Полный текст (3 539 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
وفي المسائل: يجب الوضوء من لحم الإبل؛ لحديثين صحيحين لعله آخر ما أفتى به. [الاختيارات ٢٨]
٥ - حكم الوضوء من مَسِّ النِّسَاءِ والأمرد لشهوة:
اختار في أحد أقواله أنه لَا ينْقُضُ الْوُضوءَ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْه. [مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٢٢]
واختار مرةً أنه ينْقُضُ الْوُضُوءَ. [مجموع الفتاوى ١٥/ ٤١١ - ٤١٢]
والأول: هو الذي استقر عليه رأيه، قال في "الاختيارات": ومال أبو العباس أخيرًا إلى استحباب الوضوء دون الوجوب من مس النساء والأمرد إذا كان لشهوة.
٦ - إذَا أَحْدَثَ الْمُصَلِّي قَبْلَ السَّلَامِ فهل تبطل صلاُته ؟
قال-رحمة الله-: مَن سَبَقَهُ الْحَدَثُ: فَإِنَّهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ -كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَاتِ- يَتَوَضَّأُ ويبْنِي عَلَى مَا مَضَى إذَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ بِكَلَامٍ عَمْدٍ وَنَحْوِهِ، وَهَذَا مَأثُورٌ عَن أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ. [مجموع الفتاوى ٢١/ ١٤٣]
وقال في موضع آخر: إذَا أَحْدَثَ الْمُصَلِّي قَبْلَ السَّلَامِ بَطَلَتْ، مَكْتُوبَةً كَانَت أَو غَيْرَ مَكْتُوبَةٍ. [مجموع الفتاوى ٢٢/ ٦١٣]
٧ - حكم بَيْع دَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ يَسْقُطُ إذَا بِيعَ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ يَسْقُطُ ؟
قال -رحمة الله- في "مجموع الفتاوى" (٢٩/ ٤٢٩): إذَا اشْتَرَى قَمْحًا بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ عَوَّضَ الْبَائِعَ عَن ذَلِكَ الثَّمَنِ سِلْعَةً إلَى أَجَلٍ: لَمْ يَجُزْ؛ فَإِنَّ هَذَا بَيْعُ دَيْنٍ بِدَينِ.
стр. 3397
وقال كذلك (٢٠/ ٥١٢): بَيْع الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَامٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّهْيُ عَن بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ، وَالْكَالِئُ هُوَ الْمُؤَخَّرُ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ بِالْمُؤَخَّرِ الَّذِي لَمْ يُقْبَضْ، وَهَذَا كَمَا لَو أَسْلَمَ شَيْئًا فِي شَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ وَكِلَاهُمَا مُؤَخَّرٌ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ بَيْعُ كَالِئٍ بِكَالِئ.
وقال في موضع آخر (٢٩/ ٤٧٢): نَهَى ﷺ "عَن بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ"، وَهُوَ الْمُؤَخَّرُ بِالْمُؤَخَّرِ، وَلَمْ يَنْهَ عَن بَيْعِ دَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ يَسْقُطُ إذَا بِيعَ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ يَسْقُطُ؛ فَإِنَّ هَذَا الثَّانِيَ يَقْتَضِي تَفْرِيغَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الذِّمَّتَيْنِ وَلهَذَا كَانَ هَذَا جَائِزًا فِي أَظْهَرِ قَوْلَي الْعُلَمَاءِ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا.
٨ - هل يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَن دَيْنِ السَّلَمِ بِغَيْرِهِ ؟
جاء في "مجموع الفتاوى" (٥٠٣ - ٥١٧): سُئِلَ: عَن رَجُلٍ أَسْلَفَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا فِي رِطْلِ حَرِير إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ جَاءَ الْأَجَلُ فَتَعَذَّرَ الْحَرِيرُ، فَهَل يَخوزُ أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ الْحَرِيرِ أَو يَأْخُذَ عِوَضَهُ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ؟
فَأَجَابَ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا رِوَايَتَانِ عَن الْإِمَامِ أَحْمَد:
إحْدَاهُمَا: لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَاضُ عَن دَيْنِ السَّلَمِ بِغَيْرِهِ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "مَن أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ"، وَهَذ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا الخرقي وَغَيْرُهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَجُوزُ ذَلِكَ كَمَا يَجُوزُ فِي غَيْرِ دَيْنِ السَّلَمِ، وَفِي الْمَبِيعِ مِن الْأَعْيَانِ وَهوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَد نَصَّ أَحْمَد عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَجَعَلَ دَيْنَ السَّلَمِ كَغَيْرِهِ مِن الْمَبِيعَاتِ.
стр. 3398
وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ وَهُوَ قِيَاسُ أُصُولِ أَحْمَد؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ دَيْنَ السَّلَمِ مَبِيعٌ.
وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد: أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ الدَّيْنِ مِمَّن هُوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الذمَّةِ مَقْبُوضٌ لِلْمَدِينِ.
لَكِنْ إنْ بَاعَهُ بِمَا لَا يُبَاعُ بِهِ نَسِيئَةً شْتَرَطَ فِيهِ الْحُلُولَ وَالْقَبْضَ لِئَلَّا يَكُونَ رِبًا.
وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَهُ بِمَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ.
وَإِن بَاعَهُ بِغَيْرِهِمَا: فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُشْتَرَطُ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ فِي غَيْرِهِمَا.
وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ لِأَنَّ تَأَخِيرَ الْقَبْضِ نَسِيئَةٌ كَبَيْعِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ. ويُنظر كذلك: [٢٩/ ٥١٨ - ٥١٩]
وقد أفتى الشيخ -رحمة الله- في مواضع من "مجموع الفتاوى" بالتحريم، (٢٩/ ٥٠٠ - ٥٠١) (٢٩/ ٥٢٦)، ومن ذلك قوله: لَا يَجُوزُ بَيْعُ دَيْنِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَلَا بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ: فَهَذَا حَرَامٌ مِن وَجْهَيْنِ.
والشيخ صحح في جميع فتاويه عدا هذين الموضعين جواز الاعتياض عن دين السلم كالحنطة بغيره كالشعير.
وقد كان -رحمة الله- يُفتي قبل ذلك بالمنع، وينسب ذلك إلى الأئمة الأربعة، ومن ذلك قوله (٢٩/ ٥٠٠): لَا يَجُوزُ بَيْعُ هَذَا الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ دَيْنُ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا مِن الْمُسْتَلِفِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ فِي مَذْهَبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ؛ بَل هَذَا يَدْخُلُ فِيمَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي رِبْحِ مَا لَمْ يَضْمَنْ.
стр. 3399
وقد يكون اعتمد على قول ابن قدامة -رحمة الله-، قبل أن يطّلع على قول مالك رحمه، ومن ثَمّ استدرك على ابن قدامة كما تقدّم.
٩ - حكم الحلف بالطلاق ؟
جاء في "الفروع" (٦/ ٣٠٤)، و"الفتاوى الكبرى" (٥/ ٥٥١): اختلف كلام أبي العباس في الحلف بالطلاق، فاختار في موضع التحريم وتعزيره، وهو قول مالك ووجه لنا.
واختار في موضع آخر، أنه لا يكره وأنه قول غير واحد من أصحابنا؛ لأنه لم يحلف بمخلوق، ولم يلتزم لغير الله شيئًا، وإنما التزم لله كما يلتزم بالنذر، والالتزام لله أبلغ من الالتزام به، بدليل النذر له، واليمين به، ولهذا لم تنكر الصحابة على من حلف بذلك كما أنكروا على من حلف بالكعبة. اهـ.
١٠ - مَن تَرَكَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ عَامِدًا: هَل يَقْضِيهِ ؟
قال في "المجموع" (٢٢/ ١٩): اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَن تَرَكَ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ عَامِدًا: هَل يَقْضِيهِ؟ وَقَد ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ عَنِ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَن وَقْتِهَا: "فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاَتكمْ مَعَهُم نَافِلَةً" (١) .
وَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتِّفَاقُ السَّلَفِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ مَن يُضَيِّعُ الصَّلَاةَ فَيُصَلِّيهَا بَعْدَ الْوَقْتِ، وَالْفَرْق بَيْنَ مَن يَتْرُكُهَا، وَلَو كَانَت بَعْدَ الْوَقْتِ لَا تَصِحُّ بِحَالٍ لَكَانَ الْجَمِيعُ سَوَاءً؛ لَكِنَّ الْمُضَيَّعَ لِوَقْتِهَا كَانَ مُلْتَزِمًا لِوُجُوبِهَا، وإِنَّمَا ضَيَّعَ بَعْضَ حُقُوقِهَا وَهُوَ الْوَقْتُ، وَأَتَى بِالْفِعْلِ. اهـ. الحواشي
(١) رواه مسلم(٦٤٨) .стр. 3400
فالشيخ هنا انْتَصَر لقول الجمهور.
وجاء في "المجموع" كذلك (٢٢/ ٤٠ - ٤١): تَارِكُ الصَّلَاةِ: إنْ لَمْ يَكُن مُعْتَقِدًا لِوُجُوبِهَا فَهوَ كَافِرٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، لَكِنْ إذَا أَسْلَمَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ، أَو وُجُوبَ بَعْضِ أَرْكَانِهَا .. : فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرٍ.
لَكِنْ إذَا عَلِمَ الْوُجُوبَ: هَل يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: قِيلَ: يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
وَقِيلَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. اهـ.
١١ - هل الْخَضِر في الْأَحْيَاءِ ؟
جاء في "مجموع الفتاوى" (٤/ ٣٣٧): سُئِلَ -رحمة الله-: عَن الْخَضِرِ وَإلْيَاسَ: هَل هُمَا مُعَمَّرَانِ؟
فَأَجَابَ: إنَّهُمَا لَيْسَا فِي الْأَحْيَاءِ وَلَا مُعَمَّرَانِ، وَقَد سَأَلَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَن تَعْمِيرِ الْخَضِرِ وَإِلْيَاسَ وَأَنَّهُمَا بَاقِيَانِ يَرَيَانِ ويُرْوَى عَنْهُمَا، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَن أَحَالَ عَلَى غَائِبٍ لَمْ يُنْصِفْ مِنْهُ، وَمَا أَلْقَى هَذَا إلَّا شَيْطَانٌ.
وَسُئِلَ الْبُخَارِيُّ عَن الْخَضرِ وَإِلْيَاسَ: هَل هُمَا فِي الْأَحْيَاءِ؟ فَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَبْقَى عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِمَّن هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ"؟. اهـ.
وجاء فيه كذلك (٢٧/ ١٠٠ - ١٠١): وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقّقُونَ أَنَّهُ مَيِّتٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يُدْرِك الْإِسْلَامَ، وَلَو كَانَ مَوْجُودًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ ويُجَاهِدَ مَعَهُ كَمَا أَوْجَبَ اللهُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ.
ثُمَّ لَيْسَ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ وَأَمْثَالِهِ حَاجَةٌ لَا فِي دِينِهِمْ وَلَا فِي دُنْيَاهُم؛ فَإِنَّ دِينَهُم أَخَذُوة عَن الرَّسُولِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي عَلَّمَهُم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.
стр. 3401
وَإِذَا كَانَ الْخَضِرُ حَيًّا دَائِمًا فَكَيْفَ لَمْ يَذْكُر النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ قَطُّ؟ وَلَا أَخْبَرَ بِهِ أُمَّتَهُ وَلَا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشِدُونَ؟
وجاء ما يُخالف ذلك في (٤/ ٣٣٨ - ٣٤٠): وسُئِلَ الشَّيْخُ -رحمة الله-: هَلْ كَانَ الْخَضِرُ ﵇ نَبِيًّا أَوْ وَليًّا؟ وَهَلْ هُوَ حَيٌّ إلَى الْآنَ؟ وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قَالَ: "لَوْ كَانَ حَيًّا لَزَارَنِي" هَلْ هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ أَمْ لَا؟
فَأَجَابَ: أَمَّا نُبُوَّتُهُ: فَمِنْ بَعْدِ مَبْعَثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ وَلَا إلَى غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ وَأَمَّا قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي نبوَّتِهِ.
وَأَمَّا حَيَاتُة: فَهُوَ حَيٌّ، وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَا أَصْلَ لَه، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ إسْنَادٌ؛ بَل الْمَرْوِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ قَالَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ الْعِلْمِ الَّذِي لَا يُحَاطُ بِهِ.
وَمَن احْتَجَّ عَلَى وَفَاتِهِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّهُ عَلَى رَأسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَحَدٌ"، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْخَضِرُ إذْ ذَاكَ عَلَى وَجْهِ الْأرْضِ، وَلأَنَّ الدَّجَّالَ -وَكَذَلِكَ الْجَسَّاسَةُ- الصَّحِيحُ أَنَّه كَانَ حَيًّا مَوْجُودًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بَاقٍ إلَى الْيَوْمِ لَمْ يَخْرُجْ، وَكَانَ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ.
