Полный текст (3 539 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
بِهِ رُسُلُهُ بِتَصْدِيقِهِمْ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ، وَطَاعَتِهِمْ بِمَا أَمَرُوا بِهِ.
وَمِن الدَّعْوَةِ إلَى اللهِ: أَنْ يَفْعَلَ الْعَبْدُ مَا أَحَبَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَيتْرُكَ مَا أَبْغَضَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَاهِرَةِ (١) . [٢٠/ ٧]
٩٩١ - لَا يَخْلُو أَمْرُ الدَّاعِي مِن أَمْرَيْنِ:
الْأوَّلُ: أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا؛ فَالْمُجْتَهِدُ يَنْظُرُ فِي تَصَانِيفِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ، ثُمَّ يُرَجِّحُ مَا يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ.
الثَّانِي: الْمُقَلِّدُ، يُقَلِّدُ السَّلَفَ؛ إذ الْقُرونُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَفْضَلُ مِمَّا بَعْدَهَا (٢) . [٢٠/ ٢٠]
* * *
العدل
٩٩٢ - كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَخلَفَاؤُهُ يَعْدِلُونَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، غَنِيِّهِمْ وَوفَقِيرِهِمْ فِي أُمُورِهِمْ، وَلَمَّا طَلَبَ بَعْضُ الْأَغْنِيَاءِ مِن النَّبِيِّ ﷺ إبْعَادَ الْفُقَرَاءِ نَهَاهُ اللهُ عَن ذَلِكَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِم بِأَنَّهُم يُرِيدُونَ وَجْهَهُ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ الْآيَةَ [الأنعام: ٥٢].
وَكَانُوا يَسْتَوُونَ فِي مَقَاعِدِهِمْ عِنْدَهُ وَفِي الِاصْطِفَافِ خَلْفَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَمَنِ اخْتَصَّ مِنْهُم بِفَضْلٍ عَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُ ذَلِكَ الْفَضْلَ كَمَا قَنَتَ لِلْقُرَّاءِ السَّبْعِينَ، وَكَانَ يَجْلِسُ مَعَ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَكَانَ أَيْضًا لِعُثْمَان وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَلسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وأسيد بْنِ الحضير وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ وَنَحْوِهِمْ مِن سَادَاتِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الْأَغْنِيَاءِ مَنْزِلَة لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَهَذِهِ سِيرَةُ الْمُعْتَدِلِينَ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ. الحواشي
(١) فالدعوة بالأفعال أبلغ من الدعوة بالأقوال.(٢) فلا يقلد المتأخرين، إلا إذا كانوا متبعين للمتقدمين من الصحابة والسلف الصالح.стр. 877
وَهَذَا هوَ الْعَدْلُ وَالْقِسْطُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنةُ، وَهِيَ طَرِيقَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرِهِمْ فِي مُعَامَلَتِهِمْ لِلْأَقْوِيَاءِ وَالضُّعَفَاءِ وَالْأغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ.
وَفِي الْأَئِمَّةِ كَالثَّوْرِيِّ وَنَحْوِهِ مَن كَانَ يَمِيل إلَى الْفُقَرَاءِ وَيَمِيلُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، مُجْتَهِدَا فِي ذَلِكَ طَالِبًا بِهِ رضى اللهِ، حَتَّى عُتِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَرَجَعَ عَنْهُ. [١١/ ١٢٥ - ١٢٦]
٩٩٣ - إنَّمَا تَقَعُ الْفِتَنُ لِعَدَمِ الْمُعَادَلَةِ وَالتَّنَاصُفِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ وَإِلَّا فَمَعَ التَّعَادُلِ وَالتّنَاصُفِ الَّذِي يَرْضَا بِهِ أُولُو الْأَلْبَابِ لَا تَبْقَى فِتْنَةٌ. [١٤/ ٧٨]
٩٩٤ - قَوْلُ مَن يَقُولُ: الْأَصْلُ فِي الْمُسْلِمِينَ الْعَدَالَةُ: بَاطِلٌ؛ بَل الْأصْلُ فِي بَنِي آدَمَ الظُّلْمُ وَالْجَهْلُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. [١٥/ ٣٥٧]
وَمُجَرَّدُ التَّكَلمِ بِالشَّهَادَتَيْنِ لَا يُوجِبُ انْتِقَالَ الْاِنْسَانِ عَن الظُّلْمِ وَالْجَهْلِ إلَى الْعَدْلِ (١) . الحواشي
(١) ولا يعني ذلك إساءة الظن بالمسلم، بل هناك فرق بين حسن الظن بالمسلم، وبين إثبات عدالته وقبول شهادته، وقد نبَّه على هذا الفرق العلَّامة الشاطبي ﵀ حيث قال: تَحْسِينُ الظَّنَّ بالْمُسْلِم- وَإِن ظَهَرَتْ مَخَايِلُ احْتِمَال إِسَاءَةِ الظن فِيهِ- مَطْلوبٌ بلَا شَكٍّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ الآيَةَ [الْحُجُرَاتِ:١٢].
وَقَوْله: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ الآيَةَ [النُّورِ: ١٢].
بَل أُمِرَ الإنْسَانُ فِي هَذَا المَعنَى أنْ يَقُولَ ما لا يعلم، كما أمر باعتقاد مَا لَا يَعلَمُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ [النورِ: ١٢].
وقولُهُ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ(١٦) ﴾ [النُّورِ: ١٦].
إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعنَى.
وَمَعَ ذَلِكَ: فَلَمْ يُبْن عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا اعْتُبِرَ فِي عَدَالَةِ شَداهِدٍ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ بمجرد هَذَا التَّحْسِينِ؛ حَتى تَدُلُّ الْأدِلَّةُ الظَّاهِرَةُ الْمُحَصِّلَةُ لِلْعِلْم أوِ الظَّنِّ الْغَالِب.
فَإِذَا كَانَ الْمُكَلَّفُ مَأْمُورًا بِتَحْسِينِ الظَّنِّ بِكُل مُسْلِمٍ، ولَمْ يَكن كُل مُسلِم عَدْلًا عِنْدَ المحسِّن بِمُجَرَّدِ هَذَا التَّحْسِينِ حَتَّى تَحْصُلَ الْخِبْرَة أوِ التَّزْكيَةُ؛ دَلَّ عَلَى أنَّ مُجَرَّدَ تَحْسِينِ الظَّنِّ بِأَمْرٍ =стр. 878
٩٩٥ - إذَا عوقِبَ الْمُعْتَدُونَ مِن جَمِيع الطَّوَائِفِ، وَأُكْرِمَ الْمُتَّقُونَ مِن جَمِيعِ الطَّوَائِفِ: كَانَ ذَلِكَ مِن أَعْظَمِ الْأسْبَابِ التِي تُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ، وَتُصْلِحُ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ. [٣/ ٤٢٣]
٩٩٦ - قَالَ تَعَالَى حِكايَةً عَن لُقْمَانَ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) ﴾ [لقمان: ١٧]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) ﴾ [الشورى: ٤١ - ٤٣].
فَهُنَاكَ فِي قَوْلِ لُقْمَانَ ذَكَرَ الصَّبْرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وَهُنَا ذَكَرَ الصَّبْرَ وَالْعَفْوَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
وَذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ﴾ [الشورى: ٤١، ٤٢]، فَذَكَرَ سُبْحَانَه الْأصْنَافَ الثَّلَاثَةَ فِي بَابِ الظُّلْمِ الَّذِي يَكُونُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَظْلُومِ، وَهُم: الْعَادِلُ وَالظَّالِمُ وَالْمُحْسِن.
فَالْعَادِلُ: مَن انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ، وَهَذَا جَزَاؤُهُ أَنَّهُ مَا عَلَيْهِ مِن سَبِيلٍ، فَلَمْ يَكُن بِذَلِكَ مَمْدُوحًا وَلَكِنْ لَمْ يَكن بِذَلِكَ مَذْمُومًا.
الحواشي
(١) = لَا يُثْبتُ ذَلِكَ الْأمْرَ، وَإِذَا لَمْ يُثبتْهُ لَمْ ينبنِ عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَتَحْسِينُ الظن بالْأفْعَالِ مِن ذَلِكَ، فَلَا يَنْبَنِيَ عَلَيْهَا حُكْمٌ. اهـ. تهذيب كَتاب الموافقات، للمؤلف (ص ٥٣٧).
واستثنى العلَّامة ابن القيِّم ﵀ إحسان الظن بالناس: القاضي، فقال: يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكونَ بَصِيرًا بِمَكْر النَّاسِ وَخِدَاعِهِمْ وَأحْوَالِهِمْ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُحْسِنَ الظَّنَّ بِهِم، بَلْ يَكُونُ حَذِرًا فَطِنًا فَقِيهًا بَأَحْوَالِ النَّاسِ وَأمُورِهِمْ، يُوَازِره فِقْهُهُ فِي الشَّرْع، وَإِن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ زَاغَ وَأزَاغَ، وَكَمْ مِنْ مَسأَلَةٍ ظَاهِرُهَا ظَاهِرٌ جَمِيلٌ، وَبَاطِنُهَا مَكْرٌ وَخِدَاَعٌ وَظُلْمٌ؟ فَالْغِرُّ يَنْظُرُ إلَى ظَاهِرِهَا ويقْضِي بِجَوَازِهِ، وَذُو الْبَصِيرَةِ يَنْقُدُ مَقْصِدَهَا وَبَاطِنَهَا ..
وَكَمْ مِنْ بَاطِلِ يُخْرِجُهُ الرَّجُلُ بِحُسْنِ لَفْظِهِ وَتَنْمِيقِهِ وَإِبْرَازِهِ فِي صُورَةِ حَقٍّ؟ وَكَمْ مِنْ حَقٍّ يُخْرِجُهُ بِتَهْجِينهِ وَسُوءِ تَعْبِيرِهِ فِي صُورر بَاطِلٍ؟. اهـ. أعلام الموقعين (٢/ ٥٤٥).стр. 879
وَذَكَرَ الظَّالِمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، فَهَؤُلَاءِ عَلَيْهِم السَّبِيلُ لِلْعُقُوبَةِ وَالِاقْتِصَاصِ.
وَذَكَرَ الْمُحْسِينَ فَقَالَ: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) ﴾. [٢٠/ ٣٦٧ - ٣٦٨]
* * *
стр. 880
الأخلاق المحمودة
٩٩٧ - العدل المحض في كل شيء متعذر علمًا وعملًا، ولكن الأمثل فالأمثل؛ ولهذا يقال: هذا أمثل، ويقال للطريقة السلفية: الطريقة المثلى. [١٠/ ٩٩]
٩٩٨ - الزهد المشروع هو: ترك الرغبة (١) فيما لا ينفع في الدار الآخرة، وهو فضول المباح التي لا يستعان بها على طاعة الله، كما أن الورع المشروع هو: ترك ما قد يضر في الدار الآخرة، وهو ترك المحرمات والشبهات التي لا يستلزم تركها ترك ما فعله أرجح منها؛ كالواجبات.
فأما ما ينفع في الدار الآخرة بنفسه أو يعين على ما ينفع في الدار الآخرة: فالزهد فيه ليس من الدين؛ بل صاحبه داخل في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) ﴾ [المائدة: ٨٧] (٢) ، كما أن الاشتغال بفضول المباحات، هو ضد الزهد المشروع، فإن اشتغل بها عن فعل واجب أو فعل محرم كان عاصيًا، وإلا كان منقوصًا عن درجة المقربين إلى درجة المقتصدين. [١٠/ ٢١] الحواشي
(١) قيد مهم جدًّا، فلو قيل بأن الزهد: ترك ما لا ينفع في الدار الآخرة، لفهم من ذلك ترك ما يستعين به المسلم على أمور دنياه، من المركب والمسكن الحسن، ونحوها مما تسهل عليه أمور دنياه.
ولكن الشيخ ﵀ بيّن أن الزهد ليس بترك الكماليات والحاجيات، بل بترك تعلق القلب بها، وتطلّبها والرغبة فيها.(٢) شيخ الإسلام ﵀ على من فهم أنّ المراد بالزهد ترك التنعم بالطيبات، والتقشّفُ واعتزالُ الناس، وبيّن أنّ كلّ ما يستعين به العبد على طاعة الله ولو كان أصلُه مُباحًا: فليس تركه من الزهد المشروع.стр. 881
٩٩٩ - الحياء مشتق من الحياة، فإنَّ القلب الحيَّ يكون صاحبه حيًّا فيه حياء يمنعه عن القبائح، فإن حياة القلب هي المانعة من القبائح التي تفسد القلب؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "الحياء من الإيمان" (١) ، فإن الحي يدفع ما يؤذيه، بخلاف الميت الذي لا حياة فيه فإنه يسمى وقحًا، والوقاحة الصلابة وهو اليبس المخالف لرطوبة الحياة، فإذا كان وقحًا يابسًا صليب الوجه لم يكن في قلبه حياة توجب حياءه. [١٠/ ١٠٩]
١٠٠٠ - الْقَلْبُ السَّلِيمُ الْمَحْمُودُ هُوَ الَّذِي يُرِيدُ الْخَيْرَ لَا الشَّرَّ، وَكَمَالُ ذَلِكَ بِأَنْ يَعْرِفَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، فَأَمَّا مَن لَا يَعْرِفُ الشَّرَّ فَذَاكَ نَقْصٌّ فِيهِ لَا يُمْدَحُ بِهِ. [١٠/ ٣٠٢]
١٠٠١ - الزّهْدُ النَّافِعُ الْمَشْرُوعُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ: هُوَ الزّهْدُ فِيمَا لَا يَنْفَعُ فِي الآخِرَةِ.
وَكَذَلِكَ "الْوَرَعُ" الْمَشْرُوعُ هُوَ الْوَرَعُ عَمَّا قَد تُخَافُ عَاقِبَتُهُ، وَهُوَ مَا يُعْلَمُ تَحْرِيمُهُ وَمَا يَشُكُّ فِي تَحْرِيمِهِ، وَلَيْسَ فِي تَرْكِهِ مَفْسَدَةٌ أَعْظَمُ مِن فِعْلِهِ -مِثْلُ مُحَرَّمٍ مُعَيَّن-، مثْلُ مَن يَتْرُكُ أَخْذَ الشُّبْهَةِ وَرَعًا مَعَ حَاجَتِهِ إلَيْهَا وَيَأْخُذُ بَدَلَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا بَيِّنًا تَحْرِيمُهُ، أَو يَتْرُكُ وَاجِبًا تَرْكُهُ أَعْظَمُ فَسَادًا مِن فِعْلِهِ مَعَ الشُّبْهَةِ، كَمَن يَكُونُ عَلَى أَبِيهِ أَو عَلَيْهِ دُيُونٌ هُوَ مُطَالَبٌ بِهَا وَلَيْسَ لَهُ وَفَاءٌ إلَّا مِن مَالٍ فِيهِ شُبْهَةٌ فَيَتَوَرَّعُ عَنْهَا وَيَدَعُ ذِمَّتَهُ أَو ذِمَّةَ أَبِيهِ مُرْتَهِنَةً.
