Полный текст (3 539 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
وَلهَذَا لَمَّا أَمَرَ اللهُ بِالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجّ كَانَ الْوَاجِبُ الْإِتْمَامَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وَقَالَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) ﴾ [النجم: ٣٧].
وَلَمَّا نَهَى عَن الْقَتْلِ وَالزنى وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ كَانَ نَاهِيًا عَن أَبْعَاضِ ذَلِكَ؛ بَل وَعَن مُقَدِّمَاتِهِ أَيْضًا وَإِن كَانَ الِاسْمُ لَا يَتَنَاوَلُهُ فِي الْإِثْبَاتِ. [١٤/ ٩٧]
* * *
النَّفْسُ مَشْحُونَةٌ بِحبِّ الْعُلُوِّ وَالرِّيَاسَةِ بِحَسَبِ إمْكَانِهَا:
٥٣٨٦ - لَوْلَا أَنَّ فِي نُفُوسِ النَّاسِ مِن جِنْسِ مَا كَانَ فِي نُفُوسِ الْمُكَذِّبينَ لِلرُّسُلِ -فِرْعَوْنَ وَمَن قَبْلَهُ- لَمْ يَكُن بِنَا حَاجَةٌ إلَى الِاعْتِبَارِ بِمَن لَا نُشْبِهُهُ قَطُّ. وَلَكِنَّ الْأَمْرَ كما قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣]، وَقَالَ: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) ﴾ [الذاريات: ٥٢] .. وَلهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَتَسْلُكُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبْلَكمْ حَذْوَ الْقُذةِ بِالْقُذَّةِ حَتَى لَو دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ. قَالُوا: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟ ".
قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَا مِن نَفْسٍ إلَّا وَفِيهَا مَا فِي نَفْسِ فِرْعَوْنَ غَيْرَ أَنَّ فِرْعَوْنَ قَدَرَ فَأَظْهَرَ، وَغَيْرَهُ عَجَزَ فَأَضْمَرَ.
وَذَلِكَ: أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا اعْتَبَرَ وَتَعَرَّفَ نَفْسَة وَالنَّاسَ وَسَمِعَ أَخْبَارَهُمْ: رَأَى الْوَاحِدَ مِنْهُم يُرِيدُ لِنَفْسِهِ أَنْ تُطَاعَ وَتَعْلُو بِحَسَبِ قُدْرَتهِ.
فَالنَّفْسُ مَشْحُونَةٌ بِحُبّ الْعُلُوِّ وَالرِّيَاسَةِ بِحَسَبِ إمْكَانِهَا، فَتَجِدُ أَحَدَهُم يُوَالِي مَن يُوَافِقُهُ عَلَى هَوَاهُ، وَيُعَادِي مَن يُخَالِفُهُ فِي هَوَاهُ، وَإِنَّمَا مَعْبُودُهُ: مَا يَهْوَاهُ وَيُرِيدُهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) ﴾ [الفرقان: ٤٣].
стр. 3432
وَالْوَاحِدُ مِن هَؤُلَاءِ: يُرِيدُ أَنْ يُطَاعَ أَمْرُهُ بِحَسَبِ إمْكَانِهِ، لَكِنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِمَّا تَمَكَّنَ مِنْهُ فِرْعَوْنُ: مِن دَعْوَى الْإلَهِيَّةِ وَجُحُودِ الصَّانِعِ.
وَكَثِيرٌ مِن النَّاسِ مِمَن عِنْدَهُ بَعْضُ عَقْلٍ وَإِيمَانٍ لَا يَطْلُبُ هَذَا الْحَدَّ؛ بَل يَطْلُبُ لِنَفْسِهِ مَا هُوَ عِنْدَهُ.
فَإِنْ كَانَ مُطَاعًا مُسْلِمًا: طَلَبَ انْ يُطَاعَ فِي أَغْرَاضِهِ وَإِن كَانَ فِيهَا مَا هوَ ذَنْبٌ وَمَعْصِيَةٌ للهِ، وَيكُونُ مَن أطَاعَهُ فِي هَوَاهُ: أَحَبُّ إلَيْهِ وَأعَزُّ عِنْدَهُ مِمَّن أَطَاعَ اللهَ وَخَالَفَ هَوَاهُ، وَهَذِهِ شعْبَة مِن حَالِ فِرْعَوْنَ، وَسَائِرِ الْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ.
وَإِن كَانَ عَالِمًا أَو شَيْخًا: أَحَبَّ مَن يُعَظِّمُهُ دُونَ مَن يُعَظِّمُ نَظِيرَهُ، حَتَّى لَو كَانَا يَقْرَآنِ كِتَابًا وَاحِدًا كَالْقُرْآنِ، أَو يَعْبُدَانِ عِبَادَةً وَاحِدَةً مُتَمَاثِلَانِ فِيهَا كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ مَن يُعَظِّمُهُ بِقَبُولِ قَوْلِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ أَكْثَرَ مِن غَيْرِهِ، وَرُبَّمَا أَبْغَضَ نَظِيرَهُ وَأَتْبَاعَهُ حَسَدًا وَبَغْيًا، كَمَا فَعَلَتِ الْيَهُودُ لَمَّا بَعَثَ اللهُ مُحَمدًا ﷺ يَدْعُو إلَى مِثْل مَا دَعَا إلَيْهِ مُوسَى. [١٤/ ٣٢٢ - ٣٢٥]
* * *
مَن لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فِي الدُّنْيَا اُمْمُّحِنَ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ إلَّا مَن اتبعَ الشَّيْطَانَ:
٥٣٨٧ - مَن لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فِي الدُّنْيَا اُمْتُحِنَ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ إلَّا مَن اتَّبَعَ الشَّيْطَانَ، فَمَن لَا ذَنْبَ لَهُ لَا يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَا يُعَذبُ اللهُ بِالنَّارِ أَحَدًا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ رَسُولًا، فَمَن لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ رَسُولٍ إلَيْهِ كَالصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَيِّتِ فِي الْفَتْرَةِ الْمَحْضَةِ فَهَذَا يُمْتَحَنُ فِي الْآخِرَةِ كَمَا جَاءَت بِذَلِكَ الْآثَارُ. [١٤/ ٤٧٧]
* * *
стр. 3433
يُوصِي الْعَارِفُونَ وَالشّيُوخُ بِحِفْظِ السِّرِّ مَعَ اللهِ تَعَالَى:
٥٣٨٨ - كمْ مِن صَاحِب قَلْبٍ وَجَمْعِيَّةٍ (١) وَحَالٍ مَعَ اللهِ تَعَالَى قَد تَحَدَّثَ بِهَا وَأَخْبَرَ بِهَا فَسَلَبَهُ إيَّاهَا الْأغيَارُ؛ وَلهَذَا يُوصِي الْعَارِفُونَ وَالشُّيُوخُ بِحِفْظِ السِّرِّ مَعَ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَالْقَوْمُ أعْظَمُ شَيْئًا كِتْمَانًا لِأَحْوَالِهِمْ مَعَ اللهِ (٢) ، وَمَا وَهَبَ اللهُ [لهم] (٣) مِن مَحَبَّتِهِ وَالْأنْسِ بِهِ وَجَمْعِيَّةِ الْقَلْبِ [عليه] (٤) ، وَلَا سِممَا لِلْمُهْتَدِي والسَّالِكِ (٥) .
فَإِذَا تَمَكَّنَ أَحَدُهُم وَقَوِيَ وَثَبَتَتْ (٦) أصُولُ تِلْكَ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ، الَّتِي أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ فِي قَلْبِهِ، -بِحَيْثُ لَا يُخْشَى عَلَيْهِ مِن الْعَوَاصِفِ، فَإِنَّهُ إذَا أَبْدَى حَالَهُ مَعَ اللهِ تَعَالَى لِيُقْتَدَى بِهِ ويُؤتَمَّ بِهِ-: لَمْ يُبَالِ (٧) .
وَهَذَا بَابٌ عَظِيمُ النَّفْعِ إنَّمَا يَعْرِفُهُ أَهْلُهُ. [١٥/ ١٨]
* * *
من طرق إقناع النصارى:
٥٣٨٩ - كُنْت أَتَنَزَّلُ مَعَ عُلَمَاءِ النَّصَارَى إلَى أَنْ أطَالِبَهُم بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ مِن جِهَةِ الْإِلَهِيَّةِ، فَلَا يَجِدُونَ فَرْقًا؛ بَل أُبَيِّنُ لَهُم أَنَ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى مِن الْآيَاتِ أَعْظَمُ، فَإِنْ كَانَ حُجَّةً فِي دَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ فَمُوسَى أحَقُّ، وَأَمَّا وِلَادَتُهُ مِن غَيْرِ أَب فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ، لَا عَلَى أَنَّ الْمَخْلُوقَ أَفْضَلُ مِن غَيْرِهِ. [١٥/ ٢٢٨]
* * * الحواشي
(١) أي: اجتماع قلبه وفكره، وعدم تشتته في هموم الدنيا ومتاعها.(٢) قال ابن القيِّم ﵀: إظهار الحال للناس عند الصادقين: حمق وعجز، وهو من حظوظ النفس والشيطان، وأهل الصدق والعزم لها أستر وأكتم من أرباب الكنوز من الأموال لأموالهم.(٣) ما بين المعقوفتين من بدائع الفوائد لابن القيم (٣/ ٨٤٧)، ولا يتم ويصح المعنى إلا به.(٤) ما بين المعقوفتين من بدائع الفوائد لابن القيم (٣/ ٨٤٧)، ولا يتم ويصح المعنى إلا به.(٥) في الأصل: (وَلَا سِيَّمَا فِعْلهُ لِلْمُهْتَدِي السَّالِكِ)، والمثبت من بدائع الفوائد، وهو أصوب.(٦) في الأصل: (وَثَبَّتَ)، والمثبت من بدائع الفوائد، وهو أصوب.(٧) أي: لم يُبال كتمان حاله وإظهاره للمصلحة الراجحة، كان يُقتدى به في ذلك.стр. 3434
صَلَاحُ بَني آدَمَ: الإيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَلَا يُخْرِجُهُم عَن ذَلِكَ إلَّا شَيْئَانِ:
٥٣٩٠ - إِنَّ أَصْلَ الْفِطْرَةِ الَّتِي فُطِرَ النَّاسُ عَلَيْهَا إذَا سَلِمَتْ مِن الْفَسَادِ: إذَا رَأَتِ الْحَقَّ اتَّبَعَتْهُ وَأَحَبَّتْهُ.
وَمِن الْمَعْلُومِ أَنَّ اللهَ خَلَقَ فِي النُّفوسِ مَحَبَّةَ الْعِلْمِ دُونَ الْجَهْلِ، وَمَحَبَّةَ الصِّدْقِ دُونَ الْكَذِبِ، وَمَحَبَّةَ النَّافِعِ دونَ الضَّارِّ، وَحَيْثُ دَخَلَ ضِدُّ ذَلِكَ فَلِمُعَارِضٍ مِن هَوَى وَكِبْرٍ وَحَسَدٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ كَمَا أَنَّهُ فِي صَالِحِ الْجَسَدِ خَلَقَ اللهُ فِيهِ مَحَبَّةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْمُلَائِمِ لَهُ دُونَ الضَّارِّ، فَإِذَا اشْتَهَى مَا يَضُرُّهُ أَو كَرِهَ مَا يَنْفَعُهُ فَلِمَرَضٍ فِي الْجَسَدِ (١) .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَصَلَاحُ بَنِي آدَمَ الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ وَلَا يُخْرِجُهُم عَن ذَلِكَ إلَّا شَيْئَانِ:
أَحَذهُمَا: الْجَهْلُ الْمُضَادُّ لِلْعِلْمِ فَيَكُونُونَ ضُلَّالًا.
وَالثَّانِي: اتِّبَاعُ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ اللَّذَيْنِ فِي النَّفْسِ، فَيَكُونونَ غوَاةً مَغْضُوبًا عَلَيْهِم؛ وَلهَذَا قَالَ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) ﴾ [النجم: ١].
وَهُم فِي الصَّلَاحِ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أ- تَارَة يَكُونُ الْعَبْدُ إذَا عَرَفَ الْحَقَّ وَتَبَيَّنَ لَهُ اتَّبَعَهُ وَعَمِلَ بِهِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُدْعَى بِالْحِكْمَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَذَكَّرُ وَهُوَ الَّذِي يُحْدِثُ لَهُ الْقرْآنُ ذِكْرًا.
ب- وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ لَهُ مِن الْهَوَى وَالْمُعَارِضِ مَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى الْخَوْفِ الَّذِي يَنْهَى النَّفْسَ عَن الْهَوَى؛ فَهَذَا يُدْعَى بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ. [١٥/ ٢٤١ - ٢٤٣]
* * * الحواشي
(١) وهذا يدل على أنّ انتكاس الفطرة ليس من نشأة الإنسان، بل خلقه الله تعالى مُحبًّا للصدق والحق، وشغوفًا للبحث عمَّا ينفعه في دينه ودنياه، ولكنه إذا نشأ على عقيدة باطلة صعب عليه مُخالفة عادته، وقبول الحق، وهو غير مُستعد أصلًا لذلك.стр. 3435
مُشَابَهَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَيْسَتْ مَحْذورًا إلَّا فِيمَا خَالَفَ دِينَ الإسْلَامِ وَنُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةَ وَالإِجْمَاعَ:
٥٣٩١ - إنَّ مُشَابَهَةَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَيْسَتْ مَحْذُورًا إلَّا فِيمَا خَالَفَ دِينَ الْإِسْلَامِ وَنُصُوصَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ.
وَإِلَّا فَمَعْلُومٌ أَنَّ دِينَ الْمُرْسَلِينَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ التَّوْرَاةَ (١) وَالْقُرْآنَ خَرَجَا مِن مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَدِ اسْتَشْهَدَ اللهُ بِأَهْلِ الْكِتَاب فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ حَتَّى قَالَ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠]، فَإِذَا أَشْهَدَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى مِثْل قَوْلِ الْمُسْلِمِينَ: كَانَ هَذَا حُجَّةً وَدَلِيلًا، وَهُوَ مِن حِكْمَةِ إقْرَارِهِمْ بِالْجِزْيَةِ.
فَيُفْرَحُ بِمُوَافَقَةِ الْمَقَالَةِ الْمَأخُوذَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِمَا يَأُثُرُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ عَنِ الْمُرْسَلِينَ قَبْلَهُمْ (٢) ، وَيَكُونُ هَذَا مِن أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، وَمِن حُجَجِ الرِّسَالَةِ، وَمِن الدَّلِيلِ عَلَى اتفَاقِ الرُّسُلِ. [١٦/ ٢١٤]
* * *
متى يُذم ويُحمد الحزن ؟
٥٣٩٢ - فِي حَدِيثٍ عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الصَّمْتِ، دَائِمَ الْفِكْرِ، مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ.