فَمَا كَانَ مِن الْجَوَابِ عَنْهُ كَانَ هُوَ الْجَوَابَ عَن الْخَضِرِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْأَرْضِ لَمْ يَدْخلْ فِي هَذَا الْخَبَرِ، أَوْ يَكُونُ أَرَادَ ﷺ الْآدَمِيِّينَ الْمَعْرُوفِينَ، وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ عَن الْعَادَةِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْعُمُومِ، كَمَا لَمْ تَدْخُل الْجِنُّ، وَإِنْ كَانَ لَفْظًا يَنْتَظِمُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَتَخْصِيصُ مِثْلِ هَذَا مِنْ مِثْلِ هَذَا الْعُمُومِ كَثِيرٌ مُعْتَادٌ. اهـ.
قال عبد الرحمن بن قاسم -رحمة الله- جامع الفتاوى: (هكذا وجدت هذه الرسالة. ا هـ.
وكأنه شكَّك في صحة نسبة الفتوى لشيخ الإسلام ابن تيمية-رحمة الله-.
стр. 3402
وتشكيكُه في محلّه، فهي تخالف ما قرره الشيخ -رحمة السلام- في مواضع من أن الخضر قد مات كما هو مُوضّح في كلامه السابق لهذه الفتوى، وفي غيرها من المواضع، ومنها: (١/ ٢٤٩): وقد قال في "المنهاج" (٤/ ٩٣): والذي عليه سائر المحققون أنه مات. اهـ.
ومما يدل على ذلك: أنّ كبار تلاميذه إنما نسبوا عن شيخ الإسلام القول بأنّ الخضر ميّت، منهم ابن القيم ﵀ كما في "المنار المنيف" (٦٨) ، وابن عبدالهادي ﵀ كما في. [العقود الدرية ٧٠]
* * *
١٢ - حكم سفر المرأة بلا محرم:
جاء في "الفتاوى الكبرى" (٥/ ٣٨١ - ٣٨٢): تحج كل امرأة آمنة مع عدم محرم، قال أبو العباس: وهذا متوجه في سفر كل طاعة.
وصحح أبو العباس في "الفتاوى المصرية" أنَّ المرأة لا تسافر للحج إلا مع زوج أو ذي محرم. اهـ.
* * *
١٣ - هل يصلح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح ؟
قال في الفروع: لا يصح أن يشترط ربُّ المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح؛ لأنه قد يحيط بالربح، فهو كشرط فضل دراهم، سأله المروذي: يشترط المضارب على رب المال أن الزكاة من الربح؟ قال: لا، الزكاة على رب المال، وصححه شيخنا، كما يختص بنفعه في المساقاة إذا لم يثمر الشجر (١) ، وركوب الفرس في الجهاد إذا لم يغنموا (٢) . الحواشي
(١) وفي نسخة: إذا لم يثمر عن ربح الشجر. (الجامع).(٢) الفروع (٢/ ٣٣٨).стр. 3403
وقال في "الاختيارات": ويصح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح، ولا يقال بعدم الصحة ونقله المروذي عن أحمد لأن الزكاة قد تحيط بالربح فيختص رب المال بعمله؛ لأنا نقول: لا يمتنع ذلك، كما يختص بنفعه في المساقاة إذا لم يثمر الشجر وبركوب الفرس في الجهاد إذا لم يغنموا (١) .
* * * الحواشي
(١) الاختيارات(٩٨) .
قال جامع المستدرك (٣/ ١٥١): هذا خلاف ما في الفروع، ولعل ما فيه أصح.стр. 3404
فوائد متفرّقة
الْمَنَازِلُ الْعَالِيَةُ لَا تُنَالُ إلَّا بِالْبَلَاءِ:
٥٣٢٩ - الْمَنَازِلُ الْعَالِيَةُ لَا تُنَالُ إلَّا بِالْبَلَاءِ، كَمَا قَالَ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ: أَيُّ الناسِ أَشَدُّ بَلَاء فَقَالَ: "الْأنبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي بَلَائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفّفَ عَنْهُ، وَلَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ (١) . [٢٥/ ٣٠٢]
* * *
الكلمات والأمر والإرادة والإذن والكتاب والحكم والقضاء والتحريم ونحو ذلك نوعان: ديني موافق لمحبة الله ورضاه وأمره الشرعي، وكوني موافق لمشيئه الكونية:
٥٣٣٠ - في "الصحيحين" (٢) عن علي بن أبي طالب قال: كنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْكمْ مِنْ أحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، اِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقيةً أَوْ سَعِيدَةً" قَالَ فَقَالَ: رَجَلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا، وَنَدَع الْعَمَلَ؟ فَقَالَ: "مَنْ الحواشي
(١) رواه الإمام أحمد(١٤٨١) ، والترمذي(٢٣٩٨) وابن ماجه(٤٠٢٣) . وقال البخاري: بَابٌ: أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاء الأَنْبِيَاء، ثُمَّ الأمْثَلُ فَالأمْثَلُ.
ولم يرو الحديث لأنه ليس على شرطِه.(٢) البخاري(٤٩٤٨) ، ومسلم(٢٦٤٧) .стр. 3405
كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ" فَقَالَ: "اعْمَلُوا فَكلٌّ مُيَسَّرٌ، أمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأمّا أَهْلُ الشَّقَاوةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوةِ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) ﴾ [الليل: ٥ - ١٠].
فبيَّن ﷺ أن تقدم العلم والكتاب بالسعيد والشقي لا ينافي أن تكون سعادة هذا بالأعمال الصالحة، وشقاوة هذا بالأعمال السيئة، فإنه سبحانه يعلم الأمور على ما هي عليه، وكذلك يكتبها، فهو يعلم أن السعيد يسعد بالأعمال الصالحة، والشقي يشقى بالأعمال السيئة، فمن كان سعيدًا ييسر للأعمال الصالحة التي تقتضي السعادة، ومن كان شقيًّا ييسر للأعمال السيئة التي تقتضي الشقاوة، وكلاهما ميسر لما خلق له، وهو ما يصير إليه من مشيئة الله العامة الكونية التي ذكرها الله سبحانه في كتابه في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩].
وأما ما خلقوا له من محبة الله ورضاه وهو إرادته الدينية التي أمروا بموجبها فذلك مذكور في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ﴾ [الذاريات: ٥٦].
والله سبحانه قد بيَّن في كتابه في كل واحدة: من [الكلمات] و [الأمر] و [الإرادة] و [الإذن] و [الكتاب] و [الحكم] و [القضاء] و [التحريم] ونحو ذلك ما هو ديني موافق لمحبة الله ورضاه وأمره الشرعي، وما هو كوني موافق لمشيئته الكونية.
مثال ذلك: أنه قال في الأمر الديني: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠].
وقال في الكوني: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) ﴾
стр. 3406
[يس: ٨٢]، وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦) ﴾ [الإسراء: ١٦] على إحدى الأقوال في هذه الآية.
وقال في الإرادة الدينية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال في الإرادة الكونية: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣) ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
وقال تعالى في الإذن الديني: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥) ﴾ [الحشر: ٥].
وقال تعالى في الكوني: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٢].
وقال تعالى في القضاء الديني: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ أي: أمر.
وقال تعالى في الكوني: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢].
وقال تعالى في الحكم الديني: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) ﴾ [المائدة: ١].
وقال تعالى في الكوني عن ابن يعقوب: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ﴾ [يوسف: ٨٠].
وقال تعالى في التحريم الديني: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣].
وقال تعالى في التحريم الكوني: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦].
стр. 3407
وقال تعالى في الكلمات الدينية: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤].
وقال تعالى في الكونية: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧]، ومنه قوله ﷺ المستفيض عنه من وجوه في "الصحاح" و"السنن" و"المسانيد" أنه كان يقول في استعاذته:" أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بَرٌّ ولا فاجر".
ومن المعلوم أن هذا هو الكوني الذي لا يخرج منه شيء عن مشيئته وتكوينه.
وأما الكلمات الدينية فقد خالفها الفجار بمعصيته. [١٠/ ٢٣ - ٢٦]
* * *
هل يجوز وصف الله بالعزم:
- هُوَ سُبْحَانَهُ يُقَدّرُ الْأَشْيَاءَ وَيَكْتُبُهَا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْلُقُهَا، فَهُوَ إذَا قَدَّرَهَا عَلِمَ مَا سَيَفْعَلُهُ وَأَرَادَ فِعْلَة فِي الْوَقْتِ الْمُسْتَقْبَلِ، لَكِنْ لَمْ يُرِدْ فِعْلَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَإِذَا جَاءَ وَقْتُهُ أَرَادَ فِعْلَهُ، فَالْأوَّلُ عَزْمٌ وَالثَّانِي قَصْدٌ.
وَهَلْ يَجُوزُ وَصْفُهُ بِالْعَزْمِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ كَقَوْلِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى.
وَالثَّانِي: الْجَوَازُ وَهُوَ أَصَحُّ، فَقَدْ قَرَأَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ "فَإِذَا عَزَمْتُ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ" بِالضمِّ. وَفي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ (١) مِنْ حَدِيثِ أُمّ سَلَمَةَ: "ثُمَّ عَزَمَ اللهُ لِي". الحواشي
(١) رواه مسلم(٩١٨) .стр. 3408
وَكَذَلِكَ فِي خُطْبَةِ مُسْلِمٍ: "فَعَزَمَ لِي" (١) .
وَسَوَاءٌ سُمِّيَ عَزْمًا أَوْ لَمْ يُسَمَّ: فَهُوَ سُبْحَانَهُ إذَا قَدَّرَهَا عَلِمَ أَنَّهُ سَيَفْعَلُهَا فِي وَقْتِهَا وَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَهَا فِي وَقْتِهَا، فَإِذَا جَاءَ الْوَقْتُ فَلَا بُدَّ مِنْ إرَادَةِ الْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ وَنَفْسِ الْفِعْلِ، وَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِ بِمَا يَفْعَلُهُ. [١٦/ ٣٠٣ - ٣٠٤]
فصل الربيع وفصل الشتاء:
٥٣٣١ - الفصل الذي ينزل فيه أول المطر تسميه العرب الربيع، لنزول المطر الذي ينبت الربيع فيه، وغيرهم يسمي الربيع الفصل الذي يلي الشتاء، فإن فيه تخرج الأزهار التي تخلق منها الثمار، وتنبت الأوراق على الأشجار. [١٠/ ١٠٣]
* * *
الموت المثبت في القرآن غير الموت المنفي:
٥٣٣٢ - القلب إذا كان حيًّا فمات الإنسان بفراق روحه بدنه كان موت النفس فراقها للبدن، ليست هي في نفسها ميتة بمعنى زوال حياتها عنها.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [البقرة: ١٥٤]، مع أنهم موتى داخلون في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. الحواشي
(١) يعني خطبة الإمام مسلم في قوله في مقدمة صحيحه: "وَللَّذِي سَأَلْتَ أكْرَمَكَ اللهُ حِينَ رَجَعْت إِلَى تَدَبُّرِهِ، وَمَا تَؤُولُ بِهِ الْحَالُ إِنْ شَاءَ اللهُ عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ وَمَنْفَعَةٌ مَوْجُودَةٌ، وَظَنَنْتُ حِينَ سَألْتَنِي تَجَشُّمَ ذَلِكَ أنْ لَوْ عُزِمَ لِي عَلَيْهِ، وَقُضِيَ لِي تَمَامُهُ، كَانَ أَوَّلُ مِنْ يُصِيبُهُ نَفْعُ ذَلِكَ إِيَّايَ خَاصَّةً قَبْلَ غَيْرِي مِنَ النَّاسِ لِأَسْبَابٍ كَثيَرَةٍ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْوَصْفُ … ". اهـ.
فقوله: (لو عُزِم لي)؛ أي: لو عَزَمَ الله تعالى لي.
والعَزْمُ في اللغة: الجد وإرادة الفعل، ونثبت هذا الصفة لله تعالى على وجه يليق بجلاله وعظمته، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.стр. 3409
فالموت المثبت غير الموت المنفي، المثبت: هو فراق الروح البدن، والمنفي: زوال الحياة بالجملة عن الروح والبدن. [١٠/ ١١٠]
* * *
متى يكون مَعْرِفَةُ الْحَقِّ عَذَابًا عَلَى صَاحِبِهِ ؟
٥٣٣٣ - الْمَعْرِفَةُ بِالْحَقِّ إذَا كَانَت مَعَ الِاسْتِكْبَارِ عَن قَبُولِهِ وَالْجَحْدِ لَهُ: كَانَ عَذَابًا عَلَى صَاحِبِهِ. [١٠/ ١٥٥]
* * *
الطَّمَعُ فَقْرٌ، وَالْيَأْسُ غِنًى:
٥٣٣٤ - يُرْوَى عَن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ: الطَّمَعُ فَقْرٌ، وَالْيَأْسُ غِنًى، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا يَئسَ مِن شَيْءٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ.
