← Фатава

Фатава · id 879

تقريب فتاوى ابن تيمية

أحمد بن ناصر الطيار

Полный текст (3 539 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

الَّذِي يَجِبُ للهِ عَلَيْهِ فِي بَاطِنِهِ وَظَاهِرِهِ مِن شُعَبِ الْإِيمَانِ وَحَقَائِقِهِ أَعْظَمَ ضَرَرًا عَلَيْهِ مِمَّا فَعَلَهُ مِن بَعْضِ الْفَوَاحِشِ، فَإنَّ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِن حَقَائِقِ الْإِيمَانِ الَّتِي بِهَا يَصِيرُ الْعَبْدُ مِن الْمُؤمِنِينَ حَقًّا أَعْظَمُ نَفْعًا مِن نَفْعِ تَرْكِ بَعْضِ الذُّنُوبِ الظَّاهِرَةِ كَحُبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا أَعْظَمُ الْحَسَنَاتِ الْفِعْلِيَّةِ حَتَّى ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللّهِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللّهَ وَرَسُولَهُ" (١). فَنَهَى عَن لَعْنِهِ مَعَ إصْرَارِهِ عَلَى الشُّرْبِ لِكوْنِهِ يُحِبُّ اللّهَ وَرَسُولَهُ مَعَ أَنَّهُ ﷺ لَعَنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: "لَعَنَ الْخَمْرَ وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا" (٢). وَلَكِنَّ لَعْنَ الْمُطْلَقِ لَا يَسْتَلْزِمُ لَعْنَ الْمُعَيَّنِ الَّذِي قَامَ بِهِ مَا يَمْنَعُ لُحُوقَ اللَّعْنَةِ لَهُ. وَكَذَلِكَ "التَّكفِيرُ الْمُطْلَقُ" و"الْوَعِيدُ الْمُطْلَقُ"، وَلهَذَا كَانَ الْوَعِيدُ الْمُطْلَقُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَشْرُوطًا بِثُبُوتِ شُرُوطٍ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعَ. [١٠/ ٣٢٨ - ٣٣٠] ١٠٥٦ - النَّاسُ فِي غَالِب أَحْوَالِهِمْ لَا يَتُوبُونَ تَوْبَةً عَامَّةً، مَعَ حَاجَتِهِمْ إلَى ذَلِكَ، فَاِنَّ التَّوْبَةَ وَاجِبَة عَلَى كُلِّ عَبْدٍ فِي كُل حَالٍ؛ لِأَنَّهُ دَائِمًا يَظْهَرُ لَهُ مَا فَرَّطَ فِيهِ مِن تَرْكِ مَأْمُورٍ، أَوْ مَا اعْتَدَى فِيهِ مِن فِعْلِ مَحْظُورٍ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ دَائِمًا. [١٠/ ٢٣٠] ١٠٥٧ - قَالَ طاوس: نِعْمَ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ بَيْتُهُ، يَكُفُّ فِيهِ بَصَرَة وَسَمْعَهُ. [١٠/ ٤٠٥]

стр. 912

١٠٥٨ - الذُّنُوبُ إنَّمَا تَقَعُ إذَا كَانَت النَّفْسُ غَيْرَ مُمْتَثِلَةٍ لِمَا أُمِرَتْ بِهِ، وَمَعَ امْتِثَالِ الْمَأْمُورِ لَا تَفْعَلُ الْمَحْظُورَ، فَإِنَّهُمَا ضِدَّانِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] (١). فَعِبَادُ اللّهِ الْمُخْلِصُونَ لَا يُغْوِيهِمْ الشَّيْطَانُ، وَالْغَيُّ خِلَافُ الرُّشْدِ وَهُوَ اتِّبُاعُ الْهَوَى. فَمَن مَالَتْ نَفْسُهُ إلَى مُحَرَّمٍ فَلْيَأتِ بِعِبَادَةِ اللّهِ كَمَا أَمَرَ اللهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَصْرِفُ عَنْة السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ. [١٠/ ٦٣٦] ١٠٥٩ - إِذَا اجْتَهَدَ الإنسانُ وَالسْتَعَانَ بِاللهِ تَعَالَى وَلَازَمَ الِاسْتِغْفَارَ وَالِاجْتِهَادَ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ مِن فَضْلِهِ مَا لَمْ يَخْطُرْ بِبَال، وَإِذَا رَأَى أَنَّهُ لَا يَنْشَرِحُ صَدْرُهُ، وَلَا يَحْصُلُ لَهُ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ وَنُورُ الْهِدَايَةِ، فَلْيُكْثِر التَّوْبَةَ وَالِاسْتِغْفَارَ، وَلْيُلَازِم الِاجْتِهَادَ بِحَسَبِ الْاِمْكَانِ، فَإِنَّ اللّهَ يَقُولُ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وَعَلَيْهِ بِإِقَامَةِ الْفَرَائِضِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلُزُومِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ مُسْتَعِينًا بِاللّهِ، مُتَبَرِّئًا مِن الْحَوْلِ وَالْمُوَّةِ إِلَّا بِهِ. [١١/ ٣٩٠] ١٠٦٠ - يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الشُّيُوخَ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِم فِي الدِّينِ هُم الْمُتَّبِعُونَ لِطَرِيقِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ؛ كَالسَّابِقِينَ الْأَوَّلينَ مِن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ (٢)، وَمَن لَهُ فِي الْأُمَّةِ لِسَانُ صِدْقٍ (٣). وَطَرِيقَةُ هَؤُلَاءِ دَعْوَةُ الْخَلْقِ إلَى اللّهِ وَإِلَى طَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَاتِّبَاعِ كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ (٤). [١١/ ٤٩٧]

стр. 913

١٠٦١ - إِذَا تَابَ الْعَبْدُ وَأَخْرَجَ مِن مَالِهِ صَدَقَةً لِلتَّطَهُّرِ مِن ذَنْبِهِ: كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا مَشْرُوعًا. وَأمَّا أَنْ يَجْعَلَ مِن جُمْلَةِ التَّوْبَةِ صَنْعَةَ طَعَامٍ وَدَعْوَةً فَهَذَا بِدْعَةٌ، فَمَا زَالَ النَّاسُ يَتُوبُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مِن غَيْرِ هَذِهِ الْبِدْعَةِ. [١١/ ٥٥٢ - ٥٥٣] ١٠٦٢ - التَّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ يَكونُ مِن تَرْكِ مَأْمُورٍ وَمِن فِعْلِ مَحْظُورٍ، فَإنَّ كِلَاهُمَا مِن السَّيِّئَاتِ وَالْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ. فَإِنَّ جِنْسَ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ أَعْظَمُ مِن جِنْسِ فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ، إذ قَد يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ تَرْكُ الْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ، وَمَن أَتَى بِالْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ لَمْ يُخَلَّدْ فِي النَّارِ وَلَو فَعَلَ مَا فَعَلَ، وَمَن لَمْ يَأتِ بِالْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ كَانَ مخَلَّدًا وَلَو كَانَت ذُنُوبُهُ مِن جِهَةِ الْأَفْعَالِ قَلِيلَةً. [١١/ ٦٧١] ١٠٦٣ - تَوْبَةُ الْإِنْسَانِ مِن حَسَنَاتِهِ عَلَى أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتُوبَ وَيَسْتَغْفِرَ مِن تَقْصِيرِهِ فِيهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَتُوبَ مِمَّا كَانَ يَظُنُّهُ حَسَنَاتٍ وَلَمْ يَكُنْ؛ كَحَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ. وَالثَّالِثُ: يَتُوبُ مِن إعْجَابِهِ وَرُؤْيَتِهِ أنَّهُ فَعَلَهَا وَأَنَّهَا حَصَلَتْ بِقُوَّتِهِ وَيَنْسَى فَضْلَ اللهِ وَإِحْسَانَهُ وَأَنَّهُ هُوَ الْمُنْعِمُ بِهَا وَهَذِهِ تَوْبَةٌ مِن فِعْلٍ مَذْمُومٍ وَتَرْكِ مَأْمُورٍ (١). وَلِهَذَا قِيلَ: تَخْلِيصُ الْأَعْمَالِ مِمَّا يُفْسِدُهَا أَشَدُّ عَلَى الْعَامِلِينَ مِن طُولِ الِاجْتِهَادِ.

стр. 914

وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ احْتِيَاجَ النَّاسِ إلَى التَّوْبَةِ دَائِمًا. وَلهَذَا قِيلَ: هِيَ مَقَامٌ يَسْتَصْحِبُهُ الْعَبْدُ مِن أَوَّلِ مَا يَدْخُلُ فِيهِ إلَى آخِرِ غمُرِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ. فَجَمِيعُ الْخَلْقِ عَلَيْهِم أَنْ يَتُوبُوا وَأَنْ يَسْتَدِيمُوا التَّوْبَةَ. وَقَد خَتَمَ اللهُ "سُورَةَ الْمُزَّمِّلِ" وَفِيهَا قِيَامُ اللَّيْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المزمل: ٢٠]، كَمَا خَتَمَ بِذَلِكَ "سُورَةَ الْمُدَّثّرِ" بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]، فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَهْلُ التَّقْوَى وَلَمْ يَقُلْ سُبْحَانَهُ أَهْلٌ لِلتَّقْوَى؛ بَل قَالَ: ﴿أَهْلُ التَّقْوَى﴾ (١)، فَهُوَ وَحْدَهُ أَهْل أَنْ يُتَّقَى فَيُعْبَدُ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَلَا يَسْتَحِقُّ غَيْرُة أَنْ يُتَّقَى كَمَا قَالَ: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)﴾ [النحل: ٥٢]. [١١/ ٦٨٦ - ٦٩٠] ١٠٦٤ - الِاسْتِغْفَارُ يُخْرِجُ الْعَبْدَ مِن الْفِعْلِ الْمَكْرُوهِ إلَى الْفِعْلِ الْمَحْبُوبِ، ومِنْ (٢) الْعَمَلِ النَّاقِصِ إلَى الْعَمَلِ التَّامِّ، وَيَرْفَعُ الْعَبْدَ مِن الْمَقَامِ الْأَدْنَى إلَى الْأَعْلَى مِنْهُ وَالْأَكْمَلِ؛ فَإِنَّ الْعَابِدَ للّهِ وَالْعَارِفَ بِاللّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ؛ بَل فِي كُلِّ سَاعَةٍ؛ بَل فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، يَزْدَادُ عِلْمًا بِاللهِ وَبَصِيرَةً فِي دِينِهِ وَعُبُودِيَّتِهِ، بِحَيْثُ يَجِدُ ذَلِكَ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَنَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ وَقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَيَرَى تَقْصِيرَهُ فِي حُضُورِ قَلْبِهِ فِي الْمَقَامَاتِ الْعَالِيَةِ، وَإِعْطَائِهَا حَقَّهَا، فَهُوَ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِغْفَارِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ؛ بَل هُوَ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ دَائِمًا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأحْوَالِ، فِي الغوائب وَالْمَشَاهِدِ؛ لِمَا فِيهِ مِن الْمَصَالِحِ وَجَلْبِ الْخَيْرَاتِ وَدَفْعِ الْمَضَرَّاتِ، وَطَلَبِ الزِّيَادَةِ فِي الْقُوَّةِ فِي الْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ الْيَقِينِيَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ. فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللّهُ بِصِدْقٍ وَيقِينٍ تُذْهِبُ الشِّرْكَ كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ،