وَأَمَّا الْحُزْنُ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الْحُزْنَ الَّذِي هُوَ الْأَلَمُ عَلَى فَوْتِ مَطْلُوبٍ أَو حُصُولِ مَكْرُوهٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُن مِن حَالِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الِاهْتِمَامَ وَالتَيّقُّظَ لِمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِن الْأمُورِ (٣) . [١٦/ ٢٢١]
* * * الحواشي
(١) قبل التحريف.(٢) أي: أن المسلم يفرح إذا وجد ما في التوراة مُوافقةً لِمَا في الكتاب والسُّنَّة.(٣) وعلى هذا: فمن كان حزنُه على مصاب المسلمين تألُّمًا: فهو حزن منهيٌّ عنه، وإن كان حزنه=стр. 3436
الِاسْم نَفْسهُ يُسَبَّحُ وَيُذْكرُ وَيُرَادُ بِذَلِكَ الْمُسَمَّى:
٥٣٩٣ - إِن الِاسْمَ نَفْسَهُ يُسَبَّحُ وَيُذْكرُ ويُرَادُ بِذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَالِاسْمُ نَفْسُهُ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لَا إكْرَامًا وَلَا غَيْرَهُ، وَلهَذَا لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ إضَافَةُ شَيءٍ مِن الْأفْعَالِ وَالنِّعَمِ إلَى الِاسْمِ، وَلَكِنْ يُقَالُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) ﴾ [الأعلى: ١]، ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٧٨] وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّ اسْمَ اللهِ مُبَارَكٌ تُنَالُ مَعَهُ الْبَرَكَةُ، وَالْعَبْدُ يُسَبِّحُ اسْمَ رَبِّهِ الْأعْلَى فَيَفولُ: "سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى" وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) ﴾ قَالَ: "اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ"، فَقَالُوا: سبحان ربي الأعلى، فَكَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَقُولُ:"سُبْحَانَ اسْمِ رَبى الْأَعْلَى".
لَكِن قَوْلَهُ: "سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى" هُوَ تَسْبِيحٌ لِاسْمِهِ يُرَادُ بِهِ تَسْبِيحُ الْمُسَمَّى لَا يُرَادُ بِهِ تَسْبِيحُ مُجَرَّدِ الِاسْمِ.
وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ مَن قَالَ مِن أَهْلِ السنَّةِ: إنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى، أَرَادُوا بِهِ أنَّ الِاسْمَ إذَا دُعِيَ وَذُكِرَ يُرَادُ بِهِ الْمُسَمَّى، فَإِذَا قَالَ الْمُصَلِّي: "اللهُ أَكْبَرُ" فَقَد ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ وَمُرَادُهُ الْمُسَمَّى، لَمْ يُرِيدُوا بِهِ أَنَّ نَفْسَ اللَّفْظِ هُوَ الذَّاتُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارج. [١٦/ ٣٢٢ - ٣٢٣]
* * *
حُبُّ الرِّيَاسَةِ والْمَالِ وَالصُّورَةِ كَامِنٌ في النفس لَا يَشْعُرُ بِهِ الإنسان:
٥٣٩٤ - مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَد يَخْفَى عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أحْوَالِ نَفْسِهِ فَلَا يَشْعُرُ بِهَا أَنَّ كَثيرَا مِن النَّاسِ يَكُونُ فِي نَفْسِهِ حُبُّ الرِّيَاسَةِ (١) كَامِن لَا يَشْعُرُ بِهِ؛ بَل إنَّهُ مُخْلِصٌ فِي عِبَادَتِهِ وَقَد خَفِيَتْ عَلَيْهِ عُيُوبُهُ.
وَلهَذَا سُمِّيَتْ هَذِهِ "الشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ" .. فَهِيَ خَفِيَّة تَخْفَى عَلَى النَّاسِ، وَكَثِيرًا مَا تَخْفَى عَلَى صَاحِبِهَا. الحواشي
(١) أي: الرئاسة الدنيوية أو الدينية، وحب التصدر وأنْ يُشار إليه.стр. 3437
بَل كَذَلِكَ حُبُّ الْمَالِ وَالصُّورَةِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَد يُحِبُّ ذَلِكَ وَلَا يَدْرِي؛ بَل نَفْسُهُ سَاكِنَةٌ مَا دَامَ ذَلِكَ مَوْجُودًا، فَإِذَا فَقَدَهُ ظَهَرَ مِن جَزَعِ نَفْسِهِ وَتَلَفِهَا مَا دَلَّ عَلَى الْمَحَبَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ. [١٦/ ٣٤٦ - ٣٤٧]
* * *
الشَّارعُ حَكِيمٌ، لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ وَلَا يُسَوِّي بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ:
٥٣٩٥ - الشَّارعُ حَكِيمٌ، لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ إلَّا لِاخْتِصَاصِ أحَدِهِمَا بِمَا يُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ، وَلَا يُسَوِّي بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ غَيْرِ مُتَسَاوَييْنِ؛ بَل قَد أَنْكَرَ سُبْحَانَهُ عَلَى مَن نَسَبَهُ إلَى ذَلِكَ وَقَبَّحَ مَن يَحْكُمُ بِذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) ﴾ [ص: ٢٨]. [١٧/ ١٢٧]
* * *
الْحِكْمَةُ النَّاشِئَةُ مِن الْأَمْرِ ثَلَاَثةُ أَنْوَاعٍ:
٥٣٩٦ - الْحِكْمَةُ النَّاشِئَةُ مِن الأمْرِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعِ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ -وَإِن لَمْ يُؤمَرْ بِهِ- كَمَا فِي الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْمَصَالِحِ الْحَاصِلَةِ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ وَإِن لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، وَاللهُ يَأُمُرُ بِالصَّلَاحِ وَينْهَى عَن الْفَسَادِ.
وَالنَّوْعُ الثَّانِي: أَنَّ مَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ صَارَ مُتَّصِفًا بِحُسْن اكْتَسَبَهُ مِنَ الْأَمْرٍ وَقُبْحٍ اكْتَسَبَهُ مِنَ النَّهْيِ؛ كَالْخَمْرِ الَّتِي كَانَت لَمْ تُحَرَّمُ ثُمَّ حُرِّمَتْ فَصَارَتْ خَبِيثَةً.
فَإِنْ قِيلَ: الْخَمْرُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ وَبَعْدَهُ سوَاءٌ، فَتَخْصِيصُهَا بِالْخُبْثِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ؟
قِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ؛ بَل إنَّمَا حَرَّمَهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَتِ الْحِكْمَةُ تَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا، وَلَيْسَ مَعْنَى كَوْنِ الشَّيءِ حَسَنًا وَسَيِّئًا مِثْل كَوْنِهِ أَسْوَدَ وَأَبْيَضَ؛ بَل هُوَ
стр. 3438
مِن جِنْسِ كَوْنِهِ نَافِعًا وَضَارًّا، وَمُلَائِمًا ومُنَافِرًا، وَصِدِّيقًا وَعَدُوًّا، وَنَحْو هَذَا مِنَ الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِالْمَوْصُوفِ الَّتِي تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ، فَقَد يَكُونُ الشَّيءُ نَافِعًا فِي وَقْتٍ ضَارًّا فِي وَقْتٍ، وَالشَّيْءُ الضَّارُّ قَد يُتْرَكُ تَحْرِيمُهُ إذَا كَانَت مَفْسَدَةُ التَّحْرِيمِ أَرْجَحَ، كَمَا لَو حُرِّمَتْ الْخَمْرُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ؛ فَإِنَّ النُّفُوسَ كَانَت قَد اعْتَادَتْهَا عَادَة شَدِيدَةً، وَلَمْ يَكُن حَصَلَ عِنْدَهُم مِن قُوَّةِ الْإِيمَانِ مَا يَقْبَلُونَ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ، وَلَا كَانَ إيمَانُهُم وَدِينُهُم تَامًّا حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ نَقْصٌ إلَّا مَا يَحْصُلُ بِشرْبِ الْخَمْرِ مِن صَدِّهَا عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَن الصَّلَاةِ، فَلِهَذَا وَقَعَ التَّدْرِيجُ فِي تَحْرِيمِهَا (١) .
وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْحِكْمَةُ نَاشِئَةً مِن نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلَيْسَ فِي الْفِعْلِ أَلْبَتَّةَ مَصْلَحَةٌ، لَكِنَّ الْمَقْصُودَ ابْتِلَاءُ الْعَبْدِ هَل يُطِيعُ أَو يَعْصِي، فَإذَا اعْتَقَدَ الْوُجُوبَ وَعَزَمَ عَلَى الْفِعْلِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْأَمْرِ، فَيُنْسَخُ حِينَئِذٍ؛ كَمَا جَرَى لِلْخَلِيلِ فِي قِصَّةِ الذَّبْحِ (٢) . [١٧/ ٢٠١ - ٢٠٣]
* * *
الرُّوحُ عَيْنٌ قَائِمَة بِنَفْسِهَا، تُفَارِقُ الْبَدَنَ، وَتُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ:
٥٣٩٧ - مَذْهَبُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَانٍ وَسَائِرِ سَلَفِ الْأمَّةِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ: أَنَّ الرُّوحَ عَيْن قَائِمَة بِنَفْسِهَا، تُفَارِقُ الْبَدَنَ، وَتُنَعَّمُ وَتعَذَّبُ، لَيْسَتْ هِيَ الْبَدَنَ، وَلَا جُزْءًا مِن أَجْزَائِهِ كَالنَفَسِ الْمَذْكُورِ. [١٧/ ٣٤١]
* * * الحواشي
(١) وهذا الجواب السديد الحكيم يُقال في الحكمة من تحريم المتعة بعد جوازها، وبما قرره الشيخ يزول الإشكال الذي قد يُطرح: لو كانت المتعة خبيثة وشبيهة بالزنى لما أبيحت في الإسلام.(٢) وهذا القسم الثالث لا وُجود له بعد اكتمال الدين، ووفاة رسول ربِّ العالمين ﷺ .стр. 3439
حكم الرَّمْي بِالْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ:
٥٣٩٨ - رُوَيتْ آثَارٌ فِي كَرَاهَةِ الرَّمْي بِالْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ عَن بَعْضِ السَّلَفِ؛ لِكَوْنِهَا كَانت شِعَارَ الْكُفَّارِ، فَأَمَّا بَعْدَ أَنْ اعْتَادَهَا الْمُسْلِمُونَ وَكَثُرَتْ فِيهِمْ (١) وَهِيَ فِي أَنْفُسِهَا أَنْفَعُ فِي الْجِهَادِ مِن تِلْكَ الْقَوْسِ: فَلَا تُكْرَهُ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ أَو قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ. [١٧/ ٤٨٧ - ٤٨٨]
* * *
الْفَرْقُ بَيْنَ الإلْهَامِ الْمَحْمُودِ وَبَيْنَ الْوَسْوَسَةِ الْمَذْمُومَةِ:
٥٣٩٩ - إِذَا كَانَ مَا يُوحِيهِ ﷺ إلَى عِبَادِهِ تَارَةً يَكُونُ بِوَسَاطَةِ مَلَكٍ وَتَارَةً بِغَيْرِ وَسَاطَةٍ فَهَذَا لِلْمُؤْمِنِينَ كُلّهِمْ مُطْلَقًا لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، وَإِذَا كَانَ قَد قَالَ: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، فَذَكَرَ أَنَّهُ يُوحِي إلَيْهِمْ؛ فَإِلَى الْإِنْسَانِ أَوْلَى.
وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧، ٨] فَهُوَ سُبْحَانَهُ يُلْهِمُ الْفُجُورَ وَالتَّقْوَى لِلنَّفْسِ، وَالْفُجُورُ يَكُونُ بِوَاسِطَةِ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ إلْهَامُ وَسْوَاسٍ، وَالتَّقْوَى بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ، وَهُوَ إلْهَامُ وَحْيٍ.
وَقَد صَارَ فِي الْعُرْفِ لَفْظُ الْإِلْهَامِ إذَا أُطْلِقَ لَا يُرَادُ بِهِ الْوَسْوَسَةُ، وَهَذِهِ الْآيَة مِمَّا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ إلْهَامِ الْوَحْي وَبَيْنَ الْوَسْوَسَةِ.
فَالْمَأْمُورُ بِهِ إنْ كَانَ تَقْوَى اللهِ فَهُوَ مِن إلْهَامِ الْوَحْيِ، وَإِن كَانَ مِنَ الْفُجُورِ فَهُوَ مِن وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ.
فَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِلْهَامِ الْمَحْمُودِ وَبَيْنَ الْوَسْوَسَةِ الْمَذْمُومَةِ هُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا أُلْقِيَ فِي النَّفْسِ مِمَّا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّهُ تَقْوَى للهِ الحواشي
(١) هذا قيدٌ هامٌ في التشبه بالكفار والفساق، فمتى اعْتَادَ الْمُسْلِمُونَ أمرًا كان يختص بالكفار أو الفساق وكَثُرَ فِيهِمْ لم يحرم، وهذا في أمور العادات والمباحات، لا في العبادات والعقائد.стр. 3440
فَهُوَ مِنَ الْإِلْهَامِ الْمَحْمُودِ، وَإِن كَانَ مِمَّا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ فُجُورٌ فَهُوَ مِنَ الْوَسْوَاسِ الْمَذْمُومِ، وَهَذَا الْفَرْقُ مُطَّرِد لَا يَنْتَقِضُ. [١٧/ ٥٢٨ - ٥٢٩]
* * *
" لَوْ": تُسْتَعْمَلُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
٥٤٠٠ - " لَوْ": تُسْتَعْمَلُ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: عَلَى وَجْهِ الْحُزْنِ عَلَى الْمَاضِي وَالْجَزَعِ مِنَ الْمَقْدُورِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ حَيْثُ قَالَ: "وَإِن أَصَابَك شيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَو أَنِّي فَعَلْت لَكَانَ كذَا وَكلذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ الله وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَو تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ" (١) ؛ أَيْ: تَفْتَحُ عَلَيْك الْحُزْنَ وَالْجَزَعَ، وَذَلِكَ يضُرِّ وَلَا يَنْفَعُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: "لَو" لِبَيَانِ عِلْمٍ نَافِعٍ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
وَلبَيَانِ مَحَبَّةِ الْخَيْرِ وإرَادَتِهِ؛ كَقَوْلِهِ: "لَو أَنَّ لِي مِثْل مَا لِفُلَانِ لَعَمِلْت مِثْل مَا يَعْمَلُ" وَنَحْوُهُ جَائِزٌ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ- ﷺ : "وَدِدْت لَو أَنَّ مُوسَى صَبَرَ لِيَقُصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِن خَبَرِهِمَا" هُوَ مِن هَذَا الْبَاب .. فَإِنَّ نَبِيَّنَا ﷺ أَحَبَّ أَنْ يَقُصَّ اللهُ خَبَرَهُمَا فَذَكَرَهُمَا لِبَيَانِ مَحَبَّتِهِ لِلصَّبْرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ فَعَرَّفَهُ مَا يَكُونُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَنْفَعَةِ، وَلَمْ يَكُن فِي ذَلِكَ جَزَعٌ وَلَا حُزْنٌ وَلَا تَرْكٌ لِمَا يُحِبُّ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْمَقْدُورِ. [١٨/ ٣٤٧ - ٣٤٩]
* * *
لَمْ يُخصَّ الْعَرَب دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ بِأَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ:
٥٤٠١ - أُرْسِلَ ﷺ إلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ: الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَلَمْ يَخُصَّ الْعَرَبَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ بِأَحْكَامٍ شَرْعِيَّةٍ، وَلَكِنْ خَصَّ قُرَيْشًا بِأَنَّ الْإِمَامَةَ فِيهِمْ، стр. 3441
وَخَصَّ بَنِي هَاشِمٍ بِتَحْرِيمِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ جِنْسَ قُرَيْشٍ لَمَّا كَانُوا أَفْضَلَ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْإِمَامَةُ فِي أفْضَلِ الْأجْنَاسِ مَعَ الْإِمْكَانِ، وَلَيْسَتْ الْإِمَامَةُ أَمْرًا شَامِلًا لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا يَتَوَلَّاهَا وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ.