وَهَذَا أَمْرٌ يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ مِن نَفْسِهِ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ الَّذِي يَيْأَسُ مِنْهُ لَا يَطْلُبُهُ وَلَا يَطْمَعُ بِهِ، وَلَا يَبْقى قَلْبُهُ فَقِيرًا إلَيْهِ، وَلَا إلَى مَن يَفْعَلُهُ، وَأَمَّا إذَا طَمِعَ فِي أَمْرٍ مِن الْأُمُورِ وَرَجَاهُ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِهِ فَصَارَ فَقِيرًا إلَى حُصُولِهِ؛ وَإِلَى مَن يَظُنُّ أَنَهُ سَبَبٌ فِي حُصُولِهِ وَهَذَا فِي الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالصّوَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. [١٠/ ١٨١]
* * *
فضيلة الإخلاص لله تعالى:
٥٣٣٥ - قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ يُوسُفَ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤﴾ [يوسف: ٢٤]؛ فَاللهُ يَصْرِفُ عَن عَبْدِهِ مَا يَسُوءُهُ مِن الْمَيْلِ إلَى الصُّوَرِ (١) وَالتَّعَلُّقِ بِهَا، وَيَصْرِفُ عَنْهُ الْفَحْشَاءَ بِإِخْلَاصِهِ للهِ.
وَلهَذَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَذُوقَ حَلَاوَةَ الْعُبُودِيَّةِ للهِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ الحواشي
(١) المقصود بالصور في كلام شيخ الإسلام وابن القيِّم رحمهما الله تعالى صورة الآدمي الحي، كالنسوان والمردان، ولا يقصدان الصور المرسومة أو المجسّمة.стр. 3410
عَلَى اتِّبَاعِ هَوَاهَا، فَإِذَا ذَاقَ طَعْمَ الْإِخْلَاصِ وَقَوِيَ فِي قَلْبِهِ انْقَهَرَ لَهُ هَوَاهُ بِلَا عِلَاجٍ. [١٠/ ١٨٨]
* * *
الذي لَا يَحْتَاجُ الْعَبْدُ إلَيْهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِه:
٥٣٣٦ - وَهَكَذَا أَيْضًا طَالِبُ الْمَالِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَعْبِدُهُ ويسْتَرِقُّهُ وَهَذِهِ الْأُمُورُ نَوْعَانِ: (مِنْهَا) مَا يَحْتَاجُ الْعَبْدُ إلَيْهِ كَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِن طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَمَسْكَنِهِ ومنكحه وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَهَذَا يَطْلُبُهُ مِن اللهِ وَيرْغَبُ إلَيْهِ فِيهِ، فَيَكُون الْمَالُ عِنْدَهُ يَسْتَعْمِلُه فِي حَاجَتِهِ بِمَنْزِلَةِ حِمَارِهِ الَّذِي يَرْكَبُهُ، وَبِسَاطِهِ الَّذِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ؛ بَل بِمَنْزِلَةِ الْكَنِيفِ الَّذِي يَقْضِي فِيهِ حَاجَتَهُ مِن غَيْرِ أَنْ يَسْتَعْبِدَهُ فَيَكُونُ هَلُوعًا إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا؛ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا.
وَمِنْهَا: مَا لَا يَحْتَاجُ الْعَبْدُ إلَيْهِ، فَهَذِهِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِهَا، فَإِذَا تَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِهَا صَارَ مُسْتَعْبَدًا لَهَا، وَرُبَّمَا صَارَ مُعْتَمِدًا عَلَى غَيْرِ اللهِ فَلَا يَبْقَى مَعَهُ حَقِيقَةُ الْعِبَادَةِ للهِ، وَلَا حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ؛ بَل فِيهِ شعْبَةٌ مِن الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ وَشُعْبَةٌ مِن التَّوَكُّلِ عَلَى غيْرِ اللهِ. [١٠/ ١٨٩ - ١٩٠]
* * *
الصَّحَابَةُ ﵃ لم تكن تَغِيبَ عُقُولُهُمْ، ولم يَحْصُلَ لَهُم غَشْيٌ أَو صَعْقٌ أَو سُكْرٌ أَو فَنَاءٌ أَو وَلَهٌ أَو جُنُونٌ:
٥٣٣٧ - الصَّحَابَةُ ﵃ كَانُوا أَكْمَلَ وَأَقْوَى وَأَثْبَتَ فِي الْأَحْوَالِ الْإِيمَانِيَّةِ مِن أَنْ تَغِيبَ عُقُولُهُمْ، أَو يَحْصُلَ لَهُم غَشْيٌ أَو صَعْقٌ أَو سُكْرٌ أَو فَنَاءٌ أَو وَلَةٌ أَو جُنُونٌ. [١٠/ ٢٢٠]
* * *
стр. 3411
ما هو تقدير الضمير في قَوْل الْقَارِئِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؟
٥٣٣٨ - قَوْلُ الْقَارِئِ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تَقْدِيرُهُ: قِرَاءَتِي بِسْمِ اللهِ؛ أَو أَقْرَأُ بِسْمِ اللهِ.
وَمِن النَّاسِ مَن يُضْمِرُ فِي مِثْل هَذَا ابْتِدَائِي بِسْمِ اللهِ، أو ابْتَدَأتُ بِسْمِ اللهِ. وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ كُلَّهُ مَفْعُولٌ بِسْم اللهِ لَيْسَ مُجَرَّدُ ابْتِدَائِهِ، كَمَا أَظْهَرَ الْمُضْمَرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) ﴾ [العلق: ١]. [١٠/ ٢٣١]
* * *
معنى الِاسْتِغْنَاء وَالِاسْتِعْفَاف:
٥٣٣٩ - الِاسْتِغْنَاءُ أَنْ لَا يَرْجُوَ بِقَلْبِهِ أَحَدًا فَيَتَشَرَّفَ إلَيْهِ وَالِاسْتِعْفَافُ أَلَّا يَسْأَلَ بِلِسَانِهِ أَحَدًا. [١٠/ ٢٥٩]
* * *
حَمْلُ كَلَامِ الإمَامِ عَلَى مَا يُصَدِّق بَعْضُهُ بَعْضًا أَوْلَى مِن حَمْلِهِ عَلَى التَّنَاقُضِ:
٥٣٤٠ - حَمْلُ كَلَامِ الْإِمَامِ عَلَى مَا يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا أَوْلَى مِن حَمْلِهِ عَلَى التَّنَاقُضِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الْقَوْلُ الْآخَرُ مُبْتَدَعًا لَمْ يُعْرَفْ عَن أَحَدٍ مِن السَّلَفِ، وَأَحْمَد يَقُولُ: إيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَك فِيهَا إمَامٌ، وَكَانَ فِي الْمِحْنَةِ يَقُولُ: كَيْفَ أَقُولُ مَا لَمْ يُقَلْ؟ [١٠/ ٣٢٠ - ٣٢١]
* * *
طَرِيقُ الْمُوَازَنَةِ وَالْمُعَادَلَةِ في التعامل مع الإنسان الذي فيه الخير والشرّ:
٥٣٤١ - كثِيرًا مَا يَجْتَمِعُ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ أَو فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ الْأَمْرَانِ [أي: الخير والشر]؛ فَالذَّمُّ وَالنَّهْيُ وَالْعِقَابُ قَد يَتَوَجَّهُ إلَى مَا تَضَمَّنَهُ أَحَدُهُمَا، فَلَا يُغْفَلُ عَمَّا فِيهِ مِن النَّوْعِ الْآخَرِ، كَمَا يَتَوَجَّهُ الْمَدْحُ وَالْأَمْرُ وَالثَّوَابُ إلَى مَا تَضَمَّنَهُ أَحَدُهُمَا، فَلَا يُغْفَلُ عَمَّا فِيهِ مِن النَّوْعِ الْآخَرِ.
стр. 3412
وَقَد يُمْدَحُ الرَّجُلُ بِتَرْكِ بَعْضِ السَّيِّئاتِ الْبِدْعِيَّةِ والفجورية، لَكِنْ قَد يُسْلَبُ مَعَ ذَلِكَ مَا حُمِدَ بِهِ غَيْرُهُ عَلَى فِعْلِ بَعْضِ الْحَسَنَاتِ السُّنيةِ الْبَرّيَّةِ.
فَهَذَا طَرِيقُ الْمُوَازَنَهِ وَالْمُعَادَلَةِ، وَمَن سَلَكَهُ كَانَ قَائِمًا بِالْقِسْطِ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ لَهُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ. [١٠/ ٣٦٦]
* * *
نقصُ من لَمْ يُحِطْ عِلْمًا بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ:
٥٣٤٢ - الْمَرْءُ مَا لَمْ يُحِطْ عِلْمًا بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَحْتَاج إلَيْهَا يَبْقَى فِي قَلْبِهِ حَسَكَةٌ. [١٠/ ٣٦٨]
* * *
أنواع الذنوب:
٥٣٤٣ - مَا عَادَ مِن الذُّنُوبِ بِإِضْرَارِ الْغَيْرِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ فَعُقُوبَتُنَا لَهُ فِي الدُّنْيَا أَكْبَرُ.
وَأَمَّا مَا عَادَ مِن الذُّنُوبِ بِمَضَرَّةِ الْإِنْسَانِ فِي نَفْسِهِ فَقَد تَكُونُ عُقُوبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ أَشَدَّ، وَإِن كُنَّا نَحْنُ لَا نُعَاقِبُهُ فِي الدُّنْيَا.
وَإِضْرَارُ الْعَبْدِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ هُوَ ظلْمُ النَّاسِ؛ فَالظُّلْمُ لِلْغَيْرِ يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا لَا مَحَالَةَ لِكَفِّ ظُلْمِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ عَن بَعْضٍ.
وَلهَذَا يُعَاقَبُ الدَّاعِيَةُ إلَى الْبِدَعِ بِمَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ السَّاكِتُ، وَيُعَاقَبُ مَن أَظْهَرَ الْمُنْكَرَ بِمَا لَا يُعَاقَبُ بِهِ مَن اسْتَخْفَى بِهِ، وَنُمْسِكُ عَن عُقُوبَةِ الْمُنَافِقِ فِي الدِّينِ وَإِن كَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِن النَّارِ. [١٠/ ٣٧٣ - ٣٧٤]
* * *
متى تكون الْمُخَالَطَة نافعة ومتى تكون ضارّة ؟
٥٣٤٤ - الْمُخَالَطَة إنْ كَانَ فِيهَا تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى فَهِيَ مَأمُورٌ بِهَا،
стр. 3413
وَإِن كَانَ فِيهَا تَعَاوُنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ فَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا؛ فَالِاخْتِلَاطُ بِالْمُسْلِمِينَ فِي جِنْسِ الْعِبَادَاتِ: كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ هُوَ مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
وَكَذَلِكَ الِاخْتِلَاطُ بِهِم فِي الْحَجِّ وَفِي غَزْوِ الْكُفَّارِ وَالْخَوَارجِ الْمَارِقِينَ، وَإِن كَانَ أَئِمَّة ذَلِكَ فُجَّارًا، وَإِن كَانَ فِي تِلْكَ الْجَمَاعَاتِ فُجَّارٌ.
وَكَذَلِكَ الِاجْتِمَاعُ الَّذِي يَزْدَادُ الْعَبْدُ بِهِ إيمَانًا: إمَّا لِانْتِفَاعِهِ بِهِ وَإِمَّا لِنَفْعِهِ لَهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِن أَوْقَاتٍ يَنْفَرِدُ بِهَا بِنَفْسِهِ فِي دُعَائِهِ وَذِكْرِهِ وَصَلَاتِهِ وَتَفَكُّرِهِ وَمُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ وَإِصْلَاحِ قَلْبِهِ وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِن الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَشْرَكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، فَهَذِهِ يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى انْفِرَادِهِ بِنَفْسِهِ. [١٠/ ٤٢٥ - ٤٢٦]
* * *
هل يُكْتَبُ لِلْمَجْنُونِ حَالَ جُنُونِهِ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَل فِي حَالِ إفَاقَتِهِ ؟
٥٣٤٥ - لَا يُكْتَبُ لِلْمَجْنُونِ حَالَ جُنُونِهِ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ، كَمَا لَا يَكُونُ مِثْلُ ذَلِكَ لِسَيِّئَاتِهِ فِي زَوَالِ عَقْلِهِ بِالْأَعْمَالِ الْمُسْكِرَةِ وَالنَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ.
وَلَكِنْ فِي "الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ" عَن أَبِي موسَى عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَو سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِن الْعَمَلِ مَا كَانَ يَعْمَلُ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ" (١) ..
فَهَؤُلَاءِ كَانُوا قَاصِدِينَ لِلْعَمَلِ الَّذِي كَانوا يَعْمَلُونَهُ رَاغِبِينَ فِيهِ لَكِنْ عَجَزُوا فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ الْعَامِلِ، بِخِلَافِ مَن زَالَ عَقْلُهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ وَلَا عِبَادَهٌ أَصْلًا، بِخِلَافِ أُولَئِكَ فَإِنَّ لَهُم قَصْدًا صَحِيحًا يُكْتَبُ لَهُم بِهِ الثوَابُ.
