← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

٥٣١١ - أَبُو طَالِبٍ ﵀ هُوَ وَأَصْحَابُهُ السالمية أَتْبَاعُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ سَالِمٍ، صَاحِبِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللهِ التستري: لَهُم مِن الْمَعْرِفَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي عَامَّةِ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ مَا هُم مَعْرُوفُونَ بِهِ، وَهُم مُنْتَسِبُونَ إلَى إمَامَيْنِ عَظِيمَيْنِ فِي السُّنَّةِ: الْإِمَامِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ، وَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللهِ التستري، وَمِنْهُم مَن تَفَقَّهَ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكِ بْنِ أَنَس كَبَيْتِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمْ وَفِيهِمْ مَن هُوَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. فَاَلَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِم أَو يُعَظِّمُونَهُم وَيَقْصِدُونَ مُتَابَعَتَهُمْ: أَئِمَّةُ هُدًى رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ، وَهُم فِي ذَلِكَ كَأَمْثَالِهِمْ مِن أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَقَل طَائِفَةٌ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا وَقَعَ فِي كَلَامِهَا نَوْعُ غَلَطٍ لِكَثْرَةِ مَا وَقَعَ مِن شُبَهِ أَهْلِ الْبِدَع. وَهَؤُلَاءِ وَقَعَ فِي كَلَامِهِمْ أَشْيَاءُ، أَنْكَرُوا بَعْضَ مَا وَقَعَ مِن كَلَامِ أَبِي طَالِب فِي الصِّفَاتِ -مِن نَحْوِ الْحُلُولِ وَغَيْرِهِ- أَنْكَرَهَا عَلَيْهِم أَئِمَّةُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَنَسَبُوهُم إلَى الْحُلُولِ مِن أَجْلِهَا؛ وَلهَذَا تَكَلَّمَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِر فِي أَبِي عَلِئ الْأَهْوَازِيِّ، لَمَّا صَنَّفَ هَذَا مَثَالِبَ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، وَهَذَا مَنَاقِبَهُ، وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ مِن السالمية، فَنَسَبَهُم طَائِفَةٌ إلَى الْحُلُولِ. وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى لَهُ كِتَابٌ صَنَّفَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى السالمية. وَهُم فِيمَا يُنَازِعُهُم الْمُنَازِعُونَ فِيهِ -كَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى وَغَيْرِهِ وَكَأَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ مَن يُنَازِعُهُم- مِن جِنْسِ تَنَازُعِ النَّاسِ: تَارَةً يُرَدُّ عَلَيْهِم حَقٌّ وَبَاطِلٌ، وَتَارَةً يُرَدُّ عَلَيْهِم حَقٌّ مِن حَقِّهِمْ، وَتَارَةً يُرَدُّ بَاطِل بِبَاطِل، وَتَارَةً يُرَدُّ بَاطِلٌ بِحَقِّ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ جَمَاعَةً مِن الْعُلَمَاءِ أَنْكرُوا بَعْضَ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ أَبِي طَالِبٍ فِي الصِّفَاتِ. وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ أَبِىِ طَالِبٍ مِن الْحُلُولِ سَرَى بَعْضُهُ إلَى غَيْرِهِ مِن الشُّيُوخِ الَّذِينَ أَخَذُوا عَنْهُ كَأَبِي الْحَكَمِ بْنِ برجان وَنَحْوِهِ.

стр. 3362

وَأَمَّا أَبُو إسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ "مَنَازِلِ السَّائِرِينَ" فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ شَيْءٌ مِن الْحُلُولِ الْعَامِّ، لَكِنْ فِي كَلَامِهِ شَيْءٌ مِن الْحُلُولِ الْخَاصِّ فِي حَقِّ الْعَبْدِ الْعَارِفِ الْوَاصِلِ إلَى مَا سَمَّاهُ هُوَ: "مَقَامُ التَّوْحِيدِ". وَقَد بَاحَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يَبُحْ بِهِ أَبُو طَالِبٍ. لَكنْ كَنَى عَنْهُ. وَأَمَّا "الْحُلُولُ الْعَامُّ" فَفِي كَلَامِ أَبِي طَالِبٍ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْهُ، مَعَ تَبِرِّيهِ مِن لَفْظِ الْحُلُولِ؛ فَإِنَّهُ ذَكَرَ كَلَامًا كَثِيرًا حَسَنًا فِي التَّوْحِيدِ. [٥/ ٤٨٣ - ٤٨٥] ٥٣١٢ - مُقَاتِل بْن حَيَّانَ: ثِقَةٌ فِي التَّفْسِيرِ، لَيْسَ بِمَجْرُوح كَمَا جُرِحَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ. [٥/ ٤٩٦] ٥٣١٣ - فِي جُمَلِ مَقَالَاتِ الطَّوَائِفِ وَمَوَادِّهِم: أَمَّا بَابُ الصِّفَاتِ وَالتَّوْحِيدِ: فَالنَّفْيُ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِن الْجَهْمِيَّة. وَالْإِثْبَاتُ فِي الْجُمْلَةِ مَذْهَبُ الصفاتية مِن الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ والكَرَّامِيَة، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَجُمْهُورِ الصُّوفِيَّةِ، وَالْحَنْبَلِيَّةِ، وَأَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، إلَّا الشَّاذَّ مِنْهُمْ، وَكَثِيرٍ مِن الْحَنَفِيَّةِ أَو أَكْثَرِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُ [السَّلَفِيَّةِ] (١). لَكِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْإِثْبَاتِ إلَى حَدِّ التَّشْبِيهِ هُوَ قَوْلُ الْغَالِيَةِ مِن الرَّافِضَةِ وَمِن جُهَّالِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَبَعْضِ الْمُنْحَرِفِينَ. وَبَيْنَ نَفْيِ الْجَهْمِيَّة وَإِثْبَاتِ الْمُشَبِّهَةِ مَرَاتِبُ: فَالْأَشْعَريَّةُ وَافَقَ بَعْضُهُم فِي الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ، وَجُمْهُورُهُم وَافَقَهُم فِي الصِّفَاتِ الحديثية. وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فَلَهُم قَوْلَانِ: - فَالْأَشْعَرِيُّ والْبَاقِلَانِي وَقُدَمَاؤُهُم يُثْبِتُونَهَا وَبَعْضُهُم يُقِرُّ بِبَعْضِهَا، وَفِيهِمْ

стр. 3363

تَجَهُّم مِن جِهَةٍ أُخْرَى؛ فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ شَرِبَ كَلَامَ الجبائي شَيْخِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَنِسْبَتُهُ فِي الْكَلَامِ إلَيْهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَابْنُ الْبَاقِلَانِي أَكْثَرُ إثْبَاتًا بَعْدَ الْأَشْعَرِيِّ فِي الْإِبَانَةِ، وَبَعْدَ ابْنِ الْبَاقِلَاني ابْنُ فورك فَإِنَّهُ أَثْبَتَ بَعْضَ مَا فِي الْقُرْآنِ. وَأَمَّا الجُوَيْنِي وَمَن سَلَكَ طَرِيقَتَهُ: فَمَالُوا إلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّ أَبَا الْمَعَالِي كَانَ كَثِيرَ الْمُطَالَعَةِ لِكُتُبِ أَبِي هَاشِمٍ -الجبائي-، قَلِيلَ الْمَعْرِفَةِ بِالْآثَارِ، فَأَثَّرَ فِيهِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ. وَأَمَّا الْحَنْبَلِيَّةُ: فَأَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ حَامِدٍ قَوِيٌّ فِي الْإِثْبَاتِ جَادُّ فِيهِ يَنْزِعُ لِمَسَائِلِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ. وَسَلَكَ طَرِيقَهُ صَاحِبُهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، لَكِنَّهُ أَلْيَنُ مِنْهُ، وَأَبْعَدُ عَن الزِّيَادَةِ فِي الْإِثْبَاتِ. وَأَمَّا أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ بَطَّةَ: فَطَرِيقَتُهُ طَرِيقَةُ الْمُحَدِّثِينَ الْمَحْضَةِ؛ كَأَبِي بَكْرٍ الآجري فِي الشَّرِيعَةِ، واللالكائي فِي السُّنَنِ، وَالْخَلَّالُ مِثْلُهُ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَإِلَى طَرِيقَتِهِ يَمِيلُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ (١) وَمُتَأَخِّرُو الْمُحَدِّثِينَ. [وَأَمَّا التَّمِيمِيُّونَ؛ كَأَبِي الْحَسَنِ، وَابْنِ أَبِي الْفَضْلِ، وَابْنِ رِزْقِ اللهِ] (٢): فَهُم أَبْعَدُ عَن الْإِثْبَاتِ، وَأَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ غَيْرِهِمْ وَأَلْيَنُ لَهُمْ؛ وَلهَذَا تَتْبَعُهُم الصُّوفِيَّةُ، وَيَمِيلُ إلَيْهِم فُضَلَاءُ الْأَشْعَرِيَّةِ؛ كالْبَاقِلَانِي وَالْبَيْهَقِي؛ فَإِنَّ عَقِيدَةَ أَحْمَد الَّتِي كَتَبَهَا أَبُو الْفَضْلِ هِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا البيهقي، مَعَ أَنَّ الْقَوْمَ مَاشُونَ عَلَى السُّنَّةِ. وَأَمَّا ابْنُ عَقِيلٍ: فَإِذَا انْحَرَفَ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ مَادَّةٌ قَوِيَّةٌ مُعْتَزِلِيَّةٌ فِي الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَكَرَامَاتِ الْأَوْليَاءِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ الْأَشْعَرِيُّ أَحْسَنَ قَوْلًا مِنْهُ وَأَقْرَبَ إلَى السُّنَّةِ.

стр. 3364

فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ: مَا كَانَ يَنْتَسِبُ إلَّا إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَإِمَامهمْ عَنْهُ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ. وَقَد ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَغَيْرُهُ فِي مُنَاظَرَاتِهِ: مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْدَهُ مِن مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْحَدِيثِ، لَمْ يَجْعَلْهُ مُبَايِنًا لَهُمْ، وَكَانُوا قَدِيمًا مُتَقَارِبِينَ، إلَّا أَنَّ فِيهِمْ مَن يُنْكِرُ عَلَيْهِ مَا قَد يُنْكِرُونَهُ عَلَى مَن خَرَجَ مِنْهُم إلَى شَيْءٍ مِن الْكَلَامِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن الْبِدْعَةِ، مَعَ أَنَّهُ فِي أَصْلِ مَقَالَتِهِ لَيْسَ عَلَى السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ؛ بَل هُوَ مُقَضرٌ عَنْهَا تَقْصِيرًا مَعْرُوفًا. وَالْأَشْعَرِيَّة فِيمَا يُثْبِتُونَهُ مِن السُّنَّةِ فَرْعٌ عَلَى الْحَنْبَلِيَّةِ، كَمَا أَنَّ مُتَكَلِّمَةَ الْحَنْبَلِيَّةِ -فِيمَا يَحْتَجُّونَ بِهِ مِن الْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ- فَرْعٌ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّمَا وَقَعَت الْفُرْقَةُ بِسَبَبِ فِتْنَةِ القشيري. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّةَ الخراسانيين كَانُوا قَد انْحَرَفُوا إلَى التَّعْطِيلِ. وَكَثِيرٌ مِن الْحَنْبَلِيَّةِ زَادُوا فِي الْإِثْبَاتِ. فَابْنُ عَقِيلٍ: إنَّمَا وَقَعَ فِي كَلَامِهِ الْمَادَّةُ الْمُعْتَزِلِيَّةُ بِسَبَبِ شَيْخِهِ أَبِي عَلِيِّ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ التَّبَّانِ المعتزليين؛ وَلهَذَا لَهُ فِي كِتَابِهِ "إثْبَاتِ التَّنْزِيهِ" وَفِي غَيْرِهِ كَلَامٌ يُضَاهِي كَلَامَ المريسي وَنَحْوِهِ، لَكِنْ لَهُ فِي الْإِثْبَاتِ كَلَامٌ كَثِيرٌ حَسَن، وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ أَمْرُهُ فِي كِتَابِ "الْإِرْشَادِ"، مَعَ أَنَّهُ قَد يَزِيدُ فِي الْإِثْبَاتِ، لَكِنْ مَعَ هَذَا فَمَذْهَبُهُ فِي الصِّفَاتِ قَرِيبٌ مِن مَذْهَبِ قُدَمَاءِ الْأَشْعَرِيَّةِ والْكلَّابِيَة فِي أَنَّهُ يُقِرُّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْفرْآنُ وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ، وَيَتَأَوَّلُ غَيْرَهُ. وَالْغَزَالِيُّ فِي كَلَامِهِ مَادَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ كَبِيرَةٌ بِسَبَبِ كَلَامِ ابْنِ سِينَا فِي "الشفا" وَغَيْرِهِ وَ"رَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا" وَكَلَامِ أَبِي حَيَّانَ التَّوْحِيدِيِّ. وَأَمَّا الْمَادَّةُ الْمُعْتَزِلِيَّةُ فِي كَلَامِهِ فَقَلِيلَةٌ أَو مَعْدُومَةٌ، كَمَا أَنَّ الْمَادَّةَ الْفَلْسَفِيَّةَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ قَلِيلَةٌ أَو مَعْدُومَةٌ. وَكَلَامُهُ فِي "الْإِحْيَاءِ": غَالِبُهُ جَيِّدٌ، لَكِنَّ فِيهِ مَوَادَّ فَاسِدَةً: مَادَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ،