وَتَمَامُ "الْوَرَعِ" أَنْ يَعُمَّ (٢) الْإِنْسَانُ خَيْرَ الْخَيْرَيْنِ وَشَرَّ الشَّرَّيْنِ، وَيعْلَمَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا عَلَى تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَيمْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا.
وَإِلَّا فَمَن لَمْ يُوَازِنْ مَا فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ مِن الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَفْسَدَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَقَد يَدَعُ وَاجِبَاتٍ وَيفْعَلُ مُحَرَّمَاتٍ، وَيَرَى ذَلِكَ مِن الْوَرَعِ، كَمَن يَدْعُ الْجِهَادَ مَعَ الْأُمَرَاءِ الظَّلَمَةِ وَيرَى ذَلِكَ وَرَعًا، وَيدَعُ الْجُمْعَةَ وَالْجَمَاعَةَ خَلْفَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ فِيهِمْ بِدْعَةٌ أَو فُجُورٌ، ويرَى ذَلِكَ مِن الْوَرَعِ، وَيمْتَنِعُ عَن قَبُولِ الحواشي
(١) رواه البخاري(٦١١٨) ، ومسلم(٣٦) .(٢) لعله: يعلم.стр. 882
شَهَادَةِ الصَّادِقِ وَأَخْذِ عِلْمِ الْعَالِمِ؛ لِمَا فِي صَاحِبِهِ مِن بِدْعَةٍ خَفِيَّةٍ (١) ، وَيرَى تَرْكَ قَبُولِ سَمَاعِ هَذَا الْحَقِّ الَّذِي يَجِبُ سَمَاعُهُ مِن الْوَرَعِ. [١٠/ ٥١١ - ٥١٢]
١٠٠٢ - الزُّهْدَ هُوَ عَمَّا لَا يَنْفَعُ إمَّا لِانْتِفَاءِ نَفْعِهِ أَو لِكَوْنِهِ مَرْجُوحًا؛ لِأَنَّهُ ففَوِّتٌ لِمَا هُوَ أَنْفَعُ مِنْه، أَو مُحَصِّلٌ لِمَا يَرْبُو ضَرَره عَلَى نَفْعِهِ.
وَأَمَّا الْمَنَافِعُ الْخَالِصَةُ أَو الرَّاجِحَةُ: فَالزُّهْدُ فِيهَا حُمْقٌ (٢) . الحواشي
(١) البدع نوعان:
النوع الأول: بدعٌ ظاهرة؛ أي: واضحة صريحة، ثبت الدليل البيّن على ذمها؛ كالقول بخلق القرآن، أو دعاء غير الله، أو الذبح لغير الله، فهذا يبدّع بالبدعة الواحدة، ولا يجوز أخذ العلم عنه، ويجب الإنكار عليه.
النوع الثاني: بدعٌ خفية؛ أي: قد يخفى دليلها، أو يخفى وجه الدلالة على بدعتها، وهي المسائل غير المعلومة من الدين بالضرورة؛ لخفائها وعدم انتشارها؛ كمسائل الأسماء والصفات التي وقع فيها الخلاف بين المسلمين كالاستواء والرؤية، وكالخلاف في مسألة الإيمان، ومسائل القدر والإرجاء، ونحو ذلك مما قاله أهل الأهواء.
فمن وقع فيها مَن يتحرى الحق خطأ منه فهذا لا يبدّع، بل يجب نصحُه برفق، وأن يُبين له خطؤه، مع الرد على بدعته.
قال ابن تيمية ﵀ كثير من علماء السلف والخلف وقعوا في بدع من حيث لا يشعرون، إما استندوا إلى حديث ضعيف أو أنهم فهموا من النصوص غير مراد الله ﵎ أو أنهم اجتهدوا. ا هـ. فلا يُحكم على من وقع في بدعة أنه من أهل الأهواء والبدع، ولا يجوز معاداته بسببها، إلا إذا كانت البدعة مشتهرة مغلظة عند أهل العلم بالسُّنَّة.
وإذا كان هذا الواجب تجاه المبتدع بدعة خفية، فكيف بمن سلم من البدع والانحرافات، ولكن صدرت منه اجتهادات أخطأ فيها، فلا يجوز الطعن فيه، ولا صد الناس عن تلقي العلم والخير منه، ولا يجوز اتهامه بأنه مبتدع أو من الحزب الفلاني دون أن يُصرح بذلك، أو تدل الدلائل اليقينية على ذلك.
وعذر المبتدع لا يقتضي إقراره على ما أظهره من بدعة، ولا إباحة اتِّباعه، بل يجب الإنكار عليه فيما يسوغ إنكاره، مع مراعاة الأدب في ذلك.(٢) مثل: من يترك وسائل الراحة والمنفعة الدنيوية في هذا الزمان بزعم الزهد، كالتكييف واستعمال الكهرباء والمصابيح الكهربائية والسيارات والفرش ونحوها، وهذا كما قال الشيخ: الزُّهْدُ فِيهَا حُمْقٌ، وصدق ﵀، فأي حماقةٍ أعظم ممن يترك الأسباب التي تُسهل عليه معاشه وحياته، دون ضرر منها في دينه أو دُنياه!
بل تعينه على استغلال وقته، فمن يقضي حاجته سيرًا على أقدامه، أو ركوبًا على حماره، أو يطبخ طعامه على الحطب، التي يحتاج إشعالها إلى زمن أطول: سيُضيع وقتًا طويلًا، ويُتعب جسمه دون فائدة، ولو اسْتغل هذا التعب في طلب العلم والعبادة لكان أولى.стр. 883
وَأَمَّا الْوَرَعُ فَإِنَّهُ الْإِمْسَاكُ عَمَّا قَد يَضُرُّ، فَتَدْخُلُ فِيهِ الْمُحَرَّمَاتُ وَالشُّبُهَاتُ؛ لِأَنَّهَا قَد تَضُرُّ.
وَأَمَّا الْوَرَعُ عَمَّا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ أَو فِيهِ مَضَرَّةٌ مَرْجُوحَةٌ -لِمَا تَقْتَرِنُ بِهِ مِن جَلْبِ مَنْفَعَةٍ رَاجِحَةٍ أَو دَفْعِ مَضَرَّةٍ أخْرَى رَاجِحَةٍ- فَجَهْلٌ وَظُلْمٌ.
وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ لَا يُتَوَرَّعُ عَنْهَا:
أ- الْمَنَافِعُ الْمُكَافِئَةُ.
ب- وَالرَّاجِحَةُ.
ت- وَالْخَالِصَةُ.
كَالْمُبَاحِ الْمَحْضِ، أَو الْمُسْتَحَبِّ، أَو الْوَاجِبِ، فَإِنَّ الْوَرَعَ عَنْهَا ضَلَالَةٌ. [١٠/ ٦١٥ - ٦١٦]
١٠٠٣ - الزُّهْدُ مِن بَابِ عَدَمِ الرَّغْبَةِ وَالْإِرَادَةِ فِي الْمَزْهُودِ فِيهِ.
وَالْوَرَعُ مِن بَابِ وُجُودِ النُّفْرَةِ وَالْكَرَاهَةِ لِلْمُتَوَرَّعِ عَنْهُ.
وَانْتِفَاءُ الْإِرَادَةِ إنَّمَا يَصْلُحُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ خَالِصَة أَو رَاجِحَةٌ.
وَأَمَّا وُجُودُ الْكَرَاهَةِ فَإِنَّمَا يَصْلُحُ فِيمَا فِيهِ مَضَرَّةٌ خَالِصَة أَو رَاجِحَةٌ.
فَأَمَّا إذَا فُرِضَ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ وَلَا مَضَرَّةَ أَو مَنْفَعَتُهُ وَمَضَرَّتُهُ سَوَاءٌ مِن كُلِّ وَجْهٍ؛ فَهَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُكرَهَ فَيَصْلحُ فِيهِ الزُّهْدُ وَلَا يَصلُحُ فِيهِ الْوَرَعُ.
فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا يَصْلُحُ فِيهِ الْوَرَعُ يَصْلُحُ فِيهِ الزُّهْدُ مِن غَيْرِ عَكْسٍ وَهَذَا بَيِّنٌ.
وَبِهَذَا يَتبيَّنُ: أَنَّ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّات لَا يَصْلُحُ فِيهَا زُهْدٌ وَلَا وَرَعٌ.
وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ وَالْمَكرُوهَاتُ فَيَصْلُحُ فِيهَا الزُّهْدُ وَالْوَرَعُ.
وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَيَصْلُحُ فِيهَا الزُّهْدُ دُونَ الْوَرَعِ. [١٠/ ٦١٨ - ٦١٩]
стр. 884
١٠٠٤ - الزُّهْدُ الْمَشْرُوعُ: هُوَ تَرْكُ كلِّ شَيءٍ لَا يَنْفَعُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ (١) وَثقَة الْقَلْبِ بِمَا عِنْدَ اللهِ.
١٠٠٥ - وَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ فَتَرْكُ الْفُضُولِ الَّتِي لَا يُسْتَعَانُ بِهَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ مِن مَطْعَمٍ وَمَلْبَسٍ وَمَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. [١٠/ ٦٤١ - ٦٤٢، ١١/ ٢٧ - ٢٨]
١٠٠٦ - جِمَاعُ الْخُلُقِ الْحَسَنِ مَعَ النَّاسِ: أَنْ تَصِلَ مَن قَطَعَك بِالسَّلَامِ وَالْإِكْرَامِ وَالدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالزِّيَارَةِ لَهُ، وَتُعْطِي مَن حَرَمَك مِن التَّعْلِيمِ وَالْمَنْفَعَةِ وَالْمَالِ، وَتَعْفُوَ عَمَّن ظَلَمَك فِي دَمٍ أَو مَالٍ أَو عِرْضٍ.
وَبَعْضُ هَذَا وَاجِبٌ وَبَعْضُهُ مُسْتَحَبّ.
١٠٠٧ - فِي "الصَّحِيحِ" عَن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أكمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إيمَانًا أَحْسَنُهُم خُلُقًا" (٢) .
جَعَلَ كَمَالَ الْإِيمَانِ فِي كَمَالِ حُسْنِ الْخُلُقِ.
١٠٠٨ - قَالَ أَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ: "لَو وُضِعَ الصِّدْقُ عَلَى جُرْحٍ لَبَرَأَ".
١٠٠٩ - الصِّدْق أَصْلُ الْخَيْرِ، كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" عَن ابْنِ مَسْعُودٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ (٣) فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كذَّابًا" (٤) .
وَلهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ الحواشي
(١) وقيده الشيخ في موضع آخر: بترك الرغبة فيما لا ينفع في الدار الآخرة. (١٠/ ٢١، ٢١/ ٣٠٥)، وهو أدق.(٢) رواه أبو داود في سننه(٤٦٨٢) ، والترمذي(١١٦٢) .(٣) الصدق في الأقوال، والصدق في الأعمال، والصدق في الإخلاص، فالصدق يشمل الصدق مع الخلق والخالق، باللسان والقلب والعمل.(٤) رواه البخاري(٦٠٩٤) ، ومسلم(٢٦٠٧) واللفظ له.стр. 885
أَثِيمٍ (٢٢٢) ﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢]، وَقَالَ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) ﴾ [الجاثية: ٧].
وَلهَذَا يُذْكَرُ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايخِ أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّبَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ لَهُم ذُنُوبٌ كَثِيرَةٌ فَقَالَ: يَا بنَيَّ، أَنَا آمُرُك بِخَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ فَاحْفَظْهَا لِي، وَلَا آمُرُك السَّاعَةَ بِغَيْرِهَا، الْتَزِمْ الصّدْقَ، وَإِيَّاكَ وَالْكَذِبَ، فَلَمَّا الْتَزَمَ ذَلِكَ الصِّدْقَ دَعَاهُ إلَى بَقِيَّةِ الْخَيْرِ، وَنَهَاهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْفَاجِرَ لَا حَدَّ لَهُ فِي الْكَذِبِ (١) . [١٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧]
١٠١٠ - هُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ ويكْرَهُ سَفْسَافَهَا، وَهُوَ يُحِبُّ الْبَصرَ النَّافِذ عِنْدَ وُزودِ الشُّبُهَاتِ، وَيُحِبُّ الْعَقْلَ الْكَامِلَ عِنْدَ حُلُولِ الشَّهَوَاتِ. [١٦/ ٣١٧]
١٠١١ - الصِّدْقُ أَسَاسُ الْحَسَنَاتِ وَجِمَاعُهَا، وَالْكَذِبُ أَسَاسُ السَّيّئَاتِ وَنِظَامُهَا، وَيظْهَرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهٍ:
أ- أَنَّ الصَّادِقَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ، وَالْكَاذِبَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) ﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢].
