا نَسُبُّ أَحَدًا مِن الْمُسْلِمِينَ بِعَيْنِهِ. فَقَالَ: أَفَلَا تَلْعَنُونَهُ؟ أَمَا كَانَ ظَالِمًا؟ أَمَا قَتَلَ الْحُسَيْنَ؟ فَقُلْت لَهُ: نَحْنُ إذَا ذُكِرَ الظَّالِمُونَ كَالْحَجَّاج بْنِ يُوسُفَ وَأَمْثَالِهِ: نَقُولُ كَمَا قَالَ اللهُ فِي الْقُرْآنِ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨]، وَلَا نُحِبُّ أَنْ نَلْعَنَ أَحَدًا بِعَيْنِهِ، وَقَد لَعَنَهُ قَوْم مِن الْعُلَمَاءِ، وَهَذَا مَذْهَبٌ يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، لَكِنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ أَحَبُّ إلَيْنَا وَأَحْسَنُ. وَأمَّا مَن قَتَلَ الْحُسَيْنَ أو أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ أَو رَضِيَ بِذَلِكَ: فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا. قَالَ: فَمَا تُحِبُّونَ أَهْلَ الْبَيْتِ؟

стр. 3304

قُلْت: مَحَبّتهُم عِنْدَنَا فَرْضٌ وَاجِبٌ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ. قَالَ مُقَدَّمٌ: فَمَن يُبْغِضُ أَهْلَ الْبَيْتِ؟ قُلْت: مَن أَبْغَضَهُم فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا. ثُمَّ قُلْت لِلْوَزِيرِ الْمَغُولِيِّ: لِأَيِّ شَيْءٍ قَالَ عَن يَزِيدَ، وَهَذَا تتري؟ قَالَ: قَد قَالُوا لَهُ: إنَّ أَهْلَ دِمَشْقَ نَوَاصِبُ! قُلْت بِصَوْتٍ عَالي: يَكْذِبُ الَّذِي قَالَ هَذا، وَمَن قَالَ هَذَا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ. وَاللهِ مَا فِي أَهْلِ دِمَشْقَ نَوَاصِبُ، وَمَا عَلِمْت فِيهِمْ ناصبيًّا، وَلَو تَنَقَّصَ أَحَدٌ عَلِيًّا بِدِمَشْقَ لَقَامَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، لَكِنْ كَانَ -قَدِيمًا لَمَّا كَانَ بَنُو أُمَيَّةَ وُلَاةَ الْبِلَادِ- بَعْضُ بَنِي أُمَيَّةَ يَنْصِبُ الْعَدَاوَةَ لِعَلِيّ وَيَسُبُّهُ، وَأَمَّا الْيَوْمُ فَمَا بَقِيَ مِن أُولَئِكَ أَحَدٌ. [٤/ ٤٨١ - ٤٨٨] ٥٢٢٣ - وَلهَذَا كَانَ الْمُقْتَصِدُونَ مِن أَئِمَّةِ السَّلَفِ يَقُوُلونَ فِي يَزِيدَ وَأَمْثَالِهِ: إنَّا لَا نَسُبُّهُم وَلَا نُحِبُّهُمْ؛ أَيْ: لَا نُحِبُّ مَا صَدَرَ مِنْهُم مِن ظُلْمٍ، وَالشَّخْصُ الْوَاحِدُ يَجْتَمِعُ فِيهِ حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ، وَطَاعَاتٌ وَمَعَاصٍ، وَبِرٌّ وَفُجُورٌ وَشَرٌّ، فَيُثِيبُهُ اللهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ، وَيُعَاقِبُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ إنْ شَاءَ، أَو يَغْفِرُ لَهُ، وَيُحِبُّ مَا فَعَلَهُ مِن الْخَيْرِ ويُبْغِضُ مَا فَعَلَهُ مِن الشَّرِّ. [٤/ ٤٧٥] ٥٢٢٤ - الْحُسَيْنُ ﵁ -وَلُعِنَ مَن قَتَلَهُ وَرَضِيَ بِقَتْلِهِ- قُتِلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ وَاحِدٍ وَسِتِّينَ. وَكَانَ الَّذِي حَضَّ عَلَى قَتْلِهِ الشِّمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ، صَارَ يَكْتُبُ فِي ذَلِكَ إلَى نَائِبِ السُّلْطَانِ عَلَى الْعِرَاقِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيادٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ هَذَا أَمَرَ -بِمُقَاتَلَةِ الْحُسَيْنِ- نَائِبَهُ عُمَرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، بَعْدَ أَنْ طَلَبَ الْحُسَيْنُ مِنْهُم مَا طَلَبَهُ آحَادُ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَجِئْ مَعَهُ مُقَاتِلَةٌ، فَطَلَبَ مِنْهُم أَنْ يَدَعُوهُ إلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمَدِينَةِ، أَو يُرْسِلُوهُ إلَى يَزِيدَ بْنِ عَمِّهِ، أَو يَذْهَبَ إلَى الثَّغْرِ يُقَاتِلُ الْكُفَّار،

стр. 3305

فَامْتَنَعُوا إلَّا أَنْ يَسْتَأْسِرَ لَهُمْ، أَو يُقَاتِلُوهُ، فَقَاتَلُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ وَطَائِفَةً مِن أَهْلِ بَيْتِهِ وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ حَمَلُوا ثِقْلَهُ وَأَهْلَهُ إلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيةَ إلَى دِمَشْقَ وَلَمْ يَكُن يَزِيدُ أَمَرَهُم بِقَتْلِهِ وَلَا ظَهَرَ مِنْهُ شرُورٌ بِذَلِكَ وَرِضًا بِهِ؛ بَل قَالَ كَلَامًا فِيهِ ذَمٌّ لَهُمْ. لَكنَّهُ مَعَ هَذَا لَمْ يُقِمْ حَدَّ اللهِ عَلَى مَن قَتَلَ الْحُسَيْنَ ﵁، وَلَا انْتَصَرَ لَهُ؛ بَل قَتَلَ أَعْوَانَهُ لِإِقَامَةِ مُلْكِهِ. [٤/ ٥٠٥ - ٥٠٦] * * * (مصيبة مقتل الْحُسَيْن ﵁، وأين دُفن، وأين موضع رأسِه؟ مع بيان عدم صحة نسبة القبور المشهورة لأصحابها) ٥٢٢٥ - الْحُسَيْنُ ﵁: قُتِلَ بِكَرْبَلَاءَ قَرِيبٌ مِن الْفُرَاتِ، وَدُفِنَ جَسَدُهُ حَيْثُ قُتِلَ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إلَى قُدَّامِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ بِالْكُوفَةِ، هَذَا الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" وَغَيْرُهُ مِن الْأَئِمَّةِ. وَأَمَّا حَمْلُهُ إلَى الشَّامِ إلَى يَزِيدَ: فَقَد رُوِيَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ مُنْقَطِعَةٍ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْهَا؛ بَل فِي الرِّوَايَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مِن الْكَذِبِ الْمُخْتَلَقِ. وَاَلَّذِي رَجَّحَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَوْضِعِ رَأسِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بكار فِي كِتَابِ "أَنْسَابِ قُرَيْشٍ" -وَالزُّبَيْرُ بْنُ بكار هُوَ مِن أَعْلَمِ النَّاسِ وَأَوْثَقِهمْ فِي مِثْل هَذَا- ذَكَرَ أَنَّ الرَّأْسَ حُمِلَ إلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَدُفِنَ هُنَاكَ، وَهَذَا مُنَاسِبٌ؛ فَإِنَّ هُنَاكَ قَبْرَ أَخِيهِ الْحَسَنِ، وَعَمِّ أَبِيهِ الْعَبَّاسِ، وَابْنِهِ عَلِيٍّ، وَأَمْثَالِهِمْ. وَالْحُسَيْنِ ﵁ أَكْرَمَهُ اللهُ تَعَالَى بِالشَّهَادَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ (١)، وَأَهَانَ بِذَلِكَ مَن قَتَلَهُ، أَو أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ، أَو رَضِيَ بِقَتْلِهِ، وَلَهُ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ بِمَن سَبَقَهُ مِن

стр. 3306

الشُّهَدَاءِ، فَإِنَّهُ وَأَخُوهُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَكَانَا قَد تَرَبَّيَا فِي عِزِّ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَنَالَا مِن الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى فِي اللهِ مَا نَالَهُ أَهْل بَيْتِهِ، فَأَكْرَمَهُمَا اللهُ تَعَالَى بِالشَّهَادَةِ تَكْمِيلًا لِكَرَامَتِهِمَا، وَرَفْعًا لِدَرَجَاتِهِمَا، وَقَتْلُهُ مُصِيبَةٌ عَظِيمَةٌ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ قَد شَرَعَ الِاسْتِرْجَاعَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٥، ١٥٦]. وَمِن أَحْسَنِ مَا يُذْكَرُ هُنَا: أَنَّهُ قَد رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَد (١) وَابْنُ مَاجَه (٢) عَن فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَن أَبِيهَا الْحُسَيْنِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَن أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، فَذَكَرَ مُصِيبَتَهُ، فَأَحْدَثَ اسْتِرْجَاعًا، وَإِن تَقَادَمَ عَهْدُهَا، كَتَبَ اللهُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَهُ يَوْمَ أُصِيبَ". هَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ عَن الْحُسَيْنِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ الَّتِي شَهِدَتْ مَصْرَعَهُ. وَقَد علِمَ أَنَّ الْمُصِيبَةَ بِالْحُسَيْنِ تُذْكَرُ مَعَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ، فَكَانَ فِي مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ أَنْ بَلَّغَ هُوَ هَذِهِ السُّنَّةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ أَنَّهُ كُلَّمَا ذُكِرَتْ هَذِهِ الْمُصِيبَةُ يُسْتَرْجَعُ لَهَا، فَيَكُونُ لِلْإِنْسَانِ مِن الْأَجْرِ مِثْلُ الْأَجْرِ يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ. وَأَمَّا مَن فَعَلَ مَعَ تَقَادُمِ الْعَهْدِ بِهَا مَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ حَدَثَانِ الْعَهْدِ بِالْمُصِيبَةِ: فَعُقُوبَتُهُ أَشَدُّ؛ مِثْل لَطْمِ الْخُدُودِ، وَشَقِّ الْجُيُوبِ، وَالدُّعَاءِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ. فَكَيْفَ إذَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ ظُلْمُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَعْنُهُمْ، وَسَبُّهُمْ، وَإِعَانَةُ أَهْلِ الشِّقَاقِ وَالْإِلْحَادِ عَلَى مَا يَقْصِدُونَهُ لِلدِّينِ مِن الْفَسَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصِيه إلَّا اللهُ تَعَالَى.

