← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

٩١٣ - غَلِطَ مَن فَضَّلَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ؛ حَيْثُ نَظَرَ إلَى أَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُم فِي أَثْنَاءِ الْأَحْوَالِ، قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إلَى مَا وُعِدُوا بِهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ مِن نِهَايَاتِ الْكَمَالِ. [١١/ ٩٥] * * * (أَسْجَدَ الله لآدَمَ جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ) ٩١٤ - سُئِلَ الشَّيْخُ ﵀: عَن آدَمَ لَمَّا خَلَقَهُ اللهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكتَهُ: هَل سَجَدَ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ فَأَجَابَ: بَل أَسْجَدَ لَهُ جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ [الحجر: ٣٠] (١). فَهَذِهِ ثَلَاثُ صِيَغٍ مُقَرِّرَةٍ لِلْعُمُومِ وَللِاسْتِغْرَاقِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ: ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ يَقْتَضِي جَمِيعَ الْمَلَائِكَةِ؛ فَإِنَّ اسْمَ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ يَقْتَضِي الْعُمُومَ. الثَّاني: ﴿كُلُّهُمْ﴾ وَهَذَا مِن أَبْلَغِ الْعُمُومِ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ وَهَذَا تَوْكِيدٌ لِلْعُمُومِ. وَلَمْ يَكُن فِي الْمَأْمُورينَ بِالسُّجُودِ أَحَدٌ مِن الشَّيَاطِينِ، لَكِنْ أَبُوهُم إبْلِيسُ هو كانَ مَأْمُورًا فَامْتَنَعَ وَعَصَى. وَجَعَلَهُ بَعْضُ النَّاسِ مِن الْمَلَائِكَةِ؛ لِدُخُولِهِ فِي الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ. وَبَعْضُهُم مِن الْجِنِّ.

стр. 842

وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّهُ كَانَ مِنْهُم بِاعْتِبَارِ صُورَتهِ، وَلَيْسَ مِنْهُم بِاعْتِبَارِ أَصْلِهِ، وَلَا بِاعْتِبَارِ مِثَالِهِ. وَلَمْ يَخْرُجْ مِن السُّجُودِ لِآدَمَ أَحَدٌ مِن الْمَلَائِكَةِ: لَا جبرائيل وَلَا ميكائيل وَلَا غَيْرُهُمَا. وَهَذَا مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ آدَمَ وَغَيْرَهُ مِن الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْليَاءِ أَفْضَلُ مِن جَمِيعِ الْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ أَمَرَ الْمَلَائِكةَ بِالسُّجُودِ لَهُ إكْرَامًا لَهُ؛ وَلهَذَا قَالَ إبْلِيسُ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ آدَمَ كُرِّمَ عَلَى مَن سَجَدَ لَهُ. [٤/ ٣٤٥ - ٣٤٧] * * * اتباع الهدى ٩١٥ - الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم أَعْلَم بِطَرِيقِ سَبِيلِ اللهِ وَأَهْدَى وَأَنْصَحُ، فَمَن خَرَجَ عَن سُنَّتِهِمْ وَسَبِيلِهِمْ كَانَ مَنْقُوصًا مُخْطِئًا مَحْرُومًا، وَإِن لَمْ يَكُن عَاصِيًا أَو فَاسِقًا أَو كَافِرًا (١). [١٠/ ٦٩٢] ٩١٦ - جِمَاعُ الْفُرْقَانِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، وَالرَّشَادِ وَالْغَيِّ، وَطَرِيقِ السَّعَادَةِ وَالنّجَاةِ وَطَرِيقِ الشَّقَاوَةِ وَالْهَلَاكِ: أَنْ يَجْعَلَ مَا بَعَثَ اللهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ هُوَ الْحَقَّ الَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْفُرْقَانُ وَالْهُدَى، وَالْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ، فَيُصَدِّقُ بِأنَّهُ حَق وَصِدْقٌ. وَمَا سِوَاهُ مِن كَلَامِ سَائِرِ النَّاسِ يُعْرَضُ عَلَيْهِ، فَإِنْ وَافَقَهُ فَهُوَ حَق، وَإِن خَالَفَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَإِن لَمْ يَعْلَمْ هَل وَافَقَهُ أَو خَالَفَهُ، لِكَوْنِ ذَلِكَ الْكَلَامِ مُجْمَلًا لَا يُعْرَفُ

стр. 843

مُرَادُ صَاحِبِهِ، أَو قَد عُرِفَ مُرَادُهُ وَلَكِنْ لَمْ يُعْرَفْ هَل جَاءَ الرَّسُولُ بِتَصْدِيقِهِ أَو تكذِيبِهِ: فَإِنَّه يُمْسِكُ فَلَا يَتَكَلَّمُ إلَّا بِعِلْم. وَالْعِلْمُ مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَالنَّافِعُ مِنْهُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ. وَقَد يَكون عِلْمٌ مِن غَيْرِ الرَّسُولِ؛ لَكِنْ فِي أُمُورٍ "دُنْيَوِيَّةٍ" مِثْل الطِّبِّ وَالْحِسَابِ وَالْفِلَاحَةِ وَالتِّجَارَةِ. وَأَمَّا الْأُمُورُ "الْإِلَهِيَّة وَالْمَعَارِفُ الدِّينِيَّةُ" فَهَذِهِ الْعِلْمُ فِيهَا مَأْخَذُهُ عَن الرَّسُولِ (١). [١٣/ ١٣٥ - ١٣٦] ٩١٧ - النُّورُ الَّذِي يَكُونُ لِلْمُومِنِ فِي الدُّنْيَا عَلَى حُسْنِ عَمَلِهِ وَاعْتِقَاده يَظْهَرُ فِي الآخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢]. [١٥/ ٢٨٥] ٩١٨ - لَمْ يَكُن جُمْهُورُهُمْ [أي: الصحابة ﵃] يَقْصِدُونَ الصَّلَاةَ فِي مَكَانٍ لَمْ يَقْصِدِ الرَّسُولُ الصَّلَاةَ فِيهِ؛ بَل نَزَلَ فِيهِ أَو صَلَّى فِيهِ اتِّفَاقًا؛ بَل كَانَ أَئِمَّتُهُم كَعُمَر بْنِ الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ يَنْهَى عَن قَصْدِ الصَّلَاةِ فِي مَكَانٍ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ اتِّفَاقًا لَا قَصْدًا. وَإِنَّمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ خَاصَّةً أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّى أَنْ يَسِيرَ حَيْثُ سَارَ رسُولُ اللهِ ﷺ وينْزِلَ حَيْثُ نَزَلَ وَيُصَلِّيَ حَيْثُ صَلَّى، وَإِن كَانَ النَّبِيِّ- ﷺ لَمْ يَقْصِدْ تِلْكَ الْبُقْعَةَ لِذَلِكَ الْفِعْلِ بَل حَصَلَ اتّفَاقًا، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ رَجُلًا شَدِيدَ الِاتبُاعِ، فَرَأَى هَذَا مِن الِاتِّباعِ. وَأَمَّا أَبُوهُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ مِن الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَسَائِرِ

стр. 844

الْعَشْرَةِ وَغَيْرِهِمْ مِثْل ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وأُبيِّ بْنِ كَعْبٍ فَلَمْ يَكونُوا يَفْعَلُونَ مَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَصَحّ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ: "أَنْ يَفْعَلَ مِثْل مَا فَعَلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَ لِأَجْلِ أنَّه فَعَلَ" (١)، فَإِذَا قَصَدَ الصَّلَاةَ وَالْعِبَادَةَ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ كَانَ قَصْدُ الصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مُتَابَعَةً لَهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَقْصِدْ تِلْكَ الْبُقْعَةَ فَإِنَّ قَصْدَهَا يَكُونُ مُخَالَفَةً لَا مُتَابَعَةً لَهُ. مِثَالُ الْأوَّلِ: لَمَّا قَصَدَ الْوُقُوفَ وَالذّكْرَ وَالدُّعَاءَ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَبَيْنَ الْجَمْرَتَيْنِ كَانَ قَصْدُ تِلْكَ الْبِقَاعِ مُتَابَعَةً لَهُ. وَكَذَلِكَ قَصْدُ إتْيَانِ مَسْجِدِ قُبَاء مُتَابَعَةً لَهُ، فَإِنَّهُ قَد ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي قُبَاء كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا. وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وَكَانَ مَسْجِدُهُ هُوَ الْأَحَقَّ بِهَذَا الْوَصْفِ وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ سُئلَ عَن الْمَسْجِدِ الْمُؤَسَّسِ عَلَى التَّقْوَى فَقَالَ: "هُوَ مَسْجِدِي هَذَا". يُرِيدُ أَنَّهُ أَكْمَلُ فِي هَذَا الْوَصْفِ مِن مَسْجِدِ قُبَاء، وَمَسْجِدُ قُبَاء أَيْضًا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَبِسَبَبِهِ نَزَلَتِ الْآيَةُ؛ وَلهَذَا قَالَ: ﴿فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]، وَكَانَ أَهْلُ قُبَاء مَعَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، تَعَلَّمُوا ذَلِكَ مِن جِيرَانِهِم الْيَهُودِ، وَلَمْ تَكُنِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَأَرَادَ النَّبِيِّ- ﷺ أَنْ لَا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَاكَ هُوَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى دُونَ مَسْجِدِهِ، فَذَكَرَ أَنَّ مَسْجِدَهُ أَحَقُّ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُؤَسَّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَوْلُه: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ يَتَنَاوَلُ مَسْجِدَهُ وَمَسْجِدَ قُبَاء ويتَنَاوَلُ كُلَّ مَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى بِخِلَافِ مَسَاجِدِ الضِّرَارِ.

стр. 845

وَلهَذَا لَمْ يَسْتَحِبَّ عُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا قَصْدُ شَيْءٍ مِن الْمَسَاجِدِ وَالْمَزَارَاتِ الَّتِي بِالْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا بَعْدَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ إلَّا مَسْجِدَ قُبَاء؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْصِدْ مَسْجِدًا بِعَيْنِهِ يَذْهَبُ إلَيْهِ إلَّا هُوَ. وَكَذَلِكَ أَكْلُهُ مَا كَانَ يَجِذ مِن الطَّعَامِ وَلُبْسُهُ الَّذِي يُوجَدُ بِمَدِينَتِهِ طَيْبَةَ مَخْلُوقًا فِيهَا وَمَجْلُوبًا إلَيْهَا مِنَ الْيَمَنِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسَّرَهُ اللهُ لَهُ، فَأَكْلُهُ التَّمْرُ، وَخُبْزُهُ الشَّعِيرُ، وَفَاكِهَتُهُ الرُّطَبُ وَالْبِطِّيخُ الْأَخْضَرُ وَالْقِثَّاءُ، وَلُبْسُ ثِيَابِ الْيَمَنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ كَانَ أَيْسَرَ فِي بَلَدِهِ مِن الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ، لَا لِخُصُوصِ ذَلِكَ، فَمَن كَانَ بِبَلَدٍ آخَرَ وَقُوتُهُم الْبُرُّ وَالذُّرَةُ وَفَاكِهَتُهُم الْعِنَبُ وَالرُّمَّانُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَثِيَابُهُم مِمَّا يُنْسَجُ بِغَيْرِ الْيَمَنِ الْقَزُّ: لَمْ يَكُن إذَا قَصَدَ أَنْ يَتَكَلَّفَ مِن الْقُوتِ وَالْفَاكِهَةِ وَاللِّبَاسِ مَا لَيْسَ فِي بَلَدِهِ -بَل يَتَعَسَّرُ عَلَيْهِم- مُتَبِعًا لِلرَّسُولِ ﷺ وَإِن كَانَ ذَلِكَ الَّذِي يَتَكَلَّفُهُ تَمْرًا أَو رُطَبًا أَو خُبْزًا شَعِيرًا. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمُتَابَعَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ -من اعْتِبَارِ الْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ، " فَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى" (١). فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرُهُم هُوَ الصَّحِيحُ، وَمَعَ هَذَا فَابْنُ عُمَرَ ﵄ لَمْ يَكُن يَقْصِدُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَّا فِي مَكانٍ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ ، لَمْ يَكُن يَقْصِدُ الصَّلَاةَ فِي مَوْضِعِ نُزُولهِ وَمُقَامِهِ، وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَذْهَبُ إلَى الْغَارِ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ لِلزِّيَارَةِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ. [١٧/ ٤٦٦ - ٤٧٥] ٩١٩ - وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ حُكْمُ اللهِ وَرَسُولِهِ فِي أَمْرٍ أَلَّا يَعْدِلَ عَنْهُ، وَلَا يَتَّبِعَ أَحَدًا فِي مُخَالَفَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنّ اللهَ فَرَضَ طَاعَةَ رَسُولِهِ ﷺ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ حَالٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥]. [٢٠/ ٢٢٣]