ب- أَنَّ الْمَشَايِخَ الْعَارِفِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَسَاسَ الطَّرِيقِ إلَى اللهِ هُوَ الصِّدْقُ وَالْإِخْلَاصُ (٢) . وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ؛ كقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) ﴾ [التوبة: ١١٩]. [٢٠/ ٧٥ - ٧٨]
١٠١٢ - يَقَعُ الْغَلَطُ فِي الْوَرَعِ مِن ثَلَاثِ جِهَاتٍ: الحواشي
(١) وهذا من فقه هذا الشيخ، فلو أنه لو أوصاه بالتوبة من جميع ذنوبه، والْتزام جميع الواجبات وشرائع الدين لَمَا وعده بالوفاء، وأجابَ طلبه، وإن وافقه في الظاهر لَعَقَد العزم على مُخالفته في الباطن، ولكن أوصاه بالتمسك بفضيلة واحدة، التي ما إن يتمسك بها حتى تجره إلى بقية الفضائل.(٢) ومعنى الصدق؛ بذل الوسع في العمل، والجد فيه، والإخلاص: ألا تنوي بعملك غير وجه الله تعالى، قال ابن القيِّم ﵀: الفرق بين الصدق والإخلاص: أن للعبد مطلوبًا وطالِبًا، فالإخلاص: توحيد مطلوبه، والصدق: توحيد طلبه. فالصدق بذل الجهد، والإخلاص إفراد المطلوب. مدارج السالكين (١/ ١١٠).стр. 886
أَحَدُهَا: اعْتِقَادُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أنَّه مِن بَابِ التَّرْكِ، فَلَا يَرَوْنَ الْوَرَعَ إلَّا فِي تَرْكِ الْحَرَامِ، لَا فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ، وَهَذَا يُبْتَلَى بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَدَيِّنَةِ الْمُتَوَزعَةِ، تَرَى أَحَدَهُم يَتَوَرَّعُ عَنِ الْكَلِمَةِ الْكَاذِبَةِ وَعَنِ الدِّرْهَمِ فِيهِ شُبْهَةٌ؛ لِكَوْنِهِ مَن مَالِ ظَالِمٍ أَو مُعَامَلَةٍ فَاسِدَةٍ، وَيتَوَرَّعُ عَن الرُّكُونِ إلَى الظَّلَمَةِ مِن أَجْلِ الْبِدَعِ فِي الدّينِ وَذَوِي الْفُجُورِ فِي الدُّنْيَا، وَمَعَ هَذَا يَتْرُكُ أُمُورًا وَاجِبَةً عَلَيْهِ؛ إمَّا عَيْنًا وَإِمَّا كِفَايَةً وَقَد تَعَيّنتْ عَلَيْهِ، مِن صِلَةِ رَحِمٍ وَحَقِ جَارٍ وَمِسْكينٍ وَصَاحِبٍ وَيتِيمٍ وَابْنِ سَبِيلٍ وَحَقِّ مُسْلِمٍ وَذِي سُلْطَانٍ وَذِي عِلْمٍ وَعَن أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ وَنَهْيٍ عَن مُنْكَرٍ وَعَنِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ نَفْغ لِلْخَلْقِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُم مِمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ، أَو يَفْعَلُ ذَلِكَ لَا عَلَى وَجْهِ الْعِبَادَةِ للهِ تَعَالَى بَل مِن جِهَةِ التكلِيفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْوَرَعُ قَد يُوقِعُ صَاحِبَهُ فِي الْبِدَعِ الْكِبَارِ؛ فَإِنَّ وَرَعَ الْخَوَارجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ مِن هَذَا الْجِنْسِ، تَوَرَّعُوا عَنِ الظُّلْمِ وَعَن مَا اعْتَقَدُوهُ ظُلْمًا مِن مُخَالَطَةِ الظَّلَمَةِ فِي زَعْمِهِمْ، حَتَّى تَرَكُوا الْوَاجِبَاتِ الْكِبَارَ مِنَ الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَةِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَنَصِيحَةِ الْمُسْلِمِينَ وَالرَّحْمَةِ لَهُمْ (١) .
وَأَهْلُ هَذَا الْوَرَعِ مِمَن أَنْكَرَ عَلَيْهِم الْأَئِمَّةُ كَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَصَارَ حَالُهُم يُذْكَرُ فِي اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ مِنَ الِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ: أَنَّهُ إذَا فَعَلَ الْوَاجِبَ وَالْمُشْتَبِهَ، وَتَرَكَ الْمُحَرَّمَ وَالْمُشْتَبِهَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اعْتِقَادُ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ بِأدِلَّةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبِالْعِلْمِ لَا بِالْهَوَى.
وَلهَذَا يَحْتَاجُ الْمُتَدَيّنُ الْمُتَوَرِّعُ إلَى عِلْمٍ كَثِيرٍ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْفِقْهِ فِي الدِّينِ، وَإِلَّا فَقَدَ يُفْسِدُ تَوَرُّعُهُ الْفَاسدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُهُ (٢) . الحواشي
(١) ونحن نرى أن الخوارج هم أبعد الناس عن نصح المسلمين ورحمتهم ومُعاملتهم مُعاملةً حسنة.(٢) وهذا مُشاهد ملموس، فقد رأينا كثيرًا ممن استقام واهتدى، أو نشأ على ذلك: وعنده ورع =стр. 887
الثَّالِثَةُ: جِهَةُ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ، هَذَا أَصْعَبُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ؛ فَإِنَّ الشَّيءَ قَد يَكُونُ جِهَةُ فَسَادِهِ يَقْتَضِي تَرْكَهُ فَيَلْحَظُهُ الْمُتَوَرّعُ، وَلَا لَحَظَ مَا يُعَارِضُهُ مِنَ الصَّلَاحِ الرَّاجِحِ، وَبِالْعَكْسِ. [٢٠/ ١٣٩ - ١٤٠]
١٠١٣ - ثَبَتَ أَنَّ الزُّهْدَ الْوَاجِبَ هُوَ تَرْكُ مَا يَنْفَعُ عَنِ الْوَاجِبِ مِن إرَادَةِ اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَالزُّهْدَ الْمُسْتَحَبَّ هُوَ مَا يَشْغَلُ عَنِ الْمُسْتَحَبِّ مِن أَعْمَالِ الْمُقَرَّبِينَ وَالصِّدّيقِينَ.
والْمَحْمُودُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إنَمَا هُوَ إرَادَةُ الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَالْمَذْمُومُ إنَّمَا هُوَ مَن تَرَكَ إرَادَةَ الدَّارِ الْآخِرَةِ وَاشْتَغَلَ بِإِرَادَةِ الدُّنْيَا عَنْهَا.
فَأَمَّا مُجَرَّدُ مَدْح تَرْكِ الدُّنْيَا فَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلَا تَنْظُرْ إلَى كَثْرَةِ ذَمِّ النَّاسِ الدُّنْيَا ذَمًّا غَيْرَ دِينيٍّ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْعَامَّةِ إنَّمَا يَذُمُّونَهَا لِعَدَمِ حُصُولِ أَغْرَاضِهِمْ مِنْهَا، فَإِنَّهَا لَمْ تَصْفُ لِأَحَدٍ قَطُّ وَلَو نَالَ مِنْهَا مَا عَسَاهُ أَنْ يَنَالَ.
فَأَكْثَرُ ذَمِّ النَّاسِ لِلدُّنْيَا لَيْسَ مِن جِهَةِ شَغْلِهَا لَهُم عَنِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِن جِهَةِ مَا يَلْحَقُهُم مِنَ الضَّرَرِ فِيهَا، وَهِيَ مَذْمُومَةٌ مِن ذَلِكَ الْوَجْهِ (١) . [٢٠/ ١٤٧ - ١٤٩]
١٠١٤ - لَا تَتِمُّ رِعَايَةُ الْخَلْقِ وَسِيَاسَتُهُم إلَّا بالْجُودِ الَّذِي هُوَ الْعَطَاءُ،
وَالنَّجْدَةِ الَّتِي هِيَ الشَّجَاعَةُ؛ بَل لَا يَصْلُحُ الدّينُ وَالدُّنْيَا إلَّا بِذَلِكَ.
قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١]. الحواشي
(١) صدق ﵀، وهذا هو واقع عامة من يذم الدنيا من عامة الناس وخاصّتهم، فهم لا يذمونها لكونها ألهتهم عن العمل للآخرة، والاستعداد لها، بل لكونهم تعبوا في تحصيلها ولم يأتهم منها ما يُريدون، وإلا لو أنّ الدنيا جاءت على مرادهم وهواهم: لَمَا ذموها، ولكرهوا من يذمها.стр. 888
وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْأَرْضِ، حَتَّى إنَّهُم يَقُولُونَ فِي الْأَمْثَالِ الْعَامِّيَّةِ: "لَا طَعْنَةَ وَلَا جَفْنَةَ (١) "، وَيقُولُونَ: "لَا فَارِسَ الْخَيْلِ وَلَا وَجْهَ الْعَرَبِ". [٢٨/ ٢٩١ - ٢٩٣]
١٠١٥ - لَا يَكُونُ الْعَفْوُ عَن الظَّالِمِ وَلَا قَلِيلُهُ مُسْقِطًا لِأَجْرِ الْمَظْلُومِ عِنْدَ اللهِ وَلَا مُنْقِصًا لَهُ؛ بَل الْعَفْوُ عَن الظَّالِمِ يُصَيِّرُ أَجْرَهُ عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَعْفُ كَانَ حَقُّهُ عَلَى الظالِمِ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وإِذَا عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَأَجْرُهُ الَّذِي هُوَ عَلَى اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) ﴾ [الشورى: ٤٠].
وَكَمَا أَنَّ مَن تَوَهَّمَ أَنَّهُ بِالْعَفْوِ يَسْقُطُ حَقُّهُ أَو يَنْقُصُ: غالط جَاهِلٌ ضَالٌّ؛ بَل بِالْعَفْوِ يَكُونُ أَجْرُهُ أَعْظَمَ: فَكَذَلِكَ مَن تَوَهَّمَ أَنَّهُ بِالْعَفْوِ يَحْصُلُ لَهُ ذُلٌّ، وَيحْصُلُ لِلظَّالِمِ عِزٌّ وَاسْتِطَالَةٌ عَلَيْهِ فَهُوَ غالط فِي ذَلِكَ، كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" وَغَيْرِهِ (٢) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثٌ إنْ كُنْت لَحَالِفًا عَلَيْهِنَّ: مَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْو إلَّا عِزًا، وَمَا نَقَصَتْ صَدَقَة مِن مَالٍ (٣) ، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إلَّا رَفَعَهُ الله".
فَبَيَّنَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوق: أَنَّ اللهَ لَا يَزِيدُ الْعَبْدَ بِالْعَفْوِ إلَّا عِزًّا، وَأَنَّهُ لَا تَنْقُصُ صَدَقَةٌ مِن مَالٍ، وَأَنَّهُ مَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إلَّا رَفَعَهُ اللهُ.
وَهَذَا رَدٌّ لِمَا يَظنُّهُ مَن يَتَّبعُ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ مِن أَنَّ الْعَفْوَ يُذِلُّهُ، وَالصَّدَقَةَ تُنْقِصُ مَالَهُ، وَالتَّوَاضُعَ يَخْفِضُهُ. [٣٠/ ٣٦١ - ٣٦٨]
١٠١٦ - مَن أَحْسَنَ إلَى النَّاسِ (٤) : فَإِلَى نَفْسِهِ، كَمَا يُرْوَى عَن بَعْضِ السَّلَفِ الحواشي
(١) الجَفْنَة: وعاءٌ للطَّعام، قال ابن الأثير: كَانَتِ الْعَرَبُ تَدْعو السَّيِّدَ المِطعَام جَفْنَةً؛ لِأَنَّهُ يَضَعُهَا ويُطْعم الناسَ فِيهَا فَسُمي بِاسْمِهَا. النهاية، مادة: (جفن).(٢) مسلم(٢٥٨٨) ، ومالك(٢٨٥٥) ، والدارمي(١٧١٨) ، وأحمد(٩٠٠٨) .(٣) قال ابن عبد البر ﵀: أيْ: لَا تُنْقِصُ الصَّدَقَةُ الْمَالَ؛ لِأنَّهُ مَالٌ مُبَارَكٌ فِيهِ إِذَا أدَّيَتْ زَكَاتُهُ وَتَطَوَّعَ مِنْهُ صَاحِبُهُ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُضَاعَفُ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَيجِدُهَا صَاحِبُهَا وَقْتَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا كَجَبَل أحُدٍ مُضَاعَفَةَ أَضْعَافًا كَثِيرَةً، فَأَيُّ نقْصَانٍ مَعَ هَذَا؟. اهـ. الاستذكار (٨/ ٦١٢).(٤) أي: من أَحسن إلى الناس بحسن التعامل معهم، وإكرامهم والبشاشة في وجوههم، وبذل =стр. 889
أَنَّهُ قَالَ: مَا أَحْسَنْتُ إلَى أَحَدٍ وَمَا أَسَأْتُ إلَى أَحَدٍ، وَإِنَّمَا أَحْسَنْتُ إلَى نَفْسِي، وَأَسَأْتُ إلَى نَفْسِي، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦].
وَلَو لَمْ يَكُن الْإِحْسَانُ إلَى الْخَلْقِ إحْسَانًا إلَى الْمُحْسِنِ يَعُود نَفْعُهُ عَلَيْهِ: لَكَانَ فَاعِلًا إثْمًا أَو ضَرَرًا؛ فَإِنَّ الْعَمَلَ الَّذِي لَا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى فَاعِلِهِ: إمَّا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ، وَإِمَّا شَرٌّ مِنْ الْعَبَثِ إذَا ضَرَّ فَاعِلَهُ. [٣٠/ ٣٦٤ - ٣٦٥]
١٠١٧ - قَالَ تَعَالَى لِنَبِيّهِ ﷺ : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، هَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا جِمَاعُ الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَعَ النَّاسِ:
أ- إمَّا أَنْ يَفْعَلُوا مَعَهُ (غَيْرَ) (١) مَا يُحِبُّ.
ب- أَو مَا يَكْرَهُ.
فَأَمِرَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُم مَا يُحِبُّ مَا سَمَحُوا بِهِ، وَلَا يُطَالِبَهُم بِزِيَادَةٍ.
وَإِذَا فَعَلُوا مَعَهُ مَا يَكْرَهُ أَعْرَضَ عَنْهُمْ.
وَأَمَّا هُوَ فَيَأمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ. [٣٠/ ٣٧٠ - ٣٧١]
* * * الحواشي
(١) هكذا في الأصل وجميع النسخ، ويظهر أنها زائدة، ويدل عليه قوله: فَأُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُم مَا يُحبُّ.стр. 890
(ما يستحب في السلام والقيام والمعانقة والمصافحة وما ينهى عنه)
(تقبيل اليد ومدها للتقبيل والانحناء والمعانقة والمصافحة)
١٠١٨ - فأما تقبيل اليد فلم يكونوا (١) يعتادونه إلا قليلًا، ولما قدموا عليه ﷺ عام مؤتة قبَّلوا يده، وقالوا: نحن الفرارون، قال: "بل أنتم العكارون (٢) " (٣) .
وقَبَّلَ أبو عبيدة يد عمر ﵄، ورخص أكثر الفقهاء: أحمدُ وغيرُه لمن فعل ذلك على وجه التدين، لا على وجه التعظيم للدنيا.
وأما ابتداء مدُّ اليد للناس ليقبلوها وقصده لذلك: فيُنهى عن ذلك بلا نزاع كائنًا من كان، بخلاف ما إذا كان المقبِّل المبتدئ بذلك، وفي السنن: "قالوا: يا رسول الله يلقى أحدنا أخاه أفينحني له؟ قال: "لا" قالوا: فيلتزمه ويعانقه؟ قال: "لا"، قالوا: فيصافحه؛ قال: "نعم" (٤) .
