← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

(لَو كَانَ غَيْرُ الرَّسُولِ ﷺ معْصُومًا: لَكَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَ الرَّسُولِ) ٥٢٥٤ - لَو كَانَ غَيْرُ الرَّسُولِ مَعْصُومًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ: لَكَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَ الرَّسُولِ، وَالنَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ إلَى الْخَلْقِ رَسُولٌ إلَيْهِمْ، بِخِلَافِ مَن لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ، فَمَن كَانَ آمِرًا نَاهِيًا لِلْخَلْقِ مِن إمَامٍ وَعَالِمٍ وَشَيْخٍ وَأُولي أَمْرٍ غَيْرَ هَؤُلَاءِ مِن أَهْلِ الْبَيْتِ أَو غَيْرِهِمْ وَكَانَ مَعْصُومًا: كَانَ بِمَنزِلَةِ الرَّسُولِ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ مَن أَطَاعَهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَن عَصَاهُ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، كَمَا يَقُولُهُ الْقَائِلُونَ بِعِصمَةِ عَلِيٍّ أَو غَيْرِهِ مِن الْأَئِمَّةِ؛ بَل مَن أَطَاعَهُ يَكُونُ مُؤْمِنًا، وَمَن عَصَاهُ يَكُون كَافِرًا، وَكَانَ هَؤُلَاءِ كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إسْرَائِيلَ، فَلَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ قَوْلُ النَّبِيَّ ﷺ : "لَا نَبِيَّ بَعْدِي" (١). [٣٥/ ١٢٢ - ١٢٣] * * * (أبو بكر وعمر أعلم الصحابة) ٥٢٥٥ - إِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ أَعْلَمُ مِن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَأَعْظَمُ طَاعَةً للهِ وَرَسُولِهِ مِن سَائِرِهِمْ وَأَوْلَى بِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ مِنْهُم وَقَد ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ الصَّحِيحِ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكرٍ ثُمَّ عُمَرُ" (٢)، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مِن نَحْوِ ثَمَانِينَ وَجْهًا. بَل أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَا يُحْفَظُ لَهُ فُتْيَا أَفْتَى فِيهَا بِخِلَافِ نَصِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَد وُجِدَ لِعَلِيِّ وَغَيْرِهِ مِن الصَّحَابَةِ مِن ذَلِكَ أَكْثَرُ مِمَّا وُجِدَ لِعُمَر. [٣٥/ ١٢٤] * * * (ندمُ عليٍّ ﵁ على قتاله في الجمل وصفين) ٥٢٥٦ - كَانَ الْحَسَنُ فِي أَمْرِ الْقِتَالِ يُخَالِفُ أَبَاهُ ﵄ وَيَكْرَهُ كَثِيرًا مِمَّا يَفْعَلُهُ وَيَرْجِعُ عَلِيٌّ ﵁ فِي آخِرِ الْأَمْرِ إلَى رَأْيِهِ وَكَانَ يَقُولُ:

стр. 3327

لَئِنْ عَجَزْت عجزة لَا أَعْتَذِرْ … سَوْفَ أُكِيسُ بَعْدَهَا وَأَسْتَمِرُّ وَتَبَيَّنَ لَهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ أَنْ لَو فَعَلَ غَيْرَ الَّذِي كَانَ فَعَلَهُ لَكَانَ هُوَ الْأَصْوَبَ. [٣٥/ ١٢٥ - ١٢٦] * * * (بيانُ عدمِ صحةِ نسبِ الدولةِ العبيدية) ٥٢٥٧ - كَيْفَ تَكُون الْعِصْمَةُ فِي ذُرِّيَّةِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ مَعَ شُهْرَةِ النِّفَاقِ وَالْكَذِبِ وَالضَّلَالِ؟ فَكَيْفَ يَدَّعِي الْعِصْمَةَ مَن ظَهَرَتْ عَنْهُ الْفَوَاحِشُ وَالْمُنْكَرَاتُ وَالظُّلْمُ وَالْبَغْيُ وَالْعُدْوَانُ، وَالْعَدَاوَةُ لِأَهْلِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى مِن الْأُمَّةِ، وَالِاطْمِئْنَانُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، فَهُم مِن أَفْسَقِ النَّاسِ، وَمِن أَكْفَرِ النَّاسِ، وَمَا يَدَّعِي الْعِصْمَةَ فِي النِّفَاقِ وَالْفُسُوقِ إلَّا جَاهِلٌ مَبْسُوطُ الْجَهْلِ، أَو زِنْدِيقٌ يَقُولُ بِلَا عِلْمٍ. وَمِن الْمَعْلُومِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنَّ مَن شَهِدَ لَهُم بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى أَو بِصِحَّةِ النَّسَب فَقَد شَهِدَ لَهُم بِمَا لَا يَعْلَمُ، وَقَد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمُ يَشْهَدُ عَلَيْهِم عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَجَمَاهِيرُهَا أَنَّهُم كَانُوا مُنَافِقِينَ زَنَادِقَة، يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ. وَكَذَلِكَ النَّسَبُ قَد عُلِمَ أَنَّ جُمْهُورَ الْأُمَّةِ تَطْعَنُ فِي نَسَبِهِمْ، وَيَذْكُرُونَ أَنَّهُم مِن أَوْلَادِ الْمَجُوسِ أَو الْيَهُودِ. هَذَا مَشْهُورٌ مِن شَهَادَةِ عُلَمَاءَ الطَّوَائِفِ مِن الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَأَهْلِ الْكلَامِ، وَعُلَمَاءِ النَّسَبِ، وَالْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا أَمْرٌ قَد ذَكَرَهُ عَامَّةُ الْمُصَنِّفِينَ لِأَخْبَارِ النَّاسِ. حَتَّى صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ، كَمَا صَنَّفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَانِي كِتَابَهُ الْمَشْهُورَ فِي كَشْفِ أَسْرَارِهِمْ وَهَتْكِ أَسْتَارِهِمْ،

стр. 3328

وَذَكَرَ أَنَّهُم مِن ذُرِّيَّةٍ الْمَجُوسِ، وَذَكَرَ مِن مَذَاهِبِهِم مَا بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ مَذَاهِبَهُم شَرٌّ مِن مَذَاهِبِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ بَل وَمِن مَذَاهِبِ الْغَالِيَةِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ إلَهِيَّةَ عَلِيٍّ أَو نُبُوَّتَة، فَهُم أَكْفَرُ مِن هَؤُلَاءِ. بَل مَا ظَهَرَ عَنْهُم مِن الزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ وَمُعَادَاةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ نَسَبِهِم الْفَاطِمِيِّ؛ فَإِنَّ مَن يَكُونُ مِن أَقَارِب النَّبِيِّ ﷺ الْقَائِمَيْنِ بِالْخِلَافَةِ فِي أُمَّتِهِ لَا تَكُونُ مُعَادَاتُهُ لِدِينِهِ كَمُعَادَاةِ هَؤُلَاءِ؛ فَلَمْ يُعْرَفْ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَلَا وَلَدِ أَبِي طَالِبٍ وَلَا بَنِي أُمَيَّةَ مَن كَانَ خَلِيفَة وَهُوَ مُعَادٍ لِدِينِ الْإِسْلَامِ، فَضْلًا عَن أَنْ يَكونَ مُعَادِيًا كَمُعَادَاةِ هَؤُلَاءِ؛ بَل أَوْلَادُ الْمُلُوكِ الَّذِينَ لَا دِينَ لَهُم فَيَكُونُ فِيهِمْ نَوْعُ حَمِيَّةٍ لِدِينِ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ، فَمَن كَانَ مِن وَلَدِ سَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ الَّذِي بَعَثَهُ اللهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ كَيْفَ يُعَادِي دِينَهُ هَذِهِ الْمُعَادَاةَ؟ وَلهَذَا نَجِدُ جَمِيعَ الْمَأْمُونِينَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا مُعَادِينَ لِهَؤُلَاءِ إلَّا مَن هُوَ زِنْدِيقٌ عَدُوٌّ للهِ وَرَسُولِهِ، أَو جَاهِلٌ لَا يَعْرِفُ مَا بُعِثَ بِهِ رَسُولُهُ. وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى كفْرِهِمْ وَكَذِبِهِم فِي نَسَبِهِمْ. وَكَانَ فِي أَثْنَاءِ دَوْلَتِهِمْ يَخَافُ السَّاكِنُ بِمِصْر أَنْ يَرْوِيَ حَدِيثًا عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيُقْتَلُ، كَمَا حَكَى ذَلِكَ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ الْحَبَّالُ صَاحِبُ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، وَامْتَنَعَ مِن رِوَايَةِ الْحَدِيثِ خَوْفًا أَنْ يَقْتُلُوهُ، وَكَانُوا يُنَادُونَ بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ: مَن لَعَنَ وَسَبَّ فَلَهُ دِينَارٌ وَإِرْدَبٌّ. وَكَانَ بِالْجَامِعِ الْأَزْهَرِ عِدَّةُ مَقَاصِيرَ يُلْعَنُ فِيهَا الصَّحَابَةُ؛ بَل يُتَكَلَّمُ فِيهَا بِالْكُفْرِ الصَّرِيحِ، وَكَانَ لَهُم مَدْرَسَةٌ بِقُرْبِ الْمَشْهَدِ الَّذِي بَنَوْهُ وَنَسَبُوهُ إلَى الْحُسَيْنِ، وَلَيْسَ فِيهِ الْحُسَيْنُ وَلَا شَيْءٌ مِنْهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَلأَجْلِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِن الزَّنْدَقَةِ وَالْبِدْعَةِ بَقِيَت الْبِلَادُ الْمِصْرِيَّةُ مُدَّةَ دَوْلَتِهِمْ نَحْو مِائَتَيْ سَنَةٍ قَد انْطَفَأَ نُورُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ، حَتَّى قَالَتْ فِيهَا الْعُلَمَاءُ: إنَّهَا كَانَت دَارَ رِدَّةٍ وَنفَاقٍ كَدَارِ مُسَيْلِمَةِ الْكَذَّابِ.

стр. 3329

وَالْقَرَامِطَةُ الْخَارِجِينَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ الَّذِينَ كَانُوا سَلَفًا لِهَؤُلَاءِ الْقَرَامِطَةِ ذَهَبُوا مِن الْعِرَاقِ إلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ جَاؤُوا مِن الْمَغْرِبِ إلَى مِصْرَ؛ فَإِنَّ كُفْرَ هَؤُلَاءِ وَرِدَّتَهُم مِن أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَالرّدَّةِ، وَهُم أَعْظَمُ كُفْرًا وَرِدَّةً مِن كُفْرِ أَتْبَاعِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ وَنَحْوِهِ مِن الْكَذَّابِينَ؛ فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَقُولُوا فِي الْإِلَهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَالشَّرَائِعِ مَا قَالَهُ أَئِمَّةُ هَؤُلَاءِ. وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُم فِي الْبَاطِنِ كَافِرُونَ بِجَمِيعِ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ، يُخْفُونَ ذَلِكَ وَيَكْتُمُونَهُ عَن غَيْرِ مَن يَثِقُونَ بِهِ، لَا يُظْهِرُونَهُ كَمَا يُظْهِرُ أَهْلُ الْكِتَابِ دِينَهُمْ؛ لِأَنَّهُم لَو أَظْهَرُوهُ لَنَفَرَ عَنْهُم جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْأَرْضِ مِن الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُم يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَقَالَتِهِمْ وَمَقَالَةِ الْجُمْهُورِ؛ بَل الرَّافِضَةُ الَّذِينَ لَيْسُوا زَنَادِقَةً كُفَّارًا (١) يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَقَالَتِهَا وَمَقَالَةِ الْجُمْهُورِ، وَيَرَوْنَ كِتْمَانَ مَذْهَبِهِمْ، وَاسْتِعْمَالَ التَّقِيَّةِ، وَقَد لَا يَكُونُ مِن الرَّافِضَةِ مَن لَهُ نَسَبٌ صَحِيحٌ مُسْلِمًا فِي الْبَاطِنِ وَلَا يَكُونُ زِنْدِيقًا، لَكِنْ يَكُونُ جَاهِلًا مُبْتَدِعًا. وَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ مَعَ صِحَّةِ نَسَبِهِم وَإِسْلَامِهِمْ يَكْتمُونَ مَا هُم عَلَيْهِ مِن الْبِدْعَةِ وَالْهَوَى لَكِنَّ جُمْهُورَ النَّاسِ يُخَالِفُونَهُمْ: فَكَيْفَ بِالْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ يُكَفِّرُهُم أَهْل الْمِلَلِ كلِّهَا مِن الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؟. [٣٥/ ١٢٧ - ١٤١] * * * (كفر النصيرية والدروز وضلالهم) ٥٢٥٨ - هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الْمُسَمَّوْنَ بالْنُّصَيْرِيَّة هُم وَسَائِرُ أَصْنَافِ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ أَكْفَرُ مِن الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ بَل وَأَكْفَرُ مِن كَثِيرٍ مِن الْمُشْرِكِينَ، وَضَرَرُهُم عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَعْظَمُ مِن ضَرَرِ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ، مِثْل كُفَّارِ التَّتَارِ والفرنج وَغَيْرِهِمْ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَتَظَاهَرُونَ عِنْدَ جُهَّالِ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّشَيُّعِ وَمُوَالَاةِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَهُم فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِرَسُولِهِ وَلَا بِكِتَابِهِ، وَلَا بِأَمْرٍ وَلَا