وَلَا يَكُونُ زَوَالُ عَقْلِهِ سَبَبًا لِمَزِيدِ خَيرِهِ وَلَا صَلَاحِهِ وَلَا ذَنْبِهِ، وَلَكنَّ الحواشي
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه(٢٩٢٩) .стр. 3414
الْجُنُونَ يُوجِبُ زَوَالَ الْعَقْلِ، فَيَبْقَى عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ وَشَرٍّ، لَا أَنَّهُ يَزِيدُهُ وَلَا يَنْقُصُهُ، لَكِنَّ جُنُونَهُ يَحْرِمُهُ الزِّيَادَةَ مِن الْخَيْرِ، كَمَا أَنَّهُ يَمْنَعُ عُقوبَتَهُ عَلَى الشَّرِّ. [١٠/ ٤٤٠ - ٤٤١]
* * *
الرُّسُلُ بُعِثُوا بِتَكْمِيلِ الْفِطْرَةِ لا تَغْيِيرِهَا:
٥٣٤٦ - الرُّسُل إنَّمَا تَأْتِي بِتَذْكِيرِ الْفِطْرَةِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ لَهَا، وَتَقْوِيَتِهِ وإِمْدَادِهِ وَنَفْيِ الْمُغَيِّرِ لِلْفِطْرَةِ.
فَالرُّسُلُ بُعِثُوا بِتَقْرِيرِ الْفِطْرَةِ وَتَكْمِيلِهَا، لَا بِتَغْيِيرِ الْفِطْرَةِ وَتَحْوِيلِهَا، وَالْكَمَالُ يَحْصُلُ بِالْفِطْرَةِ الْمُكَمَّلَةِ، بِالشّرْعَةِ الْمُنَزَّلَةِ. [١٦/ ٣٤٨]
٥٣٤٧ - الرُّسُلُ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم وَسَلَامُهُ- بُعِثُوا بِتَكْمِيلِ الْفِطْرَةِ وَتَقْرِيرِهَا، لَا بِتَحْوِيلِ الْفِطْرَةِ وَتَغْيِيرِهَا. [١٠/ ٤٦٦]
* * *
هل الْعَبْد يَكُونُ مَعَ اللهِ كَالْمَيِّتِ مَعَ الْغَاسِلِ ؟
٥٣٤٨ - قَوْلُ مَن قَالَ: "إنَّ الْعَبْدَ يَكُونُ مَعَ اللهِ كَالْمَيِّتِ مَعَ الْغَاسِلِ" لَا يَصِحُّ وَلَا يَسُوغُ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَن أَحَدٍ مِن الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ. [١٠/ ٤٨٥]
* * *
النبيّ ﷺ لَمْ يَكن يَنْتَقِمُ لنفسِه:
٥٣٤٩ - وَأَمَّا لِحَظِّ نَفْسِهِ ﷺ فَلَمْ يَكُن يُعَاقِبُ وَلَا يَنْتَقِمُ بَل يَسْتَوْفِي حَقَّ رَبِّهِ، وَيَعْفُو عَن حَظِّ نَفْسِهِ.
وَفِي حَظِّ نَفْسِهِ يَنْظُرُ إلَى الْقَدَرِ فَيَقُولُ: "لَو قُضِيَ شَيْءٌ لَكَانَ"، وَفِي حَق اللهِ يَقومُ بِالْأَمْرِ فَيَفْعَلُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَيُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَكْمَلَ الْجِهَادِ الْمُمْكِنِ.
стр. 3415
فَجَاهَدَهُم أَوَّلًا بِلِسَانِهِ بالْقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢﴾ [الفرقان: ٥١، ٥٢] (١) .
ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ وَأُذِنَ لَهُ فِي الْقِتَالِ جَاهَدَهُم بِيَدِهِ (٢) . [١٠/ ٥٠٤ - ٥٠٥]
* * *
الرُّؤْيَا، ومَا يُلْقَى فِي نَفْسِ الإنْسَانِ، والْمُكَاشَفَةِ عَلَى ثَلَاَثةِ أَقْسَامٍ:
٥٣٥٠ - إِذَا كَانَت الرُّؤْيا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
رُؤْيَا مِن اللهِ.
وَرُؤْيَا مِن حَدِيثِ النَّفْسِ.
وَرُؤْيَا مِن الشَّيْطَانِ.
فَكَذَلِكَ مَا يُلْقَى فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ فِي حَالِ يَقَظَتِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: رَحْمَانِيُّ، وَنَفْسَانِيٌّ، وَشَيْطَانِيٌّ.
وَمَا يَحْصُلُ مِن نَوْعِ الْمُكَاشَفَةِ وَالتَّصَرُّفِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: مَلَكيٌّ، وَنَفْسِيٌّ، وَشَيْطَانِيٌّ.
فَإِنَّ الْمَلَكَ لَهُ قُوَّةٌ، وَالنَّفْسَ لَهَا قُوَّةٌ، وَالشَّيْطَانَ لَهُ قُوَّةٌ، وَقَلْبَ الْمُؤْمِنِ لَهُ قُوَّةٌ.
فَمَا كَانَ مِن الْمَلَكِ وَمِن قَلْبِ الْمُؤْمِنِ فَهُوَ حَقٌّ، وَمَا كَانَ مِن الشَّيْطَانِ وَوَسْوَسَةِ النَّفْسِ. [١٠/ ٦١٢ - ٦١٣]
* * * الحواشي
(١) ونحن مأمورون بالاقتداء به، فنجاهد المنافقين وغيرهم بالقرآن والموعظة والنصيحة، وهذا من الجهاد كما سمّاه ذلك ربّنا ﵎.(٢) وهكذا يجب أن تفعل أمته من بعده، فإذا تمكنوا، وكانت لهم شوكةٌ ومَنَعة، ولهم رايةٌ شرعية واضحةٌ، جاهدوا الأعداء بالسيف.стр. 3416
اشتباه بعض العبادات بغيرِها:
٥٣٥١ - كَثِيرًا مَا يَشْتَبِهُ الزُّهْدُ بِالْكَسَلِ وَالْعَجْزِ وَالْبِطَالَةِ عَن الْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَكَثِيرًا مَا تَشْتَبِهُ الرَّغْبَةُ الشَّرْعِيَّةُ بِالْحِرْصِ وَالطَّمَعِ وَالْعَمَلِ الَّذِي ضَلَّ سَعْيُ صَاحِبِهِ. [١٠/ ٦١٧]
* * *
هل الثَّوَاب عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ ؟
٥٣٥٢ - قَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ: الثَّوَابُ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَأَمَّا الْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الطَّاعَةِ فَقَد تَكُونُ الطَّاعَةُ للهِ وَرَسْولِهِ فِي عَمَلٍ مُيَسَّرٍ، كَمَا يَسَّرَ اللهُ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ "الْكَلِمَتَيْنِ" وَهُمَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ.
وَلَو قِيلَ: الْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ مَنْفَعَةِ الْعَمَلِ وَفَائِدَتِهِ لَكَانَ صَحِيحًا اتِّصَافُ الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِالْأَمْرِ، وَالثَّانِي بِاعْتِبَارِ صِفَتِهِ فِي نَفْسِهِ.
وَلَكِنْ قَد يَكُونُ الْعَمَلُ الْفَاضِلُ مُشِقًّا، فَفَضْلُهُ لِمَعْنَى غَيْرِ مَشَقَّتِهِ، وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ مَعَ الْمَشَقَّةِ يَزِيدُ ثَوَابَهُ وَأَجْرَهُ، فَيَزْدَادُ الثَّوَابُ بِالْمَشَقَّةِ، كَمَا أَنَّ مَن كَانَ بُعْدُهُ عَن الْبَيْتِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَكْثَرَ يَكُونُ أَجْرُهُ أَعْظَمَ مِن الْقَرِيبِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَائِشَةَ فِي "الْعُمْرَةِ: "أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك" (١) ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ عَلَى قَدْرِ الْعَمَلِ فِي بعْدِ الْمَسَافَةِ، وَبِالْبُعْدِ يَكْثُرُ النَّصَبُ فَيَكْثُرُ الْأَجْرُ.
فَكَثِيرًا مَا يَكْثُرُ الثَّوَابُ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ، لَا لِأَنَّ التَّعَبَ وَالْمَشَقَّةَ مَقْصُودٌ مِن الْعَمَلِ؛ وَلَكِنْ لِأَنَّ الْعَمَلَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْمَشَقَّةِ وَالتَّعَبِ. [١٠/ ٦٢٠ - ٦٢٢]
* * * стр. 3417
لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ: كلِمَةُ اسْتِعَانَةٍ، لَا كَلِمَةُ اسْتِرْجَاعٍ:
٥٣٥٣ - قَالَ الشِّبْلِيُّ بَيْنَ يَدَيِ الْجُنَيْد: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ، فَقَالَ الْجُنَيْد: قَوْلُك ذَا ضِيقُ صَدْرٍ، وَضِيقُ الصَّدْرِ لِتَرْكِ الرضا بِالْقَضَاءِ.
فَإِنَّ هَذَا مِن أَحْسَنِ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ كَلِمَةُ اسْتِعَانَةٍ، لَا كَلِمَةُ اسْتِرْجَاعٍ، وَكَثِيرٌ مِن النَّاسِ يَقُولُهَا عِنْدَ الْمَصَائِبِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِرْجَاعِ، وَيَقُولُهَا جَزَعًا لَا صَبْرًا؛ فالْجُنَيْد أَنْكَرَ عَلَى الشِّبْلِيِّ حَالَهُ فِي سَبَبِ قَوْلِهِ لَهَا، إذ كَانَت حَالًا يُنَافِي الرِّضَا، وَلَو قَالَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ. [١٠/ ٦٨٦ - ٦٨٧]
* * *
حُبُّ الشَّيْءِ وَإِرَادَتُهُ يَسْتَلْزِمُ بُغْضَ ضِدِّهِ وَكَرَاهَتَه مَعَ الْعِلْم بِالتَّضَادِّ:
٥٣٥٤ - حُبُّ الشَّيءِ وَإِرَادَتُهُ يَسْتَلْزِمُ بُغْضَ ضِدِّهِ وَكَرَاهَتَهُ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّضَادِّ؛ وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] وَالْمُوَادَّةُ مِن أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِاللهِ يَسْتَلْزِمُ مَوَدَّتَهُ وَمَوَدَّةَ رَسُولِهِ، وَذَلِكَ يُنَاقِضُ مُوَادَّةَ مَن حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ. [١٠/ ٧٥٢ - ٧٥٣]
* * *
هَل تُسَمَّى إرَادَةُ اللهِ لِما يَفْعَلُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَزْمًا ؟
٥٣٥٥ - وَقَد تَنَازَعُوا هَل تُسَمَّى إرَادَة اللهِ لِمَا يَفْعَلُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عَزْمًا؟ وَهُوَ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ. [١٠/ ٧٦٤]
* * *
معنى الْفَقْرِ فِي الْكِتَاب وَالسُّنَةِ وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ:
٥٣٥٦ - لَا ريبَ أَنًّ لَفْظَ "الْفَقْرِ" فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ لَمْ يَكُونُوا يُرِيدُونَ بِهِ نَفْسَ طَرِيقِ اللهِ وَفِعْلَ مَا أُمِرَ بِهِ، وَتَرْكَ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَالْأَخْلَاقَ الْمَحْمُودَةَ وَلَا نَحْو ذَلِكَ؛ بَل الْفَقْرُ عِنْدَهُم ضِدُّ الْغِنَى. [١١/ ٢٧]
* * *
стр. 3418
ممن يخالف دينه وشريعته وسُنَّته يُمَوِّه باطله ويزخرفه بما يفتريه على أهل بيته:
٥٣٥٧ - لما كان لآل رسول الله ﷺ به اتصال النسب والقرابة، وللأولياء الصالحين منهم ومن غيرهم به اتصال الموالاة والمتابعة، صار كثير ممن يخالف دينه وشريعته وسُنَّته يُمَوِّه باطله ويزخرفه بما يفتريه على أهل بيته وأهل موالاته ومتابعته. [١١/ ٥٥]
* * *
الكلام عن أهل الصفة:
٥٣٥٨ - الْعَشْرَةُ [أي: المبشرون بالجنة] لَمْ يَكُن فِيهِمْ مَن هُوَ مِن أَهْلِ الصُّفَّةِ إلَّا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَد قِيلَ: إنَّهُ أَقَامَ بِالصُّفَّةِ مَرَّةً، وَأَمَّا أَكَابِرُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَلَمْ يَكونُوا مِن أَهْلِ الصُّفَّةِ؛ بَل عَامَّةُ أَهْلِ الصُّفَّةِ إنَّمَا كَانُوا مِن فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ كَانوا فِي دِيَارِهِمْ. وَلَمْ يَكُن أَحَدٌ يُنْذِرُ لِأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلَا لِغَيْرِهِمْ. [١١/ ٥٧]
٥٣٥٩ - إِنَّ أَهْلَ الصُّفَّةِ لَمْ يَكُن لَهُم مَكَانٌ يُسْتَأْذَنُ عَلَيْهِم فِيهِ، إنَّمَا كَانَت الصُّفَّةُ فِي شَمَالِيِّ مَسْجِدِ رَسُولِ اللّهِ ﷺ يَأْوِي إلَيْهَا مَن لَا أَهْلَ لَهُ مِن الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ يَكُن يُقِيمُ بِهَا نَاسٌ مُعَيّنونَ بَل يَذْهَبُ قَوْمٌ ويجِيءُ آخَرُونَ. [١١/ ٧١]
* * *
للحَقِّ عَلَامَات يُعرف بها:
٥٣٦٠ - جَعَلَ عَلَى الْحَقِّ آيَاتٍ وَعَلَامَاتٍ وَبَرَاهِينَ. [١١/ ٧٧]
* * *
الْمُؤَاخَاةُ لم تكن بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ:
٥٣٦١ - وَأَمَّا "الْمُؤَاخَاةُ" بَيْنَ الْمُهَاجرِينَ كَمَا يُقَالُ: إنَّهُ آخَى بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَإِنَّهُ آخَى عَلِيًّا وَنَحْو ذَلِكَ فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ، وَإِن كَانَ بَعْضُ النَّاسِ ذَكَرَ أَنَّهُ
стр. 3419
فَعَلَ بِمَكَّةَ، وَبَعْضُهُم ذَكَرَ أَنَّهُ فَعَلَ بِالْمَدِينَةِ وَذَلِكَ نَقْل ضَعِيفٌ: إمَّا مُنْقَطِعٌ وَإِمَّا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَمَن تَدَبَّرَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ وَالسِّيرَةَ النَّبَوِيَّةَ الثَّابِتَةَ تَيَقَّنَ أَنَّ ذَلِكَ كَذِبٌ. [١١/ ١٠٠]
* * *
معنى الأثر: حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ:
٥٣٦٢ - سُئِلَ -رحمة الله- عَن مَعْنَى قَوْلِ مَن يَقُولُ: "حُبُّ الدُّنْيَا رَأسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ".