قال الشيخ تقي الدين: فأبو بكر والقاضي ومن تبعهما فرَّقوا بين القيام لأهل الدِّين وغيرهم، فاستحبوه لطائفة وكرهوه لأخرى.
والتفريق في مثل هذا بالصفات فيه نظر.
قال: وأما أحمد فمنع منه مطلقًا لغير الوالدين؛ فإن النبي ﷺ سيد الأئمة ولم يكونوا يقومون له، فاستحباب ذلك للإمام العادل مطلقًا خطأ.
وما أراد أبو عبد الله (٥) -والله أعلم- إلا لغير القادم مِن سفر (٦) ، فإنه الحواشي
(١) يعني: الصحابة.(٢) الذين يعطفون إلى الحرب. [الحاشية].(٣) رواه أبو داود(٢٦٤٧) ، والترمذي(١٧١٦) ، وأحمد(٥٣٨٤) ، وضعَّفه الألباني في ضعيف أبي داود.(٤) رواه الترمذي(٢٧٢٨) ، وابن ماجه(٣٧٥٢) ، وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث، كما في الجرح والتعديل (٣/ ٢٤١).(٥) أي: الإمام أحمد رحمه الله تعالى.(٦) أي: منع القيام للرجل يُستثنى منه: القيام للوالدين، وللقادم من السفر.стр. 891
نصَّ على أن القادم من السفر إذا أتاه إخوانه فقام إليهم وعانقهم فلا بأس به، وحديث سعد يُخرَّج على هذا وسائر الأحاديث؛ فإنَّ القادم يُتلقى، لكن هذا قام فعانقهم، والمعانقة لا تكون إلا بالقيام. [المستدرك ١/ ٢٩ - ٣٠]
* * *
(القيام للقادم من السفر، وللحاضر الذي طالت غيبته والذي يتكرر مجيئه)
١٠١٩ - أما الحاضر في المصر الذي قد طالت غيبته والذي ليس من عادته المجيء إليه فمحل نظر (١) .
فأما الحاضر الذي يتكرر مجيئه في الأيام كإمام المسجد أو السلطان في مجلسه أو العالم في مقعده: فاستحباب القيام له خطأ؛ بل المنصوص عن أبي عبد الله هو الصواب.
وقال أيصًا: لا يجوز أن يكون قاعدًا وهم قيام، قال النبي ﷺ : "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار" (٢) . [المستدرك ١/ ٣٠]
* * *
(متي ينزع يده إذا سلم)
١٠٢٠ - قال الشيخ عبد القادر: ولا ينزع يده حتى ينزع الآخر يده إذا كان هو المبتدي.
قال الشيخ تقي الدين: الضابط أنَّ مَن غلب على ظنه أن الآخر ينزع أمسك؛ وإلا فلو استحب الإمساك لكلّ منهما أفضى إلى دوام المعاقدة، لكن تقييد عبد القادر حسن أن النازع هو المبتدي. [المستدرك ١/ ٣٠ - ٣١]
* * * الحواشي
(١) أي؛ يحتمل القيام إليه، ويحتمل عدم القيام، ولكن العرف المطرد الذي يكاد يكون بإجماع الأعرف: أنه يُقام إليه في هذه الحالة، ولا ينبغي مخالفة العرف إذا كان يُؤدي إلى مفسدة.(٢) رواه الترمذي(٢٧٥٥) ، وقال: حديث حسن.стр. 892
(معاملة الناس حسب ظواهرهم)
١٠٢١ - من ظهر منه أفعال يحبّها الله ورسوله وجب أن يعامل بما يوجبه ذلك من الموالاة والمحبة والإكرام، ومن ظهر منه بخلاف ذلك عومل بمقتضاه. [المستدرك ١/ ١١٠]
* * *
(يعفى لصاحب المقامات العظيمة ويسامح … )
١٠٢٢ - قال ابن القيم ﵀: فَإِنَّهُ يُعْفَى لِلْمُحِبِّ، وَلصَاحِبِ الْإِحْسَانِ الْعَظِيمِ مَا لَا يُعْفَى لِغَيْرِهِ، وَيُسَامَحُ بِمَا لَا يُسَامَحُ بِهِ غَيْرُهُ.
وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ -قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ- يَقُولُ: انْظُرْ إِلَى مُوسَى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- رَمَى الْألْوَاحَ الَّتِي فِيهَا كَلَامُ اللهِ الَّذِي كَتَبَهُ بِيَدِهِ فَكَسَرَهَا، وَجَرَّ بِلِحْيَةِ نَبِيٍّ مِثْلِهِ، وَهُوَ هَارُونُ، وَلَطَمَ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا، وَعَاتَبَ رَبَّهُ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ وَرَفْعِهِ عَلَيْهِ، وَرَبُّهُ تَعَالَى يَحْتَمِلُ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَيُحِبُّهُ وَيُكْرِمُهُ وَيُدَلّلُهُ؛ لِأَنَّهُ قَامَ للهِ تِلْكَ الْمَقَامَاتِ الْعَظِيمَةَ فِي مُقَابَلَةِ أَعْدَى عَدُوٍّ لَهُ، وَصَدَعَ بِأَمْرِهِ، وَعَالَجَ أُمَّتَيِ الْقِبْطِ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَكانَت هَذِهِ الْأمُورُ كَالشَّعْرَةِ فِي الْبَحْرِ.
وَانْظُرْ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى، حَيْثُ لَمْ يَكُن لَهُ هَذِهِ الْمَقَامَاتُ الَّتِي لِمُوسَى، غَاضَبَ رَبَّهُ مَرَّةً، فَأَخَذَهُ وَسَجَنَهُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، وَلَمْ يَحْتَمِلْ لَهُ مَا احْتَمَلَ لِمُوسَى، وَفَرْقٌ بَيْنَ مَن إِذَا أَتَى بِذَنْبٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَكُن لَهُ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْمَحَاسِنِ مَا يَشْفَعُ لَهُ، وَبَيْنَ مَن إِذَا أَتَى بِذَنْبٍ جَاءَت مَحَاسِنُهُ بِكُلّ شَفِيعٍ، كَمَا قِيلَ:
وَإِذَا الْحَبِيبُ أَتَى بِذَنْبٍ وَاحِدٍ … جَاءَت مَحَاسِنُهُ بِأَلْفِ شَفِيعِ (١)
[مدارج السالكين ١/ ٣٣٧]
* * * الحواشي
(١) يُستفاد مما قرره الشيخ رحمه الله تعالى أنه ينبغي لمن عُرف بالخير والصلاح والاستقامة أن تُغفر زلته، وتُقال عثرتُه، وتُحفظ له سابقتُه. =стр. 893
(ترك بعض المباحات من الزهد)
١٠٢٣ - قال ابن القيم: قال لي يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطًا في النجاة. [مدارج السالكين ٢/ ٢٨]
* * *
(المال قد يكون مع تاجر أزهد من فقير)
١٠٢٤ - إذا سلم فيه (١) القلب من الهلع، واليد من العدوان: كان صاحبه محمودًا وإن كان معه مال عظيم؛ بل قد يكون مع هذا زاهدًا أزهد من فقير هلوع. [الآداب الشرعية ٢/ ٢٤١ - ٢٤٢]
* * * стр. 894
الأخلاق المذمومة
١٠٢٥ - " الْحَسَدَ" مَرَضٌ مِن أَمْرَاضِ النَّفْسِ، وَهُوَ مَرَضٌ غَالِبٌ فَلَا يَخْلُصُ مِنْهُ إلَّا قَلِيلٌ مِن النَّاسِ، وَلهَذَا يُقَالُ: مَا خَلَا جَسَدٌ مِن حَسَدٍ، لَكِنَّ اللَّئِيمَ يُبْدِيهِ وَالْكَرِيمَ يُخْفِيهِ.
وَقَد قِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَيَحْسُدُ الْمُؤْمِنُ؟ فَقَالَ: مَا أَنْسَاك إخْوَةَ يُوسُفَ، وَلَكِنْ عُمّهُ فِي صَدْرِك، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّك مَا لَمْ تَعْدُ بِهِ يَدًا وَلسَانًا.
فَمَن وَجَدَ فِي نَفْسِهِ حَسَدًا لِغَيْرِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مَعَهُ التَّقْوَى وَالصَّبْرَ. فَيَكْرَهُ ذَلِكَ مِن نَفْسِهِ.
وَكَثِيرٌ مِن النَّاسِ الَّذِينَ عِنْدَهُم دِين لَا يَعْتَدُونَ عَلَى الْمَحْسُودِ، فَلَا يُعِينونَ مَن ظَلَمَهُ، وَلَكِنَّهُم أَيْضًا لَا يَقُومُونَ بِمَا يَجِبُ مِن حَقِّهِ، بَل إذَا ذَمَّهُ أَحَدٌ لَمْ يُوَافِقُوهُ عَلَى ذَمِّهِ، وَلَا يَذْكُرُونَ مَحَامِدَهُ، وَكَذَلِكَ لَو مَدَحَهُ أَحَدٌ لَسَكَتُوا، وَهَؤُلَاءِ مَدِينُونَ فِي تَرْكِ الْمَأمُورِ فِي حَقِّهِ مُفَرِّطُونَ فِي ذَلِكَ، لَا مُعْتَدُونَ عَلَيْهِ.
وَجَزَاؤُهُمْ: أَنَّهُم يُبْخَسُونَ حُقُوقَهُم فَلَا يُنْصَفُونَ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ، وَلَا يُنْصرُونَ عَلَى مَن ظَلَمَهُم كَمَا لَمْ يَنْصُرُوا هَذَا الْمَحْسُودَ، وَأَمَّا مَن اعْتَدَى بِقَوْلٍ أَو فِعْلٍ فَذَلِكَ يُعَاقَبُ. [١٠/ ١٢٤ - ١٢٥]
١٠٢٦ - التحقيق أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود وهو نوعان:
стр. 895
أحدهما: كراهة للنعمة عليه مطلقًا، فهذا هو الحسد المذموم، وإذا أبغض ذلك فإنه يتألم ويتأذى بوجود ما يبغضه، فيكون ذلك مرضٌ في قلبه، ويلتذ بزوال النعمة عنه، وإن لم يحصل له نفع بزوالها.
والنوع الثاني: أن يكره فضل ذلك الشخص عليه، فيحب أن يكون مثله أو أفضل منه، فهذا حسد وهو الذي سموه الغبطة، وقد سماه النَّبِيّ ﷺ حسدًا في الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود وابن عمر ﵄ أنه قال: "لا حسد إِلَّا في اثنتين: رجل أتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها، ورجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق".
فإن قيل: إذًا لم سمي حسدًا وإنما أحب أن ينعم اللّه عليه؟
قيل: مبدأ هذا الحب هو نظره إلى إنعامه على الغير وكراهته أن يتفضل عليه، ولولا وجود ذلك الغير لم يحب ذلك، فلما كان مبدأ ذلك كراهته أن يتفضل عليه الغير كان حسدًا؛ لأنه كراهة تتبعها محبة، وأما من أحب أن ينعم الله عليه مع عدم التفاته إلى أحوال الناس، فهذا ليس عنده من الحسد شيء.
ولهذا يُبْتلى غالب الناس بهذا القسم الثاني، وقد تسمى المنافسة، فيتنافس الاثنان في الأمر المحبوب المطلوب، كلاهما يطلب أن يأخذه، وذلك لكراهية أحدهما أن يتفضل عليه الآخر، كما يكره المستبقان كل منهما أن يسبقه الآخر.
والتنافس ليس مذمومًا مطلقًا، بل هو محمود في الخير، قال تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) ﴾ [المطففين: ٢٣ - ٢٦].
والنفوس لا تحسد من هو في تعب عظيم؛ فلهذا لم يذكره، وإن
стр. 896
كان المجاهد في سبيل اللّه أفضل من الذي ينفق المال، بخلاف المنفق والمعلم.
وكذلك لم يذكر النَّبِيّ ﷺ المصلي والصائم والحاج؛ لأن هذه الأعمال لا يحصل منها في العادة من نفع الناس الذي يعظمون به الشخص ويُسَوِّدُونه ما يحصل بالتعليم والإنفاق.
والحسد في الأصل إنما يقع لما يحصل للغير من السؤدد والرياسة، وإلا فالعامل لا يحسد في العادة، ولو كان تنعمه بالأكل والشرب والنكاح أكثر من غيره، بخلاف هذين النوعين فإنهما يحسدان كثيرًا؛ ولهذا يوجد بين أهل العلم الذين لهم أتباع من الحسد ما لا يوجد فيمن ليس كذلك، وكذلك فيمن له أتباع بسبب إنفاق ماله، فهذا ينفع الناس بقوت القلوب وهذا ينفعهم بقوت الأبدان، والناس كلهم محتاجون إلى ما يصلحهم من هذا وهذا.
وعمر بن الخطاب ﵁ نافس أبا بكر ﵁ الإنفاق، كما ثبت في "الصحيح" عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا. قال: فجئت بنصف مالي، قال: فقال لي رسول الله ﷺ : "ما أبقيت لأهلك؟ " قلت: مثله، وأتى أبو بكر ﵁ بكل ما عنده، فقال له رسول اللّه ﷺ : "ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم اللّه ورسوله فقلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا (١) .
فكان ما فعله عمر من المنافسة والغبطة المباحة، لكن حال الصديق ﵁ أفضل منه وهو أنه خال من المنافسة مطلقًا لا ينظر إلى حال غيره. [١٠/ ١١٣ - ١١٧] الحواشي
(١) رواه أبو داود(١٦٧٨) .стр. 897
١٠٢٧ - الْحَاسِدُ الْمُبْغِضُ لِلنِّعْمَةِ عَلَى مَن أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِهَا: ظَالِمٌ مُعْتَدٍ.
وَالْكَارِهُ لِتَفْضِيلِهِ الْمُحِبُّ لِمُمَاثَلَتِهِ: مَنْهِيٌّ عَن ذَلِكَ إلَّا فِيمَا يُقَرِّبُهُ إلَى اللهِ، فَإِذَا أَحَبَّ أَنْ يُعْطَى مِثْل مَا أُعْطِيَ مِمَّا يُقَرِّبُهُ إلَى اللّهِ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِعْرَاضُ قَلْبِهِ عَن هَذَا بِحَيْثُ لَا يَنْظُرُ إلَى حَالِ الْغَيْرِ: أَفْضَلُ.