стр. 3330

نَهْيٍ، وَلَا ثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ، وَلَا جَنَّةٍ وَلَا نَارٍ، وَلَا بِأَحَد مِن الْمُرْسَلِينَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا بِمِلَّة مِن الْمِلَلِ السَّالِفَةِ. وَلَهُم فِي مُعَادَاةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَقَائِعُ مَشْهُورَةٌ، وَكتُبٌ مُصَنَّفَةٌ، فَإِذَا كَانَت لَهُم مُكْنَةٌ سَفَكُوا دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ؛ كَمَا قَتَلُوا مَرَّةً الْحُجَّاجَ وَأَلْقَوْهُم فِي بِئْرِ زَمْزَمَ، وَأَخَذُوا مَرَّةً الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَبَقِيَ عِنْدَهُم مُدَّةً، وَقَتَلُوا مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَمَشَايِخِهِمْ مَا لَا يُحْصِي عَدَدَهُ إلَّا اللهُ تَعَالَى. وَمِن الْمَعْلُومِ عِنْدَنَا أَنَّ السَّوَاحِلَ الشَّامِيَّةَ إنَّمَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا النَّصَارَى مِن جِهَتِهِمْ، وَهُم دَائِمًا مَعَ كُلِّ عَدُوّ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهُم مَعَ النَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَمِن أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ عِنْدَهُمْ: فَتْحُ الْمُسْلِمِينَ لِلسَّوَاحِلِ، وَانْقِهَارُ النَّصَارَى؛ بَل وَمِن أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ عِنْدَهُم انْتِصَارُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّتَارِ، وَمِن أَعْظَمِ أَعْيَادِهِمْ إذَا اسْتَوْلَى -وَالْعِيَاذُ بِاللهِ تَعَالَى- النَّصَارَى عَلَى ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَهُم أَلْقَابٌ مَعْرُوفَة عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ: تَارَةً يُسَمَّوْنَ الْمَلَاحِدَةَ، وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الْقَرَامِطَةَ، وَتَارَة يُسَمَّوْنَ، الْبَاطِنِيَّةَ، وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الْإِسْمَاعِيلِيَّة، وتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الْنُصَيْرِيَّة، وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الخرمية، وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ، الْمُحَمِّرَةَ. وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ مِنْهَا مَا يَعُمُّهُمْ، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ بَعْضَ أَصْنَافِهِمْ، كَمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ يَعُم الْمُسْلِمِينَ، وَلبَعْضِهِمْ اسْمٌ يَخُصُّهُ، إمَّا لِنَسَب، وَإِمَّا لِمَذْهَب، وَإِمَّا لِبَلَدٍ، وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ. وَهُم كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمْ: ظَاهِرُ مَذْهَبِهِم الرَّفْضُ وَبَاطِنُهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ. وَقَد دَخَلَ كَثِيرٌ مِن بَاطِلِهِمْ عَلَى كَثِيرٍ مِن الْمُسْلِمِينَ وَرَاجَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى صَارَ ذَلِكَ فِي كُتُبِ طَوَائِفَ مِن الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ وَالدِّينِ، وَإِن كَانُوا لَا يُوَافِقُونَهُم عَلَى أَصْلِ كُفْرِهِمْ. وَقَد اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا تَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ، وَلَا يَجُوزُ

стр. 3331

أَنْ يَنْكحَ الرَّجُلُ مَوْلَاتِهِ مِنْهُمْ، وَلَا يَتَزَوَّجَ مِنْهُم امْرَأَةً، وَلَا تُبَاحُ ذَبَائِحُهُمْ. وَأَمَّا أَوَانِيهمْ وَمَلَابِسُهُمْ: فَكَأَوَانِي الْمَجُوسِ وَمَلَابِسِ الْمَجُوسِ عَلَى مَا عُرِفَ مِن مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ. وَالصَّحِيح فِي ذَلِكَ أَنَّ أَوَانِيَهُم لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا بَعْدَ غَسْلِهَا؛ فَإِنَّ ذَبَائِحَهُم مَيْتَةٌ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَ أَوَانِيَهُم الْمُسْتَعْمَلَةَ مَا يَطْبُخُونَهُ مِن ذَبَائِحِهِمْ فَتَنْجُسُ بِذَلِكَ. فَأَمَّا الْآنِيَةُ الَّتِي لَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ وُصُولُ النَّجَاسَةِ إلَيْهَا فَتُسْتَعْمَلُ مِن غَيْرِ غَسْلٍ؛ كَآنِيَةِ اللَّبَنِ الَّتِي لَا يَضَعُونَ فِيهَا طَبِيخَهُمْ، أَو يَغْسِلُونَهَا قَبْلَ وَضْعِ اللَّبَنِ فِيهَا، وَقَد تَوَضَّأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مِن جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ. فَمَا شُكَّ فِي نَجَاسَتِهِ لَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَتِهِ بِالشَّكِّ. وَلَا يَجُوزُ دَفْنُهُم فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَن مَاتَ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّ اللهَ نَهَى نَبِيَّهُ ﷺ عَن الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؛ كَعَبْدِ اللهِ ائن أُبيّ وَنَحْوِهِ، وَكَانُوا يَتَظَاهَرُونَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْجِهَادِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُظْهِرُونَ مَقَالَةً تُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَام، لَكِنْ يُسِرُّونَ ذَلِكَ فَقَالَ اللهُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾ [التوبة: ٨٤]، فَكَيْفَ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُم مَعَ الزَّنْدَقَةِ وَالنِّفَاقِ يُظْهِرُونَ الْكفْرَ وَالْإِلْحَادَ؟ وَأَمَّا اسْتِخْدَامُ مِثْل هَؤُلَاءِ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ أَو حُصُونِهِمْ أَو جُنْدِهِمْ فَإِنَّهُ مِن الْكَبَائِرِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَن يَسْتَخْدِمُ الذِّئَابَ لِرَعْيِ الْغَنَمِ. وَالْوَاجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ قَطْعُهُم مِن دَوَاوِينِ الْمُقَاتِلَةِ (١)، فَلَا يُتْرَكُونَ فِي ثَغْرٍ وَلَا فِي غَيْرِ ثَغْرٍ؛ فَإِنَّ ضَرَرَهُم فِي الثَّغْرِ أَشَدُّ.

стр. 3332

بَل إذَا كَانَ وَليُّ الْأَمْرِ لَا يَسْتَخْدِمُ مَن يَغُشُّهُ وَإِن كَانَ مُسْلِمًا: فَكَيْفَ بِمَن يَغُشُّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ؟ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ هَذَا الْوَاجِبِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ بَل أَيُّ وَقْتٍ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِبْدَالِ بِهِم وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَأَمَّا إذَا اُسْتُخْدِمُوا وَعَمِلُوا الْعَمَلَ الْمَشْرُوطَ عَلَيْهِمْ: فَلَهُم إمَّا الْمُسَمَّى وَإِمَّا أُجْرَةُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُم عوقدوا عَلَى ذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحًا: وَجَبَ الْمُسَمَّى، وَإِن كَانَ فَاسِدًا: وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، وَإِن لَمْ يَكُن اسْتِخْدَامُهُم مِن جِنْسِ الْإِجَارَةِ اللَّازِمَةِ فَهِيَ مِن جِنْسِ الْجَعَالَةِ الْجَائِزَةِ؛ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُم فَالْعَقْدُ عَقْدٌ فَاسِدٌ فَلَا يَسْتَحِقُّونَ إلَّا قِيمَةَ عَمَلِهِمْ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عَمِلُوا عَمَلًا لَهُ قِيمَةٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ؛ لَكِنْ دِمَاؤُهُم وَأَمْوَالُهُم مُبَاحَةٌ. وَإِذَا أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ فَفِي قَبُولِهَا مِنْهُم نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ: - فَمَن قَبِلَ تَوْبَتَهُم إذَا الْتَزَمُوا شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ أَقَرَّ أَمْوَالَهُم عَلَيْهِمْ. - وَمَن لَمْ يَقْبَلْهَا لَمْ تُنْقَلْ إلَى وَرَثَتِهِمْ مِن جِنْسِهِمْ؛ فَإِنَّ مَالَهُم يَكُونُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ. لَكِنَّ هَؤُلَاءِ (١) إذَا أُخِذُوا: فَإِنَّهُم يُظْهِرُونَ التَّوْبَةَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ مَذْهَبِهِم التَّقِيَّةُ وَكِتْمَانُ أَمْرِهِمْ، وَفِيهِمْ مَن يُعْرَفُ وَفِيهِمْ مَن قَد لَا يُعْرَفُ. فَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يُحْتَاطَ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَا يُتْرَكُونَ مُجْتَمِعِينَ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِن حَمْلِ السِّلَاحِ، وَلَا أَنْ يَكُونُوا مِن الْمُقَاتِلَةِ، وَيَلْزَمُونَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ مِن الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَيُتْرَكُ بَيْنَهُم مِن يُعَلِّمُهُم دِينَ الْإِسْلَامِ، وَيُحَالُ بَيْنَهُم وَبَيْنَ مُعَلِّمِهِمْ (٢).

стр. 3333

فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ وَسَائِرَ الصَّحَابَةِ لَمَّا ظَهَرُوا عَلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ وَجَاؤُوا إلَيْهِ قَالَ لَهُم الصِّدِّيقُ: اخْتَارُوا إمَّا الْحَرْبَ الْمُجْلِيَةَ، وَإِمَّا السِّلْمَ الْمُخْزِيَةَ؟ قَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ هَذِهِ الْحَرْبُ الْمُجْلِيَةُ قَد عَرَفْنَاهَا فَمَا السِّلْمُ الْمُخْزِيَةُ؟ قَالَ: تَدُون قَتْلَانَا وَلَا ندي قَتْلَاكُمْ، وَتَشْهَدُونَ أَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ، وَنقسمُ مَا أَصَبْنَا مِن أَمْوَالِكُمْ، وَتَرُدُّونَ مَا أَصَبْتُمْ مِن أَمْوَالِنَا، وَتُنْزَعُ مِنْكُمْ الْحَلَقَةُ وَالسِّلَاحُ، وَتُمْنَعُونَ مِن رُكُوب الْخَيْلِ، وَتُتْرَكُونَ تَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ، حَتَّى يُري اللهُ خَلِيفَةَ رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنَيْنِ أَمْرًا بَعْدَ رِدَّتِكُمْ (١). فَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ فِي ذَلِكَ، إلَّا فِي تَضْمِينِ قَتْلَى الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ لَهُ: هَؤُلَاءِ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأُجُورُهُم عَلَى اللهِ. يَعْنِي: هُم شُهَدَاءُ فَلَا دِيَةَ لَهُمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَى قَوْلِ عُمَرَ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا الَّذِي اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ هُوَ مَذْهَبُ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ، وَاَلَّذِي تَنَازَعُوا فِيهِ تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ، فَمَذْهَبُ أَكْثَرِهِمْ أَنَّ مَن قَتَلَهُ الْمُرْتَدُّونَ الْمُجْتَمِعُونَ الْمُحَارِبُونَ لَا يُضْمَنُ كَمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ آخِرًا. وَلَا ريبَ أَنَّ جِهَادَ هَؤُلَاءِ وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَيْهِم مِن أَعْظَمِ الطَّاعَاتِ وَأَكْبَرِ الْوَاجِبَاتِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِن جِهَادِ مَن لَا يُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ مِن الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ؛ فَإِنَّ جِهَادَ هَؤُلَاءِ مِن جِنْسِ جِهَادِ الْمُرْتَدِّينَ، وَالصِّدِّيقُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ بَدَؤوا بِجِهَادِ الْمُرْتَدِّينَ قَبْلَ جِهَادِ الْكُفَّارِ مِن أَهْل الْكِتَابِ؛ فَإِنَّ جِهَادَ هَؤُلَاءِ حِفْظ لِمَا فُتِحَ مِن بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ يَدْخُلَ فِيهِ مَن أَرَادَ الْخُرُوجَ عَنْهُ، وَجِهَادَ مَن لَمْ يُقَاتِلْنَا مِن الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ مِن زِيَادَةِ إظْهَارِ الدِّينِ، وَحِفْظ رَأسِ الْمَالِ مُقَدَّمٌ عَلَى الرِّبْحِ.

стр. 3334

وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٌ أَنْ يَقُومَ فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن الْوَاجِبِ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَد أَنْ يَكتُمَ مَا يَعْرِفُة مِن أَخْبَارِهِمْ؛ بَل يُفْشِيهَا وَيُظْهِرُهَا لِيَعْرِفَ الْمُسْلِمُونَ حَقِيقَةَ حَالِهِمْ (١)، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَد أَنْ يُعَاوِنَهُم عَلَى بَقَائِهِمْ فِي الْجُنْدِ والمستخدمين، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَد السُّكُوتُ عَن الْقِيَامِ عَلَيْهِم بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَد أَنَّ يَنْهَى عَن الْقِيَامِ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؛ فَإِنَّ هَذَا مِن أَعْظَمِ أَبْوَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى؛ وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩]، وَهَؤُلَاءِ لَا يَخْرُجونَ عَن الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ. وَالْمُعَاوِنُ عَلَى كَفِّ شَرّهِمْ وَهِدَايَتِهِمْ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ لَهُ مِن الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللهُ تَعَالَى؛ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ هُوَ هِدَايَتُهُمْ. فَالْمَقْصُودُ بِالْجِهَادِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ: هِدَايَةُ الْعِبَادِ لِمَصَالِحِ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَمَن هَدَاهُ اللهُ سَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَن لَمْ يَهْتَدِ كَفَّ اللهُ ضَرَرَهُ عَن غَيْرِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْجِهَادَ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَن الْمُنْكَرِ: هُوَ أَفْضَل الْأَعْمَالِ؛ كَمَا قَالَ ﷺ : "رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودةُ الصَّلَاةُ وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى" (٢). [٣٥/ ١٤٩ - ١٦٠] ٥٢٥٩ - الدُّرْزِيَّةُ والْنُّصَيْرِيَّة: كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لَا يَحِلُّ أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ وَلَا نِكاحُ نِسَائِهِمْ؛ بَل وَلَا يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ؛ فَإِنَّهُم مُرْتَدُّونَ عَن دِينِ الْإِسْلَامِ لَيْسُوا مُسْلِمِينَ وَلَا يَهُودَ وَلَا نَصَارَى، لَا يُقِرُّونَ بِوجُوبِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَلَا وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ، وَلَا وُجُوبِ الْحَجِّ، وَلَا تَحْرِيمِ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ

стр. 3335

مِن الْمَيْتَةِ وَالْخَمْرِ وَغَيْرِهِمَا، وَإِن أَظْهَرُوا الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ هَذِهِ الْعَقَائِدِ فَهُم كُفَّارٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٣٥/ ١٦١] * * * (حكم أصحاب الفترات) ٥٢٦٠ - فِي أَوْقَاتِ الْفَتَرَاتِ وَأَمْكِنَةِ الْفَتَرَاتِ: يُثَابُ الرَّجُلُ عَلَى مَا مَعَهُ مِن الْإِيمَانِ الْقَلِيلِ، وَيَغْفِرُ اللهُ فِيهِ لِمَن لَمْ تَقُمْ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا لَا يَغْفِرُ بِهِ لِمَن قَامَت الْحُجَّةُ عَلَيْهِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ: "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَعْرِفُونَ فِيهِ صَلَاةَّ وَلَا صِيَامًا وَلَا حَجًّا وَلَا عُمْرَةً إلَّا الشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالْعَجُوزَ الْكَبِيرَةَ، وَيَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا وَهُم يَقُولُونَ لَا إلهَ إلَّا اللهُ". فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: مَا تُغْنِي عَنْهُم لَا إلهَ إلَّا اللهُ؟ فَقَالَ: تُنْجِيهِمْ مِن النَّارِ (١). [٣٥/ ١٦٥] * * * (شروط التكفير) ٥٢٦١ - إِنَّ الْإِيمَانَ مِن الْأَحْكَامِ الْمُتَلَقَّاةِ عَن اللهِ وَرَسُولِهِ، لَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يَحْكُمُ فِيهِ النَّاسُ بِظُنُونِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ فِي كُلِّ شَخْصٍ قَالَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَافِرٌ حَتَّى يَثْبُتَ فِي حَقِّهِ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ وَتَنْتَفِي مَوَانِعُهُ. [٣٥/ ١٦٥] * * * (ضابط في تكفير عوام أتباع المذاهب الضَّالَّة المنحرفة) ٥٢٦٢ - أَمَّا الْمُنْتَسِبُونَ إلَى الشَّيْخِ يُونُسَ: فَكَثِيرٌ مِنْهُم كَافِرٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، لَا يُقِرُّونَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ الْخَمْسِ، وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَلَا

стр. 3336

يُحَرِّمونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ؛ بَل لَهُم مِن الْكَلَامِ فِي سَبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالْقُرْآنِ وَالْإِسْلَامِ مَا يَعْرِفُهُ مَن عَرَفَهُمْ. وَأَمَّا مَن كَانَ فِيهِمْ مِن عَامَّتِهِمْ لَا يَعْرِفُ أَسْرَارَهُم وَحَقَائِقَهُمْ: فَهَذَا يَكُونُ مَعَهُ إسْلَامُ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، الَّذِي اسْتَفَادَهُ مِن سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ لَا مِنْهُمْ. [٢/ ١٠٦ - ١٠٧] * * * (معنى العرَّاف) ٥٢٦٣ - الْعَرَّافُ: قَد قِيلَ: إنَّهُ اسْمٌ عَامٌّ لِلْكَاهِنِ وَالْمُنَجِّمِ وَالرِّمَالِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّن يَتَكَلَّمُ فِي تَقَدُّمِ الْمَعْرِفَةِ بِهَذِهِ الطُّرُقِ. وَلَو قِيلَ: إنَّهُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِبَعْضِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، فَسَائِرُهَا يَدْخُلُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ، كَمَا قِيلَ فِي اسْمِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَنَحْوِهِمَا. [٣٥/ ١٧٣] * * * (حكم التنجيم ومعناه) ٥٢٦٤ - صِنَاعَةُ التَّنْجِيمِ الَّتِي مَضْمُونُهَا الْأَحْكَامُ وَالتَّأْثِيرُ، وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْحَوَادِثِ الْأَرْضِيَّةِ بالْأَحْوَالِ الْفَلَكِيَّةِ، وَالتَّمْزِيجِ بَيْنَ الْقُوَى الْفَلَكِيِّة وَالْقَوَابِلِ الْأَرْضِيَّةِ: صِنَاعَة مُحَرَّمَةَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ؛ بَل هِيَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى لِسَان جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه: ٦٩]. وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَن قَبِيصَةَ بْنِ مخارق عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْعِيَافَةُ وَالطَّرْقُ وَالطِّيرَةُ مِن الْجِبْت" (١) قَالَ عَوْفٌ رَاوِي الْحَدِيثِ: الْعِيَافَةُ زَجْرُ الطَّيْرِ، وَالطَّرْقُ الْخَطُّ يُخَطُّ فِي الْأَرْضِ.

стр. 3337

فَإِذَا كَانَ الْخَطُّ وَنَحْوُهُ الَّذِي هُوَ مِن فُرُوعِ النَّجَّامَةِ مِن الْجِبْتِ، فَكَيْفَ بِالنَّجَّامَةِ؟ وَرَوَى أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُم بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَن ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَن اقْتَبَسَ عِلْمًا مِن النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِن السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ" (١)، فَقَد صَرَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَنَّ عِلْمَ النُّجُومِ مِن السِّحْرِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾، وَهَكَذَا الْوَاقِعُ؛ فَإِنَّ الِاسْتِقْرَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ النُّجُومِ لَا يُفْلِحُونَ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. وَرَوَى أَحْمَد وَمُسْلِمٌ فِي "الصَّحِيحِ" (٢) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلهُ عَن شَيْءٍ لَمْ تُقْبَل لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا"، وَالْمُنَجِّمُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْعَرَّافِ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ هُوَ فِي مَعْنَاهُ. فَإِذَا كَانَت هَذِهِ حَالَ السَّائِلِ فَكَيْفَ بِالْمَسْؤُولِ. وَرَوَى أَيْضًا فِي "صَحِيحِهِ" عَن مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِي قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ قَوْمًا مِنَّا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: "فَلَا تَأْتُوهُمُ" (٣). فَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن إتْيَانِ الْكُهَّانِ، وَالْمُنَجِّمُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْكَاهِنِ عِنْدَ الخطابي وَغَيْرِهِ مِن الْعُلَمَاءِ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَن الْعَرَبِ، وَعِنْدَ آخَرِينَ هُوَ مِن جِنْسِ الْكَاهِنِ وَأَسْوَأُ حَالًا مِنْهُ، فَلَحِقَ بِهِ مِن جِهَةِ الْمَعْنَى. [٣٥/ ١٩٢ - ١٩٤] * * * (حكم سبّ الشريف؟ وهل تقبل شهادة العدو على عدوّه ؟) ٥٢٦٥ - وَسُئِلَ ﵀: عَمَّن قَالَ لِشَرِيفٍ: يَا كَلْبُ يَا ابْنَ الْكَلْبِ .. فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ شَرِيفٌ! فَقَالَ: لَعَنَهُ اللهُ وَلَعَنَ مَن شَرَّفَة؟ فَأَجَابَ: لَا تُقْبَل شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ وَلَو كَانَ عَدْلًا، وَلَيْسَ هَذَا الْكَلَامُ

стр. 3338

بِمُجَرَّدِهِ مِن بَابِ السَّبِّ الَّذِي يُقْتَلُ صَاحِبُهُ؛ بَل يُسْتَفْسَرُ عَن قَوْلِهِ: "مَن شَرَّفه". فَإِنْ ثَبَتَ بِتَفْسِيرِهِ أَو بِقَرَائِنَ حَالِيَّةٍ أَو لَفْظِيَّةٍ أَنَّهُ أَرَادَ لَعْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَجَبَ قَتْلُهُ. وَإِن لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ أَو ثَبَتَ بِقَرَائِنَ حَالِيَّةٍ أَو لَفْظِيَّةٍ أَنَّهُ أَرَادَ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُ أَنْ يُرِيدَ لَعْنَ مَن يُعَظِّمُهُ أو يُبَجِّلُهُ أَو لَعْنَ مَن يَعْتَقِدُهُ شَرِيفًا: لَمْ يَكُن ذَلِكَ مُوجِبًا لِلْقَتْلِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. لَا يُظَنُّ بِاَلَّذِي لَيْسَ بِزِنْدِيق أَنَّهُ يَقْصِدُ لَعْنَ النَّبِيِّ ﷺ . فَمَن عُرفَ مِن حَالِهِ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ لَيْسَ بِزِنْدِيق: كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِد النَّبِيَّ ﷺ . وَلَا يَجِبُ قَتْلُ مُسْلِمٍ بِسَبِّ أَحَدٍ مِن الْأَشْرَافِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، إنَّمَا يُقْتَلُ مَن سَبَّ الْأَنْبِيَاءَ. وَلَكِنْ مَن ثَبَتَ عَلَيْهِ أَنَّهُ اعْتَدَى بِقَوْلِهِ أَو فِعْلِهِ عَلَى شَرِيفٍ أَو غَيْرِهِ عُوقِبَ عَلَى عُدْوَانِهِ: إمَّا بِالْقِصَاصِ بِمَا يَكُونُ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ، وَإِمَّا التَّعْزِيزُ بِمَا يَمْنَعُهُ مِن الْعُدْوَانِ، وَإِمَّا بِحَدِّ الْقَذْفِ إنْ كَانَ الْعُدْوَانُ قَذْفًا يُوجِبُ الْحَدَّ. [٣٥/ ١٩٧ - ١٩٨] * * * (حكم من قال: لَو جَاءَنِي محَمَّد بْن عَبْدِ الله في شفاعة فلان ما قبلت ؟) ٥٢٦٦ - وَسُئِلَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: عَن رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَشْتَكِيَ عَلَى رَجُلٍ فَشَفَعَ فِيهِ جَمَاعَةٌ، فَقَالَ: لَو جَاءَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِيهِ مَا قَبِلْت! فَأَجَابَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: إْذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَامُ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَو تَابَ بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْإِمَامِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقَتْلُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ (١).

стр. 3339

وَلَكِنْ إنْ تَابَ قَبْلَ رَفْعِهِ إلَى الْإِمَامِ سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ فِي أَظْهَرِ الْقَوْلَيْنِ، وَإِن عُزِّرَ بَعْدَ التَّوْبَةِ كَانَ سَائِغًا. [٣٥/ ١٩٩] * * * (حكم من لعن التوراة ؟) ٥٢٦٧ - لَيْسَ لِأَحَد أَنْ يَلْعَنَ التَّوْرَاةَ؛ بَل مَن أَطْلَقَ لَعْنَ التَّوْرَاةِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. وَإِن كَانَ مِمَّن يَعْرِفُ أَنَّهَا مَنْزِلَةٌ مِن عِنْدِ اللهِ وَأَنَّهُ جبُ الْإِيمَانُ بِهَا: فَهَذَا يُقْتَلُ بِشَتْمِهِ لَهَا، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا إنْ لَعَنَ دِينَ الْيَهُودِ الَّذِي هُم عَلَيْهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُم مَلْعُونُونَ هُم وَدِينُهُمْ. وَكَذَلِكَ إنْ سَبَّ التَّوْرَاةَ الَّتِي عِنْدَهُم بِمَا يُبَيِّنُ أَنَّ قَصْدَهُ ذِكْرُ تَحْرِيفِهَا؛ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: نُسَخُ هَذِهِ التَّوْرَاةِ مُبَدَّلَةٌ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِمَا فِيهَا، وَمَن عَمِلَ الْيَوْمَ بِشَرَائِعِهَا الْمُبَدَّلَةِ وَالْمَنْسُوخَةِ فَهُوَ كَافِرٌ: فَهَذَا الْكَلَامُ وَنَحْوُهُ حَقٌّ لَا شَيْءَ عَلَى قَائِلِهِ. [٣٥/ ٢٠٠] * * *

стр. 3340

(الْمُرْتَدّ إذَا أَسْلَمَ عَصَمَ بِإِسْلَامِهِ دَمَهُ وَمَالَهُ) ٥٢٦٨ - الْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا أَسْلَمَ عَصَمَ بِإِسْلَامِهِ دَمَهُ وَمَالَهُ، وَإِن لَمْ يَحْكُمْ بِذَلِكَ حَاكِمٌ. وَلَا كَلَامَ لِوَلِيِّ بَيْتِ الْمَالِ فِي مَالِ مَن أَسْلَمَ بَعْدَ رِدَّتِهِ؛ بَل مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد أَيْضًا فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَنَّ مَن شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ بِالرِّدَّةِ فَأنْكَرَ وَتَشَهَّدَ الشَّهَادَتَيْنِ المعتبرتين حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُقِرَّ بِمَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ إذَا لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ عَدْلٌ؟ (١) فَإِنَّهُ مِن هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَفْتَقِرُ الْحُكْمُ بِعِصْمَةِ دَمِهِ وَمَالِهِ إلَى إقْرَارِهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَو قُدِّرَ أَنَّ كُفْرَ الْمُرْتَدِّ كُفْرُ سَبٍّ فَلَيْسَ فِي الْحُكامِ بِمَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مَن يَحْكُمُ بِأَنَّ مَالَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ بَعْدَ إسْلَامِهِ، إنَّمَا يَحْكُمُ مَن يَحْكُمُ بِقَتْلِهِ لِكَوْنِهِ يُقْتَل حَدًّا عِنْدَهُم عَلَى الْمَشْهُورِ. وَمَن قَالَ: يُقْتَلُ لِزَنْدَقَتِهِ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ لَا يُؤْخَذُ بِمِثْل هَذَا الْإِقْرَارِ. وَأَيْضًا: فَمَالُ الزِّنْدِيقِ عِنْدَ أَكْثَرِ مَن قَالَ بِذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ مِن الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا إذَا مَاتُوا وَرِثَهُم الْمُسْلِمُونَ مَعَ الْجَزْمِ بِنِفَاقِهِمْ؛ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَمْثَالِهِ مِمَّن وَرِثَهُم وَرَثَتُهُم الَّذِينَ يَعْلَمُونَ بِنِفَاقِهِمْ، وَلَمْ يَتَوَارَثْ أَحَدٌ مِن الصَّحَابَةِ غَيْرَ مِيرَاثِ مُنَافِقٍ. وَالْمُنَافِقُ هُوَ الزِّنْدِيقُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ. وَأَيْضًا: فَحُكْمُ الْحَاكِمِ إذَا نُفِّذَ فِي دَمِهِ الَّذِي قَد يَكُونُ فِيهِ نِزَاعٌ نُفِّذَ فِي مَالِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ إذ لَيْسَ فِي الْأُمَّةِ مَن يَقُولُ: يُؤْخَذُ مَالُهُ وَلَا يُبَاحُ دَمُهُ، فَلَو قِيلَ بِهَذَا كَانَ خِلَافَ الْإِجْمَاعِ. [٣٥/ ٢٠٥ - ٢٠٦]

стр. 3341

بعض شمائل وأخلاق ابن تيمية (من أخلاق ابن تيمية) ٥٢٦٩ - قال (١): الدرجة الثانية: أن تقرب من يقصيك وتكرم من يؤذيك، وتعتذر إلى من يجني عليك سماحة لا كظمًا، ومودة لا مصابرة إلى أن قال: ومن أراد فهم هذه الدرجة كما ينبغي فلينظر إلى سيرة النبي ﷺ مع الناس يجدها هذه بعينها، ولم يكن كمال هذه الدرجة لأحد سواه ثم للورثة منها بحسب سهامهم من التركة. وما رأيت أحدًا قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه- وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه. وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم. وجئت يومًا مبشرًا له بموت أكبر أعدائه وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا الكلام فسروا به، ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه. فرحمه الله ورضي عنه (٢). [المستدرك ١/ ١٢١] * * *