стр. 915

خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ، أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ، وَتَأْتِي عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِهِ وَخَفَايَاهُ وَدَقَائِقِهِ. وَالِاسْتِغْفَارُ يَمْحُو مَا بَقِيَ مِن عَثَرَاتِهِ، وَيَمْحُو الذَّنْبَ الَّذِي هوَ مِن شُعَبِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا مِن شُعَبِ الشِّرْكِ. فَالتَوْحِيدُ يُذْهِبُ أَصْلَ الشِّرْكِ، وَالِاسْتِغْفَارُ يَمْحُو فُرُوعَهُ، فَأَبْلَغُ الثَّنَاءِ قَوْلُ: لَا إلَهَ إلَّا اللّهُ، وَأَبْلَغُ الدُّعَاءِ قَوْلُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ. [١١/ ٦٩٦ - ٦٩٧] ١٠٦٥ - التَّائِب مِن الذَّنْبِ كَمَن لَا ذَنْبَ لَهُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: "لَا كبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ الإِصْرَارِ" (١). فَإِذَا أَصَرَّ عَلَى الصَّغِيرَةِ صَارَتْ كَبِيرَةً (٢). [١١/ ٦٩٩]

стр. 916

١٠٦٦ - إذَا أَسْلَمَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا غُفِرَ لَهُ الْكُفْرُ الَّذِي تَابَ مِنْهُ بِالْإِسْلَامِ بِلَا نِزَاعٍ. وَأَمَّا الذُّنُوبُ الَّتِي لَمْ يَتُبْ مِنْهَا مِثْلُ: أَنْ يَكُون (١) مُصِرًّا عَلَى ذَنْبٍ أَو ظُلْمٍ أَو فَاحِشَةٍ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا بِالْإِسْلَامِ، فَقَد قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ بِالإِسْلَامِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ إنَّمَا يُغْفَرُ لَة مَا تَابَ مِنْهُ. [١١/ ٧٠١] ١٠٦٧ - لَيْسَ شَيْءٌ يُبْطِلُ جَمِيعَ السَّيِّئَاتِ إلَّا التَّوْبَةُ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ شَيءٌ يُبْطِلُ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ إلَّا الرِّدةُ. [١٢/ ٤٨٣، ١٠/ ٣٢٢] ١٠٦٨ - فِي "الصَّحِيحِ" (٢) أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "إنَّهُ ليغان عَلَى قَلْبِي وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ"، وَالْغَيْنُ: حِجَابٌ رَقِيقٌ أَرَقُّ مِن الْغَيْمِ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللّهَ اسْتِغْفَارًا يُزِيلُ الْغَيْنَ عَن الْقَلْبِ فَلَا يَصِيرُ نُكْتَةً سَوْدَاءَ، كَمَا أَنَّ النكْتَةَ السَّوْدَاءَ إذَا أزِيلَتْ لَا تَصِيرُ رَيْنًا. [١٥/ ٢٨٣] ١٠٦٩ - تَرْكُ السَّيّئَاتِ مُسْتَلْزِمٌ لِفِعْلِ الْحَسَنَاتِ؛ إذِ الْإِنْسَانُ حَارِثٌ هُمَامٌ، وَلَا يَدَع إرَادَةَ السَّيِّئَاتِ وَفِعْلَهَا إلَّا بِإِرَادَةِ الْحَسَنَاتِ وَفِعْلِهَا؛ إذِ النَّفْسُ لَا تَخْلُو عَنِ الْإِرَادَتَيْنِ جَمِيعًا؛ بَلِ الْإِنْسَانُ بِالطَّبْعِ مُرِيدٌ فَعَّالٌ. ١٠٧٠ - التَّوْبَة النَّصُوحُ: هِيَ الْخَالِصَةُ مِن كُلٍّ غِشٍّ، وَإِذَا كَانَت كَذَلِكَ كَائِنَةً فَإِنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا يَعُودُ إلَى الذَّنْبِ لِبَقَايَا فِي نَفْسِهِ، فَمَن خَرَجَ مِن قَلْبِهِ الشُّبْهَةُ وَالشَّهْوَةُ لَمْ يَعُدْ إلَى الذَّنْبِ، فَهَذ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ بِمَا أَمَرَ اللّهُ تَعَالَى. [١٦/ ٥٨] ١٠٧١ - إنْ تَابَ [أي: العبدُ] عَن ذُنُوبِهِ تَوْبَةً نَصُوحًا: فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ لَهُ وَلَا يَحْرِمُهُ مَا كَانَ وَعَدَهُ؛ بَل يُعْطِيه ذَلِكَ.

стр. 917

وَإِن لَمْ يَتُبْ: وُزِنَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ: - فَإِنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ كَانَ مَن أَهْلِ الثَّوَابِ. - وَإِن رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ كَانَ مَن أَهْلِ الْعَذَابِ. وَمَا أُعِدَّ لَهُ (١) مِن الثَّوَابِ يُحْبَطُ حِينَئِذٍ بِالسَّيِّئَاتِ الَّتِي زَادَتْ عَلَى حَسَنَاتِهِ (٢). كَمَا أَنَّهُ إذَا عَمِلَ سَيئاتٍ اسْتَحَقَّ بِهَا النَّارَ ثُمَّ عَمِلَ بَعْدَهَا حَسَنَاتٍ: تَذْهَبُ السَّيِّئَاتُ (٣). [٤/ ٣٠٨] ١٠٧٢ - إن "الغلاة" يتوهمون أنَّ الذنب إذا صدر من العبد كان نقصًا في حقه لا ينجبر، حتى يجعلوا من لم يسجد لصنم أفضل منه، وهذا جهل؛ فإن المهاجرين والأنصار الذين هم أفضل هذه الأمة هم أفضل من أولادهم وغير أولادهم ممن ولد على الإسلام، وإن كانوا في أول الأمر كفار يعبدون الأصنام؛ بل المنتقل من الضلال إلى الهدى يضاعف له الثواب كما قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]؛ فاللّه سبحانه أفرح بتوبة عبده من الذي طلب راحلته في الأرض المهلكة ثم وجدها، فإذا كانت التوبة بهذه المثابة كيف لا يكون صاحبها معظمًا؟ وقد وصف الإنسان بالظلم والجهل، وجعل الفرق بين المؤمن والكافر والمنافق أن المؤمن يتوب فيتوب اللّه عليه إذ لم يكن له بد من الجهل فقال تعالى: ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣]، و"كُلُّ بَنِي آدَمَ

стр. 918

خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ" (١). [المستدرك ١/ ٢٠٩] ١٠٧٣ - كلما ازدادت معرفة الإنسان بالنفوس ولوازمها وتقلب القلوب وبما عليها من الحقوق للّه ولعباده، وبما حدَّ لهم من الحدود علم أنه لا يخلو أحد من ترك بعض الحقوق وتعدي بعض الحدود ولهذا أمر الله عباده أن يسألوه أن يهديهم الصراط المستقيم في اليوم والليلة في المكتوبة وحدها سبع عشرة مرة، وهو صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ومن يطع اللّه ورسوله فهو مع هؤلاء. [المستدرك ١/ ٢١١] ١٠٧٤ - كان المشايخ يقرنون بين هذه الثلاثة: أ - الشكر لما مضى من إحسان ربه. ب - والاستغفار لما تقدم من إساءة العبد إلى نفسه. ج - والاستعانة لما يستقبله العبد من أموره. فلا بدَّ لكلِّ عبد من الثلاثة. فقوله: "الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره" يتناول ذلك، فمن قصر في واحد منها فقد ظلم نفسه بحسب تقصيره. [المستدرك ١/ ٢١٢] ١٠٧٥ - قول القائل: ما مفهوم قول الصديق ﵁: "ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا" (٢) والدعاء بين يدي اللّه لا يحتمل المجاز، والصديق ﵁ من أئمة التابعين (٣)، والرسول ﷺ أمره بذلك: هل كان له نازلة شبهة؟ إن قال: كان

стр. 919

الصديق ﵁ أجلّ قدرًا من أن يكون له ذنوب تكون ظلمًا كثيرًا فإن ذلك ينافي الصديقية. وهذه الشبهة تزول بوجهين: أحدهمأ أن الصديق ﵁؛ بل والنبي ﷺ إنما كملت مرتبته وانتهت درجته وتم علو منزلته في نهايته لا في بدايته، وإنما نال ذلك بفعل ما أمر اللّه به من الأعمال الصالحة وأفضلها التوبة، وما وجد قبل التوبة فإنه لم ينقص صاحبه، ولا يتصور أن بشرًا يستغني عن التوبة كما في الحديث: "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في اليوم أكثر من سبعين مرة" (١)، "وإنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة" (٢)، وكذلك قوله: "اللَّهُمَّ اغفر لي خطئي وجهلي وعمدي وكل ذلك عندي" (٣) فيه من الاعتراف أعظم ما في دعاء الصديق ﵁، والصديقون ﵃ تجوز عليهم جميع الذنوب باتفاق الأئمة (٤). [المستدرك ١/ ٢١٣] ١٠٧٦ - الأشياء وجهان: أ - منها: ما جعل بسبب من العبد يوفيه عمله. ب - ومنه: ما يفعله بدون ذلك السبب فلا حاجة لسؤاله إحسانًا إليه. واستعمال لفظ: "من عندك" (٥) في هذا المعنى مناسب دون تخصيص لبعض الناس دون بعض؛ فإن قوله: "من عندك" دلالته على الأول أبين؛ ولهذا يقول الرجل لمن يطلب منه: أعطني من عندك لما يطلبه منه بغير سبب، بخلاف ما يطلبه من الحقوق التي عليه كالدين والنفقة الواجبة فلا يقال فيه: "من عندك". [المستدرك ١/ ٢١٦]