стр. 846

٩٢٠ - رُوِيَ عَن الشَّافِعِيِّ ﵁؛ أَنَّهُ قَالَ: لَو فَكَرَ النَّاسُ كُلُّهُم فِي سُورَةِ (وَالْعَصْرِ) لَكَفَتْهُمْ. وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ خَاسِرونَ، إلَّا مَن كَانَ فِي نَفْسِهِ مُؤمِنًا صَالِحًا، وَمَعَ غَيْرِهِ مُوصِيًا بِالْحَقِّ مُوصِيًا بِالصَّبْرِ. [٢٨/ ١٥٢] ٩٢١ - إِذَا افْتَقَرَ الْعَبْدُ إلَى اللهِ، وَدَعَاهُ، وَأَدْمَنَ النَّظَرَ فِي كَلَامِ اللهِ وَكَلَامِ رَسُولِهِ، وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأْئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ: انْفَتَحَ لَهُ طَرِيقُ الْهُدَى. [٥/ ١١٨] ٩٢٢ - لَيْسَ تَصْدِيقُ مَن عَرَفَ الْقرْآنَ وَمَعَانِيَهُ، وَالْحَدِيثَ وَمَعَانِيَهُ، وَصَدَّقَ بِذَلِكَ مفَصَّلًا: كَمَن صَدَّقَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَكْثَرُ مَا جَاءَ بِهِ لَا يَعْرِفُهُ أَو لَا يَفْهَمُهُ. [٦/ ٤٨٠] ٩٢٣ - الْخَيْرُ كُلُّ الْخَيْرِ فِي: أ- اتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ. ب- وَالِاسْتِكْثَارِ مِن مَعْرِفَةِ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . ج- وَالتَّفَقُّهِ فِيهِ. د- وَالِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللهِ. هـ- وَمُلَازَمَةِ مَا يَدْعُو إلَى الْجَمَاعَةِ وَالْأُلْفَةِ. و- وَمُجَانَبَةِ مَا يَدْعُو إلَى الْخِلَافِ وَالْفُرْقَةِ. إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بَيِّنًا قَد أَمَرَ اللهُ وَرَسُولُهُ فِيهِ بِأَمْرٍ مِن الْمُجَانَبَةِ: فَعَلَى الرَّأسِ وَالْعَيْنِ. [٦/ ٥٠٥] ٩٢٤ - عَلَيْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِكُلِّ مَا جَاءَ مِن عِنْدِ اللهِ، وَنُقِرَّ بِالْحَقّ كُلِّهِ، وَلَا يَكُون لنَا هَوًى، وَلَا نتَكَلَّمَ بِغَيْرِ عِلْمٍ. بَل نَسْلُكُ سُبُلَ الْعِلْمِ وَالْعَدْلِ، وَذَلِكَ هُوَ اتِّبَاعُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَأَمَّا مَن تَمَسَّكَ بِبَعْضِ الْحَقِّ دُونَ بَعْضٍ فَهَذَا مَنْشَأُ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ. [٤/ ٤٥٠]

стр. 847

٩٢٥ - يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يُرَاعِيَ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ الَّتِي فِيهَا الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، لَا سِيَّمَا فِي مِثْل صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. وأَصَحُّ النَّاسِ طَرِيقَة فِي ذَلِكَ هُم عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ الَّذِينَ عَرَفُوا السُّنَّةَ وَاتَّبَعُوهَا؛ إذ مِن أَئِمَّةِ الْفِقْهِ مَن اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ، وَمِنْهُم مَن كَانَ عُمْدَتُهُ الْعَمَلَ الَّذِي وَجَدَهُ بِبَلَدِهِ وَجَعَلَ ذَلِكَ السُّنَّةَ دُونَ مَا خَالَفَهُ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قد وَسَّعَ فِي ذَلِكَ وَكُل سُنَّةٌ. [٢٢/ ٦٧] ٩٢٦ - لَو كَانَ شَيءٌ خَيْرًا مَحْضًا لَمْ يُوجِبْ فُرْقَةً، وَلَو كَانَ شَرًّا مَحْضًا لَمْ يَخْفَ أَمْرُهُ، لَكِنْ لِاجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ أَوْجَبَ الْفِتْنَةَ (١). [٢٢/ ١٣٠] ٩٢٧ - الْأَحْوَالُ الَّتِي تَحْصُلُ عَن أَعْمَالٍ فِيهَا مُخَالَفَةُ السُّنَّةِ أَحْوَالٌ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ وَإِن كَانَ فِيهَا مُكَاشَفَاتٌ وَفِيهَا تَأْثيرَاتٌ. وَإِذَا أَصَرَّ عَلَى تَرْكِ مَا أُمِرَ بِهِ مِن السُّنَّةِ وَفِعْلِ مَا نُهِيَ عَنْهُ: فَقَد يُعَاقَبُ بِسَلْبِ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ، حَتَّى قَد يَصِيرُ فَاسِقًا أَو دَاعِيًا إلَى بِدْعَةٍ. وَإِن أَصَرَّ عَلَى الْكَبَائِرِ: فَقَد يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُسْلَبَ الْإِيمَانَ؛ فَإِنَّ الْبِدَعَ لَا

стр. 848

تَزَالُ تُخْرِجُ الْإِنْسَانَ مِن صَغِيرٍ إلَى كَبِيرٍ حَتَّى تُخْرِجَهُ إلَى الْإِلْحَادِ وَالزَّنْدَقَةِ، كَمَا وَقَعَ هَذَا لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِمَن كَانَ لَهُم أَحْوَالٌ مِن الْمُكَاشَفَاتِ وَالتَّأْثِيرَاتِ، وَقَد عَرَفْنَا مِن هَذَا مَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهِ. فَالسُّنَّةُ مِثَالُ سَفِينَةِ نُوع: مَن رَكِبَهَا نَجَا وَمَن تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ. [٢٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧] ٩٢٨ - كُلُّ مَن كَانَ لَهُ (١) أَطْوَعَ وَأَتْبَعَ كَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. [٢٦/ ١٥٦] ٩٢٩ - إِن ظَنَّ أَنَّ غَيْرَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْمَلُ مِن هَدْيِهِ أَو أَنَّ مِن الْأَوْليَاءِ مَن يَسَعُهُ الْخرُوجُ عَن شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمَا وَسِعَ الْخَضِرَ الْخُرُوجُ عَن شَرِيعَةِ مُوسَى ﵇ فَهَذَا كَافِرٌ يَجِبُ قَتْلُهُ بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ؛ لِأَنَّ مُوسَى ﵇ لَمْ تَكُنْ دَعْوَتُهُ عَامَّةً وَلَمْ يَكُن يَجِبُ عَلَى الْخَضِرِ اتِّبَاعُ مُوسَى ﵇. [٢٧/ ٥٨ - ٥٩] ٩٣٠ - الْحَقُّ يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ الَّذِي بَعَثَ اللهُ بِهِ الرُّسُلَ لَا يَشْتَبِهُ بِغَيْرِهِ عَلَى الْعَارِفِ، كَمَا لَا يَشْتَبِهُ الذَّهَبُ الْخَالِصُ بِالْمَغْشُوشِ عَلَى النَّاقِدِ. [٢٧/ ٣١٦] ٩٣١ - فَلْيَتَدَبَّر الْعَاقِلُ وَلْيَعْلَمْ أنَّه مَن خَرَجَ عَن الْقَانُونِ النَّبَوِيِّ الشَّرْعِيِّ الْمُحَمَّدِيِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا: احْتَاجَ إلَى أَنْ يَضَعَ قَانُونًا آخَرَ مُتَنَاقِضًا يَرُدُّهُ الْعَقْلُ وَالدِّينُ. [٢٩/ ٣٢٩] ٩٣٢ - الناس إذا أُرسل إليهم الرسل بين أمرين: إمّا أن يقول أحدهم: آمنّا، وإما أن لا يقول: آمنّا؛ بل يستمر على عمل السيئات. فمن قال: "آمنّا" امتحنه الرب وابتلاه، وألبسه الابتلاء والاختبار ليبين الصادق من الكاذب.

стр. 849

ومن لم يقل: "آمنّا" فلا يحسب أنه يسبق الرب لتجربته، فإنَّ أحدًا لن يُعجز الله تعالى. هذه سُنَّته تعالى، يُرسل الرسل إلى الخلق، فيكذبهم الناس ويؤذونهم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]. ومن آمن بالرسل وأطاعهم عادوه وأدوه فابتلي بما يؤلمه، وإن لم يؤمن بهم عوقب فحصل ما يؤلمه أعظم وأدوم، فلا بد من حصول الألم لكل نفس سواء آمنت أو كفرت، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والكافر تحصل له النعمة ابتداء، ثم يصير في الألم. سأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله أيهما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى؛ فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلما صبروا مكَّنهم. فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم ألبتة، وهذا أصل عظيم، فينبغي للعاقل أن يعرفه، وهذا يحصل لكل أحد؛ فإن الإنسان مدني بالطبع لا بد له أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات يطلبون منه أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه. وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب: تارة منهم، وتارة من غيرهم. وذلك أن النفس لا تزكو وتصلح حتى تمحص بالبلاء؛ كالذهب الذي لا يخلص جيده من رديئه حتى يفتتن في كير الامتحان؛ إذ كانت النفس جاهلة ظالمة وهي منشأ كل شر يحصل للعبد، فلا يحصل له شر إلا منها، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩]. [المستدرك ١/ ١٩٣ - ١٩٥] * * *

стр. 850

التقوى وخشية الله ٩٣٣ - التَّقْوَى: أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِطَاعَةِ اللهِ (١)، عَلَى نُورٍ مِن اللهِ (٢)، يَرْجُو رَحْمَةَ اللهِ (٣)، وَأَنْ يَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللهِ، عَلَى نُورٍ مِن اللهِ، يَخَافُ عَذَابَ اللهِ. [١٠/ ٤٣٣] ٩٣٤ - تَنَازَعَ النَّاسُ أَيُّمَا أَفْضَلُ: الْفَقِيرُ الصَّابِرُ أَو الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ؟ وَالصَّحِيحُ: أَنَّ أَفْضَلَهُمَا أَتْقَاهُمَا؛ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي التَّقْوَى اسْتَوَيَا فِي الدَّرَجَةِ. [١١/ ٢١] ٩٣٥ - هُم [أي: الناس] فِي التَّقْوَى -وَهِيَ طَاعَةُ الْأَمْرِ الدِّينِيِّ-، وَالصَّبْرِ عَلَى مَا يُقَدَّرُ عَلَيْهِ مِن الْقَدَرِ الْكَوْنِيِّ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَهْلُ التَّقْوَى وَالصَّبْرِ وَهُم الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِن أَهْلِ السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَالثاني: الَّذِينَ لَهم نَوْعٌ مِن التَّقْوَى بِلَا صَبْرٍ مِثْلُ الَّذِينَ يَمْتَثِلُونَ مَا عَلَيْهِم مِن الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَيتْرُكُونَ الْمُحَرَّمَاتِ: لَكِنْ إذَا أُصِيبَ أَحَدُهُم فِي بَدَنِهِ بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ أَو فِي مَالِهِ أَو فِي عِرْضِهِ أَو اُبْتُلِيَ بِعَدُوٍّ يُخِيفُهُ عَظُمَ جَزَعُهُ وَظَهَرَ هَلَعُهُ. وَالثَّالِثُ: قَوْمٌ لَهُم نَوْعٌ مِن الصَّبْرِ بِلَا تَقْوَى مِثْلُ الْفُجَّارِ الَّذِينَ يَصْبِرُونَ عَلَى مَا يُصِيبُهُم فِي مِثْل أَهْوَائِهِمْ كَاللُّصُوصِ وَالْقُطَّاعِ الَّذِينَ يَصْبِرُونَ عَلَى الْآلَامِ فِي مِثْل مَا يَطْلُبُونَهُ مِن الْغَصْبِ وَأَخْذِ الْحَرَامِ؛ وَالْكُتَّابِ وَأَهْلِ الدِّيوَانِ الَّذِينَ يَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ فِي طَلَبِ مَا يَحْصُلُ لَهُم مِن الأمْوَالِ بِالْخِيَانَةِ وَغَيْرِهَا.