стр. 3307

وَقَوْمٌ مِن الْمُتَسَنِّنَةِ رَوَوْا وَرُوِيَتْ لَهُم أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ بَنَوْا عَلَيْهَا مَا جَعَلُوهُ شِعَارًا فِي هَذَا الْيَوْمِ يُعَارِضونَ بِهِ شِعَارَ ذَلِكَ الْقَوْمِ، فَقَابَلُوا بَاطِلًا بِبَاطِل، وَرَدُّوا بِدْعَةً بِبِدْعَة، وَإِن كَانَت إحْدَاهُمَا أَعْظَمَ فِي الْفَسَادِ وَأَعْوَنَ لِأَهْلِ الْإِلْحَادِ. وَلَمْ يَسْتَحِبَّ أَحَدٌ مِن أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الِاغْتِسَالَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَلَا الْكحْلَ فِيهِ وَالْخِضابَ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ، وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِم وَيُرْجَعُ إلَيْهِم فِي مَعْرِفَةِ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ. وَلَيْسَ الْكَذِبُ فِي هَذَا "الْمَشْهَدِ" وَحْدَهُ؛ بَل الْمَشَاهِدُ الْمُضَافَةُ إلَى الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ كَذِبٌ: - مِثْل الْقَبْرِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ قَبْرُ نُوحٍ، قَرِيبٌ مِن بَعْلَبَكَّ فِي سَفْحِ جَبَلِ لُبْنَانَ. - وَمِثْل الْقَبْرِ الَّذِي فِي قِبْلَةِ مَسْجِدِ جَامِعِ دِمَشْقَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ قَبْرُ هُودٍ، فَإِنَّمَا هُوَ قَبْرُ مُعَاوِيةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. - وَمِثْل الْقَبْرِ الَّذِي فِي شَرْقِيِّ دِمَشْقَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ قَبْرُ أبي بْنِ كَعْبٍ؛ فَإِنَّ أبيًّا لَمْ يَقْدَمْ دِمَشْقَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. - وَكَذَلِكَ مَا يُذْكَرُ فِي دِمَشْقَ مِن قُبُورِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإِنَّمَا توُفِّينَ بِالْمَدِينَةِ النَّبَوَيَّةِ. - وَكَذَلِكَ مَا يُذْكَرُ فِىِ مِصْرَ مِن قَبْرِ عَلِيِّ بْنِ الْخسَيْنِ، أَو جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، أَو نَحْوِ ذَلِكَ: هُوَ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ وَجَعْفَرًا الصَّادِقَ إنَّمَا تُوُفِّيَا بِالْمَدِينَةِ. وَقَد قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْكِنَانِيُّ: لَيْسَ فِي قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ مَا ثَبَتَ إلَّا قَبْرُ "نَبِيِّنَا". قَالَ غَيْرُهُ: وَقَبْرُ "الْخَلِيلِ" أَيْضًا.

стр. 3308

وَسَبَبُ اضْطِرَابِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَمْرِ الْقُبُورِ: أَنَّ ضَبْطَ ذَلِكَ لَيْسَ مِن الدِّينِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَد نَهَى أَنْ تُتَّخَذَ الْقُبُورُ مَسَاجِدَ، فَلَمَّا لَمْ يَكُن مَعْرِفَةُ ذَلِكَ مِن الدِّينِ لَمْ يَجِبْ ضَبْطُهُ. [٤/ ٥٠٧ - ٥١٦] * * * (لَيس في خلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي الْعَبَّاسِ زنْديق أو مُنافق) ٥٢٢٦ - لَمْ يَكُن مِن الْخُلَفَاءِ الَّذِينَ لَهُم وِلَايَةٌ عَامَّةٌ مِن خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنِيَّ الْعَبَّاسِ: أَحَدٌ يُتَّهَمُ بِالزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ، وَبَنُو أُمَيَّةَ لَمْ يُنْسَبْ أَحَدٌ مِنْهُم إلَى الزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ، وَإِن كَانَ قَد يُنْسَبُ الرَّجُلُ مِنْهُم إلَى نَوْعٍ مِن الْبِدْعَةِ، أو نَوْعٍ مِن الظُّلْمِ، لَكِنْ لَمْ يُنْسَبْ أَحَدٌ مِنْهُم مِن أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى زَنْدَقَةِ وَنِفَاقٍ. [٤/ ٤٧٧] * * * (اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَي أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَفْضَلُ مُلُوكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ) ٥٢٢٧ - اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أنَّ مُعَاوَيةَ أَفْضَلُ مُلُوكِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ فَإِنَّ الْأَرْبَعَةَ قَبْلَهُ كَانُوا خُلَفَاءَ نُبُوَّةٍ، وَهُوَ أَوَّلُ الْمُلُوكِ، كَانَ مُلْكُهُ مُلْكًا وَرَحْمَةً؛ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "يَكُونُ الْمُلْكُ نُبُوَّةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ وَجَبْريَّةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ عَضُوضٌ". وَكَانَ فِي مُلْكِهِ مِن الرَّحْمَةِ وَالْحُلْمِ وَنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ خَيْرًا مِن مُلْكِ غَيْرِهِ. وَأَمَّا مَن قَبْلَهُ فَكَانُوا خُلَفَاءَ نُبُوَّةٍ؛ فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ عَنِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "تَكُونُ خِلَافَةُ النَّبُوَّةِ ثَلَاِثينَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا" (١). [٤/ ٤٧٨] * * *

стр. 3309

(لم يصحّ حديثٌ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ) ٥٢٢٨ - الْمُصَنِّفُونَ فِي الْأَحْكَامِ: يَذْكُرُونَ قِتَالَ الْبُغَاةِ وَالْخَوَارجِ جَمِيعًا، وَلَيْسَ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ حَدِيثٌ، إلَّا حَدِيثَ كَوْثَرِ بْنِ حَكِيمٍ عَن نَافِعٍ وَهُوَ مَوْضُوعٌ. وَأَمَّا كُتُبُ الْحَدِيثِ الْمُصَنَّفَةُ؛ مِثْلُ "صَحِيحِ الْبُخَارِيُّ" وَ"السُّنَنِ": فَلَيْسَ فِيهَا إلَّا قِتَالُ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالْخَوَارِجِ، وَهُم أَهْلُ الْأَهْوَاءِ. وَكَذَلِكَ كُتُبُ السُّنَّةِ الْمَنْصُوصَةِ عَن الْإِمَامِ أَحْمَد وَنَحْوِهِ. وَكَذَلِكَ -فِيمَا أَظُنُّ (١) - كُتُبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ: لَيْسَ فِيهَا بَابُ قِتَالِ الْبُغَاةِ. وَإِنَّمَا ذَكَرُوا أَهْلَ الرّدَّةِ وَأَهْلَ الْأَهْوَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الثَّابتُ بِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقِتَالِ لِمَن خَرَجَ عَن الشَّرِيعَةِ وَالسُّنًّةِ، فَهَذَا الَّذِي أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . وَأَمَّا الْقِتَالُ لِمَن لَمْ يَخْرُجْ إلَّا عَن طَاعَةِ إمَامٍ مُعَيَّنٍ فَلَيْسَ فِي النُّصُوصِ أَمْرٌ بِذَلِكَ. [٤/ ٤٥١] * * * (﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]) ٥٢٢٩ - قَالَ تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ وَالْعَفْوُ: الْفَضْلُ، فَإِذَا فَضَلَ لِوَاحِدَة مِن الطَّائِفَتَيْنِ شَيْءٌ عَلَى الْأُخْرَى ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ١٧٨] وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ يُؤَدِّيهِ بِإِحْسَانٍ، وَإِن تَعَذَّرَ انْ تَضْمَنَ وَاحِدَةٌ لِلْأُخْرَى. [٣٥/ ٨١] * * *