стр. 920

١٠٧٧ - قال ابن القيم: سألت شيخ الإسلام عن معنى قول النَّبِيّ ﷺ : "اللَّهُمَّ طهرني من خطاياي بالماء والثلج والبرد" (١): كيف يطهر الخطايا بذلك؟ وما فائدة التخصيص بذلك؟ وقوله في لفظ آخر: "والماء البارد" (٢) والحار أبلغ في الإنقاء. فقال: الخطايا توجب للقلب حرارة ونجاسة وضعفًا فيرتخي القلب وتضطرم فيه نار الشهوة وتنجسه؛ فإن الخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها، ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب وضَعْفُه، والماء يغسل الخبث، ويطفي النار؛ فإن كان باردًا أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم وشدته، فكان أذهب لأثر الخطايا. [المستدرك ١/ ٢١٨] ١٠٧٨ - "إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إِلَّا اللّه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله" (٣) الحديث: لما كانت كلمة الشهادة لا يتحملها أحد عن أحد، ولا تقبل النيابة بحال أفرد الشهادة بها. ولما كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار يقبل ذلك فيستغفر الرجل لغيره ويستعين الله له ويستعيذ بالله له أتى فيها بلفظ الجمع، ولهذا يقول: اللَّهُمَّ أعنا، وأعذنا، واغفر لنا. [المستدرك ١/ ٢١٩] ١٠٧٩ - في قوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي قال في آخره عن اللّه تعالى: "قد غفرت لعبدي فليعمل ما يشاء" (٤) هذا الحديث لم يجعله النَّبِيّ ﷺ

стр. 921

عامًّا في كل ذنب من كل من أذنب وتاب وعاد، وإنما ذكره حكاية حال عن عبد كان منه ذلك، فأفاد أن العبد قد يعمل من الحسنات العظيمة ما يوجب غفران ما تأخر من ذنوبه، وإن غفر له بأسباب أخر. وهذا مثل حديث حاطب بن أبي بلتعة ﵁ الذي قال فيه لعمر: "وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم ففد غفرت لكم" (١) وما جاء أن غلام حاطب شكاه فقال: والله يا رسول اللّه ليدخلن حاطب النار، فقال: "كذبت، إنه شهد بدرًا والحديبية" (٢). ففي هذه الأحاديث بيان أن المؤمن قد يعمل من الحسنات ما يغفر له بها ما تأخر من ذنبه، وإن غفر بأسباب غيرها، ويدل على أنه يموت مؤمنًا، ويكون من أهل الجنة، وإذا وقع منه ذنب يتوب اللّه عليه كما تاب على بعض البدريين؛ كقدامة بن عبد اللّه ﵁ لما شرب الخمر متأولًا، واستتَابَه عمرُ ﵁ وأصحابه ﵃ وجلدوه، وطهر بالحد والتوبة، وإن كان ممن قيل لهم: "اعملوا ما شئتم". ومغفرة اللّه لعبده لا تنافي أن تكون المغفرة بأسبابها، ولا تمنع أن تصدر منه توبة؛ إذ مغفرة الله لعبده مقتضاها ألا يعذبه بعد الموت، وهو سبحانه يعلم الأشياء على ما هي عليه، فإذا علم من العبد أنه سيتوب أو يعمل حسنات ماحية غفر له في نفس الأمر؛ إذ لا فرق بين من يحكم له بالمغفرة أو بدخوله الجنة. ومعلوم أن بشارته ﷺ بالجنة إنما هي لعلمة بما يموت عليه الْمُبَشَّر ولا يمنع أن يعمل سببها.

стр. 922

وعلم اللّه بالأشياء وآثارها لا ينافي ما علّقها عليه من الأسباب، كما أخبر أن: "ما منكم من أحد إِلَّا وقد كتب مقعده من الجنة أو النار" (١)، ومع ذلك قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" (٢)، ولأن من أخبره أنه ينتصر على عدوه لا يمنع أن يأخذ أسبابه ولا من أخبره أنه يكون له ولد لا يمنع أن يتزوج أو يتسرى. وكذا من أخبره بالمغفرة أو الجنة لا يمنع أن يأخذ بسبب ذلك مريدًا للآخرة وساعيًا لها سعيها. ومن كرر التوبة مرات واسترسل في الذنوب وتعلق بهذا الحديث كان مخدوعًا مغرورًا من وجهين: أحدها: ظنه أن الحديث عام في حقِّ كل تائب، وإنما هو حكاية حال، فيدل على أنَّ مِن عباد اللّه من هو كذلك. والثاني: أن هذا لا يقتضي أن يغفر له بدون أسباب المغفرة كما قدمنا. ومن كرر التوبة المذكورة والعود للذنب لا يُجزم له أنه قد دخل في معنى هذا الحديث، وأنه قد يعمل بعد ذلك ما شاء، لا يُرجى له أن يكون من أهل الوعد، ولا يُجزم لمعينٍ بهذا الحكم، كما لا يُجزم في حق معين بالوعيد كسائر نصوص الوعد والوعيد؛ فإن هذا كقوله: من فعل كذا دخل الجنة ومن فعل كذا دخل النار، لا يجزم لمعين. والحسنة الواحدة قد يقترن بها من الصدق واليقين ما يجعلها تكفِّر الكبائر؛ كالحديث الذي في صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلًا كل سجل منها مد البصر، ويؤتى ببطاقة فيها كلمة: لا إله إِلَّا الله فتوضع البطاقة في كفة والسجلات في كفة فثقلت البطاقة وطاشت السجلات، وذلك لعظم ما في قلبه من الإيمان واليقين، وإلا فلو كان كل من نطق بهذه الكلمة تكفَّر خطاياه لم يدخل النار من أهل الكبائر المؤمنين؛ بل والمنافقين أحد، وهذا خلاف ما تواترت به الآيات والسنن.

стр. 923

كما أنه قد يقترن بالسيئة من الاستخفاف والإصرار ما يعظمها، فلهذا وجب التوقف في المعين، فلا يقطع بجنة ولا نار إِلَّا ببياني من اللّه، لكن يرجى للمحسن ويخاف على المسيء. وليس كل من تكلم بالشهادتين كان بهذه المنزلة؛ لأن هذا العبد صاحب البطاقة كان في قلبه من التوحيد واليقين والإخلاص ما أوجب أن عظم قدره حتى صار راجحًا على هذه السيئات. ومن أجل ذلك صار المُدُّ من الصحابة ﵃ أفضل من مثل جبل أحد ذهبًا من غيرهم. ومن ذلك حديث البغيّ التي سقت كلبًا فغفر لها؛ فلا يقال في كل بغي سقت كلبًا غفر لها؛ لأن هذه البغي قد حصل لها من الصدق والإخلاص والرحمة بخلق الله ما عادل إثم البغي وزاد عليه ما أوجب المغفرة، والمغفرة تحصل بما يحصل في القلب من الإيمان الذي يعلم الله وحده مقداره وصفته. وهذا يفتح باب العمل، ويجتهد به العبد أن يأتي بهذه الأعمال وأمثالها من موجبات الرحمة وعزائم المغفرة، ويكون مع ذلك بين الخوف والرجاء، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]. [المستدرك ١/ ٢٢١ - ٢٢٥، ١/ ٧٩] ١٠٨٠ - الدَّلَائِلُ عَلَى أَنَّ الْمَصَائِبَ كَفَّارَاتٌ كَثِيرَةٌ، إذَا صَبَرَ عَلَيْهَا أُثِيبَ عَلَى صَبْرِهِ؛ فَالثَّوَابُ وَالْجَزَاءُ إنَّمَا يَكُونُ عَلَى الْعَمَلِ - وَهُوَ الصَّبْرُ -، وَأَمَّا نَفْسُ الْمُصِيبَةِ فَهِيَ مِن فِعْلِ اللهِ، لَا مِن فِعْلِ الْعَبْدِ، وَهِيَ مِن جَزَاءِ اللّهِ لِلْعَبْدِ عَلَى ذَنْبِهِ وَتَكْفِيرِهِ ذَنْبَهُ بِهَا. وَفِي الْمُسْنَدِ أَنَّهُم دَخَلُوا عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ وَهُوَ مَرِيضٌ فَذَكَرُوا أَنَّهُ يُؤجَرُ عَلَى مَرَضِهِ فَقَالَ: "مَا لِي مِن الْأَجْرِ وَلَا مِثْلُ هَذِهِ، وَلَكِنَّ الْمَصَائِبَ حِطَّةٌ".

стр. 924

فَبَيَّنَ لَهُم أَبُو عُبَيْدَةَ ﵁ أَنَّ نَفْسَ الْمَرَضِ لَا يُؤْجَرُ عَلَيْهِ؛ بَل يُكَفَّرُ بِهِ عَن خَطَايَاهُ. وَكَثِيرًا مَا يُفْهَمُ مِن الْأجْرِ غُفْرَانُ الذُّنُوبِ، فَيَكُونُ فِيهِ أَجْرٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. [٣٠/ ٣٦٣ - ٣٦٤] * * * (التوبة العامة، والتوبة المجملة) ١٠٨١ - من تاب توبة عامّة كانت هذه التوبة مقتضية لغفران الذنوب كلها؛ إِلَّا أن يعارض هذا العام معارض يوجب التخصيص؛ مثل أن يكون بعض الذنوب لو استحضره لم يتب منه لقوة إرادته إياه، أو لاعتقاده أنه حسن، وتصح من بعض ذنوبه في الأصح. [المستدرك ١/ ١٤٥] * * * (التوبة النصوح) ١٠٨٢ - التائب إذا كانت نيته خالصة محضة لم يشبها قصد آخر فإنه لا يعود إلى الذنب؛ فإنه إنما يعود لبقايا غش كانت في نفسه. والاستقراء يدل على أنه إذا دخلت الإيمان إلى القلب لم يرجع عنه؛ ولكن قد يحصل له اضطراب، ويُلقي الشيطان في قلبه وساوس وخطرات ويوجِدُ فيه همًّا، وأمثال ذلك، كما شكى أصحاب رسول الله ﷺ إليه فقالوا: إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحترق حتى يصير حممة أو يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به. فقال: "أوقد وجدتموه"؟ فقالوا: نعم. فقال: "ذلك صريح الايمان" (١). وقال: "الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة" والحديث في مسلم (٢). فكراهة هذه الوساوس هي صريح الإيمان.