стр. 851

وَكَذَلِكَ طُلَّابُ الرِّئَاسَةِ وَالْعُلُوِّ عَلَى غَيْرِهِمْ يَصْبِرُونَ مِن ذَلِكَ عَلَى أَنْوَاعٍ مِن الْأذَى الَّتِي لَا يَصْبِرُ عَلَيْهَا أَكْثَرُ النَّاسِ. وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْمَحَبَّةِ لِلصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ مِن أَهْلِ الْعِشْقِ وَغَيْرِهِمْ يَصْبِرُونَ فِي مِثْل مَا يَهْوُونَهُ مِن الْمُحَرَّمَاتِ عَلَى أَنْوَاعٍ مِن الْأَذَى وَالْآلَامِ. وَأمَّا الْقِسْمُ الرَّابعُ فَهُوَ شَرُّ الْأَقْسَامِ: لَا يَتَّقُونَ إذَا قَدَرُوا وَلَا يَصْبِرُونَ إذَا اُبْتُلُوا؛ بَل هُم كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١]، فَهَؤُلَاءِ تَجِدُهُم مِن أَظْلَمِ النَّاسِ وأجبرهم إذَا قَدَرُوا وَمِن أَذَلِّ النَّاسِ وَأَجْزَعِهِمْ إذَا قُهِرُوا، إنْ قَهَرْتهمْ ذَلُّوا لَك وَنَافَقُوك وَحَابَوْك وَاسْتَرْحَمُوك وَدَخَلُوا فِيمَا يَدْفَعُونَ بِهِ عَن أَنْفُسِهِمْ مِن أَنْوَاعِ الْكَذِب وَالذُّلّ وَتَعْظِيمِ الْمَسْؤُولِ، وَإِن قَهَرُوك كَانُوا مِن أَظْلَمِ النَّاسِ وَأَقْسَاهُم قَلْبًا وَأقَلِّهِمْ رَحْمَةً وَإِحْسَانًا وَعَفْوًا. وَقَد ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى "الصَّبْرَ وَالتَّقْوَى" جَمِيعًا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتَابِهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ يَنْضرُ الْعَبْدَ عَلَى عَدُوّهِ مِن الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ الْمُعَانِدِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَعَلَى مَن ظَلَمَهُ مِن الْمُسْلِمِينَ وَلصَاحِبِهِ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)﴾ [آل عمران: ١٢٥]. [١١/ ٢٥ - ٣١] * * * الدعاء ٩٣٦ - السُّنَّةُ فِي الدُّعَاءِ كُلّهِ: الْمُخَافَتَةُ إلا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ سَبَبٌ يُشْرَع لَهُ الْجَهْرُ. بَلِ السُّنَّةُ فِي الذِّكْرِ كُلّهِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. وَكَذَلِكَ لَو اقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ خَارجَ الصَّلَاةِ؛ مِثْل أَنْ يُذْكَرَ

стр. 852

فَيُصَلِّي عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَحِبَّ أَحَدٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ رَفْعَ الصَّوْتِ بِذَلِكَ. فَقَائِلُ ذَلِكَ مُخْطِئٌ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالصَّلَاةِ أَو الرّضَى الَّذِي يَفْعَلُهُ بَعْضُ الْمُؤَذِّنِينَ قُدَّامَ بَعْضِ الْخُطَبَاءِ فِي الْجَمْعِ فَهَذَا مَكْرُوهٌ أَو مُحَرَّمٌ بِاتّفَاقِ الْأُمَّةِ. [٢٢/ ٤٦٨ - ٤٧٠] ٩٣٧ - تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَل لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ مُفْرَدًا؟ إِذَا لَمْ يَكُن عَلَى وَجْهِ الْغُلُوّ وَجُعِلَ ذَلِكَ شِعَارًا لِغَيْرِ الرَّسولِ فَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَمْنَعُ مِنْهُ، وَقَد قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب؛ ٤٣]. [٢٢/ ٤٧٣] ٩٣٨ - وَسُئِلَ: عَمَّن قَالَ: لَا يَجُوزُ الدّعَاءُ إلَّا بِالتّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ اسْمًا، وَلَا يَقُولُ: يَا حَنَّان يَا مَنَّانُ، وَلَا يَقُولُ: يَا دَلِيلَ الْحَائِرِينَ، فَهَل لَهُ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: هَذَا الْقَوْلُ وَإِن كَانَ قَد قَالَهُ طَائِفَة مِنَ الْمُتَأَخرِينَ كَأبِي مُحَمَّدِ ابْنِ حَزْمٍ (١) وَغَيْرِهِ؛ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ مَضَى سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتهَا وَهُوَ الصَّوَابُ لِوُجُوهِ: أَحَدُهَا: أَنَّ التِّسْعَةَ وَالتّسْعِينَ اسْمًا لَمْ يَرِدْ فِي تَعْيِينِهَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَشْهَرُ مَا عِنْدَ النَّاسِ فِيهَا حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ الَّذِي رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَن شُعَيْبٍ عَن أَبِي حَمْزَةَ، وَحُفَّاظُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَقُولُونَ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ مِمَّا جَمَعَهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَن شُيُوخِهِ مِن أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَفيهَا حَدِيثٌ ثَانٍ أَضْعَفُ مِن هَذَا، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه. الْوَجْهُ الثاني: أَنَّهُ إذَا قِيلَ تَعْيِينُهَا عَلَى مَا فِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ مَثَلًا فَفِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَسْمَاءٌ لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ مِثْل اسْمِ "الرَّبِّ " .. وَكَذَلِكَ اسْمُ "الْمَنَّانِ".

стр. 853

وَقَد قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد ﵁ لِرَجُل وَدَّعَهُ قُلْ: يَا دَلِيلَ الْحَائِرِينَ دُلَّنِي عَلَى طَرِيقِ الصَّادِقِينَ وَاجْعَلْنِي مِن عِبَادِك الصَّالِحِينَ. وَقَد أَنْكَرَ طَائِفَة مِن أَهْلِ الْكَلَامِ؛ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَبِي الْوَفَاءِ ابْنِ عَقِيلٍ أَنْ يَكُونَ مِن أَسْمَائِهِ الدَّلِيلُ؛ لِأَنَّهُم ظَنُّوا أَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ الدَّلَالَةُ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِهَا، وَالصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ فِي الْأَصْلِ هُوَ الْمُعَرِّفُ لِلْمَدْلُولِ، وَلَو كَانَ الدَّلِيلُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ؛ فَالْعَبْدُ يَسْتَدل بِهِ أَيْضًا، فَهُوَ دَلِيل مِنَ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. [٢٢/ ٤٨١ - ٤٨٤] ٩٣٩ - مَن دَعَا اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ بِدُعَاء جَائِزٍ سَمِعَهُ اللهُ وَأَجَابَ دُعَاءَهُ، سَوَاءٌ كَانَ مُعْرَبًا أَو مَلْحُونًا (١). بَل يَنْبَغِي لِلدَّاعِي إذَا لَمْ يَكُن عَادَتُهُ الْإِعْرَابَ أَنْ لَا يَتَكَلَّفَ الْإِعْرَابَ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إذَا جَاءَ الْإِعْرَابُ ذَهَبَ الْخُشُوعُ. وَهَذَا كَمَا يُكْرَهُ تَكَلُّفُ السَّجْعِ فِي الدُّعَاءِ فَإِذَا وَقَعَ بِغَيْرِ تَكَلُّيفٍ فَلَا بَأْسَ به. فَإِنَّ أَصْلَ الدُّعَاءِ مِنَ الْقَلْبِ، وَاللِّسَان تَابعٌ لِلْقَلْبِ. وَمَن جَعَلَ هِمَّتَهُ فِي الدُّعَاءِ تَقْوِيمَ لِسَانِهِ أَضْعَفَ تَوَجُّهَ قَلْبِهِ، وَلهَذَا يَدْعُو الْمُضْطَرُّ بِقَلْبِهِ دُعَاءً يُفْتَحُ عَلَيْهِ لَا يَحْضُرُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهَذَا أَمْرٌ يَجِدُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ فِي قَلْبِهِ. وَالدُّعَاءُ يَجُوزُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَبِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ قَصْدَ الدَّاعِي وَمُرَادَهُ وَإِن لَمْ يُقَوّمْ لِسَانَهُ، فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ضَجِيجَ الْأَصْوَاتِ، بِاخْتِلَافِ اللُّغَاتِ، عَلَى تَنَوُّعِ الْحَاجَاتِ. [٢٢/ ٤٨٨ - ٤٨٩] ٩٤٠ - رَفْعُ النَّبِيِّ ﷺ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ: جَاءَ فِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ.

стр. 854

وَأَمَّا مَسْحُهُ وَجْهَة بِيَدَيْهِ فَلَيْسَ عَنْهُ فِيهِ إلَّا حَدِيثٌ أَو حَدِيثَانِ لَا يَقُومُ بِهِمَا حُجَّةٌ. [٢٢/ ٥١٩] ٩٤١ - من سأل غيره الدعاء لنفع ذلك الغير أو نفعهما أثيب، وإن قصد نفع نفسه فقط نُهي عنه؛ كسؤال المال، وإن كان لا يأثم. وقال شَيْخُنَا أَيْضًا في "الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ": لَا بَأْسَ بِطَلَبِ الدُّعَاءِ بَعْضُهُم من بَعْضٍ، لَكِنَّ أَهْلَ الْفَضْلِ يَنْوُونَ بِذَلِكَ أَنَّ (١) الذي يَطْلُبُونَ منه الدُّعَاءَ إذَا دَعَا لهم كان له من الْأَجْرِ على دُعَائِهِ لهم أَعْظَمُ من أَجْرِهِ لو دَعَا لِنَفْسِهِ وَحْدَهَا. ٩٤٢ - إنَّ مَطْلُوبَ الْعَبْدِ إنْ كَانَ مِنَ الْأمُورُ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إلَّا اللهُ تَعَالَى؛ مِثْلُ أَنْ يَطْلُبَ شِفَاءَ مَرِيضِهِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِم، أَو وَفَاءَ دَيْنِهِ مِن غَيْرِ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أو عَافِيَةَ أَهْلِهِ وَمَا بهِ مِن بَلَاءِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَانْتِصَارَهُ عَلَى عَدُوِّهِ … وَأَمْثَالَ ذَلِكَ: فَهَذ الأمُورُ كُلُّهَا لَا يَجُوزُ أَنْ تُطْلَبَ إلَّا مِن اللهِ تَعَالَى. وَمَن سَألَ ذَلِكَ مَخْلُوقًا كَائِنًا مَن كَانَ فَهُوَ مُشْرِكٌ بِرَبِّهِ. وَأَمَّا مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ: فَيَجُوزُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ دُونَ بَعْضٍ، فَإِنَّ "مَسْألَةَ الْمَخْلُوقِ" قَد تَكُونُ جَائِزَةً وَقَد تَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهَا. ويُشْرَعُ لِلْمُسْلِم أَنْ يَطْلُبَ الدُّعَاءَ مِمَن هُوَ فَوْقَهُ وَمِمَن هُوَ دُونَهُ، فَقَد رُوِيَ طَلَبُ الدُّعَاءِ مِنَ الْأُعْلَى وَالْأَدْنَى؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عُمَرَ ﵁ إلَى الْعُمْرَةِ "لَا تَنْسَنَا مِن دُعَائِك يَا أَخَي" (٢).