стр. 3365

وَمَادَّةٌ كَلَامِيَّةٌ، وَمَادَّةٌ مِن تُرَّهَاتِ الصُّوفِيَّةِ، وَمَادَّةٌ مِن الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ. وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ عَقِيلٍ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ مِن جِهَةِ تَنَاقُضِ الْمَقَالَاتِ فِي الصِّفَاتِ؛ فَإِنَّهُ قَد يُكَفِّرُ فِي أَحَدِ الصِّفَاتِ بِالْمَقَالَةِ الَّتِي يَنْصُرُهَا فِي الْمُصَنَّفِ الْآخَرِ، وَإِذَا صَنَّفَ عَلَى طَرِيقَةِ طَائِفَةٍ غَلَبَ عَلَيْهِ مَذْهَبُهَا. وَأَمَّا ابْنُ الْخَطِيبِ: فَكَثِيرُ الِاضْطِرَابِ جِدًّا، لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بَحْثٌ وَجَدَلٌ، بِمَنْزِلَةِ الَّذِي يَطْلُبُ وَلَمْ يَهْتَدِ إلَى مَطْلُوبِهِ. بِخِلَافِ أَبِي حَامِدٍ: فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَسْتَقِرُّ. وَالْأَشْعَرِيَّةُ: الْأَغْلَبُ عَلَيْهِم أَنَّهُم مُرْجِئَةٌ فِي "بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ"، جَبْرِيَّةٌ فِي "بَابِ الْقَدَرِ". وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ فَلَيْسُوا جهمية مَحْضَةً؛ بَل فِيهِمْ نَوْعٌ مِن التَّجَهُّمِ. وَالْمُعْتَزِلَةُ: وَعِيدِيَّة فِي "بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكامِ"، قَدَرِيَّةٌ فِي "بَابِ الْقَدَرِ"، جهمية مَحْضَةٌ -وَاتَّبَعَهُم عَلَى ذَلِكَ مُتَأَخِّرُو الشِّيعَةِ، وَزَادُوا عَلَيْهِم الْإِمَامَةَ وَالتَّفْضِيلَ، وَخَالَفُوهُم فِي الْوَعِيدِ-، وَهُم أَيْضًا يَرَوْنَ الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ. وَأَمَّا "الْأَشْعَرِيَّةُ" فَلَا يَرَوْنَ السَّيْفَ مُوَافَقَةَ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ، وَهُم فِي الْجُمْلَةِ أَقْرَبُ الْمُتَكَلِّمِينَ إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ. وَ"الْكُلَّابِيَة" وَكَذَلِكَ "الكَرَّامِيَة": فِيهِمْ قُرْبٌ إلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَإِن كَانَ فِي مَقَالَةِ كُلٍّ مِن الْأَقْوَالِ مَا يُخَالِفُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ. وَأَمَّا "السالمية": فَهُم وَالْحَنْبَلِيَّةُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، إلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ تَجْرِي مَجْرَى اخْتِلَافِ الْحَنَابِلَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَفِيهِمْ تَصَوُّفٌ. وَمَن بَدَّع مِن أَصْحَابِنَا هَؤُلَاءِ: يُبَدِّع أَيْضًا التَّسَمِّيَ فِي الْأُصُولِ بِالْحَنْبَلِيَّةِ وَغَيْر ذَلِكَ، وَلَا يَرَى أَنْ يَتَسَمَّى أَحَدٌ فِي الْأُصُولِ إلَّا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

стр. 3366

وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ جَيِّدَةٌ، لَكِنَّ هَذَا مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ؛ فَإِنَّ مَسَائِلَ الدَّقِّ فِي الْأُصُولِ لَا يَكَادُ يَتَّفِقُ عَلَيْهَا طَائِفَةٌ؛ إذ لَو كَانَ كَذَلِكَ لَمَا تَنَازَعَ فِي بَعْضِهَا السَّلَفُ مِن الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَقَد يُنْكَرُ الشَّيْءُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، وَعَلَى شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ (١). [٦/ ٥١ - ٥٦] ٥٣١٤ - أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ نَصَرَ قَوْلَ جَهْمٍ فِي الْإِيمَانِ، مَعَ أَنَّهُ نَصَرَ الْمَشْهُورَ عَن أَهْلِ السُّنَّةِ مِن أَنَّهُ يَسْتَثْنِي فِي الْإِيمَانِ فَيَقُولُ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللهُ؛ لِأَنَّهُ نَصَرَ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَلَا يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ، وَتُقْبَلُ فِيهِم الشَّفَاعَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَهُوَ دَائِمًا يَنْصُرُ -فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي فِيهَا النِّزَاعُ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ- قَوْلَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُن خَبِيرًا بِمَآخِذِهِمْ، فَيَنْصُرُهُ عَلَى مَا يَرَاهُ هُوَ مِن الْأُصُولِ الَّتِي تَلَقَّاهَا عَن غَيْرِهِمْ، فَيَقَعُ فِي ذَلِكَ مِن التَّنَاقُضِ مَا يُنْكِرُهُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كَمَا فَعَلَ فِي مَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ وَنَصَرَ فِيهَا قَوْل جَهْمٍ مَعَ نَصْرِهِ لِلِاسْتِثْنَاءِ. [٧/ ١٢٠] ٥٣١٥ - ابْنُ عَقِيلٍ لَمَّا كَانَ فِي كَثِيرٍ مِن كَلَامِهِ طَائِفَةٌ مِن كَلَامِ الْمُعْتَزِلَةِ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك لَذَّةَ النَّظَرِ إلَى وَجْهِك، فَقَالَ: يَا هَذَا هَبْ أَنَّ لَهُ وَجْهًا أَفَتَتَلَذَّذُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ. وَهَذَا اللَّفْظُ مَأْثُورٌ عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاة النَّسَائِي وَغَيْرُهُ عَن عَمَّارٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ . [٨/ ٣٥٥] ٥٣١٦ - "الشَّيْخُ أَئو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي" فِي "كِتَابِ تَارِيخِ أَهْلِ الصُّفَّةِ" جَمَعَ ذِكْرَ مَن بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ مِن "أَهْلِ الصُّفَّةِ" وَكَانَ مُعْتَنِيًا بِذِكْرِ أَخْبَارِ النُّسَّاكِ وَالصُّوفِيَّةِ؛ وَالْآثَارِ الَّتِي يَسْتَنِدُونَ إلَيْهَا وَالْكَلِمَاتِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُمْ؛ وَجَمَعَ أَخْبَارَ

стр. 3367

زُهَّادِ السَّلَفِ، وَأَخْبَارَ جَمِيعِ مَن بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ مِن أَهْلِ الصُّفَّةِ وَكَمْ بَلَغُوا، وَأَخْبَارَ الصُّوفِيَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ، وَجَمَعَ أَيْضًا فِي الأَبْوَابِ: مِثْل حَقَائِقِ التَّفْسِيرِ، وَمِثْل أَبْوَابِ التَّصَوُّفِ الْجَارِيَةِ عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَمِثْل كَلَامِهِمْ فِي التَّوْحِيدِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَمَسْأَلَةَ السَّمَاعِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِن الْأَحْوَالِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِن الْأَبْوَابِ، وَفِيمَا جَمَعَهُ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ، وَمَنَافِعُ جَلِيلَةٌ. وَهُوَ فِي نَفْسِهِ رَجُلٌ مِن أَهْلِ الْخَيْرِ وَالدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ، وَمَا يَرْوِيه مِن الْآثَارِ فِيهِ مِن الصَّحِيحِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَيَرْوِي أَحْيَانًا أَخْبَارًا ضَعِيفَةً بَل مَوْضُوعَةٌ، يَعْلَمُ الْعُلَمَاءُ أَنَّهَا كَذِبٌ، وَقَد تَكَلَّمَ بَعْضُ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ فِي سَمَاعِهِ، وَكَانَ البيهقي إذَا رَوَى عَنْهُ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِن أَصْلِ سَمَاعِهِ، وَمَا يُظَنُّ بِهِ وَبأَمْثَالِهِ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَمُّدُ الْكَذِبِ، لَكِنْ لِعَدَمِ الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ يَدْخُلُ عَلَيْهِم الْخَطَأُ فِي الرِّوَايَةِ، فَإِنَّ النُّسَّاكَ وَالْعُبَّادَ مِنْهُم مَن هُوَ مُتْقِنٌ فِي الْحَدِيثِ؛ مِثْلُ ثَابِتٍ البناني والْفُضَيْل بْنِ عِيَاضٍ وَأَمْثَالِهِمَا، وَمِنْهُم مَن قَد يَقَعُ فِي بَعْضِ حَدِيثِهِ غَلَطٌ، وَضَعُفَ مِثْلُ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ وَفَرْقَدٍ السبخي وَنَحْوِهِمَا، وَكَذَلِكَ مَا يَأْثَرُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَن بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الطَّرِيقِ أَو يَنْتَصِرُ لَهُ مِن الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْأَحْوَالِ فِيهِ مِن الْهُدَى وَالْعِلْمِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَفِيهِ -أَحْيَانًا- مِن الْخَطَأِ أَشْيَاءُ، وَبَعْضُ ذَلِكَ يَكُونُ عَن اجْتِهَادٍ سَائِغٍ، وَبَعْضُهُ بَاطِلٌ قَطْعًا؛ مِثْلُ مَا ذُكِرَ فِي حَقَائِقِ التَّفْسِيرِ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ عَن جَعْفَرٍ الصَّادِقِ وَغَيْرِهِ مِن الآثَارِ الْمَوْضُوعَةِ، وَذَكَرَ عَنْهُ بَعْضُ طَائِفَةٍ أَنْوَاعًا مِن الْإِشَارَاتِ الَّتِي بَعْضُهَا أَمْثَالٌ حَسَنَةٌ، وَاسْتِدْلَالَاتٌ مُنَاسِبَةٌ، وَبَعْضُهَا مِن نَوْعِ الْبَاطِلِ وَاللَّغْوِ. فَاَلَّذِي جَمَعَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَنَحْوُهُ فِي تَارِيخِ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَأَخْبَارِ زُهَّادِ السَّلَفِ وَطَبَقَاتِ الصُّوفِيَّةِ يُسْتَفَادُ مِنْهُ فَوَائِدُ جَلِيلَةٌ، وَيُجْتَنَبُ مِنْهُ مَا فِيهِ مِن الرِّوَايَاتِ الْبَاطِلَةِ، وَيُتَوَقَّفُ فِيمَا فِيهِ مِن الرِّوَايَاتِ الضَّعِيفَةِ، وَهَكَذَا كَثِيرٌ مِن أَهْلِ الرِّوَايَاتِ وَمِن أَهْلِ الْآرَاءِ وَالْأَذْوَاقِ مِغ الْفُقَهَاءِ وَالزُّهَّادِ وَالْمُتَكَلِّمِين وَغَيْرِهِمْ يُوجَدُ فِيمَا يَأْثُرُونَهُ عَمَّن قَبْلَهُم وَفِيمَا يَذْكُرُونَة مُعْتَقِدِينَ لَهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ وَأَمْرٌ عَظِيمٌ

стр. 3368

مِن الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ، وَيُوجَدُ -أَحْيَانًا- عِنْدَهُم مِن جِنْسِ الرِّوَايَاتِ الْبَاطِلَةِ أَو الضَّعِيفَةِ وَمِن جِنْسِ الْآرَاءِ وَالْأَذْوَاقِ الْفَاسِدَةِ أَو الْمُحْتَمَلَةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ. [١١/ ٤٢ - ٤٣] ٥٣١٧ - ظَنَّ طَائِفَةٌ غالطة أَنَّ "خَاتَمَ الْأَوْليَاءِ" أَفْضَل الْأَوْليَاءِ قِيَاسًا عَلَى خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ مِن الْمَشَايِخِ الْمُتَقَدِّمِينَ بِخَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ إلَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فَإِنَّهُ صَنَّفَ مُصَنَّفًا غَلِطَ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ. [١١/ ٢٢٣] ٥٣١٨ - إِنَّ الْجُنَيْد -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ- كَانَ مِن أَئِمَّةِ الْهُدَى. [١١/ ٢٤٠] ٥٣١٩ - تكَلَّمَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ "خَتْمِ الْوِلَايَةِ": بِكَلَام مَرْدُودٍ مُخَالِفٍ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، حَيْثُ غَلَا فِي ذِكْرِ الْوِلَايَةِ وَمَا ذَكَرَهُ مِن خَاتَمِ الْأَوْليَاءِ وَعِصْمَةِ الْأَوْليَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُقَدِّمَةٌ لِضَلَالِ ابْنِ عَرَبِيٍّ وَأَمْثَالِهِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْبَابِ بِالْبَاطِلِ وَالْعُدْوَانِ. [١١/ ٣٧٣] ٥٣٢٠ - سُئل -شيخ الإسلام ﵀ عَن "الْمُرْشِدَةِ" كَيْفَ كَانَ أَصْلُهَا وَتَأْلِيفُهَا؟ وَهَل تَجُوزُ قِرَاءَتُهَا أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- قَائِلًا: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَصْلُ هَذِهِ: أَنَّهُ وَضَعَهَا أَبُو عَبْدِ اللهِ محَمَّد بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ التومرت الَّذِي تَلَقَّبَ بِالْمَهْدِيِّ وَكَانَ قَد ظَهَرَ فِي الْمَغْرِبِ فِي أَوَائِلِ الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ مِن نَحْوِ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَكَانَ قَد دَخَلَ إلَى بِلَادِ الْعِرَاقِ وَتَعَلَّمَ طَرَفًا مِن الْعِلْمِ، وَكَانَ فِيهِ طَرَفٌ مِن الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ. وَلَمَّا رَجَعَ إلَى الْمَغْرِبِ صَعِدَ إلَى جِبَالِ الْمَغْرِبِ إلَى قَوْمٍ مِن الْبَرْبَرِ وَغَيْرُهُمْ: جُهَّالٍ لَا يَعْرِفُونَ مِن دِينِ الْإِسْلَامِ إلَّا مَا شَاءَ اللهُ فَعَلَّمَهُم الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِن شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتَجَازَ أَنْ يُظْهِرَ لَهُم أَنْوَاعًا مِن المخاريق لِيَدْعُوَهُم بِهَا إلَى الدِّينِ، فَصَارَ يَجِيءُ إلَى الْمَقَابِرِ يَدْفِنُ بِهَا أَقْوَامًا