стр. 925

والتائب في نفسه مع الهمِّ والوساوس والميل مع كراهته لذلك، ويقول في قلبه ما لا يخرجه ذلك عن كونه توبة نصوحًا. قال الإمام أحمد: الهمُّ همان: همُّ خطرات، وهمُّ إصرار؛ وكان همُّ يوسف همُّ خطرات، فترك ما همَّ به لله، فكتبه اللّه له حسنة ولم يكتب عليه سيئة، وكان همُّ امرأة العزيز همَّ إصرار فكذبت، وأرادت، وظلمت لأجل مرادها. [المستدرك ١/ ١٤٩] * * * (العزم الجازم هل يؤخذ به بدون العمل) ١٠٨٣ - تنازع الناس في العزم الجازم هل يؤخذ به بدون العمل؟ على قولين. والصواب: أن العزم الجازم متى اقترن به القدرة والإرادة فلا بد من وجود العمل، فإذا كان العازم قادرًا ولم يفعل ما عزم عليه فليس عزمه جازمًا، فيكون من باب الهمِّ الذي لا يأخذ اللّه به، ولهذا من عزم على معصية فعل مقدماتها ولو أنه يخطو خطوة برجله أو ينظر نظرة بعينه فإذا عجز عن إتمام مقصوده بها يعاقب؛ لأنه فعل ما يقدر عليه وترك ما عجز عنه. [المستدرك ١/ ١٤٩ - ١٥٠] * * * (تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر) ١٠٨٤ - تصحُّ التوبة من ذنبٍ مع الإصرار على آخر، إذا كان المقتضي للتوبة منه أقوى من المقتضي للتوبة من الآخر، أو كان المانع من أحدهما أشد. هذا هو المعروف عن السلف والخلف. [المستدرك ١/ ١٥٠] * * * (معنى حجز التوبة من المبتدع) ١٠٨٥ - قال المروذي: سئل أحمد ﵁ عما روي عن النَّبِيّ ﷺ : "أن اللّه - عَزَّ وَجَلَّ

стр. 926

احتجز التوبة عن صاحب بدعة" (١) وحجز التوبة أي شيء معناه؟ قال أحمد: لا يوفق ولا ييسر صاحب بدعة لتوبة، وقال النَّبِيّ ﷺ لما قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، فقال النَّبِيّ ﷺ : "هم أهل البدع والأهواء ليست لهم توبة". قال الشيخ تقي الدين: لأن اعتقاده لذلك يدعوه إلى ألَّا ينظر نظرًا تامًّا إلى دليل خلافه فلا يعرف الحق، ولهذا قال السلف: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. وأيضًا: التوبة من الاعتقاد الذي كثر ملازمة صاحبه له ومعرفته بحججه يحتاج إلى ما يقارب ذلك من المعرفة والعلم والأدلة. [المستدرك ١/ ١٥٠ - ١٥١] * * * (هل يعود بعد التوبة إلى درجته، أو أرفع ؟) ١٠٨٦ - قال ابن القيم ﵀: واختلف الناس: هل يعود بعد التوبة إلى درجته التي كان فيها بناء على أن التوبة تمحو أثر الذنب وتجعل وجوده كعدمه فكأنه لم يكن؟ أو لا يعود بناء على أن التوبة تاثيرها في إسقاط العقوبة، وأما الدرجة التي فاتته فإنه لا يصل إليها؟ إلى أن قال: وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بين الطائفتين حكمًا مقبولًا فقال: مثل درجته، ومنهم من لا يصل إلى درجته. [المستدرك ١/ ١٥١] ١٠٨٧ - التَّائِبُ عَمَلُهُ أَعْظَمُ مِن عَمَلِ غَيْرِهِ. وَمَن لَمْ يَكُن لَهُ مِثْلُ تِلْكَ السَّيئَّاتِ: - فَإِنْ كَانَ قَد عَمِلَ مَكَانَ سَيِّئَاتِ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ: فَهَذَا دَرَجَتُهُ بِحَسَبِ حَسَنَاتِهِ فَقَد يَكُونُ أَرْفَعَ مِن التَّائِبِ إنْ كَانَت حَسَنَاتُهُ أَرْفَعَ.

стр. 927

- وَإِن كَانَ قَد عَمِلَ سَيِّئَاتٍ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا: فَهَذَا نَاقِصٌ. - وَإِن كَانَ مَشْغُولًا بِمَا لَا ثَوَابَ فِيهِ وَلَا عِقَابَ فَهَذَا التَّائِبُ الَّذِي اجْتَهَدَ فِي التَّوْبَةِ، وَالتَّبْدِيلُ لَهُ مِن الْعَمَلِ وَالْمُجَاهَدَةِ مَا لَيْسَ لِذَلِكَ الْبَطَّالِ. [المستدرك ١/ ١٥١] * * * (غفران الذنوب التي فعلها الكافر حال كفره فيه تفصيل) ١٠٨٨ - هل تغفر للكافر الذنوب التي فعلها في حال الكفر ولم يتب منها في الإسلام؟ فيه قولان معروفان. قال الشيخ تقي الدين: أحدهما: يغفر له الجميع؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. أي: ينتهوا عن كفرهم، ولأنه اندرج في ضمن المحرم الأكبر فسقط بسقوطه. وفيه نظر. والثاني: لا، نقله البغوي عن أحمد رواه الخلال، وهو ظاهر ما اختاره ابن عقيل. قال الشيخ تقي الدين: وهذا القول الذي تدل عليه النقول والنصوص. وقال في موضع آخر: إنه إن تاب من جميع معاصيه غفر له، وإن أصر عليها لم يغفر له، وإن كان ذاهلًا عن الإصرار والإقلاع إما ناسيًا أو ذاكرًا غير مريد للفعل ولا للترك غفر له أيضًا. والحديثان يأتلفان على هذا -يعني: حديث عمرو بن العاص- قول النَّبِيّ ﷺ له: "يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ " رواه مسلم وغيره، وحديث ابن مسعود وهو في "الصحيحين" (١): أن ناسًا قالوا لرسول اللّه ﷺ :

стр. 928

أنؤخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤخذ بها، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام" - قال الشيخ تقي الدين: فالإسلام لتضمنه التوبة المطلقة يوجب المغفرة المطلقة، إِلَّا أن يقترن به ما ينافي هذا الاقتضاء وهو الإصرار، كما أنه يوجب الإيمان المطلق ما لم يناقضه كفر متصل؛ فالإصرار في الذنوب كالاعتقاد في التصديق. [المستدرك ١/ ١٥١ - ١٥٢] * * * (إذا زنى بامرأة ثم تاب هل يُعلم الزوج ؟) ١٠٨٩ - سئلتُ عن نظير هذه المسألة، وهو رجل تعرض لامرأة غيره فزنى بها، ثم تاب من ذلك، وسأله زوجها عن ذلك فأنكر، فطلب استحلافه، فإن حلف على نفي الفعل كانت يمينه غموسًا، وإن لم يحلف قويت التهمة، وإن أقر جرى عليه وعليها من الشر أمر عظيم. فأفتيته أنه يضم إلى التوبة فيما بينه وبين الله تعالى الإحسان إلى الزوج بالدعاء والاستغفار والصدقة عنه ونحو ذلك بما يكون بإزاء إيذائه له في أهله، فإن الزنى بها تعلق به حق الله تعالى، وحق زوجها من جنس حقه في عرضه، وليس مما ينجبر بالمثل كالدماء والأموال؛ بل هو من جنس القذف الذي جزاؤه من غير جنسه، فتكون توبة هذا كتوبة القاذف، وتعريضه كتعريضه وحلفه على التعرض كحلفه، وأما لو ظلمه في دم أو مال فإنه لا بد من إيفاء الحق فإن له بدلًا، وقد نص أحمد ﵀ في الفرق بين توبة القاتل وبين توبة القاذف. وهذا الباب ونحوه فيه خلاص عظيم وتفريج كربات للنفوس من آثار المعاصي والمظالم، فإن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة اللّه ، ولا يُجَرّئُهُمْ (١) على معاصي اللّه تعالى، وجميع النفوس لا بد

стр. 929

أن تذنب، فتعريف النفوس ما يخلصها من الذنوب من التوبة والحسنات الماحيات كالكفارات، والعقوبات هو مِن أعظم فوائد الشريعة (١). [المستدرك ١/ ١٦٥] ١٠٩٠ - قال في الإنصاف: لا يشترط لصحة توبةٍ مِن قذفٍ وغيبةٍ ونحوهما إعلامه والتحلل منه على الصحيح، قال الشيخ تقي الدين: والأشبه أنه يختلف، وقيل: إن علم به المظلوم وإلا دعا له واستغفر له ولم يعلمه، وذكره الشيخ تقي الدين عن أكثر العلماء، وعلى الصحيح من الروايتين: لا يجب الاعتراف لو سأل، فيُعَرِّض ولو مع استحلافه؛ لأنه مظلوم؛ لصحة توبته. ومن جوَّز التصريح في الكذب المباح فهنا فيه نظر. ومع عدم التوبة والإحسان: تعريضه كذب ويمينه غموس (٢). قال: واختار أصحابنا: لا يُعلمه بل يدعو له في مقابلة مظلمته، وقال الشيخ تقي الدين: وزناه بزوجة غيره كالغيبة. [المستدرك ٣/ ٢٠٩ - ٢١٠] * * *

стр. 930

الشيطان ومَكره للإنسان ١٠٩١ - وَقَد جُرِّبَ أَنَّ مَن سَلَكَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ الْبِدْعِيَّةَ (١) أَتَتْهُ الشَّيَاطِينُ وَحَصَلَ لَهُ تَنَزُّلٌ شَيْطَانِي وَخِطَابٌ شَيْطَانِيٌّ، وَبَعْضُهُم يَطِيرُ بِهِ شَيْطَانُهُ، وَأَعْرِفُ مِن هَؤُلَاءِ عَدَدًا طَلَبُوا أَنْ يَحْصُلَ لَهُم مِن جِنْسِ مَا حَصَلَ لِلْأَنْبِيَاءِ مِن التَّنَزُّلِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِم الشَّيَاطِينُ؛ لِأَنَّهُم خَرَجُوا عَن شَرِيعَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا. [١٠/ ٣٩٥] ١٠٩٢ - إِنَّ الشَّيْطَانَ إنَّمَا يَمْنَعُهُ مِن الدُّخُولِ إلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ مَا فِيهِ مِن ذِكْرِ اللّهِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ، فَإِذَا خَلَا مِن ذَلِكَ تَوَلَّاهُ الشَّيْطَانُ، قَالَ اللّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ [الزخرف: ٣٦]. [١٠/ ٣٩٩] ١٠٩٣ - الشَّيَاطِينُ كَثِيرًا مَا يَتَصَوَّرُونَ بِصُورَةِ الْإِنْسِ فِي الْيَقَظَةِ وَالْمَنَامِ، وَقَد تَأْتِي لِمَن لَا يَعْرِفُ فَتَقُولُ: أَنَا الشَّيْخُ فُلَانٌ، أَو الْعَالِمُ فُلَانٌ، وَرُبَّمَا قَالَتْ: أَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَرُبَّمَا أَتَى فِي الْيَقَظَةِ دُونَ الْمَنَامِ وَقَالَ: أَنَا الْمَسِيحُ أَنَا مُوسَى أَنَا مُحَمَّد، وَقَد جَرَى مِثْلُ ذَلِكَ أَنْوَاغ أَعْرِفُهَا، وَثَمَّ مَن يُصَدِّقُ بِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَأْتُونَ فِي الْيَقَظَةِ فِي صُوَرِهِمْ، وَثَمَّ شُيُوخ لَهُم زهْدٌ وَعِلْمٌ وَوَرَعٌ وَدِينٌ يُصَدِّقُونَ بِمِثْل هَذَا. [١٠/ ٤٠٦ - ٤٠٧]