стр. 855

وَثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (١) أَنَّهُ ﷺ ذَكَرَ أُويسًا القرني وَقَالَ لِعُمَر ﵁: "إن اسْتَطَعْت أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَك فَافْعَلْ" (٢). [٢٧/ ٦٧ - ٧٠] ٩٤٣ - مِمَّا يُبَيِّنُ فَضْلَ الثَّنَاءِ عَلَى الدُّعَاءِ: أَنَّ الثَّنَاءَ الْمَشْرُوعَ يَسْتَلْزِمُ الْإِيمَانَ بِاللهِ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَقَد لَا يَسْتَلْزِمُهُ، إذ الْكُفَّارُ يَسْألُونَ اللهَ فَيُعْطِيهِمْ؛ كَمَا أَخْبَرَ اللهُ بِذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَإِنَّ سُؤَالَ الرِّزْقِ وَالْعَافِيَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِن الْأَدْعِيَةِ الْمَشْرُوعَةِ: هُوَ مِمَّا يَدْعُو بِهِ الْمُؤمِنُ وَالْكَافِرُ بِخِلَافِ الثَّنَاءِ. وَالْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى فَضْلِ جِنْسِ الثَّنَاءِ عَلَى جِنْسِ الدُّعَاءِ كَثِيرَةٌ، مِثْل أَمْرِهِ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ سَمَاعِ الْمُؤَذِّنِ مِثْل مَا يَقُولُ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ يَسْأَلُ لَهُ الْوَسِيلَةَ، ثُمَّ يَسْأَلُ الْعَبْدُ بَعْدَ. ذَلِكَ، فَقَدَّمَ الثَّنَاءَ عَلَى الدُّعَاءِ. وَهَكَذَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ، فَإِنَّهُ قَدَّمَ فِيهِ الثَّنَاءَ عَلَى اللهِ، ثمَّ الدُّعَاءَ لِرَسُولِهِ، ثُمَّ لِلْإِنْسَانِ. [٢٢/ ٣٨٢ - ٣٨٤] ٩٤٤ - إِذَا دَعَا اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَد يَحْصُلُ لَهُ بِالدُّعَاءِ مِن مَعْرِفَةِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالْعُبُودِيَّةِ لَهُ وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ مَا هُوَ أَفْضَلُ وَأَنْفَعُ مِن مَطْلُوبِهِ ذَلِكَ؛ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إنَّهُ لَيَكُونُ لِي إلَى اللهِ حَاجَةٌ فَأَدْعُوهُ فَيَفْتَحُ لِي مِن بَابِ

стр. 856

مَعْرِفَتِهِ مَا أُحِبُّ مَعَهُ أَنْ لَا يُعَجَّلَ لِي قَضَاءَهَا؛ لِئَلَّا يَنْصَرِفَ قَلْبِي عَن الدُّعَاءِ. [٢٢/ ٣٨٥] ٩٤٥ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر: ٨]؛ أَيْ: نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو اللهَ إلَيْهِ، وَهُوَ الْحَاجَةُ الَّتِي طَلَبَهَا، فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَانَ إلَيْهَا؛ أَيْ: تَوَجُّهُهُ إلَيْهَا، فَهِيَ الْغَايَةُ الَّتِي كَانَ يَقْصِدُهَا. وإذَا كَانَت "مَا" مَصْدَرَّيةً: كَانَ تَقْدِيرُهُ: نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو اللهَ إلَى حَاجَتِهِ. لَكِنْ عَلَى هَذَا يَبْقَى الضَّمِيرُ فِي "إلَيْهِ" عَائِدًا عَلَى غَيْرِ مَذْكُورٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا جُعِلَتْ بِمَعْنَى الَّذِي، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: نَسِيَ حَاجَتَهُ الَّذِي دَعَانِي إلَيْهَا مِن قَبْلُ، فَنَسِيَ دُعَاءَهُ اللهَ الَّذِي كَانَ سَبَبَ الْحَاجَةِ، وَ"إِلَى" حَرْفِ الْغَايَةِ. فَالسَّائِلُ مَقْصُودُهُ سُؤَالهُ وَإِن حَصَلَ لَهُ مَا هُوَ مَحْئوبُ الرَّبِّ مِن إنَابَتِهِ إلَيْهِ وَمَحَبَّتِهِ وَتَوْبَتِهِ: فَهَذَا بِالْعَرَضِ وَقَد يَدُومُ. وَالْأغْلَبُ أَنَّهُ لَا يَدُومُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَحْبُوبُ لِلرَّبِّ هُوَ سُؤَالَهُ؛ مِثْل أَنْ يَسْأَلَ اللهَ التَّوْبَةَ وَالْإِعَانَةَ عَلَى ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ، فَهُنَا مَطْلُوبُه مَحْبُوبٌ لِلرَّبِّ؛ وَلهَذَا ذَمَّ اللهُ مَن لَمْ يَطْلُبْ إلَّا الدُّنْيَا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠]. [٢٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧] * * * (الدعاء بالبقاء) ٩٤٦ - يكره الدعاء بالبقاء لكل أحد؛ لأنه شيء قد فُرغ منه، ونص عليه، وليس لأحدٍ اطلاع على اللوح سوى الله. [المستدرك ١/ ١٣٧] * * *

стр. 857

(التعميم في الدعاء) ٩٤٧ - فضل عموم الدعاء على خصوصه كفضل السماء على الأرض (١). [المستدرك ١/ ١٥٩] * * * ذكر الله تعالى ٩٤٨ - إن صِفَاتِ الْكَمَالِ إنَّمَا هِيَ فِي الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ، وَالصِّفَاتِ السَلْبِيَّةِ إنَّمَا تَكُونُ كَمَالًا إذَا تَضَمَّنَتْ أُمُورًا وُجُودِيَّةً؛ وَلهَذَا كَانَ تَسْبِيحُ الرَّبِّ يَتَضَمَّنُ تَنْزِيهَهُ وَتَعْظِيمَهُ جَمِيعًا، فَقَوْلُ الْعَبْدِ: "سُبْحَانَ اللهِ" يَتَضَمَّنُ تَنْزِيهَ اللهِ وَبَرَاءَتَهُ مِنَ السُّوءِ، وَهَذَا الْمَعْنَى يَتضَمَّنُ عَظَمَتَهُ فِي نَفْسِهِ، لَيْسَ هُوَ عَدَمًا مَحْضًا لَا يَتَضَمَّنُ وُجُودًا، فَإِنَّ هَذَا لَا مَدْحٌ فِيهِ وَلَا تَعْظِيمٌ (٢). [١٧/ ١٤٣ - ١٤٤]

стр. 858

٩٤٩ - التَّكْبِيرُ مَشْرُوعٌ فِي الْأَمَاكِنِ الْعَالِيَةِ، وَحَالَ ارْتفَاعِ الْعَبْدِ، وَحَيْثُ يُقْصَدُ الْإِعْلَانُ؛ كَالتَّكْبِيرِ فِي الْأَذَانِ وَالتَّكْبِيرِ فِي الْأعْيَادِ وَالتَّكْبِيرِ إذَا عَلَا شَرَفًا وَالتَّكْبِيرِ إذَا رَقِيَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ وَالتَّكْبِيرِ إذَا رَكِبَ الدَّابَّةَ. وَالتَّسْبِيحِ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُنْخَفِضَةِ وَحَيْثُ مَا نَزَلَ الْعَبْدُ؛ كمَا فِي السُّنَنِ عَن جَابِرٍ قَالَ: "كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إذَا عَلَوْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا فَوُضِعَتْ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ" (١). وَالْحَمْدُ مِفْتَاحُ كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ (٢). مِن مُنَاجَاةِ الرَّبِّ، وَمُخَاطبَةِ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. فَإِنَّ اللهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ ﵇ أَوَّلُ مَا أَنْطَقَهُ بالحمد، فَإِنَّهُ عَطَسَ وَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ اللهُ: يَرْحَمُك رَبُّك، وَكَانَ أَوَّلُ مَا نَطَقَ بِهِ الْحَمْد، وَأَوَّلُ مَا سَمِعَ مِنَ اللهِ الرَّحْمَةَ. وَبِهِ افْتَتَحَ اللهُ أُمَّ الْقُرْآن. [٢٢/ ٣٩٧ - ٣٩٨] ٩٥٠ - الِاجْتِمَاعُ لِذِكْرِ اللهِ وَاسْتِمَاعِ كِتَابِهِ وَالدُّعَاءِ: عَمَل صَالِحٌ، وَهُوَ مِن أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ وَالْعِبَادَاتِ فِي الْأَوْقَاتِ. لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا أَحْيَانًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَالْأَمْكِنَةِ، فَلَا يُجْعَلُ سُنَّةً رَاتِبَةً يُحَافَظُ عَلَيْهَا، إلَّا مَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهِ فِي الْجَمَاعَاتِ مِن الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْجَمَاعَاتِ، وَمِن الْجُمُعَاتِ وَالْأَعْيَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

стр. 859

وَأَمَّا مُحَافَظَةُ الْإِنْسَانِ عَلَى أَوْرَادٍ لَهُ مِن الصَّلَاةِ أَو الْقِرَاءَةِ أَو الذِّكْرِ أَو الدُّعَاءِ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِن اللَّيْلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ: فَهَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِ اللهِ قَدِيمًا وَحَدِيثا. فَمَا سُنَّ عَمَلُهُ عَلَى وَجْهِ الِاجْتِمَاعِ كَالْمَكْتُوبَاتِ: فُعِلَ كَذَلِكَ. وَمَا سُنَّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الِانْفِرَادِ مِن الْأَوْرَادِ: عُمِلَ كَذَلِكَ، كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ ﵁ يَجْتَمِعُونَ أَحْيَانًا: يَأْمُرُونَ أَحَدَهُم يَقْرَأُ وَالْبَاقُونَ يَسْتَمِعُونَ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: يَا أَبَا مُوسَى ذَكِّرْنَا رَبَّنَا؛ فَيَقْرَأُ وَهُم يَسْتَمِعُونَ. وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ مَن يَقُولُ: اجْلِسُوا بِنَا نُؤْمِنُ سَاعَة. وَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بِأَصْحَابِهِ التَّطَوُّعَ فِي جَمَاعَةٍ مَرَّاتٍ. وَخَرَجَ عَلَى الصَّحَابَةِ مِن أَهْلِ الصُّفَّةِ وَفيهِمْ قَارِئٌ يَقْرأ فَجَلَسَ مَعَهُم يَسْتَمِعُ. [٢٢/ ٥٢٠ - ٥٢١] ٩٥١ - قول الشخص: "اللَّهُمَّ صلِّ على محمَّد في الأولين" ليس هو مأثورًا. والمراد بالأولين من قبل محمد ﷺ وبالآخرين أمته، قاله الجمهور. وقيل: الأولين والآخرين أمته، والأول أصح. [المستدرك ١/ ٢١٧] * * * الحمد والشكر على النعم ٩٥٢ - الْحَمْدُ نَوْعَانِ: أ- حَمْدٌ عَلَى إحْسَانِهِ إلَى عِبَادِهِ، وَهُوَ مِن الشُّكْرِ. ب- وَحَمْدٌ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ هُوَ بِنَفْسِهِ مِن نُعُوتِ كَمَالِهِ، وَهَذَا الْحَمْدُ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى مَا هُوَ فِي نَفْسِهِ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مَن هُوَ مُتَّصِفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ. [٦/ ٨٤]