стр. 3342

(حبُّ ابن تيمية لآل محمد) ٥٢٧٠ - قدَّس الله روح القائل وهو شيخ الإسلام إذ يقول: إن كان نصبًا حب آل محمد … فليشهد الثقلان أني ناصبي [المستدرك ١/ ١٢٠] * * * (شيخ الإسلام يستقل علمه وعمله، وظهور ذله وانكساره وافتقاره واعتماده على ربه) ٥٢٧١ - قال ابن القيم: وبَعَثَ إِلَيَّ ﵀ فِي آخِرِ عُمُرِهِ قَاعِدَةً فِي التَّفْسِيرِ بِخَطِّهِ، وَعَلَى ظَهْرِهَا أَبْيَاتٌ بِخَطِّهِ مِن نَظْمِهِ: أَنَا الْفَقِيرُ إِلَى رَبِّ الْبَرِيَّاتِ … أَنَا الْمُسَيْكِينُ فِي مَجْمُوعِ حَالَاتِي أنَا الظَّلُوم لِنَفْسِي وَهِيَ ظَالِمَتِي … وَالْخَيْرُ إِنْ يَأْتِنَا مِن عِنْدِهِ يَأْتِي لَا أَسْتَطِيعُ لِنَفْسِي جَلْبَ مَنْفَعَةٍ … وَلَا عَنِ النَّفْسِ لِي دَفْعُ الْمَضَرَّاتِ وَلَيْسَ لِي دُونَهُ مَوْلًى يُدَبِّرُنِي … وَلَا شَفِيعٌ إِذَا حَاطَتْ خَطِيئَاتِي إِلَّا بِإِذْنٍ مِنَ الرَّحْمَنِ خَالِقِنَا … إِلَى الشَّفِيعِ كَمَا قَد جَاءَ فِي الْآيَاتِ وَلَسْتُ أَمْلِكُ شَيْئًا دُونَهُ أَبَدًا … وَلَا شَرِيكٌ أَنَا فِي بَعْضِ ذَرَّاتِ وَلَا ظُهَيْرٌ لَهُ كَيْ يَسْتَعِينَ بِهِ … كَمَا يَكُونُ لِأَرْبَابِ الْوِلَايَاتِ وَالْفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتِ لَازِمٍ أَبَدًا … كَمَا الْغِنَى أَبَدًا وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي وَهَذِهِ الْحَالُ حَالُ الْخَلْقِ أَجْمَعِهِمْ … وَكُلُّهُم عِنْدَهُ عَبْدٌ لَهُ آتِي فَمَن بَغَى مَطْلَبًا مِن غَيْرِ خَالِقِهِ … فَهوَ الْجَهُولُ الظَّلُومُ الْمُشْرِكُ الْعَاتِي وَالْحَمْدُ للهِ مِلْءَ الْكَوْنِ أَجْمَعِهِ … مَا كَانَ مِنْهُ وَمَا مِن بَعْدُ قَد يَاتِي [المستدرك ١/ ١٤٤]

стр. 3343

(الفرح بالله، ودخول جنته في الدنيا، جنة ابن تيمية وطيب حياته) ٥٢٧٢ - قال ابن القيم ﵀: ورأيت شيخ الإسلام -قدَّس الله روحه- في المنام وكأني ذكرت له شيئا من أعمال القلوب. وأخذت في تعظيمه ومنفعته - لا أذكره الآن- فقال: أما أنا فطريقتي: الفرح بالله والسرور به أو نحو هذا من العبارة. وهكذا كانت حاله في الحياة يبدو ذلك على ظاهره، وينادي به عليه حاله. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة. وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت لهم ملء هذه القلعة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: ما جزيتهم على ما تسبَّبوا لي فيه من الخير ونحو هذا. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: "اللَّهُمَّ أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" ما شاء الله. وقال لي مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه. ولما أدخل إلى القلعة وصار داخل السور نظر إليه وقال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾ [الحديد: ١٣]. وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط مع ما كان فيه من ضيق

стр. 3344

العيش وخلاف الرفاهية والنعيم؛ بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرَّهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه: فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا، وقوة ويقينًا وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها. قال ابن القيم ﵀: وحدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ﵀ قال: كان في بداية أمره يخرج أحيانًا إلى الصحراء يخلو عن الناس لقوة ما يرد عليه، فتبعته يومًا فلما أصحر تنفس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر، وهو لمجنون ليلى في قصيدته الطويلة: وأخرج من بين البيوت لعلني … أحدث عنك النفس بالسر خاليًا وزاد مرعي بن يوسف الكرمي: وكان يتمثل كثيرًا: عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى … وصوت إنسان فكدت أطير [المستدرك ١/ ١٥٣ - ١٥٥] * * * (قراءة هذه الآية على الدابة إذا استعصت، وقوة ابن تيمية) ٥٢٧٣ - قال يونس بن عبيد: ليس رجل يكون على دابة صعبة فيقول في أذنها: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران: ٨٣] إلا وقفت بإذن الله. قال شيخنا - قدس الله روحه-: وقد فعلنا ذلك فكان كذلك. [المستدرك ١/ ١٥٨] قال ابن القيم: ﵀: الحادية والستون (١) أنَّ الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه.

стр. 3345

وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في مشيته وكلامه وإقدامه وكتابته أمرًا عجيبًا، فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة أو أكثر. وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمرًا عظيمًا، إلى أن قال: وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر ثم جلس يذكر الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إليَّ وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد هذا الغداء لسقطت قوتي، أو كلامًا قريبًا من هذا. وقال لي مرة: لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر. أو كلامًا هذا معناه. [المستدرك ١/ ١٥٨ - ١٥٩] * * * (لا بد في الدنيا من كدر) وكان الشيخ تقي الدين يتمثل كثيرًا بهذين البيتين: بينا يُرى الإنسان فيها مخبرًا … حتى يُرى خبرًا من الأخبار طبعت على كدر وأنت تريدها … صفوًا من الأقذار والأكدار [المستدرك ١/ ١٦٣] * * *

стр. 3346

كلام شيخ الإسلام في العلماء ومناهجهم وبعض أخطائهم (كلامه على بعض العلماء والكتب) ٥٢٧٤ - قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيِّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْكَامِلِ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ -وَلَمْ يُصَنَّفْ فِي فَنهِ مِثْلُهُ-. [١/ ٢٧١] (تناقض ابْنِ الْجَوْزِيِّ في باب الأسماء والصفات): ٥٢٧٥ - إنَّ أَبَا الْفَرَجِ ابْنَ الْجَوْزِيِّ نَفْسَهُ مُتَنَاقِضٌ فِي هَذَا الْبَابِ [أي: باب الأسماء والصفات]: لَمْ يَثْبُتْ عَلَى قَدَمِ النَّفْيِ وَلَا عَلَى قَدَمِ الْإِثْبَاتِ؛ بَل لَهُ مِن الْكَلَامِ فِي الْإِثْبَاتِ نَظْمًا وَنَثْرًا مَا أَثْبَتَ بِهِ كَثِيرًا مِن الصِّفَاتِ الَّتِي أَنْكرَهَا فِي هَذَا الْمُصَنَّفِ. فَهُوَ فِي هَذَا الْبَابِ مِثْلُ كَثِيرٍ مِن الْخَائِضِينَ فِي هَذَا الْبَابِ مِن أَنْوَاعِ النَّاسِ، يُثْبِتُونَ تَارَةً وَيَنْفُونَ أُخْرَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِن الصِّفَاتِ؛ كَمَا هُوَ حَالُ أَبِي الْوَفَاءِ بْنِ عَقِيلٍ وَأَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ. [٤/ ١٦٩] (مُقارنةٌ بين ابن حزم والأشعري): ٥٢٧٦ - أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ حَزْمٍ فِيمَا صَنَّفَهُ مِن الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ إنَّمَا يُسْتَحْمَدُ بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ؛ مِثْل مَا ذَكَرَهُ فِي مَسَائِلِ الْقَدَرِ وَالْإِرْجَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا انْفَرَدَ بِهِ مِن قَوْلِهِ فِي التَّفْضِيلِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ. وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الصِّفَاتِ، فَإِنَّهُ يُسْتَحْمَدُ فِيهِ بِمُوَافَقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ

стр. 3347

وَالْحَدِيثِ؛ لِكَوْنِهِ يُثْبِتُ (١) فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. وَيُعَظِّمُ السَّلَفَ وَأَئِمَّةَ الْحَدِيثِ، وَيَقُولُ إنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْإِمَامِ أَحْمَد فِي مَسْأْلَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهَا، وَلَا ريبَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُ وَلَهُم فِي بَعْضِ ذَلِكَ. لَكِنَّ الْأَشْعَرِيَّ وَنَحْوَهُ أَعْظَمُ مُوَافَقَة لِلْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَمَن قَبْلَهُ مِن الْأَئِمَّةِ فِي الْقُرْآنِ وَالصِّفَاتِ، وَإِن كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ حَزْم فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَالْقَدَرِ أَقْوَمَ مِن غَيْرِهِ، وَأَعْلَمَ بِالْحَدِيثِ، وَأَكْثَرَ تَعْظِيمًا لهُ وَلِأَهْلِهِ مَن غَيْرِهِ. لَكِنْ قَد خَالَطَ مِن أَقْوَالِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِي مَسَائِلِ الصِّفَاتِ مَا صَرَفَهُ عَن مُوَافَقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي مَعَانِي مَذْهَبِهِم فِي ذَلِكَ، فَوَافَقَ هَؤُلَاءِ فِي اللَّفْظِ وَهَؤُلَاءِ فِي الْمَعْنَى. وَبِمِثْل هَذَا صَارَ يَذُمُّهُ مَن يَذُمُّهُ مِن الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِين وَعُلَمَاءِ الْحَدِيثِ بِاتِّبَاعِهِ لِظَاهِر لَا بَاطِنَ لَهُ، كَمَا نَفَى الْمَعَانِيَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالِاشْتِقَاقِ، وَكَمَا نَفَى خَرْقَ الْعَادَاتِ وَنَحْوَهُ مِن عِبَادَاتِ الْقُلُوبِ. مَضْمُومًا إلَى مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ: أ- الْوَقِيعَةِ فِي الْأَكَابِرِ. ب- وَالْإِسْرَافِ فِي نَفْيِ الْمَعَانِي. ج- وَدَعْوَى مُتَابَعَةِ الظَّوَاهِرِ. وَإِن كَانَ لَهُ مِن الْإِيمَانِ وَالدِّينِ وَالْعُلُومِ الْوَاسِعَةِ الْكَثِيرَةِ مَا لَا يَدْفَعُهُ إلَّا مُكَابِرٌ، وَيُوجَدُ فِي كُتُبِهِ مِن كَثْرَةِ الِاطِّلَاع عَلَى الْأَقْوَالِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْأَحْوَالِ، وَالتَّعْظِيمِ لِدَعَائِمِ الْإِسْلَامِ وَلجَانِبِ الرِّسَالَةِ مَا لَا يَجْتَمِعُ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِ. فَالْمَسْألَةُ الَّتِي يَكونُ فِيهَا حَدِيث يَكُونُ جَانِبُهُ فِيهَا ظَاهِرَ التَّرْجِيحِ، وَلَهُ مِن

стр. 3348

التَّمْيِيزِ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَعْرِفَةِ بِأَقْوَالِ السَّلَفِ مَا لَا يَكَادُ يَقَعُ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِ مِن الْفُقَهَاءِ. [٤/ ١٨ - ٢٠] (مقارنة بين ابن حزم والجويني): ٥٢٧٧ - لِطَرِيقَةِ أَبِي الْمَعَالِي كَانَ أَبو مُحَمَّدٍ يَتْبَعُهُ فِي فِقْهِهِ وَكَلَامِهِ، لَكِنْ أَبُو مُحَمَّدٍ كَانَ أَعْلَمَ بِالْحَدِيثِ وَأَتْبَعَ لَهُ مِن أَبِي الْمَعَالِي وَبِمَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ. وَأَبُو الْمَعَالِي أَكْثَرُ اتِّبَاعًا لِلْكَلَامِ، وَهُمَا فِي الْعَرَبِيَّةِ مُتَقَارِبَانِ. [٤/ ٨٨] (مقارنة بين ابْنِ عَبَّاسٍ وأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ -) ٥٢٧٨ - هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄، حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ، مِقْدَارُ مَا سَمِعَهُ مِن النَّبِيِّ ﷺ لَا يَبْلُغُ نَحْو الْعِشْرِينَ حَدِيثًا الَّذِي يَقُولُ فِيهِ: "سَمِعْت وَرَأَيْت". وَسَمِعَ الْكَثِيرَ مِن الصَّحَابَةِ، وَبُورِكَ لَهُ فِي فَهْمِهِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُ، حَتَّى مَلَأَ الدُّنْيَا عِلْمًا وَفِقْهًا. قَالَ أَبو مُحَمَّدٍ بْنُ حَزْمٍ: "وَجُمِعَتْ فَتْوَاهُ فِي سَبْعَةِ أَسْفَارٍ كِبَارٍ". وَهِيَ بِحَسَبِ مَا بَلَغَ جَامِعُهَا، وَإِلَّا فَعِلْمُ ابْنِ عَبَّاسٍ كَالْبَحْرِ، وَفِقْهُهُ وَاسْتِنْبَاطُهُ وَفَهْمُهُ فِي الْقُرْآنِ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي فَاقَ بِهِ النَّاسَ، وَقَد سَمِعُوا مَا سَمِعَ، وَحَفِظُوا الْقُرْآنَ كَمَا حَفِظَهُ، وَلَكِنَّ أَرْضَهُ كَانَت مَن أَطْيَبِ الْأَرَاضي، وَأَقْبَلِهَا لِلزَّرْعِ، فَبَذَرَ فِيهَا النُّصُوصَ، فَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١]. وَأَيْنَ تَقَعُ فَتَاوَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَفْسِيرُهُ وَاسْتِنْبَاطُهُ مِن فَتَاوَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَفْسِيرِهِ؟ وَأَئو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مِنْهُ؛ بَل هُوَ حَافِظُ الْأُمَّةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، يُؤَدِّي الْحَدِيثَ كَمَا سَمِعَهُ، وَيَدْرُسُهُ بِاللَّيْلِ دَرْسًا، فَكَانَت هِمَّتُهُ مَصْرُوفَةً إلَى الْحِفْظِ وَتَبْلِيغِ مَا حَفِظَهُ كَمَا سَمِعَهُ. وَهِمَّةُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَصْرُوفَةٌ إلَى التَّفَقُّهِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، وَتَفْجِيرِ النُّصُوصِ، وَشَقِّ الْأَنْهَارِ مِنْهَا، وَاسْتِخْرَاجِ كُنُوزِهَا.