وَأمَّا تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ فَحَرَّمَهَا عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ تَكْمِيلًا لِتَطْهِيرِهِمْ، وَدَفْعًا لِلتُّهْمَةِ عَنْهُ. [١٩/ ٣٠]
* * *
الإنْسَانُ إذَا فَسَدَتْ نَفْسُهُ أَو مِزَاجُهُ: يَشْتَهِي مَا يَضُرُّهُ وَيَلْتَذُّ بِهِ:
٥٤٠٢ - الْإِنْسَانُ إذَا فَسَدَتْ نَفْسُهُ أَو مِزَاجُهُ يَشْتَهِي مَا يَضُرُّهُ وَيَلْتَذُّ بِهِ؛ بَل يَعْشَقُ ذَلِكَ عِشْقًا يُفْسِدُ عَقْلَهُ وَدِينَهُ وَخُلُقَهُ وَبَدَنَهُ وَمَالَهُ. [١٩/ ٣٤]
* * *
أنواع النزاع بين الناس:
٥٤٠٣ - كَثِيرًا مَا يَكونُ النّزَاعُ فِي الْمَعْنَى نِزَاعَ تَنَوُّعٍ لَا نِزَاعَ تَضَادٍّ وَتَنَاقُضٍ، فَيُثْبِتُ أَحَدُهُمَا شَيْئا وينْفِي الْآخَرُ شَيْئًا آخَرَ، ثُمَّ قَد لَا يَشْتَرِكَانِ فِي لَفظٍ مَا نَفَاهُ أَحَدُهُمَا وَأَثْبَتَهُ الْآخَرُ، وَقَد يَشْتَرِكَانِ فِي اللَّفْظِ فَيَكُونُ التّنَاقُضُ وَالِاخْتِلَافُ فِي اللَّفْظِ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَلَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ وَلَا يَتَنَاقَضَانِ.
ثُمَّ قَد يَكُونَانِ مُتَّفِقَيْنِ عَلَيْهِ يَقُولُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَقَد يَكُونُ أَحَدُهُمَا قَالَهُ أَو يَقُولُهُ، وَالْآخَرُ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ بِإِثْبَاتِ وَلَا نَفْيٍ.
وَقَد يَكُونُ النِّزَاعُ اللَّفْظِيُّ مَعَ اتّحَادِ الْمَعْنَى لَا تَنَوُّعِهِ، وَكَثِيرٌ مِن تَنَازُعِ الْأُمَّةِ فِي دِينِهِمْ هُوَ مِن هَذَا الْبَابِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَالْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
مِثَالُ التَّنَوُّعِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا: الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَيَقُولُ الْآخَرُ: هُوَ السُّنَّةُ وَالْجَمَاعَةُ، وَيَقُولُ الْآخَرُ: هُوَ الْقُرْآنُ، وَيَقُولُ الْآخَرُ: هُوَ طَرِيقُ الْعُبُودِيَّةِ.
стр. 3442
فَإِنَّ هَذَا تَنَوُّعٌ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الَّتِي يُبَيِّنُ بِهَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، بِمَنْزِلَةِ أَسْمَاءِ اللهِ وَأَسْمَاءِ رَسُولِهِ وَكِتَابِهِ، وَلَيْسَ بَيْنَهَا تَضَادٌّ لَا فِي اللَّفْظِ وَلَا فِي الْمَعْنَى.
وَمِثَالُ التَّنَوُّعِ الَّذِي فِيهِ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ لِأَجْلِ اشْتِرَاكِ اللَّفْظِ -كَمَا قِيلَ: أَكْثَرُ اخْتِلَافِ الْعُقَلَاءِ مِن جِهَةِ اشْتِرَاكِ الْأَسْمَاءِ-: تَنَازَعَ قَوْمٌ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّه فِي الدُّنْيَا أَو فِي الْآخِرَةِ؟ [١٩/ ١٣٩ - ١٤٠]
فَقَالَ قَوْمٌ: رَآهُ فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ رَآهُ قَبْلَ الْمَوْتِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَل فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ وَهُوَ فَوْقُ السَّمَوَاتِ وَلَمْ يَرَهُ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ لَفْظَ "الْآخِرَةِ" يُرَادُ بِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْحَيَاةَ الْآخِرَةَ، ويُرَادُ بِهِ الدَّارَ الدُّنْيَا وَالدَّارَ الْآخِرَةِ، وَمُحَمَّد رَأَى رَبَّهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.
* * *
جِنْس فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَعْظَمُ مِن جِنْسِ تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ:
٥٤٠٤ - قَاعِدَةٌ فِي أَنَّ جِنْسَ فِعْلِ الْمَأمُورِ بِهِ أَعْظَمُ مِن جِنْسِ تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَأنَّ جِنْسَ تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَعْظَمُ مِن جِنْسِ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَأَنَّ مَثُوبَةَ بَنِي آدَمَ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ أَعْظَمُ مِن مَثُوبَتِهِمْ عَلَى تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَنَّ عُقُوبَتَهُم عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ أَعْظَمُ مِن عُقُوبَتِهِمْ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَبَيَانُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِن وُجُوهٍ (١) :
أَحَدُهَا: أَنَّ أَعْظَمَ الْحَسَنَاتِ هُوَ الْإِيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَأَعْظَمَ السَّيّئَاتِ الْكُفْرُ، وَالْإِيمَانُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ، فَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤمِنًا ظَاهِرًا حَتَّى يُظْهِرَ أَصْلَ الحواشي
(١) ذكر اثنين وعشرين وجهًا تُؤيد ما قرره!!стр. 3443
الْإِيمَانِ وَهُوَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَشَهَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، وَلَا يَكُونُ مُؤمِنًا بَاطِنًا حَتَّى يُقِرَّ بِقَلْبِهِ بِذَلِكَ، فَيَنْتَفِي عَنْهُ الشَّكُّ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، مَعَ وُجُودِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ.
وَالْكُفْرُ: عَدَمُ الْإِيمَانِ بِاتِّفَاقِ الْمسْلِمِينَ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَ نَقِيضَهُ وَتَكَلَّمَ بِهِ أَو لَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا وَلَمْ يَتَكَلَّمْ.
وَإِذَا كَانَ أَصْلُ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْقرَبِ وَالْحَسَنَاتِ وَالطَّاعَاتِ: فَهُوَ مَأمُورٌ بِهِ، وَالْكفْرُ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ وَالْمَعَاصِي: تَرْكَ هَذَا الْمَأْمُورِ بِهِ، سَوَاءٌ اقْتَرَنَ بِهِ فِعْلٌ مَنْهِي عَنْهُ مِنَ التَّكْذِيبِ أَو لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ شَيْءٌ بَل كَانَ تَرْكًا لِلْإِيمَانِ فَقَطْ: عُلِمَ أَنَّ جِنْسَ فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَعْظَمُ مِن جِنْسِ تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ أَوَّلَ ذَنْبٍ عُصِيَ اللهُ بِهِ كَانَ مِن أَبِي الْجِنِّ وَأَبِي الْإِنْسِ، أَبَوَيِ الثَّقَلَيْنِ الْمَأُمُورينِ، وَكَانَ ذَنْبُ أَبِي الْجِنِّ أَكْبَرَ وَأَسْبَقَ وَهُوَ تَرْكُ الْمَأمُورِ بِهِ وَهُوَ السُّجُودُ إبَاءً وَاسْتِكْبَارًا، وَذَنْبُ أَبِي الْإِنْسِ كَانَ ذَنْبًا صَغِيرًا ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] وَهُوَ إنَّمَا فَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَهُوَ الْأَكْلُ مِنَ الشَّجَرَةِ.
وَإِن كَانَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْعِلْمِ يَزْعُمُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِذَنْبٍ.
وَهَذَا الْقَوْلُ يَقُولُهُ طَوَائِفُ مِن أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْكَلَام وَالشِّيعَةِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرُهُم مِمَن يُوجِبُ عِصْمَةَ الأَنْبِيَاءِ مِن الصَّغَائِرِ، وَهَؤُلَاءِ فَرُّوا مِن شَيْءٍ وَوَقَعُوا فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي تَحْرِيفِ كَلَامِ اللهِ عَن مَوَاضِعِهِ.
فَإِنْ قُلْت: فَالذُّنُوبُ تَنْقَسِمُ إلَى تَرْكِ مَأُمُورٍ بِهِ وَفِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ.
قُلْت: لَكِنَّ الْمَأمُورَ بِهِ إذَا تَرَكَهُ الْعَبْدُ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤمِنًا بِوُجُوبِه أَو لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ مُؤمِنًا بِوُجُوبِهِ تَارِكًا لِأَدَائِهِ: فَلَمْ يَتْرُكِ الْوَاجِبَ كُلَّهُ؛ بَل أَدَّى بَعْضَة وَهُوَ الْإيمَانُ بِهِ وَتَرَكَ بَعْضَهُ وَهُوَ الْعَمَلُ به.
стр. 3444
وَكَذَلِكَ الْمُحَرَّمُ إذَا فَعَلَهُ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُؤُمِنًا بِتَحْرِيمِهِ أَو لَا يَكُونَ، فَإِنْ كَانَ مُؤُمِنًا بتَحْرِيمِهِ فَاعِلًا لَهُ: فَقَد جَمَعَ بَيْنَ أَدَاءِ وَاجِبٍ وَفِعْلِ مُحَرَّمٍ، فَصَارَ لَهُ حَسَنَةٌ وَسَيِّئَةٌ، وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا لَا يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْإِيمَانِ بِوُجُوبِهِ وَتَحْرِيمِهِ مِنَ الْأمُورِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
وَأَمَّا كَوْنُ تَرْكِ الْإِيمَانِ بِهَذِهِ الشَّرَائِعِ كُفْرًا، وَفِعْلُ الْمُحَرَّمِ الْمُجَرَّدِ لَيْسَ كُفْرًا: فَهَذَا مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ، وَقَد دَلَّ عَلَى ذَلِكَ كِتَابُ اللهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّين﴾ [التوبة: ١١] إذِ الْإِقْرَارُ بِهَا مُرَادٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي تَرْكِ الْفِعْلِ نِزَاعٌ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَإِنَّ عَدَمَ الْإِيمَانِ بِوُجُوبِهِ وَتَرْكِهِ كُفْرٌ، وَالْإِيمَانُ بِوُجُوبِهِ وَفِعْلِهِ يَجِبُ أَنْ يَكونَ مُرَادًا مِن هَذَا النَّصِّ، كَمَا قَالَ مَن قَالَ مِنَ السَّلَفِ: "هُوَ مَن لَا يَرَى حَجَّهُ بِرًّا وَلَا تَرْكَهُ إثْمًا"، وَأَمَّا التَّرْكُ الْمُجَرَّدُ فَفِيهِ نِزَاعٌ.
وإذَا تَأَمَّلْت أَهْلَ الضَّلَالِ وَالْخَطَأِ مِن هَذِهِ الْأْمَّةِ تَجِدُ الْأَصْلَ: تَرْكَ الْحَسَنَاتِ لَا فِعْلَ السَّيِّئاتِ، وَأَنَّهُم فِيمَا يُثْبِتُونَهُ أَصْلُ أَمْرِهِمْ صَحِيحٌ، وَإِنَّمَا أُتُوا مِن جِهَةِ مَا نَفَوْهُ، وَالْإِثْبَاتُ فِعْلُ حَسَنَةٍ، وَالنَّفْيُ تَرْكُ سَيِّئَةٍ، فَعُلِمَ أَنَّ تَرْكَ الْحَسَنَاتِ أَضَرُّ مِن فِعْلِ السَّيِّئَاتِ وَهُوَ أَصْلُهُ.
مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّ الوعيدية مِنَ الْخَوَارجِ وَغَيْرِهِمْ فِيمَا يُعَظّمُونَهُ مِن أَمْرِ الْمَعَاصِي وَالنَّهْي عَنْهَا وَاتِّبَاعِ الْقُرْآنِ وَتَعْظِيمِهِ: أَحْسَنُوا، لَكنْ إنَّمَا اتُوا مِن جِهَةِ عَدَمِ اتِّبَاعِهِمْ لِلسُّنَّةِ، وَإِيمَانِهِمْ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِلْمُؤمِنِ وَإِن كَانَ ذَا كَبِيرَةٍ.
وَكَذَلِكَ الْمُرْجِئَةُ فِيمَا أَثْبَتُوهُ مِن إيمَانِ أَهْلِ الذُّنُوبِ وَالرَّحْمَةِ لَهُمْ: أَحْسَنُوا، لَكِنْ إنَّمَا أَصْلُ إسَاءَتِهِمْ مِن جِهَةِ مَا نَفَوْهُ مِن دُخُولِ الْأَعْمَالِ فِي الْإِيمَانِ وَعُقُوبَاتِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ.