ثُمَّ هَذَا الْحَسَدُ إنْ عَمِلَ بِمُوجِبِهِ صَاحِبُهُ كَانَ ظَالِمًا مُعْتَدِيًا مُسْتَحِقًّا لِلْعُقُوبَةِ إلَّا أَنْ يَتُوبَ، وَكَانَ الْمَحْسُودُ مَظْلُومًا مَأمُورًا بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى فَيَصْبِرُ عَلَى أَذَى الْحَاسِدِ وَيَعْفُو وَيَصْفَحُ عَنْهُ. [١٠/ ١٢٠ - ١٢١]
١٠٢٨ - ابْتُلِيَ يُوسُفُ بِحَسَدِ إخْوَتِهِ لَهُ … ثُمَّ إنَّهُم ظَلَمُوهُ بِتَكَلُّمِهِمْ فِي قَتْلِهِ وَإِلْقَائِهِ فِي الْجُبِّ وَبَيْعِهِ رَقِيقًا لِمَن ذَهَبَ بِهِ إلَى بِلَادِ الْكُفْرِ. فَصَارَ مَمْلُوكًا لِقَوْمِ كُفَّارٍ.
ثُمَّ إنَّ يُوسُفَ اُبْتُلِيَ بَعْدَ أَنْ ظُلِمَ بِمَن يَدْعُوهُ إلَى الْفَاحِشَةِ ويُرَاوِدُ عَلَيْهَا وَيسْتَعِينُ عَلَيْهِ بِمَن يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ فَاسْتَعْصَمَ وَاخْتَارَ السَّجْنَ عَلَى الْفَاحِشَةِ، وَآثَرَ عَذَابَ الدُّنْيَا عَلَى سَخَطِ اللهِ، فَكَانَ مَظْلُومًا مِن جِهَةِ مَن أَحَبَّهُ لِهَوَاهُ وَغَرَضِهِ الْفَاسِدِ.
فَأولَئِكَ أَخْرَجُوهُ مِن إطْلَاقِ الْحُرِّيَّةِ إلَى رِقِّ الْعُبُودِيَّةِ الْبَاطِلَةِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَهَذِهِ أَلْجَأتْهُ إلَى أَنْ اخْتَارَ أَنْ يَكُونَ مَحْبُوسًا مَسْجُونًا بِاخْتِيَارِهِ.
فَكَانَت هَذِهِ أَعْظَمَ فِي مِحْنَتِهِ. وَكَانَ صَبْرُهُ هُنَا صَبْرًا اخْتِيَارِيًّا اقْتَرَنَ بِهِ التَّقْوَى. بِخِلَافِ صَبْرِهِ عَلَى ظُلْمِهِمْ. فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِن بَابِ الْمَصَائِبِ الَّتِي مَن لَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهَا صَبْرَ الْكِرَامِ سَلَا سُلُوَّ الْبَهَائِمِ.
وَالصَّبْرُ الثَّانِي أَفْضَلُ الصَّبْرَيْنِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) ﴾ [يوسف: ٩٠].
стр. 898
وَقَد أُوذِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنْوَاع مِن الْأَذَى فَكَانَ يَصْبِرُ عَلَيْهَا صَبْرًا اخْتِيَارِيًّا، فَإِنَّهُ إنَّمَا يُؤْذَى لِئَلَّا يَفْعَلَ مَا يَفْعَلُهُ بِاخْتِيَارِهِ.
وَكَانَ هَذَا أَعْظَمَ مِن صَبْرِ يُوسُفَ؛ لِأَنَّ يُوسُفَ إنَّمَا طُلِبَ مِنْهُ الْفَاحِشَةُ، وَإِنَّمَا عُوقِبَ إذَا لَمْ يَفْعَلْ بِالْحَبْسِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ طُلِبَ مِنْهُم الْكُفْرُ، وَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا طُلِبَتْ عُقُوبَتُهُم بِالْقَتْلِ فَمَا دُونَهُ، وَأَهْوَنُ مَا عُوقِبَ بِهِ الْحَبْسُ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ حَبَسُوهُ وَبَنِي هَاشِمٍ بِالشِّعْبِ مُدَّةً، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِب اشْتَدُّوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَايَعَتِ الْأَنْصَارُ وَعَرَفُوا بِذَلِكَ صَارُوا يَقْصِدُونَ مَنْعَهُ مِن الْخُرُوجِ، وَيَحْبِسُونَهُ هوَ وَأَصْحَابُهُ عَن ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُن أَحَدٌ يُهَاجِرُ إلَّا سِرًّا إلَّا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَنَحْوُهُ، فَكَانُوا قَد أَلْجَئُوهُم إلَى الْخُرُوجِ مِن دِيَارِهِمْ، وَمَعَ هَذَا مَنَعُوا مَن مَنَعُوهُ مِنْهُم عَن ذَلِكَ وَحَبَسُوهُ.
فَكَانَ مَا حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن الْأَذَى وَالْمَصَائِبِ هُوَ بِاخْتِيَارِهِمْ طَاعَةً للّهِ وَرَسُولِهِ، لَمْ يَكُن مِن الْمَصَائِبِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي تَجْرِي بِدُونِ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ مِن جِنْسِ حَبْسِ يُوسُفَ، لَا مِن جِنْسِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ، وَهَذَا أَشْرَفُ النَّوْعَيْنِ وَأَهْلُهَا أَعْظَمُ دَرَجَةً -وَإِن كَانَ صَاحِبُ الْمَصَائِبِ يُثَابُ عَلَى صَبْرِهِ وَرِضَاهُ وَتُكَفَّرُ عَنْه الذُّنُوبُ بِمَصَائِبِهِ- فَإِنَّ هَذَا أُصِيبَ وَأُوذِيَ بِاخْتِيَارِهِ طَاعَةً للهِ يُثَابُ عَلَى نَفْسِ الْمَصَائِبِ وَيُكْتَبُ لَهُ بِهَا عَمَلٌ صَالِحٌ.
بِخِلَافِ الْمَصَائِبِ الَّتِي تَجْرِي بِلَا اخْتِيَارِ الْعَبْدِ؛ كَالْمَرَضِ وَمَوْتِ الْعَزِيزِ عَلَيْهِ وَأَخْذِ اللُّصُوصِ مَالَهُ، فَإنَّ تِلْكَ إنَّمَا يُثَابُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهَا، لَا عَلَى نَفْسِ مَا يَحْدُثُ مِن الْمُصِيبَةِ.
لَكِنَّ الْمُصِيبَةَ يُكَفَّرُ بِهَا خَطَايَاهُ، فَإِنَّ الثوَابَ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْأَعْمَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَمَا يَتَوَلَّدُ عَنْهَا. [١٠/ ١٢١ - ١٢٤]
١٠٢٩ - فِي "الصحِيحَيْنِ" (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإنَّ الحواشي
(١) لم أجده في الصحيحين، وإنما رواه أحمد(٦٤٨٧) ، وأبو داود(١٦٩٨) .стр. 899
الشُّحَّ أَهْلَكَ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ، أَمَرَهُم بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُم بِالظُّلْمِ فَظَلَمُوا، وَأمَرَهُم بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا".
فَبَيَّنَ أَنَّ الشُّحَّ يَأْمُرُ بِالْبُخْلِ وَالظُّلْمِ وَالْقَطِيعَةِ.
"فَالْبُخْلُ" مَنْعُ مَنْفَعَةِ النَّاسِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ (١) .
وَ"الظُّلْمُ" هُوَ الِاعْتِدَاءُ عَلَيْهِم.
فَالْأَوَّلُ هُوَ التَّفْرِيطُ فِيمَا يَجِبُ، فَيَكُونُ قَد فَرَّطَ فِيمَا يَجِبُ، وَاعْتَدَى عَلَيْهِم بِفِعْلِ مَا يُحَرَّمُ.
وَخَصَّ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ بِالذِّكْرِ إعْظَامًا لَهَا؛ لِأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي الْأَمْرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ قَبْلَهَا.
وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ [الحشر: ٩]: هُوَ أَلَّا يَأْخُذَ شَيْئًا مِمَّا نَهَاهُ اللّهُ عَنْهُ، وَلَا يَمْنَعُ شَيْئًا أَمَرَهُ اللّه بِأَدَائِهِ.
وَمِن النَّاسِ مَن يَقُولُ: "الشُّحُّ وَالْبُخْلُ" سَوَاءٌ، كَمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الشُّحُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الْبُخْلُ وَمَنْعُ الْفَضْلِ مِن الْمَالِ.
وَلَيْسَ كَمَا قَالَ؛ بَل مَا قَالَهُ النَّبِيُّ ﷺ (٢) وَابْنُ مَسْعُودٍ (٣) أَحَقّ أَنْ يُتَّبَعَ، فَإِنَّ الْبَخِيلَ قَد يَبْخَلُ بِالْمَالِ مَحَبَّةً لِمَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مِن اللَّذَّةِ وَالتَّنَعُّمِ، وَقَد لَا يَكونُ مُتَلَذِّذًا بِهِ وَلَا مُتَنَعِّمًا؛ بَل نَفْسُهُ تَضِيقُ عَن إنْفَاقِهِ وَتَكْرَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ يَكْرَهُ أَنْ يَنْفَعَ نَفْسَهُ مِنْهُ مَعَ كَثْرَةِ مَالِهِ، وَهَذَا قَد يَكُونُ مَعَ الْتِذَاذِهِ بِجَمْعِ الْمَالِ وَمَحَبَّتِهِ لِرُؤَيتِهِ، وَقَد لَا يَكُونُ هُنَاكَ لَذَّةٌ أَصْلًا؛ بَل يَكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَ إحْسَانًا إلَى أَحَدٍ حَتَّى لَو أَرَادَ غَيْرُهُ أَنْ يُعْطِيَ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْهُ بُغْضًا لِلْخَيْرِ لَا لِلْمُعْطِي وَلَا لِلْمُعْطَى؛ بَل بُغْضًا مِنْهُ لِلْخَيْرِ، وَقَد يَكُونُ بُغْضا وَحَسَدًا لِلْمُعْطَى أَو الحواشي
(١) وعلمِه، بل هو من أعظم البخل وأمقته وأضره.(٢) بقوله: فَإِنَّ الشُّحَّ أهْلَكَ مَن كَانَ قَبْلَكمْ أَمَرَهُم بِالْبُخْلِ.(٣) بقوله: إنما الشح أن تأكل مال أخيك ظلمًا.стр. 900
لِلْمُعْطِي (١) ، وَهَذَا هُوَ "الشُّحُّ"، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَأْمُرُ بِالْبُخْلِ قَطْعًا، وَلَكِنْ كُلُّ بُخْلٍ يَكُونُ عَن شُحٍّ، فَكُلُّ شَحِيحٍ بَخِيلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ بَخِيلٍ شَحِيحًا. [١٠/ ٥٨٨ - ٥٩١]
١٠٣٠ - مِن النَّاسِ: مَن يُحْسِن إلَى غَيْرِهِ لِيَمُنَّ عَلَيْهِ (٢) ، أَو يَرُدَّ الْإِحْسَانَ لَهُ بِطَاعَتِهِ إلَيْهِ وَتَعْظِيمِهِ أَو نَفْعٍ آخَرَ.
وَقَد يَمُنُّ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: أَنَا فَعَلْت بِك كَذَا، فَهَذَا لَمْ يَعْبُدْ اللهَ وَلَمْ يَسْتَعِنْهُ، وَلَا عَمِلَ للّهِ وَلَا عَمِلَ بِاللّهِ، فَهُوَ الْمُرَائِي، وَقَد أَبْطَلَ اللهُ صَدَقَةَ الْمَنَّانِ وَصَدَقَةَ الْمُرَائِي. [١٤/ ٣٣٠]
١٠٣١ - الشُّحُّ: هُوَ شِدَّةُ الْحِرْصِ الَّتِي تُوجِبُ الْبُخْلَ وَالظّلْمَ، وَهُوَ مَنْعُ الْخَيْرِ وَكَرَاهَتُهُ. [١٤/ ٤٨٠]
١٠٣٢ - عَهِدَ النَّاسُ خَلْقًا مِن النَّاسِ تَغْلِبُهُم نِسَاؤُهُم؛ مِن نِسَاءِ التتر وَغَيْرِهِمْ، يَكُونُ لِامْرَأَتِهِ غَرَضٌ فَاسِدٌ فِي فَتَاهُ أَو فَتَاهَا، وَتَفْعَلُ مَعَهُ مَا ترِيدُ، وَإِن أَرَادَ الزَّوْجُ أنْ يَكْشِفَ أَو يُعَاقِبَ مَنَعَتْهُ وَدَفَعَتْهُ؛ بَل وَأَهَانَتْهُ وَفَتَحَتْ عَلَيْهِ أبْوَابًا مِن الشَّرِّ بِنَفْسِهَا وَأهْلِهَا وَحَشَمِهَا وَالْمطَالَبَةِ بِصَدَاقِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ.
حَتَّى يَتَمَنَّى الرَّجُلُ الْخَلَاصَ مِنْهَا رَأسًا بِرَأسِ، مَعَ كَوْنِ الرَّجُلِ فِيهِ غَيْرَةٌ، فَكَيْفَ مَعَ ضَعْفِ الْغَيْرَةِ؟ [١٥/ ١٢١]
١٠٣٣ - تَحْقِيقُ مَعْنَى الشُّحِّ: أَنَّهُ شِدَّةُ الْمَنْعِ الَّتِي تَقُومٌ فِي النَّفْسِ … وَالْبُخْلُ مِن فُرُوعِهِ. [١٨/ ٣٣٣]
١٠٣٤ - يَقَعُ الْغَلَطُ فِي الزُّهْدِ مِن وُجُوهٍ كَمَا وَقَعَ فِي الْوَرَعِ: الحواشي
(١) وهكذا حال من يكره الدعاة والمشايخ الذين لهم نفعٌ وتأثيرٌ في الأمة، فكثيرٌ منهم يَكْرَهُ أنْ يَقوم بالدعوة ونشر العلم للناس، أو يكسل عن ذلك، أو لا يُرزق القبول عند الناس، فإذا رأى غيره من الدعاة والمشايخ قام بالدعوة ورُزق القبول: كرِهَ ذَلِكَ مِنْهُ؛ بُغْضًا مِنْهُ لِلْخَيْر ونشرِهِ، أو حَسَدًا مِنْهُ لمن قام به.(٢) مثل: من يسعى في خدمة رئيسِه أو صديقه، فإذا أراد منه حاجة ذكَّره بما فعله له.стр. 901
أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْمًا زَهِدُوا فِيمَا يَنْفَعُهُم بِلَا مَضَرَّةٍ، فَوَقَعُوا بِهِ فِي تَرْكِ وَاجِبَاتٍ أَو مُسْتَحَبَّاتٍ، كَمَن تَرَكَ النِّسَاءَ وَاللَّحْمَ وَنَحْو ذَلِكَ.