стр. 860

٩٥٣ - إِذَا كَانَ الْحَمْدُ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نِعْمَةٍ، فَقَد ثَبَتَ: أَنَّهُ رَأسُ الشُّكْرِ. فَهُوَ أَوَّلُ الشُّكْرِ، وَالْحَمْدُ -وَإِن كَانَ عَلَى نِعْمَتِهِ وَعَلَى حِكْمَتِهِ- فَالشُّكْرُ بِالْأَعْمَالِ هُوَ عَلَى نِعْمَتِهِ. وَهُوَ عِبَادَةٌ لَهُ لِإِلَهِيَّتِهِ الَّتِي تتضَمَّنُ حِكْمَتَهُ. فَقَد صَارَ مَجْمُوعُ الْأُمُورِ دَاخِلًا فِي الشُّكْرِ. وَلهَذَا عَظَّمَ الْقُرْآنُ أَمْرَ الشُّكْرِ، وَلَمْ يُعَظِّمْ أَمْرَ الْحَمْدِ مُجَرَّدًا، إذ كَانَ نَوْعًا مِن الشُّكْرِ، وَشَرَعَ الْحَمْدَ -الَّذِي هُوَ الشُّكرُ الْمَقُولُ- أَمَامَ كُلّ خِطَابٍ مَعَ التَّوْحِيدِ. وَفِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِن الرُّكُوعِ يَقُولُ: "رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ. مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْت مِن شَيْءٍ بَعْدُ أَهْلَ الثَّناءِ وَالْمَجْدِ، أَحَق مَا قَالَ الْعَبْدُ". فَفِيهِ بَيَانُ: أَنَّ الْحَمْدَ للهِ أَحَقُّ مَا قَالَهُ الْعِبَادُ، وَلهَذَا أَوْجَبَ قَوْلَه فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَأَنْ تُفْتَتَحَ بِهِ الْفَاتِحَةُ. [١٤/ ٣١٠ - ٣١٢] ٩٥٤ - مَن أَكَلَ مِنَ الطَّيّبَاتِ وَلَمْ يَشْكُرْ وَلَمْ يَعْمَلْ صَالِحًا: كَانَ مُعَاقَبًا عَلَى مَا تَرَكَهُ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ الطَّيِّبَاتُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا أَحَلَّهَا لِمَن يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى طَاعَتِهِ، لَا لِمَن يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَعْصِيَتِهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ [المائدة: ٩٣]. [٢٢/ ١٣٥] * * * الابتلاء والصبر ٩٥٥ - ما يبتلي اللهُ به عبدَه من السَّراء بخرق العادة أو بغيرها، أو بالضرَّاء فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه؛ بل قد يسعد بها قومٌ إذا أطاعوه في ذلك، وقد يشقى بها قوم إذا عصوه في ذلك. [١٠/ ٣٠]

стр. 861

٩٥٦ - الرضى والتوكل يكتنفان المقدور؛ فالتوكل قبل وقوعه، والرضى بعد وقوعه. وأما ما يكون قبل القضاء فهو عزم على الرضى لا حقيقة الرضا؛ ولهذا كان طائفة من المشايخ يعزمون على الرضى قبل وقوع البلاء، فإذا وقع انفسخت عزائمهم. ولهذا كره للمرء أنْ يتعرض للبلاء، بأن يوجب على نفسه ما لا يوجبه الشارع عليه بالعهد والنذر ونحو ذلك، أو يطلب ولاية، أو يقدم على بلد فيه طاعون. [١٠/ ٣٧ - ٣٨] ٩٥٧ - الْمُؤمِنُ إنْ قَدَرَ عَدَلَ وَأَحْسَنَ، وَإِن قُهِرَ وَغلِبَ صَبَرَ وَاحْتَسَبَ. وَسُئِلَ بَعْضُ الْعَرَبِ عَن شَيءٍ مِن أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "رَأَيْته يَغْلِبُ فَلَا يَبْطَرُ". [٢/ ٣٢٧] ٩٥٨ - ولهذا كان الصبر واجبًا باتفاق المسلمين على أداء الواجبات، وترك المحظورات. ويدخل في ذلك الصبر على المصائب عن أن يجزع فيها، والصبر عن اتباع أهواء النفوس فيما نهى الله عنه. وقد ذكر الله الصبر في كتابه في أكثر من تسعين موضعًا. [١٠/ ٣٩] ٩٥٩ - الحمد على الضراء يوجبه مشهدان: أحدهما: علم العبد بأن الله سبحانه مستوجب لذلك، مستحق له لنفسه. والثاني: علمه بأن اختيار الله لعبده المؤمن، خير من اختياره لنفسه. ولهذا أجيب من أورد هذا على ما يقضي على المؤمن من المعاصي بجوابين: أحدهما: أن هذا إنما يتناول ما أصاب العبد لا ما فعله العبد. والجواب الثاني: أن هذا في حق المؤمن الصبار الشكور، والذنوب

стр. 862

تنقص الإيمان، فإذا تاب العبد أحبه الله، وقد ترتفع درجته بالتوبة، قال بعض السلف: كان داود بعد التوبة خيرًا منه قبل الخطيئة، فمن قضى له بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير: إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار، وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة، وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون نصب عينه ويعجب بها، ويعمل السيئة فتكون نصب عينه فيستغفر الله ويتوب إليه منها. [١٠/ ٤٣ - ٤٥] ٩٦٠ - وأما الحزن (١) فلم يأمر الله به ولا رسوله؛ بل قد نهى عنه في مواضع وإن تعلق بأمر الدين؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩]، وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ [النحل: ١٢٧] وأمثال ذلك كثير؛ وذلك لأنه لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرة فلا فائدة فيه، وما لا فائدة فيه لا يأمر الله به، نعم! لا يأثم صاحبه إذا لم يقترن بحزنه محرم، كما يحزن على المصائب، كما قال النبي ﷺ : "تَدْمَعُ الْعَيْنُ، وَيحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَا رَبَّنَا" (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾ [يوسف: ٨٤]. وقد يقترن بالحزن ما يثاب صاحبه عليه ويحمد عليه، فيكون محمودًا من تلك الجهة لا من جهة الحزن؛ كالحزين على مصيبة في دينه، وعلى مصائب المسلمين عمومًا، فهذا يثاب على ما في قلبه من حب الخير، وبغض الشر، وتوابع ذلك، ولكن الحزن على ذلك إذا أفضى إلى ترك مأمور من الصبر والجهاد وجلب منفعة ودفع مضرة نُهي عنه، وإلا كان حَسْبُ صاحبِه رفعَ الإثم عنه من جهة الحزن، وأما إن أفضى إلى ضعف القلب واشتغاله به عن فعل ما

стр. 863

أمر الله ورسوله به، كان مذمومًا عليه من تلك الجهة، وإن كان محمودًا من جهة أخرى. [١٠/ ١٦ - ١٧] ٩٦١ - مِن تَمَامِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤمِنِينَ أَنْ يُنْزِلَ بِهِم الشّدَّةَ وَالضُّرَّ مَا (١) يُلْجِئهُم إلَى تَوْحِيدِهِ فَيَدْعُونَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَيرْجُونَهُ لَا يَرْجُونَ أَحَدًا سِوَاهُ، وَتَتَعَلَّقُ قُلُوبُهُم بِهِ لَا بِغَيْرِهِ، فَيَحْصُلُ لَهُم مِن التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ، وَحَلَاوَةِ الْإِيمَانِ وَذَوْقِ طَعْمِهِ، وَالْبَرَاءَةِ مِن الشِّرْكِ مَا هُوَ أَعْظَمُ نِعْمَةً عَلَيْهِم مِن زَوَالِ الْمَرَضِ وَالْخَوْفِ، أَو الْجَدْبِ أَو حُصُولِ الْيُسْرِ وَزَوَالِ الْعُسْرِ فِي الْمَعِيشَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَذَّاتٌ بَدَنِيَّةٌ وَنِعَمٌ دُنْيَوِيَّةٌ، قَد يَحْصُلُ لِلْكَافِرِ مِنْهَا أَعْظَمُ مِمَّا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ. وَأَمَّا مَا يَحْصُلُ لِأهْلِ التَّوْحِيدِ الْمُخْلِصِينَ للهِ الدِّينَ فَأَعْظَمُ مِن أَنْ يُعَبِّرَ عَن كُنْهِهِ مَقَالٌ، أَو يَسْتَحْضِرَ تَفْصِيلَهُ بَالٌ، وَلكُلِّ مُؤْمِنٍ مِن ذَلِكَ نَصِيبٌ بِقَدْرِ إيمَانِهِ، وَلهَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: إنَّهُ لَيَكُونُ لِي إلَى اللهِ حَاجَةٌ، فَأَدْعُوهُ فَيَفْتَحُ لِي مِن لَذِيذِ مَعْرِفَتِهِ وَحَلَاوَةِ مُنَاجَاتِهِ مَا لَا أُحِبُّ مَعَهُ أنْ يُعَجِّلَ قَضَاءَ حَاجَتِي خَشْيَةَ أَنْ تَنْصَرِفَ نَفْسِي عَن ذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ لَا تُرِيدُ إلَّا حَظَّهَا فَإِذَا قُضِيَ انْصَرَفَتْ. [١٠/ ٣٣٣ - ٣٣٤] ٩٦٢ - الْمَصَائِبُ الَّتِي تُصِيبُ الْعِبَادَ يُؤْمَرُونَ فِيهَا بِالصَّبْرِ؛ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي يَنْفعُهُمْ. وَأَمَّا لَوْمُهُم لِمَن كَانَ سَبَبًا فِيهَا فَلَا فَائِدَةَ لَهُم فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَا فَاتَهُم مِن الْأُمُورِ الَّتِي تَنْفَعُهُم يُؤْمَرُونَ فِي ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلَى الْقَدَرِ، وَأمَّا التَّأَسُّفُ وَالْحُزْنُ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، فَمَا جَرَى بِهِ الْقَدَرُ مِن فَوْتِ مَنْفَعَةٍ لَهُم أَو حُصُولِ مَضَرَّةٍ لَهُم فَلْيَنْظُرُوا فِي ذَلِكَ إلَى الْقَدَرِ، وَأَمَّا مَا كَانَ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ فَلْيَجْتَهِدُوا فِي

стр. 864

التَّوْبَةِ مِن الْمَعَاصِي وَالْإِصْلَاحِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ يَنْفَعُهُم وَهُوَ مَقْدُورٌ لَهُم بِمَعُونَةِ اللهِ لَهُمْ. [١٠/ ٥٠٥] ٩٦٣ - قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الْأَمْرُ أَمْرَانِ: أَمْرٌ فِيهِ حِيلَةٌ، وَأَمْرٌ لَا حِيلَةَ فِيهِ. فَمَا فِيهِ حِيلَةٌ لَا يَعْجِزُ عَنْهُ، وَمَا لَا حِيلَةَ فِيهِ لَا يَجْزَعُ مِنْهُ. [١٠/ ٥٠٧] وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَذْكُرُهُ أَئِمَّةُ الدِّينِ. ٩٦٤ - قَالَ تَعَالَى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا (١) وَتَتَّقُوا (٢) فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران: ١٨٦]، فَأَخْبَرَهُم أَن أَعْدَاءَهُم مِن الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْذُوهُم بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُم إنْ يَصْبِرُوا وَيتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الْأُمُورِ. فَالصَّبْرُ وَالتَّقْوَى يَدْفَعُ شَرَّ الْعَدُوِّ الْمُظْهِرِ لِلْعَدَاوَةِ الْمُؤْذِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَالْمُؤْذِينَ بِأَيْدِيهِمْ، وَشَرُّ الْعَدُوِّ الْمُبْطِنُ لِلْعَدَاوة، وَهُم الْمُنَافِقُونَ. وَهَذَا الَّذِي كَانَ خُلُقُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهَدْيُهُ هُوَ أَكْمَلُ الْأُمُورِ. [١٠/ ٥٠٨] ٩٦٥ - في الحديث الصَّحِيحِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخدري عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفّهُ اللهُ، وَمَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِن الصَّبْرِ" (٣). فَالْمُسْتَغْنِي لَا يَسْتَشْرِفُ بِقَلْبِهِ، والْمُسْتَعِفُّ هُوَ الَّذِي لَا يَسْألُ النَّاسَ