стр. 3310

(السعي لإصلاح ذات البين) ٥٢٣٠ - الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَادِرٍ أَنَّ يَسْعَى فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَهُم وَيأْمُرَهُم بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مَهْمَا أَمْكَنَ. [٣٥/ ٨١] * * * (عقوبة الباغي والظالم) ٥٢٣١ - مَن كَانَ مِن الطَّائِفَتَيْنِ يَظُنُّ أَنَّهُ مَظْلُومٌ مَبْغِيٌّ عَلَيْهِ فَإِذَا صَبَرَ وَعَفَا أَعَزَّهُ اللهُ وَنَصَرَهُ؛ كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلَّا عِزًّا" (١)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٢، ٤٣]؛ فَالْبَاغِي الظَّالِمُ يَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ الْبَغْيَ مَصْرَعُهُ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَلَو بَغَى جَبَلٌ عَلَى جَبَلٍ لَجَعَلَ اللهُ الْبَاغِيَ مِنْهُمَا دَكًّا، وَمِن حِكْمَةِ الشِّعْرِ: قَضَى اللهُ أَنَّ الْبَغْيَ يَصْرَعُ أَهْلَهُ … وَأَنَّ عَلَى الْبَاغِي تَدُورُ الدَّوَائِرُ وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ﴾ [يونس: ٢٣]. وَقَد قَالَ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ فِي حَقِّ عَدُوِّهِمْ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]. فَمَن اتَّقَى اللهَ مِن هَؤُلَاءِ وَغَيْرِهِمْ بِصِدْقٍ وَعَدْلٍ، وَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ، وَصَبَرَ عَلَى أَذَى الْآخَرِ وَظُلْمِهِ: لَمْ يَضُرَّهُ كَيْدُ الْآخَرِ؛ بَل يَنْصُرُهُ اللهُ عَلَيْهِ. [٣٥/ ٨٢ - ٨٣] * * *

стр. 3311

(لَمْ يُؤَاخِ النَّبِيّ ﷺ بَيْنَ مُهَاجِرٍ وَمُهَاجِرٍ، وَأَنْصَارِيٍّ وَأَنْصَارِيٍّ) ٥٢٣٢ - مَا يَذْكُرُ بَعْضُ الْمُصنِّفِينَ فِي السِّيرَةِ مِن أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَأبِي بَكْرٍ، وَنَحْو ذَلِكَ: فَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِحَدِيثِهِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُؤَاخِ بَيْنَ مُهَاجِرٍ وَمُهَاجِرٍ، وَأَنْصَارِيٍّ وَأَنْصَارِيٍّ، وَإِنَّمَا آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَانَت الْمُؤَاخَاةُ وَالْمُحَالَفَةُ يَتَوَارَثُونَ بِهَا دُونَ أَقَارِبِهِمْ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] فَصَارَ الْمِيرَاثُ بِالرَّحِمِ دُونَ هَذِهِ الْمُؤَاخَاةِ وَالْمُحَالَفَةِ. [٣٥/ ٩٣] * * * الكفر والردة ٥٢٣٣ - الْكفْرُ: هُوَ عَدَمُ الْإِيمَانِ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ تَكْذِيبٌ، أَو اسْتِكْبَارٌ، أَو إبَاءٌ، أَو إعْرَاضٌ، فَمَن لَمْ يَحْصُلْ فِي قَلْبِهِ التَّصْدِيقُ وَالِانْقِيَادُ فَهُوَ كَافِرٌ. [٧/ ٦٣٩] ٥٢٣٤ - أَبُو حَنِيفَةَ رَأَى أَنَّ الْكُفْرَ مُطْلَقًا إنَّمَا يُقَاتَلُ صَاحِبُهُ لِمُحَارَبَتِهِ، فَمَن لَا حِرَابَ فِيهِ لَا يُقَاتَلُ، وَلهَذَا يَأْخُذُ الْجِزْيَةَ مِن غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ الْعَرَبِ وَإِن كَانُوا وَثَنِيِّينَ. وَقَد وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَحْمَد فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَمَعَ هَذَا يَجُوزُ الْقَتْلُ تَعْزِيرًا وَسِيَاسَةً فِي مَوَاضِعَ (١). وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَعِنْدَهُ نَفْسُ الْكُفْرِ هُوَ الْمُبِيحُ لِلدَّمِ، إلَّا أَنَّ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ

стр. 3312

تُرِكُوا لِكَوْنِهِمْ مَالًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَيُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ لِوُجُودِ الْكُفْرِ وَامْتِنَاعِ سَبَبِهَا عِنْدَهُ مِنَ الْكُفْرِ بِلَا مَنْفَعَةٍ. وَأَمَّا أَحْمَد فَالْمُبِيحُ عِنْدَهُ أَنْوَاعٌ: أ- أَمَّا الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ فَالْمُبِيحُ عِنْدَهُ هُوَ وُجُودُ الضَّرَرِ مِنْهُ، أَو عَدَمُ النَّفْعِ فِيهِ. أمَّا الْأَوَّلُ: فَالْمُحَارَبَةُ بِيَدٍ أَو لِسَانٍ، فَلَا يُقْتَلُ مَن لَا مُحَارَبَةَ فِيهِ بِحَالٍ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالرُّهْبَانِ وَالْعُمْيَانِ وَالزَّمْنَى وَنَحْوِهِمْ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ. ب- وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَالْمُبِيحُ عِنْدَهُ هُوَ الْكُفْرُ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَهُوَ نَوْعٌ خَاصٌّ مِنَ الْكُفْرِ، فَإِنَّهُ لَو لَمْ يُقْتَلْ ذَلِكَ لَكَانَ الدَّاخِلُ فِي الدِّينِ يَخْرُجُ مِنْهُ، فَقَتْلُهُ حِفْظ لِأَهْلِ الدِّينِ وَللدِّينِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ النَّقْصِ، وَيَمْنَعُهُم مِنَ الْخرُوجِ عَنْهُ بِخِلَافِ مَن لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ. ج- وَأَمَّا تَارِكُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِذَا قُتِلَ كَانَ عِنْدَهُ مِن قِسْمِ الْمُرْتَدِّينَ. [٢٠/ ١٠١ - ١٠٢] ٥٢٣٥ - مَا تَرَكَهُ الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ مِن وَاجِبٍ؛ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ: فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَهُ، سَوَاءٌ كَانَتِ الرِّسَالَةُ قَد بَلَغَتْهُ أَو لَمْ تَكُنْ بَلَغَتْهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ كُفْرُهُ جُحُودًا، أَو عِنَادًا، أَو جَهْلًا. وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ؛ بِخِلَافِ مَا عَلَى الذِّمِّيِّ مِنَ الْحُقُوقِ الَّتِي أَوْجَبَتِ الذِّمَّةُ أَدَاءَهَا؛ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ، وَرَدِّ الْأَمَانَاتِ، والغصوب، فَإِنَّ هَذِهِ لَا تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ، لَا لِالْتِزَامِهِ وُجُوبَهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ. وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ الْمَحْضُ فَلَمْ يَلْتَزِمْ وُجُوبَ شَيْءٍ لِلْمُسْلِمِينَ، لَا مِنَ الْعِبَادَاتِ وَلَا مِنَ الْحُقُوقِ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءُ شَيْءٍ لَا مِن حُقُوقِ اللهِ، وَلَا مِن حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِن كَانَ يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهَا لَو لَمْ يُسْلِمْ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ.

стр. 3313

وَكَذَلِكَ مَا فَعَلَهُ الْكَافِرُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الَّتِي يَسْتَحِلُّهَا فِي دِينِهِ؛ كَالْعُقُودِ والقبوض الْفَاسِدَةِ، كَعَقْدِ الرِّبَا، وَالْمَيْسِرِ، وَبَيْعِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَالنِّكَاحِ بِلَا وَليٍّ وَلَا شُهُودٍ، وَقَبْضِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِالْقَهْرِ، وَالِاسْتِيلَاءِ (١)، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْمُحَرَّمَ يَسْقُطُ حُكْمُهُ بِالْإِسْلَامِ. وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ: فَإِنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَى مَا فَعَلَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِن مُحَرَّمٍ، سَوَاءٌ كَانَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ أَو لَمْ يَعْتَقِدْ، فَلَا يُعَاقَبُ عَلَى قَتْلِ نَفْسٍ، وَلَا رِبًا، وَلَا سَرِقَةٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ فَعَلَ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ أَو بِأَهْلِ دِينِهِ. فَأَمَّا الْمُرْتَدُّ: فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ فِي الرِّدَّةِ مِن صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ فِي الْمَشْهُورِ، وَلَزِمَهُ مَا تَرَكَهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ فِي الْمَشْهُورِ. وَأَمَّا الْمُسْلِمُ: إذَا تَرَكَ الْوَاجِبَ قَبْلَ بُلُوغ الْحُجَّةِ، أَو مُتَأَوِّلًا .. فَهَل يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ هَذِهِ الْوَاجِبَاتِ؟ عَلَى قَؤْلَيْنِ فِي الْمَذهَبِ. وَأَصْلُهَا: أَنَّ حُكْمَ الْخِطَابِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ هَل يَثْبُتُ حُكْمُهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ قَبْلَ بُلُوغِهِ؟ وإذَا عُفِيَ لِلْكَافِرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ عَمَّا تَرَكَهُ مِنَ الْوَاجِبَاتِ لِعَدَمِ الِاعْتِقَادِ - وَإِن كَانَ اللهُ قَد فَرَضَهَا عَلَيْهِ، وَهُوَ مُعَذَّبٌ عَلَى تَرْكِهَا- فَلَأَنْ يَعْفُوَ لِلْمُسْلِمِ عَمَّا تَرَكَهُ مِنَ الْوَاجِبَاتِ لِعَدَمِ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ غَيْرُ مُعَذِّبِهِ عَلَى التَّرْكِ لِاجْتِهَادِهِ، أَو تَقْلِيدِهِ، أَو جَهْلِهِ الَّذِي يُعْذَرُ بِهِ: أَوْلَى وَأَحْرَى. وَكَمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ؛ فَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا. وَكَذَلِكَ مَا فَعَلَهُ مِنَ الْعُقُودِ والقبوض الَّتِي لَمْ يَبْلُغْهُ تَحْرِيمَهَا لِجَهْلٍ يُعْذَرُ بِهِ، أَو تَأْوِيلٍ .. فَإِنَّهُ يُقَرُّ عَلَى مَا قَبَضَهُ بِهَذِهِ الْعُقُودِ، وَيقَرُّ عَلَى النِّكَاح الَّذِي مَضَى مُفْسِدُهُ.