وَالثَّانِي: أَنَّ زُهْدَ هَذَا أَوْقَعَهُ فِي فِعْلِ مَحْظُورَات، كَمَن تَرَكَ تَنَاوُلَ مَا أُبِيحَ لَهُ مِنَ الْمَالِ وَالْمَنْفَعَةِ وَاحْتَاجَ إلَى ذَلِكَ فَأَخَذَة مِن حَرَامٍ، أَو سَأَلَ النَّاسَ الْمَسْأَلَةَ الْمُحَرَّمَةَ، أَو اسْتَشْرَفَ إلَيْهِمْ، وَالِاسْتِشْرَافُ مَكْرُوهٌ.
وَالثَّالِثُ: مَن زَهِدَ زُهْدَ الْكَسَلِ وَالْبَطَالَةِ وَالرَّاحَةِ، لَا لِطَلَبِ الدَّارِ الْآخِرَةِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْعِلْمِ النَّافِعِ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ زَاهِدًا بَطَّالًا فَسَدَ أَعْظَمَ فَسَادٍ، فَهَؤُلَاءِ لَا يُعَمِّرُونَ الدُّنْيَا وَلَا الْآخِرَةَ. [٢٠/ ١٥٠]
١٠٣٥ - قَالَ ﷺ : "مَن تَعَزَّى بِعَزَاءِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بهن أَبِيهِ وَلَا تَكْنُوا".
فَسَمِعَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَجُلًا يَقُولُ: "يَا لِفُلَان" فَقَالَ: "اعْضَضْ أَيْرَ أَبِيك، فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، مَا كُنْت فَاحِشًا، فَقَالَ: بِهَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللّهِ ﷺ ". رَوَاهُ أَحْمَد فِي مُسْنَدِهِ (١) .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: "مَن تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ": يَعْنِي: يَعْتَزِي بِعزْوَاتِهِمْ، وَهِيَ الِانْتِسَابُ إلَيْهِم فِي الدَّعْوَةِ، مِثْل قَوْلِهِ: يَا لِقَيْس، يَا ليمن، وَيَا لِهِلَال، وَيَا لِأَسَد، فَمَن تَعَصَّبَ لِأَهْلِ بَلْدَتِهِ أَو مَذْهَبِهِ أَو طَرِيقَتِهِ أَو قَرَابَتِهِ أَو لِأَصْدِقَائِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ: كَانَت فِيهِ شُعْبَةٌ مِن الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى يَكُونَ الْمُؤْمِنُونَ كَمَا أَمَرَهُم اللّهُ تَعَالَى مُعْتَصِمِينَ بِحَبْلِهِ وَكِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، فَإِنَّ كِتَابَهُم وَاحِدٌ، وَدِينهُم وَاحِدٌ، وَنَبِيّهُم وَاحِدٌ، وَرَبّهُم إلَهٌ وَاحِدٌ، لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. [٢٨/ ٤٢٢ - ٤٢٣]
١٠٣٦ - قَالَ تعالى فِي وَصْفِهِمْ [أي: المنافقين] بِالشُّحِّ: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ﴾ الحواشي
(١) (٢١٢٣٦، ٢١٢٣٧).стр. 902
كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤) ﴾ [التوبة: ٥٤]، فَهَذِهِ حَالُ مَن أَنْفَقَ كَارِهًا، فَكَيْفَ بِمَن تَرَكَ النَّفَقَةَ رَأْسًا؟ [٢٨/ ٤٣٩]
١٠٣٧ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مِن حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ" (١) ، فَإِذَا
خَاضَ فِيمَا لَا يَعْنيهِ نَقَصَ مِن حُسْنِ إسْلَامِهِ. [٧/ ٥٠]
١٠٣٨ - لِمَاذَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ مِن الْمُطَفِّفِينَ (٢) : لَا يَحْتَجُّ لِغَيْرِهِ كَمَا يَحْتَجُّ لِنَفْسِهِ؟ وَلَا يَقْبَلُ لِنَفْسِهِ مَا يَقْبَلُهُ لِغَيْرِهِ؟ [٢٤/ ٨٢]
١٠٣٩ - كَثِيرًا مَا يَشْتَبِهُ الْوَرَعُ الْفَاسِدُ بِالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ؛ فَإنَّ كِلَاهُمَا فِيهِ تَرْكٌ، فَيَشْتَبِهُ تَرْكُ الْفَسَادِ لِخَشْيَةِ اللهِ تَعَالَى بِتَرْكِ مَا يُؤمَرُ بِهِ مِن الْجِهَادِ وَالنَّفَقَةِ جُبْنًا وَبُخْلًا.
كَذَلِكَ قَد يَتْرُكٌ الْإِنْسَانُ الْعَمَلَ ظَنًّا أَو إظْهَارًا أَنَّهُ وَرَعٌ، وَإِنَّمَا هُوَ كِبْرٌ وَإِرَادَةٌ لِلْعُلُوِّ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ: "إنَّمَا الْأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ" (٣) : كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ كَامِلَةٌ؛ فَإِنَّ النِّيَّةَ لِلْعَمَلِ كَالرُّوحِ لِلْجَسَدِ (٤) ، وَإِلَّا فَكَلُّ وَاحِدٍ مِن السَّاجِدِ للّهِ وَالسَّاجِدِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ قَد وَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَى الْأرْضِ، فَصُورَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، ثُمَّ هَذَا أَقْرَبُ الْخَلْقِ إلَى اللّهِ تَعَالَى، وَهَذَا أَبْعَدُ الْخَلْقِ عَن اللّهِ. [٢٨/ ٢٩١]
١٠٤٠ - كُلُّ آدَمِيٍّ قَهَرَ آدمِيًّا بِغَيْرِ حَقٍّ وَمَنَعَهُ عَن التصَرُّفِ: فَالْقَاهِرُ يُشبِهُ الْآسِرَ، وَالْمَقْهُورُ يُشْبِة الْأَسِيرَ، وَكَذَلِكَ الْقَهْرُ بِحَقِّ أَسِيرٍ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْغَرِيمِ الحواشي
(١) رواه الترمذي(٢٣١٧) ، وابن ماجه(٣٩٧٦) ، ومالك(٢٦٢٨) ، وأحمد(١٧٣٧) ، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ إِلا من هذا الوجه.(٢) الْمُطَفِّفِونَ: هم الذين يَنقصون الناس، ويبخسونهم حقوقهم في مكاييلهم إذا كالوهم، أو موازينهم إذا وزنوا لهم عن الواجب لهم من الوفاء، وأصل ذلك من الشيء الطفيف، وهو القليل الحقير، والمطفِّف: المقلِّل حقّ صاحب الحقّ عما له من الوفاء والتمام. يُنظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٢٧٧).(٣) رواه البخاري(١) .(٤) فكما أنّ الجسد لا يصلح ولا يُنتفع به بلا روح، فكذلك العمل لا يصلح ولا يُنتفع به بلا نيّة.стр. 903
الَّذِي لَزِمَ غَرِيمَهُ: "مَا فَعَلَ أَسِيرُك؟ " (١) . [٢٩/ ١٤٨٣]
* * *
(التنابز بالألقاب والاستهزاء بالآخرين)
١٠٤١ - قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ الْآيَةَ [الحجرات: ٩].
ثُمَّ نَهَاهُم عَن أَنْ يَسْخَرَ بَعْضُهُم بِبَعْضِ وَعَن اللَّمْزِ وَالتَّنَابُزِ بِالْأَلْقَابِ وَقَالَ: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١١] وَقَد قِيلَ: مَعْنَاهُ: لَا تُسَمِّيهِ فَاسِقًا وَلَا كَافِرًا بَعْدَ إيمَانِهِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ؛ بَل الْمُرَادُ: بِئْسَ الِاسْمُ أَنْ تَكُونُوا فُسَّاقًا بَعْدَ إيمَانِكُمْ .. وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" (٢) عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ".
يَقُولُ: فَإذَا سَابَبْتُم الْمُسْلِمَ وَسَخِرْتُمْ مِنْهُ وَلَمَزْتُمُوهُ: اسْتَحْقَقْتُمْ أَنْ تُسَمَّوا فُسَّاقًا. [٧/ ٢٤٨]
* * *
(الفخر والبغي، والفخر بالإسلام والشريعة)
١٠٤٢ - لمسلم وأبي داود وغيرهما (٣) عن عياض بن حمار عن النَّبِيّ ﷺ : "إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحدٍ، ولا يبغي أحدٌ على أحدٍ"، جمع النَّبِيّ ﷺ بين نوعي الاستطالة؛ لأن المستطيل إن استطال بحق فهو المفتخر، وإن استطال بغير حق فهو الباغي؛ فلا يحل لا هذا، ولا هذا. [المستدرك ١/ ١٥٥]
* * * الحواشي
(١) رواه ابن ماجه(٢٤٢٨) ، وضعَّفه الألباني.(٢) رواه البخاري(٤٨) ، ومسلم(٦٤) .(٣) رواه مسلم(٢٨٦٥) ، وأبو داود(٤٨٩٥) ، وابن ماجه(٤١٧٩) .стр. 904
(الغضب)
١٠٤٣ - قال القاضي: ويستحب لمن غضب إن كان قائمًا جلس، وإذا كان جالسًا اضطجع. وقال ابن عقيل: ويستحب لمن غضب أن يغير حاله فإن كان جالسًا قام أو اضطجع، وإن كان قائمًا مشى. وقول القاضي هو الصواب. قاله الشيخ تقي الدين. [المستدرك ١/ ١٥٥]
* * *
(الصمت)
١٠٤٤ - التحقيق في الصمت: أنه إذا طال حتى يتضمن ترك الكلام الواجب صار حرامًا، كما قال الصديق، وكذا إن بعد بالصمت عن الكلام المستحب. [المستدرك ١/ ١٥٦]
* * *
التنطع والتشدد في الدين
١٠٤٥ - إذَا تَبَيَّنَّا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَرْخَصَ فِي شَيءٍ، وَقَد كَرِهَ أَنْ نَتَنَزَّهَ عَمَّا تَرَخَّصَ فِيهِ، وَقَالَ لَنَا: "إنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كمَا يَكْرَة أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ" (١) : فَإِنْ تَنَزَّهْنَا عَنْهُ عَصَيْنَا رَسُولَ اللّهِ ﷺ ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ نُرْضِيَهُ، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُغْضِبَ رَسُولَ اللّهِ ﷺ لِشُبْهَةٍ وَقَعَتْ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ كَمَا كَانَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ. [٢١/ ٦٢]
١٠٤٦ - الْإِسْرَافُ فِي الْمُبَاحَاتِ: هُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَهُوَ مِنَ الْعُدْوَانِ الْمُحَرَّمِ.
وَتَرْكُ فُضُولِهَا: هُوَ مِنَ الزُّهْدِ الْمُبَاحِ. الحواشي
(١) رواه الإمام أحمد(٥٨٦٦) ، وصحَّحه الألباني في الإرواء(٥٦٤) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد(٤٩٣٩) : رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ، وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.стр. 905
وَأَمَّا الِامْتِنَاعُ مِن فِعْلِ الْمُبَاحَاتِ مُطْلَقًا كَالَّذِي يَمْتَنِعُ مِن أَكْلِ اللَّحْمِ، وَأَكْلِ الْخُبْزِ، أَو شُرْبِ الْمَاءِ، أَو لُبْسِ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ، وَلَا يَلْبَسُ إلَّا الصُّوفَ، وَيَمْتَنِعُ مِن نِكَاحِ النِّسَاءِ وَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا مِنَ الزُّهْدِ الْمُسْتَحَبِّ (١) : فَهَذَا جَاهِلٌ ضَالٌّ مِن جِنْسِ زُهَّادِ النَّصَارَى. [٢٢/ ١٣٤]
* * * الحواشي
(١) ومن المعلوم أن الشيخ لم يتزوج، ولا يُظن به -وخاصة مع كلامه هذا- أنه ترك الزواج زهدًا فيه، ولا ترفُّعًا عنه، ولكن قد يكون عنده مانعٌ منعه من الزواج، وأقل ما يُقال: إنه كان مشغولًا بالعلم والجهاد والتصنيف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.стр. 906
التوبة وما يدفع السيئات
١٠٤٧ - المؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبتها تندفع عنه بعشرة أسباب:
أ - أن يتوب فيتوب الله عليه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
ب - أو يستغفر فيغفر له.
ج - أو يعمل حسنات تمحوها، فإن الحسنات يذهبن السيئات.
د - أو يدعوا له إخوانه المؤمنون ويستغفرون له حيًّا وميتًا.
هـ - أو يهدون له من ثواب أعمالهم ما ينفعه اللّه به.
و - أو يشفع فيه نبيّه محمد ﷺ .
ز - أو يبتليه اللّه تعالى في الدنيا بمصائب تكفِّر عنه.
ح - أو يبتليه في البرزخ بالصعقة فيكفَّر بها عنه.
ط - أو يبتليه في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفَّر عنه.
ي - أو يرحمه أرحم الراحمين.
فمن أخطأته هذه العشرة، فلا يلومن إِلَّا نفسه، كما قال تعالى فيما يروي عنه رسوله ﷺ : "يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إِلَّا نفسه" (١) . [١٠/ ٤٥ - ٤٦] الحواشي
(١) رواه مسلم(٢٥٧٧) .стр. 907
١٠٤٨ - التَّوْبَة النَّصُوحُ الَّتِي يَقْبَلُهَا اللهُ يَرْفَعُ بِهَا صَاحِبَهَا إلَى أَعْظَمَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كَانَ دَاوُد ﵇ بَعْدَ التَّوْبَةِ خَيْرًا مِنْهُ قَبْلَ الْخَطِيئَةِ، وَقَالَ آخَرُ: لَو لَمْ تَكُن التَّوْبَةُ أَحَبُّ الْأَشْيَاءِ إلَيْهِ لَمَا ابْتَلَى بِالذَّنْبِ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَيْهِ.
وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ": "حَدِيثُ الَّذِي يَعْرِضُ اللهُ صِغَارَ ذُنُوبِهِ ويُخَبِّئُ عَنْهُ كِبَارَهَا وَهُوَ مُشْفِقٌ مِن كِبَارِهَا أنْ تَظْهَرَ، فَيَقُولُ اللّهُ لَهُ: إنِّي قَد غَفَرْتُهَا لَكَ وَأَبْدَلْتُكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً، فَيَفولُ: أَيْ رَبِّ، إنَّ لِي سَيِّئَاتٍ لَمْ أَرَهَا" (١) ، إذَا رَأَى تَبْدِيلَ السَّيِّئَاتِ بالْحَسَنَاتِ طَلَبَ رُؤْيَةَ الذُّنُوب الْكِبَارِ الَّتِي كَانَ مُشْفِقًا مِنْهَا أَنْ تَظْهَرَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ حَالَهُ هَذِهِ مَعَ هَذَا التَّبْدِيلِ أَعْظَمُ مِن حَالِهِ لَو لَمْ تَقَعْ السَّيِّئَاتُ وَلَا التَّبْدِيلُ. [١٠/ ٢٩٣ - ٢٩٤]
١٠٤٩ - الْأنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِم مَعْصُومُونَ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ عَن اللهِ سُبْحَانَهُ، وَفِي تَبْلِيغِ رِسَالَاتِهِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ.
وَالْقُرْآن يَدُلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) ﴾ [الحج: ٥٢، ٥٣] فَقَالُوا: الْآثَارُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مَعْرُوفَةٌ ثَابِتَةٌ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ، وَالْقُرْآنُ يُوَافِقُ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ نَسْخَ اللهِ لِمَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَإِحْكَامَهُ آيَاتِهِ إنَّمَا يَكُونُ لِرَفْعِ مَا وَقَعَ فِي آيَاتِهِ، وَتَمْيِيزِ الْحَق مِن الْبَاطِلِ حَتَّى لَا تَخْتَلِطَ آيَاتُهُ بِغَيْرِهَا.
وَهَذِهِ الْعِصْمَةُ الثَّابِتَةُ لِلْأَنْبِيَاءِ هِيَ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا مَقْصُودُ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ.
وَأَمَّا الْعِصْمَةُ فِي غَيْرِ مَا يَتَعَلَّق بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ فَلِلنَّاسِ فِيهِ نِزَاعٌ. الحواشي
(١) رواه مسلم(١٩٠) .стр. 908
واللّهُ تَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ فِي الْقُرْآنِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ عَن نَبِيٍّ مِن الْأنْبِيَاءِ إلَّا مَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ؛ كَقَوْلِ آدمَ وَزَوْجَتِهِ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
وَأمَّا يُوسُفُ الصِّدِّيقُ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهُ عَنْهُ ذَنْبا فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُر اللّهُ عَنْهُ مَا يُنَالسِبُ الذَّنْبَ مِن الِاسْتِغْفَارِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] فَالْهَمُّ اسْمُ جِنْسٍ تَحْتَهُ "نَوْعَانِ" كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد: الْهَمُّ هَمَّانِ: هَمُّ خَطَرَاتٍ وَهَمُّ إصْرَارٍ، وَقَد ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" (١) عَن النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ الْعَبْدَ إذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَإِذَا تَرَكَهَا للهِ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ.
ويُوسُفُ ﷺ هَمَّ هَمًّا تَرَكَهُ للهِ، وَلذَلِكَ صَرَفَ اللّهُ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ لِإِخْلَاصِهِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا قَامَ الْمُقْتَضِي لِلذَّنْبِ وَهُوَ الْهَمُّ، وَعَارَضَهُ الْإِخْلَاصُ الْمُوجِبُ لِانْصِرَافِ الْقَلْبِ عَن الذَّنْبِ للهِ.
فَيُوسُفُ ﵇ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ إلَّا حَسَنَةٌ يُثَابُ عَلَيْهَا.
وَأمَّا مَا يُنْقَلُ: مِن أَنَّهُ حَلَّ سَرَاوِيلَهُ وَجَلَسَ مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِن الْمَرْأةِ، وَأَنَّهُ رَأَى صُورَةَ يَعْقُوبَ عَاضًّا عَلَى يَدِهِ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ فَكُلُّة مِمَّا لَمْ يُخْبِرِ اللهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ، وَمَا لَمْ يَكُن كَذَلِكَ فَإِنَّمَا هوَ مَأْخُوذٌ عَن الْيَهُودِ الَّذِينَ هُم مِن أَعْظَمِ النَّاسِ كَذِبًا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَقَدْحًا فِيهِمْ، وَكُلُّ مَن نَقَلَهُ مِن الْمُسْلِمِينَ فَعَنْهُم نَقَلَهُ، لَمْ يَنْقُلْ مِن ذَلِكَ أَحَدٌ عَن نَبِيِّنَا ﷺ حَرْفًا وَاحِدًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣] فَمِن كَلَامِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ كَمَا يَدُلُّ الْقُرْآنُ عَلَى ذَلِكَ دِلَالَةً بَيِّنَةً لَا يَرْتَابُ فِيهَا مَن تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ. [١٠/ ٢٨٩ - ٢٩٨] стр. 909
١٠٥٠ - إنَّ الْمُوجِبَ لِلْغُفْرَانِ مَعَ التَّوْحِيدِ هُوَ التَّوْبَةُ الْمَأمُورُ بِهَا؛ فَإِنَّ الشِّرْكَ لَا يَغْفِرُهُ اللّهُ إلَّا بتَوْبَة؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فِي مَوْضِعَيْنِ مِن الْقُرْآنِ، وَمَا دُونَ الشِّرْكِ فَهُوَ مَعَ التَّوْبَةِ مَغْفُورٌ؛ وَبِدُونِ التَّوْبَةِ مُعَلَّقٌ بِالْمَشِيئَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، فَهَذَا فِي حَقِّ التَّائِبِينَ وَلهَذَا عَمَّمَ وَأَطْلَقَ وَحَتَّمَ أَنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا.
وَمِن النَّاسِ مَن يَقُولُ: الْغَفْرُ: السَّتْرُ، وَيَقُولُ: إنَّمَا سُمِّيَ الْمَغْفِرَةَ وَالْغَفَّارَ لِمَا فِيهِ مِن مَعْنَى السَّتْرِ، وَتَفْسِيرُ اسْمِ اللهِ الْغَفَّارِ بِأَنَّهُ السَّتَّارُ، وَهَذَا تَقْصِيرٌ فِي مَعْنَى الْغَفْرِ؛ فَإِنَّ الْمَغْفِرَةَ مَغنَاهَا وِقَايَةُ شَرِّ الذَّنْبِ، بِحَيْثُ لَا يُعَاقَبُ عَلَى الذَّنْبِ، فَمَن غُفِرَ ذَنْبُهُ لَمْ يُعَاقَبْ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مُجَرَّدُ سَتْرِهِ فَقَد يُعَاقَبُ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ، وَمَن عُوقِبَ عَلَى الذَّنْبِ بَاطِنًا أَو ظَاهِرًا فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ.
وَقَد يَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّهُ تَائِبٌ وَلَا يَكُونُ تَائِبًا بَل يَكُونُ تَارِكًا، وَالتَّارِكُ غَيْرُ التَّائِبِ، فَإِنَّهُ قَد يُعْرِضُ عَن الذَّنْبِ لِعَدَمِ خُطُورِهِ بِبَالِهِ، أَو الْمُقْتَضِي لِعَجْزِهِ عَنْهُ، أَو تَنْتَفِي إرَادَتُهُ لَهُ بِسَبَب غَيْرِ دِينِيٍّ، وَهَذَا لَيْسَ بِتَوْبَة؛ بَل لَا بُدَّ مِن أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ سَيِّئَةٌ، وَيَكْرَهَ فِعْلَهُ لِنَهْيِ اللّهِ عَنْهُ وَيَدَعَهُ للّهِ تَعَالَى. [١٠/ ٣١٦]
١٠٥١ - قَوْلُ مَن قَالَ مِن الْعُلَمَاءِ: الِاسْتِغْفَارُ مَعَ الْإِصْرَارِ تَوْبَةُ الْكَذَّابِينَ، فَهَذَا إذَا كَانَ الْمُسْتَغْفِرُ يَقُولُهُ عَلَى وَجْهِ التَّوْبَةِ، أَو يَدَّعِي أَنَّ اسْتِغْفَارَهُ تَوْبَة؛ وَأَنَّه تَائِبٌ بِهَذَا الِاسْتِغْفَارِ، فَلَا ريبَ أَنَّهُ مَعَ الْإِصْرَارِ لَا يَكُونُ تَائِبًا، فَإِنَّ التَّوْبَةَ وَالْإِصْرَارَ ضِدَّانِ، الْإِصْرَارُ يُضَادّ التَّوْبَةَ، لَكِنْ لَا يُضَادُّ الِاسْتِغْفَارَ بِدُونِ التَّوْبَةِ. [١٠/ ٣١٩]
١٠٥٢ - التَّوْبَةَ تَصِحُّ مِن ذَنْبٍ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى ذَنْبٍ آخَرَ إذَا كَانَ الْمُقْتَضِي
стр. 910
لِلتَّوْبَةِ مِن أَحَدِهِمَا أَقْوَى مِن الْمُقْتَضِي لِلتَّوْبَةِ مِن الْآخَرِ، أَو كَانَ الْمَانِعُ مِن أَحَدِهِمَا أَشَدَّ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. [١٠/ ٣٢٠]
١٠٥٣ - التَّوْبَةُ مِن بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ، كَفِعْلِ بَعْضِ الْحَسَنَاتِ الْمَأمُورِ بِهَا دُونَ بَعْضٍ، إذَا لَمْ يَكُن الْمَتْرُوكُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْمَفْعُولِ؛ كَالْإِيمَانِ الْمَشْرُوطِ فِي غَيْرِهِ مِن الْأَعْمَالِ. [١٠/ ٣٢٢ - ٣٢٣]
١٠٥٤ - مَن لَهُ ذُنُوبٌ فَتَابَ مِن بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ فَإِنَّ التَّوْبَةَ إنَّمَا تَقْتَضِي مَغْفِرَةَ مَا تَابَ مِنْهُ، أَمَّا مَا لَمْ يَتُبْ مِنْهُ فَهُوَ بَاقٍ فِيهِ عَلَى حُكْمِ مَن لَمْ يَتُبْ، لَا عَلَى حُكمِ مَن تَابَ.
وَمَا عَلِمْت فِي هَذَا نِزَاعًا إلَّا فِي الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ فَإِنَّ إسْلَامَهُ يَتَضَمَّنُ التَّوْبَةَ مِن الْكُفْرِ فَيُغْفَرُ لَهُ بِالْإِسْلَامِ الْكُفْرُ الَّذِي تَابَ مِنْهُ، وَهَل تُغْفَرُ لَهُ الذُّنُوبُ الَّتِي فَعَلَهَا فِي حَالِ الْكُفْرِ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا فِي الْإِسْلَامِ؟ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ:
(أَحَدُهُمَا) يُغْفَرُ لَهُ الْجَمِيعُ لِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ ﷺ : "الإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(وَالْقَوْلُ الثَّانِي) أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ بِالْإِسْلَامِ إلَّا مَا تَابَ مِنْهُ؛ فَإِذَا أَسْلَمَ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى كَبَائِرَ دُونَ الْكُفْرِ فَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُ أَمْثَالِهِ مِن أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأصُولُ وَالنُّصُوصُ. [١٠/ ٣٢٣ - ٣٢٤]
١٠٥٥ - "التَّوْبَةُ الْمُطْلَقَةُ": وَهِيَ أَنْ يَتُوبَ تَوْبَةً مُجْمَلَةً وَلَا تُسْتَلْزَمُ التَّوْبَةُ مِن كُلِّ ذَنْبٍ، فَهَذِهِ لَا تُوجِبُ دُخُولَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أَفْرَادِ الذُّنُوبِ فِيهَا وَلَا تَمْنَعُ دُخُولَهُ كَاللَّفْظِ الْمُطْلَقِ، لَكِنَّ هَذِهِ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِغُفْرَانِ الْمُعَيَّنِ، كَمَا تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا لِغُفْرَانِ الْجَمِيعِ؛ بِخِلَافِ الْعَامَّةِ فَإِنَّهَا مُقتَضِيَة لِلْغُفْرَانِ الْعَامِّ كَمَا تَنَاوَلَتْ الذُّنُوبَ تَنَاوُلًا عَامًّا.
وَكَثِيرٌ مِن النَّاسِ لَا يَسْتَحْضِرُ عِنْدَ التَّوْبَةِ إلَّا بَعْضَ الْمُتَّصِفَاتِ بِالْفَاحِشَةِ أَو مُقَدِّمَاتِهَا، أَو بَعْضَ الظُّلْمِ بِاللِّسَانِ أَو الْيَدِ، وَقَد يَكُونُ مَا تَرَكَهُ مِن الْمَأْمُورِ
стр. 911
الَّذِي يَجِبُ للهِ عَلَيْهِ فِي بَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ مِن شُعَبِ الْإِيمَانِ وَحَقَائِقِهِ أَعْظَمَ ضَرَرًا عَلَيْهِ مِمَّا فَعَلَهُ مِن بَعْضِ الْفَوَاحِشِ، فَإنَّ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِن حَقَائِقِ الْإِيمَانِ الَّتِي بِهَا يَصِيرُ الْعَبْدُ مِن الْمُؤمِنِينَ حَقًّا أَعْظَمُ نَفْعًا مِن نَفْعِ تَرْكِ بَعْضِ الذُّنُوبِ الظَّاهِرَةِ كَحُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا أَعْظَمُ الْحَسَنَاتِ الْفِعْلِيَّةِ حَتَّى ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللّهَ وَرَسُولَهُ" (١) .
فَنَهَى عَن لَعْنِهِ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى الشُّرْبِ لِكوْنِهِ يُحِبُّ اللّهَ وَرَسُولَهُ مَعَ أَنَّهُ ﷺ لَعَنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: "لَعَنَ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا" (٢) .
وَلَكِنَّ لَعْنَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ لَعْنَ الْمُعَيَّنِ الَّذِي قَامَ بِهِ مَا يَمْنَعُ لُحُوقَ اللَّعْنَةِ لَهُ.