стр. 865

بِلِسَانِهِ، والْمُتَصَبِّرُ هُوَ الَّذِي (لَا) (١) يَتَكَلَّفُ الصَّبْرَ، فَأَخْبَرَ أَنهُ مَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَهَذَا كَأَنَّهُ فِي سِيَاقِ الصَّبْرِ عَلَى الْفَاقَةِ، بِأَنْ يَصْبِرَ عَلَى مَرَارَةِ الْحَاجَةِ، لَا يَجْزَعُ مِمَّا اُبْتُلِيَ بِهِ مِن الْفَقْرِ، وَهُوَ الصَّبْرُ فِي الْبَأسَاءِ وَالضَّرَّاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، و"الضَّرَّاءُ" الْمَرَضُ، وَهُوَ الصَّبْرُ عَلَى مَا اُبْتلِيَ بِهِ مِنْ حَاجةٍ وَمَرَضٍ وَخَوْفٍ. وَالصَّبْرُ عَلَى مَا اُبْتُلِيَ بِهِ بِاخْتِيَارِهِ كَالْجِهَادِ؛ فَإِنَّ الصَّبْرَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِن الصَّبْرِ عَلَى الْمَرَضِ الَّذِي يُبْتَلَى بِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ؛ وَلذَلِكَ إذَا اُبْتُلِيَ بِالْعَنَتِ فِي الْجِهَادِ فَالصَّبْرُ عَلَى ذَلِكَ أَفْضَلُ مِن الصَّبْرِ عَلَيْهِ فِي بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا الصَّبْرَ مِنْ تَمَامِ الْجِهَادِ. وَكَذَلِكَ لَو اُبْتُلِيَ فِي الْجِهَادِ بِفَاقَة أَو مَرَضٍ حَصَلَ بِسَبَبِهِ كَانَ الصَّبْرُ عَلَيْهِ أَفْضَلَ، وَكَذَلِكَ مَا يُؤذَى الْإِنْسَانُ بِهِ فِي فِعْلِهِ لِلطَّاعَاتِ -كَالصَّلَاةِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ، وَطَلَبِ الْعِلْمِ- مِن الْمَصَائِبِ، فَصَبْرُهُ عَلَيْهَا أَفْضَلُ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى مَا اُبْتُلِيَ بِهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا دَعَتْهُ نَفْسُهُ إلَى مُحَرَّمَاتٍ: مِنْ رِئَاسَةٍ، وَأَخْذِ مَالي، وَفِعْلِ فَاحِشَةٍ، كَانَ صَبْرُه عَنْهُ أَفْضَلَ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ أَعْمَالَ الْبِرّ كُلَّمَا عَظُمَتْ كَانَ الصَّبْرُ عَلَيْهَا أَعْظَمَ مِمَّا دُونَهَا. فَإِنَّ فِي الْعِلْمِ وَالْإِمَارَةِ وَالْجِهَادِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن الْمُنْكَرِ وَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالزكَاةِ مِن الْفِتَنِ النَّفْسِيَّةِ وَغَيْرِهَا مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهَا، وَيعْرِضُ فِي ذَلِكَ مَيْلُ النَّفْسِ إلَى الرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ وَالصُّوَرِ، فَإِذَا كَانَت النَّفْسُ غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِ كَمَا تَطْمَعُ مَعَ الْقُدْرَةِ؛ فَإِنَّهَا مَعَ الْقُدْرَةِ تَطْلُبُ تِلْكَ الْأُمُورَ الْمُحَرَّمَةَ، بِخِلَافِ حَالِهَا بِدُونِ الْقُدْرَةِ.

стр. 866

فإِنَّ الصَّبْرَ مَعَ الْقُدْرَةِ جِهَادٌ؛ بَل هُوَ مِن أَفْضَلِ الْجِهَادِ، وَأَكْمَلُ مِن ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا): أَنَ الصَّبْرَ عَن الْمُحَرَّمَاتِ أَفْضَلُ مِن الصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ. (الثانِي): أَنَّ تَرْكَ الْمُحَرَّمَاتِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَطَلَبَ النَّفْسِ لَهَا أَفْضَلُ مِن تَرْكِهَا بِدُونِ ذَلِكَ. (الثالِثُ): أَنَ طَلَبَ النَّفْسِ لَهَا إذَا كَانَ بِسَبَبِ أَمْرٍ دِينِيِّ -كَمَنَ خَرَجَ لِصَلَاةٍ أَو طَلَبِ عِلْم أَو جِهَادٍ- فَابْتُلِيَ بِمَا يَمِيلُ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ فَإِنَّ صَبْرَهُ عَن ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ فِعْلَ الْمَأْمُورِ وَتَرْكَ الْمَحْظُورِ، بِخِلَافِ مَا إذَا مَالَتْ نَفْسُهُ إلَى ذَلِكَ بِدُونِ عَمَلٍ صَالِحٍ. [١٠/ ٥٧٥ - ٥٧٧] ٩٦٦ - إذَا ابْتَلَى اللهُ الْعَبْدَ وَقَدَّرَ عَلَيْهِ أَعَانَهُ، وإذَا تَعَرَّضَ الْعَبْدُ بِنَفْسِهِ إلَى الْبَلَاءِ وَكَلَهُ اللهُ إلَى نَفْسِهِ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: "لَا تَسْأَل الإِمَارَةَ، فَإِنَّك إنْ أُعْطِيتهَا عَن مَسْأَلةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإِن أُعْطِيتهَا عَن غَيْرِ مَسْأَلةٍ أُعِنْت عَلَيْهَا" (١). فَمَن فَعَلَ مَا أمَرَهُ اللهُ بِهِ فَعَرَضَتْ لَهُ فِتْنَةٌ مِن غَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَإِنَّ اللهَ يُعِينُهُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ مَن تَعَرَّضَ لَهَا. لَكِنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، فَإِنَّ الرَّجُلَ قَد يَسْأَل الْإِمَارَةَ فَيُوكَلُ إلَيْهَا ثُمَّ يَنْدَمُ فَيَتُوبُ مِن سُؤَالِهِ فَيَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِ وَيُعِينُهُ، إمَّا عَلَى إقَامَةِ الْوَاجِبِ وَإِمَّا عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْفِتَنِ. [١٠/ ٥٧٧ - ٥٧٨] ٩٦٧ - إِنَّ اللهَ أَمَرَ نَبِيَّهُ بِالْهَجْرِ الْجَمِيلِ، وَالصَّفْحِ الْجَمِيلِ، وَالصَّبْرِ الْجَمِيلِ.

стр. 867

فَالْهَجْرُ الْجَمِيلُ: هَجْرٌ بِلَا أَذى، وَالصَّفْح الْجَمِيلُ: صَفْحٌ بِلَا عِتَابٍ، وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ صَبْرٌ بِلَا شَكْوَى. [١٠/ ٦٦٦] ٩٦٨ - قُرِنَ بَيْنَ "الرَّحْمَةِ وَالصَّبْرِ" فِي مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧] … إذ مِن النَّاسِ مَن يَصْبِرُ وَلَا يَرْحَمُ كَأَهْلِ الْقُوَّةِ وَالْقَسْوَةِ. وَمِنْهُمْ: مَن يَرْحَمُ وَلَا يَصْبِرُ كَأَهْلِ الضَّعْفِ وَاللِّينِ: مِثْلُ كَثِيرٍ مِن النِّسَاءِ وَمَن يُشْبِهُهُنَّ. وَمِنْهُمْ: مَن لَا يَصْبِرُ وَلَا يَرْحَمُ كَأَهْلِ الْقَسْوَةِ وَالْهَلَعِ. وَالْمَحْمُودُ: هُوَ الَّذِي يَصْبِرُ وَيَرْحَمُ. [١١/ ٣٦] ٩٦٩ - مَن طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ بَعْدَ إيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ؛ فَإِنَّ اللهَ يُثِيبُهُ وَيأْجُرُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِن إيمَانِهِ وَتَقْوَاهُ، وَلَا يُحْبِطُهُ بِالْجُنُونِ الَّذِي اُبْتُلِيَ بِهِ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ فَعَلَهُ، وَالْقَلَمُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ. وَإِن كَانَ لَهُ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ فِيهِ كُفْرٌ أَو نِفَاقٌ أَو كَانَ كَافِرًا أَو مُنَافِقًا ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ فَهَذَا فِيهِ مِن الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ مَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ، وَجُنُونُهُ لَا يُحْبِط عَنْهُ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ حَالَ إفَاقَتِهِ مِن كُفْرٍ أَو نِفَاقٍ. [١١/ ١٩٣ - ١٩٤] ٩٧٠ - الْمُؤْمِنُ مَأمُورٌ عِنْدَ الْمَصَائِبِ أَنْ يَصْبِرَ ويُسَلِّمَ، وَعِنْدَ الذنُوبِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ وَيتُوبَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] فَأَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى الْمَصَائِبِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِن المعائب. [١١/ ٢٥٩] ٩٧١ - الصَّبْرُ: وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَأَعْلَى مِن ذَلِكَ الرضى بِحُكْمِ اللهِ. والرضى قَد قِيلَ: إنَّهُ وَاجِبٌ، وَقِيلَ: هُوَ مُسْتَحَبٌّ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَأَعْلَى مِن ذَلِكَ أَنْ يَشْكُرَ اللهَ عَلَى الْمُصِيبَةِ؛ لِمَا يَرَى مِن إنْعَامِ اللهِ عَلَيْهِ بِهَا، حَيْثُ جَعَلَهَا سَبَبًا لِتَكْفِيرِ خَطَايَاهُ وَرَفْعِ دَرَجَاتِهِ، وَإِنَابَتِهِ وَتَضَرُّعِهِ إلَيْهِ، وَإِخْلَاصِهِ لَهُ فِي التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَرَجَائِهِ دُونَ الْمَخْلُوقِينَ. [١١/ ٢٦٠]

стр. 868

٩٧٢ - الْمَصَائِبُ تُكَفِّرُ سَيئاتِ الْمُؤمِنِينَ، وَبِالصَّبْرِ عَلَيْهَا تَرْتَفِعُ دَرَجَاتُهُمْ. [١٤/ ٢٥٥] ٩٧٣ - الْمَلِك الظَّالِم: لَا بُدَّ أَنْ يَدْفَعَ اللهُ بِهِ مِن الشَّرِّ أَكْثَرَ مِن ظُلْمِهِ (١). وَقَد قِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً بِإِمَامٍ ظَالِمٍ: خَيْرٌ مِن لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِلَا إمَامٍ. وَإِذَا قُدِّرَ كَثْرَةُ ظُلْمِهِ: فَذَاكَ ضَرَرٌ فِي الدِّينِ؛ كَالْمَصَائِبِ تَكُونُ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِم وَيُثَابُونَ عَلَيْهَا، وَيَرْجِعُونَ فِيهَا إلَى اللهِ، ويستغفرونه وَيتُوبُونَ إلَيْهِ، وَكَذَلِك مَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِم مِن الْعَدُوِّ. وَلهَذَا أَمَرَ النَّبِي ﷺ بقِتَالِ مَن يُقَاتِلُ عَلَى الدِّينِ الْفَاسِدِ مِن أَهْلِ الْبِدَعِ؛ كَالْخَوَارجِ، وَأَمَرَ بِالصَّبْرِ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ، وَنَهَى عَن قِتَالِهِمْ وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ، وَلهَذَا قَد يُمَكِّنُ اللهُ كَثِيرًا مِن الْمُلُوكِ الظَّالِمِينَ مُدَّةً. [١٤/ ٢٦٨ - ٢٦٩] ٩٧٤ - اللهُ تَعَالَى يَبْتَلِي عَبْدَهُ الْمُومِنَ بِمَا يَتُوبُ مِنْهُ؛ لِيَحْصُلَ لَهُ بِذَلِكَ مِن تَكْمِيلِ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّضَرُّعِ وَالْخُشُوعِ للهِ، وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ وَكَمَالِ الْحَذَرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ بِدُونِ التَّوْبَةِ، كَمَن ذَاقَ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ وَالْمَرَضَ وَالْفَقْرَ وَالْخَوْفَ، ثُمَّ ذَاقَ الشِّبَعَ وَالرَّيَّ وَالْعَافِيَةَ وَالْغِنَى وَالْأَمْنَ، فَإِنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مِن الْمَحَبَّةِ لِذَلِكَ وَحَلَاوَتهِ وَلَذَّتِهِ وَالرَّغْبَةِ فِيهِ وَشُكْرِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِ، وَالْحَذَرِ أَنْ يَقَعَ فِيمَا حَصَلَ أَوَّلًا مَا لَمْ يَحْصُلْ بِدُونِ ذَلِكَ. وينْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا بُدَّ مِنْهَا لِكلّ مُؤْمِنٍ، وَلَا يَكْمُلُ أَحَدٌ وَيحْصُلُ لَه كَمَالُ الْقُرْبِ مِن اللهِ وَيزُولُ عَنْه كُلُّ مَا يَكْرَهُ إلَّا بِهَا. [١٥/ ٥٥]