стр. 931

١٠٩٤ - الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الشَّيْطَانَ أَكْثَرهُم لَا يَعْرِفونَ أَنَّهُم يَعْبُدُونَ الشَّيْطَانَ؛ بَل قَد يَظُنُّونَ أَنَّهُم يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ أَو الصَّالِحِينَ؛ كَالَّذِينَ يَسْتَغِيثُونَ بِهِم وَيَسْجُدُونَ لَهُم فَهُم فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا عَبَدُوا الشَّيْطَانَ، وَإِنْ ظَنُّوا أَنَّهُم يَتَوَسَّلُونَ وَيَسْتَشْفِعُونَ بِعِبَادِ اللّهِ الصَّالِحِينَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]. وَلهَذَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَن الصَّلَاةِ وَقْتَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَوَقْتَ غُرُوبِهَا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُقَارِنُهَا حِينَئِذٍ حَتَّى يَكُونَ سُجُودُ عُبَّادِ الشَّمْسِ لَهُ وَهُم يَظُنُّونَ أَنَّهُم يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ وَسُجُودُهُم لِلشَّيْطَانِ. [١٠/ ٤٥٠ - ٤٥١] ١٠٩٥ - فِي أَصْنَافِ الْمُشْرِكِينَ مِن مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَمُشْرِكِي الْهِنْدِ وَالتُّرْكِ وَالْيُونَانِ وَغَيْرِهِمْ مَن لَهُ اجْتِهَاد فِي الْعِلْمِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِمُتَّبع لِلرُّسُلِ، وَلَا يُومِنُ بِمَا جَاءُوا بِهِ وَلَا يُصَدِّقُهُم بِمَا أَخْبَرُوا بِهِ وَلَا يُطِيعُهُم فِيمَا أَمَرُوا، فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا بِمُؤمِنِينَ وَلَا أَوْليَاءَ للّهِ، وَهَؤُلَاءِ تَقْتَرِنُ بِهِم الشَّيَاطِينُ وَتَنْزِلُ عَلَيْهِم فَيُكَاشِفُونَ النَّاسَ بِبَعْضِ الْأُمُورِ، وَلَهُم تَصَرُّفَات خَارِقَة مِن جِنْسِ السِّحْرِ، وَهُم مِن جِنْسِ الْكُهَّانِ وَالسَّحَرَةِ، الَّذِينَ تَنْزِلُ عَلَيْهِم الشَّيَاطِينُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٣] [١١/ ١٧٢] ١٠٩٦ - مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الْكَرَامَاتِ قَد تَكُونُ بِحَسَبِ حَاجَةِ الرَّجُلِ، فَإِذَا احْتَاجَ إلَيْهَا الضَّعِيفُ الْإِيمَانِ أَو الْمُحْتَاجُ أَتَاهُ مِنْهَا مَا يُقَوّي إيمَانَهُ وَيَسُدُّ حَاجَتَهُ، وَيَكُونُ مَن هُوَ أَكْمَلُ وِلَايَةً للهِ مِنْهُ مُسْتَغْنِيًا عَن ذَلِكَ، فَلَا يَأْتِيه مِثْلُ ذَلِكَ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وَغِنَاهُ عَنْهَا لَا لِنَقْصِ وِلَايَتِهِ، وَلهَذَا كَانَت هَذِهِ الأُمُورُ فِي

стр. 932

التَّابِعِينَ أَكْثَرَ مِنْهَا فِي الصَّحَابَةِ، بِخِلَافِ مَن يَجْرِي عَلَى يَدَيْهِ الْخَوَارِقُ لِهَدْيِ الْخَلْقِ وَلحَاجَتِهِمْ فَهَؤُلَاءِ أَعْظَمُ دَرَجَةً. وَهَذَا بِخِلَافِ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ مِثْلُ حَالِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ صَيَّادٍ الَّذِي ظَهَرَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ قَد ظَنَّ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ الدَّجَّالُ وَتَوَقَّفَ النَّبِيّ ﷺ فِي أَمْرِهِ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ فِيمَا بَعْدُ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الدَّجَّالُ؛ لَكِنَّهُ كَانَ مِن جِنْسِ الْكُهَّانِ. وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ كَثِيرُونَ مِثْلُ: الْحَارِثِ الدِّمَشْقِيُّ، الَّذِي خَرَجَ بِالشَّامِ زَمَنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ يُخْرِجُونَ رِجْلَيْهِ مِن الْقَيْدِ وَتَمْنَعُ السِّلَاحَ أنْ يَنْفُذَ فِيهِ، وَتُسَبِّحُ الرَّخَامَةُ إذَا مَسَحَهَا بِيَدِهِ، وَكَانَ يَرَى النَّاسَ رِجَالًا وَرُكْبَانًا عَلَى خَيْلٍ فِي الْهَوَاءِ وَيَقُولُ: هِيَ الْمَلَائِكَةُ، وَإِنَّمَا كَانُوا جِنًّا، وَلَمَّا أَمْسَكَهُ الْمُسْلِمُونَ لِيَقْتُلُوهُ طَعَنَهُ الطَّاعِنُ بِالرُّمْحِ فَلَمْ يَنْفُذْ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّك لَمْ تُسَمِّ اللهَ، فَسَمَّى اللهَ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ. وَهَكَذَا أَهْلُ "الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ" تَنْصَرِفُ عَنْهُم شَيَاطِينُهُم إذَا ذُكِرَ عِنْدَهُم مَا يَطْرُدُهَا مِثْلُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ. وَلهَذَا إذَا قَرَأَهَا الْإِنْسَانُ عِنْدَ الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ بِصِدْقِ أَبْطَلَتْهَا، مِثْلُ مَن يَدْخُل النَّارَ بِحَالٍ شَيْطَانِيٍّ، أَو يَحْضُز سَمَاعَ الْمُكاءِ وَالتَّصْدِيَةِ، فَتَنْزِلُ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ وَتَتَكَلَّمُ عَلَى لِسَانِهِ كَلَامًا لَا يُعْلَمُ، وَرُبَّمَا لَا يُفْقَهُ، وَرُبَّمَا كَاشَفَ بَعْضَ الْحَاضِرِينَ بِمَا فِي قَلْبِهِ، وَرُبَّمَا تَكَلَّمَ بِأَلْسِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ كَمَا يَتَكَلَّمُ الْجِنِّي عَلَى لِسَانِ الْمَصْرُوعِ. وَالْإِنْسَانُ الَّذِي حَصَلَ لَهُ الْحَالُ لَا يَدْرِي بِذَلِكَ، بِمَنْزِلَةِ الْمَصْرُوعِ الَّذِي

стр. 933

يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِن الْمَسِّ، وَلَبِسَهُ وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهِ، فَإِذَا أَفَاقَ لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِمَّا قَالَ، وَلهَذَا قَد يُضْرَبُ الْمَصْرُوع وَذَلِكَ الضَّرْبُ لَا يُؤثِّرُ فِي الْإِنْسِيٍّ، وَيُخْبِرُ إذَا أَفَاقَ أَنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْء؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ كَانَ عَلَى الْجِنِّيِّ الَّذِي لَبِسَهُ. وَمِن هَؤُلَاءِ مَن يَأْتِيه الشَّيْطَانُ بِأَطْعِمَةٍ وَفَوَاكِهَ وَحَلْوَى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكُون فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَمِنْهُم مَن يَطِيرُ بِهِم الْجِنِّيُّ إلَى مَكَّةَ أَو بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَو غَيْرِهِمَا، وَمِنْهُم مَن يَحْمِلُهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ ثُمَّ يُعِيدُهُ مِن لَيْلَتِهِ فَلَا يَحُجُّ حَجًّا شَرْعِيًّا؛ بَل يَذْهَبُ بِثِيَابِهِ وَلَا يُحْرِمُ إذَا حَاذَى الْمِيقَاتَ، وَلَا يُلَبِّي وَلَا يَقِفُ بمزدلفة، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَلَا يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَا يَرْمِي الْجِمَارَ؛ بَل يَقِفُ بِعَرَفَةَ بِثِيَابِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ مِن لَيْلَتِهِ، وَهَذَا لَيْسَ بِحَجٍّ. ١٠٩٧ - لَمَّا كَانَت عِبَادَةُ الْمُسْلِمِينَ الْمَشْرُوعَةُ فِي الْمَسَاجِدِ الَّتِي هِيَ بُيُوتُ اللّهِ كَانَ عُمَّارُ الْمَسَاجِدِ أَبْعَدَ عَن الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ، وَكَانَ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالْبِدَعِ يُعَظِّمُونَ الْقُبُورَ وَمَشَاهِدَ الْمَوْتَى، فَيَدْعُونَ الْمَيِّتَ أَو يَدْعُونَ بِهِ، أَو يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الدُّعَاءَ عِنْدَهُ مُسْتَجَابٌ: أَقْرَبَ إلَى الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (١) عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسِ لَيَالٍ: "إنَّ مِن أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَذَاتِ يَدِهِ أَبُو (٢) بَكْرٍ، وَلَو كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِن أَهْلِ الْأَرْضِ لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللّهِ، لَا يَبْقَيَن فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إلَّا سُدَّتْ إلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ، إنَّ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكمْ عَن ذَلِكَ". [١١/ ٢٩٠]