وَكَذَلِكَ "التَّكفِيرُ الْمُطْلَقُ" و"الْوَعِيدُ الْمُطْلَقُ"، وَلهَذَا كَانَ الْوَعِيدُ الْمُطْلَقُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَشْرُوطًا بِثُبُوتِ شُرُوطٍ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعَ. [١٠/ ٣٢٨ - ٣٣٠]
١٠٥٦ - النَّاسُ فِي غَالِب أَحْوَالِهِمْ لَا يَتُوبُونَ تَوْبَةً عَامَّةً، مَعَ حَاجَتِهِمْ إلَى ذَلِكَ، فَاِنَّ التَّوْبَةَ وَاجِبَة عَلَى كُلِّ عَبْدٍ فِي كُل حَالٍ؛ لِأَنَّهُ دَائِمًا يَظْهَرُ لَهُ مَا فَرَّطَ فِيهِ مِن تَرْكِ مَأْمُورٍ، أَوْ مَا اعْتَدَى فِيهِ مِن فِعْلِ مَحْظُورٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ دَائِمًا. [١٠/ ٢٣٠]
١٠٥٧ - قَالَ طاوس: نِعْمَ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ بَيْتُهُ، يَكُفُّ فِيهِ بَصَرَة وَسَمْعَهُ. [١٠/ ٤٠٥] الحواشي
(١) رواه البخاري(٦٧٨٠) .(٢) أخرجه أبو داود(٣٦٧٤) ، وابن ماجه(٣٣٨٠) ، والترمذي(١٢٩٥) .стр. 912
١٠٥٨ - الذُّنُوبُ إنَّمَا تَقَعُ إذَا كَانَت النَّفْسُ غَيْرَ مُمْتَثِلَةٍ لِمَا أُمِرَتْ بِهِ، وَمَعَ امْتِثَالِ الْمَأْمُورِ لَا تَفْعَلُ الْمَحْظُورَ، فَإِنَّهُمَا ضِدَّانِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] (١) .
فَعِبَادُ اللّهِ الْمُخْلِصُونَ لَا يُغْوِيهِمْ الشَّيْطَانُ، وَالْغَيُّ خِلَافُ الرُّشْدِ وَهُوَ اتِّبُاعُ الْهَوَى.
فَمَن مَالَتْ نَفْسُهُ إلَى مُحَرَّمٍ فَلْيَأتِ بِعِبَادَةِ اللّهِ كَمَا أَمَرَ اللهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَصْرِفُ عَنْة السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ. [١٠/ ٦٣٦]
١٠٥٩ - إِذَا اجْتَهَدَ الإنسانُ وَالسْتَعَانَ بِاللهِ تَعَالَى وَلَازَمَ الِاسْتِغْفَارَ وَالِاجْتِهَادَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ مِن فَضْلِهِ مَا لَمْ يَخْطُرْ بِبَال، وَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا يَنْشَرِحُ صَدْرُهُ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ وَنُورُ الْهِدَايَةِ، فَلْيُكْثِر التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ، وَلْيُلَازِم الِاجْتِهَادَ بِحَسَبِ الْاِمْكَانِ، فَإِنَّ اللّهَ يَقُولُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وَعَلَيْهِ بِإِقَامَةِ الْفَرَائِضِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلُزُومِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ مُسْتَعِينًا بِاللّهِ، مُتَبَرِّئًا مِن الْحَوْلِ وَالْمُوَّةِ إِلَّا بِهِ. [١١/ ٣٩٠]
١٠٦٠ - يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الشُّيُوخَ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِم فِي الدِّينِ هُم الْمُتَّبِعُونَ لِطَرِيقِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ؛ كَالسَّابِقِينَ الْأَوَّلينَ مِن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ (٢) ، وَمَن لَهُ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ (٣) .
وَطَرِيقَةُ هَؤُلَاءِ دَعْوَةُ الْخَلْقِ إلَى اللّهِ وَإِلَى طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَاتِّبَاعِ كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ (٤) . [١١/ ٤٩٧] الحواشي
(١) فحينما امتلأ قلبه بالإخلاص وهو أعظم الأعمال الصالحة صرف عنه السوء والفحشاء.(٢) خرج بهذا المبتدعةُ وأهل الأهواء.(٣) خرج بهذا من ليس له قبول عند الصالحين من أهل السُّنَّة والجماعة.(٤) خرج بهذا من يدعو الناس لغير هذا، كان يدعوهم إلى البدعة، أو إلى حسن التعامل، أو إلى الأفكار السياسية أو الحزبية، ونحو ذلك، فهؤلاء لا يُقتدى بهم، وإن كان في بعضهم نفعٌ في بعض النواحي، فيُستفاد منه ما ينفع، لكن لا يُتخذ قدوةً للمسلمين.стр. 913
١٠٦١ - إِذَا تَابَ الْعَبْدُ وَأَخْرَجَ مِن مَالِهِ صَدَقَةً لِلتَّطَهُّرِ مِن ذَنْبِهِ: كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا مَشْرُوعًا.
وَأمَّا أَنْ يَجْعَلَ مِن جُمْلَةِ التَّوْبَةِ صَنْعَةَ طَعَامٍ وَدَعْوَةً فَهَذَا بِدْعَةٌ، فَمَا زَالَ النَّاسُ يَتُوبُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مِن غَيْرِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ. [١١/ ٥٥٢ - ٥٥٣]
١٠٦٢ - التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ يَكونُ مِن تَرْكِ مَأْمُورٍ وَمِن فِعْلِ مَحْظُورٍ، فَإنَّ كِلَاهُمَا مِن السَّيِّئَاتِ وَالْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ.
فَإِنَّ جِنْسَ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ أَعْظَمُ مِن جِنْسِ فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ، إذ قَد يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ تَرْكُ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ، وَمَن أَتَى بِالْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ لَمْ يُخَلَّدْ فِي النَّارِ وَلَو فَعَلَ مَا فَعَلَ، وَمَن لَمْ يَأتِ بِالْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ كَانَ مخَلَّدًا وَلَو كَانَت ذُنُوبُهُ مِن جِهَةِ الْأَفْعَالِ قَلِيلَةً. [١١/ ٦٧١]
١٠٦٣ - تَوْبَةُ الْإِنْسَانِ مِن حَسَنَاتِهِ عَلَى أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَتُوبَ وَيَسْتَغْفِرَ مِن تَقْصِيرِهِ فِيهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ يَتُوبَ مِمَّا كَانَ يَظُنُّهُ حَسَنَاتٍ وَلَمْ يَكُنْ؛ كَحَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ.
وَالثَّالِثُ: يَتُوبُ مِن إعْجَابِهِ وَرُؤْيَتِهِ أنَّهُ فَعَلَهَا وَأَنَّهَا حَصَلَتْ بِقُوَّتِهِ وَيَنْسَى فَضْلَ اللهِ وَإِحْسَانَهُ وَأَنَّهُ هُوَ الْمُنْعِمُ بِهَا وَهَذِهِ تَوْبَةٌ مِن فِعْلٍ مَذْمُومٍ وَتَرْكِ مَأْمُورٍ (١) .
وَلِهَذَا قِيلَ: تَخْلِيصُ الْأَعْمَالِ مِمَّا يُفْسِدُهَا أَشَدُّ عَلَى الْعَامِلِينَ مِن طُولِ الِاجْتِهَادِ. الحواشي
(١) الرياء والعجب داءان عظيمان يجب الحذر والابتعاد عنهما بالدعاء والتضرع إلى الله ، وبعض الناس قد يقع في العجب وهو لا يشعر، فيقول - بلسان حاله -: أنا أفضل من غيري أو من فلان، أنا أصلي الليل وغيري نائم، أنا أصوم النفل وغيري لا يصوم، إلى غير ذلك من صور الإعجاب بالعمل، وهل ضمن هذا المُعجَبُ المسكينُ أنَّ الله قبل عمله؟
وقد انصرف عن الثناء على الله تعالى ورُؤيةِ مِنَّتِهِ، إلى الثناء على النفس التي لا فضل لها، والعجب يتعارض مع الانكسار والتذلل لله .стр. 914
وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ احْتِيَاجَ النَّاسِ إلَى التَّوْبَةِ دَائِمًا.
وَلهَذَا قِيلَ: هِيَ مَقَامٌ يَسْتَصْحِبُهُ الْعَبْدُ مِن أَوَّلِ مَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَى آخِرِ غمُرِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ.
فَجَمِيعُ الْخَلْقِ عَلَيْهِم أَنْ يَتُوبُوا وَأَنْ يَسْتَدِيمُوا التَّوْبَةَ.
وَقَد خَتَمَ اللهُ "سُورَةَ الْمُزَّمِّلِ" وَفِيهَا قِيَامُ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠]، كَمَا خَتَمَ بِذَلِكَ "سُورَةَ الْمُدَّثّرِ" بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]، فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَهْلُ التَّقْوَى وَلَمْ يَقُلْ سُبْحَانَهُ أَهْلٌ لِلتَّقْوَى؛ بَل قَالَ: ﴿أَهْلُ التَّقْوَى﴾ (١) ، فَهُوَ وَحْدَهُ أَهْل أَنْ يُتَّقَى فَيُعْبَدُ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرُة أَنْ يُتَّقَى كَمَا قَالَ: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) ﴾ [النحل: ٥٢]. [١١/ ٦٨٦ - ٦٩٠]
١٠٦٤ - الِاسْتِغْفَارُ يُخْرِجُ الْعَبْدَ مِن الْفِعْلِ الْمَكْرُوهِ إلَى الْفِعْلِ الْمَحْبُوبِ، ومِنْ (٢) الْعَمَلِ النَّاقِصِ إلَى الْعَمَلِ التَّامِّ، وَيَرْفَعُ الْعَبْدَ مِن الْمَقَامِ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى مِنْهُ وَالْأَكْمَلِ؛ فَإِنَّ الْعَابِدَ للّهِ وَالْعَارِفَ بِاللّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ؛ بَل فِي كُلِّ سَاعَةٍ؛ بَل فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، يَزْدَادُ عِلْمًا بِاللهِ وَبَصِيرَةً فِي دِينِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ، بِحَيْثُ يَجِدُ ذَلِكَ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَنَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ وَقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَيَرَى تَقْصِيرَهُ فِي حُضُورِ قَلْبِهِ فِي الْمَقَامَاتِ الْعَالِيَةِ، وَإِعْطَائِهَا حَقَّهَا، فَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِغْفَارِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ؛ بَل هُوَ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ دَائِمًا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأحْوَالِ، فِي الغوائب وَالْمَشَاهِدِ؛ لِمَا فِيهِ مِن الْمَصَالِحِ وَجَلْبِ الْخَيْرَاتِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّاتِ، وَطَلَبِ الزِّيَادَةِ فِي الْقُوَّةِ فِي الْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ الْيَقِينِيَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ.
فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللّهُ بِصِدْقٍ وَيقِينٍ تُذْهِبُ الشِّرْكَ كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، الحواشي
(١) فإذا قلت: فلان أهلٌ للكرم، فهذا ليس فيه كمال المدح له، وليس هو أكرمهم، ولكن إذا قلت: هو أهل الكرم، فقد بالغت في مدحه، حيث جعلت الكرم مُختصًّا به.(٢) في الأصل وجميع المصادر: (من)، ولعل المثبت هو الصواب؛ ليستقيم المعنى.стр. 915
خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ، وَتَأْتِي عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِهِ وَخَفَايَاهُ وَدَقَائِقِهِ.
وَالِاسْتِغْفَارُ يَمْحُو مَا بَقِيَ مِن عَثَرَاتِهِ، وَيَمْحُو الذَّنْبَ الَّذِي هوَ مِن شُعَبِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا مِن شُعَبِ الشِّرْكِ.
فَالتَوْحِيدُ يُذْهِبُ أَصْلَ الشِّرْكِ، وَالِاسْتِغْفَارُ يَمْحُو فُرُوعَهُ، فَأَبْلَغُ الثَّنَاءِ قَوْلُ: لَا إلَهَ إلَّا اللّهُ، وَأَبْلَغُ الدُّعَاءِ قَوْلُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ. [١١/ ٦٩٦ - ٦٩٧]
١٠٦٥ - التَّائِب مِن الذَّنْبِ كَمَن لَا ذَنْبَ لَهُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "لَا كبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ الإِصْرَارِ" (١) .
فَإِذَا أَصَرَّ عَلَى الصَّغِيرَةِ صَارَتْ كَبِيرَةً (٢) . [١١/ ٦٩٩] الحواشي
(١) من حديث ابن عباس، وقد ضعَّفه الألباني ﵀ في السلسلة الضعيفة(٤٨١٠) .
وقال الذهبي عنه في الميزان: خبر منكر، كما ضعفه العراقي في تخريج الإحياء والسخاوي في المقاصد الحسنة وابن رجب في جامع العلوم والحكم.(٢) هذا بناءً عليم صحة الحديث، وقد يُستدل لذلك بما ثبت عن النَّبِيّ ﷺ أنه قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوب، فَإِنَّهُنَ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ".
وقد ذهب بعضَ العلماء إلى أن الإصرار على الصغيرة لا يصيرها كبيرة، واحتجوا بالنصوص الْمُفَرِّقَةِ بين الكبائر والصغائر، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا(٣١) ﴾ [النساء: ٣١]، وكقوله ﷺ فيما رواه مسلم(٢٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".
قال الشوكاني: "وَقَد قِيلَ: إِنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الصَّغِيرَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ، وَلَيْسَ عَلَى هَذَا دَلِيلٌ يَصْلُحُ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَقَالَةٌ لِبَعْضِ الصُّوفِيَّةِ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ. وَقَد رَوَى بَعْضُ مَن لَا يَعْرِفُ عِلْمَ الرِّوَايَةِ هَذَا اللَّفْظَ وَجَعَلَهُ حَدِيثًا وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، بَلِ الْحَقُّ أَنَّ الْإصْرَارَ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا أَصَرَّ عَلَيْهِ فَالْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ صَغِيرَةٌ وَالْإِصْرَارُ عَلَى الْكَبِيرَةِ كَبِيرَةٌ". اهـ. إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول(١٤٦) .
والذي يظهر لي رجحان هذا القول، وأما حديث ابن عباس ﵄ فهو ضعيف كما تقدَّم، وعلى فرض صحته فهو محمول على أنَّ الاصرار هو استدامة غير المبالي بحرمات الله، ولا المعظم لأمره ونهيه، وهذا لا ريب أنه من كبائر ذنوب القلوب.
وأما حديث: "إياكم ومحقرات الذنوب"؛ فالمقصود بها الذنوب التي يحتقرها صاحبُها، ولا يُبالي بما ارتكبه منها. =следующие страницы →