стр. 869

٩٧٥ - مَن احْتَمَلَ الْهَوَانَ وَالْأَذَى فِي طَاعَةِ اللهِ عَلَى الْكَرَامَةِ وَالْعِزِّ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ: كَانَت الْعَاقِبَةُ لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكَانَ مَا حَصَلَ لَهُ مِن الْأَذَى قَد انْقَلَبَ نَعِيمًا وَسُرُورًا، كَمَا أَنَّ مَا يَحْصُلُ لِأَرْبَابِ الذُّنُوبِ مِن التّنَعُّمِ بِالذُّنُوبِ يَنْقَلِبُ حُزنًا وَثبورًا. [١٥/ ١٣٢] ٩٧٦ - الصَّبْرُ ضَابِطُ الْأَخْلَاقِ الْمَأمُورِ بِهَا. [١٦/ ٦٥] ٩٧٧ - إِنَّهُ سُبْحَانَهُ إذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ بِبَابٍ مِنَ الْخَيْرِ (١) وَأَمَرَهُ بِالْإِنْفَاقِ فِيهِ فَبَخِلَ عَاقَبَهُ بِبَاب مِن الشَّرِّ، يَذْهَبُ فِيهِ أَضْعَافُ مَا بَخِلَ بِهِ، وَعُقُوبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ مُدَّخَرَةٌ. [١٦/ ٧٠] ٩٧٨ - الصَّبْرُ عَن الْفَاحِشَةِ مَعَ قُوَّةِ الدَّاعِي إلَيْهَا أَعْظَمُ مِن ذَلِكَ الصَّبْرِ [أي: الصبر على الْمَصَائِبِ]؛ بَل وَأَعْظَمُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَةِ. [١٧/ ٢٨] ٩٧٩ - كَمَا أَنَّ اللهَ نَهَى نَبِيَّهُ أَنْ يُصِيبَهُ حَزَنٌ أَو ضِيقٌ مِمَن لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَكَذَلِكَ فِي آخِرِهِ. فَالْمُومِنُ مَنْهِيٌّ أَنْ يَحْزَنَ عَلَيْهِم أَو يَكُونَ فِي ضَيْقٍ مِن مَكْرِهِمْ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إذَا رَأَى الْمُنْكَرَ أَو تَغَيُّرَ كَثِيرٍ مِن أَحْوَالِ الْإِسْلَامِ: جَزعَ وَكَلَّ وَنَاحَ كَمَا يَنُوحُ أَهْلُ الْمَصَائِبِ، وَهُوَ مَنْهِي عَن هَذَا؛ بَل هُوَ مَأمُورٌ بِالصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلِ وَالثَّبَاتِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَام، وَأنْ يُومِنَ بِاللهِ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ، وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَى، وَأنَّ مَا يُصِيبُهُ فَهُوَ بِذُنُوبِهِ فَلْيَصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللهِ حَق وَلْيَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِهِ وَلْيُسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّهِ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٢). [١٨/ ٢٩٥]

стр. 870

٩٨٠ - بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين (١). [المستدرك ١/ ١٤٥] ٩٨١ - إِنَّ سُكْنَى الْجِبَالِ وَالْغِيرَانِ وَالْبَوَادِي لَيْسَ مَشْرُوعًا لِلْمُسْلِمِينَ إلَّا عِنْدَ الْفِتْنَةِ فِي الْأَمْصَارِ الَّتِي تُحوج الرَّجُلَ إلَى تَرْكِ دِينِهِ: مِن فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَيُهَاجِرُ الْمُسْلِمُ حِينَئِذٍ مَن أَرْضٍ يَعْجِزُ عَن إقَامَةِ دِينِهِ إلَى أَرْضٍ يُمْكنُهُ فِيهَا إقَامَةُ دِينهِ؛ فَإِنَّ الْمُهَاجِرَ مَن هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ. [٢٧/ ٥٥] ٩٨٢ - دُعَاؤُهُ (٢) اللهَ وَاسْتِغَاثَتُهُ بِهِ وَاشْتِكاؤُهُ إلَيْهِ لَا يُنَافِي الصَّبْرَ الْمَأْمُورَ

стр. 871

بِهِ، وَإِنَّمَا يُنَافِيهِ فِي ذَلِكَ الِاشْتِكاءُ إلَى الْمَخْلُوقِ، وَلَقَد قَالَ يَعْقُوبُ ﵇: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيل﴾ [يوسف: ١٨]، وَقَالَ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه﴾ [يوسف: ٨٦]. [٢٤/ ٢٨٤] ٩٨٣ - فِي الصَّبْرِ: احْتِمَالُ الْأَذَى، وَكَظْمُ الْغَيْظِ، وَالْعَفْوُ عَن النَّاسِ، وَمُخَالَفَةُ الْهَوَى، وَتْرُك الْأَشَرِ وَالْبَطَرِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ [هود: ٩، ١٠]. [٢٨/ ٣٦٣] ٩٨٤ - إذا اعتبر العبدُ الدينَ كلَّه رآه يَرجِعُ بجملته إلى الصبر والشكر، وذلك لأن الصبر أربعة أقسام: صبر على الطاعة حتى يفعلَها، فإن العبد لا يكاد يفعل المأمورَ به إلّا بعد صبرٍ ومصابرةٍ، ومجاهدةٍ لعدوّه الظاهر والباطن. النوع الثاني: صبرٌ عن المنهي حتى لا يفعلَه، فإنّ النفسَ ودواعيها وتزيين الشيطان وقُرَناء السوء تأمرُه بالمعصية. النوع الثالث: الصبر على ما يُصِيبُه بغير اختيارِه من المصائب، وهي نوعان: نوع لا اختيارَ للخلقِ فيه؛ كالأمراضِ وغيرِها من المصائب السماوية، فهذه يسهل الصبر فيها؛ لأن العبْدَ يشهدُ فيها قضاءَ اللهِ وقدرَه، وأنه لا مدخلَ للناس فيها، فيصبر إمّا اضطرارًا وإمّا اختيارًا، فإن فتحَ الله على قلبه بابَ الفكرةِ في فوائدِها، وما في حَشوِها من النِّعَم والألطاف، انتقلَ من الصبر عليها إلى الشكر لها والرضا بها، فانقلبت حينئذٍ في حقه نعمةً. النوع الرابع: ما يحصل له بفعل الناس في ماله أو عِرضِه أو نفسِه، فهذا النوع يَصعُب الصبرُ عليه جدًّا؛ لأنّ النفس تستشعِرُ المُؤذيَ لها، وهي تكره

стр. 872

الغلبة، فتَطلبُ الانتقام، فلا يَصبِر على هذا النوع إلّا الأنبياء والصدّيقون. وُيعِينُ العبدَ على هذا الصبر عدّةُ أشياءَ: أحدها: أن يشهدَ أن الله خالقُ أفعالِ العباد، حركاتِهم وسَكَناتِهم وإراداتِهم، فما شاءَ الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يتحرك في العالم العُلْوِيّ والسّفليّ ذرَّة إلّا بإذنه ومشيئتِه؛ فالعباد آلة، فانظر إلى الذي سَلَّطَهم عليك، ولا تَنظُرْ إلى فِعلِهم بكَ، تَسْتَرِحْ من الهمّ والغَمِّ. الثاني: أن يَشْهَد ذنُوبَه، وأنّ الله إنما سلَّطهم عليه بذنبه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. فإذا شهد العبدُ أن جميع ما يناله من المكروه فسببُه ذنوبُه، اشتغلَ بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلَّطهم عليه بسببها عن ذَمِّهم ولَومِهم والوقيعةِ فيهم. وإذا رأيتَ العبدَ يقع في الناس إذا آذَوْه، ولا يَرجع إلى نفسِه باللوم والاستغفار: فاعلمْ أن مصيبتَه مصيبة حقيقية، وإذا تاب واستغفر وقال: هذا بذنوبي، صارتْ في حقّهِ نعمةً. الثالث: أن يشهد العبدُ حُسْنَ الثواب الذي وعده الله لمن عَفَا وصَبَر، كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]. الرابع: أن يشهد أنه إذا عَفا وأحسنَ أورثَه ذلك من سلامةِ القلب لإخوانه، ونَقائِه من الغِشّ والغِلّ وطلبِ الانتقام وإرادةِ الشرّ، وحصَلَ له من حلاوة العفو ما يزيد لذّتَه ومنفعتَه عاجلًا وآجلًا، على المنفعة الحاصلة له بالانتقام أضعافًا مضاعفةً، ويدخل في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، فيصير محبوبًا لله، ويصير حالُه حالَ من أُخِذَ منه درهمٌ فعُوضَ عليه ألوفًا من الدنانير، فحينئذٍ يَفرحُ بما منَّ الله عليه أعظمَ فرحًا يكون.

стр. 873

الخامس: أن يعلم أنه ما انتقم أحد قَطُّ لنفسه إلّا أورثَه ذلك ذُلًّا يجده في نفسه، فإذا عَفا أعزَّه الله تعالى. السادس -وهي من أعظم الفوائد-: أن يَشهدَ أن الجزاء من جنس العمل، وأنه نفسُه ظالمٌ مذنب، وأنّ من عَفا عن الناس عَفَا الله عنه، ومن غَفَر لهم غَفَر الله له. السابع: أن يَعلم أنه إذا اشتغلتْ نفسُه بالانتقام وطلب المقابلة ضاعَ عليه زمانُه، وتفرَّقَ عليه قلبُه، وفاتَه من مصالحِه ما لا يُمَكِن استدراكُهُ، ولعلّ هذا أعظم عليه من المصيبة التي نالتْه من جهتهم، فإذا عفا وصَفحَ فَرغَ قلبُه وجسمُه لمصالحه التي هي أهمُّ عنده من الانتقام. الثامن: أن انتقامَه واستيفاءَه وانتصارَه لنفسِه، وانتصارَه لها، فإن رسول الله ﷺ ما انتقمَ لنفسِه قَطُّ، فإذا كان هذا خيرَ خلق الله وأكرمَهم على الله لم يَنتقِمْ لنفسِه، مع أن أَذَاه أَذَى الله، ويتعلّقُ به حقوق الدين، ونفسه أشرف الأنفُس وأزكاها وأبرُّها، وأبعدُها من كلّ خُلُقٍ مذمومٍ، وأحقُّها بكل خُلُقٍ جميل، ومع هذا فلم يكن يَنتقِم لها، فكيف يَنتقِمُ أحدنا لنفسِه التي هو أعلم بها وبما فيها من الشرور والعيوب؛ بل الرجل العارف لا تُساوِي نفسُه عنده أن ينتقم لها، ولا قدرَ لها عنده يُوجِبُ عليه انتصارَه لها. [المجموعة العليّة ١/ ٣٤ - ٤٨] * * * (كيف تواجه العوارض والمحن ؟) ٩٨٥ - العوارض والمحن هي كالحر والبرد؛ فإذا علم العبد أنه لا بد منهما لم يغب لورودهما، ولم يغتم لذلك، ولم يحزن. [المستدرك ١/ ١٤٥] * * * الدعوة إلى الله ٩٨٦ - الدَّعْوَةُ إلَى اللهِ هِيَ الدَّعْوَةُ إلَى الْإيمَانِ بِهِ وَبِمَا جَاءَت بِهِ رُسُلُهُ، بِتَصْدِيقِهِمْ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَطَاعَتِهِمْ فِيمَا أَمَرُوا. [١٥/ ١٥٧]