стр. 3445
فَالْأَوَّلُونَ: بَالَغُوا فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَقَصَّرُوا فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ.
وَهَؤُلَاءِ: قَصَّرُوا فِي النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَفِي الْأَمْرِ بِكَثِيرِ مِنَ الْمَعْرُوفِ.
وَكَذَلِكَ الْقَدَرِّيَةُ هُم فِي تَعْظِيمِ الْمَعَاصِي وَذَمِّ فَاعِلِهَا وَتَنْزِيهِ اللهِ تَعَالَى عَنِ الظُّلْمِ وَفِعْلِ الْقَبِيحِ مُحْسِنُونَ، وَإِنَّمَا أَسَاؤُوا فِي نَفْيِهِمْ مَشِيئَةَ اللهِ الشَّامِلَةَ وَقُدْرَتَهُ الْكَامِلَةَ وَعِلْمَهُ الْقَدِيمَ أيْضًا. [٢٠/ ٨٥ - ١١١]
* * *
الصَّبْرُ عَلَى أَدَاءِ الطَّاعَاتِ: أَكْمَلُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى اجْتِنَاب الْمُحَرَّمَاتِ وَأَفْضَلُ:
٥٤٠٥ - الصَّبْرُ عَلَى أَدَاءِ الطَّاعَاتِ: أَكْمَلُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى اجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَأَفْضَلُ؛ فَإِنَّ مَصْلَحَةَ فِعْلِ الطَّاعَةِ أَحَبُّ إِلَى الشَّارعِ مِن مَصْلَحَةِ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، وَمُفْسِدَةُ عَدَمِ الطَّاعَةِ: أَبْغَضُ إِلَيْهِ وَأَكْرَهُ مِن مَفْسَدَةِ وُجُودِ الْمَعْصِيَةِ. [١/ ١٤٤ - ١٤٥]
* * *
هل الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَن ضِدِّهِ ؟
٥٤٠٦ - يَقُولُ الْفُقَهَاءُ: الْأَمْرُ بِالشَّيءِ نَهْيٌ عَن ضِدِّهِ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ مَنْهِي عَنْهُ بِطَرِيقِ اللَّازِمِ، وَقَد يَقْصِدُهُ الْآمِرُ وَقَد لَا يَقْصِدُهُ.
وَأَمَّا الْمَطْلُوبُ بِالنَّهْيِ فَقَد قِيلَ: إنَّهُ نَفْسُ عَدَمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَقِيلَ: لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ مَقْصُودَ النَّاهِي قَد يَكُونُ نَفْسَ عَدَمِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَقَد يَكُونُ فِعْلَ ضِدّهِ. [٣٠/ ١١٨]
* * *
стр. 3446
الْحَسَنَاتُ والسَّيِّئاتُ تُعَلَّلُ بِعِلَّتَيْنِ:
٥٤٠٧ - الْحَسَنَاتُ تُعَلَّلُ بِعِلَّتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: مَا تتَضَمَّنُهُ مِن جَلْبِ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَنْفَعَةِ.
وَالثانِيَةُ: مَا تتضَمَّنُهُ مِن دَفْعِ الْمَفْسَدَةِ وَالْمَضَرَّةِ.
وَكَذَلِكَ السَّيِّئاتُ تُعَلَّلُ بِعِلَّتَيْنِ:
إحْدَاهُمَا: مَا تتَضَمَّنُهُ مِن الْمَفْسَدَةِ وَالْمَضَرَّةِ.
وَالثَّانِيَةُ: مَا تتضَمَّنُهُ مِنَ الصَّدِّ عَنِ الْمَنْفَعَةِ وَالْمَصْلَحَةِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، فَبَيَّنَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ بَيَانٌ لِمَا تَتَضَمَّنُهُ مِن دَفْعِ الْمَفَاسِدِ وَالْمَضَارِّ، فَإِنَّ النَفْسَ إذَا قَامَ بِهَا ذِكْرُ اللهِ وَدُعَاؤُهُ -لَا سِيَّمَا عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ- أَكْسَبَهَا ذَلِكَ صِبْغَةً صَالِحَةً تَنْهَاهَا عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ كَمَا يُحِسُّهُ الْإِنْسَانُ مِن نَفْسِهِ.
وَقَولُهُ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ بَيَانٌ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَنْفَعَةِ وَالْمَصْلَحَةِ؛ أَيْ: ذِكْرُ اللهِ الَّذِي فِيهَا أَكْبَرُ مِن كَوْنِهَا نَاهِيَةً عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ لِنَفْسِهِ.
وَمَن ظَنَّ أَنَّ الْمَعْنَى: "وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ مِنَ الصَّلَاةِ" فَقَد أَخْطَأَ؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنَ الذِّكْرِ الْمُجَرَّدِ بِالنَّصّ وَالْإِجْمَاعِ. [٢٠/ ١٩٢ - ١٩٣]
* * *
التَّعَاوُن نَوْعَانِ:
٥٤٠٨ - إِنَّ التَّعَاوُنَ نَوْعَانِ:
الْأوّلُ: تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى مِن الْجِهَادِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاءِ الْحُقُوقِ وَإِعْطَاءِ الْمُسْتَحقِّينَ، فَهَذَا مِمَّا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ.
стр. 3447
وَمَن أَمْسَكَ عَنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ مِن أَعْوَانِ الظَّلَمَةِ فَقَد تَرَكَ فَرضًا عَلَى الْأَعْيَانِ أَو عَلَى الْكِفَايَةِ؛ مُتَوَهِّمًا أَنَّهُ مُتَوَرِّعٌ.
وَمَا أَكْثَرَ مَا يَشْتَبِهُ الْجُبْنُ وَالْفَشَلُ بِالْوَرَعِ؛ إذ كُلٌّ مِنْهُمَا كَفُّ وإمْسَاكٌ.
وَالثَّانِي: تَعَاوُن عَلَى الْإِثْمِ وَالْعدْوَانِ .. فَهَذَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.
نَعَمْ، إذَا كَانَت الْأَمْوَالُ قَد أُخِذَتْ بِغَيْرِ حَقّ، وَقَد تَعَذَّرَ رَدُّهَا إلَى أَصْحَابِهَا؛ كَكَثِير مِن الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ: فَالْإِعَانَةُ عَلَى صَرْفِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَسَدَادِ الثُّغُورِ وَنَفَقَةِ الْمُقَاتِلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: مِن الْإِعَانَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى؛ إذ الْوَاجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ -إذَا لَمْ يُمْكِنْ مَعْرِفَةُ أَصْحَابِهَا وَرَدُّهَا عَلَيْهِم وَلَا عَلَى وَرَثَتِهِمْ- أَنْ يَصْرِفَهَا -مَعَ التَّوْبَةِ إنْ كَانَ هُوَ الظَّالِمُ- إلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَد، وَهُوَ مَنْقُولٌ عَن غَيْرِ وَاحِدٍ مِن الصَّحَابَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ دَلَّت الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ.
وَإِن كَانَ غَيْرُهُ قَد أَخَذَهَا: فَعَلَيْهِ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ بِهَا ذَلِكَ.
كَذَلِكَ لَو امْتَنَعَ السُّلْطَانُ مِن رَدِّهَا: كَانَت الْإِعَانَةُ عَلَى إنْفَاقِهَا فِي مَصَالِحِ أَصْحَابِهَا أَوْلَى مِن تَرْكِهَا بِيَدِ مَن يُضَيِّعُهَا عَلَى أَصْحَابِهَا وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنَّ مَدَارَ الشَّرِيعَةِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
وَعَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ تَحْصِيلُ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلُهَا، وَتَعْطِيلُ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلُهَا، فَإِذَا تَعَارَضَتْ: كَانَ تَحْصِيلُ أَعْظَمِ الْمَصْلَحَتَيْنِ بِتَفْوِيتِ أَدْنَاهُمَا وَدَفْعُ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ مَعَ احْتِمَالِ أَدْنَاهَا: هُوَ الْمَشْرُوعُ.
وَالْمُعِينُ عَلَى الْإِثْم وَالْعُدْوَانِ: مَن أَعَانَ الظَّالِمَ عَلَى ظُلْمِهِ، أَمَّا مَن أَعَانَ الْمَظْلُومَ عَلَى تَخْفِيفِ الظَّلْمِ عَنْهُ أَو عَلَى أَدَاءِ الْمَظْلِمَةِ: فَهُوَ وَكِيلُ الْمَظْلُومِ، لَا وَكِيلُ الظَّالِمِ. [٢٨/ ٢٨٣ - ٢٨٥]
* * *
стр. 3448
النَّاس في غضبهم ثَلَاَثةُ أقسَامٍ:
٥٤٠٩ - إِن النَّاسَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
أ- قِسْمٌ يَغْضَبُونَ لِنُفُوسِهِمْ وَلرَبِّهِمْ.
ب- وَقِسْمٌ لَا يَغْضَبُونَ لِنفُوسِهِمْ وَلَا لِرِّبهِمْ.
ج- وَالثَّالِثُ -وَهُوَ الْوَسَطُ- الَّذِي يَغْضَبُ لِرَّبِّهِ لَا لِنَفْسِهِ.
د- فَأَمَّا مَن يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ لَا لِرِّبهِ، أَو يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ وَلَا يُعْطِي غَيْرَهُ: فَهَذَا الْقِسْمُ الرَّابعُ شَرُّ (الْخَلْقِ) (١) ، لَا يَصْلُحُ بِهِم دِينٌ وَلَا دُنْيَا.
كَمَا أَنَّ الصَّالِحِينَ أَرْبَابَ السِّيَاسَةِ الْكَامِلَةِ:
أ- هُم الَّذِينَ قَامُوا بِالْوَاجِبَاتِ وَتَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ.
ب- وَهُم الَّذِينَ يُعْطُونَ مَا يُصْلِحُ الدِّينَ بِعَطَائِهِ وَلَا يَأْخُذُونَ إلَّا مَا أُبِيحَ لَهُمْ.
ج- وَيغْضَبُونَ لِرَبِهِم إذَا اُنْتُهِكَتْ مَحَارِمُة وَيَعْفُونَ عَن حُقُوقِهِمْ.
وَهَذِهِ أَخْلَاقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَذْلِهِ وَدَفْعِهِ وَهِيَ أَكْمَلُ الْأُمُورِ.
وَكُلَّمَا كَانَ إلَيْهَا أَقْرَبُ كَانَ أَفْضَلَ، فَلْيَجْتَهِد الْمُسْلِمُ فِي التَّقَرُّبِ إلَيْهَا بِجُهْدِهِ، ويسْتَغْفِرُ اللهَ بَعْدَ ذَلِكَ مِن قُصُورٍ أَو تَقْصِيرِهِ بَعْدَ أَنْ يَعْرِفَ كَمَالَ مَا بَعَثَ اللهُ تَعَالَى بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ مِن الدِّينِ. [٢٨/ ٢٩٥ - ٢٩٦]
* * *
النَّاسُ بالنسبة لجدالهم ثَلَاَثَةُ أَقْسَامٍ:
٥٤١٠ - النَّاسُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
أ- إمَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِالْحَقِّ وَيَتَّبِعَهُ: فَهَذَا صَاحِبُ الْحِكْمَةِ. الحواشي
(١) في الأصل: (الحلق)، ولعل الصواب ما هو مثبت؛ لأن السياق يقتضي ذلك.стр. 3449
ب- وَإِمَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِهِ، لَكِنْ لَا يَعْمَلُ بِهِ: فَهَذَا يُوعَظُ حَتَّى يَعْمَلَ.
ج- وَإِمَّا أَنْ لَا يَعْتَرِفَ بِهِ: فَهَذَا يُجَادَلُ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْجِدَالَ فِي مَظِنَّةِ الْإِغْضَابِ، فَإِذَا كَانَ بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ: حَصَلَتْ مَنْفَعَتُهُ بِغَايَةِ الْإِمْكَانِ كَدَفْعِ الصَّائِلِ. [٢/ ٤٥]
* * *
(حكم التَّشَبُّه بِالْبَهَائِمِ ؟)
٥٤١١ - التَّشَبُّهُ بِالْبَهَائِمِ فِي الْأُمُورِ الْمَذْمُومَةِ فِي الشَّرْعِ مَذْمُومٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي أَصْوَاتِهَا وَأَفْعَالِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ مِثْلُ: أَنْ يَنْبَحَ نَبِيحَ الْكِلَابِ، أَو يَنْهَقَ نَهِيقَ الْحَمِيرِ وَنَحْو ذَلِكَ. وَذَلِكَ لِوُجُوهِ:
أَحَدُهَا: أَنَّا قَرَّرْنَا فِي اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ نَهْيَ الشَّارع عَن التَّشَبُّهِ بِالْآدَمِيِّينَ الَّذِينَ جِنْسُهُم نَاقِصٌ؛ كَالتَّشَبُّهِ بِالْأَعْرَابِ وَبِالْأَعَاجِمِ وَبِأَهْلِ الْكِتَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي أمُور مِن خَصَائِصِهِمْ، وَبَيَّنَّا أَنَّ مِن أَسْبَاب ذَلِكَ أَنَّ الْمُشَابهَةَ تُورِثُ مُشَابَهَةَ الْأَخْلَاقِ .. بَل هَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ النَّهْيَ عَن التَّشَبُّهِ بِالْبَهَائِمِ مُطْلَقًا فِيمَا هُوَ مِن خَصَائِصِهَا وَإِن لَمْ يَكُن مَذْمُومًا بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْعُو إلَى فِعْلِ مَا هُوَ مَذْمُومٌ بِعَيْنِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ كَوْنَ الْإِنْسَانِ مِثْل الْبَهَائِمِ مَذْمُومٌ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ إنَمَا شَبَّهَ الْإِنْسَانَ بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ وَنَحْوِهِمَا فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٦].
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُشَابِهَ لِلشَّيْءِ لَا بُدَّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ مِن أَحْكَامِهِ بِقَدْرِ الْمُشَابَهَةِ،
стр. 3450
فَإِذَا نبحَ نِبَاحَهَا كَانَ فِي ذَلِكَ مِن مُقَارَنَةِ الشَّيَاطِينِ وَتَنْفِيرِ الْمَلَائِكَةِ بِحَسَبِهِ، وَمَا يَسْتَدْعِي الشَّيَاطِينَ وَيُنَفِّرُ الْمَلَائِكَةَ: لَا يُبَاحُ إلَّا لِضَرُورَة؛ وَلهَذَا لَمْ يُبَح اقْتِنَاءُ الْكَلْبِ إلَّا لِضَرُورَةٍ، لِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ كَالصَّيْدِ، أَو دَفْعِ مَضَرَّةٍ عَن الْمَاشِيَةِ وَالْحَرْثِ حَتَّى قَالَ ﷺ : "مَن اقْتَنَى كلْبًا إلَّا كلْبَ مَاشِيَةٍ أَو حَرْثٍ أَو صَيْدٍ نَقَصَ عَمَلِهِ كلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ" (١) . [٣٢/ ٢٥٦ - ٢٥٩]
* * *
دَلَالَةُ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ الْعَقْلِيِّ واللَّفْظِيُّ:
٥٤١٢ - دَلَالَةُ الْعُمُومِ الْمَعْنَوِيِّ الْعَقْلِيِّ: مَا أَنْكَرَهُ أَحَدٌ مِن الْأُمَّةِ فِيمَا أَعْلَمُهُ؛ بَل وَلَا مِن الْعُقَلَاءِ.