стр. 3349

وَهَكَذَا وَرَثَتُهُم مِن بَعْدِهِمْ: اعْتَمَدُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى اسْتِنْبَاطِ النُّصُوصِ، لَا عَلَى خَيَالٍ فَلْسَفِيٍّ، وَلَا رَأيٍ قِيَاسِيٍّ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْآرَاءِ الْمُبْتَدَعَاتِ. لَا جَرَمَ كَانَت الدَّائِرَةُ وَالثَّنَاءُ الصِّدْقُ وَالْجَزَاءُ الْعَاجِلُ وَالْآجِلُ لِوَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ التَّابِعِينَ لَهُم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَإِنَّ الْمَرْءَ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. [٤/ ٩٣ - ٩٤] * * * ٥٢٧٩ - إِنَّ الخرقي نَسَجَ عَلَى مِنْوَالِ الْمُزَني، والمزني نَسَجَ عَلَى مِنْوَالِ مُخْتَصَرِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَإِن كَانَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ التَّبْوِيبِ وَالتَّرْتِيبِ. [٤/ ٤٥٠ - ٤٥١] ٥٢٨٠ - فقد تبيَّن أن من ظن التوكل من مقامات عامة أهل الطريق، فقد غلط غلطًا شديدًا، وإن كان من أعيان المشايخ كصاحب علل المقامات وهو من أجل المشايخ، وأخذ ذلك عنه صاحب محاسن المجالس وظهر ضعف حجة من قال ذلك. [١٠/ ٣٥] ٥٢٨١ - صارَ أَصْحَابُ الْخَلَوَاتِ فِيهِمْ مَن يَتَمَسَّكُ بِجِنْسِ الْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ: الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ. وَأَكْثَرُهُم يَخْرُجُونَ إلَى أَجْنَاسٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ، فَمِن ذَلِكَ طَرِيقَةُ أَبِي حَامِدٍ وَمَن تَبِعَهُ وَهَؤُلَاءِ يَأْمُرُونَ صَاحِبَ الْخَلْوَةِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْفَرْضِ لَا قِرَاءَةً وَلَا نَظَرًا فِي حَدِيثٍ نَبَوِيٍّ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ؛ بَل قَد يَأْمُرُونَهُ بِالذِّكْرِ، ثُمَّ قَد يَقُولُونَ مَا يَقُولُهُ أَبُو حَامِدٍ: ذِكْرُ الْعَامَّةِ: "لَا إلهَ إلَّا اللهُ"، وَذِكْرُ الْخَاصَّةِ: "الله الله"، وَذِكْرُ خَاصَّةِ الْخَاصَّةِ: "هُوَ" "هُوَ". وَالذِّكْرُ بِالِاسْمِ الْمُفْرَدِ مُظْهَرًا وَمُضْمَرًا بِدْعَةٌ فِي الشَّرْعِ وَخَطَأٌ فِي الْقَوْلِ وَاللُّغَةِ فَإِنَّ الِاسْمَ الْمُجَرَّدَ لَيْسَ هُوَ كَلَامًا لَا إيمَانًا وَلَا كُفْرًا. وَأَبُو حَامِدٍ يُبَالِغُ فِي مَدْحِ الزُّهْدِ وَهَذَا مِن بَقَايَا الْفَلْسَفَةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُتَفَلْسِفَةَ كَابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ يَزْعُمُونَ أَنَّ كُلَّ مَا يَحْصُلُ فِي الْقلُوبِ مِن الْعِلْمِ

стр. 3350

لِلْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّمَا هُوَ مِن الْعَقْلِ الْفَعَّالِ؛ وَلهَذَا يَقُولُونَ: النُّبُوَّةُ مُكْتَسَبَة فَإِذَا تَفَرَّغَ صَفَا قَلْبُهُ -عِنْدَهُم- وَفَاضَ عَلَى قَلْبِهِ مِن جِنْسِ مَا فَاضَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ. وَعِنْدَهُم أَنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ﷺ كُلِّمَ مِن سَمَاءِ عَقْلِهِ؛ لَمْ يَسْمَعْ الْكَلَامَ مِن خَارِجٍ، فَلِهَذَا يَقُولُونَ: إنَّهُ يَحْصُلُ لَهُم مِثْلُ مَا حَصَلَ لِمُوسَى وَأَعْظَمُ مِمَّا حَصَلَ لِمُوسَى. وأَبُو حَامِدٍ يَقُولُ: إنَّهُ سَمِعَ الْخِطَابَ كَمَا سَمِعَهُ مُوسَى ﵇، وَإِن لَمْ يَقْصِدْ هُوَ بِالْخِطَابِ، وَهَذَا كُلُّهُ لِنَقْصِ إيمَانِهِمْ بِالرُّسُلِ، وَأَنَّهُم آمَنُوا بِبَعْضِ مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُلُ وَكَفَرُوا بِبَعْضِ، وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ بَاطِلٌ. [١٠/ ٣٩٦ - ٣٩٨] ٥٢٨٢ - الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ (١) وَنَحْوُهُ مِن أَعْظَمِ مَشَايِخِ زَمَانِهِمْ أمْرًا بِالْتِزَامِ الشَّرْعِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الذَّوْقِ وَالْقَدَرِ، وَمِن أَعْظَمِ الْمَشَايِخِ أَمْرًا بِتَرْكِ الْهَوَى وَالْإِرَادَةِ النَّفْسِيَّةِ. [١٠/ ٤٨٨] ٥٢٨٣ - إنَّك تَجِدُ كَثِيرًا مِن الشُّيُوخِ إنَّمَا يَنْتَهِي إلَى ذَلِكَ الْجَمْعِ وَهُوَ "تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ" وَالْفِنَاءُ فِيهِ، كَمَا فِي كَلَامِ صَاحِبِ "مَنَازِلِ السَّائِرِينَ" مَعَ جَلَالَةِ قَدْرِهِ مَعَ أَنَّهُ قَطْعًا كَانَ قَائِمًا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الْمَعْرُوفَيْنِ لَكِنْ قَد يَدَّعُونَ أَنَّ هَذَا لِأَجْلِ الْعَامَّةِ (٢). [١٠/ ٤٩٨] ٥٢٨٤ - كِتَابُ قُوتِ الْقُلُوبِ، وكِتَابُ الْإِحْيَاءِ تَبَعٌ لَهُ فِيمَا يَذْكُرُهُ مِن أَعْمَالِ الْقُلُوبِ: مِثْل الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ وَالْحُبِّ وَالتَّوَكُّلِ وَالتَّوْحِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَبُو طَالِبٍ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ وَكَلَامِ أَهْلِ عُلُومِ الْقُلُوبِ مِن الصُّوفِيَّةِ

стр. 3351

وَغَيْرِهِمْ مِن أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ، وَكَلَامُهُ أَسَدُّ وَأَجْوَدُ تَحْقِيقًا وَأَبْعَدُ عَن الْبِدْعَةِ، مَعَ أَنَّ فِي "قُوتِ الْقُلُوبِ" أَحَادِيثَ ضَعِيفَةً وَمَوْضُوعَةً وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةً مَرْدُودَةً. وَأَمَّا مَا فِي (الْإِحْيَاءِ) مِن الْكَلَامِ فِي "الْمُهْلِكَاتِ" مِثْلُ الْكَلَامِ عَلَى الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالرِّيَاءِ وَالْحَسَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَغَالِبُهُ مَنْقُولٌ مِن كَلَامِ الْحَارِثِ الْمُحَاسَبِيِّ فِي الرِّعَايَةِ، وَمِثْهُ مَا هُوَ مَقْبُولٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مَرْدُودٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُتَنَازَعٌ فِيهِ. و"الْإِحْيَاءُ" فِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ؛ لَكِنْ فِيهِ مَوَادُّ مَذْمُومَةٌ، فَإِنَّهُ فِيهِ مَوَادُّ فَاسِدَة مِن كَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ تَتَعَلَّقُ بِالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْمَعَادِ، فَإِذَا ذَكَرَ مَعَارِفَ الصُّوفِيَّةِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَن أَخَذَ عَدُوًّا لِلْمُسْلِمِينَ أَلْبَسَهُ ثِيَابَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَد أَنْكَرَ أَئِمَّةُ الدِّينِ عَلَى "أَبِي حَامِدٍ" هَذَا فِي كُتُبِهِ، وَقَالُوا: مَرَّضَهُ "الشِّفَاءُ"؛ يَعْنِي: شِفَاءَ ابْنِ سِينَا فِي الْفَلْسَفَةِ. وَفِيهِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ ضعِيفَةٌ؛ بَل مَوْضُوعَةٌ كَثِيرَةٌ. وَفِيهِ أَشْيَاءُ مِن أَغَالِيطِ الصُّوفِيَّةِ وَتُرَّهَاتِهِمْ. وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ مِن كَلَامِ الْمَشَايِخِ الصُّوفِيَّةِ الْعَارِفِينَ الْمُسْتَقِيمِينَ فِي أَعْمَالِ الْقُلُوبِ الْمُوَافِقِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمِن غَيْرِ ذَلِكَ مِن الْعِبَادَاتِ وَالْأَدَبِ مَا هُوَ مُوَافِقٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِمَّا يَرِدُ مِنْهُ فَلِهَذَا اخْتَلَفَ فِيهِ اجْتِهَادُ النَّاسِ وَتَنَازَعُوا فِيهِ. [١٠/ ٥٥١ - ٥٥٢] ٥٢٨٥ - الِاسْمُ الْمُفْرَدُ "مُظْهَرًا مِثْل: "اللهُ" "اللهُ". أَو "مُضْمَرًا" مِثْل: "هُوَ" "هُوَ": لَيْسَ بِمَشْرُوع فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا هُوَ مَأْثُورٌ أَيْضًا عَن أَحَدٍ مِن سَلَفِ الْأُمَّةِ وَلَا عَن أَعْيَانِ الْأُمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ، وَإِنَّمَا لَهِجَ بِهِ قَوْمٌ مِن ضُلَّالِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَرُبَّمَا اتَّبَعُوا فِيهِ حَالَ شَيْخٍ مَغْلُوبٍ فِيهِ مِثْلَمَا يُرْوَى عَن الشِّبْلِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اللهُ اللهُ"، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَا تَقُولُ لَا إلهَ إلَّا اللهُ؟ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ أَمُوتَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ. وَهَذِهِ مِن زَلَّاتِ الشِّبْلِيِّ الَّتِي تُغْفَرُ لَهُ لِصِدْقِ إيمَانِهِ وَقُوَّةِ وَجْدِهِ وَغَلَبَةِ

стр. 3352

الْحَالِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ رُبَّمَا يُجَنُّ وَيُذْهَبُ بِهِ إلَى الْمَارَسْتَانِ وَيَحْلِقُ لِحْيَتَهُ، وَلَهُ أَشْيَاءُ مِن هَذَا النَّمَطِ الَّتِي لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهَا، وَإِن كَانَ مَعْذُورًا أَو مَأْجُورًا (١). [١٠/ ٥٥٦ - ٥٥٧] ٥٢٨٦ - وَسُئِلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ﵀: عَمَّا ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ القشيري فِي بَابِ الرضا عَن الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: الرضا أَلَّا يَسْأَلَ اللهَ الْجَنَّةَ وَلَا يَسْتَعِيذَ مِن النَّارِ، فَهَل هَذَا الْكَلَامُ صَحِيحٌ؟ فَأَجَابَ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِن وَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: مِن جِهَةِ ثُبُوتِهِ عَن الشَّيْخِ. وَالثَّانِي مِن جِهَةِ صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ وَفَسَادِهِ. أَمَّا "الْمَقَامُ الْأَوَّلُ" فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأُسْتَاذَ أَبَا الْقَاسِمِ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا عَن الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ بِإِسْنَادٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُرْسَلًا عَنْهُ. وَمَا يَذْكُرُهُ أَبُو الْقَاسِمِ فِي رِسَالَتِهِ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْمَشَايِخِ وَغَيْرِهِمْ تَارَةً يَذْكُرُهُ بِإِسْنَادٍ وَتَارَةً يَذْكُرُهُ مُرْسَلًا -وَكَثِيرًا مَا يَقُولُ: وَقِيلَ كَذَا-. ثُمَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ بِإِسْنَادٍ تَارَةً يَكُونُ إسْنَادُهُ صَحِيحًا وَتَارَةً يَكُونُ ضعِيفًا، بَل مَوْضُوعًا، وَمَا يَذْكُرُهُ مُرْسَلًا وَمَحْذُوف الْقَائِلِ أَوْلَى، وَهَذَا كَمَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي مُصَنَّفَاتِ الْفُقَهَاءِ. فَإِنَّهُ قَد ذَكَرَ آثَارًا حَسَنَةً بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ؛ مِثْلُ مَا رَوَاهُ عَن الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ الداراني أَنَّهُ قَالَ: "إذَا سَلَا الْعَبْدُ عَن الشَّهَوَاتِ فَهُوَ رَاضٍ". وَذكَرَ عَن الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت النَّصْرَ آبَادِي يَقُولُ: "مَن أَرَادَ أَنْ يَبْلُغَ مَحَلَّ الرضا فَلْيَلْزَمَ مَا جَعَلَ اللهُ رِضَاهُ فِيهِ" فَإِنَّ هَذَا الْكَلَامَ فِي