فَأَجَابَ: لَيْسَ هَذَا مَحْفُوظًا عَن النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنْ هُوَ مَعْرُوفٌ عَن جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البجلي مِن الصَّحَابَةِ.
وَأَمَّا حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي ذَلِكَ: فَاَلَّذِي يُعَاقَبُ الرَّجُلُ عَلَيْهِ الْحُبُّ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ الْمَعَاصِيَ: فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الظُّلْمَ وَالْكَذِبَ وَالْفَوَاحِشَ، وَلَا ريبَ أَنَّ الْحِرْصَ عَلَى الْمَالِ وَالرِّئَاسَةِ يُوجِبُ هَذَا كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّهُ قَالَ: "إيَّاكُمْ وَالشُّحِّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ أَمَرَهُم بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا وأَمَرَهُم بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا وَأَمَرَهُم بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا".
فَأَمَّا مُجَرَّدُ الْحُبِّ الَّذِي فِي الْقَلْب إذَا كَانَ الْإِنْسَانُ يَفْعَلُ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ ويتْرُكُ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ. ويخَافُ مَقَامَ رَبِّهِ وَيَنْهَى النَّفْسَ عَن الْهَوَى فَإِنَّ اللهَ لَا يُعَاقِبُهُ عَلَى مِثْل هَذَا إذَا لَمْ يَكن مَعَهُ عَمَلٌ، وَجَمْعُ الْمَالِ إذَا قَامَ بِالْوَاجِبَاتِ فِيهِ وَلَمْ يَكْتَسِبْهُ مِن الْحَرَامِ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ؛ لَكِنَّ إخْرَاجَ فُضُولِ الْمَالِ وَالِاقْتِصَارَ عَلَى الْكِفَايَةِ أَفْضَلُ وَأسْلَمُ وَأَفْرَغُ لِلْقَلْبِ وَأَجْمَعُ لِلْهَمِّ وَأَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. [١١/ ١٠٧ - ١٠٨]
* * *
الْمُهَاجِرُونَ أفضَلُ مِن الْأنصَارِ:
٥٣٦٣ - الْغَالِبُ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ الْفَقْر، وَالْغَالِبُ عَلَى الْأَنْصَارِ الْغِنَى،
стр. 3420
وَالْمُهَاجِرُونَ أَفْضَلُ مِن الْأَنْصَارِ، وَكَانَ فِي الْمُهَاجِرِينَ أغنياؤهم مِن أَفْضَلِ الْمُهَاجِرِينَ، مَعَ أَنَّهُم بِالْهِجْرَةِ تَرَكُوا مِن أَمْوَالِهِمْ مَا صَارُوا بِهِ فقَرَاءَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ. [١١/ ١٣٢]
* * *
أَصْلُ الْوِلَايَةِ الْمَحَبَّةُ وَالْقُرْبُ، وَأَصْلُ الْعَدَاوة الْبُغْضُ وَالْبُعْدُ:
" الْوِلَايَةُ" ضِدُّ الْعَدَاوَةِ، وَأَصْلُ الْوِلَايَةِ الْمَحَبَّةُ وَالْقُرْبُ، وَأَصْلُ الْعَدَاوَةِ الْبُغْضُ وَالْبُعْدُ (١) .
وَقَد قِيلَ: إنَّ الْوَلِيَّ سُمِّيَ وَليًّا مِن مُوَالَاتِهِ لِلطَّاعَاتِ؛ أَيْ: مُتَابَعَتِهِ لَهَا وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَالْوَلِيُّ الْقَرِيبُ فَيُقَالُ: هَذَا يَلِي هَذَا؛ أَيْ: يَقْرُبُ مِنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ : "ألْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا أَبْقَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ"؛ أَيْ: لِأَقْرَبِ رَجُل إلَى الْمَيِّتِ. وَأَكَّدَهُ بِلَفْظِ "الذَّكَرِ" لِيُبَيّنَ أَنَّهُ حُكْمٌ يَخْتَصُّ بِالذُّكُورِ وَلَا يَشْتَرِكُ فِيهَا الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ.
فَإِذَا كَانَ وَليُّ اللهِ هُوَ الْمُوَافِقُ الْمُتَابعُ لَهُ فِيمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَيُبْغِضُهُ ويُسْخِطُهُ وَيَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ كَانَ الْمُعَادِي لِوَلِيّهِ مُعَادِيًا لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]، فَمَن عَادَى أَوْليَاءَ اللهِ فَقَد عَادَاهُ، وَمَن عَادَاهُ فَقَد حَارَبَهُ، فَلِهَذَا قَالَ: "وَمَن عَادَى لِي وَليًّا فَقَدَ بَارَزَني بِالمُحَارَبِة". [١١/ ١٦٠ - ١٦١]
* * *
الأحاديث الواردة في عِدَّةِ الْأَوْليَاءِ وَالْأَبْدَالِ وغيرهم:
٥٣٦٤ - كُلُّ حَدِيثٍ يُرْوَى عَن النَّبِيِّ ﷺ فِي عِدَّةِ "الْأَوْليَاءِ" وَ"الْأَبْدَالِ" الحواشي
(١) هذا يدل على أنّ من والى الكفار في الظاهر دون الباطن أنه لا يكفر.стр. 3421
وَ"النُّقَبَاءِ" وَ"النُّجَبَاءِ وَ"الْأَوْتَادِ" وَ"الْأَقْطَابِ" مِثْلُ أَرْبَعَةٍ أَو سَبْعَةٍ أَو اثْنَي عَشَرَ أَو أَرْبَعِينَ أَو سَبْعِينَ أَو ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ، أَو الْقُطْبَ الْوَاحِدَ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ صَحِيحٌ عَن النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَمْ يَنْطِق السَّلَفُ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إلَّا بِلَفْظِ "الْأَبْدَالِ".
وَرُوِيَ فِيهِمْ حَدِيثُ أَنَّهُم أَرْبَعُونَ رَجُلًا وَأَنَّهُم بِالشَّامِ، وَهُوَ فِي "الْمُسْنَدِ" مِن حَدِيثِ عَلِي ﵁، وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ بِثَابِتِ. [١١/ ١٦٧]
* * *
من هو أَرِسْطُو ؟
٥٣٦٥ - كَانَ أَرِسْطُو قَبْلَ الْمَسِيحِ ﵇ بِثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَ وَزِيرًا لِلْإِسْكَنْدَرِ بْنِ فَيَلْبَس الْمَقْدُونيِّ، وَهُوَ الَّذِي تُؤَرَّخُ بِهِ تَوَارِيخُ الرُّومِ وَالْيُونَانِ، وَتُؤَرّخُ بِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؛ وَلَيْسَ هَذَا هُوَ ذُو الْقَرْنَيْنِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ. [١١/ ١٧١]
* * *
الفرق بين النَّبِيِّ الْمَلِك والْعَبْد الرَّسُول وأيهما أفضل:
٥٣٦٦ - النَّبِيُّ الْمَلِكُ يَفْعَلُ مَا فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ ويتْرُكُ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ ويتَصَرَّفُ فِي الْوِلَايَةِ وَالْمَالِ بِمَا يُحِبُّهُ ويخْتَارُ مِن غَيْرِ إثْمٍ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْعَبْدُ الرَّسُولُ فَلَا يُعْطِي أَحَدًا إلَّا بِأَمْرِ رَبِّهِ وَلَا يُعْطِي مَن يَشَاءُ ويحْرِمُ مَن يَشَاءُ. [١١/ ١٨١]
وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْعَبْدَ الرَّسُولَ هُوَ أَفْضَلُ مِن النَّبِيِّ الْمَلِكِ، كَمَا أَنَّ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدًا عَلَيْهِم الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَفْضَلُ مِن يُوسُفَ وداوُد وَسُلَيْمَانَ ﵇، كَمَا أَنَّ الْمُقَرَّبِينَ السَّابِقِينَ أَفْضَلُ مِن الْأَبْرَارِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ لَيْسُوا مُقَرَّبِينَ سَابِقِينَ، فَمَن أَدَّى مَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِ وَفَعَلَ مِن الْمُبَاحَاتِ مَا يُحِبُّهُ فَهُوَ مِن هَؤُلَاءِ، وَمَن كَانَ إنَّمَا يَفْعَلُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ ويرْضَاهُ وَيَقْصِدُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَا أُبِيحَ لَهُ عَلَى مَا أَمَرَهُ اللهُ فَهُوَ مِن أُولَئِكَ. [١١/ ١٨٢]
* * *
стр. 3422
الْأنبيَاءُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم يُخْبِرُونَ بمَحَارَاتِ الْعُقُول لَا بمُحَالَاتِ الْعُقُوَلِ:
٥٣٦٧ - الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِم يُخْبِرُونَ بِمَا تَعْجِزُ عُقُولُ النَّاسِ عَن مَعْرِفَتِهِ؛ لَا بِمَا يَعْرِفُ النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ فَيُخْبِرُونَ بِمَحَارَاتِ الْعُقُولِ لَا بِمُحَالَاتِ الْعُقُولِ ويمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِي إخْبَارِ الرَّسُولِ مَا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْعُقُولِ وَيمْتَنِعُ أَنْ يَتَعَارَضَ دَلِيلَانِ قَطْعِيَّانِ: سَوَاءٌ كَانَا عَقْلِيَّيْنِ أَو سَمْعِيَّيْنِ أَو كَانَ أَحَدُهُمَا عَقْلِيًّا وَالْآخَرُ سَمْعِيًّا.
فَكَيْفَ بِمَن ادَّعَى كَشْفا يُنَاقِضُ صَرِيحَ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ؟. وَهَؤُلَاءِ قَد لَا يَتَعَمَّدُونَ الْكذِبَ (١) .
لَكِنْ يُخَيَّلُ لَهُم أَشْيَاءُ تَكُونُ فِي نُفُوسِهِمْ وَيظُنُّونَهَا فِي الْخَارجِ وَأَشْيَاءَ يَرَوْنَهَا تَكُونُ مَوْجُودَةً فِي الْخَارجِ لَكِنْ يَظُنُّونَهَا مِن كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ وَتَكُونُ مِن تَلْبِيسَاتِ الشَّيَاطِينِ. [١١/ ٢٤٣ - ٢٤٤]
* * *
الفرق بين الْكَلِمَاتِ الْكَوْنِيَّةِ والدِّينِيَّة:
٥٣٦٨ - وَأَمَّا لَفْظُ "الْكَلِمَاتِ" فَقَالَ فِي الْكَلِمَاتِ الْكَوْنِيَّةِ: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢].
وَقَالَ ﷺ : "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ الَّتي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرّ وَلَا فَاجِرٌ مِن شَرٍّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَمِن شَرّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمِن شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمِن شَرِّ كُلِّ طَارقٍ إلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرِ يَا رَحْمَنُ" (٢) .