стр. 934

١٠٩٨ - مِن أَعْظَمِ مَا يُقَوِّي الْأَحْوَالَ الشَّيْطَانِيَّةَ سَمَاعُ الْغِنَاءِ وَالْمَلَاهِي وَهُوَ سَمَاعُ الْمُشْرِكِينَ. [١١/ ٢٩٥] ١٠٩٩ - مَن كَانَ أَبْعَدَ عَن الْمَعْرِفَةِ وَعَن كَمَالِ وِلَايَةِ اللهِ كَانَ نَصِيبُ الشَّيْطَانِ مِنْهُ أَكْثَرَ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَمْرِ يُؤَثِّرُ فِي النفُوسِ أَعْظَمَ مِن تَأْثِيرِ الْخَمْر؛ وَلهَذَا إذَا قَوِيَتْ سَكْرَةُ أَهْلِهِ نَزَلَتْ عَلَيْهِم الشَّيَاطِينُ وَتَكَلَّمَتْ عَلَى أَلْسِنَةِ بَعْضِهِمْ وَحَمَلَتْ بَعْضَهُم فِي الْهَوَاءِ وَقَد تَحْصُلُ عَدَاوَةٌ بَيْنَهُم كَمَا تَحْصُلُ بَيْنَ شُرَّابِ الْخَمْرِ فَتَكُونُ شَيَاطِينُ أَحَدِهِمْ أَقْوَى مِن شَيَاطِينِ الْآخَرِ فَيَقْتُلُونَهُ وَيَظُنُّ الْجُهَّالُ أَنَّ هَذَا مِن كَرَامَاتِ أَوْليَاءِ اللهِ الْمتَّقِينَ (١). [١١/ ٢٩٨] ١١٠٠ - لَمَّا كَانَت الْخَوَارِقُ كَثِيرًا مَا تَنْقُصُ بِهَا دَرَجَةُ الرَّجُلِ كَانَ كَثِيرٌ مِن الصَّالِحِينَ يَتُوبُ مِن مِثْل ذَلِكَ وَيَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى كَمَا يَتُوبُ مِن الذُّنوبِ؛ كَالزنى وَالسَّرِقَةِ، وَتَعْرِضُ عَلَى بَعْضِهِمْ فَيَسْأَلُ اللهَ زَوَالَهَا، وَكُلُّهُم يَأْمُرُ الْمُرِيدَ السَّالِكَ أَنْ لَا يَقِفَ عِنْدَهَا وَلَا يَجْعَلَهَا هِمَّتَهُ وَلَا يَتَبَجَّحَ بِهَا؛ مَعَ ظَنِّهِمْ أَنَّهَا كَرَامَات، فَكَيْفَ إذَا كَانَت بِالْحَقِيقَةِ مِن الشَّيَاطِينِ تُغْوِيهِمْ بِهَا؟ فَإِنّي أَعْرِفُ مَن تُخَاطِبُهُ النَّبَاتَات بِمَا فِيهَا مِن الْمَنَافِعِ، وَإِنَّمَا يُخَاطِبُهُ الشَّيْطَانُ الَّذِي دَخَلَ فِيهَا. وَأَعْرِفُ مَن يُخَاطِبُهُم الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ وَتَقُولُ: هَنِيئًا لَك يَا وَليَّ اللهِ فَيَقْرَأُ آيةَ الْكُرْسِيِّ فَيَدْهَبُ ذَلِكَ. وَأَعْرِفُ مَن يَقْصِدُ صَيْدَ الطَّيْرِ فَتُخَاطِبُهُ الْعَصافِيرُ وَغَيْرْهَا وَتَقُولُ: خُذْنِي حَتَّى يَأكُلَنِي الْفُقَرَاءُ وَيَكُونُ الشَّيْطَانُ قَد دَخَلَ فِيهَا كَمَا يَدْخُلُ فِي الإِنْسِ وَيُخَاطِبُهُ بِذَلِكَ.

стр. 935

وَأَعْرِفُ مَن يُخَاطِبُهُ مُخَاطِبٌ وَيَقُولُ لَهُ: أَنَا مِن أَمْرِ اللّهِ وَيَعِدُهُ بِأَنَّهُ الْمَهْدِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَيُظْهَرُ لَهُ الْخَوَارِقُ، مِثْلُ أَنْ يَخْطُرَ بِقَلْبِهِ تَصَرُّفٌ فِي الطَّيْرِ وَالْجَرَادِ فِي الْهَوَاءِ، فَإِذَا خَطَرَ بِقَلْبِهِ ذَهَابُ الطَّيْرِ أَو الْجَرَادِ يَمِينًا أَو شَمَالًا ذَهَبَ حَيْثُ أَرَادَ، وَإِذَا خَطَرَ بِقَلْبِهِ قِيَامُ بَعْضِ الْمَوَاشِي أَو نَوْمُهُ أَو ذَهَابُهُ حَصَلَ لَهُ مَا أَرَادَ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ، وَتَحْمِلُهُ إلَى مَكَّةَ وَتَأْتِي بِهِ، وَتَأْتِيه بِأَشْخَاص فِي صُورَةٍ جَمِيلَةٍ وَتَقُولُ لَهُ: هَذِهِ الْمَلَائِكَة الكروبيون، أَرَادُوا زِيارَتَك، فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: كَيْفَ تَصَوَّرُوا بِصُورَةِ المردان، فَيَرْفَعُ رَأسَهُ فَيَجِدُهُم بِلِحَى، وَيَقُولُ لَهُ: عَلَامَةُ أنَّك أَنَتَ الْمَهْدِيُّ أنَّك تَنْبُتُ فِي جَسَدِك شَامَةٌ فَتَنْبُتُ وَيَرَاهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكُلُّهُ مِن مَكْرِ الشَّيْطَانِ. وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَو ذَكَرْت مَا أَعْرِفُهُ مِنْهُ لَاحْتَاجَ إلَى مُجَلَّدٌ كَبِيرٍ (١). [١١/ ٣٠٠ - ٣٠١] ١١٠١ - كُفَّارُ الْجِنِّ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا مُؤْمِنُوهُم فَجُمْهُورُ الْغلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُم يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الرُّسُلَ مِن الْإِنْسِ وَلَمْ يُبْعَثْ مِن الْجِنِّ رَسُولٌ. [١١/ ٢٠٦ - ٢٠٧] ١١٠٢ - الْجِنّ مَعَ الْإِنْسِ عَلَى أَحْوَالٍ: أ - فَمَن كَانَ مِن الْإِنْسِ يَأْمُرُ الْجِنَّ بِمَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ مِن عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ وَطَاعَةِ نَبِيِّهِ وَيَأْمُرُ الْإِنْسَ بِذَلِكَ فَهَذَا مِن أَفْضَلِ أَوْليَاءِ اللّهِ تَعَالَى وَهُوَ فِي ذَلِكَ مِن خُلَفَاءِ الرَّسُولِ وَنُوَّابِهِ.

стр. 936

ب - وَمَن كَانَ يَسْتَعْمِلُ الْجِنَّ فِي أُمُورٍ مُبَاحَةٍ لَة، فَهُوَ كَمَن اسْتَعْمَلَ الْإِنْسَ فِي أُمُورٍ مُبَاحَةٍ لَهُ، وَهَذَا كَأنْ يَأْمُرَهُم بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِم وَيَنْهَاهُم عَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِم وَيَسْتَعْمِلُهُم فِي مُبَاحَاتٍ لَهُ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْل ذَلِكَ، وَهَذَا إذَا قُدِّرَ أَنَّهُ مِن أَوْليَاءِ اللّهِ تَعَالَى فَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ فِي عُمُومِ أَوْليَاءِ اللّهِ مِثْل النَّبِيِّ الْمَلِكِ مَعَ الْعَبْدِ الرَّسُولِ: كَسُلَيْمَانَ وَيُوسُفَ مَعَ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِم أجْمَعِينَ. ج - وَمَن كَانَ يَسْتَعْمِلُ الْجِنَّ فِيمَا يَنْهَى اللّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ، إمَّا فِي الشِّرْكِ، وَإِمَّا فِي قَتْلِ مَعْصُومِ الدَّمِ، أَو فِي الْعُدْوَانِ عَلَيْهِم بِغَيْرِ الْقَتْلِ كَتَمْرِيضِهِ وَإِنْسَائِهِ الْعِلْمَ وَغَيْوَ ذَلِكَ مِن الظُّلْمِ، وَإِمَّا فِي فَاحِشَةٍ كَجَلْبِ مَن يُطْلَبُ مِنْهُ الْفَاحِشَةُ، فَهَذَا قَد اسْتَعَانَ بِهِم عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ. ثُمَّ إنْ اسْتَعَانَ بِهِم عَلَى الْكُفْرِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِن اسْتَعَانَ بِهِم عَلَى الْمَعَاصِي فَهُوَ عَاصٍ: إمَّا فَاسِقٌ وَإِمَّا مُذْنِبٌ غَيْرُ فَاسِقٍ. وَإِن لَمْ يَكُن تَامَّ الْعِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ فَاسْتَعَانَ بِهِم فِيمَا يُظَنُّ أَنَّهُ مِن الْكَرَامَاتِ: مِثْلُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِم عَلَى الْحَجِّ، أَو أَنْ يَطِيرُوا بهِ عِنْدَ السَّمَاعِ الْبِدْعِيِّ، أَو أَنْ يَحْمِلُوهُ إلَى عَرَفَاتٍ وَلَا يَحُجّ الْحَجَّ الشَّرْعِيَّ الَّذِي أَمَرَهُ اللّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنْ يَحْمِلُوهُ مِن مَدِينَةٍ إلَى مَدِينَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا مَغْرُورٌ قَد مَكَرُوا بِهِ. وَكثِيرٌ مِن هَؤُلَاءِ قَد لَا يَعْرِفُ أَنَّ ذَلِكَ مِن الْجِنِّ؛ بَل قَد سَمِعَ أَنَّ أَوْليَاءَ اللّهِ لَهُم كَرَامَاتٌ وَخَوَارِقُ لِلْعَادَاتِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مِن حَقَائِقِ الْإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ الْقُرْآنِ مَا يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْكَرَامَاتِ الرَّحْمَانِيَّةِ وَبَيْنَ التَّلْبِيسَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ فَيَمْكُرُونَ بِهِ بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِ. [١١/ ٣٠٧ - ٣٠٨] ١١٠٣ - كُلُّ مَن تَرَكَ الْاِيمَانَ وَالتَّوْحِيدَ فَلَا يَتْرُكُهُ إِلَّا إلَى كُفْرٍ وَشِرْكٍ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ لَا بُدَّ لَهَا مِن إلَهٍ تَعْبُدُهُ، فَمَن لَمْ يَعْبُد الرَّحْمَنَ عَبَدَ الشَّيْطَانَ. وَالنَّاسُ نَوْعَانِ: طُلَّابُ دِينٍ وَطُلَّابُ دُنْيَا.