стр. 3353

غَايَةِ الْحُسْنِ (١). وَالْكُتُبُ الْمُسْنَدَةُ فِي أَخْبَارِ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ وَكَلَامِهِمْ مِثْل كِتَابِ حِلْيَةِ الْأَوْليَاءِ لِأَبِي نُعَيْمٍ وَ"طَبَقَاتِ الصُّوفِيَّةِ" لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَصَفْوَةِ الصَّفْوَةِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَن الشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَانَ، أَلَا تَرَى الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ مُسْنَدًا حَيْثُ قَالَ: قَالَ لِأحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيِّ: يَا أَحْمَد لَقَد أُوتيت مِن الرضا نَصِيبًا لَو أَلْقَانِي فِي النَّارِ لَكُنْت بِذَلِكَ رَاضِيًا، فَهَذَا الْكَلَامُ مَأْثُورٌ عَن أَبِي سُلَيْمَانَ بِالْإِسْنَادِ. وَيُشْبِهُ -وَاللهُ أَعْلَم- أَنَّ أَبَا سُلَيْمَانَ لَمَّا قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ: -لَو أَلْقَانِي فِي النَّارِ لَكُنْت بِذَلِكَ رَاضِيًا- أَنْ يَكُونَ بَعْضُ النَّاسِ حَكَاهُ بِمَا فَهِمَهُ مِن الْمَعْنَى أَنَّهُ قَالَ: الرضا أَنْ لَا تَسْأَلَ اللهَ الْجَنَّةَ وَلَا تَسْتَعِيذَهُ مِن النَّارِ. وَتِلْكَ الْكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا أَبُو سُلَيْمَانَ مَعَ أَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ تَدُلُّ عَلَى عَزْمِهِ بِالرضا بِذَلِكَ، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْعَزْمَ لَا يَسْتَمِرُّ بَل يَنْفَسِخُ، وَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَانَ تَرْكُهَا أَحْسَنَ مِن قَوْلِهَا؛ وَأَنَّهَا مُسْتَدْرَكَةٌ (٢). [١٠/ ٦٧٨ - ٦٩٣] ٥٢٨٧ - كَانَ الْجُنَيْد ﵁ سَيِّدَ الطَّانِفَةِ وَمِن أَحْسَنِهِمْ تَعْلِيمًا وَتَأْدِيبًا وَتَقْوِيمًا (٣). [١٠/ ٦٨٦] ٥٢٨٨ - الرَّازِي مِن أَعْظَمِ النَّاسِ طَعْنًا فِي الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، حَتَّى ابْتَدَعَ قَوْلًا مَا عُرِفَ بِهِ قَائِلٌ مَشْهُور غَيْرَهُ، وَهُوَ أَنَّهَا لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ! [١٣/ ١٤١]

стр. 3354

٥٢٨٩ - صَنَّفَ الرَّازِي كِتَابًا فِي عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَالْأَصْنَامِ وَعَمَلِ السِّحْرِ سَمَّاهُ "السِّرُّ الْمَكْتُومُ فِي السِّحْرِ وَمُخَاطَبَةِ النُّجُومِ" وَيُقَالُ: إنَّهُ صَنَّفَهُ لِأُمِّ السُّلْطَانِ عَلَاءِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ لَكْشِ بْنِ جَلَالِ الدِّينِ خَوَارِزْم شاه، وَكَانَ مِن أَعْظَمِ مُلُوكِ الْأَرْضِ، وَكَانَ للرازي بِهِ اتِّصَالٌ قَوِيٌّ، حَتَّى أَنَّهُ وَصَّى إلَيْهِ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَصَنَّفَ لَهُ كِتَابًا سَمَّاهُ "الرِّسَالَة الْعَلَائِيَّة فِي الِاخْتِيَارَاتِ السَّمَاوَّيةِ"، وَهَذِهِ الِاخْتِيَارَاتُ لِأهْلِ الضَّلَالِ بَدَلُ الِاسْتِخَارَةِ الَّتِي عَلَّمَهَا النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْلِمِينَ. وَذَكَرَ فِيهِ الِاخْتِيَارَ لِشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرَ فِي "السِّرّ الْمَكْتُوم" فِي عِبَادَةِ الْكَوَاكِبِ وَدَعْوَتِهَا مَعَ السُّجُودِ لَهَا وَالشِّرْكِ بِهَا وَدُعَائِهَا، مِثْل مَا يَدْعُو الْمُوَحِّدُونَ رَبَّهُم بَل أَعْظَمَ، وَالتَّقَرُّبِ إلَيْهَا بِمَا يُظَنُّ أَنَّهُ مُنَاسِبٌ لَهَا مِن الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إلَى الزُّهْرَةِ بِفِعْلِ الْفَوَاحِشِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْغِنَاءِ وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ. [١٣/ ١٨١] ٥٢٩٠ - صَاحِبُ "مَنَازِلِ السَّائِرِينَ" يَذْكُرُ فِي كُلِّ بَابِ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ؛ فَالْأُولَى: وَهِيَ أَهْوَنُهَا عِنْدَهُم تُوَافِقُ الشَّرْعَ فِي الظَّاهِرِ، وَالثَّانِيَةُ: قَد تُوَافِقُ الشَّرْعَ وَقَد لَا تُوَافِقُ، وَالثَّالِثَةُ فِي الْأَغْلَبِ: تُخَالِفُ، لَا سِيَّمَا فِي التَّوْحِيدِ، والْفَنَاءِ، والرَّجَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَذَا الَّذِي ابْتَدَعُوهُ هُوَ أَعْظَمُ عِنْدَهُم مِمَّا وَافَقوا فِيهِ الرُّسُلَ. [١٣/ ٢٢٩] ٥٢٩١ - جَمَعَ أَبُو الْفَضْلِ الْفَلَكِيُّ كِتَابًا مِن كَلَامِ أَبِي يَزِيدَ البسطامي سَمَّاهُ "النُّور مِن كَلَامِ طيفور" فِيهِ شَيْءٌ كَثِيرٌ لَا ريبَ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى أَبِي يَزِيدَ البسطامي، وَفِيهِ أَشْيَاءُ مِن غَلَطِ أَبِي يَزِيدَ -رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ-، وَفِيهِ أَشْيَاءُ حَسَنَةٌ مِن كَلَامِ أَبِي يَزِيدَ، وَكُلُّ أَحَدٍ مِن النَّاسِ يُؤْخَذُ مِن قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا رَسُولَ اللهِ ﷺ . [١٣/ ٢٥٧] ٥٢٩٢ - مُجَاهِدٌ إمَامُ التَّفْسِيرِ، قَالَ الثَّوْرِيُّ: إذَا جَاءَك التَّفْسِيرُ عَن مُجَاهِدٍ فَحَسْبُك بِهِ. [١٣/ ٢٨٥] ٥٢٩٣ - أَبُو حَامِدٍ يَجْعَلُ الْحِجَاجَ صَنْعَةَ الْكَلَامِ وَيَجْعَلُ عِمَارَةَ الطَّرِيقِ عِلْمَ الْفِقْهِ، وَيَجْعَلُ أَخْبَارَ الْأنْبِيَاءِ عِلْمَ الْقَصَصِ وَيَقُولُ: إنَّ الْكَلَامَ وَالْجَدَلَ لَيْسَ فِيهِ

стр. 3355

بَيَانُ حَقٍّ بِدَلِيل؛ بَل إنَّمَا فِيهِ دَفْعُ الْبِدَعِ بِبَيَانِ تَنَاقُضِهَا، وَيَجْعَلُ أَهْلَهُ مِن جِنْسِ خُفَرَاءِ الْحَجِيجِ، وَيَجْعَلُ عِلْمَ الْفِقْهِ لَيْسَ غَايَتُهُ إلَّا مَصْلَحَةَ الدُّنْيَا، وَهَذَا مِمَّا نَازَعَهُ فِيهِ أَكْثَرُ النَّاسِ وَتَكَلَّمُوا فِيهِ بِكَلَامِ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهُ، كَمَا تَكَلَّمُوا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْكِتَاب (جَوَاهِرِ الْقُرْآنِ) وَغَيْوِهِ مِن كُتُبِهِ مِن مَعَانِي الْفَلْسَفَةِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ هُوَ بَاطِنَ الْقُرْآَنِ، وَكَلَامُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَدِّ هَذَا أَكْثَرُ مِن كَلَامِهِمْ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا فِيهِ مِمَّا يُنَاقِضُ مَقْصُودَ الرَّسُولِ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ، كَمَا تَكَلَّمُوا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي النَّبُوَّةِ بِمَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْفَلَاسِفَةِ فِيهَا. وَأَمَّا جَعْلُ عِلْمِ الْفِقْهِ خَارِجًا عَن الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَجَعْلُ عِلْمِ الْأَدِلَّةِ وَالْحِجَجِ خَارِجًا عَن الْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَهَذَا مَرْدُودٌ عِنْدَ جَمَاهِيرَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. [١٧/ ١٢١] ٥٢٩٤ - ابْنُ قُتَيْبَةَ هُوَ مِن الْمُنْتَسِبِينَ إلَى أَحْمَد وَإِسْحَاقَ، وَالْمُنْتَصِرِينَ لِمَذَاهِبِ السُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ. قَالَ فِيهِ صَاحِبُ كِتَابِ "التَّحْدِيثِ بِمَنَاقِبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ": وَهُوَ أَحَدُ أَعْلَامِ الْأَئِمَّةِ، وَالْعُلَمَاءِ وَالْفُضَلَاءِ، أَجْوَدُهُم تَصْنِيفًا، وَأَحْسَنُهُم تَرْصِيفًا، لَهُ زُهَاءَ ثَلَاثِمِائَةِ مُصَنَّفٍ، وَكَانَ يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِ أَحْمَد وَإِسْحَاقَ، وَكَانَ مُعَاصِرًا لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِي، وَكَانَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ يُعَظِّمُونَهُ وَيَقُوُلونَ: مَنْ اسْتَجَازَ الْوَقِيعَةَ فِي ابْنِ قُتَيْبَةَ يُتَّهَمُ بِالزَّنْدَقَةِ، وَيَقُولُونَ: كُلُّ بَيْتٍ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن تَصْنِيفِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. قُلْت: وَيُقَالُ هُوَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ مِثْل الْجَاحِظِ لِلْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّهُ خَطِيبُ السُّنَّةِ، كَمَا أَنَّ الْجَاحِظَ خَطِيبُ الْمُعْتَزِلَةِ. [١٧/ ٣٩١ - ٣٩٢] ٥٢٩٥ - أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَد بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَصبهاني صَاحِبُ كِتَابِ "حِلْيَةِ الْأَوْليَاءِ" "وَتَارِيخِ أصبهان" "وَالْمُسْتَخْرَجِ عَلَى الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ". وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن الْمُصَنَّفَاتِ: مِن أَكْبَرِ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَمِن أَكْثَرِهِمْ تَصْنِيفَاتٍ، وَمِمَّن انْتَفَعَ النَّاسُ

стр. 3356

بِتَصَانِيفِهِ، وَهُوَ أَجَلُّ مِن أَنْ يُقَالَ لَهُ: ثِقَةٌ؛ فَإِنَّ دَرَجَتَهُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَكِتَابَهُ "كِتَابُ الْحِلْيَةِ" مِن أَجْوَدِ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي أَخْبَارِ الزُّهَّادِ، وَالْمَنْقُولُ فِيهِ أَصَحُّ مِن الْمَنْقُولِ فِي رِسَالَةِ القشيري وَمُصَنَّفَاتِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي شَيْخِهِ وَمَنَاقِبِ الْأَبْرَارِ لِابْنِ خَمِيسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ أَبَا نُعَيْمٍ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ وَأَكْثَرُ حَدِيثًا وَأَثْبَتُ رِوَايَة وَنَقْلًا مِن هَؤُلَاءِ، وَلَكِنْ كِتَابُ الزُّهْدِ لِلْإِمَامِ أَحْمَد وَالزُّهْدِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَمْثَالِهِمَا أَصَحُّ نَقْلًا مِن الْحِلْيَةِ. وَهَذِهِ الْكُتُبُ وَغَيْرُهَا لَا بُدَّ فِيهَا مِن أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ وَحِكَايَاتٍ ضَعِيفَةٍ بَل بَاطِلَةٍ، وَفِي الْحِلْيَةِ مِن ذَلِكَ قطعٌ، وَلَكِنَّ الَّذِي فِي غَيْرِهَا مِن هَذِهِ الْكُتُبِ أَكْثَرُ مِمَّا فِيهَا؛ فَإِنَّ فِي مُصَنَّفَاتِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي وَرِسَالَةِ القشيري وَمَنَاقِبِ الْأَبْرَارِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْحِكَايَاتِ الْبَاطِلَةِ؛ بَل وَمِن الْأَحَادِيثِ الْبَاطِلَةِ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي مُصَنَّفَاتِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَلَكِنْ "صَفْوَةُ الصَّفْوَةِ" لِأَبِي الْفَرَجِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ نَقَلَهَا مِن جِنْسِ نَقْلِ الْحِلْيَةِ، وَالْغَالِبُ عَلَى الْكِتَابَيْنِ الصِّحَّةُ، وَمَعَ هَذَا فَفِيهِمَا أَحَادِيثُ وَحِكَايَاتٌ بَاطِلَةٌ. وَأَمَّا الزُّهْدُ لِلْإِمَامِ أَحْمَد وَنَحْوهُ فَلَيْسَ فِيهِ مِن الْأَحَادِيثِ وَالْحِكَايَاتِ الْمَوْضُوعَةِ مِثْلُ مَا فِي هَذِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَذْكُرُ فِي مُصَنَّفَاتِهِ عَمَّن هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْوَضْعِ؛ بَل قَد يَقَعُ فِيهَا مَا هُوَ ضَعِيفٌ بِسُوءِ حِفْظِ نَاقِلِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ لَيْسَ فِيهَا مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ قُصِدَ الْكَذِبُ فِيهِ، كَمَا لَيْسَ ذَلِكَ فِي مُسْنَدِهِ، لَكِنْ فِيهِ مَا يُعْرَفث أَنَّهُ غَلَطٌ كَلِطَ فِيهِ رُوَاتُهُ، وَمِثْلُ هَذَا يُوجَدُ فِي غَالِبِ كُتُبِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَسْلَمُ كِتَابٌ مِن الْغَلَطِ إلَّا الْقُرْآنُ. وَأَجَلُّ مَا يُوجَدُ فِي الصِّحَّةِ "كِتَابُ الْبُخَارِيِّ" وَمَا فِيهِ مَتْنٌ يُعْرَفُ أَنَّهُ غَلَطٌ عَلَى الصَّاحِبِ، لَكِنْ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ مَا هُوَ غَلَطٌ وَقَد بَيَّنَ الْبُخَارِيُّ فِي نَفْسِ صَحِيحِهِ مَا بَيَّنَ غَلَطَ ذَلِكَ الرَّاوِي كَمَا بَيَّنَ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي ثَمَنِ بَعِيرِ جَابِرٍ وَفِيهِ عَن بَعْضِ الصَّحَابَةِ مَا يُقَالُ: إنَّهُ غَلَطٌ كَمَا فِيهِ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ: "أَنَّ