وَ"كَلِمَاتُ اللَّهِ التَّامَّاتُ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ" هِيَ الَّتِي كَوَّنَ بِهَا الْكَائِنَاتِ فَلَا يَخْرُجُ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ عَن تكْوِينهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتهِ. الحواشي
(١) هذا من إنصاف الشيخ على عادته ﵀.(٢) صحَّحه الألباني في صحيح الجامع(٧٤) .стр. 3423
وَأَمَّا "كَلِمَاتُهُ الدِّينِيَّةُ" وَهِيَ كُتُبُهُ الْمُنَزَّلَةُ وَمَا فِيهَا مِن أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ فَأَطَاعَهَا الْأَبْرَارُ وَعَصَاهَا الْفُجَّارُ. [١١/ ٢٧٠ - ٢٧١]
* * *
سُلْطَانُ الْحَالِ وَالْقَلْبِ كَسُلْطَانِ الْمُلْكِ وَالْيَدِ:
٥٣٦٩ - سُلْطَانُ الْحَال وَالْقَلْبِ كَسُلْطَانِ الْمُلْكِ وَالْيَدِ إلَّا أَنَّ أَسْبَابَ هَذَا بَاطِنَةٌ رُوحَانِيَّةٌ وَأَسْبَابَ هَذَا ظَاهِرَةٌ جثْمَانِيَّةٌ (١) . [١١/ ٣٢٧]
* * *
لطيفة في الْأَمْر وَالنَّهْي الشَّرْعِيّينِ:
٥٣٧٠ - اللهُ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ عِبَادَهُ لِحَاجَتِهِ إلَى خِدْمَتِهِمْ وَلَا هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى أَمْرِهِمْ وَإِنَّمَا أَمَرَهُم إحْسَانًا مِنْهُ وَنعْمَةً أَنْعَمَ بِهَا.
وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ الشَّرْعِيَّانِ لَمَّا كَانَا نِعْمَةً وَرَحْمَة عَامَّةً لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ عَدَمُ اثْتِفَاعِ بَعْضِ النَّاسِ بِهِمَا مِن الْكُفَّارِ كَإِنْزَالِ الْمَطَرِ وَإِنْبَاتِ الرّزْقِ هُوَ نِعْمَة عَامَّة وّإِنَّ تَضَرَّرَ بِهَا بَعْضُ النَّاسِ لِحِكْمَةٍ أخرَى. [١١/ ٣٥٦ - ٣٥٧]
* * *
حكم من يَزْعُمُ سُقُوطَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَنْه بِالْكُلِّيَّةِ:
٥٣٧١ - إنَّ الْمُتَمَسّكِينَ بِجُمْلَةِ مَنْسُوخَةٍ فِيهَا تَبْدِيلٌ خَيْرٌ مِن هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ سُقُوطَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَنْهُم بِالْكُلّيَّةِ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ خَارِجُونَ فِي هَذه الْحَالِ عَن جَمِيع الْكُتُبِ وَالشَّرَائِعِ وَالْمِلَلِ، لَا يَلْتَزِمُونَ للهِ أَمْرًا وَلَا نَهْيًا بِحَال؛ بَل هَؤُلَاءِ شَرٌّ مِن الْمُشْرِكِينَ الْمُسْتَمْسِكِينَ بِبَقَايَا مِن الْمِلَلِ، كَمُشْرِكِي الْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا مُسْتَمْسِكِينَ بِبَقَايَا مِن دِينِ إبْرَاهِيمَ ﵇، فَإِنَّ أُولَئِكَ مَعَهُم نَوْعٌ مِن الحواشي
(١) وصدق ﵀، ولذا تجد أهل العلم والمعرفة أغنى الناس قلبًا، وأقنعهم مالًا وحالًا، يُحتاج إليهم أكثر من احتياجهم للناس، ويشعرون بالأمن والثقة بالله أعظم من أمن وثقة الملوك بملكهم وجنودهم.стр. 3424
الْحَقِّ يَلْتَزِمُونَهُ، وَإِن كَانُوا مَعَ ذَلِكَ مُشْرِكِينَ، وَهَؤُلَاءِ خَارِجُونَ عَن الْتِزَامِ شَيْءٍ مِن الْحَقِّ بِحَيْثُ يَظُنُّونَ أَنَّهُم قَد صَارُوا سُدًى لَا أَمْرٌ عَلَيْهِم وَلَا نَهْيٌ (١) . [١١/ ٤٠٢]
* * *
حُكمُ الْحَاكِم لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ:
٥٣٧٢ - عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأُمَّةِ لَو حَكَمَ الْحَاكِمُ بِعَقْدٍ أَو فَسْخِ نِكَاحٍ أَو طَلَاقٍ وَبَيْعٍ فَإِنَّ حُكْمَهُ لَا يُغَيِّرُ الْبَاطِنَ عِنْدَهُمْ، وَإِن كَانَ مِنْهُم مَن يَقُولُ: حُكمُهُ يُغَيِّرُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِأنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْعُقُودِ والفسوخِ.
فَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَسَائِرِ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْحَدِيثِ وَكَثِيرٍ مِن فقَهَاءِ الْعِرَاقِ. [١١/ ٤٣٠]
* * *
الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِمَاعِ لَا بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ:
٥٣٧٣ - أما ما لم يقصده الإنسان من الاستماع، فلا يترتب عليه لا نهي ولا ذم باتفاق الأئمة؛ ولهذا إنما يترتب الذم والمدح على الاستماع لا على السماع؛ فالمستمع للقرآن يثاب عليه والسامع له من غير قصد وإرادة لا يثاب على ذلك؛ إذ الأعمال بالنيات، وكذلك ما ينهى عن استماعه من الملاهي لو سمعه السامع بدون قصده لم يضره ذلك، فلو سمع السامع بيتًا يناسب بعض حاله فحرك ساكنه المحمود وأزعج قاطنه المحبوب أو تمثل بذلك ونحو ذلك لم يكن هذا مما ينهى عنه، وكان المحمود الحسن حركة قلبه التي يحبها الله ورسوله إلى محبته التي تتضمن فعل ما يحبه الله وترك ما يكرهه الله؛ كالذىِ اجتاز بيتًا فسمع قائلًا يقول: الحواشي
(١) ينطبق هذا على الذين لا يدينون بدين، بل يفعلون ما يهوونه ويُحبونه.стр. 3425
كلُّ يومٍ تتَلَوَّن … غيرُ هذا بك أجمل
فأخذ منه إشارة تناسب حاله، فإن الإشارات من باب القياس والاعتبار وضرب الأمثال. [١٠/ ٧٨]
٥٣٧٤ - الْأمْرُ وَالنَّهْيُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِمَاعِ، لَا بِمُجَرَّدِ السَّمَاعِ، كَمَا فِي الرُّؤْيةِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِقَصْدِ الرُّؤْيَةِ لَا بِمَا يَحْصُلُ مِنْهَا بِغَيْرِ الِاخْتِيَارِ.
كَمَن اجْتَازَ بِطَريِقٍ فَسَمِعَ قَوْمًا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ فَسَدَّ أذُنَيْهِ كَيْلَا يَسْمَعَهُ، فَهَذَا حَسَنٌ، وَلَو لَمْ يَسُدَّ أُذُنَيْهِ لَمْ يَأثَمْ بِذَلِكَ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي سَمَاعِهِ ضَرَرٌ دِينِيٌّ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالسَّدِّ. [١١/ ٥٦٦ - ٥٦٧]
* * *
أنواع الْألفَاظ:
٥٣٧٥ - مِن الْأصُولِ الْكُلِّيَّةِ أنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْألْفَاظَ نَوْعَانِ:
نَوْعٌ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يُقِرَّ بِمُوجَبِ ذَلِكَ، فَيُثْبِتُ مَا أثْبَتَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَيَنْفِي مَا نَفَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.
فَاللَّفْظُ الَّذِي أثْبَتَهُ اللهُ أَو نَفَاهُ حَق؛ فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ الْحَق وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ، وَالْأَلْفَاظُ الشَّرْعِيَّةُ لَهَا حُرْمَةٌ.
وَمِن تَمَامِ الْعِلْمِ أَنْ يَبْحَثَ عَن مُرَادِ رَسُولِهِ بِهَا لِيُثْبتَ مَا أَثْبَتَهُ وَينْفِيَ مَا نَفَاهُ مِن الْمَعَانِي، فَإِنَّه يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُصَدِّقَهُ فِي كُلِّ مَا أخبَرَ، وَنُطِيعَهُ فِي كُلِّ مَا اُّوْجَبَ وَأَمَرَ، ثُمَّ إذَا عَرَفْنَا تَفْصِيلَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ مِن زِيادَةِ الْعِلْمِ وَالْأِيمَانِ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
وَأَمَّا الْألْفَاظُ الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى نَفْيِهَا أو إثْبَاتِهَا فَهَذ لَيْسَ عَلَى أحَدٍ أَنْ يُوَافِقَ مَن نَفَاهَا اُّو أَثْبَتَهَا حَتَّى يَسْتَفْسِرَ عَن مُرَادِهِ، فَإِنْ أَرَادَ بِهَا مَعْنَى يُوَافِقُ خَبَرَ الرَّسُولِ أَقَرَّ بِهِ، وَإِن أَرَادَ بِهَا مَعْنَى يُخَالِفُ خَبَرَ الرَّسُولِ أَنْكَرَهُ.
стр. 3426
ثُمَّ التَّعْبِيرُ عَن تِلْكَ الْمَعَانِي إنْ كَانَ فِي أَلْفَاظِهِ اشْتِبَاهٌ أَو إجْمَالٌ عُبِّرَ بِغَيْرِهَا، أَو بَيَّنَ مُرَادَهُ بِهَا، بِحَيْثُ يَحْصُلُ تَعْرِيفُ الْحَقِّ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ.
فَإِنَّ كَثِيرًا مِن نِزَاعِ النَّاسِ سَبَبُهُ أَلْفَاظٌ مُجْمَلَة مُبْتَدَعَة وَمَعَانٍ مُشْتَبِهَة، حَتَّى تَجِدَ الرَّجُلَيْنِ يَتَخَاصمَانِ وَيتَعَادَيَانِ عَلَى إطْلَاقِ أَلْفَاظٍ وَنَفْيِهَا، وَلَو سُئِلَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَن مَعْنَى مَا قَالَهُ لَمْ يَتَصَوَّرْهُ فَضْلًا عَن أَنْ يَعْرِفَ دَلِيلَهُ، وَلَو عَرَفَ دَلِيلَهُ لَمْ يَلْزَمْ أَنَّ مَن خَالَفَهُ يَكُونُ مُخْطِئًا؛ بَل يَكُونُ فِي قَوْلِهِ نَوْعٌ مِن الصَّوَابِ، وَقَد يَكُونُ هَذَا مُصِيبًا مَن وَجْهٍ وَهَذَا مُصِيبًا مِن وَجْهٍ، وَقَد يَكونُ الصَّوَابُ فِي قَوْلٍ ثَالِثٍ (١) . [١٢/ ١١٣ - ١١٤]
* * *
الْعُقَلَاءُ الْكَثِيرُونَ لَا يَتَّفِقونَ عَلَى الْكَذِبِ وَجَحْدِ الضَّرُورَاتِ مِن غَيْرِ تَوَاطُؤِ وَاتِّفَاقٍ:
٥٣٧٦ - الْعُقَلَاءُ الْكَثِيرُونَ لَا يَتَّفِقُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَجَحْدِ الضَّرُورَاتِ مِن غَيْرِ تَوَاطُؤٍ وَاتِّفَاقٍ، كَمَا فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
وَأَمَّا مَعَ التَّوَاطُؤِ فَقَد يَتَّفِقُونَ عَلَى الْكَذِبِ عَمْدًا، وَقَد يَتَّفِقُونَ عَلَى جَحْدِ الضَّرُورَاتِ، وَإِن لَمْ يَعْلَمْ كُلّ مِنْهُم أَنَّهُ جَاحِدٌ لِلضَّرُورَةِ، وَلَو لَمْ يَفْهَمْ حَقِيقَةَ الْقَوْلِ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ لِحُسْنِ ظَنِّهِ فِيمَن يُقَلِّدُ قَوْلَهُ، وَلمَحَبَّتِهِ لِنَصْرِ ذَلِكَ الْقَوْلِ، كَمَا اتَّفَقَتْ النَّصَارَى وَالرَّافِضَةُ وَغَيْرُهُم مِن الطَّوَائِفِ عَلَى مَقَالَاتٍ يُعْلَمُ فَسَادُهَا بِالضرُورَةِ. [١٢/ ١٢٢]
* * * الحواشي
(١) وقد قال ﵀ في ختام بحثه هذا الطويل، الذي يقع في مائةٍ وعشر صفحات، وحشد فيها الأدلة الطويلة، والردود القوية، والاستدراكات الكثيرة: "هَذَا الْجَوَابُ كُتِبَ وَصَاحِبُهُ مُسْتَوْفِزٌ فِي قَعْدَةٍ وَاحِدَةٍ". المجموع (١٢/ ١١٦).