стр. 3314

وَشُبْهَة الْخَالِفِ نَظَرُهُ إلَى أَنَّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَجَعَلَ الْمُسْلِمِينَ جِنْسًا وَاحِدًا، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمُتَأَوِّلِ وَغَيْرِهِ. وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: مَا أَتْلَفَهُ أَهْلُ الْبَغْيِ الْمُتَأَوِّلُونَ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ مِنَ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ، هَل يَضْمَنُونَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: يَضْمَنُونَهُ؛ جَعَلَا لَهُم كَالْمُحَارِبِينَ، وَكَقِتَالِ الْعَصَبِيَّةِ الَّذِي لَا تَأْوِيلَ فِيهِ. وَهَذَا نَظِيرُ مَن يَجْعَلُ الْعُقُودَ والقبوض الْمُتَأَوَّلَ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَا تَأْوِيلَ فِيهِ. والثانية: لَا يَضْمَنُونَهُ، وَعَلَى هَذَا اتَّفَقَ السَّلَفُ، كَمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُتَوَافِرُونَ، فَأَجْمَعُوا أَنَّ كُلَّ دَمٍ أَو مَالٍ أَو فَرْجٍ أُصِيبَ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَلَا ضَمَانَ فِيهِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته فِيمَا تَرَكَهُ الْمُسْلِمُ مِن وَاجِبٍ، أَو فَعَلَهُ مِن مُحَرَّمٍ بِتَأْوِيلِ اجْتِهَادٍ أَو تَقْلِيدٍ: وَاضِحٌ عِنْدِي، وَحَالُهُ فِيهِ أَحْسَنُ مِن حَالِ الْكَافِرِ الْمُتَأَوِّلِ. وَهَذَا لَا يَمْنَعُ أَنْ أُقَاتِلَ الْبَاغِيَ الْمُتَأَوِّلَ، وَأَجْلِدَ الشَّارِبَ الْمُتَأَوِّلَ، وَنَحْو ذَلِكَ؛ فَإِنَّ التَّأْوِيلَ لَا يَرْفَعُ عُقُوبَةَ الدُّنْيَا مُطْلَقًا، إذ الْغَرَضُ بِالْعُقُوبَةِ دَفْعُ فَسَادِ الِاعْتِدَاءِ، كَمَا لَا يَرْفَعُ عُقُوبَةَ الْكافِرِ. وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي قَضَاءِ مَا تَرَكَهُ مِن وَاجِبٍ، وَفِي الْعُقُودِ والقبوض الَّتِي فَعَلَهَا بِتَأْوِيلٍ، وَفِي ضَمَانِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ الَّتِي اسْتَحَلَّهَا بِتَأْوِيلٍ، كَمَا اسْتَحَلَّ أُسَامَةُ قَتْلَ الَّذِي قَتَلَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إلهَ إلَّا اللهُ. وَكَذَلِكَ لَا يُعَاقَبُ عَلَى مَا مَضَى إذَا لَمْ يَكُن فِيهِ زَجْرٌ عَنِ الْمُسْتَقْبِلِ. وَلَكِنَّ النَّظَرَ فِي فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَن تَرَكَ الْوَاجِبَ، أَو فَعَلَ الْمحَرَّمَ لَا بِاعْتِقَاد وَلَا بجَهْل يُعْذَرُ فِيهِ، وَلَكِنْ جَهْلًا وَإِعْرَاضًا عَن طَلَبِ الْعِلْمِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ، أَو

стр. 3315

أَنَّهُ سَمِعَ إيجَابَ هَذَا وَتَحْرِيمَ هَذَا، وَلَمْ يَلْتَزِمْة إعْرَاضًا لَا كُفْرًا بِالرِّسَالَةِ .. فقَد يُقَالُ: هَذَا عَاصٍ ظَالِم بِتَرْكِ التَّعَلُّمِ وَالِالْتِزَامِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْعَفْوِ عَنِ الْمُخْطِئِينَ فِي تَأْوِيلِهِ الْعَفْوُ عَن هَذَا. وَقَد يُقَالُ -وَهُوَ أَظْهَرُ فِي الدَّلِيلِ وَالْقِيَاسِ-: لَيْسَ هَذَا بِأَسْوَأ حَالٍ مِنَ الْكَافِرِ الْمُعَانِدِ الَّذِي تَرَكَ الْقُرْآنَ كِبْرًا وَحَسَدًا وَهَوًى، أَو سَمِعَة وَتَدَبَّرَهُ وَاسْتَيْقَنَتْ نَفْسُهُ أَنَّهُ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللهِ، وَلَكِنْ جَحَدَ ذَلِكَ ظُلْمًا وَعُلُوًّا كَحَالِ فِرْعَوْنَ، وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لَا يُكَذِّبُونَك، وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحدُونَ. وَالتَّوْبَةُ كَالْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الَّذِي قَالَ: "الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ" (١) هُوَ الَّذِي قَالَ: "التَّوْبَةُ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا" وَذَلِكَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَن تَرَكَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ عَامِدًا: هَل يَقْضِيهِ؟ .. وَقَد ثَبَتَ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: عَنِ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَن وَقْتِهَا: "فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُم نَافِلَةً" (٢). وَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتِّفَاقُ السَّلَفِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَن يُضَيِّعُ الصَّلَاةَ فَيُصَلِّيهَا بَعْدَ الْوَقْتِ، وَالْفَرْق بَيْنَ مَن يَتْرُكُهَا، وَلَو كَانَت بَعْدَ الْوَقْتِ لَا تَصِحُّ بِحَالٍ لَكَانَ الْجَمِيعُ سَوَاءً؛ لَكِنَّ الْمُضَيِّعَ لِوَقْتِهَا كَانَ مُلْتَزِمًا لِوُجُوبِهَا، وَإِنَّمَا ضيَّعَ بَعْضَ حُقُوقِهَا وَهُوَ الْوَقْتُ، وَأَتَى بِالْفِعْلِ (٣). واخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْإِمَامِ إذَا أَخَذَ الزَّكَاةَ قَهْرًا: هَل تُجْزِئُهُ فِي الْبَاطِنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، مَعَ أَنَّهَا لَا تُسْتَعَادُ مِنْهُ: أَحَدِهِمَا: لَا تجْزِيهِ لِعَدَمِ النِّيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا.

стр. 3316

وَالثَّانِي: أَنَّ نِيَّةَ الْإِمَامِ تَقُومُ مَقَامَ نِيَّةِ الْمُمْتَنِعِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَدَاءِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِمْ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْخُذُهَا مِنْهُم بِإِعْطَائِهِمْ إيَّاهَا، وَقَد صَرَّحَ الْقُرْآنُ بِنَفْيِ قَبُولِهَا؛ لِأنَّهُم يُنْفِقُونَ وَهُم كَارِهُونَ. فَعُلِمَ أَنَّهُ إنْ أَنْفَقَ مَعَ كَرَاهَةِ الْإِنْفَاقِ لَمْ تُقْبَل مِنْهُ، كَمَن صَلَّى رِيَاءً. لَكِنْ لَو تَابَ الْمُنَافِقُ وَالْمُرَائِي: فَهَل تَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ الْإِعَادَةُ، أَو تَنْعَطِفُ تَوْبَتُهُ عَلَى مَا عَمِلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَيُثَابَ عَلَيْهِ، أَو لَا يُعِيدُ وَلَا يُثَابُ؟ أَمَّا الْإِعَادَةُ: فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُنَافِقِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ قَد تَابَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ جَمَاعَةٌ عَنِ النِّفَاقِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْهُم بِالْإِعَادَةِ. وَأَمَّا الْمُرَائِي إذَا تَابَ مِنَ الرِّيَاءِ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ يَعْتَقِدُ الْوُجُوبَ: فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَتَكلَّمُ فِيهَا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ مَن لَمْ يَلْتَزِمْ أَدَاءَ الْوَاجِبِ، وَإِن لَمْ يَكُن كَافِرًا فِي الْبَاطِنِ، فَفِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ تَنْفِيرٌ عَظِيمٌ عَنِ التَّوْبَةِ. فَإِنَّ الرَّجُلَ قَد يَعِيشُ مُدَّةً طَوِيلَةً يُصَلِّي وَلَا يُزَكِّي، وَقَد لَا يَصُومُ أَيْضًا، وَلَا يُبَالِي مِن أَيْنَ كَسَبَ الْمَالَ: أَمِن حَلَالٍ أَمْ مِن حِرَامٍ؟ وَلَا يَضْبِطُ حُدُودَ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ فِي جَاهِلِيَّةٍ، إلَّا أَنَّهُ مُنْتَسِبٌ إلَى الْإِسْلَامِ. فَإِذَا هَدَاهُ اللهُ وَتَابَ عَلَيْهِ: فَإِنْ أُوْجِبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ جَمِيعِ مَا تَرَكَهُ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَأُمِرَ بِرَدِّ جَمِيعِ مَا اكْتَسَبَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ (١)، وَالْخُرُوجِ عَمَّا يُحِبُّهُ مِنَ الْأبْضَاعِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ: صَارَتِ التَّوْبَةُ فِي حَقِّهِ عَذَابًا، وَكَانَ الْكُفْرُ حِينَئِذٍ أَحَبَّ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ الْإِسْلَامِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ تَوْبَتَهُ مِنَ الْكُفْرِ رَحْمَةٌ، وَتَوْبَتَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ عَذَابٌ.