وَأَمَّا الْعُمُومُ اللَّفْظِيُّ: فَمَا أَنْكَرَهُ أَيْضًا إمَامٌ وَلَا طَائِفَة لَهَا مَذْهَبٌ مُسْتَقِر فِي الْعِلْمِ، وَلَا كَانَ فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ مَن يُنْكِرُهُ. [٦/ ٤٤٠ - ٤٤١]
* * *
الْكفَّارُ وَأَهْلُ الْجَرَائِم وَالذُّنُوب وَأَهْلُ الشَّهَوَاتِ يُحَاسَبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى النِّعَمِ الَّتِي تنعَّمُوَا بِهَا:
٥٤١٣ - كل مَقْصُودٍ: إمَّا أَنْ يُقْصَدَ لِنَفْسِهِ، وإِمَّا أَنْ يُقْصَدَ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ مُنْتَهَى مَقْصُودِهِ وَمُرَادِهِ عِبَادَةَ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ إلَهُهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ لَا يَعْبُدُ شَيْئًا سِوَاهُ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيْهِ مِن كُلِّ مَا سِوَاهُ: فَإِنَّ إرَادَتَة تَنْتَهِي إلَى إرَادَتِهِ وَجْهَ اللهِ، فَيُثَابُ عَلَى مُبَاحَاتِهِ الَّتِي يَقْصِدُ الِاسْتِعَانَةَ بِهَا عَلَى الطَّاعَةِ؛ كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) عَن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةً" .. وَإِن كَانَ أَصْلُ مَقْصُودِهِ عِبَادَةَ غَيْرِ اللهِ: لَمْ تَكُن الطَّيِّبَاتُ مُبَاحَةً لَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ أَبَاحَهَا لِلْمُؤْمِنِينَ مِن عِبَادِهِ؛ بَل الْكفَّارُ وَأَهْلُ الْجَرَائِمِ وَالذُّنُوبِ وَأَهْلُ الحواشي
(١) رواه البخاري(٢٣٢٣) ، ومسلم(١٥٧٤) . وفي رواية: "نقص من عمله كل يوم قيراطان".(٢) البخاري(٤٠٠٦) ، ومسلم(١٠٠٢) .стр. 3451
الشَّهَوَاتِ يُحَاسَبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى النِّعَمِ الَّتِي تَنَعَّمُوا بِهَا، فَلَمْ يَذْكُرُوهُ وَلَمْ يَعْبُدُوهُ بِهَا، وَيُقَالُ لَهُم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٠].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) ﴾ [التكاثر: ٨]؛ أَيْ: عَن شُكْرِهِ، وَالْكَافِرُ لَمْ يَشْكُرْ عَلَى النَّعِيمِ الَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِهِ فَيُعَاقِبُهُ عَلَى ذَلِكَ.
وَلهَذَا لَمْ تَكُنْ أَمْوَالُهُم مَمْلُوكَةً لَهُم مِلْكًا شَرْعِيًّا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ الشَّرْعِيَّ هُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّصَرُّفِ الَّذِي أَبَاحَهُ الشَّارعُ ﷺ ، وَالشَّارعُ لَمْ يُبِحْ لَهُم تَصَرُّفًا فِي الْأَمْوَالِ إلا بِشَرْطِ الْإِيمَانِ، فَكَانَت أَمْوَالُهُم عَلَى الْإِبَاحَةِ.
فَإِذَا قَهَرَ طَائِفَةٌ مِنْهُم طَائِفَةً قَهْرًا يَسْتَحِلُّونَهُ فِي دِينِهِمْ (١) وَأَخَذُوهَا مِنْهُمْ: صَارَ هَؤُلَاءِ فِيهَا كَمَا كَانَ أولَئِكَ.
وَالْمُسْلِمُونَ إذَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، فَغَنِمُوهَا: مَلَكُوهَا شَرْعًا؛ لِأَنَّ اللهَ أَبَاحَ لَهُم الْغَنَائِمَ وَلَمْ يُبِحْهَا لِغَيْرِهِمْ.
وَيجُوزُ لَهُم أَنْ يُعَامِلُوا الْكُفَّارَ فِيمَا أَخَذَهُ بَعْضُهُم مِن بَعْضٍ بِالْقَهْرِ الَّذِي يَسْتَحِلّونَهُ فِي دِينِهِمْ، وَيجوزُ أَنْ يَشتَرِيَ مِن بَعْضِهِمْ مَا سَبَاهُ مِن غَيْرِهِ؛ لِأنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ اسْتِيلَائِهِ عَلَى الْمُبَاحَاتِ؛ وَلِهَذَا سَمَّى اللهُ مَا عَادَ مِن أَمْوَالِهِمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ "فَيْئًا"؛ لِأَنَّ اللهَ أَفَاءَهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، أَيْ: رَدَّهُ إلَى الْمُؤْمِنِينَ بِهِ، الَّذِينَ يَعْبُدُونَه وَيَسْتَعِينُونَ بِرِزْقِهِ عَلَى عِبَادَتِهِ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ، وَإِنَّمَا خَلَقَ الرِّزْقَ لَهُم لِيَسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى عِبَادَتِهِ.
وَلَفْظُ "الْفَيءِ" قَد يَتَنَاوَلُ "الْغَنِيمَةَ"؛ كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَنَائِمِ حنين: الحواشي
(١) هذا قيد مهم، فإذا كان القهر ظلمًا وجورًا ولم يكن له مُستند في دينهم: فلا يحلّ الاستيلاء عليهم، ولا شراؤهم، والله أعلم.стр. 3452
"لَيْسَ لِى مِمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُود عَليْكُمْ" (١) .
لَكِنَّهُ لَمَّا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] صَارَ لَفْظُ "الْفَيءِ" إذَا أُطْلِقَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ: فَهُوَ مَا أُخِذَ مِن مَالِ الْكُفَّارِ بِغَيْرِ إيجَافِ خَيْل وَلَا رِكَابٍ، وَالْإيجَافُ نَوْعٌ مِن التَّحْرِيكِ. [٧/ ٤٣ - ٤٨]
* * *
(قَول مُوسَى لِلْخَضِرِ: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]: سُؤَالٌ مِن جِهَةِ الْمَعْنَى)
٥٤١٤ - قَالَ مُوسَى لِلْخَضِرِ: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ وَهَذَا سُؤَالٌ مِن جِهَةِ الْمَعْنَى؛ فَإِنَّ السُّؤَالَ وَالطَّلَبَ قَد يَكُونُ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ؛ كَمَا تَقُولُ: لَو نَزَلْت عِنْدَنَا لَأَكْرَمْنَاك، وَإِن بِتّ اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا أَحْسَنْت إلَيْنَا، وَمِنْهُ قَوْلُ آدَمَ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وَقَوْلُ نُوحٍ: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ. [٧/ ١٧٥]
* * *
(الاِسْم الْوَاحِد يُنْفَى وَيُثْبَتُ بِحَسَبِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ)
٥٤١٥ - جِمَاعُ الْأَمْرِ: أَنَّ الِاسْمَ الْوَاحِدَ يُنْفَى ويُثْبَتُ بِحَسَبِ الْأحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، فَلَا يَجِبُ إذَا أُثْبِتَ أو نُفِيَ فِي حُكْم أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَحْكامِ، وَهَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَفْهُومٌ.
مِثَالُ ذَلِكَ .. : الْأنْسَابُ؛ مِثْل كَوْنِ الْإِنْسَانِ أَبًا لِآخَرَ أَو أَخَاهُ، يَثْبُتُ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ دُونَ بَعْضٍ، فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) عَن عَائِشَةَ ﵂ الحواشي
(١) رواه أبو داود(٢٦٩٤) ، والنسائي(٣٦٨٨) ، ومالك(١٣١٩) ، وأحمد(٦٧٢٩) ، وحسَّنه الألباني في صحيح أبي داود.(٢) البخاري(٢٠٥٣) ، ومسلم(١٤٥٧) .стр. 3453
قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَليدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عَامَ الفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَالَ: ابْنُ أَخِي قَد عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ: أَخِي وَابْنُ وَليدَةِ أَبِي وُلدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَا (١) إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أَخِي كَانَ قَد عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي، وَابْنُ وَليدَةِ أَبِي، وُلدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ"، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : "الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ" ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ- ﷺ : "احْتَجِبِي مِنْهُ" لِمَا رَأَى مِن شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللهَ.
فَقَد جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ زمعة لِأَنَّهُ وُلدَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَجَعَلَهُ أَخًا لِوَلَدِهِ بِقَوْلِهِ: "فَهُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنُ زمعة".
وَقَد صَارَتْ سَوْدَةُ أُخْتَه يَرِثُهَا وَتَرِثُهُ؛ لِأَنَّهُ ابْن أَبِيهَا زمعة وُلدَ عَلَى فِرَاشِهِ.
وَمَعَ هَذَا فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَحْتَجِبَ مِنْة: لِمَا رَأَى مِن شَبَهِهِ الْبَيِّنِ بعتبة.
فَإِنَّهُ قَامَ فِيهِ دَلِيلَانِ مُتَعَارِضَانِ:
أ- الْفِرَاشُ.
ب- وَالشَّبَهُ.
وَالنَّسَبُ فِي الظَّاهِرِ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ أَقْوَى.
وَلَمَّا كَانَ احْتِجَابُهَا مِنْهُ مُمْكِنًا مِن غَيْرِ ضَرَرٍ: أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ لِمَا ظَهَرَ مِن الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ أَخَاهَا فِي الْبَاطِنِ.
فَتَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْمَ الْوَاحِدَ يُنْفَى فِي حُكْمٍ وَيَثْبُتُ فِي حُكْمٍ.
فَهُوَ أَخٌ فِي الْمِيرَاثِ، وَلَيْسَ بِأَخٍ فِي المحرمية. الحواشي
(١) أي: ذهبا إليه يسوق كلّ منهما الآخر ليترافعا عنده.стр. 3454
وَكَذَلِكَ وَلَدُ الزنا عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَابْنُ الْمُلَاعَنَةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ إلَّا مَن شَذَّ: لَيْسَ بِوَلَدٍ فِي الْمِيرَاثِ وَنَحْوِهِ، وَهُوَ وَلَدٌ فِي تَحْرِيمِ النكَاحِ والمحرمية.
وَلَفْظُ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ فِي الْأَمْرِ: يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ، وَهُوَ الْعَقْدُ وَالْوَطْءُ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
وَفِي النَّهْي: يَعُمُّ النَّاقِصَ وَالْكامِلَ، فَيَنْهَى عَن الْعَقْدِ مُفْرَدًا وَإِن لَمْ يَكُن وَطْءٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْآمِرَ مَقْصُودُهُ تَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ، وَتَحْصِيلُ الْمَصْلَحَةِ إنَّمَا يَكُونُ بِالدُّخُولِ.
وَالنَّاهِي مَقْصودُة دَفْعُ الْمَفْسَدَةِ، فَيَدْخُلُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ مَفْسَدَةٌ.
وَكَذَلِكَ النَّسَبُ وَالْمِيرَاثُ مُعَلَّق بِالْكَامِلِ مِنْهُ، وَالتَّحْرِيمُ مُعَلَّق بِأَدْنَى سَبَبٍ حَتَّى الرَّضَاعِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَكُونُ لَهُ مُبْتَدَأٌ وَكَمَالٌ: يُنْفَى تَارَةً بِاعْتِبَارِ انْتِفَاءِ كَمَالِهِ، وَيثْبُتُ تَارَةً بِاعْتِبَارِ ثُبُوتِ مَبْدَئِهِ (١) .
فَلَفْظُ الرِّجَالِ يَعمُّ الذُّكُورَ وَإِن كَانُوا صِغَارًا فِي مِثْل قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦].
وَلَا يَعُمُّ الصّغَارَ فِي مِثْل قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥].
فَإِنَّ بَابَ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ عَمَلٌ يَعْمَلُهُ الْقَادِرُونَ عَلَيْهِ، فَلَو اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِن الرِّجَالِ لَظُنَّ أَنَّ الْوِلْدَانَ غَيْرُ دَاخِلِينَ لِأَنَّهُم لَيْسُوا مَن أَهْلِهِ، وَهُم ضعَفَاءُ، فَذَكَرَهُم بِالِاسْمِ الْخَاصِّ لِيُبَيِّنَ غذْرَهُم فِي تَرْكِ الْهِجْرَةِ وَوُجُوبِ الْجِهَادِ. الحواشي
(١) هذه قاعدة عظيمة النفع، يندفع بها أمورٌ كثيرةٌ تُشكل على بعض الناس.стр. 3455
وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ لَهُ مَبْدَأٌ وَكَمَالٌ، وَظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، فَإِذَا عُلِّقَتْ بِهِ الْأَحْكَامُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِن الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ كَحَقْنِ الدَّمِ وَالْمَالِ وَالْمَوَارِيثِ وَالْعُقُوبَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ عُلِّقَتْ بِظَاهِرِهِ، لَا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ إذ تَعْلِيقُ ذَلِكَ بِالْبَاطِنِ مُتَعَذّرٌ، وَإِن قُدِّرَ أَحْيَانًا فَهُوَ مُتَعَسِّرٌ عِلْمًا وَقُدْرَةً، فَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ عِلْمًا يَثْبُت بِهِ فِي الظَّاهِرِ، وَلَا يُمْكِنُ عُقُوبَةُ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ فِي الْبَاطِنِ. [٧/ ٤١٨ - ٤٢٢]
* * *
أُصُولُ الإِسْلَامِ تَدُورُ عَلَى ثَلَاَثةِ أَحَادِيثَ:
٥٤١٦ - أصُولُ الْإِسْلَامِ تَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ:
أ- قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئِ مَا نَوَى" (١) .
ب- وَقَوْلُهُ: "مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (٢) .