وأعجب من ذلك أنه كتب فتوى طويلة تقع في مائةٍ وسبعين صفحة (١٢/ ٣٢٣ - ٥٠١) في جلسة واحدة حيث قال: لَكِنْ هَذَا الْمَوْضِعُ فِيهِ اشْتِبَاهٌ وَإِشْكالٌ لَا تَحْتَمِلُ تَحْرِيرَهُ وَبَسْطَهُ هَذه الْفَتْوَى؛ لِأنَّ صَاحِبَهَا مُسْتَوْفِزٌ عَجْلَانُ يُرِيدُ أَخْذَهَا!! المجموع (١٢/ ٤١٦).стр. 3427
الْوَاجِبُ أَمْرُ الْعَامَّةِ بِالْجُمَلِ الثَّابِتَةِ بِالنَّصِّ وَالإجْمَاع، وَمَنْعُهُم مِن الْخَوْضِ فِي التَّفْصِيلِ:
٥٣٧٧ - الْوَاجِبُ أَمْرُ الْعَامَّةِ بِالْجُمَلِ الثَّابِتَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَمَنْعُهُم مِن الْخَوْضِ فِي التَّفْصِيلِ الَّذِي يُوقِعُ بَيْنَهُم الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ مِن أَعْظَمِ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ. [١٢/ ٢٣٧]
* * *
إِذَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ مَن لَيْسَ بنَبِيٍّ مِن الْكُفَّارِ وَالسَّحَرَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْلُبَهُ اللهُ مَا كَانَ مَعَهُ مِن ذلك:
٥٣٧٨ - إِذَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ مِن الْكُفَّارِ وَالسَّحَرَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْلُبَهُ اللهُ مَا كَانَ مَعَهُ مِن ذَلِكَ، وَأَنْ يُقَيِّضَ لَهُ مَن يُعَارِضُهُ، وَلَو عَارَضَ وَاحِدٌ مِن هَؤُلَاءِ النَّبِيِّ لَأَعْجَزَهُ اللهُ. [١٣/ ٩٠]
* * *
هل التوراة التي بين أيدي اليهود مبدلة، أم التبديل والتحريف وقع في التأويل لا في التنزيل ؟
٥٣٧٩ - قال ابن القيم -رحمة الله-: وقد اختلفت أقوال الناس في التوراة التي بين أيديهما (١) هل هي مبدلة أم التبديل والتحريف وقع في التأويل لا في التنزيل؟ على ثلاثة أقوال: طرفين، ووسط، فأفرطت طائفة وزعمت أنها كلها مبدلة مغيرة … إلخ.
وغلا بعضهم فجوز الاستجمار بها من البول.
وقابلهم طائفة أخرى من أئمة الحديث والفقه والكلام فقالوا: التبديل وقع في التأويل لا في التنزيل، إلى أن قال: وتوسطت طائفة ثالثة، وقالوا: قد زيد стр. 3428
فيها، وغُيِّر ألفاظٌ يسيرة، ولكن أكثرها باق على ما أنزل عليه، وممن اختار هذا القول شيخنا في كتابه "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" قال: وهذا كما في التوراة عندهم أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵇: "اذبح ولدك بكرك ووحيدك إسحاق" فإسحاق زيادة منهم في لفظ التوراة. [إغاثة اللهفان ٢/ ٣٥٤]
٥٣٨٠ - مِن هَؤُلَاءِ مَن زَعَمَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا فِي التَّوْرَاةِ أَو الْإِنْجِيلِ بَاطِلٌ لَيْسَ مِن كَلَامِ اللهِ، وَمِنْهُم مَن قَالَ: بَل ذَلِكَ قَلِيلٌ.
وَقِيلَ: لَمْ يُحَرِّفْ أَحَدٌ شَيْئًا مِن حُرُوفِ الْكُتُبِ، وَإِنَّمَا حَرَّفُوا مَعَانِيَهَا بِالتَّأْوِيلِ.
وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ قَالَ كُلًّا مِنْهُمَا كَثِيرٌ مِن الْمُسْلِمِينَ.
وَالصَّحِيحُ الْقَوْلُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَنَّ فِي الْأَرْضِ نُسَخًا صَحِيحَةً، وَبَقِيَتْ إلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَنُسَخًا كَثِيرَةً مُحَرَّفَةً.
وَالْقُرْآنُ يَأْمُرُهُم أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ويُخْبِرُ أنَّ فِيهِمَا حُكْمَهُ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ خَبَرٌ أنَّهُم غَيَّرُوا جَمِيعَ النُّسَخِ.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَنَقُولُ: هُوَ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] وَمَا أَنْزَلَهُ اللهُ هُوَ مَا تَلَقَّوْهُ عَن الْمَسِيحِ، فَأَمَّا حِكَايَتُهُ لِحَالِهِ بَعْدَ أَنْ رُفِعَ فَهُوَ مِثْلُهَا فِي التَّوْرَاةِ ذَكَرَ وَفَاةَ مُوسَى ﵇، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا الَّذِي فِي التوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِن الْخَبَرِ عَن مُوسَى وَعِيسَى بَعْدَ تَوَفِّيهِمَا لَيْسَ هُوَ مِمَّا أنْزَلَهُ اللهُ، وَمِمَّا تَلَقَّوْهُ عَن مُوسَى وَعِيسَى. [١٣/ ١٠٤]
* * *
عَامَّةُ مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ عُمُومُ النَّاسِ مِن الِاخْتِلَافِ مَعْلُومٌ بَل مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَو الْخَاصَّةِ:
٥٣٨١ - نَحْنُ نَعْلَمُ اَنَّ عَامَّةَ مَا يُضْطَرُّ إلَيْهِ عُمُومُ النَّاسِ مِن الِاخْتِلَافِ مَعْلُومٌ بَل مُتَوَاتِرٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَو الْخَاصَّةِ، كَمَا فِي عَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَمَقَادِيرِ رُكُوعِهَا
стр. 3429
وَمَوَاقِيتِهَا، وَفَرَائِضِ الزَّكَاةِ وَنُصُبِهَا، وَتَعْيِينِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَالطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالْمَوَاقِيتِ وغَيْرِ ذَلِكَ. [١٣/ ٣٤٣]
* * *
الْعَبْد لَيْسَ لَهُ مِن نَفْسِهِ خَيْرٌ أَصْلًا؛ بَل مَا بِنَا مِن نِعْمَةٍ فَمِن اللهِ:
٥٣٨٢ - الْإِنْسَانُ بَل وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ عِبَادٌ للهِ تَعَالَى، فُقَرَاءُ إلَيْهِ، مَمَالِيكُ لَهُ، وَهُوَ رَبُّهُم وَمَلِيكُهُم وَإِلهُهُمْ، لَا إلهَ إلَّا هُوَ؛ فَالْمَخْلُوقُ لَيْسَ لَهُ مِن نَفْسِهِ شَيْءٌ اُّصْلًا؛ بَل نَفْسُهُ وَصِفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ وَمَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَو يَسْتَحِقُّهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ مِن خَلْقِ اللهِ، وَاللهُ رَبُّ ذَلِكَ كُلِّهِ وَمَلِيكُهُ وَبَارِئُهُ وَخَالِقُهُ وَمُصَوِّرُهُ.
وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ مِن نَفْسِهِ خَيْرٌ أَصْلًا؛ بَل مَا بِنَا مِن نِعْمَةٍ فَمِن اللهِ، وَإِذَا مَسَّنَا الضُّرُّ فَإِلَيْهِ نَجْأَرُ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْهِ، كَمَا قَالَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. [١٤/ ١٥ - ١٧]
* * *
سَبَبُ عَدَمِ النَّظَرِ وَالِاسْتِمَاعِ للحق:
٥٣٨٣ - سَبَبُ عَدَمِ النَّظَرِ وَالِاسْتِمَاعِ (١) :
- إمَّا عَدَمُ الْمُقْتَضِي (٢) ، فَيَكُونُ عَدَمًا مَحْضًا.
- وَإِمَّا وُجُودُ مَانِع مِن الْكِبْرِ أَو الْحَسَدِ فِي النَّفْسِ (٣) ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ الحواشي
(١) أي: النظر والاستماع للحق.(٢) أي: ليس عنده رغبةٌ في قبول الحق، بل هو منشغلٌ باللهو واللعب والباطل.(٣) وهذا أعظم من الأول، وصاحبُه لا يقر له قرار إلا إذا عارض الحق وأهله، ورأى الباطل يعلو على الحق، بخلاف الأول، فقد لا يعنيه خذلان الحق، بقدر ما يعنيه استمتاعه بلهوه وغيّه.
ولذلك كان النبي ﷺ يُداري هؤلاء، ويتقي شرهم بالكلمة الطيبة والرفق، فإن جنس هؤلاء يكون أعداءً في الظاهر والباطن إذا نيل منهم، أو قوبلوا بالعنف والشدة.стр. 3430
مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) ﴾ [الحديد: ٢٣]، وَهُوَ تَصَوُّرٌ بَاطِلٌ، وَسَبَبُهُ: عَدَمُ غِنَى النَّفْسِ بِالْحَقِّ، فَتَعْتَاضُ عَنْهُ بِالْخَيَالِ الْبَاطِلِ. [١٤/ ٢٣]
* * *
الله تعالى يَدْخُلُ فِي الْغَيْبِ الَّذِي يُؤْمَنُ بِهِ وَلَيْسَ هُوَ بِغَائِب:
٥٣٨٤ - سُبْحَانَهُ شَهِيدٌ عَلَى الْعِبَادِ، رَقِيبٌ عَلَيْهِم مُهَيْمِنٌ عَلَيْهِم، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، فَلَيْسَ هُوَ غَائِبًا، وَإِنَّمَا لَمَّا لَمْ يَرَهُ الْعِبَادُ كَانَ غَيْبًا؛ وَلهَذَا يَدْخُلُ فِي الْغَيْبِ الَّذِي يُؤْمَنُ بِهِ وَلَيْسَ هُوَ بِغَائِب؛ فَإِنَّ الْغَائِبَ اسْمُ فَاعِل مِن قَوْلِك: غَابَ يَغِيبُ فَهُوَ غَائِبٌ، وَاللهُ شَاهِدٌ غَيْرُ غَائِبٍ وَأَمَّا الْغَيْبٌ فَهُوَ مَصْدَرُ غَابَ يَغِيبُ غَيْبًا، وَكَثِيرًا مَا يُوضَعُ الْمَصْدَرُ مَوْضِعَ الْفَاعِلِ؛ كَالْعَدْلِ وَالصَّوْمِ وَالزُّورِ، وَمَوْضِعَ الْمَفْعُولِ؛ كَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَدِرْهَمِ ضَرْبِ الْأَمِيرِ. [١٤/ ٥٢]
* * *
فُرِّقَ فِي الْأَسْمَاءِ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ:
٥٣٨٥ - فُرِّقَ فِي الْأَسْمَاءِ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْي، وَالْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ، فَإِذَا أَمَرَ بِالشَّيءِ اقْتَضَى كَمَالِهِ، وَإِذَا نَهَى عَنْهُ اقْتَضَى الَنَّهْيَ عَن جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَلهَذَا حَيْثُ أَمَرَ اللهُ بِالنِّكَاحِ- كَمَا فِي الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَكَمَا فِي الْإِحْصَانِ- فَلَا بُدَّ مِن الْكَمَالِ بِالْعَقْدِ وَالدُّخُولِ، وَحَيْثُ نَهَى عَنْهُ كَمَا فِي ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فَالنَّهْيُ عَن كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَد الْمَنْصُوصُ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَن لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِالْعُقْدَةِ وَالدُّخُولِ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِالْعُقْدَةِ.
وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا حَنِثَ بِفِعْلِ بَعْضِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنهُ، فَإِنَّ دَلَالَةَ الِاسْمِ عَلَى كُلٍّ وَبَعْضٍ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ.
стр. 3431
وَلهَذَا لَمَّا أَمَرَ اللهُ بِالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجّ كَانَ الْوَاجِبُ الْإِتْمَامَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وَقَالَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) ﴾ [النجم: ٣٧].
وَلَمَّا نَهَى عَن الْقَتْلِ وَالزنى وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ كَانَ نَاهِيًا عَن أَبْعَاضِ ذَلِكَ؛ بَل وَعَن مُقَدِّمَاتِهِ أَيْضًا وَإِن كَانَ الِاسْمُ لَا يَتَنَاوَلُهُ فِي الْإِثْبَاتِ. [١٤/ ٩٧]
* * *
النَّفْسُ مَشْحُونَةٌ بِحبِّ الْعُلُوِّ وَالرِّيَاسَةِ بِحَسَبِ إمْكَانِهَا:
٥٣٨٦ - لَوْلَا أَنَّ فِي نُفُوسِ النَّاسِ مِن جِنْسِ مَا كَانَ فِي نُفُوسِ الْمُكَذِّبينَ لِلرُّسُلِ -فِرْعَوْنَ وَمَن قَبْلَهُ- لَمْ يَكُن بِنَا حَاجَةٌ إلَى الِاعْتِبَارِ بِمَن لَا نُشْبِهُهُ قَطُّ. وَلَكِنَّ الْأَمْرَ كما قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، وَقَالَ: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) ﴾ [الذاريات: ٥٢] .. وَلهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَتَسْلُكُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبْلَكمْ حَذْوَ الْقُذةِ بِالْقُذَّةِ حَتَى لَو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ. قَالُوا: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟ ".
قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَا مِن نَفْسٍ إلَّا وَفِيهَا مَا فِي نَفْسِ فِرْعَوْنَ غَيْرَ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدَرَ فَأَظْهَرَ، وَغَيْرَهُ عَجَزَ فَأَضْمَرَ.