стр. 3357

رَسُولَ الله ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ"، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَفِيهِ عَن أُسَامَةَ: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي الْبَيْتِ"، وَفِيهِ عَن بِلَالٍ: أَنَّهُ صلَّى فِيهِ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ الْعُلَمَاء. وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَفِيهِ أَلْفَاظٌ عُرِفَ أَنَّهَا غَلَطٌ، كَمَا فِيهِ: "خَلَقَ اللهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ"، وَقَد بَيَّنَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ، وَأَنَّ هَذَا مِن كَلَامِ كَعْبٍ، وَفِيهِ أَنَّ "النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْكُسُوفَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فِي كُل رَكْعَةٍ"، وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْكُسُوفَ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَة، وَفِيهِ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ سَأَلَهُ التَّزَوُّجَ بِأُمِّ حَبِيبَةَ وَهَذَا غَلَطٌ، وَهَذَا مِن أَجَلِّ فُنُونِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يُسَمَّى: عِلْمَ "عِلَلِ الْحَدِيثِ". وَأَمَّا كِتَابُ حِلْيَةِ الْأَوْليَاءِ فَمِن أَجْوَدِ مُصَنَّفَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي أَخْبَارِ الزُّهَّادِ، وَفِيهِ مِن الْحِكَايَاتِ مَا لَمْ يَكُن بهِ حَاجَةٌ إلَيْهِ، وَالْأَحَادِيثُ الْمَرْوِيَّةُ فِي أَوَائِلِهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ضَعِيفَةٌ بَل مَوْضُوعَةٌ. [١٨/ ٧١ - ٧٣] ٥٢٩٦ - إنَّ كِتَابَ "تَنَقُّلَاتِ الْأَنْوَارِ" الْمَنْسُوبُ إلَى "أَحْمَد بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَكْرِيِّ" مِن أَعْظَمِ الْكتُبِ كَذِبًا وَافْتِرَاءً عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ وَعَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ الله ﷺ . [١٨/ ٣٥١] ٥٢٩٧ - إسْحَاق بْن رَاهَويه قَرِينُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ، وَيُوَافِقُهُ فِي الْمَذْهَبِ: أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ وَقَوْلُهمَا كَثِيرًا مَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ. وَالْكَوْسَجُ سَأَلَ مَسَائِلَهُ لِأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَكَذَلِكَ حَرْبٌ الكرماني سَأَلَ مَسَائِلَهُ لِأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا؛ وَلهَذَا يَجْمَغ التِّرْمِذِيُّ قَوْلَ أَحْمَد وَإِسْحَاقَ، فَإِنَّهُ رَوَى قَوْلَهُمَا مِن مَسَائِلِ الْكَوْسَجِ. وَكَذَلِكَ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُ هَؤلَاءِ مِن أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَالسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَكَانُوا يَتَفَقَّهُونَ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَد وَإِسْحَاقَ، يُقَدِّمُونَ قَوْلَهُمَا عَلَى أَقْوَالِ غَيْرِهِمَا، وَأَئِمَّةُ الْحَدِيثِ؛ كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِي وَغَيْرِهِمْ هُم أَيْضًا مِن أَتْبَاعِهِمَا وَمِمَن يَأْخُذُ الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ عَنْهُمَا، ودَاوُد مِن أَصْحَابِ إسْحَاقَ.

стр. 3358

وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَأَئو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَمُحَمَّدُ بْن نَصْرٍ الْمَرْوَزِي ودَاوُد بْنُ عَلِيٍّ وَنَحْوُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُم فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ ﵃ أَجْمَعِينَ. [٢٥/ ٢٣٢ - ٢٣٣] ٥٢٩٨ - وَهُوَ [أي: الشَّهْرَستَانِي] مِن أَخْبَرِ النَّاسِ بِالْمِلَلِ وَالنِّحَلِ وَالْمَقَالَاتِ فِي نِهَايَةِ الْإِقْدَامِ. [٣٣/ ١٧٢] ٥٢٩٩ - وَهُمَا [أي: الخطابي وَالْخَطِيبُ] إمَامَانِ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، مُتَّفَقٌ عَلَى عِلْمِهِمَا بِالنَّقْلِ وَعِلْمِ الخطابي بِالْمَعَانِي. [٣٣/ ١٧٧] ٥٣٠٠ - أَبُو طَالِب لَهُ أَحْيَانًا غَلَطَاتٌ فِي فَهْمِ مَا يَرْوِيه [أي: عن الإمام أحمد] .. مَعَ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ ثِقَة، وَالْغَالِبُ عَلَى رِوَايَتِهِ الصِّحَّةُ، وَلَكِنْ رُبَّمَا غَلِطَ فِي اللَّفْظِ. [٣٣/ ١٦٩] ٥٣٠١ - إِنَّ كَلَامَ أَحْمَد كَثِيرٌ مُنْتَشِرٌ جِدًّا، وَقَلَّ مَن يَضْبِطُ جَمِيعَ نُصُوصِهِ فِي كَثيرٍ مِن الْمَسَائِلِ لِكَثْرَةِ كَلَامِهِ، وَانْتِشَارِهِ، وَكثْرَةِ مَن كَانَ يَأْخُذُ الْعِلْمَ عَنْهُ. [٣٤/ ١١١] ٥٣٠٢ - وَأَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ قَد طَافَ الْبِلَادَ وَجَمَعَ مِن نُصُوصِهِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ نَحْو أَرْبَعِينَ مُجَلَّدًا وَفَاتَهُ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ لَيْسَتْ فِي كتُبِهِ. [٣٤/ ١١١] ٥٣٠٣ - مُوَافَقَتُهُ [أي: الإمام أَحْمَد] لِلشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ أَكْثَرُ مِن مُوَافَقَتِهِ لِغَيْرِهِمَا، وَأُصُولُهُ بِأُصُولِهِمَا أَشْبَهُ مِنْهَا بِأُصُولِ غَيْرِهِمَا، وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهِمَا وَيُعَظِّمُهُمَا، وَيُرَجِّخ اصُولَ مَذَاهِبِهِمَا عَلَى مَن لَيْسَتْ أُصُولُ مَذَاهِبِهِ كَأُصُولِ مَذَاهِبِهِمَا، وَمَذْهَبُهُ أَنَّ أُصُولَ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ أَصَحُّ مِن أُصُولِ غَيْرِهِمْ، وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَقُ هُمَا عِنْدَهُ مِن أَجَلّ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ فِي عَصْرِهِمَا. [٣٤/ ١١٣] ٥٣٠٤ - زُفَرُ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْإِمْعَانِ فِي طَرْدِ قِيَاسِهِ إلَى الْأَصْلِ الثَّابِتِ فِي الَّذِي قَاسَ عَلَيْهِ، وَمِن عِلَّةِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ جَوَابُ سُؤَالِ الْمُطَالَبَةِ، فَمَن أَحْكَمَ هَذَا الْأَصْلَ اسْتَقَامَ قِيَاسُهُ. [٣٤/ ١٢٥]

стр. 3359

٥٣٠٥ - كَانَ طَائِفَةٌ مِن أَئِمَّةِ الْمُصَنِّفِينَ لِلسُّنَنِ عَلَى الْأَبْوَابِ إذَا جَمَعُوا فِيهَا أَصْنَافَ الْعِلْمِ: ابْتَدَأَهَا بِأصْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، كَمَا ابْتَدَأَ الْبُخَارِيُّ صَحِيحَهُ بِبَدْءِ الْوَحْيِ وَنزُولهِ، فَأَخْبَرَ عَن صِفَةِ نُزُولِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ عَلَى الرَّسُولِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِكِتَابِ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ الْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ بِهِ، ثُمَّ بِكِتَابِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ مَعْرِفَةُ مَا جَاءَ بِهِ، فَرَتَّبهُ التَّرْييبَ الْحَقِيقِيَّ. وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الدارمي صَاحِبُ "الْمُسْنَدِ": ابْتَدَأَ كِتَابَهُ بِدَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ طَرَفًا صَالِحًا. وَهَذَانِ الرَّجُلَانِ: أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِن مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِي وَنَحْوِهِمَا؛ وَلهَذَا كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُعَظِّمُ هَذَيْنِ وَنَحْوَهُمَا؛ لِأنَّهُم فُقَهَاءُ فِي الْحَدِيثِ أُصُولًا وَفُرُوعًا. [٢/ ٤] ٥٣٠٦ - أَبُو مُحَمَّدٍ (١) مَعَ كَثْرَةِ عِلْمِهِ وَتَبَحُّرِهِ وَمَا يَأْتِي بِهِ مِن الْفَوَائِدِ الْعَظِيمَةِ: لَهُ مِن الْأَقْوَالِ الْمُنْكَرَةِ الشَّاذَّةِ مَا يُعْجَبُ مِنْهُ، كَمَا يُعْجَبُ مِمَّا يَأْتِي بِهِ مِن الْأَقْوَالِ الْحَسَنَةِ الْفَائِقَةِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: إنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّة وَإِنَّ آسِيَةَ نَبِيَّةٌ وَإِنَّ أَمْ مُوسَى نَبِيَّةٌ. وَقَد ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَأَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُم الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي النِّسَاءِ نَبِيِّهُ، وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّة دَلَّا عَلَى ذَلِكَ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]. [٤/ ٣٩٦] ٥٣٠٧ - اَلَّذِي رَجَّحَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَوْضِعِ رَأْسِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ هُوَ مَا ذَكَرَة الزُّبَيْرُ بْنُ بكار فِي كِتَابِ "أَنْسَابِ قُرَيْشٍ"، وَالزُّبَيْرُ بْنُ بكار هُوَ مِن أَعْلَمِ النَّاسِ وَأَوْثَقِهِم فِي مِثْل هَذَا ذَكَرَ أنَّ الرَّأسَ حُمِلَ إلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ وَدُفِنَ هُنَاكَ. وَالزُّبَيْرُ أَعْلَمُ أَهْلِ النَّسَبِ، وَأَفْضَلُ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا السَّبَبِ. [٤/ ٥٠٩] ٥٣٠٨ - الْحَافِظُ أَبُو بَكرٍ البيهقي، مَعَ تَوَلِّيهِ لِلْمُتَكَلِّمِينَ مِن أَصْحَابِ أبِي

стр. 3360

الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَذَبِّهِ عَنْهُمْ: قَالَ فِي كِتَابِهِ "الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ": بَابُ مَا جَاءَ فِي إثْبَاتِ الْيَدَيْنِ صِفَتَيْنِ -لَا مِن حَيْثُ الْجَارِحَةِ-. [٥/ ٨٧] ٥٣٠٩ - الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ محَمَّدُ بْن الطَّيِّبِ الْبَاقِلَانِي الْمُتَكَلِّمُ، وَهُوَ أَفْضَلُ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْأَشْعَرِيِّ، لَيْسَ فِيهِمْ مِثْلُهُ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. [٥/ ٩٨] ٥٣١٠ - مَن يَقُولُ: هُوَ -سبحانه- فَوْقَ الْعَرْشِ وَهُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَيَقُولُ: أَنَا أُقِرُّ بِهَذِهِ النُّصُوصِ، وَهَذِهِ لَا أَصْرِفُ وَاحِدًا مِنْهَا عَن ظَاهِرِهِ: وَهَذَا قَوْلُ طَوَائِفَ ذَكَرَهُم الْأَشعَرِيُّ فِي "الْمَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ"، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ طَائِفَةٍ مِن السالمية وَالصُّوفِيَّةِ. وَيُشْبِهُ هَذَا مَا فِي كَلَامِ أَبِي طَالِب الْمَكِّيِّ وَابْنِ برجان وَغَيْرِهِمَا، مَعَ مَا فِي كَلَامِ أَكْثَرِهِمَا مِن التَّنَاقُضِ؛ وَلهَذَا لَمَّا كَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ -الَّذِي صَنَّفَ "مَثَالِبَ ابْنِ أَبِي بِشْرٍ" وَرَدَّ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عَسَاكِرَ- هُوَ مِن السالمية، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ "الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ": أَنَّ جَمَاعَةً أَنْكَرُوا عَلَى أَبِي طَالِبٍ كَلَامَهُ فِي الصِّفَاتِ. فَكُلُّ مَن قَالَ: إنَّ اللهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فَطَرَ اللهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ وَلصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَللْأَدِلَّةِ الْكَثِيرَةِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ أَقْوَالًا مُتَنَاقِضَةً، يَقُوئونَ: إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَيَقُولُونَ: نَصِيبُ الْعَرْشِ مِنْهُ كَنَصِيبِ قَلْبِ الْعَارِفِ، كَمَا يَذْكُرُ مِثْل ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَلْبَ الْعَارِفِ نَصِيبُهُ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِيمَانُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ، فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْعَرْشَ كَذَلِكَ نَقَضُوا قَوْلَهُم: إنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَإِن قَالُوا بِحُلُولِهِ بِذَاتِهِ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ كَانَ هَذَا قَوْلًا بِالْحُلُولِ الْخَالِصِ، وَقَد وَقَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِن الصُّوفِيَّةِ، حَتَّى صَاحِبُ "مَنَازِلِ السَّائِرِينَ" فِي تَوْحِيدِهِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْمَنَازِلِ فِي مِثْل هَذَا الْحُلُولِ؛ وَلهَذَا كَانَ أَئِمَّة الْقَوْمِ يُحَذِّرُونَ مِن مِثْل هَذَا. [٥/ ٢٢٩ - ٢٣٠]

стр. 3361

٥٣١١ - أَبُو طَالِبٍ ﵀ هُوَ وَأَصْحَابُهُ السالمية أَتْبَاعُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ سَالِمٍ، صَاحِبِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللهِ التستري: لَهُم مِن الْمَعْرِفَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي عَامَّةِ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ مَا هُم مَعْرُوفُونَ بِهِ، وَهُم مُنْتَسِبُونَ إلَى إمَامَيْنِ عَظِيمَيْنِ فِي السُّنَّةِ: الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ، وَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللهِ التستري، وَمِنْهُم مَن تَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكِ بْنِ أَنَس كَبَيْتِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمْ وَفِيهِمْ مَن هُوَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. فَاَلَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِم أَو يُعَظِّمُونَهُم وَيَقْصِدُونَ مُتَابَعَتَهُمْ: أَئِمَّةُ هُدًى رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ، وَهُم فِي ذَلِكَ كَأَمْثَالِهِمْ مِن أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَقَل طَائِفَةٌ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا وَقَعَ فِي كَلَامِهَا نَوْعُ غَلَطٍ لِكَثْرَةِ مَا وَقَعَ مِن شُبَهِ أَهْلِ الْبِدَع. وَهَؤُلَاءِ وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ أَشْيَاءُ، أَنْكَرُوا بَعْضَ مَا وَقَعَ مِن كَلَامِ أَبِي طَالِب فِي الصِّفَاتِ -مِن نَحْوِ الْحُلُولِ وَغَيْرِهِ- أَنْكَرَهَا عَلَيْهِم أَئِمَّةُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَنَسَبُوهُم إلَى الْحُلُولِ مِن أَجْلِهَا؛ وَلهَذَا تَكَلَّمَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِر فِي أَبِي عَلِئ الْأَهْوَازِيِّ، لَمَّا صَنَّفَ هَذَا مَثَالِبَ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَهَذَا مَنَاقِبَهُ، وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ مِن السالمية، فَنَسَبَهُم طَائِفَةٌ إلَى الْحُلُولِ. وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى لَهُ كِتَابٌ صَنَّفَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى السالمية. وَهُم فِيمَا يُنَازِعُهُم الْمُنَازِعُونَ فِيهِ -كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ وَكَأَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ مَن يُنَازِعُهُم- مِن جِنْسِ تَنَازُعِ النَّاسِ: تَارَةً يُرَدُّ عَلَيْهِم حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَتَارَةً يُرَدُّ عَلَيْهِم حَقٌّ مِن حَقِّهِمْ، وَتَارَةً يُرَدُّ بَاطِل بِبَاطِل، وَتَارَةً يُرَدُّ بَاطِلٌ بِحَقِّ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِن الْعُلَمَاءِ أَنْكرُوا بَعْضَ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ أَبِي طَالِبٍ فِي الصِّفَاتِ. وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ أَبِىِ طَالِبٍ مِن الْحُلُولِ سَرَى بَعْضُهُ إلَى غَيْرِهِ مِن الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَخَذُوا عَنْهُ كَأَبِي الْحَكَمِ بْنِ برجان وَنَحْوِهِ.