стр. 3317

وَأَعْرِفُ طَائِفَةً مِن الصَّالِحِينَ مَن يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ كَافِرًا لِيُسْلِمَ فَيُغْفَرَ لَهُ مَا قَد سَلَفَ؛ لأنَّ التَّوْبَةَ عِنْدَهُ مُتَعَذِّرَةٌ عَلَيْهِ أَو مُتَعَسِّرَةٌ عَلَى مَا قَد قِيلَ لَهُ وَاعْتَقَدَهُ مِن التَّوْبَةِ. ثُمَّ هَذَا مُنَفِّرٌ لِأَكْثَرِ أَهْلِ الْفُسُوقِ عَن التَّوْبَةِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمُؤَيِّسِ لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةِ اللهِ. فَإِنَّ كُفْرَ الْكَافِرِ لَمْ يُسْقِطْ عَنْهُ مَا تَرَكَهُ مِن الْوَاجِبَاتِ، وَمَا فَعَلَهُ مِن الْمُحَرَّمَاتِ: لِكَوْنِ الْكَافِرِ كَانَ مَعْذُورًا .. وَإِنَّمَا غُفِرَ لَهُ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ تَوْبَةٌ، وَالتَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا. فَيُشْبِهُ -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنْ يُجْعَلَ حَالُ هَؤُلَاءِ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ كَحَالِ غَيْرِهِمْ (١). [٢٢/ ٧ - ٢٢] ٥٢٣٦ - اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَن اسْتَخَفَّ بِالْمُصْحَفِ؛ مِثْل أَنْ يُلْقِيَهُ فِي الْحُشِّ أَو يَرْكُضَهُ بِرِجْلِهِ إهَانَةً لَهُ: أنَّهُ كَافِرٌ مُبَاحُ الدَّمِ. [٨/ ٤٢٥] ٥٢٣٧ - مَن أَنْكَرَ تَحْرِيمَ شَيْءٍ مِن الْمُحَرَّمَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْفَوَاحِشِ أَو شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ وَيُعَرَّفُ التَّحْرِيمَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَكَانَ مُرْتَدًّا عَن دِينِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُدْفَنْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. [٢٨/ ٢١٨] ٥٢٣٨ - اَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ أَنَّ مَن جَحَدَ رُؤْيَةَ اللهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فَهُوَ كَافِرٌ، فَإِنْ كَانَ مِمَّن لَمْ يَبْلُغْهُ الْعِلْمُ فِي ذَلِكَ عُرّفَ ذَلِكَ كَمَا يُعَرَّفُ مَن لَمْ تَبْلُغْهُ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْجُحُودِ بَعْدَ بُلُوغِ الْعِلْمِ لَهُ فَهُوَ كَافِرٌ. [٦/ ٤٨٦]

стр. 3318

٥٢٣٩ - جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا تَبِينُ مِنْهُ زَوْجَتُهُ إلَّا إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى الْإِسْلَامِ. [٢٣/ ١٧] * * * (حُكْمُ الْمُرْتَدِّ) ٥٢٤٠ - المرتد: أ- من أشرك بالله تعالى. ب- أو كان مبغضًا للرسول ﷺ ولمَا جاء به اتفاقًا. ج- أو ترك إنكار منكر بقلبه. د- أو توهم أن أحدًا من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم قاتل مع الكفار، أو أجاز ذلك. هـ- أو أنكر مجموعًا عليه إجماعًا قطعيًّا. و- أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم. ز- ومن شك في صفة من صفات الله تعالى ومثله لا يجهلها فمرتد، وإن كان مثله يجهلها فليس بمرتد؛ ولهذا لم يكفر النبي ﷺ الرجل الشاك في قدرة اللّه على إعادته؛ لأنه لا يكون إلا بعد الرسالة. [المستدرك ٥/ ١٢٩] ٥٢٤١ - التنجيم كالاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية من السحر، ويحرم إجماعًا. [المستدرك ٥/ ١٣٠] ٥٢٤٢ - نصوصه صريحة في عدم تكفير الخوارج والقدرية والمرجئة وغيرهم وإنما كفر الجهمية لا أعيانهم .. ومذاهب الأئمة: الإمام أحمد وغيره ﵏ مبنية على التفصيل بين النوع والعين. [المستدرك ٥/ ١٣٠ - ١٣١] ٥٢٤٣ - لا يضمن المرتد ما أتلفه بدار الحرب، أو في جماعة مرتدة ممتنعة، وهو رواية عن أحمد. [المستدرك ٥/ ١٣١]

стр. 3319

٥٢٤٤ - لو مات أبو الطفل أو الحمل أو المميز، أو مات أحدهما في دارنا فهو مسلم، وعنه: لا يحكم بإسلامه، قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة: وهو قول الجمهور، وربما ادُّعي فيه إجماع معلوم متيقن، واختاره شيخنا. [المستدرك ٥/ ١٣١] * * * (بيانُ أَنَّ عُقُوبَةَ الْمُرْتَدِّ أَعْظَمُ مِن عُقُوبَةِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ) ٥٢٤٥ - اسْتَقَرَّت السُّنَّةُ بِأَنَّ عُقُوبَةَ الْمُرْتَدِّ أَعْظَمُ مِن عُقُوبَةِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ: أ- مِنْهَا: أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَل بِكُلِّ حَالٍ، وَلَا يُضْرَبُ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ وَلَا تُعْقَدُ لَهُ ذِمَّةٌ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ. ب- وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَلُ وَإِن كَانَ عَاجِزًا عَن الْقِتَالِ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي لَيْسَ هُوَ مِن أَهْلِ الْقِتَالِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد؛ وَلهَذَا كَانَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُقْتَلُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. ج- وَمِنْهَا: أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ وَلَا يُنَاكحُ، وَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ. إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْأَحْكَامِ. وَإِذَا كَانَت الرِّدَّةُ عَن أَصْلِ الدِّينِ أَعْظَمَ مِن الْكُفْرِ بِأَصْلِ الدِّينِ: فَالرِّدَّةُ عَن شَرَائِعِهِ أَعْظَمُ مِن خُرُوجِ الْخَارجِ الْأَصْلِيِّ عَن شَرَائِعِهِ؛ وَلهَذَا كَانَ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَعْرِفُ أَحْوَالَ التِّتَارِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ فِيهِمْ مِن الْفُرْسِ وَالْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ شَرٌّ مِن الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ مِن التُّرْكِ وَنَحْوِهِمْ، وَهُم بَعْدَ أَنْ تَكلَّمُوا بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعَ تَرْكِهِمْ لِكثِير مِن شَرَائِعِ الدِّينِ خَيْرٌ مِن الْمُرْتَدِّينَ مِن الْفُرْسِ وَالْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ.

стр. 3320

وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَن كَانَ مَعَهُم مِمَّن كَانَ مُسْلِمَ الْأَصْلِ هُوَ شَرٌّ مِن التُّرْكِ الَّذِينَ كَانُوا كُفَّارًا؛ فَإِنَّ الْمُسْلِمَ الْأَصْلِيَّ إذَا ارْتَدَّ عَن بَعْضِ شَرَائِعِهِ كَانَ أَسْوَأَ حَالًا مِمَّن لَمْ يَدْخُلْ بَعْدُ فِي تِلْكَ الشَّرَائِعِ، مِثْل مَانِعِي الزَّكَاةِ وَأَمْثَالِهِمْ مِمَّن قَاتَلَهُم الصِّدِّيقُ. وَإِن كَانَ الْمُرْتَدُّ عَن بَعْضِ الشَّوَائِعِ مُتَفَقِّهًا أَو مُتَصَوِّفًا أَو تَاجِرًا أَو كَاتِبًا أَو غَيْرَ ذَلِكَ، فَهَؤُلَاءِ شَرٌّ مِن التُّرْكِ الَّذِينَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي تِلْكَ الشَّرَائِعِ وَأَصَرُّوا عَلَى الْإِسْلَامِ. وَلهَذَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ مِن ضَرَرِ هَؤُلَاءِ عَلَى الدّينِ مَا لَا يَجِدُونَهُ مِن ضَرَرِ أُولَئِكَ، وَيَنْقَادُونَ لِلْإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ وَطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ أَعْظَمُ مِن انْقِيَادِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَن بَعْضِ الدِّينِ وَنَافَقُوا فِي بَعْضِهِ، وَإِن تَظَاهَرُوا بِالِانْتِسَابِ إلَى الْعِلْمِ وَالدِّينِ. وَنَحْنُ عَلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ الْعَسْكَرَ جَمِيعَهُ؛ إذ لَا يَتَمَيَّزُ الْمُكْرَهُ مِن غَيْرِهِ. وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَغْزُو هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ مِن النَّاسِ فَبَيْنَمَا هُم بِبَيْدَاءَ مِن الْأَرْضِ إذ خُسِفَ بِهِم، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ: إنَّ فِيهِمْ الْمُكْرَهَ، فَقَالَ: يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ". فَاللهُ تَعَالَى أَهْلَكَ الْجَيْشَ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَنْتَهِكَ حُرُمَاتِهِ -الْمُكْرَهُ فِيهِمْ وَغَيْرُ الْمُكْرَهِ- مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمْ، مَعَ أَنَّهُ يَبْعَثُهُم عَلَى نِيَّاتِهِمْ، فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدِينَ أَنْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الْمُكْرَهِ وَغَيْرِهِ وَهُم لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؟ بَل لَو ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُ خَرَجَ مُكْرَهًا لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ. بَل لَو كَانَ فِيهِمْ قَوْمٌ صَالِحُونَ مِن خِيَارِ النَّاسِ وَلَمْ يُمْكِنْ قِتَالُهُم إلَّا بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ لَقُتِلُوا أَيْضًا؛ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكفَّارَ لَو تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ وَخِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يُقَاتِلُوا: فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ نَرْمِيَهُم وَنَقْصِدَ الْكُفَّارَ.