ج- وَقَوْلُهُ: "الْحَلَالُ بَيِّن وَالْحَرَامُ بَيّنٌ وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ" (٣) . [٢٥/ ٣٢٤]
٥٤١٧ - أَكْثَرُ مَا يُفْسِدُ الْمُلْكَ وَالدُّوَلَ طَاعَةُ النّسَاءِ. [٢٥/ ٣٢٤]
متى يجب الصلاة على النبي؟ وحكم ابتداء السلام ؟
٥٤١٨ - أَمَّا السَّلَامُ الْمُطْلَقُ الْعَامُّ فَالْأَمْرُ بِهِ مِن خَصَائِصِهِ، كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ مِن خَصَائِصِهِ، وَإِن كَانَ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى غَيْرِهِ عُمُومًا، وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهِ خصُوصًا نِزَاعٌ، وَقَد عَدَّى بَعْضُهُم ذَلِكَ إلَى السَّلَامِ فَجَعَلَهُ مُخْتَصًّا بِهِ كَمَا اخْتَصَّ بِالصَّلَاةِ، وَحُكيَ هَذَا عَن أَبِي مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِي، لَكِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ.
وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَفِيهَا نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ فِي كِتَابِهِ الحواشي
(١) رواه البخاري(١) ، ومسلم(١٩٠٧) .(٢) رواه مسلم(١٧١٨) .(٣) رواه البخاري(٥٢) ، ومسلم(١٥٩٩) .стр. 3456
بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ مَخْصُوصًا بِذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فَهُنَا أَخْبَرَ وَأَمَرَ.
وَأَمَّا فِي حَقِّ عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَخْبَرَ وَلَمْ يَأْمُرْ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣].
وَلهَذَا إذَا ذَكَرَ الْخُطَبَاءُ ذَلِكَ قَالُوا: إنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْر بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ، وَأَيَّهَ بِالْمُومِنِينَ مِن بَرِيَّتِهِ؛ أَيْ: قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأحزاب: ٤٩] (١) .
فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَعَالَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بَدَأَ فِيهَا بِنَفْسِهِ وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ لَكِنْ لَمْ يُؤَيِّهْ فِيهَا بِالْمُؤْمِنِينَ مِن بَرِيَّتهِ.
وَقَد اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّه تُشْرَعُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الدُّعَاءِ وَفِي غَيْرِ الصَّلَاةِ.
وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَفِي الْخُطَبِ، فَأوْجَبَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَلَمْ يُوجِبْهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، وَعَن الْإِمَامِ أَحْمَد رِوَايَتَانِ.
وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ مَعَ الدُّعَاءِ، فَلَا نَدْعُو حَتَّى نَبْدَأَ بِهِ- ﷺ (٢) ، وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ مَأُمُورٌ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ. الحواشي
(١) هذا يدل على أن هذه الصيغة مشهورة منذ زمن ابن تيمية أو قبله، سوى الجملة الأخيرة: (وأيّه .. )، فهي لا يَكاد يَقُولها الخطباء.(٢) هذه من الترجيحات الغريبة، التي لم أقف على أحد وافقه عليه.
ولعل من الأدلة التي تُؤيد كلام الشيخ ما رواه فَضَالَةُ بْن عُبَيْدِ ﵁ أنّ رَسُولَ اللهِ- ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ لَمْ يُمَجِّدِ اللهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَل عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَجِلَ هَذَا" ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: -أو لِغَيْرِهِ- "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ". روأه أبو داود(١٤٨١) ، والترمذي(٣٤٧٧) وقال؛ هَذَا حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ. وصحَّحه الألباني. =стр. 3457
وَلَا نِزَاعَ أَنَّهُ هُوَ ﷺ يُصَلِّي عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٥٣] وَكَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (١) أَنَّهُ قَالَ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى".
وَأَيْضًا: لَا نِزَاعَ أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَى آلِهِ تبَعًا، كَمَا عَلَّمَ أُمَّتَهُ أَنْ يَقُولُوا: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ .. " (٢) .
وَأَمَّا صَلَاةُ غَيْرِهِ عَلَى غَيْرِهِ مُنْفَرِدًا مِثْلُ أَنْ يُقَالَ: صَلَّى اللهُ عَلَى أبِي بَكْرٍ أَو عُمَرَ أَو عُثْمَانَ أو عَلِيٍّ: فَفِيهَا قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ مِن ذَلِكَ .. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ جَدُّنَا ابُو الْبَرَكَاتِ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ، لَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ، وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَن ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: لَا أَعْلَمُ الصَّلَاةَ تَنْبَغِي مِن أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ إلَّا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ .
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسِ: فَهَذَا ذَكَرَهُ لَمَّا صَارَ أَهْلُ الْبِدَع يَخُصُّونَ بِالصَّلَاةِ عَلِيًّا او غَيْرَهُ وَلَا يُصَلُّونَ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَهَذَا بِدْعَةٌ بِالِاتِّفَاقِ. الحواشي
(٤٨٦) ، عَن عُمَرَ بْنِ الخَظاب أنه قَالَ: إِن الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيءٌ، حَتى تصَلّيَ عَلَى نَبِيِّكَ ﷺ .
وهو أصرح وأدل على المطلوب، لكن الألباني ضعَّفه كما في مشكاة المصابيح (٩٣٨ -(٢٠) ).
فالذي يظهر أنه لا يجب الصلاة على النَّبيّ عند الدعاء.
قال العلَّامة ابن باز ﵀: وأما الدعاء فهي -أي: الصلاة على النبي- مستحبة في الدعاء، لكن ليس شرطًا في القبول، لو دعا ولم يصل على النبي- ﷺ يرجى قبول دعائه، ولكن الأفضل أن يصلي على النبي- ﷺ قبل الدعاء، وبعد الدعاء. اهـ. يُنظر الموقع الرسمي له على هذا الرابط: http//cuttus/uA ٧٢ g.(١) البخاري(١٤٩٧) ، ومسلم(١٥٧٨) .(٢) رواه البخاري(٣٣٧٠) ، ومسلم(٤٠٥) .стр. 3458
وَلَمَّا كَانَ اللهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ مَن قَالَ: إنَّ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِهِ مَمْنُوعٌ مِنْهَا طَرَدَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُم أَبُو مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِي فَقَالُوا: لَا يُسَلَّمُ عَلَى غَيْرِهِ!
وَهَذَا لَمْ يُعْرَفْ عَن أَحَدٍ مِن الْمُتَقَدِّمِينَ، وَأَكْثَرُ الْمُتَأخِّرِينَ أَنْكرُوهُ، فَإِنَّ السَّلَامَ عَلَى الْغَيْرِ مَشْرُوعٌ، سَلَام التَّحِيَّةِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ .. وَالرَّدُّ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ: إمَّا عَلَى الْأَعْيَانِ وَاِمَّا عَلَى الْكِفَايَةِ.
وَقَد كَانَ النَّبِيِّ ﷺ يُعَلِّمُ أَصْحَابَهُ إذَا زَارُوا الْقُبُورَ أَنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِم فَيَقُولُوا: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِن الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ" (١) .
فَاَلَّذِينَ جَعَلُوا السَّلَامَ مِن خَصَائِصِهِ لَا يَمْنَعُونَ مِن السَّلَامِ عَلَى الْحَاضِرِ، لَكِنْ يَقُولُونَ: لَا يُسَلَّمُ عَلَى الْغَائِبِ، فَجَعَلُوا السَّلَامَ عَلَيْهِ مَعَ الْغَيْبَةِ مِن خَصَائِصِهِ.
وَهَذَا حَق، لَكِنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ وإيجَابَهُ هُوَ مِن خَصَائِصِهِ، كَمَا فِي التَّشَهُّدِ، فَلَيْسَ فِيهِ سَلَامٌ عَلَى مُعَيَّنٍ إلَّا عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ.
وَهَذَا يُويّدُ أَنَّ السَّلَامَ كَالصَّلَاةِ كِلَاهمَا وَاجِبٌ لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا.
وَغَيْرُهُ (٢) فَلَيْسَ وَاجِبًا إلَّا سَلَامُ التَّحِيَّةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ فَإِنَّهُ مُؤَكَّد بِالِاتِّفَاقِ.
وَهَل يَجِبُ أَو يُسْتَحَبُّ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ معروفيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَاَلَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ النُّصُوصُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَقَد رَوَى مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" (٣) عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ علَى الْمُسْلِمِ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ، ويَعُوده إذَا مَرِضَ، ويُشَيِّعُهُ إذَا مَاتَ، وَيُجِيبُهُ إذَا دَعاه".
وَقَد أَوْجَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إجَابَةَ الدَّعْوَةِ. الحواشي
(١) هذا استدلال بجواز السلام على الغائب.(٢) أي: غير النبي ﷺ .(٢١٦٢) .стр. 3459
وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ بِإِجْمَاعِهِمْ، وَالسَّلَامُ عِنْدَ اللِّقَاءِ أَوْكَدُ مِن إجَابَةِ الدَّعْوَةِ، وَكَذَلِكَ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَالشَّرُّ الَّذِي يَحْصُلُ إذَا لَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَمْ يَعُدْهُ إذَا مَرِضَ أَعْظَمُ مِمَّا يَحْصُلُ إذَا لَمْ يُجِبْ دَعْوَتَهُ، وَالسَّلَامُ أَسْهَلُ مِن إجَابَةِ الدَّعْوَةِ وَمِن الْعِيَادَةِ. [٢٧/ ٤٠٧ - ٤١٢]
* * *
(هل يُمدح ويُذم الإنسان لنسبه؟ وهل عَلَّقَت الشَّرِيعَة بِالنَّسَبِ أَحْكامًا ؟)
٥٤١٩ - إنَّ تَعْلِيقَ الشَّرَفِ فِي الدِّينِ بِمُجَرَّدِ النَّسَبِ هُوَ حُكْمٌ مِن أَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِينَ اتَّبَعَتْهُم عَلَيْهِ الرَّافِضَةُ وَأَشْبَاهُهُم مِن أَهْلِ الْجَهْلِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
وَلهَذَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ يَمْدَحُ فِيهَا أَحَدًا بِنَسَبِهِ، وَلَا يَذُمُّ أَحَدًا بِنَسَبِهِ، وَإِنَّمَا يَمْدَحُ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، وَيَذُمُّ بِالْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ، وَقَد ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي "الصَّحِيحِ" (١) أَنَّهُ قَالَ: "أَرْبَعٌ مِن أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي أُمَّتِي لَنْ يَدَعُوهُنَّ: الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأنسَابِ، وَالنِّيَاحَةُ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ". فَجَعَلَ الْفَخْرَ بِالْأَحْسَابِ مِن أمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَالشَّرِيعَةُ إنَّمَا عَلَّقَتْ بِالنَّسَبِ أَحْكَامًا؛ مِثْل كَوْنِ الْخِلَافَةِ مِن قُرَيْشٍ، وَكَوْنِ ذَوِي الْقُرْبَى لَهُم الْخُمْسُ، وَتَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّسَبَ الْفَاضِلَ مَظِنَّة أَنْ يَكُونَ أَهْلُهُ أَفْضَلَ مِن غَيْرِهِمْ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ- ﷺ : "النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خِيَارُهُم فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُم في الإسْلَامِ إذَا فَقِهُوا" (٢) . الحواشي
(١) مسلم(٦٣٤) .(٢) رواه مسلم(٢٦٣٧) .стр. 3460
وَالْمَظِنَّةُ يُعَلَّقُ الْحُكْم بِهَا إذَا خَفِيَت الْحَقِيقَةُ أَو انْتَشَرَتْ (١) .
فَأَمَّا إذَا ظَهَرَ دِينُ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ تَتَعَلَّقُ الْأَحْكَامُ، وَعَرَفَ نَوْعَ دِينِهِ وَقَدْرَهُ: لَمْ يَتَعَلَّقْ بِنَسَبِهِ الْأَحْكامُ الدِّينِيَّةُ؛ وَلهَذَا لَمْ يَكن لِأَبِي لَهَبٍ مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ لَمَّا عَرَفَ كُفْرَهُ كَانَ أَحَقَّ بِالذَّمِّ مِن غَيْرِهِ؛ وَلهَذَا جُعِلَ لِمَن يَأتِي بِفَاحِشَةٍ مِن أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ضِعْفَانِ مِن الْعَذَابِ، كَمَا جُعِلَ لِمَن يَقْنُتُ مِنْهُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ أَجْرَيْنِ مِن الثَّوَابِ.
فَذَوُو الْأَنْسَابِ الْفَاضِلَةِ إذَا أَسَاؤُوا كَانَت إسَاءَتُهُم أَغْلَظَ مِن إسَاءَةِ غَيْرِهِمْ، وَعُقُوبَتُهُم أَشَدُّ عُقُوبَةً مِن غَيْرِهِمْ. [٣٥/ ٢٣٠ - ٢٣١]
* * *
(يجب تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر وسائر أنواع الاجتماع)
٥٤٢٠ - قال صاحب المحرر في أحكامه: (باب وجوب نصب ولاية القضاء والإمارة وغيرهما): وذكر هذه الأخبار (٢) وقال حفيده (٣) : فأوجب ﷺ تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر؛ تنبيهًا بذلك على سائر أنواع الاجتماع. [المستدرك ٣/ ٢١٩]
* * * الحواشي
(١) العبارة هكذا في الأصل: وَالْمَظِنَّةُ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِمَا إذَا خَفِيَتْ الْحَقِيقَةُ أو انْتَشَرَتْ، ولعل الصواب المثبت؛ لأن هذه العبارة لا معنى لها فيما يظهر لي، بخلاف المثبت، فإنها عبارةٌ مشهورة بين الأصوليين والفقهاء.
والشيخ ﵀ نص عليها في شرح عمدة الفقه (١/ ٣٥٤) فقال: الحكمة إذا كانت غالبة غير منضبطة علق الحكم بالمظنة وأقيمت مقام الحقيقة لوجودها معها غالبًا ولعدم انضباطها كما أقيم النوم مقام الحدث.(٢) التي فيها وجوب نصب هذه الولايات. (الجامع).(٣) أي: ابن تيمية.стр. 3461
مَن أَتَاهُ الرَّسُولُ فَخَالَفَهُ فَقَد وَجَب عَلَيْه الْعَذَابُ:
٥٤٢١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) ﴾ [الاسراء: ١٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١] الْآيَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك: ٨] الْآيَتَيْنِ.
فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى أَنَّ مَن أَتَاهُ الرَّسُولُ فَخَالَفَهُ فَقَد وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَإِن لَمْ يَأُتِهِ إمَامٌ وَلَا قِيَاسٌ، وَأَنَّهُ لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ الرَّسُولُ وَإِن أَتَاهُ إمَامٌ أَو قِيَاسٌ (١) .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [االنساء: ٦٩].