стр. 3362

وَأَمَّا أَبُو إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ "مَنَازِلِ السَّائِرِينَ" فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ شَيْءٌ مِن الْحُلُولِ الْعَامِّ، لَكِنْ فِي كَلَامِهِ شَيْءٌ مِن الْحُلُولِ الْخَاصِّ فِي حَقِّ الْعَبْدِ الْعَارِفِ الْوَاصِلِ إلَى مَا سَمَّاهُ هُوَ: "مَقَامُ التَّوْحِيدِ". وَقَد بَاحَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يَبُحْ بِهِ أَبُو طَالِبٍ. لَكنْ كَنَى عَنْهُ. وَأَمَّا "الْحُلُولُ الْعَامُّ" فَفِي كَلَامِ أَبِي طَالِبٍ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْهُ، مَعَ تَبِرِّيهِ مِن لَفْظِ الْحُلُولِ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ كَلَامًا كَثِيرًا حَسَنًا فِي التَّوْحِيدِ. [٥/ ٤٨٣ - ٤٨٥] ٥٣١٢ - مُقَاتِل بْن حَيَّانَ: ثِقَةٌ فِي التَّفْسِيرِ، لَيْسَ بِمَجْرُوح كَمَا جُرِحَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ. [٥/ ٤٩٦] ٥٣١٣ - فِي جُمَلِ مَقَالَاتِ الطَّوَائِفِ وَمَوَادِّهِم: أَمَّا بَابُ الصِّفَاتِ وَالتَّوْحِيدِ: فَالنَّفْيُ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِن الْجَهْمِيَّة. وَالْإِثْبَاتُ فِي الْجُمْلَةِ مَذْهَبُ الصفاتية مِن الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ والكَرَّامِيَة، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَجُمْهُورِ الصُّوفِيَّةِ، وَالْحَنْبَلِيَّةِ، وَأَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، إلَّا الشَّاذَّ مِنْهُمْ، وَكَثِيرٍ مِن الْحَنَفِيَّةِ أَو أَكْثَرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ [السَّلَفِيَّةِ] (١). لَكِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْإِثْبَاتِ إلَى حَدِّ التَّشْبِيهِ هُوَ قَوْلُ الْغَالِيَةِ مِن الرَّافِضَةِ وَمِن جُهَّالِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَبَعْضِ الْمُنْحَرِفِينَ. وَبَيْنَ نَفْيِ الْجَهْمِيَّة وَإِثْبَاتِ الْمُشَبِّهَةِ مَرَاتِبُ: فَالْأَشْعَريَّةُ وَافَقَ بَعْضُهُم فِي الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ، وَجُمْهُورُهُم وَافَقَهُم فِي الصِّفَاتِ الحديثية. وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فَلَهُم قَوْلَانِ: - فَالْأَشْعَرِيُّ والْبَاقِلَانِي وَقُدَمَاؤُهُم يُثْبِتُونَهَا وَبَعْضُهُم يُقِرُّ بِبَعْضِهَا، وَفِيهِمْ

стр. 3363

تَجَهُّم مِن جِهَةٍ أُخْرَى؛ فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ شَرِبَ كَلَامَ الجبائي شَيْخِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَنِسْبَتُهُ فِي الْكَلَامِ إلَيْهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَابْنُ الْبَاقِلَانِي أَكْثَرُ إثْبَاتًا بَعْدَ الْأَشْعَرِيِّ فِي الْإِبَانَةِ، وَبَعْدَ ابْنِ الْبَاقِلَاني ابْنُ فورك فَإِنَّهُ أَثْبَتَ بَعْضَ مَا فِي الْقُرْآنِ. وَأَمَّا الجُوَيْنِي وَمَن سَلَكَ طَرِيقَتَهُ: فَمَالُوا إلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّ أَبَا الْمَعَالِي كَانَ كَثِيرَ الْمُطَالَعَةِ لِكُتُبِ أَبِي هَاشِمٍ -الجبائي-، قَلِيلَ الْمَعْرِفَةِ بِالْآثَارِ، فَأَثَّرَ فِيهِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ. وَأَمَّا الْحَنْبَلِيَّةُ: فَأَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ حَامِدٍ قَوِيٌّ فِي الْإِثْبَاتِ جَادُّ فِيهِ يَنْزِعُ لِمَسَائِلِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ. وَسَلَكَ طَرِيقَهُ صَاحِبُهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، لَكِنَّهُ أَلْيَنُ مِنْهُ، وَأَبْعَدُ عَن الزِّيَادَةِ فِي الْإِثْبَاتِ. وَأَمَّا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ بَطَّةَ: فَطَرِيقَتُهُ طَرِيقَةُ الْمُحَدِّثِينَ الْمَحْضَةِ؛ كَأَبِي بَكْرٍ الآجري فِي الشَّرِيعَةِ، واللالكائي فِي السُّنَنِ، وَالْخَلَّالُ مِثْلُهُ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَإِلَى طَرِيقَتِهِ يَمِيلُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ (١) وَمُتَأَخِّرُو الْمُحَدِّثِينَ. [وَأَمَّا التَّمِيمِيُّونَ؛ كَأَبِي الْحَسَنِ، وَابْنِ أَبِي الْفَضْلِ، وَابْنِ رِزْقِ اللهِ] (٢): فَهُم أَبْعَدُ عَن الْإِثْبَاتِ، وَأَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ غَيْرِهِمْ وَأَلْيَنُ لَهُمْ؛ وَلهَذَا تَتْبَعُهُم الصُّوفِيَّةُ، وَيَمِيلُ إلَيْهِم فُضَلَاءُ الْأَشْعَرِيَّةِ؛ كالْبَاقِلَانِي وَالْبَيْهَقِي؛ فَإِنَّ عَقِيدَةَ أَحْمَد الَّتِي كَتَبَهَا أَبُو الْفَضْلِ هِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا البيهقي، مَعَ أَنَّ الْقَوْمَ مَاشُونَ عَلَى السُّنَّةِ. وَأَمَّا ابْنُ عَقِيلٍ: فَإِذَا انْحَرَفَ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ مَادَّةٌ قَوِيَّةٌ مُعْتَزِلِيَّةٌ فِي الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَكَرَامَاتِ الْأَوْليَاءِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ الْأَشْعَرِيُّ أَحْسَنَ قَوْلًا مِنْهُ وَأَقْرَبَ إلَى السُّنَّةِ.

стр. 3364

فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ: مَا كَانَ يَنْتَسِبُ إلَّا إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِمَامهمْ عَنْهُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ. وَقَد ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُ فِي مُنَاظَرَاتِهِ: مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْدَهُ مِن مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ، لَمْ يَجْعَلْهُ مُبَايِنًا لَهُمْ، وَكَانُوا قَدِيمًا مُتَقَارِبِينَ، إلَّا أَنَّ فِيهِمْ مَن يُنْكِرُ عَلَيْهِ مَا قَد يُنْكِرُونَهُ عَلَى مَن خَرَجَ مِنْهُم إلَى شَيْءٍ مِن الْكَلَامِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الْبِدْعَةِ، مَعَ أَنَّهُ فِي أَصْلِ مَقَالَتِهِ لَيْسَ عَلَى السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ؛ بَل هُوَ مُقَضرٌ عَنْهَا تَقْصِيرًا مَعْرُوفًا. وَالْأَشْعَرِيَّة فِيمَا يُثْبِتُونَهُ مِن السُّنَّةِ فَرْعٌ عَلَى الْحَنْبَلِيَّةِ، كَمَا أَنَّ مُتَكَلِّمَةَ الْحَنْبَلِيَّةِ -فِيمَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِن الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ- فَرْعٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا وَقَعَت الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ فِتْنَةِ القشيري. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ الخراسانيين كَانُوا قَد انْحَرَفُوا إلَى التَّعْطِيلِ. وَكَثِيرٌ مِن الْحَنْبَلِيَّةِ زَادُوا فِي الْإِثْبَاتِ. فَابْنُ عَقِيلٍ: إنَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِهِ الْمَادَّةُ الْمُعْتَزِلِيَّةُ بِسَبَبِ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ التَّبَّانِ المعتزليين؛ وَلهَذَا لَهُ فِي كِتَابِهِ "إثْبَاتِ التَّنْزِيهِ" وَفِي غَيْرِهِ كَلَامٌ يُضَاهِي كَلَامَ المريسي وَنَحْوِهِ، لَكِنْ لَهُ فِي الْإِثْبَاتِ كَلَامٌ كَثِيرٌ حَسَن، وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ فِي كِتَابِ "الْإِرْشَادِ"، مَعَ أَنَّهُ قَد يَزِيدُ فِي الْإِثْبَاتِ، لَكِنْ مَعَ هَذَا فَمَذْهَبُهُ فِي الصِّفَاتِ قَرِيبٌ مِن مَذْهَبِ قُدَمَاءِ الْأَشْعَرِيَّةِ والْكلَّابِيَة فِي أَنَّهُ يُقِرُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْفرْآنُ وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ، وَيَتَأَوَّلُ غَيْرَهُ. وَالْغَزَالِيُّ فِي كَلَامِهِ مَادَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ كَبِيرَةٌ بِسَبَبِ كَلَامِ ابْنِ سِينَا فِي "الشفا" وَغَيْرِهِ وَ"رَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا" وَكَلَامِ أَبِي حَيَّانَ التَّوْحِيدِيِّ. وَأَمَّا الْمَادَّةُ الْمُعْتَزِلِيَّةُ فِي كَلَامِهِ فَقَلِيلَةٌ أَو مَعْدُومَةٌ، كَمَا أَنَّ الْمَادَّةَ الْفَلْسَفِيَّةَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ قَلِيلَةٌ أَو مَعْدُومَةٌ. وَكَلَامُهُ فِي "الْإِحْيَاءِ": غَالِبُهُ جَيِّدٌ، لَكِنَّ فِيهِ مَوَادَّ فَاسِدَةً: مَادَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ،

стр. 3365

وَمَادَّةٌ كَلَامِيَّةٌ، وَمَادَّةٌ مِن تُرَّهَاتِ الصُّوفِيَّةِ، وَمَادَّةٌ مِن الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ. وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عَقِيلٍ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ مِن جِهَةِ تَنَاقُضِ الْمَقَالَاتِ فِي الصِّفَاتِ؛ فَإِنَّهُ قَد يُكَفِّرُ فِي أَحَدِ الصِّفَاتِ بِالْمَقَالَةِ الَّتِي يَنْصُرُهَا فِي الْمُصَنَّفِ الْآخَرِ، وَإِذَا صَنَّفَ عَلَى طَرِيقَةِ طَائِفَةٍ غَلَبَ عَلَيْهِ مَذْهَبُهَا. وَأَمَّا ابْنُ الْخَطِيبِ: فَكَثِيرُ الِاضْطِرَابِ جِدًّا، لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بَحْثٌ وَجَدَلٌ، بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَطْلُبُ وَلَمْ يَهْتَدِ إلَى مَطْلُوبِهِ. بِخِلَافِ أَبِي حَامِدٍ: فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَسْتَقِرُّ. وَالْأَشْعَرِيَّةُ: الْأَغْلَبُ عَلَيْهِم أَنَّهُم مُرْجِئَةٌ فِي "بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ"، جَبْرِيَّةٌ فِي "بَابِ الْقَدَرِ". وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ فَلَيْسُوا جهمية مَحْضَةً؛ بَل فِيهِمْ نَوْعٌ مِن التَّجَهُّمِ. وَالْمُعْتَزِلَةُ: وَعِيدِيَّة فِي "بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكامِ"، قَدَرِيَّةٌ فِي "بَابِ الْقَدَرِ"، جهمية مَحْضَةٌ -وَاتَّبَعَهُم عَلَى ذَلِكَ مُتَأَخِّرُو الشِّيعَةِ، وَزَادُوا عَلَيْهِم الْإِمَامَةَ وَالتَّفْضِيلَ، وَخَالَفُوهُم فِي الْوَعِيدِ-، وَهُم أَيْضًا يَرَوْنَ الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ. وَأَمَّا "الْأَشْعَرِيَّةُ" فَلَا يَرَوْنَ السَّيْفَ مُوَافَقَةَ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهُم فِي الْجُمْلَةِ أَقْرَبُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ. وَ"الْكُلَّابِيَة" وَكَذَلِكَ "الكَرَّامِيَة": فِيهِمْ قُرْبٌ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَإِن كَانَ فِي مَقَالَةِ كُلٍّ مِن الْأَقْوَالِ مَا يُخَالِفُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ. وَأَمَّا "السالمية": فَهُم وَالْحَنْبَلِيَّةُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، إلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ تَجْرِي مَجْرَى اخْتِلَافِ الْحَنَابِلَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَفِيهِمْ تَصَوُّفٌ. وَمَن بَدَّع مِن أَصْحَابِنَا هَؤُلَاءِ: يُبَدِّع أَيْضًا التَّسَمِّيَ فِي الْأُصُولِ بِالْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْر ذَلِكَ، وَلَا يَرَى أَنْ يَتَسَمَّى أَحَدٌ فِي الْأُصُولِ إلَّا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
следующие страницы →