стр. 3369

وَيُوَاطِئُهُم عَلَى أَنْ يُكَلِّمُوهُ إذَا دَعَاهُم، وَيَشْهَدُوا لَهُ بِمَا طَلَبَهُ مِنْهُم؛ مِثْل أَنْ يَشْهَدُوا لَهُ بِأَنَّهُ الْمَهْدِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الَّذِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمَهُ وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِيهِ، وَأَنَّهُ الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا، وَأَنَّ مَن اتَّبَعَهُ أَفْلَحَ وَمَن خَالَفَهُ خَسِرَ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْكَلَامِ، فَإِذَا اعْتَقَدَ أُولَئِكَ الْبَرْبَرُ أَنَّ الْمَوْتَى يُكَلِّمُونَهُ وَيَشْهَدُونَ لَهُ بِذَلِكَ عَظُمَ اعْتِقَادُهُم فِيهِ وَطَاعَتُهُم لِأَمْرِهِ، ثُمَّ إنَّ أُولَئِكَ الْمَقْبُورِينَ يَهْدِئم عَلَيْهِم الْقُبُورَ لِيَمُوتُوا وَلَا يُظْهِرُوا أَمْرَهُ وَاعْتَقِدَ أَنَّ دِمَاءَ أُولَئِكَ مُبَاحَةٌ بِدُونِ هَذَا وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ إظْهَارُ هَذَا الْبَاطِلِ لِيَقُومَ أُولَئِكَ الْجُهَّالُ بِنَصْرِهِ وَاتِّبَاعِهِ. وَصَاحِبُ "الْمُرْشِدَةِ" كَانَت هَذِهِ عَقِيدَتَهُ كَمَا قَد صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي كِتَابِ لَهُ كَبِيرٍ شَرَحَ فِيهِ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ، ذَكَرَ فِيهِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى وُجُودٌ مُطْلَقٌ كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ ابْنُ سِينَا وَابْنُ سَبْعِينَ وَأَمْثَالُهُمْ. وَلهَذَا لَمْ يَذْكرْ فِي "مُرْشِدَتِهِ" الِاعْتِقَادَ الَّذِي يَذْكُرُهُ أَئِمَّةُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِن أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْكلَامِ وَغَيْرِهِمْ مِن أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَالتَّوْحِيدُ هُوَ مَا بَيَّنَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. فنفاة الْجَهْمِيَّة مِن الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ سَمَّوْا نَفْيَ الصِّفَاتِ تَوْحِيدًا .. وَصَاحِبُ الْمُرْشِدَةِ لَقَّبَ أَصْحَابَهُ مُوَحِّدِينَ اتِّبَاعًا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا تَوْحِيدًا مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهِ مِن سُلْطَانٍ، وَأَلْحَدُوا فِي التَّوْحِيدِ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ بِهِ الْقُرْآنَ. [١١/ ٤٧٦ - ٤٩١] ٥٣٢١ - الشَّهْرَستَانِي مَعَ تَصْنِيفِهِ فِي الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ يَذْكرُ فِي مَسْأْلَةِ الْكَلَامِ وَالْإِرَادَةِ وَغَيْرِهِمَا أَقْوَالًا لَيْسَ فِيهَا الْقَوْلُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسنَّةُ وَإِن كَانَ بَعْضُهَا أَقْرَبَ.

стр. 3370

وَقَبِلَهُ أَبُو الْحَسَنِ كِتَابُهُ فِي اخْتِلَافِ الْمُصَلِّينَ مِن أَجْمَعِ الْكُتُبِ، وَقَد اسْتَقْصَى فِيهِ أَقَاوِيلَ أَهْلِ الْبِدَع، وَلَمَّا ذَكَرَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ ذَكَرَهُ مُجْمَلًا غَيْرَ مُفَصَّلٍ، وَتَصَرَّفَ فِي بَعْضِهِ فَذَكَرَهُ بِمَا اعْتَقَدَهُ هُوَ أَنَّهُ قَوْلُهُم مِن غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنْقُولًا عَن أَحَدٍ مِنْهُمْ. وَأَقْرَبُ الْأَقْوَالِ إلَيْهِ قَوْلُ ابْن كِلَابٍ. فَأمَّا ابْنُ كِلَابٍ فَقَوْلُهُ مَشُوبٌ بِقَوْلِ الْجَهْمِيَّة، وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِن قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَقَوْلِ الْجَهْمِيَّة. وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ فِى الصِّفَاتِ، وَأَمَّا فِى الْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ فَقَوْلُهُ قَوْلُ جَهْمٍ. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ عَن أهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَقَالَ: "وَبِكُلٍّ مَا ذَكَرْنَا مِن قَوْلِهِمْ نَقُولُ وَإِلَيْهِ نَذْهَبُ"، فَهُوَ أَقْرَبُ مَا ذَكَرَهُ. وَبَعْضُهُ ذَكَرَهُ عَنْهُم عَلَى وَجْهِهِ وَبَعْضُهُ تَصَرَّفَ فِيهِ وَخَلَطَهُ بِمَا هُوَ مِن أَقْوَالِ جَهْمٍ فِي الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ، إذ كَانَ هُوَ نَفْسُهُ يَعْتَقِدُ صِحَّةَ تِلْكَ الْأُصُولِ، وَهُوَ يُحِبُّ الِانْتِصَارَ لأهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَمُوَافَقَتَهُمْ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْمَعُ بَيْنَ مَا رَآهُ مِن رَأْيِ أُولَئِكَ وَبَيْنَ مَا نَقَلَهُ عَن هَؤُلَاءِ. وَالطَّائِفَتَانِ -أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَهْمِيَّة- يَقُولُونَ إنَّهُ تَنَاقُضٌ، لَكِنَّ السُّنِّيَّ يَحْمَدُ مُوَافَقَتهُ لِأهْلِ الْحَدِيثِ، وَيُذَمُّ مُوَافَقَتهُ للجهمية. وَلهَذَا كَانَ مُتَأَخِّرُو أَصْحَابِهِ كَأَبِي الْمَعَالِي وَنَحْوِهِ أَظْهَرَ تَجَهُّمًا وَتَعْطِيلًا مِن مُتَقَدِّمِيهِمْ. وَهِيَ مَوَاضِعُ دَقِيقَةٌ يَغْفِرُ اللهُ لِمَن أَخْطَأَ فِيهَا بَعْدَ اجْتِهَادِهِ. لَكِنَّ الصَّوَابَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ، فَلَا يَكُونُ الْحَقُّ فِي خِلَافِ ذَلِكَ قَطُّ وَاللهُ أَعْلَمُ. [١٦/ ٣٠٧ - ٣٠٩] ٥٣٢٢ - قَوْلُهُ تعالى: ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ [البقرة: ٢١٠] كَانَ جَمَاعَةٌ مِن

стр. 3371

السَّلَفِ يُمْسِكُونَ عَن مِثْل هَذَا، وَقَد ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى عَن أَحْمَد أَنَّهُ قَالَ: الْمُرَادُ بِهِ قُدْرَتُهُ وَأَمْرُهُ. قَالَ: وَقَد بَيَّنَهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [النحل: ٣٣]. قُلْت: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ أَنَّ حَنْبَلًا نَقَلَهُ عَن أَحْمَد فِي كِتَابِ "الْمِحْنَةِ" أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي الْمُنَاظَرَةِ لَهُم يَوْمَ الْمِحْنَةِ لَمَّا احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: "تَجِيءُ الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ". قَالُوا: وَالْمَجِيءُ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَخْلُوق، فَعَارَضَهُم أَحْمَد بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢]، ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وَقَالَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: "تَجِيءُ الْبَقَرَةُ وَآلُ عِمْرَانَ": ثَوَابُهُمَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أَمْرُهُ وَقُدْرَتُهُ. وَقَد اخْتَلَفَ أَصْحَابُ أحْمَد فِيمَا نَقَلَهُ حَنْبَلٌ. فَإِنَّهُ لَا ريبَ أَنَّهُ خِلَافُ النُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَن أَحْمَد فِي مَنْعِهِ مِن تَأْوِيلِ هَذَا، وَتَأْوِيلِ النُّزُولِ وَالِاسْتِوَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْأَفْعَالِ. وَحَنْبَلٌ يَنْفَرِدُ بِرِوَايَاتِ يُغَلِّطُهُ فِيهَا طَائِفَةٌ كَالْخَلَّالِ وَصَاحِبِهِ. قَالَ أَبُو إسْحَاقَ ابْن شاقلا: هَذَا غَلَطٌ مِن حَنْبَلٍ لَا شَكَّ فِيهِ. وَكَذَلِكَ نُقِلَ عَن مَالِكٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ تَأَوَّلَ "يَنْزِلُ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا" أَنَّهُ يَنْزِلُ أَمْرُهُ، لَكِنَّ هَذَا مِن رِوَايَةِ حَبِيبٍ كَاتِبِهِ وَهُوَ كَذَّابٌ بِاتِّفَاقِهِمْ. [١٦/ ٤٠٤ - ٤٠٥] ٥٣٢٣ - أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ شُكْرٍ: سَرِيغ إلَى تَكْفِيرِ مَن يُخَالِفُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِن السُّنَّةِ، وَقَد يَكُونُ مُخْطِئًا فِيهِ؛ إمَّا لِاحْتِجَاجِهِ بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ أَو بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ لَكِنْ لَا تَدُلُّ عَلَى مَقْصُودِهِ، وَمَا أَصَابَ فِيهِ مِن السُّنَّةِ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُ كُلِّ مَن خَالَفَ فِيهِ. فَلَيْسَ كُلُّ مُخْطِئٍ كَافِرًا لَا سِيَّمَا فِي الْمَسَائِلِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي كَثُرَ فِيهَا نِزَاعُ الْأَمَةِ.