وَقَد ذَكَرَ سُبْحَانَهُ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَبَيَّنَ أَنَّ طَاعَةَ اللهِ وَرَسُولِهِ مُوجِبَةٌ لِلسَّعَادَةِ، وَأَنَّ مَعْصِيَةَ اللهِ مُوجِبَة لِلشَّقَاوَةِ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مَعَ طَاعَةِ اللهِ وَرَسْولِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى طَاعَةِ إمَامٍ أَو قِيَاسٍ، وَمَعَ مَعْصِيَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ لَا يَنْفَعُ طَاعَةُ إمَامٍ أَو قِيَاسٍ.
وَفِي الْحَقِيقَةِ فَالْوَاجِبُ فِي الْأَصْلِ إنَّمَا هُوَ طَاعَةُ اللهِ،؛ لَكِنْ لَا سَبِيلَ إلَى الْعِلْمِ بِمَأُمُورِهِ وَبِخَبَرِهِ كُلِّهِ إلَّا مِن جِهَةِ الرُّسُلِ.
وَالْمُبَلِّغُ عَنْهُ:
أ- إمَّا مُبَلِّغٌ أَمْرَهُ وَكَلِمَاتِهِ فَتَجِبُ طَاعَتُهُ وَتَصْدِيقُهُ فِي جَمِيعِ مَا أَمَرَ وَأَخْبَرَ.
ب- وَإِمَّا مَا سِوَى ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُطَاعُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ؛ كَالْأمَرَاءِ الَّذِينَ الحواشي
(١) لعل صواب العبارة أن يُقال: "فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى أن مَن أتَاهُ الرَّسُولُ فَخَالَفَهُ فَقَد وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَإِن أَتَاهُ إمَامٌ أَو قِيَاسٌ، وَأَنَّهُ لَا يُعَذبُ أحَدٌ حَتَّى يَأُتِيَهُ الرَّسُولُ وَإِن لَمْ يَأُتِهِ إمَامٌ وَلَا قِيَاسٌ".
ويدل على ذلك ما ذكر في آخر الكلام.стр. 3462
تَجِبُ طَاعَتُهُم فِي مَحَلِّ وِلَايَتهِمْ مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةِ اللهِ، وَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ تَجِبُ طَاعَتُهُم عَلَى الْمُسْتَفْتِي وَالْمَأْمُورِ فِيمَا أَوْجَبُوهُ عَلَيْهِ مُبَلِّغِينَ عَنِ اللهِ أَو مُجْتَهِدِينَ اجْتِهَادًا تَجِبُ طَاعَتُهُم فِيهِ عَلَى الْمُقَلِّدِ، وَيدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَشَايخُ الدّينِ وَرُؤَسَاءُ الدُّنْيَا حَيْثُ أمِرَ بِطَاعَتِهِمْ؛ كَاتِّبَاعِ أَئِمَّةِ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَاتبَاعِ أَئِمَّةِ الْحَجّ فِيهِ، وَاتِّبَاعِ أُمَرَاءِ الْغَزْوِ فِيهِ، وَاتِّبَاعِ الْحُكَامِ فِي أَحْكَامِهِمْ، وَاتِّبَاعِ الْمَشَايخِ الْمُهْتَدِينَ فِي هَدْيِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ. [١٩/ ٦٧ - ٦٩]
* * *
لماذا سُمّي الإنْسُ إنْسًا ؟
٥٤٢٢ - الْإِنْسُ سُمُّوا إنْسًا لِأَنَّهُم يُؤْنَسُونَ، أَيْ: يُرَوْنَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: ١٥]؛ أَيْ: رَأَيْتهَا، وَالْجِنُّ سُمُّوا جِنا لِاجْتِنَانِهِمْ، يَجْتَنُّونَ عَن الْأَبْصَارِ؛ أَيْ: يَسْتَتِرُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْل﴾ [الأنعام: ٧٦]؛ أَي: اسْتَوْلَى عَلَيْهِ فَغَطَّاهُ وَسَتَرَهُ. [١٧/ ٤٦٥]
* * *
الفرق بين الْحَمْدُ والشُّكْرُ:
٥٤٢٣ - " الْحَمْدُ" يَتَضَمَّنُ الْمَدْحَ وَالثَّنَاَءَ عَلَى الْمَحْمُودِ بِذِكْرِ مَحَاسِنِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِحْسَانُ إلَى الْحَامِدِ أَو لَمْ يَكُنْ.
وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى إحْسَانِ الْمَشْكُورِ إلَى الشَّاكِرِ، فَمِن هَذَا الْوَجْهِ الْحَمْدُ أَعَمُّ مِن الشُّكْرِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى الْمَحَاسِنِ وَالْإِحْسَانِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يُحْمَدُ عَلَى مَا لَهُ مِن الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالْمَثَلِ الْأَعْلَى وَمَا خَلَقَهُ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى.
وَأَمَّا الشُّكْرُ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الْإِنْعَامِ، فَهُوَ أَخَصُّ مِن الْحَمْدِ مِن هَذَا الْوَجْهِ؛ لَكِنَّهُ يَكُونُ بِالْقَلْبِ وَالْيَدِ وَاللّسَانِ.
وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبا: ١٣].
стр. 3463
وَالْحَمْدُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَلْب وَاللِّسَانِ، فَمِن هَذَا الْوَجْهِ الشُّكْرُ أَعَمُّ مِن جِهَةِ أنْوَاعِهِ، وَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِن جِهَةِ أَسْبَابِهِ. [١١/ ١٣٣ - ١٣٤]
* * *
٥٤٢٤ - كَانَ ابْنُ سِينَا وَأَهْلُ بَيْتِهِ مِن أَهْلِ دَعْوَتِهِمْ قَالَ (١) : وَبِسَبَبِ ذَلِكَ اشْتَغَلْتُ فِي الْفَلْسَفَةِ. اهـ.
وَكَانَ مَبْدَأُ ظُهُورِهِمْ (٢) مِن حِينِ تَوَلَّى الْمُقْتَدِرُ، وَلَمْ يَكُن بَلَغَ بَعْدُ، وَهُوَ مَبْدَأُ انْحِلَالِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ؛ وَلهَذَا سُمّيَ حِينَئِذٍ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْأُمَوِيُّ الَّذِي كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ وَيَقُولُ: لَا يَكونُ لِلْمُسْلِمِينَ خَلِيفَتَانِ، فَلَمَّا وَليَ الْمُقْتَدِرُ قَالَ: هَذَا صَبِيٌّ لَا تَصِحُّ وِلَايَتُهُ، فَسُمِّيَ بِهَذَا الِاسْمِ. [١٣/ ١٧٧ - ١٧٨]
٥٤٢٥ - الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ النَّاسِ أَنَّ جَمِيعَ الْخَلْقِ يَمُوتُونَ حَتَّى الْمَلَائِكَةُ وَحَتَّى عِزْرَائِيلُ مَلَكُ الْمَوْتِ. [١٦/ ٣٤]
٥٤٢٦ - لَا تَعْجَزْ عَن مَأمُورٍ، وَلَا تَجْزَعْ مِن مَقْدُورٍ. [١٦/ ٣٨]
٥٤٢٧ - إنَّ الْإِنْسَانَ إذَا رَجَعَ إلَى نَفْسِهِ عَسُرَ عَلَيْهِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الرَّسُولَ صَادِقٌ، وَبَيْنَ تَصْدِيقِ قَلْبِهِ تَصْدِيقًا مُجَرَّدًا عَن انْقِيَادٍ وَغَيْرِهِ مِن أَعْمَالِ الْقَلْبِ بِأَنَّهُ صَادِقُ. [٧/ ٤٠٠]
٥٤٢٨ - أول أركان الإسلام ومبانيه الخمسة قولًا وفعلًا وعملًا في حق كل مكلف: الشهادتان (٣) نطقًا إن أمكن، واعتقادًا جازمًا بموجبهما ومقتضاهما.
ثم الصلاة، ولا تصح بدون طهارة شرعية مع القدرة عليها، ولا يجب تحصيل شرط الوجوب والإيجاب؛ بل يجب تحصيل شرط أداء ما وجب؛ الحواشي
(١) أي: ابْنُ سِينَا.(٢) أي: الفلاسفة.(٣) في الأصل: (الشهادتين)، والتصويب من المسودة(٤٥٩) .стр. 3464
كالوضوء والغسل وإزالة النجاسة والتيمم ونحو ذلك للصلاة الواجبة عليه قبل ذلك. [المستدرك ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤]
٥٤٢٩ - قَلَّ طَائِفَةٌ مِن الْمُتَأَخِّرِينَ إلَّا وَقَعَ فِي كَلَامِهَا نَوْعُ غَلَطٍ؛ لِكَثْرَةِ مَا وَقَعَ مِن شُبَهِ أهْلِ الْبِدَعِ؛ وَلهَذَا يُوجَدُ فِي كَثِيرٍ مِن الْمُصَنَّفَاتِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَأُصُولِ الدّينِ وَالْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ مَن يَذْكُرُ فِي الْأَصْلِ الْعَظِيمِ عِدَّةَ أَقْوَالٍ، وَيحْكِي مِن مَقَالَاتِ الَّناسِ أَلْوَانًا، وَالْقَوْلُ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ لَا يَذْكُر؛ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ، لَا لِكَرَاهَتِهِ لِمَا عَلَيْهِ الرَّسُولُ (١) . [٥/ ٤٨٤]
٥٤٣٠ - لَمْ يَأْمُر اللهُ قَطُّ أَحَدًا أَنْ يُصَلِّيَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، لَا مُوسَى وَلَا عِيسَى وَلَا غَيْرَهُمَا (٢) . [٧/ ٦٦٨]
٥٤٣١ - إِخْبَارُ الرَّجُلِ بِصِفَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا جَائِزٌ وَإِن كَانَت مَدْحًا (٣) . الحواشي
(١) هذا من إحسان ظن الشيخ بالعلماء والمصنفين، وهكذا يجب على المؤمن أن يُحسن الظن بأخطاء أهل الصلاح والخير، وأن يعزو ما فعلوه أو قالوه من الباع أو الأخطاء إلى عدم علمهم بالصواب، لا أن يدعي أنهم يقصدون الخطأ والبدع ومُخالفة الشريعة.(٢) اتخذ بنو إسرائيل بيتَ المقدس قبلة لا عن وحيِ من الله، بل شرع لهم ذلك بعض أحبارهم.
وقبلتهم إنما هي الكعبة، وقد جزم بذلك الزمخشري والبيضاوي. تفسير الزمخشري (٢/ ٣٦٤)، تفسير البيضاوي (٢/ ١٢٢).
وقد روى أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن خالد بن يزيد بن معاوية قال: لم تجد اليهود فى التوراة القبلة، ولكن تابوت السكينة كان على الصخرة، فلما غضب الله على بني إسرائيل رفعه، وكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشورة منهم.
قال البغوي في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧]، معناه: واجعلوا وجوه بُيُوتَكُمْ إِلَى الْقِبْلَةِ.
وَرَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَتِ الْكَعْبَةُ قِبْلَةَ مُوسَى وَمَن مَعَهُ. اهـ. وقال النسفي فى تفسيره (٢/ ٣٧) عند هذه الآية: اجعلوا بيوتكم مساجد متوجهة إلى القبلة وهي الكعبة، وكان موسى ومن معه يصلون إلى الكعبة.(٣) وقد يحرم ذلك وقد يجب وقد يُسنّ.
فيحرم: إذا كان ذلك على سبيل التعالي والغرور وازدراء الآخرين.
ويجب: إذا كان ذلك لابعاد التهمة عن نفسِه، كان يُتهم أنه لا يُصلي أو لا يعدل مع أهله ونحو ذلك.стр. 3465
٥٤٣٢ - مَا صَدَقَ اللهَ عَبْدٌ إلَّا صُنِعَ لَهُ. [٢٢/ ٣٠٩]
٥٤٣٣ - وَسُئِلَ: عَن رَجُلٍ مُبْتَلًى سَكَنَ فِي دَارٍ بَيْنَ قَوْمٍ أَصِحَّاءَ فَقَالَ بَعْضُهُم: لَا يُمْكِنُنَا مُجَاوَرَتُك وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُجَاوِرَ الْأَصِحَّاءَ فَهَل يَجُوزُ إخْرَاجُهُ؟
فَأَجَابَ: نَعَمْ لَهُم أَنْ يَمْنَعُوهُ مِن السَّكَنِ بَيْنَ الْأصِحَّاءِ، فَإِنَّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يُورَد مُمَرَّضٌ عَلَى مُصِحٍّ" (١) فَنَهَى صَاحِبَ الْإِبِلِ الْمِرَاضِ أَنْ يُورِدَهَا عَلَى صَاحِبِ الْإِبِلِ الصِّحَاحِ، مَعَ قَوْلِهِ: "لَا عَدْوَى وَلَا طيَرَةَ" (٢) . [٢٤/ ٢٨٤ - ٢٨٥]
٥٤٣٤ - إِنَّ السَّنَةَ الْقَمَرِيَّةَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَبَعْضُ يَوْمٍ: خُمُسٌ أَو سُدْسٌ.
وَإِنَّمَاْ يقَالُ فِيهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا جَبْرًا لِلْكَسْرِ فِي الْعَادَةِ -عَادَةِ الْعَرَبِ فِي تَكْمِيلِ مَا يَنْقُصُ مِن التَّارِيخِ فِي الْيَوْمِ وَالشَهْرِ وَالْحَوْلِ-.
وَأَمَّا الشَّمْسِيَّةُ فَثَلَائمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ. وَسِتُّونَ يَوْمًا وَبَعْضُ يَوْمِ: رُبْعُ يَوْمٍ.
وَلهَذَا كَانَ التَّفَاوُتُ بَيْنَهُمَا أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا إلَّا قَلِيلًا.
تَكُونُ فِي كُلِّ ثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَثُلْثِ سَنَةٍ: سَنَةٌ، وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) ﴾ [الكهف: ٢٥]، قِيلَ: مَعْنَاهُ ثَلَاثُمِائَةٍ سَنَةً شَمْسِيَّة، ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥] بِحِسَابِ السَّنَةِ الْقَمَرِيَّةِ.