стр. 874

٩٨٧ - قَصَّ اللهُ عَلَيْنَا فِي الْقُرْآنِ أَخْبَارَ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا أَصَابَهُم وَمَا أَصَابَ أَتْبَاعَهُم الْمُومِنِينَ مِن الْأَذَى فِي اللهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعَالَى نَصَرَهُم وَجَعَلَ الْعَاقِبَةَ لَهُمْ، وَقَصَّ عَلَيْنَا ذَلِكَ لِنَعْتَبِرَ بِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١]. [٣٥/ ٣٧٦] ٩٨٨ - إنَّهُ سُبْحَانَهُ يَذْكُرُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِالدَّعْوَةِ إلَى اللهِ تَارَةً (١)، وَتَارَةً بِالدَّعْوَةِ إلَى سَبِيلِهِ (٢)؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] وَذَلِكَ أَنَّهُ قَد عُلِمَ أَنَّ الدَّاعِيَ الَّذِي يَدْعُو غَيْرَهُ إلَى أَمْرٍ لَا بُدَّ فِيمَا يَدْعُو إلَيْهِ مِن أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْمَقْصُودُ الْمُرَادُ. والثَّاني: الْوَسِيلَةُ وَالطَّرِيقُ الْمُوَصّلُ إلَى الْمَقْصُودِ. فَلِهَذَا يَذْكُرُ الدَّعْوَةَ تَارَةً إلَى اللهِ وَتَارَةً إلَى سَبِيلِهِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ الْمُرَادُ الْمَقْصُودُ بِالدَّعْوَةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١]، وَهَذَا الْوَاجِبُ وَاجِبٌ عَلَى مَجْمُوعِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ فَرْضَ كِفَايَةٍ، إذَا قَامَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْهُم سَقَطَ عَن الْبَاقِينَ؛ فَالْأُمَّةُ كُلُّهَا مُخَاطَبَة بِفِعْلِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ إذَا قَامَتْ بِهِ طَائِفَةٌ سَقَطَ عَن الْبَاقِينَ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِن الْأُمَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ مِن الدَّعْوَةِ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُ، فَمَا قَامَ بِهِ غَيْرُهُ سَقَطَ عَنْهُ، وَمَا عَجَزَ لَمْ يُطَالَبْ بِهِ.

стр. 875

وَأَمَّا مَا لَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ بِهِ؛ وَلهَذَا يَجبُ عَلَى هَذَا أَنْ يَقُومَ بِمَا لَا يَجِبُ عَلَى هَذَا، وَقَد تَقَسَّطَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى الأمَّةِ بِحَسَبِ ذَلِكَ تَارَةً، وَبِحَسَبِ غَيْرِهِ أُخْرَى؛ فَقَد يَدْعُو هَذَا إلَى اعْتِقَادِ الْوَاجِبِ، وَهَذَا إلَى عَمَلٍ ظَاهِرٍ وَاجِبٍ، وَهَذَا إلَى عَمَلٍ بَاطِنٍ وَاجِبٍ. فَتَنَوُّعُ الدَّعْوَةِ يَكُونُ فِي الْوُجُوبِ تَارَةً وَفِي الْوُقُوعِ أخْرَى. وَقَد تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الدَّعْوَةَ نَفْسَهَا أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَن الْمُنْكَرِ، فَإِنَّ الدَّاعِيَ طَالِبٌ مُسْتَدْعٍ مُقْتَصٍ لِمَا دُعِيَ إلَيْهِ وَذَلِكَ هُوَ الْأَمْرُ بِهِ. وَالْقِيَامُ بِالْوَاجِبَاتِ مِن الدَّعْوَةِ الْوَاجِبَةِ وَغَيْرِهَا يَحْتَاجُ إلَى شُرُوطٍ يُقَامُ بِهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: "يَنْبَغِي لِمَن أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَى عَن الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ فَقِيهًا فِيمَا يَأَمُرُ بِهِ فَقِيهًا فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ رَفِيقًا فِيمَا يَأْمُرُبِهِ رَفِيقًا فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ حَلِيمًا فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ حَلِيمًا فِيمَا يَنْهَى عَنْهُ". فَالْفِقْهُ قَبْلَ الْأَمْرِ؛ لِيَعرفَ الْمَعْرُوفَ وَيُنْكِرَ الْمُنْكَرَ. وَالرِّفْقُ عِنْدَ الْأَمْرِ؛ ليَسْلُكَ أَقْرَبَ الطُّرُقِ إلَى تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ. وَالْحِلْمُ بَعْدَ الْأَمْرِ؛ لِيَصْبِرَ عَلَى أَذَى الْمَأمُورِ الْمَنْهِيِّ، فَإِنَّهُ كثِيرًا مَا يَحْصُلُ لَهُ الْأَذَى بِذَلِكَ. [١٥/ ١٦٢ - ١٦٧] ٩٨٩ - الْفَقِيهُ كُل الْفَقِيهِ هُوَ الَّذِي لَا يُؤَيسُ النَّاسَ مِن رَحْمَةِ اللهِ، وَلَا يُجَرِّئُهُم عَلَى مَعَاصِي اللهِ. [١٥/ ٤٠٥] ٩٩٠ - الْقَلْبُ لَا يَصْلُحُ إلَّا بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَتَحْقِيقُ هَذَا تَحْقِيقُ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ. وَمِنَ الْمَحَبَّةِ: الدَّعْوَةُ إلَى اللهِ (١)، وَهِيَ الدَّعْوَةُ إلَى الْإِيمَانِ بِهِ وَبِمَا جَاءَت

стр. 876

بِهِ رُسُلُهُ بِتَصْدِيقِهِمْ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَطَاعَتِهِمْ بِمَا أَمَرُوا بِهِ. وَمِن الدَّعْوَةِ إلَى اللهِ: أَنْ يَفْعَلَ الْعَبْدُ مَا أَحَبَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَيتْرُكَ مَا أَبْغَضَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَاهِرَةِ (١). [٢٠/ ٧] ٩٩١ - لَا يَخْلُو أَمْرُ الدَّاعِي مِن أَمْرَيْنِ: الْأوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا؛ فَالْمُجْتَهِدُ يَنْظُرُ فِي تَصَانِيفِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ، ثُمَّ يُرَجِّحُ مَا يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ. الثَّانِي: الْمُقَلِّدُ، يُقَلِّدُ السَّلَفَ؛ إذ الْقُرونُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَفْضَلُ مِمَّا بَعْدَهَا (٢). [٢٠/ ٢٠] * * * العدل ٩٩٢ - كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَخلَفَاؤُهُ يَعْدِلُونَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، غَنِيِّهِمْ وَوفَقِيرِهِمْ فِي أُمُورِهِمْ، وَلَمَّا طَلَبَ بَعْضُ الْأَغْنِيَاءِ مِن النَّبِيِّ ﷺ إبْعَادَ الْفُقَرَاءِ نَهَاهُ اللهُ عَن ذَلِكَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِم بِأَنَّهُم يُرِيدُونَ وَجْهَهُ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الْآيَةَ [الأنعام: ٥٢]. وَكَانُوا يَسْتَوُونَ فِي مَقَاعِدِهِمْ عِنْدَهُ وَفِي الِاصْطِفَافِ خَلْفَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَمَنِ اخْتَصَّ مِنْهُم بِفَضْلٍ عَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ ذَلِكَ الْفَضْلَ كَمَا قَنَتَ لِلْقُرَّاءِ السَّبْعِينَ، وَكَانَ يَجْلِسُ مَعَ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَكَانَ أَيْضًا لِعُثْمَان وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَلسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وأسيد بْنِ الحضير وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ وَنَحْوِهِمْ مِن سَادَاتِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الْأَغْنِيَاءِ مَنْزِلَة لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَهَذِهِ سِيرَةُ الْمُعْتَدِلِينَ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ.

стр. 877

وَهَذَا هوَ الْعَدْلُ وَالْقِسْطُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنةُ، وَهِيَ طَرِيقَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ فِي مُعَامَلَتِهِمْ لِلْأَقْوِيَاءِ وَالضُّعَفَاءِ وَالْأغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ. وَفِي الْأَئِمَّةِ كَالثَّوْرِيِّ وَنَحْوِهِ مَن كَانَ يَمِيل إلَى الْفُقَرَاءِ وَيَمِيلُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، مُجْتَهِدَا فِي ذَلِكَ طَالِبًا بِهِ رضى اللهِ، حَتَّى عُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَرَجَعَ عَنْهُ. [١١/ ١٢٥ - ١٢٦] ٩٩٣ - إنَّمَا تَقَعُ الْفِتَنُ لِعَدَمِ الْمُعَادَلَةِ وَالتَّنَاصُفِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ وَإِلَّا فَمَعَ التَّعَادُلِ وَالتّنَاصُفِ الَّذِي يَرْضَا بِهِ أُولُو الْأَلْبَابِ لَا تَبْقَى فِتْنَةٌ. [١٤/ ٧٨] ٩٩٤ - قَوْلُ مَن يَقُولُ: الْأَصْلُ فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ: بَاطِلٌ؛ بَل الْأصْلُ فِي بَنِي آدَمَ الظُّلْمُ وَالْجَهْلُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. [١٥/ ٣٥٧] وَمُجَرَّدُ التَّكَلمِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَا يُوجِبُ انْتِقَالَ الْاِنْسَانِ عَن الظُّلْمِ وَالْجَهْلِ إلَى الْعَدْلِ (١).

стр. 878

٩٩٥ - إذَا عوقِبَ الْمُعْتَدُونَ مِن جَمِيع الطَّوَائِفِ، وَأُكْرِمَ الْمُتَّقُونَ مِن جَمِيعِ الطَّوَائِفِ: كَانَ ذَلِكَ مِن أَعْظَمِ الْأسْبَابِ التِي تُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ، وَتُصْلِحُ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ. [٣/ ٤٢٣] ٩٩٦ - قَالَ تَعَالَى حِكايَةً عَن لُقْمَانَ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان: ١٧]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤١ - ٤٣]. فَهُنَاكَ فِي قَوْلِ لُقْمَانَ ذَكَرَ الصَّبْرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وَهُنَا ذَكَرَ الصَّبْرَ وَالْعَفْوَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وَذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ﴾ [الشورى: ٤١، ٤٢]، فَذَكَرَ سُبْحَانَه الْأصْنَافَ الثَّلَاثَةَ فِي بَابِ الظُّلْمِ الَّذِي يَكُونُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَظْلُومِ، وَهُم: الْعَادِلُ وَالظَّالِمُ وَالْمُحْسِن. فَالْعَادِلُ: مَن انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، وَهَذَا جَزَاؤُهُ أَنَّهُ مَا عَلَيْهِ مِن سَبِيلٍ، فَلَمْ يَكُن بِذَلِكَ مَمْدُوحًا وَلَكِنْ لَمْ يَكن بِذَلِكَ مَذْمُومًا.

стр. 879

وَذَكَرَ الظَّالِمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، فَهَؤُلَاءِ عَلَيْهِم السَّبِيلُ لِلْعُقُوبَةِ وَالِاقْتِصَاصِ. وَذَكَرَ الْمُحْسِينَ فَقَالَ: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾. [٢٠/ ٣٦٧ - ٣٦٨] * * *

стр. 880

الأخلاق المحمودة ٩٩٧ - العدل المحض في كل شيء متعذر علمًا وعملًا، ولكن الأمثل فالأمثل؛ ولهذا يقال: هذا أمثل، ويقال للطريقة السلفية: الطريقة المثلى. [١٠/ ٩٩] ٩٩٨ - الزهد المشروع هو: ترك الرغبة (١) فيما لا ينفع في الدار الآخرة، وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله، كما أن الورع المشروع هو: ترك ما قد يضر في الدار الآخرة، وهو ترك المحرمات والشبهات التي لا يستلزم تركها ترك ما فعله أرجح منها؛ كالواجبات. فأما ما ينفع في الدار الآخرة بنفسه أو يعين على ما ينفع في الدار الآخرة: فالزهد فيه ليس من الدين؛ بل صاحبه داخل في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة: ٨٧] (٢)، كما أن الاشتغال بفضول المباحات، هو ضد الزهد المشروع، فإن اشتغل بها عن فعل واجب أو فعل محرم كان عاصيًا، وإلا كان منقوصًا عن درجة المقربين إلى درجة المقتصدين. [١٠/ ٢١]
следующие страницы →