стр. 3372

وَكَذَلِكَ أَبُو عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيُّ لَهُ مُصَنَّفٌ فِي الصِّفَاتِ قَد جَمَعَ فِيهِ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ. وَكَذَلِكَ مَا يَجْمَعُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ منده مَعَ أَنَّهُ مِن أَكْثَرِ النَّاسِ حَدِيثًا، لَكِنْ يَرْوِي شَيْئًا كَثِيرًا مِن الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ، وَرُبَّمَا جَمَعَ بَابًا، وَكُلُّ أَحَادِيثِهِ ضَعِيفَةٌ، كَأَحَادِيثِ أَكْلِ الطِّينِ وَغَيْرِهَا. وَهُوَ يَرْوِي عَن أَبِي عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيِّ، وَقَد وَقَعَ مَا رَوَاهُ مِن الْغَرَائِبِ الْمَوْضُوعَةِ إلَى حَسَنِ بْنِ عَدِيٍّ، فَبَنَى عَلَى ذَلِكَ عَقَائِدَ بَاطِلَةً وَادَّعَى أَن اللهَ يُرَى فِي الدُّنْيَا عِيَانًا. [١٦/ ٤٣٤ - ٤٣٥] ٥٣٢٤ - مَسَائِلُ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ: مِن أَجَلِّ مَسَائِلِ أَحْمَد، وَقَد شَرَحَهَا أَبُو إسحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ الجوزجاني فِي كِتَابِهِ الْمُتَرْجِمِ، وَكَانَ خَطِيبًا بِجَامِعِ دِمَشْقَ هُنَا، وَلَهُ عَن أَحْمَد مَسَائِلُ، وَكَانَ يقْرَأُ كُتُب أَحْمَد إلَيْهِ عَلَى مِنْبَرِ جَامِعِ دِمَشْقَ. وَمَسَائِلُ إسْمَاعِيلَ عَن أَحْمَد بَعْدَ مَسَائِلِ مُحَمَّد بْن الْحَكَمِ؛ فَإِنَّ ابْنَ الْحَكَمِ صَحِبَ أَحْمَد قَدِيمًا، وَمَاتَ (١) قَبْلَ مَوْتِهِ بِنَحْوِ عِشْرِينَ سَنَةً. وَأَمَّا إسْمَاعِيلُ فَإِنَّهُ كَانَ عَلَى مَذْهَب أَهْلِ الرَّأْيِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَسَأَلَ أَحْمَد مُتَأَخِّرًا، وَسَأَلَ مَعَهُ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُد الْهَاشِمِيّ وَغَيْرَهُ مِن عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَسُلَيْمَانُ كَانَ يُقْرَنُ بِأَحْمَدَ، حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيّ: مَا رَأَيْت بِبَغْدَادَ أَعْقَلَ مِن رَجُلَيْنِ: أَحْمَد بْن حَنْبَلٍ وَسُلَيْمَان بْن دَاوُد الْهَاشِمِيّ. [٣٠/ ٤٠٣ - ٤٠٤]

стр. 3373

٥٣٢٥ - ابْنُ الْقَاسِمِ كَثِيرًا مَا يَرْوِي عَن أَحْمَد الْأَقْوَالَ الْمُتَأَخِّرَةَ الَّتِي رَجَعَ إلَيْهَا. [٣٢/ ٣٣٥] ٥٣٢٦ - الْحَلَّاجُ قُتِلَ عَلَى الزَّنْدَقَةِ الَّتِي ثَبَتَتْ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ وَبِغَيْرِ إقْرَارِهِ، وَالْأَمْرُ الَّذِي ثَبَتَ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ الْقَتْلَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. وَمَن قَالَ إنَّهُ قُتِلَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَهُوَ إمَّا مُنَافِقٌ مُلْحِدٌ، وَإِمَّا جَاهِلٌ ضَالٌّ. وَاَلَّذِي قُتِلَ بِهِ مَا اسْتَفَاضَ عَنْهُ مِن أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَبَعْضُهُ يُوجِبُ قَتْلَهُ فَضلًا عَن جَمِيعِهِ. وَلَمْ يَكُن مِن أَوْليَاءِ اللهِ الْمتَّقِينَ؛ بَل كَانَ لَهُ عِبَادَاتٌ وَرِياضَاتٌ وَمُجَاهَدَاتٌ، بَعْضُهَا شَيْطَانِيٌّ، وَبَعْضُهَا نَفْسَانِيٌّ، وَبَعْضُهَا مُوَافِقٌ لِلشَّرِيعَةِ مِن وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَلَبَّسَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ. وَكَانَ قَد ذَهَبَ إلَى بِلَادِ الْهِنْدِ وَتَعَلَّمَ أَنْوَاعًا مِن السِّحْرِ وَصَنَّفَ كِتَابًا فِي السِّحْرِ مَعْرُوفًا وَهُوَ مَوْجُودٌ إلَى الْيَوْمِ وَكَانَ لَهُ أَقْوَالٌ شَيْطَانِيَّةٌ ومخاريق بُهْتَانِيَة. [٣٥/ ١٠٨] ٥٣٢٧ - أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الهروي المتوفى (٤٨١). وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: علمه خير من عمله. [المستدرك ٥/ ٢٢٩] ٥٣٢٨ - كتاب الرد على الجهمية، والنقض على بشر المريسي. وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يوصي بهذين الكتابين أشد الوصية ويعظمهما جدًّا. [المستدرك ٥/ ٢٣٠] * * *

стр. 3374

المواضع التي خالف فيها البعلي وغيره ما في "مجموع الفتاوى " (١) مسألة جواز المسح على الخف الذي دون الكعب - قال المرداوي: اختار الشيخ تقي الدين أيضًا جواز المسح على الملبوس ولو كان دون الكعب. اهـ. [١/ ١٧٩] قلت: هذا ظاهر في أنَّ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى لا يرى أن من شروط المسح على الخفّين أن يكونا ساترين لمحل الفرض. وقد نسب ابن عثيمين ﵀ "مجموع فتاوى ابن عثيمين" (١١/ ١٦٥) هذا القول للشيخ. وقد جاء في "مجموع الفتاوى" (٢١/ ١٨٥ - ١٩٢) ما يُخالف ذلك، حيث قال شيخ الإسلام: وَالْخِفَافُ قَد اُعْتِيدَ فِيهَا أَنْ تُلْبَسَ مَعَ الْفَتْقِ وَالْخَرْقِ وَظُهُورِ بَعْضِ الرِّجْلِ. وَأَمَّا مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ فَذَاكَ لَيْسَ بِخُفِّ أَصْلًا، وَلهَذَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّعْلَيْنِ فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. فَإِنَّمَا أَمَرَ بالْقَطْعِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ رُخْصَةَ الْبَدَلِ لَمْ تَكُنْ شُرِعَتْ، فَأَمَرَهُم بِالْقَطْعِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْطُوعَ يَصِيرُ كَالنَّعْلَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِخُفِّ، وَلهَذَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي إذْنِهِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. اهـ. وقد ذهب جماهير العلماء إلى أنّ من شروط المسح على الخفين: أن يكون ساترًا لمحل فرض الغسل -الكعبان مع القدم- فإن لم يستر الكعبين لم يصح المسح عليهما، قياسًا على الوضوء؛ ولأن ما ظهر فرضه الغسل، وما ستر فرضه المسح، ولا يمكن أن يجمع بين البدل والمبدل منه في عضو واحد. واختار ابن حزم والأوزاعي فيما روي عنه وابن عثيمين والألباني

стр. 3375

رحمهم الله جواز المسح على الخف الذي لا يستر الكعبين؛ لأنه خف يمكن متابعة المشي فيه، فأشبه الساتر. قال ابن حزم ﵀: "فإن كان الخفان مقطوعين تحت الكعبين؛ فالمسح جائز عليهما، وهو قول الأوزاعي، روي عنه أنه قال: يمسح المحرم على الخفين المقطوعين تحت الكعبين، وقال غيره لا يمسح عليها إلا أن يكونا فوق الكعبين. قال: قد صح عن رسول الله ﷺ الأمر بالمسح على الخفين، وأنه مسح على الجوربين، ولو كان ههنا حد محدود لما أهمله ﵇ ولا أغفله فوجب أن كل ما يقع عليه اسم خف أو جورب أو لبس على الرجلين فالمسح عليه جائز .. ". اهـ. * * * (٢) مسألة: هل يَتَيمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَيَبْقَى بَعْدَ الْوَقْتِ وَيصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ كَالْمَاءٍ - قال شيخ الإسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى": تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي التَّيَمُّمِ: هَل يَقُومُ مَقَامَ الْمَاءِ فَيَتَيَمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ، كَمَا يَتَوَضَّأُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ مِن فُرُوضٍ وَنَوَافِلَ، كَمَا يُصَلِّي بِالْمَاءِ وَلَا يَبْطُلُ بِخُرُوج الْوَقْتِ، كَمَا لَا يَبْطُلُ الْوُضُوءُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ .. فَمَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَتَيَمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَيَبْقَى بَعْدَ الْوَقْتِ وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ كَالْمَاءِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَتيمَّمُ قَبْلَ الْوَقْتِ وَلَا يَبْقَى بَعْدَ خُرُوجِهِ. وَلنا أَنَّهُ قَد ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: أَنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ كَمَا أَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ. إلى أن قال: وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ طَهُورًا قَبْلَ الْوَقْتِ وَبَعْدَ الْوَقْتِ وَفِي الْوَقْتِ، كَمَا كَانَ الْمَاءُ طَهُورًا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَائَةِ، وَلَيْسَ بَيْنَ هَذَا فَرْق مُؤَثِّرٌ إلَّا إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَمَن أَبْطَلَهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ فَقَد خَالَفَ مُوجِبَ الدَّلِيلِ.

стр. 3376

وجاء في "الفتوى الكبرى" (٢/ ٣٠٩): التيمم لوقت كل صلاة إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى أعدل الأقوال. * * * (٣) مسألة: حكم الْوُضُوءُ مِنَ الْحَدَثِ الدَّائِمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ جاء في "مجموع الفتاوى" [٢٠/ ٥٢٤ - ٥٢٧]: وَأَمَّا الْوُضُوءُ مِنَ الْحَدَثِ الدَّائِمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَفِيهِ أَحَادِيثُ مُتَعَدِّدَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَدّ صَحَّحَ بَعْضَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَقَوْلُ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ يُوجِبُونَ الْوُضُوءَ لِكلِّ صَلَاةٍ أَظْهَرُ، وَهُوَ مَذْهبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وجاء كذلك (٢١/ ١٠٦ - ١٠٧): وَأَمَّا مَن بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ -وَهُوَ أَنْ يَجْرِيَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَا يَنْقَطِعُ- فَهَذَا يَتَّخِذُ حِفَاظًا يَمْنَعُهُ. فَإِنْ كَانَ الْبَوْلُ يَنْقَطِعُ مِقْدَارَ مَا يَتَطَهَّرُ وَيُصَلِّي، وَإِلَّا صَلَّى، وَإِن جَرَى الْبَوْلُ -كَالْمُسْتَحَاضَةِ- تتوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وجاء خلاف ذلك في "الاختيارات" (٢٧)، و"الفتاوى الكبرى" (٢/ ٣٠٦): الأحداث اللازمة كدم الاستحاضة وسلس البول لا تنقض الوضوء ما لم يوجد المعتاد وهو مذهب مالك. (٤) إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يؤَذِّن وَهُوَ فِي صَلَاةٍ فهل يردّد معه ؟ - قال شيخ الإسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٧٢): إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يُؤَذِّنُ وَهُوَ فِي صَلَاةٍ فَإِنَّهُ يُتِمُّهَا وَلَا يَقُولُ مِثْل مَا يَقُولُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ خَارِجَ الصَّلَاةِ فِي قِرَاءَةٍ أَو ذِكْرٍ أَو دُعَاءٍ: فَإِنَّهُ يَقْطَعُ ذَلِكَ وَيَقُولُ مِثْل مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ؛ لِأَنَّ مُوَافَقَةَ الْمُؤَذِّنِ عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ يَفُوتُ وَقْتُهَا، وَهَذِهِ الْأَذْكَارُ لَا تَفُوتُ. وجاء في "الإنصاف" (١/ ٤٢٦): وقال الشيخ تقي الدين: يستحب أن يجيبه ويقول مثل ما يقول ولو في الصلاة. اهـ.

стр. 3377

فهذا يُخالف ما قرره في الفتاوى. * * * (٥) مسألة: اختلاف المطالع - قال شيخ الإسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى": مَسْأَلَةُ رُؤْيَةِ بَعْضِ الْبِلَادِ رُؤْيةٌ لِجَمِيعِهَا: فِيهَا اضْطِرَابٌ، فَإِنَّهُ قَد حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيمَا يُمْكِنُ اتِّفَاقُ الْمَطَالِعِ فِيهِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِثْل الْأَنْدَلُسِ وَخرَاسَانَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ. وَاَلَّذِينَ قَالُوا: لَا تَكُونُ رُؤَيةً لِجَمِيعِهَا كَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِنْهُم مَن حَدَّدَ ذَلِكَ بِمَسَافَةِ الْقَصْرِ، وَمِنْهُم مَن حَدَّدَ ذَلِكَ بِمَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَطَالِعُ؛ كَالْحِجَازِ مَعَ الشَّامِ، وَالْعِرَاقِ مَعَ خُرَاسَانَ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ (١)؛ فَإِنَّ مَسَافَةَ الْقَصْرِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْهِلَالِ. وَأَمَّا الْأَقَالِيمُ فَمَا (٢) حَدَّدَ ذَلِكَ؟ ثُمَّ هَذَانِ خَطَأٌ مِن وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرُّؤْيَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ التَّشْرِيقِ وَالتَّغْرِيبِ، فَإِنَّهُ مَتَى رُئِيَ فِي الْمَشْرِقِ وَجَبَ أَنْ يُرَى فِي الْمَغْرِبِ وَلَا يَنْعَكِسُ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَخَّرُ غُرُوبُ الشَّمْسِ بِالْمَغْرِبِ عَن وَقْتِ غُرُوبِهَا بِالْمَشْرِقِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا اعْتَبَرْنَا حَدًّا كَمَسَافَةِ الْقَصْرِ أَو الْأَقَالِيمَ فَكَانَ رَجُلٌ فِي آخِرِ الْمَسَافَةِ وَالْإِقْلِيمِ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ وَيُفْطِرَ وَيَنْسُكَ، وَآخَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ غَلْوَةُ (٣) سَهْمٍ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ! وَهَذَا لَيْسَ مِن دِينِ الْمُسْلِمِينَ. فَالصَّوَابُ فِي هَذَا -وَاللهُ أَعْلَمُ- مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "صَوْمُكُمْ يَوْمَ تَصُومُونَ وَفِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ"، فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِن شَعْبَانَ أَنَّهُ رَآهُ بِمَكَان مِن الْأَمْكِنَةِ قَرِيبٍ أَو بَعِيدٍ: وَجَبَ الصَّوْمُ.