стр. 3321

وَلَو لَمْ نَخَفْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ: جَازَ رَمْيُ أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ. وَمَن قُتِلَ لِأَجْلِ الْجِهَادِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ -هُوَ فِي الْبَاطِنِ مَظْلُومٌ- كَانَ شَهِيدًا وَبُعِثَ عَلَى نِيَّتِهِ، وَلَمْ يَكُن قَتْلُهُ أَعْظَمَ فَسَادًا مِن قَتْلِ مَن يُقْتَلُ مِن الْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدِينَ. [٢٨/ ٥٣٤ - ٥٣٨] ٥٢٤٦ - إِنَّ الْنُصَيْرِيَّة مِن أَعْظَمِ النَّاسِ كُفْرًا .. وَهُم مُرْتَدُّونَ مِن أَسْوَأِ النَّاسِ رِدَّةً، تُقْتَلُ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتَغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ. وَسَبْيُ الذُّرِّيَّةِ فِيهِ نِزَاعٌ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ تُسْبَى الصِّغَارُ مِن أَوْلَادِ الْمُرْتَدِّينَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ سِيرَةُ الصِّدِّيقِ فِي قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ. وَكَذَلِكَ قَد تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِرْقَاقِ الْمُرْتَدّةِ: فَطَائِفَةٌ تَقُولُ: إنَّهَا تُسْتَرَقُّ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَطَائِفَةٌ تَقُولُ: لَا تُسْتَرَقُّ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَالْمَعْرُوفُ عَن الصحَابَةِ هُوَ الْأَوَّلُ، وَأَنَّهُ تُسْتَرَقُّ مِنْهُ الْمُرْتَدَّاتُ نِسَاءُ الْمُرْتَدِّينَ؛ فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ الَّتِي تَسَرَّى بِهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أُمَّ ابْنِهِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ مِن سَبْيِ بَنِي حَنِيفَةَ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُم أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وَالصَّحَابَةُ لَمَّا بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَليدِ فِي قِتَالِهِمْ. وَأَمَّا إذَا لَمْ يُظْهِرُوا الرَّفْضَ .. وَامْتَنَعُوا: فَإِنَّهُم يُقَاتَلُونَ أَيْضًا، لَكِنْ يُقَاتَلُونَ كَمَا يُقَاتَلُ الْخَوَارِجُ الْمَارِقُونَ. وَلَا تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ، وَلَا تُغْنَمُ أَمْوَالُهُم الَّتِي لَمْ يَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى الْقِتَالِ. وَمَن كَانَ دَاعِيًا مِنْهُم إلَى الضَّلَالِ لَا يَنْكَفُّ شَرُّهُ إلَّا بِقَتْلِهِ: قُتِلَ أَيْضًا، وَإِن أَظْهَرَ التَّوْبَةَ، وَإِن لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ؛ كَأَئِمَّةِ الرَّفْضِ الَّذِينَ يُضِلُّونَ النَّاسَ، كَمَا قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ غَيْلَانَ الْقَدَرِيَّ، وَالْجَعْدَ بْنَ دِرْهَمٍ، وَأَمْثَالَهُمَا مِن الدُّعَاةِ. [٢٨/ ٥٥٣ - ٥٥٥] * * *

стр. 3322

(هَل يُحَاسَبُ الْكُفَّار يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟) ٥٢٤٧ - سُئِلَ ﵀ عَن الْكُفَّارِ: هَل يُحَاسَبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تتازَعَ فِيهَا الْمُتَأَخِّرُونَ مِن أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ. وَفَصْلُ الْخِطَابِ: أَنَّ الْحِسَابَ: أ- يُرَادُ بِهِ عَرْضُ أَعْمَالِهِمْ عَلَيْهِم وَتَوْبِيخُهُم عَلَيْهَا. ب- وَيُرَادُ بِالْحِسَابِ مُوَازَنَةُ الْحَسَنَاتِ بِالسَّيِّئَاتِ. فَإِنْ أُرِيدَ بِالْحِسَابِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ: فَلَا ريبَ أَنَّهُم يُحَاسَبُونَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَإِن أُرِيدَ الْمَعْنَى الثَّانِي: - فَإِنْ قُصِدَ بِذَلِكَ أنَّ الْكُفَّارَ تَبْقَى لَهُم حَسَنَاتٌ يَسْتَحِقُّونَ بِهَا الْجَنَّةَ فَهَذَا خَطَأٌ ظَاهِرٌ. - وَإِن أُريدَ أَنَّهُم يَتَفَاوَتُونَ فِي الْعِقَابِ: فَعِقَابُ مَن كَثُرَتْ سَيِّئَاتُهُ أَعْظَمُ مِن عِقَابِ مَن قَلَّتْ سَيِّئَاتُهُ، وَمَن كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ خُفِّفَ عَنْهُ الْعَذَابُ؛ كَمَا أَنَّ أَبَا طَالِبِ أَخَفُّ عَذَابًا مِن أبِي لَهَب. [٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦] * * * (التحذير من التكفير بلا حجة) ٥٢٤٨ - إِنَّ تَسْلِيطَ الْجُهَّالِ عَلَى تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِن أَعْظَمِ الْمُنْكَرَاتِ، وَإِنَّمَا أَصْلُ هَذَا مِن الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ أَئِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِمَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُم أَخْطَؤُوا فِيهِ مِن الدِّينِ. وَقَد اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُم بِمُجَرَّدِ الْخَطَأِ الْمَحْضِ؛ بَل كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ .

стр. 3323

وَلَيْسَ كُلُّ مَن يُتْرَكُ بَعْضُ كَلَامِهِ لِخَطَأ أَخْطَاهُ يكفرُ ولا يفسُقُ، بل ولا يَأْثَمُ؛ فإن الله تعالى قال في دُعَاءِ المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وفي "الصَّحِيحِ" (١) عن النَّبِيِّ ﷺ أن اللهَ تَعَالَى قَالَ: قَد فَعَلْت. وَاتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الْمُنَازِعِينَ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاَلَّذِينَ قَالُوا: إنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِم الصَّغَائِرُ وَالْخَطَأُ وَلَا يُقَرُّونَ عَلَى ذَلِكَ ولَمْ يُكَفَّرْ أَحَدٌ مِنْهُم بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٣٥/ ١٠٠ - ١٠١] ومِن الْمَعْلُومِ أَنَّ الْمَنْعَ مِن تَكْفِيرِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْبَابِ؛ بَل دَفْعُ التَّكْفِيرِ عَن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَإِن أَخْطَؤُوا: هُوَ مِن أَحَقِّ الْأَغْرَاضِ الشَّرْعِيَّةِ. [٣٥/ ١٠٤] * * * (حكم من كفَّر المجتهد اجتهادًا سائغًا، وحكم من شاق الرسول) ٥٢٤٩ - وَمِثْل هَذَا (٢) يُبَيَّنُ لَهُ الصَّوَابَ، وَأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَكَانَ عَلَيْهِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِن الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَعَلَيْهِ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، ثُمَّ أَصَرَّ عَلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ وَاتِّبُاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ: فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَكَذَلِكَ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَيْسَ بِكُفْر؛ بَل هُوَ مِمَّا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أنَّهُ قَوْلٌ سَائِغٌ، وَقَائِلُهُ مُجْتَهِدٌ مَأْجُورٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ، سَوَاءٌ أصَابَ أَو أَخْطَأَ، فَإِذَا أَصَرَّ عَلَى تَكْفِيرِ مَن تَبَيَّنَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّة وَالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا يَكفُرُ، وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ يَكْفُرُ: فَأَصَرَّ عَلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ وَاتِّبَاعِ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. [٢٧/ ٢٣٣ - ٢٣٤]

стр. 3324

٥٢٥٠ - هُم فِي مِثْل هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْعَظِيمَةِ يَتَكَلَّمُونَ بِأَنْوَاع مِن الْكَلَامِ صَاحِبُهَا إلَى الِاسْتِتَابَةِ وَالتَّعْزِيرِ وَالتَّعْلِيمِ وَالتَّفْهِيمِ أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى الرَّدِّ عَلَيْهِ وَالْمُنَاظَرَةِ لَهُ، كَمَا يُوجَدُ فِي جهَّالِ أَهْلِ الْبِدَع مِن الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارجِ وَغَيْرِهِمْ مَن يُسَارعُ إلَى تَكْفِيرِ مَن اتَّبَعَ الرَّسُولَ مِنَ السَّلَفِ؛ لِقِلَّةِ عِلْمِهِ وَسُوءِ فَهْمِهِ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، فَهُم مُبْتَدِعُونَ بِدْعَةً بِجَهْلِهِمْ وَيُكَفِّرُونَ مَن خَالفَهُمْ. [٢٧/ ٢٣٨] * * * (حكم قتل تارك الصلاة) ٥٢٥١ - يَجِبُ قَتْلُ كُلِّ مَن لَمْ يُصَلِّ إذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَكَذَلِك تُقَامُ عَلَيْهِم الْحُدُودُ. وَإِن كَانُوا طَائِفَةً مُمْتَنِعَةً ذَاتَ شَوْكَةٍ: فَإِنَّهُ يَجِبُ قِتَالُهُم حَتَّى يَلْتَزِمُوا أَدَاءَ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْمُتَوَاتِرَةِ؛ كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ، وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ؛ كَالزِّنَا، وَالرِّبَا، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَمَن لَمْ يُقِرَّ بِوُجُوبِ الصَّلَاة وَالزَّكَاةِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. [٣٥/ ٩٠] * * * (حكم تارك الصلاة، وحكم تارك جنس العمل ؟) ٥٢٥٢ - مَن لَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَصِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَحَجَّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَلَا يُحَرِّمْ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن الْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ وَالشِّرْكِ وَالْإِفْكِ: فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَا يُسْتَتَابُ فَاِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ بِاتِّفَاقِ أَئِمةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُغْنِي عَنْهُ التَّكَلُّمُ بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَإِن قَالَ: أَنَا أُقِرُّ بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيَّ، وَأَعْلَمُ أَنَّهُ فَرْضٌ، وَأَنَّ مَن تَرَكَهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِذَمِّ اللهِ وَعِقَابِهِ، لَكِنِّي لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ: فَهَذَا أَيْضًا مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ

стр. 3325

فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ وَإِلَّا قُتِلَ. فَإِذَا أَصَرَّ عَلَى الْجُحُودِ حَتَّى قُتِلَ كَانَ كَافِرًا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَن قَالَ: إنَّ كُلَّ مَن تَكَلَّمَ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَلَمْ يُؤَدِّ الْفَرَائِضَ وَلَمْ يَجْتَنِب الْمَحَارِمَ: يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ مِنْهُم بِالنَّارِ: فَهُوَ كَافِرٌ مُرْتَدٌّ، يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. بَل الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَصْنَاف، مِنْهُم مُنَافِقُونَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِن النَّارِ .. وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥]، قَالَ الْعُلَمَاءُ: "السَّاهُونَ عَنْهَا" الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَهَا عَن وَقْتِهَا وَاَلَّذِينَ يُفَرِّطُونَ فِي وَاجِبَاتِهَا. فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُصَلُّونَ الْوَيْلُ لَهُم فَكَيْفَ بِمَن لَا يُصَلِّي؟. [٣٥/ ١٠٥ - ١٠٦] * * * (بيان كفر الْحَلَّاج) ٥٢٥٣ - الْحَلَّاجُ قُتِلَ عَلَى الزَّنْدَقَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ وَبِغَيْرِ إقْرَارِهِ، وَالْأَمْرُ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ الْقَتْلَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ يُظْهِرُ عِنْدَ كُلِّ قَوْمٍ مَا يَسْتَجْلِبُهُم بِهِ إلَى تَعْظِيمِهِ، فَيُظْهِرُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ سنِّيٌّ، وَعِنْدَ أَهْلِ الشِّيعَةِ أَنَّهُ شِيعِيٌّ، وَيَلْبَسُ لِبَاسَ الزُّهَّادِ تَارَةً، وَلبَاسَ الْأَجْنَادِ تَارَةً (١). [٣٥/ ١٠٨ - ١١١] * * *

стр. 3326

(لَو كَانَ غَيْرُ الرَّسُولِ ﷺ معْصُومًا: لَكَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَ الرَّسُولِ) ٥٢٥٤ - لَو كَانَ غَيْرُ الرَّسُولِ مَعْصُومًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ: لَكَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَ الرَّسُولِ، وَالنَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ إلَى الْخَلْقِ رَسُولٌ إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ مَن لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ، فَمَن كَانَ آمِرًا نَاهِيًا لِلْخَلْقِ مِن إمَامٍ وَعَالِمٍ وَشَيْخٍ وَأُولي أَمْرٍ غَيْرَ هَؤُلَاءِ مِن أَهْلِ الْبَيْتِ أَو غَيْرِهِمْ وَكَانَ مَعْصُومًا: كَانَ بِمَنزِلَةِ الرَّسُولِ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ مَن أَطَاعَهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَن عَصَاهُ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، كَمَا يَقُولُهُ الْقَائِلُونَ بِعِصمَةِ عَلِيٍّ أَو غَيْرِهِ مِن الْأَئِمَّةِ؛ بَل مَن أَطَاعَهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا، وَمَن عَصَاهُ يَكُون كَافِرًا، وَكَانَ هَؤُلَاءِ كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ، فَلَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ قَوْلُ النَّبِيَّ ﷺ : "لَا نَبِيَّ بَعْدِي" (١). [٣٥/ ١٢٢ - ١٢٣] * * * (أبو بكر وعمر أعلم الصحابة) ٥٢٥٥ - إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَعْلَمُ مِن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَأَعْظَمُ طَاعَةً للهِ وَرَسُولِهِ مِن سَائِرِهِمْ وَأَوْلَى بِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ مِنْهُم وَقَد ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ الصَّحِيحِ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكرٍ ثُمَّ عُمَرُ" (٢)، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مِن نَحْوِ ثَمَانِينَ وَجْهًا. بَل أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَا يُحْفَظُ لَهُ فُتْيَا أَفْتَى فِيهَا بِخِلَافِ نَصِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَد وُجِدَ لِعَلِيِّ وَغَيْرِهِ مِن الصَّحَابَةِ مِن ذَلِكَ أَكْثَرُ مِمَّا وُجِدَ لِعُمَر. [٣٥/ ١٢٤] * * * (ندمُ عليٍّ ﵁ على قتاله في الجمل وصفين) ٥٢٥٦ - كَانَ الْحَسَنُ فِي أَمْرِ الْقِتَالِ يُخَالِفُ أَبَاهُ ﵄ وَيَكْرَهُ كَثِيرًا مِمَّا يَفْعَلُهُ وَيَرْجِعُ عَلِيٌّ ﵁ فِي آخِرِ الْأَمْرِ إلَى رَأْيِهِ وَكَانَ يَقُولُ:

стр. 3327

لَئِنْ عَجَزْت عجزة لَا أَعْتَذِرْ … سَوْفَ أُكِيسُ بَعْدَهَا وَأَسْتَمِرُّ وَتَبَيَّنَ لَهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ أَنْ لَو فَعَلَ غَيْرَ الَّذِي كَانَ فَعَلَهُ لَكَانَ هُوَ الْأَصْوَبَ. [٣٥/ ١٢٥ - ١٢٦] * * * (بيانُ عدمِ صحةِ نسبِ الدولةِ العبيدية) ٥٢٥٧ - كَيْفَ تَكُون الْعِصْمَةُ فِي ذُرِّيَّةِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ مَعَ شُهْرَةِ النِّفَاقِ وَالْكَذِبِ وَالضَّلَالِ؟ فَكَيْفَ يَدَّعِي الْعِصْمَةَ مَن ظَهَرَتْ عَنْهُ الْفَوَاحِشُ وَالْمُنْكَرَاتُ وَالظُّلْمُ وَالْبَغْيُ وَالْعُدْوَانُ، وَالْعَدَاوَةُ لِأَهْلِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى مِن الْأُمَّةِ، وَالِاطْمِئْنَانُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، فَهُم مِن أَفْسَقِ النَّاسِ، وَمِن أَكْفَرِ النَّاسِ، وَمَا يَدَّعِي الْعِصْمَةَ فِي النِّفَاقِ وَالْفُسُوقِ إلَّا جَاهِلٌ مَبْسُوطُ الْجَهْلِ، أَو زِنْدِيقٌ يَقُولُ بِلَا عِلْمٍ. وَمِن الْمَعْلُومِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّ مَن شَهِدَ لَهُم بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى أَو بِصِحَّةِ النَّسَب فَقَد شَهِدَ لَهُم بِمَا لَا يَعْلَمُ، وَقَد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يَشْهَدُ عَلَيْهِم عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَجَمَاهِيرُهَا أَنَّهُم كَانُوا مُنَافِقِينَ زَنَادِقَة، يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ. وَكَذَلِكَ النَّسَبُ قَد عُلِمَ أَنَّ جُمْهُورَ الْأُمَّةِ تَطْعَنُ فِي نَسَبِهِمْ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّهُم مِن أَوْلَادِ الْمَجُوسِ أَو الْيَهُودِ. هَذَا مَشْهُورٌ مِن شَهَادَةِ عُلَمَاءَ الطَّوَائِفِ مِن الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَأَهْلِ الْكلَامِ، وَعُلَمَاءِ النَّسَبِ، وَالْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا أَمْرٌ قَد ذَكَرَهُ عَامَّةُ الْمُصَنِّفِينَ لِأَخْبَارِ النَّاسِ. حَتَّى صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ، كَمَا صَنَّفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَانِي كِتَابَهُ الْمَشْهُورَ فِي كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ،