وَمُرَاعَاة هَذَيْنِ عَادَةُ كَثِيرٍ مِن الْأُمَمِ مِن أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ بِسَبَبِ تَحْرِيفِهِمْ، وَأَظُنُّهُ كَانَ عَادَةَ الْمَجُوسِ أَيْضًا. [٢٥/ ١٣٨] الحواشي
(١) رواه مسلم(٢٢٢١) .(٢) رواه البخاري(٥٧٠٧) ، ومسلم(٢٢٢٠) .стр. 3466
٥٤٣٥ - وَجَبَ عَلَى مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ حِفْظُ جَمِيعِ الْكِتَابِ وَجَمِيعِ السُّنَنِ الْمُتَعَلِّقَةِ بالمستحبات وَالرَّغَائِبِ وَإِن لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلَى آحَادِهَا.
وَلهَذَا أَوْجَبَ عَلَى الْأُمَّةِ مِن تَحْصِيلِ الْمُسْتَحَبَّاتِ الْعَامَّةِ مَا لَا يَجِبُ عَلَى الْأَفْرَادِ وَتَحْصِيلُهُ لِنَفْسِهِ. [٢٥/ ١٧٥]
٥٤٣٦ - أَهْلُ الْكوفَةِ كَانَ فِيهِمْ طَائِفَتَانِ:
طَائِفَةٌ رَافِضَة يُظْهِرُونَ مُوَالَاةَ أَهْلِ الْبَيْتِ وَهُم فِي الْبَاطِنِ إمَّا مَلَاحِدَةٌ زَنَادِقَةٌ، وَإِمَّا جُهَّالٌ وَأَصْحَابُ هَوًى.
وَطَائِفَةٌ نَاصِبَةٌ تبْغِضُ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ لَمَّا جَرَى مِن الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ مَا جَرَى.
وَقَد ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سَيَكُونُ فِي ثَقِيفَ كَذَّاب وَمُبِيرٌ" فَكَانَ الْكَذَّابُ هُوَ الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيَّ، وَكَانَ يُظْهِرُ مُوَالَاةَ أَهْلِ الْبَيْتِ وَالِانْتِصَارَ لَهُمْ.
وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَهُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ، وَكَانَ مُنْحَرِفًا عَن عَلِيٍّ وَأَصْحَابِهِ.
فَكَانَ هَذَا مِن النَّوَاصِبِ، وَالْأَوَّلُ مِن الرَّوَافِضِ. [٢٥/ ٣٠١]
٥٤٣٧ - كَمَالُ النَّفْسِ لَيْسَ فِي مُجَرَّدِ الْعِلْمِ؛ بَلْ لَا بُدَّ مَعَ الْعِلْمِ بِاللهِ مِنْ مَحَبَّتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ، فَهَذَا عَمَلُ النَّفْسِ وَإِرَادَتُهَا وَدَالُّ عِلْمِهَا وَمَعْرِفَتِهَا. [٢/ ٩٥]
٥٤٣٨ - لَا يَسْتَطِيعُ بَنُو آدَمَ أَنْ يَصْنَعُوا مِثْل مَا يَخْلُقُهُ اللهُ، وَإِنَّمَا غَايَتُهُم أَنْ يُشَبِّهُوا مِن بَعْضِ الْوُجُوهِ فَيُصَفِّرُونَ وَيَنْقلُونَ، مَعَ اخْتِلَافِ الْحَقَائِقِ. [٢٩/ ٣٦٩]
٥٤٣٩ - نَعُوذُ بِاللهِ مِن الْعَمَى فِي الْبَصِيرَةِ أَو حَوَلٍ يَرَى الْوَاحِدَ اثْنَيْنِ؛ فَإِنَّ
стр. 3467
الْأَعْمَى أَسْلَمُ حَالًا فِي إدْرَاكِهِ مِن الْأَحْوَلِ إذَا كَانَ مُقَلِّدًا لِلْبَصِيرِ وَالْبَصِيرُ صَحِيحُ الْإِدْرَاكِ. [٣/ ١٠٦]
٥٤٤٠ - مِن أَعْظَمِ التَّقْصِيرِ: نِسْبَةُ الْغَلَطِ إلَى مُتَكَلّمٍ مَعَ إمْكَانِ تَصْحِيحِ كَلَامِهِ، وَجَرَيَانِهِ عَلَى أَحْسَنِ أَسَاليبِ كَلَامِ النَّاسِ. [٣١/ ١١٤]
٥٤٤١ - مِن آيَاتِ مَا بُعِثَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ : أَنَّهُ إذَا ذُكِرَ مَعَ غَيْرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُبِينِ ظَهَرَ النُّورُ وَالْهُدَى عَلَى مَا بُعِثَ بِهِ، وَعُلِمَ أَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ دُونَهُ؛ فَإِن خَيْرَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَقَد قَالَ سبحان الله وتعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) ﴾ [الإسراء: ٨٨]، وَهَذَا التَّحَدِّي وَالتَّعْجِيزُ ثَابِتٌ فِي لَفْظِهِ وَنَظْمِهِ وَمَعْنَاهُ. [٣٣/ ٤٢]
٥٤٤٢ - يَوْم خَيْبَرَ كَانَ تَحْرِيمُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْمُتْعَةِ فَإِنَّهُ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي "الصَّحِيحِ"، وَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهَا حُرِّمَتْ ثُمَّ أُبِيحَتْ ثُمَّ حُرِّمَتْ، فَظَنَّ بَعْضُهُم أَنَّ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَلَيْسَ الْأمْرُ كذلك. [٣٣/ ٩٦]
٥٤٤٣ - إنَّ الْأَنْسَابَ الْمَشْهُورَةَ أَمْرُهَا ظَاهِرٌ مُتَدَارَكٌ مِثْلُ الشَّمْسِ، لَا يَقْدِرُ الْعَدُوُّ أَنْ يُطْفِئَهُ، وَكَذَلِكَ إسْلَامُ الرَّجُلِ وَصِحَّةُ إيمَانِهِ بِاللهِ وَالرَّسُولِ أَمْرٌ لَا يَخْفَى، وَصَاحِبُ النَّسَبِ وَالدِّينِ لَو أَرَادَ عَدُوَّهُ أنْ يُبْطِلَ نَسَبَهُ وَدِينَهُ وَلَهُ هَذِهِ الشُّهْرَةُ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ الْهِمَمُ وَالدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَتَّفِقَ عَلَى ذَلِكَ أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ. [٣٥/ ١٣٠]
٥٤٤٤ - كُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ النَّصَارَى أَعْظَمُ الْملَلِ جَهْلًا وَضَلَالَة، وَأَبْعَدُهُم عَن مَعْرِفَةِ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، وَأَكْثَرُ اشتِغَالًا بِالْمَلَاهِي وَتَعَبُّدًا بِهَا.
وَالْفَلَاسِفَةُ مُتَّفِقُونَ كُلُّفم عَلَى أَنَّهُ مَا قَرَعَ الْعَالَمَ نَامُوسُ أَعْظَمُ مِن النَّامُوسِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَأُمَّتُهُ أَكْمَلُ عَقْلًا وَدِينًا وَعِلْمًا بِاتِّفَاقِ الْفَلَاسِفَةِ، حَتَّى فَلَاسِفَةُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَإِنَّهُم لَا يَرْتَابُونَ فِي أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُ عَقْلًا وَدِينًا.
стр. 3468
وَإِنَّمَا يَمْكُثُ أَحَدُهُم عَلَى دِينِهِ:
أ- إمَّا اتِّبَاعَّا لِهَوَاهُ وَرِعَايَةً لِمَصْلَحَةِ دُنْيَاهُ فِي زَعْمِهِ.
ب- وَإِمَّا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بأَيِّ مِلَّةٍ كَانَتْ، وَأَنَّ الْمِلَلَ شَبِيهَةٌ بِالْمَذَاهِبِ الْإِسْلَامِيَّةِ؛ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُنَجِّمِينَ وَأَمْثَالَهُم يَقُولُونَ بِهَذَا، وَيَجْعَلُونَ الْمِلَلَ بِمَنْزِلَةِ الدُّوَلِ الصَّالِحَةِ وَإِن كَانَ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِن بَعْضِ. [٣٥/ ١٨٧ - ١٨٨]
٥٤٤٥ - لَا يَنْفَقُ الْبَاطِلُ فِي الْوُجُودِ إلَّا بِشَوْبٍ مِن الْحَقِّ؛ كَمَا أَنَّ أَهْل الْكِتَابِ لبّسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ بِسَبَبِ الْحَقِّ الْيَسِيرِ الَّذِي مَعَهُمْ، يُضِلُّونَ خَلْقَا كَثِيرًا عَن الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، وَيَدْعُونَهُ إلَى الْبَاطِلِ الْكَثِيرِ الَّذِي هُم عَلَيْهِ.
وَكَثِيرًا مَا يُعَارِضُهُم مِن أَهْلِ الْإِسْلَامِ مَن لَا يُحْسِنُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَا يُقِيمُ الْحُجَّةَ الَّتِي تدحضُ بَاطِلَهُمْ، وَلَا يُبَيِّنُ حُجَّةَ اللهِ الَّتِي أَقَامَهَا بِرُسُلِهِ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فِتْنَةٌ (١) . [٣٥/ ١٩٠]
* * * الحواشي
(١) كما هو الواقع في كثير من المناظرات بين أهل الإسلام والمبتدعة من الرافضة ونحوهم، واليهود والنصارى وغيرهم من الملل، حيث يُناظرهم رجل ليس متمكنًا من العلم، آداب وفنون الحوار والإقناع.стр. 3469
التنبيه على الأخطاء والأوهام في "مجموع الفتاوى" و"المستدرك" مع تصحيحها)
أولًا: تصحيح أخطاء وأوهام "مجموع الفتاوى "
هذا تصويب وتصحيح ما وقفت عليه مِمَّا جاء في الفتاوى، علمًا أني تركت تصويب الأخطاء في الطبعة القديمة المتوفرة إذا صُوّبت في النسخةِ التي طبعها مجمع الملك فهد، وهي كثيرة؛ بل هناك سقط في أكثر من موضع، يصل إلى قرابة ثلاثين صفحة، فبما أنها صُحِّحت فلا داعي للتنبيه عليها.
١ - وَهَذَا كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّ سُجُودَ الْكارِهِ: ذُلُّهُ (١) وَانْقِيَاده لِمَا يُرِيدُهُ اللهُ مِنْهُ مِن عَافِيَةٍ وَمَرَضٍ وَغِنًى وَفَقْرٍ. [١/ ٤٧]
٢ - قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ [آل عمران: ١٤٦] يقتضي كثرة ذلك، وهذا لا يعرف أن أنبياء كثيرون (٢) قتلوا في الجهاد. [١/ ٥٩]
٣ - قَد قِيلَ فِي: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] هُنَا: إنَّهُم الْعُلَمَاءُ، [وهؤلاء جعلوا لفظ "الرِّبِّي"؛ كلفظ "الربَّاني"] (٣) ، وَعَن ابْنِ زيدٍ: هُم الْأَتْبَاعُ؛ كَأَنَّهُ جَعَلَهُم المربوبين. [١/ ٦١] الحواشي
(١) في الأصل وجميع المصادر التي وقفت عليها بالعطف: (وَذُلَّهُ)، وهذا يقتضي أنه وما بعده معطوف على أسم إنّ، والخبر لم يُذكر! ولعل المثبت هو الصواب، ويكون قوله: "ذُلُّه" وما بعده الخبر.(٢) في جامع المسائل (٣/ ٦٠): (كثيرين)، وهو الصواب.(٣) ما بين المعقوفتين من جامع المسائل (٣/ ٦٢)، وفي الأصل: (فَلَمَّا جَعَلَ هَؤُلَاءِ هَذَا كَلَفْظِ الرَّبَّانِيِّ)، ويظهر أنَّ المثبت هو الصواب.стр. 3470
٤ - وَمَن غَابَ عَن هَذَا الْمَشْهَدِ وَعَن الْمَشْهَدِ الْأَوَّلِ وَرَأَى قِيَامَ اللهِ عَلَى جَمِيعِ الْأشْيَاءِ وَهُوَ الْقِيَامُ عَلَى كُل نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَتَصَرُّفَهُ فِيهَا وَحُكْمَهُ عَلَيْهَا فَرَأَى الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا مِنْهُ صَادِرَةً عَن نَفَاذِ حُكْمِهِ وَإِرَادَتِهِ الْقَادِرَةِ فَغَابَ بِمَا لَاحَظَ عَن التَّمْيِيزِ وَالْفَرْقِ وَعَطَّلَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالنُّبُوَّاتِ وَمَرَقَ (١) مِن الْإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِن الرَّمِيَّةِ. [١/ ٩٠]
٥ - وَكَذَلِكَ الاسْتعانة (٢) أَيْضًا فِيهَا مَا لَا يَصْلُحُ إلَّا للهِ، وَهِيَ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) ﴾ [الفاتحة: ٥]، فَإِنَّهُ لَا يُعِينُ عَلَى الْعِبَادَةِ الْإِعَانَةَ الْمُطْلَقَةَ إلا اللهُ. [١/ ١١٣]
٦ - فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيك، فَيَقُولُ إبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ أَنْتَ وَعَدْتنِي أَنْ لَا تُخْزِيَنِي (٣) يَوْمَ يُبْعَثُونَ. [١/ ١٤٦]
٧ - مَا أَظُنُّ عُقَلَاؤُهُمْ (٤) كَانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا وَصَفُوا الْوِلَادَةَ الْعَقْلِيَّةَ الرُّوحَانِيَّةَ. [٢/ ٤٤٣]
٨ - وَإِذَا كَانَت أَلْفَاظُ الْوَعِيدِ الْمُتَنَاولَةُ لَهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا الْمُتَأَوِّلُ، والتائب (٥) ، وَذُو الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ. [٣/ ١٧٩]
٩ - وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُعَدَّلَ الْأنْصَابُ بمَا (٦) يُمْكِنُ: إمَّا مِن كَيْلٍ أَو وَزْنٍ إنْ أَمْكَنَ. [٣٥/ ٤١٩] الحواشي
(١) لعل الصواب: (مَرَقَ)، بدون عطف.(٢) في الأصل: (الِاسْتِغَاثَةُ)، والتصويب من كتاب الرد على البكري (١/ ٤٢٢).(٣) في الأصل: (تُخْزِنِي)، والتصويب من صحيح البخاري، وقد ذكر الشيخ هذا الحديث في موضع آخر (٢٧/ ٢٦٢) وأثبت لفظة البخاري.(٤) هكذا في جميع النسخ التي وقفتُ عليها، ولعل الصواب بالنصب: عُقَلَاءَهُمْ؛ لأنها مفعول ظن.(٥) في الأصل: (والقانت)، والتصويب من العقود الدرية (ص ٢٤٧).(٦) في الأصل: (ما)، والتصويب من منسق الكتاب للموسوعة الشاملة أسامة بن الزهراء.следующие страницы →