стр. 3378

وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ بِالرُّؤْيَةِ نَهَارَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلَى الْغُرُوبِ: فَعَلَيْهِم إمْسَاكُ مَا بَقِيَ، سَوَاءٌ كَانَ مِن إقْلِيمٍ أَو إقْلِيمَيْنِ. وَالِاعْتِبَارُ بِبُلُوغِ الْعِلْمِ بِالرُّؤْيَةِ فِي وَقْتٍ يُفِيدُ، فَأَمَّا إذَا بَلَغَتْهُم الرُّؤْيةُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَالْمُسْتَقْبَلَ يَجِبُ صَوْمُهُ بِكُلِّ حَالٍ. لَكِنَّ الْيَوْمَ الْمَاضِيَ: هَل يَجِبُ قَضَاؤُهُ؟ فَإِنَّهُ قَد يَبْلُغُهُم فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ أَنَّهُ رُئِيَ بِإِقْلِيمٍ آخَرَ وَلَمْ يُرَ قَرِيبًا مِنْهُمْ؟ الْأَشْبَهُ: أَنَّهُ إنْ رئيَ بِمَكَانٍ قَرِيبٍ -وَهُوَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَهُم خَبَرُهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ- فَهُوَ كَمَا لَو رُئِيَ فِي بَلَدِهِمْ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ. وَأَمَّا إذَا رُئِيَ بِمَكَانٍ لَا يُمْكِنُ وُصُولُ خَبَرِهِ إلَيْهِم إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْأَوَّلِ: فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ صَوْمَ النَّاسِ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَصُومُونَهُ، وَلَا يُمْكنُ أَنْ يَصُومُوا إلَّا الْيَوْمَ الَّذِي يُمْكِنُهُم فِيهِ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ، وَهَذَا لَمْ يَكُن يُمْكنُهُم فِيهِ بُلُوغُهُ فَلَمْ يَكُن يَوْمَ صَوْمِهِمْ، وَكَذَلِكَ فِي الْفِطْرِ وَالنُّسُكِ. فَالضَّابِطُ: أَنَّ مَدَارَ هَذَا الْأَمْرِ عَلَى الْبُلُوغِ؛ لِقَوْلِهِ: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ"، فَمَن بَلَغَهُ أَنَّهُ رُئِيَ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ مِن غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِمَسَافَةٍ أَصْلًا، وَهَذَا يُطَابِقُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي أَنَّ طَرَفَيْ الْمَعْمُورَةِ لَا يَبْلُغُ الْخَبَرُ فِيهِمَا إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ الْأَمَاكِنِ الَّذِي يَصِلُ الْخَبَرُ فِيهَا قَبْلَ انْسِلَاخِ الشَّهْرِ فَإِنَّهَا مَحَلُّ الِاعْتِبَارِ. وَلهَذَا قَالُوا: إذَا أَخْطَأَ النَّاسُ كُلُّهُم فَوَقَفُوا فِي غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ أَجْزَأَهُم اعْتِبَارًا بِالْبُلُوغِ، وَإِذَا أَخْطَأَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُم لَمْ يُجْزِئْهُم لِإِمْكَانِ الْبُلُوغِ؛ فَالْبُلُوغُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ سَوَاءٌ كَانَ عَلِمَ بِهِ لِلْبُعْدِ أَو لِلْقِلَّةِ. فَتَلَخَّصَ: أ- أَنَّهُ مَن بَلَغَهُ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُؤَدِّي بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ الصَّوْمَ أَو

стр. 3379

الْفِطْرَ أَو النُّسُكَ وَجَبَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِلَا شَكٍّ، وَالنُّصُوصُ وَآثَارُ السَّلَفِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَمَن حَدَّدَ ذَلِكَ بِمَسَافَةِ قَصْرٍ أَو إقْلِيمٍ فَقَولهُ مُخَالِفٌ لِلْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. ب- وَمَن لَمْ يَبْلُغْهُ إلَّا بَعْدَ الْأَدَاءِ وَهُوَ مِمَّا لَا يُقْضَى كَالْعِيدِ الْمَفْعُولِ وَالنُّسُكِ: فَهَذَا لَا تَأْثِيرَ لَهُ، وَعَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. ج- وَأَمَّا إذَا بَلَغَهُ فِي أثْنَاءِ الْمُدَّةِ: فَهَل يُؤَثِّرُ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ وَفِي بِنَاءِ الْفِطْرِ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ: مِن حُلُولِ الدَّيْنِ وَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْقَضَاء؟ يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ، وَفِي بِنَاءِ الْفِطْرِ عَلَيْهِ نَظَرٌ. فَهَذَا مُتَوَسِّطٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَمَا مِن قَوْلٍ سِوَاهُ إلَّا وَلَهُ لَوَازِمُ شَنِيعَةٌ. اهـ (١). قلت: ما قرره الشيخ هنا وهو أنه يُضعّف فيه الاعتبار باتفاق المطالع: يُخالف ما نسبه البعلي (١٥٨)، والمرداوي في "الإنصاف" (٣/ ٢٧٣) للشيخ من اعتباره لاتفاق المطالع في لزوم الصوم، فإذا اختلفت المطالع فلا يلزم الصوم بهذه الرؤية سوى من اتفقت مطالعهم فحسب. * * * (٦) هل يَجِبُ عَلَى الْمُقْتَرِضِ أَنْ يُوَفِّي الْمُقْرِضَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي اقْتَرَضَ فِيهِ ؟ قال شيخ الإسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى": يَجِبُ عَلَى الْمُقْتَرِضِ أَنْ يُوَفِّيَ الْمُقْرِضَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي اقْتَرَضَ فِيهِ، وَلَا يُكَلِّفهُ شَيْئًا مِن مُؤْنَةِ السَّفَرِ وَالْحَمْلِ.

стр. 3380

فَإِنْ قَالَ: مَا أُوَفِّيك إلَّا فِي بَلَدٍ آخَرَ غَيْر هَذَا: كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا يُنْفِقُهُ بِالْمَعْرُوفِ. اهـ (١). قلت: خالف الشيخ رحمه الله تعالى هنا المذهب الحنبلي في هذه المسألة، قال في الزاد: "وَإنْ أقْرَضَهُ أَثْمَانًا فَطَالَبَهُ بِهَا بِبَلَدٍ آخَرَ لَزِمَتْهُ، وَفِيمَا لِحَمْلِهِ مُؤونَةٌ قِيمَتُهُ"، ولم يذكر الشيخ ابن عثيمين ﵀ قولًا آخر، ولم يُشر إلى رأي شيخ الإسلام. [يُنظر: "الشرح الممتع" (٩/ ١١٥)]. ونقل البعلي في اختياراته (٤٤) عن الشيخ ما يُوافق المذهب فقال: واختار جواز اشتراط الاستيفاء في بلدٍ غير بلد القرض. اهـ. * * * (٧) هل تصح الصلاة خَلْفَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَخَلْفَ أَهْلِ الْفجُورِ ؟ قال شيخ الإسلام ﵀ في "مجموع الفتاوى": الصَّلَاةُ خَلْفَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَخَلْفَ أَهْلِ الْفُجُورِ: فِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، لَكِنْ أَوْسَطُ الْأَقْوَالِ فِي هَؤُلَاءِ أَنَّ تَقْدِيمَ الْوَاحِدِ مِن هَؤُلَاءِ فِي الْإِمَامَةِ لَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ. فَإِنَّ مَن كَانَ مُظْهِرًا لِلْفُجُورِ أَو الْبِدَعِ يَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ وَنَهْيُهُ عَن ذَلِكَ، وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ هَجْرُهُ لِيَنْتَهِيَ عَن فُجُورِهِ وَبِدْعَتِهِ. وَلهَذَا فَرَّقَ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِ الدَّاعِيَةِ؛ فَإِنَّ الدَّاعِيَةَ أَظْهَرَ الْمُنْكَرَ فَاسْتَحَقَّ الْإِنْكَارَ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ السَّاكِتِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَن أَسَرَّ بِالذَّنْبِ فَهَذَا لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ، فَإِنَّ الْخَطِيئَةَ إذَا خَفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إلَّا صَاحِبَهَا وَلَكِنْ إذَا أُعْلِنَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ ضَرَّت الْعَامَّةَ؛ وَلهَذَا كَانَ الْمُنَافِقُونَ تُقْبَلُ مِنْهُم عَلَانِيَتَهُم وَتُوكَلُ سَرَائِرُهُم إلَى اللهِ تَعَالَى بِخِلَافِ مَن أَظْهَرَ الْكُفْرَ.

стр. 3381

فَإِذَا كَانَ دَاعِيَةً: مُنِعَ مِن وِلَايَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَشَهَادَتِهِ وَرِوَايَتِهِ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن النَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ، لَا لِأَجْلِ فَسَادِ الصَّلَاةِ أَو اتِّهَامِهِ فِي شَهَادَتِهِ وَرِوَايَتِهِ. اهـ (١). قلت: هذا صريح بصحة الصلاة خَلْفَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَع وَخَلْفَ أَهْلِ الْفجُورِ، وهذا بخلاف ما نقله البعلي ﵀ (ص ١٠٧) أن الشيخ يرى عدم صحة الصلاة خلفهم مع القدرة، وقد يكون فهم ذلك من العبارة السابقة: "الصَّلَاةُ خَلْفَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَخَلْفَ أَهْلِ الْفُجُورِ: فِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، لَكِنْ أَوْسَطُ الْأَقْوَالِ فِي هَؤُلَاءِ أَنَّ تَقْدِيمَ الْوَاحِدِ مِن هَؤُلَاءِ فِي الْإِمَامَةِ لَا يَجُوزُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ". اهـ. وفرق بين منع تقديمهم في الإمامة وبين عدم صحة الصلاة خلفهم لو قُدموا. * * * (٨) حكم تلقين الميت بعد دفنه قال في "مختصر الفتاوى" (١٦٨): تلقين الميت بعد دفنه، قيل: مباح، وقيل: مستحب، وقيل: مكروه. وفعله واثلة بن الأسقع وأبو أمامة، والأظهر أنه مكروه؛ لأنه لم يفعله الرسول ﷺ ؛ بل المستحب الدعاء له، كما في "سنن أبي داود" (٢) أنه كان إذا مات رجل من أصحاب رسول الله ﷺ يقوم النبي ﷺ على قبره فيقول: "اسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل". اهـ. قلت: وهذا بخلاف ما جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٢٩٨)، حيث رجح الجواز فقال: فَالْأَقْوَالُ فِيهِ ثَلَاثَةٌ: الِاسْتِحْبَابُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ، وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ. اهـ.

стр. 3382

وقال كذلك في "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٢٩٩): وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ جَائِزٌ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ. اهـ. * * * (٩) مَا يَأْخُذُهُ ولَاةُ الْأُمُورِ بِغَيْرِ اسْمِ الزَّكَاةِ هل يعْتَدُّ بِهِ مِن الزَّكَاةِ جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٩٣): سُئِلَ: هَل يُجْزِئُ الرَّجُلَ عَن زَكَاتِهِ مَا يُغَزمُهُ وُلَاةُ الْأُمُورِ فِي الطُّرُقَاتِ؟ فَأجَابَ: مَا يَاخُذُهُ وُلَاةُ الْأمُورِ بِغَيْرِ اسْمِ الزَّكَاةِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِن الزَّكَاةِ. ا هـ. وجاء ما يُؤيد هذه الفتوى في "مختصر الفتاوى المصرية" (١/ ٢٧٥): ما يأخذ العدَّاد: فإن كان هو من أهل الزكاة أجزأت عن صاحبها عند الأئمة، وإن كان من الكُلَف (١) التي وضعها الملوك فإنها لا تجزئ عن الزكاة. وجاء في "الاختيارات" (ص ١٥٥) ما يُخالف ذلك حيث قال: وما يأخذه الإمام باسم المكس جاز دفعه بنية الزكاة، وتسقط وإن لم تكن على صفتها. * * * (١٠) مسألة التورق قال في "الاختيارات" (١٢٢)، "الإنصاف" (٤/ ٣٣٧): تحرم مسالة التورق، وهو رواية عن أحمد. ا هـ. ولم أجد لشيخ الإسلام -رحمة الله- تصريحًا بتحريمها؛ بل كان يكرهها.