стр. 3328

وَذَكَرَ أَنَّهُم مِن ذُرِّيَّةٍ الْمَجُوسِ، وَذَكَرَ مِن مَذَاهِبِهِم مَا بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ مَذَاهِبَهُم شَرٌّ مِن مَذَاهِبِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ بَل وَمِن مَذَاهِبِ الْغَالِيَةِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ إلَهِيَّةَ عَلِيٍّ أَو نُبُوَّتَة، فَهُم أَكْفَرُ مِن هَؤُلَاءِ. بَل مَا ظَهَرَ عَنْهُم مِن الزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ وَمُعَادَاةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ نَسَبِهِم الْفَاطِمِيِّ؛ فَإِنَّ مَن يَكُونُ مِن أَقَارِب النَّبِيِّ ﷺ الْقَائِمَيْنِ بِالْخِلَافَةِ فِي أُمَّتِهِ لَا تَكُونُ مُعَادَاتُهُ لِدِينِهِ كَمُعَادَاةِ هَؤُلَاءِ؛ فَلَمْ يُعْرَفْ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَلَا وَلَدِ أَبِي طَالِبٍ وَلَا بَنِي أُمَيَّةَ مَن كَانَ خَلِيفَة وَهُوَ مُعَادٍ لِدِينِ الْإِسْلَامِ، فَضْلًا عَن أَنْ يَكونَ مُعَادِيًا كَمُعَادَاةِ هَؤُلَاءِ؛ بَل أَوْلَادُ الْمُلُوكِ الَّذِينَ لَا دِينَ لَهُم فَيَكُونُ فِيهِمْ نَوْعُ حَمِيَّةٍ لِدِينِ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ، فَمَن كَانَ مِن وَلَدِ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ الَّذِي بَعَثَهُ اللهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ كَيْفَ يُعَادِي دِينَهُ هَذِهِ الْمُعَادَاةَ؟ وَلهَذَا نَجِدُ جَمِيعَ الْمَأْمُونِينَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا مُعَادِينَ لِهَؤُلَاءِ إلَّا مَن هُوَ زِنْدِيقٌ عَدُوٌّ للهِ وَرَسُولِهِ، أَو جَاهِلٌ لَا يَعْرِفُ مَا بُعِثَ بِهِ رَسُولُهُ. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى كفْرِهِمْ وَكَذِبِهِم فِي نَسَبِهِمْ. وَكَانَ فِي أَثْنَاءِ دَوْلَتِهِمْ يَخَافُ السَّاكِنُ بِمِصْر أَنْ يَرْوِيَ حَدِيثًا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيُقْتَلُ، كَمَا حَكَى ذَلِكَ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الْحَبَّالُ صَاحِبُ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، وَامْتَنَعَ مِن رِوَايَةِ الْحَدِيثِ خَوْفًا أَنْ يَقْتُلُوهُ، وَكَانُوا يُنَادُونَ بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ: مَن لَعَنَ وَسَبَّ فَلَهُ دِينَارٌ وَإِرْدَبٌّ. وَكَانَ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ عِدَّةُ مَقَاصِيرَ يُلْعَنُ فِيهَا الصَّحَابَةُ؛ بَل يُتَكَلَّمُ فِيهَا بِالْكُفْرِ الصَّرِيحِ، وَكَانَ لَهُم مَدْرَسَةٌ بِقُرْبِ الْمَشْهَدِ الَّذِي بَنَوْهُ وَنَسَبُوهُ إلَى الْحُسَيْنِ، وَلَيْسَ فِيهِ الْحُسَيْنُ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَلأَجْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِن الزَّنْدَقَةِ وَالْبِدْعَةِ بَقِيَت الْبِلَادُ الْمِصْرِيَّةُ مُدَّةَ دَوْلَتِهِمْ نَحْو مِائَتَيْ سَنَةٍ قَد انْطَفَأَ نُورُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، حَتَّى قَالَتْ فِيهَا الْعُلَمَاءُ: إنَّهَا كَانَت دَارَ رِدَّةٍ وَنفَاقٍ كَدَارِ مُسَيْلِمَةِ الْكَذَّابِ.

стр. 3329

وَالْقَرَامِطَةُ الْخَارِجِينَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ الَّذِينَ كَانُوا سَلَفًا لِهَؤُلَاءِ الْقَرَامِطَةِ ذَهَبُوا مِن الْعِرَاقِ إلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ جَاؤُوا مِن الْمَغْرِبِ إلَى مِصْرَ؛ فَإِنَّ كُفْرَ هَؤُلَاءِ وَرِدَّتَهُم مِن أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَالرّدَّةِ، وَهُم أَعْظَمُ كُفْرًا وَرِدَّةً مِن كُفْرِ أَتْبَاعِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَنَحْوِهِ مِن الْكَذَّابِينَ؛ فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَقُولُوا فِي الْإِلَهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَالشَّرَائِعِ مَا قَالَهُ أَئِمَّةُ هَؤُلَاءِ. وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُم فِي الْبَاطِنِ كَافِرُونَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، يُخْفُونَ ذَلِكَ وَيَكْتُمُونَهُ عَن غَيْرِ مَن يَثِقُونَ بِهِ، لَا يُظْهِرُونَهُ كَمَا يُظْهِرُ أَهْلُ الْكِتَابِ دِينَهُمْ؛ لِأَنَّهُم لَو أَظْهَرُوهُ لَنَفَرَ عَنْهُم جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْأَرْضِ مِن الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُم يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَقَالَتِهِمْ وَمَقَالَةِ الْجُمْهُورِ؛ بَل الرَّافِضَةُ الَّذِينَ لَيْسُوا زَنَادِقَةً كُفَّارًا (١) يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَقَالَتِهَا وَمَقَالَةِ الْجُمْهُورِ، وَيَرَوْنَ كِتْمَانَ مَذْهَبِهِمْ، وَاسْتِعْمَالَ التَّقِيَّةِ، وَقَد لَا يَكُونُ مِن الرَّافِضَةِ مَن لَهُ نَسَبٌ صَحِيحٌ مُسْلِمًا فِي الْبَاطِنِ وَلَا يَكُونُ زِنْدِيقًا، لَكِنْ يَكُونُ جَاهِلًا مُبْتَدِعًا. وَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ مَعَ صِحَّةِ نَسَبِهِم وَإِسْلَامِهِمْ يَكْتمُونَ مَا هُم عَلَيْهِ مِن الْبِدْعَةِ وَالْهَوَى لَكِنَّ جُمْهُورَ النَّاسِ يُخَالِفُونَهُمْ: فَكَيْفَ بِالْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ يُكَفِّرُهُم أَهْل الْمِلَلِ كلِّهَا مِن الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؟. [٣٥/ ١٢٧ - ١٤١] * * * (كفر النصيرية والدروز وضلالهم) ٥٢٥٨ - هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الْمُسَمَّوْنَ بالْنُّصَيْرِيَّة هُم وَسَائِرُ أَصْنَافِ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ أَكْفَرُ مِن الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ بَل وَأَكْفَرُ مِن كَثِيرٍ مِن الْمُشْرِكِينَ، وَضَرَرُهُم عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَعْظَمُ مِن ضَرَرِ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ، مِثْل كُفَّارِ التَّتَارِ والفرنج وَغَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَتَظَاهَرُونَ عِنْدَ جُهَّالِ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّشَيُّعِ وَمُوَالَاةِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَهُم فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِرَسُولِهِ وَلَا بِكِتَابِهِ، وَلَا بِأَمْرٍ وَلَا

стр. 3330

نَهْيٍ، وَلَا ثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ، وَلَا جَنَّةٍ وَلَا نَارٍ، وَلَا بِأَحَد مِن الْمُرْسَلِينَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا بِمِلَّة مِن الْمِلَلِ السَّالِفَةِ. وَلَهُم فِي مُعَادَاةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَقَائِعُ مَشْهُورَةٌ، وَكتُبٌ مُصَنَّفَةٌ، فَإِذَا كَانَت لَهُم مُكْنَةٌ سَفَكُوا دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ؛ كَمَا قَتَلُوا مَرَّةً الْحُجَّاجَ وَأَلْقَوْهُم فِي بِئْرِ زَمْزَمَ، وَأَخَذُوا مَرَّةً الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَبَقِيَ عِنْدَهُم مُدَّةً، وَقَتَلُوا مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَشَايِخِهِمْ مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إلَّا اللهُ تَعَالَى. وَمِن الْمَعْلُومِ عِنْدَنَا أَنَّ السَّوَاحِلَ الشَّامِيَّةَ إنَّمَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا النَّصَارَى مِن جِهَتِهِمْ، وَهُم دَائِمًا مَعَ كُلِّ عَدُوّ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهُم مَعَ النَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَمِن أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ عِنْدَهُمْ: فَتْحُ الْمُسْلِمِينَ لِلسَّوَاحِلِ، وَانْقِهَارُ النَّصَارَى؛ بَل وَمِن أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ عِنْدَهُم انْتِصَارُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّتَارِ، وَمِن أَعْظَمِ أَعْيَادِهِمْ إذَا اسْتَوْلَى -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى- النَّصَارَى عَلَى ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَهُم أَلْقَابٌ مَعْرُوفَة عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ: تَارَةً يُسَمَّوْنَ الْمَلَاحِدَةَ، وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الْقَرَامِطَةَ، وَتَارَة يُسَمَّوْنَ، الْبَاطِنِيَّةَ، وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الْإِسْمَاعِيلِيَّة، وتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الْنُصَيْرِيَّة، وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الخرمية، وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الْمُحَمِّرَةَ. وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ مِنْهَا مَا يَعُمُّهُمْ، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ بَعْضَ أَصْنَافِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ يَعُم الْمُسْلِمِينَ، وَلبَعْضِهِمْ اسْمٌ يَخُصُّهُ، إمَّا لِنَسَب، وَإِمَّا لِمَذْهَب، وَإِمَّا لِبَلَدٍ، وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ. وَهُم كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمْ: ظَاهِرُ مَذْهَبِهِم الرَّفْضُ وَبَاطِنُهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ. وَقَد دَخَلَ كَثِيرٌ مِن بَاطِلِهِمْ عَلَى كَثِيرٍ مِن الْمُسْلِمِينَ وَرَاجَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى صَارَ ذَلِكَ فِي كُتُبِ طَوَائِفَ مِن الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَإِن كَانُوا لَا يُوَافِقُونَهُم عَلَى أَصْلِ كُفْرِهِمْ. وَقَد اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا تَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ، وَلَا يَجُوزُ
следующие страницы →