وَذَلِكَ: أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا اعْتَبَرَ وَتَعَرَّفَ نَفْسَة وَالنَّاسَ وَسَمِعَ أَخْبَارَهُمْ: رَأَى الْوَاحِدَ مِنْهُم يُرِيدُ لِنَفْسِهِ أَنْ تُطَاعَ وَتَعْلُو بِحَسَبِ قُدْرَتهِ.
فَالنَّفْسُ مَشْحُونَةٌ بِحُبّ الْعُلُوِّ وَالرِّيَاسَةِ بِحَسَبِ إمْكَانِهَا، فَتَجِدُ أَحَدَهُم يُوَالِي مَن يُوَافِقُهُ عَلَى هَوَاهُ، وَيُعَادِي مَن يُخَالِفُهُ فِي هَوَاهُ، وَإِنَّمَا مَعْبُودُهُ: مَا يَهْوَاهُ وَيُرِيدُهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) ﴾ [الفرقان: ٤٣].
стр. 3432
وَالْوَاحِدُ مِن هَؤُلَاءِ: يُرِيدُ أَنْ يُطَاعَ أَمْرُهُ بِحَسَبِ إمْكَانِهِ، لَكِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِمَّا تَمَكَّنَ مِنْهُ فِرْعَوْنُ: مِن دَعْوَى الْإلَهِيَّةِ وَجُحُودِ الصَّانِعِ.
وَكَثِيرٌ مِن النَّاسِ مِمَن عِنْدَهُ بَعْضُ عَقْلٍ وَإِيمَانٍ لَا يَطْلُبُ هَذَا الْحَدَّ؛ بَل يَطْلُبُ لِنَفْسِهِ مَا هُوَ عِنْدَهُ.
فَإِنْ كَانَ مُطَاعًا مُسْلِمًا: طَلَبَ انْ يُطَاعَ فِي أَغْرَاضِهِ وَإِن كَانَ فِيهَا مَا هوَ ذَنْبٌ وَمَعْصِيَةٌ للهِ، وَيكُونُ مَن أطَاعَهُ فِي هَوَاهُ: أَحَبُّ إلَيْهِ وَأعَزُّ عِنْدَهُ مِمَّن أَطَاعَ اللهَ وَخَالَفَ هَوَاهُ، وَهَذِهِ شعْبَة مِن حَالِ فِرْعَوْنَ، وَسَائِرِ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ.
وَإِن كَانَ عَالِمًا أَو شَيْخًا: أَحَبَّ مَن يُعَظِّمُهُ دُونَ مَن يُعَظِّمُ نَظِيرَهُ، حَتَّى لَو كَانَا يَقْرَآنِ كِتَابًا وَاحِدًا كَالْقُرْآنِ، أَو يَعْبُدَانِ عِبَادَةً وَاحِدَةً مُتَمَاثِلَانِ فِيهَا كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ مَن يُعَظِّمُهُ بِقَبُولِ قَوْلِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ أَكْثَرَ مِن غَيْرِهِ، وَرُبَّمَا أَبْغَضَ نَظِيرَهُ وَأَتْبَاعَهُ حَسَدًا وَبَغْيًا، كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ لَمَّا بَعَثَ اللهُ مُحَمدًا ﷺ يَدْعُو إلَى مِثْل مَا دَعَا إلَيْهِ مُوسَى. [١٤/ ٣٢٢ - ٣٢٥]
* * *
مَن لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فِي الدُّنْيَا اُمْمُّحِنَ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ إلَّا مَن اتبعَ الشَّيْطَانَ:
٥٣٨٧ - مَن لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فِي الدُّنْيَا اُمْتُحِنَ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ إلَّا مَن اتَّبَعَ الشَّيْطَانَ، فَمَن لَا ذَنْبَ لَهُ لَا يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَا يُعَذبُ اللهُ بِالنَّارِ أَحَدًا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ رَسُولًا، فَمَن لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ رَسُولٍ إلَيْهِ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَيِّتِ فِي الْفَتْرَةِ الْمَحْضَةِ فَهَذَا يُمْتَحَنُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا جَاءَت بِذَلِكَ الْآثَارُ. [١٤/ ٤٧٧]
* * *
стр. 3433
يُوصِي الْعَارِفُونَ وَالشّيُوخُ بِحِفْظِ السِّرِّ مَعَ اللهِ تَعَالَى:
٥٣٨٨ - كمْ مِن صَاحِب قَلْبٍ وَجَمْعِيَّةٍ (١) وَحَالٍ مَعَ اللهِ تَعَالَى قَد تَحَدَّثَ بِهَا وَأَخْبَرَ بِهَا فَسَلَبَهُ إيَّاهَا الْأغيَارُ؛ وَلهَذَا يُوصِي الْعَارِفُونَ وَالشُّيُوخُ بِحِفْظِ السِّرِّ مَعَ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَالْقَوْمُ أعْظَمُ شَيْئًا كِتْمَانًا لِأَحْوَالِهِمْ مَعَ اللهِ (٢) ، وَمَا وَهَبَ اللهُ [لهم] (٣) مِن مَحَبَّتِهِ وَالْأنْسِ بِهِ وَجَمْعِيَّةِ الْقَلْبِ [عليه] (٤) ، وَلَا سِممَا لِلْمُهْتَدِي والسَّالِكِ (٥) .
فَإِذَا تَمَكَّنَ أَحَدُهُم وَقَوِيَ وَثَبَتَتْ (٦) أصُولُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ، الَّتِي أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ فِي قَلْبِهِ، -بِحَيْثُ لَا يُخْشَى عَلَيْهِ مِن الْعَوَاصِفِ، فَإِنَّهُ إذَا أَبْدَى حَالَهُ مَعَ اللهِ تَعَالَى لِيُقْتَدَى بِهِ ويُؤتَمَّ بِهِ-: لَمْ يُبَالِ (٧) .
وَهَذَا بَابٌ عَظِيمُ النَّفْعِ إنَّمَا يَعْرِفُهُ أَهْلُهُ. [١٥/ ١٨]
* * *
من طرق إقناع النصارى:
٥٣٨٩ - كُنْت أَتَنَزَّلُ مَعَ عُلَمَاءِ النَّصَارَى إلَى أَنْ أطَالِبَهُم بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ مِن جِهَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَلَا يَجِدُونَ فَرْقًا؛ بَل أُبَيِّنُ لَهُم أَنَ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى مِن الْآيَاتِ أَعْظَمُ، فَإِنْ كَانَ حُجَّةً فِي دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ فَمُوسَى أحَقُّ، وَأَمَّا وِلَادَتُهُ مِن غَيْرِ أَب فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ، لَا عَلَى أَنَّ الْمَخْلُوقَ أَفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. [١٥/ ٢٢٨]
* * * الحواشي
(١) أي: اجتماع قلبه وفكره، وعدم تشتته في هموم الدنيا ومتاعها.(٢) قال ابن القيِّم ﵀: إظهار الحال للناس عند الصادقين: حمق وعجز، وهو من حظوظ النفس والشيطان، وأهل الصدق والعزم لها أستر وأكتم من أرباب الكنوز من الأموال لأموالهم.(٣) ما بين المعقوفتين من بدائع الفوائد لابن القيم (٣/ ٨٤٧)، ولا يتم ويصح المعنى إلا به.(٤) ما بين المعقوفتين من بدائع الفوائد لابن القيم (٣/ ٨٤٧)، ولا يتم ويصح المعنى إلا به.(٥) في الأصل: (وَلَا سِيَّمَا فِعْلهُ لِلْمُهْتَدِي السَّالِكِ)، والمثبت من بدائع الفوائد، وهو أصوب.(٦) في الأصل: (وَثَبَّتَ)، والمثبت من بدائع الفوائد، وهو أصوب.(٧) أي: لم يُبال كتمان حاله وإظهاره للمصلحة الراجحة، كان يُقتدى به في ذلك.стр. 3434
صَلَاحُ بَني آدَمَ: الإيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَلَا يُخْرِجُهُم عَن ذَلِكَ إلَّا شَيْئَانِ:
٥٣٩٠ - إِنَّ أَصْلَ الْفِطْرَةِ الَّتِي فُطِرَ النَّاسُ عَلَيْهَا إذَا سَلِمَتْ مِن الْفَسَادِ: إذَا رَأَتِ الْحَقَّ اتَّبَعَتْهُ وَأَحَبَّتْهُ.
وَمِن الْمَعْلُومِ أَنَّ اللهَ خَلَقَ فِي النُّفوسِ مَحَبَّةَ الْعِلْمِ دُونَ الْجَهْلِ، وَمَحَبَّةَ الصِّدْقِ دُونَ الْكَذِبِ، وَمَحَبَّةَ النَّافِعِ دونَ الضَّارِّ، وَحَيْثُ دَخَلَ ضِدُّ ذَلِكَ فَلِمُعَارِضٍ مِن هَوَى وَكِبْرٍ وَحَسَدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ كَمَا أَنَّهُ فِي صَالِحِ الْجَسَدِ خَلَقَ اللهُ فِيهِ مَحَبَّةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْمُلَائِمِ لَهُ دُونَ الضَّارِّ، فَإِذَا اشْتَهَى مَا يَضُرُّهُ أَو كَرِهَ مَا يَنْفَعُهُ فَلِمَرَضٍ فِي الْجَسَدِ (١) .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَصَلَاحُ بَنِي آدَمَ الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ وَلَا يُخْرِجُهُم عَن ذَلِكَ إلَّا شَيْئَانِ:
أَحَذهُمَا: الْجَهْلُ الْمُضَادُّ لِلْعِلْمِ فَيَكُونُونَ ضُلَّالًا.
وَالثَّانِي: اتِّبَاعُ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ اللَّذَيْنِ فِي النَّفْسِ، فَيَكُونونَ غوَاةً مَغْضُوبًا عَلَيْهِم؛ وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) ﴾ [النجم: ١].
وَهُم فِي الصَّلَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أ- تَارَة يَكُونُ الْعَبْدُ إذَا عَرَفَ الْحَقَّ وَتَبَيَّنَ لَهُ اتَّبَعَهُ وَعَمِلَ بِهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُدْعَى بِالْحِكْمَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَذَكَّرُ وَهُوَ الَّذِي يُحْدِثُ لَهُ الْقرْآنُ ذِكْرًا.
ب- وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ لَهُ مِن الْهَوَى وَالْمُعَارِضِ مَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى الْخَوْفِ الَّذِي يَنْهَى النَّفْسَ عَن الْهَوَى؛ فَهَذَا يُدْعَى بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. [١٥/ ٢٤١ - ٢٤٣]
* * * الحواشي
(١) وهذا يدل على أنّ انتكاس الفطرة ليس من نشأة الإنسان، بل خلقه الله تعالى مُحبًّا للصدق والحق، وشغوفًا للبحث عمَّا ينفعه في دينه ودنياه، ولكنه إذا نشأ على عقيدة باطلة صعب عليه مُخالفة عادته، وقبول الحق، وهو غير مُستعد أصلًا لذلك.стр. 3435
مُشَابَهَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَيْسَتْ مَحْذورًا إلَّا فِيمَا خَالَفَ دِينَ الإسْلَامِ وَنُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةَ وَالإِجْمَاعَ:
٥٣٩١ - إنَّ مُشَابَهَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَيْسَتْ مَحْذُورًا إلَّا فِيمَا خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَنُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ.
وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ دِينَ الْمُرْسَلِينَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ التَّوْرَاةَ (١) وَالْقُرْآنَ خَرَجَا مِن مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَدِ اسْتَشْهَدَ اللهُ بِأَهْلِ الْكِتَاب فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ حَتَّى قَالَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠]، فَإِذَا أَشْهَدَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى مِثْل قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ: كَانَ هَذَا حُجَّةً وَدَلِيلًا، وَهُوَ مِن حِكْمَةِ إقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ.
فَيُفْرَحُ بِمُوَافَقَةِ الْمَقَالَةِ الْمَأخُوذَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِمَا يَأُثُرُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ عَنِ الْمُرْسَلِينَ قَبْلَهُمْ (٢) ، وَيَكُونُ هَذَا مِن أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، وَمِن حُجَجِ الرِّسَالَةِ، وَمِن الدَّلِيلِ عَلَى اتفَاقِ الرُّسُلِ. [١٦/ ٢١٤]
* * *
متى يُذم ويُحمد الحزن ؟
٥٣٩٢ - فِي حَدِيثٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الصَّمْتِ، دَائِمَ الْفِكْرِ، مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ.
وَأَمَّا الْحُزْنُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْحُزْنَ الَّذِي هُوَ الْأَلَمُ عَلَى فَوْتِ مَطْلُوبٍ أَو حُصُولِ مَكْرُوهٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُن مِن حَالِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الِاهْتِمَامَ وَالتَيّقُّظَ لِمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِن الْأمُورِ (٣) . [١٦/ ٢٢١]
* * * الحواشي
(١) قبل التحريف.(٢) أي: أن المسلم يفرح إذا وجد ما في التوراة مُوافقةً لِمَا في الكتاب والسُّنَّة.(٣) وعلى هذا: فمن كان حزنُه على مصاب المسلمين تألُّمًا: فهو حزن منهيٌّ عنه، وإن كان حزنه=следующие страницы →