стр. 3383

فقد قال مرة عن بيع التورق: مَذْمُومٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ، (٢٩/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، وقال مرة: وَالْأقْوَى كَرَاهَتُهُ. (٢٩/ ٣٠٢)، وقال: مَكْرُوهٌ فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ. (٣٠٣/ ٢٩)، ويُنظر كذلك: [٢٩/ ٤٣١] وأصرح ما رأيت: ما قال ابن القيم -رحمة الله-: كان شيخنا -رحمة الله- يمنع من مسألة التورق، وروجع فيها مرارًا وأنا حاضر فلم يرخص فيها، وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة بشراء السلعة وبيعها، والخسارة فيها؛ فالشريعة لا تحرم الضرر الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه. اهـ. [أعلام الموقعين ٢/ ١٦٤] وهذا ليس صريحًا بالتحريم. * * * (١١) هَل يُشْتَرطُ الْحُلول في صَرْف الْفُلُوسِ النَّافِقَةِ بِالدَّرَاهِمِ ؟ قال في "مجموع الفتاوى" (٢٩/ ٤٦٨ - ٤٦٩): هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ صَرْفُ الْفُلُوسِ النَّافِقَةِ بِالدَّرَاهِمِ هَل يُشْتَرَطُ فِيهَا الْحُلُولُ؟ أَمْ يَجُوز فِيهَا النسأ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورينِ. وَالْأَظْهَرُ الْمَنْعُ مِن ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْفُلُوسَ النَّافِقَةَ يَغْلِبُ عَلَيْهَا حُكْمُ الْأَثْمَانِ وَتُجْعَلُ مِعْيَارُ أَمْوَالِ النَّاسِ. اهـ. وجاء في "الاختيارات" (١٨٩): لا يشترط الحلول والتقابض في صرف الفلوس النافقة بأحد النقدين. وهذا مناقض لما في الفتاوى. قال العلامة ابن عثيمين -رحمة الله- في تعليقه على الاختيارات: وقوله بالمنع أظهر من قوله بالجواز؛ لقوة تعليلِه. * * *

стр. 3384

(١٢) هَل تجب الزكاة في الدينِ المؤجَّل، أو على معسر، أو مماطل ؟ جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٥/ ٤٥ - ٤٦): لَا بُدَّ فِي الزَّكَاةِ مِنَ الْمِلْكِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْيَدِ، فَلَهُم فِي زَكَاةِ مَا لَيْسَ فِي الْيَدِ كَالدَّيْنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَجِبُ فِي كُلِّ دَيْنٍ وَكُل عَيْنٍ وَإِن لَمْ تكُنْ تَحْتَ يَدِ صَاحِبِهَا؛ كَالْمَغْصُوبِ وَالضَّالِّ، وَالدَّيْنِ الْمَجْحُودِ وَعَلَى مُعْسِرٍ أَو مُمَاطِلٍ، وَأَنَّهُ يَجِبُ تَعْجِيلُ الْإِخْرَاجِ مِمَّا يُمْكِنُ قَبْضُهُ كَالدَّيْنِ عَلَى الْمُوسِرِ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَي الشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَقْوَاهُمَا. اهـ. وجاء فيها (٢٥/ ٤٧ - ٤٨): وَأَقْرَبُ الْأَقْوَالِ قَوْلُ مَن لَا يُوجِبُ فِيهِ شَيْئًا بِحَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ، أَو يُوجِبُ فِيهِ زَكَاةً وَاحِدَةً عِنْدَ الْقَبْضِ، فَهَذَا الْقَوْلُ لَهُ وَجْهٌ وَهَذَا وَجْةٌ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٌ، وَكِلَاهُمَا قِيل بِهِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد. اهـ. وجاء في "الاختيارات" (٩٨)، و"الفروع " (٢/ ٢٥١): لا تجب (١) في دينٍ مؤجَّل، أو على معسر، أو مماطل، أو جاحد، ومغصوب، ومسروق، وضال، وما دفنه ونسيه، أو جهل عند من هو، ولو حصل في يده، وهو رواية عن أحمد، واختارها وصححها طائفة من أصحابه، وهو قول أبي حنيفة. وهذا مناقض لما في الفتاوى. * * *

стр. 3385

(١٣) هَل تُكَفَّرُ الْكَبَائِر بغير توبة ؟ جاء في "مجموع الفتاوى" (٧/ ٤٨٧ - ٥٠١): دَلَّتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: عَلَى أَنَ غقُوبَةَ الذُّنُوبِ تَزُولُ عَن الْعَبْدِ بِنَحْوِ عَشَرَةِ أَسْبَابٍ، وذكر منها: الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، وَقَالَ ﷺ : "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ مُكَفِّوَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إذَا اُجْتُنِبَت الْكَبَائِرُ" (١). وَسُؤَالُهُم عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَقُولُوا: الْحَسَنَاتُ إنَّمَا تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ فَقَطْ، فَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا تُغْفَرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ؛ كَمَا قَد جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: "مَا اُجْتُنِبَت الْكَبَائِرُ". فَيُجَابُ عَن هَذَا بِوُجُوه: أَحَدُهَما: أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ جَاءَ فِي الْفَرَائِضِ؛ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]؛ فَالْفَرَائِضُ مَعَ تَرْكِ الْكَبَائِرِ مُقْتَضِيَة لِتَكْفِيرِ السَّيئّاَتِ، وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الزَّائِدَةُ مِن التَّطَوُّعَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا ثَوَابٌ آخَرُ؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. الثَّانِي: أَنَّهُ قَد جَاءَ التَّصْرِيحُ فِي كَثِيرٍ مِن الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ قَد تَكُونُ مَعَ الْكَبَائِرِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : "غُفِرَ لَهُ وَإِن كَانَ فَرَّ مِن الزحْفِ" (٢).

стр. 3386

الثَّالِثُ: أَنَّ قَوْلَهُ لِأَهْلِ بَدْرٍ وَنَحْوِهِمْ: "اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَد غَفَرْت لَكُمْ" (١): إنْ حُمِلَ عَلَى الصَّغَائِرِ أَو عَلَى الْمَغْفِرَةِ مَعَ التَّوْبَةِ لَمْ يَكُن فَرْقٌ بَيْنَهُم وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ. فَكَمَا لَا يَجُوزُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْكفْرِ؛ لِمَا قَد عُلِمَ أَنَّ الْكُفْرَ لَا يُغْفَرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ: لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى مُجَرَّدِ الصَّغَائِرِ الْمُكَفَّرَةِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ. الرَّابعُ: أَنَّهُ قَد جَاءَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ: "أَنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِن عَمَلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الصَّلَاةُ، فَإنْ أكمَلَها وَإِلَّا قِيلَ: اُنْظُرُوا هَل لَهُ مِن تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَت بِهِ الْفَرِيضَةُ، ثُمَّ يُصْنَعُ بِسَائِرِ أَعْمَالِهِ كَذَلِكَ" (٢). وَمَعْلُومٌ أَنَّ ذَلِكَ النَّقْصَ الْمُكَمَّلَ لَا يَكُونُ لِتَرْكِ مُسْتَحَبٍّ؛ فَإِنَّ تَرْكَ الْمُسْتَحَبِّ لَا يَحْتَاجُ إلَى جبران، وَلأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ الْمُسْتَحَبِّ الْمَتْرُوكِ وَالْمَفْعُولِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ يَكْمُلُ نَقْصُ الْفَرَائِضِ مِن التَّطَوُّعَاتِ. اهـ. وجاء في "الآداب الشرعية" (١/ ١٤٧، ١٤٨): ذكر الشيخ تقي الدين ﵁: أن الحسنة تعظم ويكثر ثوابها بزيادة الإيمان والإخلاص حتى تقابل جميع الذنوب، وذكر حديث: "فثقلت البطاقة وطاشت السجلات" (٣)، وحديث: "البغي التي سقت الكلب فشكر الله لها ذلك فغفر لها" (٤)، وحديث: "الذي نحى غصن شوك عن الطريق فشكر الله له ذلك فغفر له" رواه

стр. 3387

البخاري (١) ومسلم (٢) من حديث أبي هريرة. ا هـ. وهذا ظاهرٌ أن شيخ الإسلام -رحمة الله- يرى أنّ الْحَسَنَات قد تُكَفِّرُ الْكَبَائِر. وجاء خلاف ذلك في "الفتاوى المصرية" (١٠٥): صح عنه ﷺ أنه قال: "صيام يوم عرفة يكفر سنتين، وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة" (٣) لكن إطلاق القول بأنه يكفر لا يوجب أن يكفر الكبائر بلا توبة فإنه ﷺ قال في: "الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" (٤)، ومعلوم أنَّ الصلاةَ هي أفضل من الصيام، وصيام رمضان أعظم من صيام يوم عرفة، ولا يكفر السيئات إلا باجتناب الكبائر كما قيده النبي ﷺ فكيف يظن أن صوم يوم أو يومين تطوعًا يكفِّر الزنا والسرقة وشرب الخمر، والميسر، والسحر، ونحوه؟ فهذا لا يكون. وتكفير الطهارة والصلاة وصيام رمضان وعرفة وعاشوراء للصغائر فقط، وكذا الحج؛ لأن الصلاة ورمضان أعظم منه. * * * (١٤) هل يصح البيع بغير صفة ؟ جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٩/ ٢٢٢)، (٢٩/ ٣٠٦ - ٣٠٧): إذا لم ير المبيع ولم يوصف له: فالبيع باطل، وعليه رده بمثله أو قيمته. وجاء ما يُخالف ذلك، حيث جاء في "الفتاوى الكبرى" (٥/ ٣٨٧): اختار أبو العباس صحة البيع بغير صفة، وهو بالخيار إذا رآه، وهو رواية عن أحمد ومذهب الحنفية. وضعفه في موضع آخر. اهـ.

стр. 3388

قلت: وهو ما ذكره في المجموع، والله أعلم، ولعل للشيخ قولين في المسألة. * * * (١٥) من باع ربويًّا بنسيئة هل يحرم أخذه عن ثمن ما لا يباع به نسيئة ؟ جاء في "مجموع الفتاوى" (٢٩/ ٣٠٠ - ٣٠١): سُئِلَ -رحمة الله-: عَن رَجُلٍ بَاعَ قَمْحًا بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ يَكُن عِنْدَ الْمَدِينِ إلَّا قَمْحًا، فَهَل لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَمْحًا؟ فَأَجَابَ: نَعَمْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ قَمْحًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ رِبًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَطَائِفَةٍ مِن أَصْحَابِ أَحْمَد. وَإِذَا كَانَ أَخْذُ الْقَمْحِ أَرْفَقَ بِالْمَدِينِ مِن أَنْ يُكَلّفَهُ بَيْعَهُ وَإِعْطَاءَ الدَّرَاهِمِ فَالْأَفْضَل لِلْغَرِيمِ أَخْذُ الْقَمْحِ. وجاء في "مجموع الفتاوى" كذلك (٢٩/ ٤٤٩): مَن بَاعَ مَالًا رِبَوِيًّا كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَغَيْرِهِمَا إلَى أَجَلٍ: لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْتَاضَ عَن ثَمَنِهِ بِحِنْطَةٍ أَو شَعِيرٍ أَو غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً، لِأَنَّ الثَّمَنَ لَمْ يُقْبَضْ، فَكَانَّهُ قَد بَاعَ حِنْطَة أَو شَعِيرًا بِحِنْطَةٍ أَو شَعِيرٍ إلَى أَجَلٍ مُتَفَاضِلًا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ (١). وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ: هَذَا يَجُوزُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي محَمَّدٍ المقدسي مِن أَصْحَابِ أَحْمَد؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الثَّمَنَ فِي ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي وَبِهِ اشْتَرَى، فَأَشْبَهَ مَا لَو قَبَضَهُ ثُمَّ اشْتَرَى مِن غَيْرِهِ. وَأَمَّا إنْ بَاعَ مَا عِنْدَ الْمُشْتَرِي مِن حِنْطَةٍ أَو شَعِيرٍ وَاسْتَوْفَى حَقَّهُ مِن الثَّمَنِ: فَذَلِكَ جَائِزٌ بِلَا ريبٍ.

стр. 3389

وَإِذَا كَانَ الْبَائِعُ قَد أَخَذَ الْحِنْطَةَ أَو الشَّعِيرَ بِدُونِ قِيمَتِهِ: فَذَلِكَ أَخَفُّ. وجاء في "تهذيب سنن أبي داود" (٢/ ١٦٩): إذا باعه ما يجري فيه الربا كالحنطة مثلًا بثمن مؤجل فحل الأجل فاشترى بالثمن حنطة أو مكيلًا آخر من غير الجنس مما يمتنع ربا النسيئة بينهما -فهل يجوز ذلك؟ - فيه قولان: أحدهما: المنع وهو المأثور عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وطاوس، وهو مذهب مالك وإسحاق. والثاني: الجواز، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وابن المنذر وبه قال جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين، وهو اختيار صاحب المغني وشيخنا. ا هـ. وجا تقييد ذلك بالحاجة في "الفتاوى الكبرى" (٥/ ٣٩١)، و"الإنصاف" (٤/ ٣٣٧): من باع ربويًّا بنسيئة حرم أخذه عن ثمن ما لا يباع به نسيئة، ما لم تكن حاجة، وهو توسط بين الإمام أحمد في تحريمه، والشيخ أبي مقدس في حله. ا هـ. قلت: هذه أربعة مواضع لشيخ الإسلام في هذه المسألة، ففي الموضع الأول: نُقل عنه أنّه يرى الجواز عند الحاجة، وقد نسب ابن عثيمين كما تقدم لشيخ الإسلام ذلك، وفي الموضع الثاني أفتى بالتحريم، وفي الموضع الثالث اْفتى بالجواز مطلقًا، وفي الموضع الرابع نقل عنه تلميذُه ابن القيم أنه يرى الجواز مطلقًا كذلك. * * * (١٦) هل للجار تعلية بنائه ولو أفضى إلي سد الهواء عن جاره ؟ جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٠/ ٥ - ٦): سُئِلَ -رحمة الله-: عَن دَارَيْنِ بَيْنَهُمَا شَارعٌ، فَأَرَادَ صَاحِبُ أَحَدِ الدَّارَيْنِ أَنْ يعْمرَ عَلَى دَارِهِ غُرْفَةً تُفْضِي إلَى سَدّ الْفَضَاءِ عَن الدَّارِ الْأُخْرَى، فَهَل يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟

стр. 3390

فَأَجَابَ: إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ إضْرَارٌ بِالْجَارِ؛ مِثْل أَنْ يُشْرِفَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ مَا يَمْنَعُ مُشَارَفَتَهُ الْأسْفَلَ، فَإِذَا لَمْ يَكُن فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْجَارِ بِأَنْ يَبْنِيَ مَا يَمْنَعُ الْإِشْرَافَ عَلَيْهِ أَو لَا يَكُونُ فِيهِ إشْرَافٌ عَلَيْهِ: لَمْ يُمْنَعْ مِن الْبِنَاءِ. وجاء خلاف ذلك في "الاختيارات" (١٩٩): له تعلية بنائه ولو أفضى إلى سد الهواء عن جاره، وفيه على قاعدة أبي العباس نظر. اهـ (١). قلت: لعل البعلي فهم ذلك من فتوى الشيخ هذه، فإنْ كانت عبارة البعلي مأخوذةً من هذه الفتوى فلا يظهر لي وجه تنظيره، ولعل شيخ الإسلام يقصد بقاعدته: أنه لا يجوز أن يُضر بجاره، وحينئذ يظهر وجه التنظير، ولكن شيخ الإسلام اشترط ألا يكون في ذلك ضرر على الجار، وحينئذ لا يكون تنظيره له وجه، والله أعلم. (١٧) لمن يكون الربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التجارة فيه ؟ جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٠/ ١٢٧ - ١٣١، ٣٧٨): إِنَّ الْإِقْطَاعَ نَوْعَانِ: أ- إقْطَاعُ تَمْلِيكٍ كَمَا يقْطَعُ الْمَوَاتُ لِمَن يُحْيِيهِ بِتَمَلُّكِهِ. ب- وَإِقْطَاعُ اسْتِغْلَالٍ، وَهُوَ إقْطَاعُ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ لِمَن يَسْتَغِلُّهَا إنْ شَاءَ أَنْ يَزْرَعَهَا، وَإِن شَاءَ أَنْ يُؤَجِّرَهَا، وَإِن شَاءَ أَنْ يُزَارعَ عَلَيْهَا.

стр. 3391

وَإِذَا عُرفَ هَذَا: فَإِذَا انْفَسَخَ الْإقْطَاعُ فِي أَثْنَاءِ الْأَمْرِ؛ إمَّا لِمَوْتِ الْمُقْطَعِ وَإِمَّا لِغَيْرِهِ وَأُقْطِعَ لِغَيْرِهِ: كَانَت الْمَنْفَعَةُ الْحَادِثَةُ لِلْمُقْطَعِ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ؛ بِحَيْثُ لَو كَانَ الْمُقْطَعُ الْأَوَّلُ قَد أَجَّرَ الْأَرْضَ الْمُقْطَعَةَ ثُمَّ انْفَسَخَ إقْطَاعُهُ انْفَسَخَتْ تِلْكَ الْإِجَارَةُ، كَمَا تَنْفَسِخُ إجَارَةُ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ إذَا انْتَقَلَ الْوَقْفُ إلَى الْبَطْنِ الثَّانِي فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. ثُمَّ إنَّ الْمُقْطَعَ الْأَوَّلَ لَمَّا ازْدَرَعَهُ بِعَمَلِهِ وَبَذْرِهِ وَبَقَرِهِ، وَصَارَ بَعْضُ الْمَنْفَعَةِ مُسْتَحَقًّا لِغَيْرِهِ صَارَ مُزْدَرِعًا فِي أَرْضِ الْغَيْرِ، لَكِنْ لَيْسَ هُوَ غَاصِبًا يَجُوزُ إتْلَافُ زَرْعِهِ؛ بَل زَرْعُة زَرْعٌ مُحْتَرَمٌ كَالْمُسْتَأْجِرِ وَأَوْلَى، فَهُنَا لِلْفُقَهَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِلْمُزْدَرعِ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْل لِمَنْفَعَةِ الثَّانِي. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ مَا أَنْفَقَة الْأوَّلُ عَلَى زَرْعِهِ. وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ. وَفِيْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُ ثَالِثٌ هُوَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ أَهْلُ الدِّيوَانِ، وَهُوَ الَّذِي قَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي نَظِيرِ ذَلِكَ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ قَد اجْتَمَعَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ مَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ يُرِيدُ أَنْ يُرْسِلَهُ إلَى عُمَرَ فَمَرَّ بِهِ ابْنَا عُمَرَ، فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعْطِيَكمَا شَيْئًا، وَلَكِنْ عِنْدِي مَالٌ أُرِيدُ حَمْلَهُ إلَيْهِ، فَخُذَاهُ اتَّجِرَا بِهِ وَأَعْطُوهُ مِثْل الْمَالِ، فَتَكُونَانِ قَد انْتَفَعْتُمَا، وَالْمَالُ حَصَلَ عِنْدَهُ مَعَ ضَمَانِكمَا لَهُ، فَاشْتَرَيَا بِهِ بِضَاعَةً، فَلَمَّا قَدِمَا إلَى عُمَرَ قَالَ: أَكُلَّ الْعُشْرِ أَقَرَّهُم مِثْل مَا أَقَرَّكمَا؟ فَقَالَا: لَا، فَقَالَ: ضَعَا الرِّبْحَ كُلَّهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَسَكَتَ عَبْدُ اللهِ، وَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللهِ: أَرَأَيْت لَو ذَهَبَ هَذَا الْمَالُ أَمَا كَانَ عَلَيْنَا ضَمَانُهُ؟ فَقَالَ: بَلَى، قَالَ: فَكَيْفَ يَكُونُ الرِّبْحُ لِلْمُسْلِمِينَ وَالضمَانُ عَلَيْنَا؟ فَوَقَفَ عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ الصَّحَابَةُ: اجْعَلْهُ مُضَارَبَةً بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، لَهُمَا نِصْفُ الرِّبْحِ وَللْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ، فَعَمِلَ عُمَرَ بِذَلِكَ. وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَقْوَالِ الَّتِي تَنَازَعَهَا الْفُقَهَاءُ فِي مَسْألَةِ التِّجَارَةِ بِالْوَدِيعَةِ

стр. 3392

وَغَيْرِهَا مِن مَالِ الْغَيْرِ؛ فَإِنَّ فِيهَا أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ هَل الرّبْحُ لِبَيْتِ الْمَالِ؟ أَو الرِّبْحُ لِلْعَامِلِ؟ أو يَقْتَسِمَاه بَيْنَهُمَا كَالْمُضَارَبَةِ؟ وَهَذَا الرابعُ الَّذِي فَعَلَهُ عُمَرَ، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ مَن اعْتَمَدَ مِن الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ الْمُضَارَبَةِ. اهـ. وقال عن هذا القول في "المجموع" (٣٠/ ٣٢٣): وَهُوَ الْعَدْلُ؛ فَإِنَّ النَّمَاءَ حَصَلَ بِمَالِ هَذَا وَعَمَلِ هَذَا، فَلَا يَخْتَصُّ أَحَدُهُمَا بِالرّبْحِ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِم الصَّدَقَةُ بِالنَّمَاءِ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا؛ بَل يُجْعَلُ الرّبْحُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَو كَانَا مُشْتَرِكَيْنِ شَرِكَةَ مُضَارِبَةٍ. اهـ. وجاء فيه كذلك (٣٠/ ٨٧): تَنْفَسِخُ الْمُضَارَبَةُ بِمَوْتِ الْمَالِكِ، ثُمَّ إذَا عَلِمَ الْعَامِلُ بِمَوْتِهِ وَتَصَرَّفَ بِلَا إذْن الْمَالِكِ لَفْظًا أَو عُرْفًا وَلَا وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ: فَهُوَ غَاضِبٌ. وَقَد اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الرِّبْح الْحَاصِلِ فِي هَذَا: هَل هُوَ لِلْمَالِكِ فَقَطْ كَنَمَاءِ الْأَعْيَانِ؟ أَو لِلْعَامِلِ فَقَطْ لِأَنَّ عَلَيْهِ الضَّمَانَ؟ أَو يَتَصَدَّقَانِ بِهِ لِأَنَّهُ رِبْحٌ خَبِيثٌ؟ أَو يَكُونُ بَيْنَهُمَا؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَصَحُّهَا الرَّابعُ، وَهُوَ أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا، كَمَا يَجْرِي بِهِ الْعُرْفُ فِي مِثْل ذَلِكَ، وَبِهَذَا حَكَمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِيمَا أَخَذَهُ بَنُوهُ مِن مَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَاتَّجَرُوا فِيهِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَجَعَلَهُ مُضَارَبَةً، وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ الْفُقَهَاءُ فِي "بَابِ الْمُضَارَبَةِ"؛ لِأَنَّ الرّبْحَ نَمَاءٌ حَاصِلٌ مِن مَنْفَعَةِ بَدَنِ هَذَا وَمَالِ هَذَا، فَكَانَ بَيْنَهُمَا كَسَائِرِ النَّمَاءِ الْحَادِثِ مِن أَصْلَيْنِ. اهـ. وجاء فيه كذلك (٣٠/ ١٣٩): وَسُئِلَ-رحمة الله-: عَن رَجُلٍ مَعَهُ دَرَاهِمُ حَرَامٌ، فَدَفَعَهَا إلَى وَالِدِهِ وَأَخَذَ مِنْهُ عِوَضَهَا مِن دَرَاهِمِهِ الْحَلَالِ، وَاشْتَرَى مِنْهَا شَيْئًا يَعُودُ مِنْهُ مَنْفَعَةٌ: إمَّا نَتَاجُ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ، وَإِمَّا زَرْعُ أَرْضٍ، وَاسْتَعْمَلَهَا، هَل هِيَ حَرَامٌ؟

стр. 3393

فَأَجَابَ: مَتَى اعْتَاضَ عَن الْحَرَامِ عِوَضًا بِقَدْرِهِ فَحُكْم الْبَدَلِ حُكْم الْمُبْدَلِ مِنْهُ. فَإِنْ كَانَ قَد نَمَّى بِفِعْلِهِ نَمَاء مِن رِبْحٍ أَو كَسْب أَو غَيْر ذَلِكَ فَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ، وَأَعْدَل الْأَقْوَالِ أَنْ يُقْسَمَ النَّمَاء بَيْنَ مَنْفَعَةِ الْمَالِ وَبَيْنَ مَنْفَعَةِ الْعَامِلِ (١) بِمَنْزِلَةِ الْمُضَارَبَةِ؛ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ فِي الْمَالِ الَّذِي اتَّجَرَ مِنْهُ أَوْلَاده مِن بَيْتِ الْمَالِ. وَهَكَذَا كُلُّ نَمَاءٍ بَيْنَ أَصْلَيْنِ إذَا بِيعَ الْأَصْلُ. وجاء خلاف ذلك في "الإنصاف" (٥/ ٤٢٧)، و"الفتاوى الكبرى" (٥/ ٤٠٣): الربح الحاصل من مال لم يأذن مالكه في التجارة فيه: فقيل: هو للمالك فقط؛ كنماء الأعيان. وقيل: للعامل فقط؛ لأن عليه الضمان. وقيل: يتصدقان به؛ لأنه ربح خبيث. وقيل: يكون بينهما على قدر النفعين بحسب معرفة أهل الخبرة، وهو أصحهما، وبه حكم عمر بن الخطاب ﵁؛ إلا أن يتجر به في غير وجه العدوان مثل أن يعتقد أنه مال نفسه فيتبين أنه مال غيره فهنا يقتسمان الربح بلا ريب. وذكر أبو العباس في موضع آخر: أنه إذا كان عالمًا بأنه مال الغير فهنا يتوجه قول من لا يعطيه شيئًا؛ لأنه حصل بفعل محرم فلا يكون سببًا للإباحة. فإذا تاب: سقط حق الله بالتوبة وأبيح له حينئذ بالقسمة. فأما إذا لم يتب: ففي حله نظر.

стр. 3394

قلت: لم أقف على هذا الموضع، فإن صح أنه كان رأيًا له: فيكون له قولان في المسألة. (١٨) هل يرث المسلم الكافر ؟ جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٢/ ٣٥ - ٣٦): لَا يُزَوِّجُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَةَ، سَوَاءٌ كَانَت بِنْتَه أَو غَيْرَهَا، وَلَا يَرِثُ كَافِرٌ مُسْلِمًا، وَلَا مُسْلِمٌ كَافِرًا. وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَأَصْحَابِهِم مِن السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وجاء في أحكام أهل الذمة لابن القيم: ٢/ ٨٥٣: يرث المسلم الكافر دون العكس، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قالوا: نرثهم ولا يرثوننا، كما ننكح نساءهم ولا ينكحون نساءَنا. اهـ. * * * (١٩) إذَا خَلَا الرَّجُلُ بالْمَرْأَةِ فَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا مِن الْوَطْءِ وَلَمْ يَطأْهَا: هل يَسْتَقِرَّ مَهْرُهَا ؟ جاء في "مجموع الفتاوى" (٣٢/ ٢٠١): إذَا خَلَا الرَّجُلُ بِالمَرْأَةِ فَمَنَعَتْهُ نَفْسَهَا مِن الْوَطْءِ وَلَمْ يَطَأهَا: لَمْ يَسْتَقِرَّ مَهْرُهَا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ من الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ: مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَإِذَا اعْتَرَفَتْ بِأَنَّهَا لَمْ تُمَكنْهُ مِن وَطْئِهَا: لَمْ يَسْتَقِرَّ مَهْرُهَا بِاتِّفَاقِهِمْ. وَلَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ نَفَقَةٌ مَا دَامَتْ كَذَلِكَ بِاتِّفَاقِهِمْ. وَإِذَا كَانَت مُبْغِضَة لَهُ مُخْتَارَةً سِوَاهُ: فَإِنَّهَا تَفْتَدِي نَفْسَهَا مِنْهُ. وجاء في "الفتاوى الكبرى" (٢/ ٤٦٨): يتقرر المهر بالخلوة وإن منعته الوطء، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حرب. اهـ. وهذا مُخالف لكلامه السابق. * * *

стр. 3395

ولشيخ الإسلام قولان في بعض المسائل، منها: ١ - الوضوء بمعتصر الشجر: اختار في موضع أنَّ المياه المعتصرة طاهرة، ويجوز بها رفع الحدث. [الاختيارات ٨] واختار في موضع آخر أن المياه المعتصرة طاهرة لا يجوز بها رفع الحدث. [مختصر الفتاوى المصرية ١٤] ٢ - استعمال الْجِلْد النَّجِس إذَا قيل: لَا يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ: اختار في موضع أنه يباح استعماله في اليابسات مع القول بالنجاسة، قال-رحمة الله-: وَفِي اسْتِعْمَالِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ -إذَا لَمْ يُقلْ بِطَهَارَتهَا- فِي الْيَابِسَاتِ رِوَايَتَانِ: أَصَحُّهُمَا جَوَازُ ذَلِكَ، وَإِن قِيلَ إنَّهُ يُكْرَهُ؛ فَالْكَرَاهَةُ تَزُولُ بِالْحَاجَةِ. [المجموع ٢١/ ٦١٠] وفي "شرح العمدة" اختار أنه لا تباح. [الإنصاف ١/ ٨٨] ولذلك قال في "الفروع" (١/ ٧٣) بعد أن ساق كلام صاحب الفائق: فَخَالَفَ هُنَا ظاهر ما قَالَهُ في "شَرْحِ الْعُمْدَةِ". اهـ. ٣ - هل تتوقف مدة المسح في حق المسافر ؟ اختار في موضع أنّ المسافر يمسح كالجبيرة. [الإنصاف ١/ ١٧٦] وقال في "الاختيارات": ولا تتوقف مدة المسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس؛ كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين. [الاختيارات ٢٧] ٤ - حكم الوضوء من أكل لحم الإبل ؟ اختار في أحد أقواله أنه يستحب الوضوء من أكل لحم الإبل ولا يجب. [الإنصاف ١/ ٢١٦]

стр. 3396

وفي المسائل: يجب الوضوء من لحم الإبل؛ لحديثين صحيحين لعله آخر ما أفتى به. [الاختيارات ٢٨] ٥ - حكم الوضوء من مَسِّ النِّسَاءِ والأمرد لشهوة: اختار في أحد أقواله أنه لَا ينْقُضُ الْوُضوءَ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْه. [مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٢٢] واختار مرةً أنه ينْقُضُ الْوُضُوءَ. [مجموع الفتاوى ١٥/ ٤١١ - ٤١٢] والأول: هو الذي استقر عليه رأيه، قال في "الاختيارات": ومال أبو العباس أخيرًا إلى استحباب الوضوء دون الوجوب من مس النساء والأمرد إذا كان لشهوة. ٦ - إذَا أَحْدَثَ الْمُصَلِّي قَبْلَ السَّلَامِ فهل تبطل صلاُته ؟ قال-رحمة الله-: مَن سَبَقَهُ الْحَدَثُ: فَإِنَّهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ -كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ- يَتَوَضَّأُ ويبْنِي عَلَى مَا مَضَى إذَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِكَلَامٍ عَمْدٍ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا مَأثُورٌ عَن أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ. [مجموع الفتاوى ٢١/ ١٤٣] وقال في موضع آخر: إذَا أَحْدَثَ الْمُصَلِّي قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ، مَكْتُوبَةً كَانَت أَو غَيْرَ مَكْتُوبَةٍ. [مجموع الفتاوى ٢٢/ ٦١٣] ٧ - حكم بَيْع دَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ يَسْقُطُ إذَا بِيعَ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ يَسْقُطُ ؟ قال -رحمة الله- في "مجموع الفتاوى" (٢٩/ ٤٢٩): إذَا اشْتَرَى قَمْحًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ عَوَّضَ الْبَائِعَ عَن ذَلِكَ الثَّمَنِ سِلْعَةً إلَى أَجَلٍ: لَمْ يَجُزْ؛ فَإِنَّ هَذَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَينِ.

стр. 3397

وقال كذلك (٢٠/ ٥١٢): بَيْع الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَامٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّهْيُ عَن بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَالْكَالِئُ هُوَ الْمُؤَخَّرُ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ بِالْمُؤَخَّرِ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ، وَهَذَا كَمَا لَو أَسْلَمَ شَيْئًا فِي شَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ وَكِلَاهُمَا مُؤَخَّرٌ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ بَيْعُ كَالِئٍ بِكَالِئ. وقال في موضع آخر (٢٩/ ٤٧٢): نَهَى ﷺ "عَن بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ"، وَهُوَ الْمُؤَخَّرُ بِالْمُؤَخَّرِ، وَلَمْ يَنْهَ عَن بَيْعِ دَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ يَسْقُطُ إذَا بِيعَ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ يَسْقُطُ؛ فَإِنَّ هَذَا الثَّانِيَ يَقْتَضِي تَفْرِيغَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الذِّمَّتَيْنِ وَلهَذَا كَانَ هَذَا جَائِزًا فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا. ٨ - هل يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَن دَيْنِ السَّلَمِ بِغَيْرِهِ ؟ جاء في "مجموع الفتاوى" (٥٠٣ - ٥١٧): سُئِلَ: عَن رَجُلٍ أَسْلَفَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا فِي رِطْلِ حَرِير إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ جَاءَ الْأَجَلُ فَتَعَذَّرَ الْحَرِيرُ، فَهَل يَخوزُ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ الْحَرِيرِ أَو يَأْخُذَ عِوَضَهُ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ؟ فَأَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا رِوَايَتَانِ عَن الْإِمَامِ أَحْمَد: إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَن دَيْنِ السَّلَمِ بِغَيْرِهِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "مَن أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ"، وَهَذ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الخرقي وَغَيْرُهُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ دَيْنِ السَّلَمِ، وَفِي الْمَبِيعِ مِن الْأَعْيَانِ وَهوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَد نَصَّ أَحْمَد عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَجَعَلَ دَيْنَ السَّلَمِ كَغَيْرِهِ مِن الْمَبِيعَاتِ.

стр. 3398

وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ وَهُوَ قِيَاسُ أُصُولِ أَحْمَد؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ دَيْنَ السَّلَمِ مَبِيعٌ. وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِمَّن هُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذمَّةِ مَقْبُوضٌ لِلْمَدِينِ. لَكِنْ إنْ بَاعَهُ بِمَا لَا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً شْتَرَطَ فِيهِ الْحُلُولَ وَالْقَبْضَ لِئَلَّا يَكُونَ رِبًا. وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَهُ بِمَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ. وَإِن بَاعَهُ بِغَيْرِهِمَا: فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ فِي غَيْرِهِمَا. وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ لِأَنَّ تَأَخِيرَ الْقَبْضِ نَسِيئَةٌ كَبَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ. ويُنظر كذلك: [٢٩/ ٥١٨ - ٥١٩] وقد أفتى الشيخ -رحمة الله- في مواضع من "مجموع الفتاوى" بالتحريم، (٢٩/ ٥٠٠ - ٥٠١) (٢٩/ ٥٢٦)، ومن ذلك قوله: لَا يَجُوزُ بَيْعُ دَيْنِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ: فَهَذَا حَرَامٌ مِن وَجْهَيْنِ. والشيخ صحح في جميع فتاويه عدا هذين الموضعين جواز الاعتياض عن دين السلم كالحنطة بغيره كالشعير. وقد كان -رحمة الله- يُفتي قبل ذلك بالمنع، وينسب ذلك إلى الأئمة الأربعة، ومن ذلك قوله (٢٩/ ٥٠٠): لَا يَجُوزُ بَيْعُ هَذَا الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ دَيْنُ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا مِن الْمُسْتَلِفِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ فِي مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ؛ بَل هَذَا يَدْخُلُ فِيمَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ.

стр. 3399

وقد يكون اعتمد على قول ابن قدامة -رحمة الله-، قبل أن يطّلع على قول مالك رحمه، ومن ثَمّ استدرك على ابن قدامة كما تقدّم. ٩ - حكم الحلف بالطلاق ؟ جاء في "الفروع" (٦/ ٣٠٤)، و"الفتاوى الكبرى" (٥/ ٥٥١): اختلف كلام أبي العباس في الحلف بالطلاق، فاختار في موضع التحريم وتعزيره، وهو قول مالك ووجه لنا. واختار في موضع آخر، أنه لا يكره وأنه قول غير واحد من أصحابنا؛ لأنه لم يحلف بمخلوق، ولم يلتزم لغير الله شيئًا، وإنما التزم لله كما يلتزم بالنذر، والالتزام لله أبلغ من الالتزام به، بدليل النذر له، واليمين به، ولهذا لم تنكر الصحابة على من حلف بذلك كما أنكروا على من حلف بالكعبة. اهـ. ١٠ - مَن تَرَكَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ عَامِدًا: هَل يَقْضِيهِ ؟ قال في "المجموع" (٢٢/ ١٩): اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَن تَرَكَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ عَامِدًا: هَل يَقْضِيهِ؟ وَقَد ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ عَنِ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَن وَقْتِهَا: "فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاَتكمْ مَعَهُم نَافِلَةً" (١). وَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتِّفَاقُ السَّلَفِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَن يُضَيِّعُ الصَّلَاةَ فَيُصَلِّيهَا بَعْدَ الْوَقْتِ، وَالْفَرْق بَيْنَ مَن يَتْرُكُهَا، وَلَو كَانَت بَعْدَ الْوَقْتِ لَا تَصِحُّ بِحَالٍ لَكَانَ الْجَمِيعُ سَوَاءً؛ لَكِنَّ الْمُضَيَّعَ لِوَقْتِهَا كَانَ مُلْتَزِمًا لِوُجُوبِهَا، وإِنَّمَا ضَيَّعَ بَعْضَ حُقُوقِهَا وَهُوَ الْوَقْتُ، وَأَتَى بِالْفِعْلِ. اهـ.

стр. 3400

فالشيخ هنا انْتَصَر لقول الجمهور. وجاء في "المجموع" كذلك (٢٢/ ٤٠ - ٤١): تَارِكُ الصَّلَاةِ: إنْ لَمْ يَكُن مُعْتَقِدًا لِوُجُوبِهَا فَهوَ كَافِرٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، لَكِنْ إذَا أَسْلَمَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ، أَو وُجُوبَ بَعْضِ أَرْكَانِهَا .. : فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرٍ. لَكِنْ إذَا عَلِمَ الْوُجُوبَ: هَل يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. اهـ. ١١ - هل الْخَضِر في الْأَحْيَاءِ ؟ جاء في "مجموع الفتاوى" (٤/ ٣٣٧): سُئِلَ -رحمة الله-: عَن الْخَضِرِ وَإلْيَاسَ: هَل هُمَا مُعَمَّرَانِ؟ فَأَجَابَ: إنَّهُمَا لَيْسَا فِي الْأَحْيَاءِ وَلَا مُعَمَّرَانِ، وَقَد سَأَلَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَن تَعْمِيرِ الْخَضِرِ وَإِلْيَاسَ وَأَنَّهُمَا بَاقِيَانِ يَرَيَانِ ويُرْوَى عَنْهُمَا، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَن أَحَالَ عَلَى غَائِبٍ لَمْ يُنْصِفْ مِنْهُ، وَمَا أَلْقَى هَذَا إلَّا شَيْطَانٌ. وَسُئِلَ الْبُخَارِيُّ عَن الْخَضرِ وَإِلْيَاسَ: هَل هُمَا فِي الْأَحْيَاءِ؟ فَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَبْقَى عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِمَّن هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ"؟. اهـ. وجاء فيه كذلك (٢٧/ ١٠٠ - ١٠١): وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقّقُونَ أَنَّهُ مَيِّتٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يُدْرِك الْإِسْلَامَ، وَلَو كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ ويُجَاهِدَ مَعَهُ كَمَا أَوْجَبَ اللهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ. ثُمَّ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ وَأَمْثَالِهِ حَاجَةٌ لَا فِي دِينِهِمْ وَلَا فِي دُنْيَاهُم؛ فَإِنَّ دِينَهُم أَخَذُوة عَن الرَّسُولِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي عَلَّمَهُم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.
следующие страницы →