стр. 937

فَهُوَ يَأْمُرُ طُلَّابَ الدِّينِ بِالشّرْكِ وَالْبِدْعَةِ؛ كَعُبَّادِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، وَيَأْمُرُ طُلَّابَ الدُّنْيَا بِالشَّهَوَاتِ الْبَدَنِيَّةِ. [١١/ ٦٧٢] ١١٠٤ - الْوَحْيُ وَحْيَانِ: وَحْيٌ مِن الرَّحْمَن، وَوَحْيٌ مِن الشَّيْطَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]. [١٣/ ٧٤] ١١٠٥ - هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَهُم مُكَاشَفَاث وَمُخَاطَبَاتٌ يَرَوْنَ وَيَسْمَعُونَ مَا لَهُ وُجُودٌ فِي الْخَارِجِ، وَمَا لَا يَكون مَوْجُودًا إلَّا فِي أَنْفُسِهِمْ، كَحَالِ النَّائِمِ، وَهَذَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ، وَلَكنْ قَد يَرَوْنَ فِي الْخَارِجِ أَشْخَاصًا يَرَوْنَهَا عِيَانًا، وَمَا فِي خَيَالِ الْإِنْسَانِ لَا يَرَاهُ غَيْرُهُ، وَيُخَاطِبُهُم أُولَئِكَ الْأَشْخَاصُ وَيَحْمِلُونَهُم وَيَذْهَبُونَ بِهِم إلَى عَرَفَاتٍ فَيَقِفُونَ بِهَا، وَإِمَّا إلَى غَيْرِ عَرَفَاتٍ، وَيَأْتُوهُم بِذَهَبٍ وَفِضَّةِ وَطَعَامٍ وَلبَاسٍ وَسِلَاحٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَيَخْرُجُونَ إلَى النَّاسِ وَيَأْتُونَهُم أَيْضًا بِمَن يَطْلُبُونَهُ، مِثْل مَن يَكُونُ لَهُ إرَادَةٌ فِي امْرَأَةٍ أَو صَبِيٍّ، فَيَأْتُونَهُ بِذَلِكَ إِمَّا مَحْمُولًا فِي الْهَوَاءِ، وَإِمَّا بِسَعْي شَدِيدٍ، وَيُخْبِرُ أَنَّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِن الْبَاعِثِ الْقَوِيِّ مَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْمُقَامُ مَعَهُ، أو يُخْبِرُ أَنَّهُ سَمِعَ خِطَابًا، وَقَد يَقْتُلُونَ لَهُ مَن يُرِيدُ قَتْلَهُ مِن أَعْدَائِهِ أَو يُمَرِّضُونَهُ. فَهَذَا كُلُّهُ مَوْجُودٌ كَثِيرًا. لَكنْ مِنَ النَّاسِ مَن يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مِن الشَّيْطَانِ وَأَنَّهُ مِن السِّحْرِ، وَأَنَّ ذَلِكَ حَصَلَ بِمَا قَالَهُ وَعَمِلَهُ مِن السِّحْرِ. وَمِنْهُم مَن يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِن الْجِنِّ وَيَقُولُ: هَذَا كَرَامَة أَكْرَمَنَا بِتَسْخِيرِ الْجِنِّ لَنَا (١). [١٣/ ٧٧] ١١٠٦ - قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ

стр. 938

لَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨]، الِاسْتِمْتَاعُ بِالشَّيْءِ هُوَ أَنْ يَتَمَتَّعَ بِهِ فَيَنَالَ بِهِ مَا يَطْلُبُهُ وَيُرِيدُهُ وَيَهْوَاهُ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ اسْتِمْتَاعُ الرّجَالِ بالنِّسَاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، كَمَا قَالَ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] وَمِن ذَلِكَ الْفَوَاحِشُ؛ كَاسْتِمْتَاعِ الذُّكُورِ بِالذّكورِ وَالْإِنَاثِ بِالْإِنَاثِ. وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الِاسْتِمْتَاعُ بِالِاسْتِخْدَامِ وَأَئِمَّةِ الرِّيَاسَةِ، كَمَا يَتَمَتَّعُ الْمُلُوكُ وَالسَّادَةُ بِجُنُودِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْأَمْوَالِ كَاللّبَاسِ. وَفِي الْجُمْلَةِ: اسْتِمْتَاعُ الْإِنْسِ بِالْجِنّ وَالْجِنِّ بِالْإِنْسِ يُشْبِهُ اسْتِمْتَاعَ الْإِنْسِ بِالْإِنْسِ. وَتَارَةً يَخْدِمُ هَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ فِي أَغْرَاضِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ لِهَؤُلَاءِ فِي أَغْرَاضِهِمْ؛ فَالْجِنُّ تَأْتِيهِ بِمَا يُرِيدُ مِن صُورَةٍ أَو مَالٍ أَو قَتْلِ عَدُوِّهِ. وَالْإِنْسُ تُطِيعُ الْجِنَّ، فَتَارَةً تَسْجُدُ لَهُ، وَتَارَة تَسْجُدُ لِمَا يَأْمُرُهُ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَتَارَةً تُمَكِّنُهُ مِن نَفْسِهِ فَيَفْعَلُ بِهِ الْفَاحِشَةَ. وَكَذَلِكَ الْجِنّيَّاتُ مِنْهُنَّ مَن يُرِيدُ مِن الْإِنْسِ الَّذِي يَخْدِمْنَهُ مَا يُرِيدُ نِسَاءُ الْإِنْسِ مِن الرِّجَالِ. وَهَذَا كَثِيرٌ فِي رِجَالِ الْجِنِّ وَنِسَائِهِمْ، فَكَثِيرٌ مِن رِجَالِهِمْ يَنَالُ مِن نِسَاءِ الْإِنْسِ مَا يَنَالُهُ الْإِنْسِيُّ، وَقَد يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالذُّكْرَانِ (١). وَصَرْعُ الْجِنّ لِلْإِنْسِ هُوَ لِأَسْبَابٍ ثَلَاثَةٍ: أ - تَارَةً يَكُونُ الْجِنِّيُّ يُحِبُّ الْمَصْرُوعَ فَيَصْرَغهُ لِيَتَمَتَّعَ بِهِ، وَهَذَا الصَّرْعُ يَكُونُ أَرْفَقَ مِن غَيْرِهِ وَأَسْهَلَ.

стр. 939

ب - وَتَارَةً يَكُونُ الْإِنْسِيُّ آذَاهُم إذَا بَالَ عَلَيْهِمْ، أَو صَبَّ عَلَيْهِم مَاءً حَارًّا، او يَكونُ قَتَلَ بَعْضَهُمْ، أَو غَيْرَ ذَلِكَ مِن أَنْوَاعِ الْأَذَى، وَهَذَا أَشَدُّ الصَّرْعِ، وَكَثيرًا مَا يَقْتُلُونَ الْمَصْرُوعَ. ج - وَتَارَةً يَكُونُ بِطَرِيقِ الْعَبَثِ بِهِ، كَمَا يَعْبَثُ سُفَهَاءُ الْإِنْسِ بِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ. وَمِن اسْتِمْتَاعِ الْإِنْسِ بِالْجِنِّ اسْتِخْدَامُهُم فِي الْإِخْبَارِ بِالْأمُورِ الْغَائِبَةِ (١)، كَمَا يُخْبَرُ الْكُهَّانُ، فَإِنَّ فِي الْإِنْسِ مَن لَهُ غَرَضٌ فِي هَذَا؛ لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِن الرِّيَاسَةِ وَالْمَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَإِنَّهُ لَا يَخْدِمُ الْأِنْسِيَّ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ إلَّا لِمَا يَسْتَمْتِعُ بِهِ مِن الْإِنْسِيِّ، بِأَنْ يُطِيعَهُ الْإِنْسِيُّ فِي بَعْضِ مَا يُرِيدُهُ، إمَّا فِي شرْكٍ، وَإِمَّا فِي فَاحِشَةٍ، وَإِمَّا فِي أَكْلِ حَرَامٍ، وَإِمَّا فِي قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَمِن اسْتِمْتَاعِ الْإِنْسِ بِالْجنِّ اسْتِخْدَامُهُم فِي إحْضَارِ بَعْضِ مَا يَطْلُبُونَهُ مِن مَالٍ وَطَعَامٍ وَثيَابٍ وَنَفَقَةٍ، فَقَد يَأْتُونَ بِبَعْضِ ذَلِكَ وَقَد يَدُلُّونَهُ عَلَى كَنْزٍ وَغَيْرِهِ. وَإِذَا سُئِلَ الشَّيْخُ الْمَخْدُومُ عَن أمْرٍ غَائِب: إِمَّا سَرِقَةٍ، وَإِمَّا شَخْصٍ مَاتَ، وَطُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُخْبِرَ بِحَالِهِ، أَو عِلَّةٍ فِي النِّسَاءِ، أَو غَيْرِ ذَلِكَ (٢)، فَإِنَّ الْجِنِّيَّ قَد يُمَثِّلُ ذَلِكَ فَيُرِيهِ صُورَةَ الْمَسْرُوقِ فَيَقُولُ الشَّيْخُ: ذَهَبَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ إنْ كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ مُعَظَّمًا وَأرَادَ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى سَرِقَتِهِ مَثَّلَ لَهُ الشَّيْخُ الَّذِي أَخَذَهُ أَو الْمَكَانَ الَّذِي فِيهِ الْمَالُ فَيَذْهَبُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَهُ كَمَا قَالَ، وَالْأَكْثَرُ مِنْهُم أَنَّهُم يُظْهِرُونَ صُورَةَ الْمَالِ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي سَرَقَ الْمَالَ مَعَهُ أَيْضًا جِنِّي يَخْدِمُهُ.

стр. 940

وَالْجِنُّ يَخَافُ بَعْضُهُم مِن بَعْضٍ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَ يَخَافُ بَعْضهُم بَعْضًا، فَإِذَا دَلَّ الْجِنِّيُّ عَلَيْهِ جَاءَ إلَيْهِ أَوْليَاءُ السَّارِقِ فَآذَوْهُ، وَأَحْيَانًا لَا يَدُلُّ لِكَوْنِ السَّارِقِ وَأَعْوَانِهِ يَخْدِمُونَهُ وَيَرْشُونَهُ، كَمَا يُصِيبُ مَن يَعْرِفُ اللُّصُوصَ مِن الْإِنْسِ، تَارَةً يَعْرِفُ السَّارِقَ وَلَا يُعَرّفُ بِهِ، إِمَّا لِرَغْبَةٍ يَنَالُهَا مِنْهُ، وَإِمَّا لِرَهْبَةٍ وَخَوْفٍ مِنْهُ. وَالْجِنُّ مُكَلَّفُونَ كَتَكْلِيفِ الإِنْسِ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ مُرْسَلٌ إلَى الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَكُفَّارِ الْجِنِّ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا مُؤْمِنُوهُمْ: فَفِيهِمْ قَوْلَانِ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُم يُثَابُونَ أَيْضًا وَيَدْخُلُونَ الْجَنَةَ. وَاسْتِخْدَامُ الْإِنْسِ لَهُم مِثْلُ اسْتِخْدَامِ الْإِنْسِ لِلْإِنْسِ بِشَيءِ: أ - مِنْهُم: مَن يَسْتَخْدِمُهُم فِي الْمُحَرَّمَاتِ مِن الْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ وَالشِّرْكِ وَالْقَوْلِ عَلَى اللّهِ بِلَا عِلْمٍ، وَقَد يَظُنُّونَ ذَلِكَ مِن كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِن أَفْعَالِ الشَّيَاطِينِ. ب - وَمِنْهُم: مَن يَسْتَخْدِمُهُم فِي أُمُورِ مُبَاحَةٍ، إمَّا إحْضَارِ مَالِهِ، أَو دَلَالَةٍ عَلَى مَكَانٍ فِيهِ مَا لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مَعْصُومٌ، أَو دَفْعِ مَن يُؤذِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا كَاسْتِعَانَةِ الْإِنْسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضِ فِي ذَلِكَ. ج - والنَّوْعُ الثَّالِثُ: أنْ يَسْتَعْمِلَهُم فِي طَاعَةِ اللّهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا يُسْتَعْمَلُ الْإِنْسُ فِي مِثْل ذَلِكَ، فَيَأْمُرَهُم بِمَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَيَنْهَاهُم عَمَّا نَهَاهُم اللهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ، كَمَا يَأْمُرُ الْإِنْسَ وَيَنْهَاهُمْ، وَهَذِهِ حَالُ نَبِيِّنَا ﷺ وَحَالٌ مَن اتَّبَعَهُ وَاقْتَدَى بِهِ مِن أُمَّتِهِ، وَهُم أَفْضَلُ الْخَلْقِ. وَعُمَرُ ﵁ لَمَّا نَادَى: يَا سَارِيةُ الْجَبَلَ قَالَ: إنَّ للّهِ جُنُودًا يُبَلِّغُونَ صَوْتي. وَجُنُودُ اللّهِ: هُم مِن الْمَلَائِكةِ وَمِن صَالِحِي الْجِنِّ، فَجُنُودُ اللهِ بَلَّغُوا صَوْتَ عُمَرَ إلَى سَارِيةَ، وَهُوَ أَنَّهُم نَادَوْهُ بِمِثْل صَوْتِ عُمَرَ، وَإِلَّا نَفْسُ صَوْتِ عُمَرَ لَا يَصِلُ نَفْسُهُ فِي هَذِهِ الْمَسَافَةِ الْبَعِيدَةِ، وَهَذَا كَالرَّجُلِ يَدْعُو آخَرَ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنْهُ

стр. 941

فَيَقُولُ: يَا فلَانُ، فَيُعَانُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَقُولُ الْوَاسِطَةُ بَيْنَهُمَا: يَا فُلَان. وَقَد يَأْمُرُ الْمَلِكُ بَعْضَ النَّاسِ بِأَمْرٍ وَيَسْتَكْتِمُهُ إِيَّاهُ، فَيَخْرُجُ فَيَرَى النَّاسَ يَتَحَدَّثُونَ بِهِ، فَإِنَّ الْجِنَّ تَسْمَعُهُ وَتُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ. وَكَثِيرًا مَا يَسْتَغِيثُ الرَّجُلُ بِشَيْخِهِ الْحَيِّ أَو الْمَيِّتِ، فَيَأتُونَهُ فِي صُورَةِ ذَلِكَ الشَّيْخِ، وَقَد يُخَلِّصُونَهُ مِمَّا يَكْرَهُ، فَلَا يَشُكُّ أَنَّ الشَّيْخَ نَفْسَهُ جَاءَهُ، أَو أَنَّ مَلَكًا تَصَوَّرَ بِصُورَتهِ وَجَاءَهُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي تَمَثَّلَ إنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ لَمَّا أَشْرَكَ بِاللهِ أَضَلَّتْهُ الشَّيَاطِينُ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا تُجِيبُ مُشْرِكًا. وَتَارَةً يَأْتُونَ إلَى مَن هُوَ خَالٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، وَقَد يَكُونُ مَلِكًا أَو أَمِيرًا كَبِيرًا، وَيَكُونُ كَافِرًا، وَقَد انْقَطَعَ عَن أَصْحَابِهِ وَعَطِشَ وَخَافَ الْمَوْتَ، فَيَأتِيهِ فِي صُورَةِ إنْسِيٍّ وَيَسْقِيهِ وَيَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَيُتَوِّبُه فَيُسْلِمُ عَلَى يَدَيْهِ، وَيُتَوِّبُه وَيُطْعِمُهُ وَيَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ وَيَقُولُ: مَن أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا فُلَانٌ، وَيَكُونُ مِن مُؤْمِنِي الْجِنِّ. كَمَا جَرَى مِثْلُ هَذَا لِي، كُنْت فِي مِصْرَ فِي قَلْعَتِهَا، وَجَرَى مِثْلُ هَذَا إلَى كَثِيرٍ مِن التُّرْكِ مِن نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ، وَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ: أَنَا ابْنُ تَيْمِيَّة، فَلَمْ يَشُكَّ ذَلِكَ الْأَمِيرُ أَنِّي أَنَا هُوَ، وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ مَلِكَ مَارِدِينَ، وَأَرْسَلَ بِذَلِكَ مَلِكُ مَارِدِينَ إلَى مَلِكِ مِصْرَ رَسُولًا، وَكُنْت فِي الْحَبْسِ (١)؛ فَاسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ وَأَنَا لَمْ أَخْرُجْ مِن الْحَبْسِ، وَلَكِنْ كَانَ هَذَا جِنِّيًّا يُحِبُّنَا فَيَصنَعُ بِالتُّرْكِ التتر مِثْل مَا كنْت أَصْنَعُ بِهِم لَمَّا جَاءُوا إلَى دِمَشْقَ: كُنْت أَدْعُوهُم إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِذَا نَطَقَ أَحَدُهُم بِالشَّهَادَتَيْنِ أَطْعَمْتهمْ مَا تَيَسَّرَ، فَعَمِلَ مَعَهُم مِثْل مَا كُنْت أَعْمَلُ، وَأَرَادَ بِذَلِكَ إكْرَامِي لِيَظُنَّ ذَاكَ أَنِّي أَنَا الَّذِي فَعَلْت ذَلِكَ. قَالَ لِي طَائِفَةٌ مِن الناسِ: فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَلَكًا؟

стр. 942

قُلْت: لَا (١). إنَّ الْمَلَكَ لَا يَكْذِبُ، وَهَذَا قَد قَالَ: أَنَا ابْنُ تَيْمِيَّة، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ. وَكَثِيرٌ مِن النَّاسِ رَأَى مَن قَالَ: إنِّي أَنَا الْخَضِرُ، وَإِنَّمَا كَانَ جِنِّيًّا. ثُمَّ صَارَ مِن النَّاسِ مَن يُكَذِّبُ بِهَذِهِ الْحِكَايَاتِ إنْكَارًا لِمَوْتِ الْخَضِرِ، وَالَّذِينَ قَد عَرَفُوا صِدْقَهَا يَقْطَعُونَ بِحَيَاةِ الْخَضِرِ، وَكِلَا الطَّائِفَتَيْنِ مُخْطِئٌ، فَإِنَّ الَّذِينَ رَأَوْا مَن قَالَ: إنِّي أَنَا الْخَضِرُ هُم كَثِيرُونَ صَادِقُونَ، وَالْحِكَايَاتُ مُتَوَاتِرَاتٌ؛ لَكِنْ أَخْطَئُوا فِي ظَنِّهِمْ أَنَّهُ الْخَضِرُ، وَإِنَّمَا كَانَ جِنِّيًّا. وَأَصْحَابُ الْحَلَّاجِ (٢) لَمَّا قُتِلَ كَانَ يَأْتِيهِمْ مَن يَقُولُ: أَنَا الْحَلَّاجُ، فَيَرَوْنَهُ فِي صُورَتِهِ عِيَانًا. وَكَذَلِكَ شَيْخٌ بِمِصْر يُقَالُ لَهُ: الدسوقي، بَعْدَ أَنْ مَاتَ كَانَ يَأْتِي أَصْحَابَهُ مِن جِهَتِهِ رَسَائِلُ وَكُتُبٌ مَكْتُوبَةٌ، وَأَرَانِي صَادِقٌ مِن أَصْحَابهِ الْكِتَابَ الَّذِي أَرْسَلَة، فَرَأَيْته بِخَطِّ الْجِنِّ -وَقَد رَأَيْت خَطَّ الْجِنِّ غَيْرَ مَرَّةٍ (٣) - وَفِيهِ كَلَامٌ مِن كَلَامِ الْجِنِّ وَذَاكَ الْمُعْتَقِدُ يَعْتَقِدُ أَنَّ الشَّيْخَ حَيٌّ. ١١٠٧ - الَّذِينَ يَرَوْنَ الْخَضِرَ أَحْيَانًا هُوَ جِنِّيٌّ رَآه، وَقَد رَآه غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَن أَعْرِفُهُ، وَقَالَ: إنَّنِي الْخَضِرُ، وَكَانَ ذَلِكَ جِنِّيًّا لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ رَأَوْهُ، وَإِلَّا فَالْخَضِرُ الَّذِي كَانَ مَعَ مُوسَى ﵇ مَاتَ.

стр. 943

وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ رَأَى الْخَضِرَ، وَلَا أَنَّهُ أَتَى إلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا أَعْلَمَ وَأَجَل قَدْرًا مِن أَنْ يُلَبِّسُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِم، وَلَكِنْ لَبَّسَ عَلَى كَثِيرٍ مِمَن بَعْدَهُم فَصَارَ يَتَمَثَّلُ لِأَحَدِهِمْ فِي صُورَةِ النَّبِيِّ وَيَقُولُ: أَنَا الْخَضِرُ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَان، كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَرَى مَيِّتَهُ خَرَجَ وَجَاءَ إلَيْهِ وَكَلَّمَة فِي أُمُورٍ وَقَضَى حَوَائِجَ فَيَظُنُّهُ الْمَيِّتَ نَفْسَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ بِصُورَتِهِ. [٢٧/ ١٨ - ١٩] ١١٠٨ - كُلُّ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللّهِ فَإِنَّمَا يَعْبُدُ الشَّيْطَانَ، وَإِن كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبيَاءَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]. وَلهَذَا تَتَمَثَّلُ الشَّيَاطِينُ لِمَن يَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ وَيُخَاطِبُونَهُمْ، فَيَظُنُّونَ أَنَّ الَّذِي خَاطَبَهُم مَلَكٌ أَو نَبِيٌّ، أَو وَليٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ، جَعَلَ نَفْسَهُ مَلَكًا مِن الْمَلَائِكَةِ. [١٤/ ٢٨٣] ١١٠٩ - الَّذِي فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُمْ (١) يَرَوْنَ الْإِنْسَ مِن حَيْثُ لَا يَرَاهُم الْإِنْسُ (٢)، وَهَذَا حَقٌّ يَقْتَضِي أَنَّهُم يَرَوْنَ الْإِنْسَ فِي حَالٍ لَا يَرَاهُم الْإِنْسُ فِيهَا، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُم لَا يَرَاهُم أَحَدٌ مِن الْإِنْسِ بِحَالٍ؛ بَل قَد يَرَاهُم الصَّالِحُونَ وَغَيْرُ الصَّالِحِينَ أَيْضًا، لَكِنْ لَا يَرَوْنَهُم فِي كلِّ حَالٍ، وَالشَّيَاطِينُ هُم مَرَدَةُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَجَمِيعُ الْجِنِّ وَلَدُ إبْلِيسَ. [١٥/ ٧] ١١١٠ - الشَّيْطَانُ يُرِيدُ مِنَ الْإِنْسَانِ الْإِسْرَافَ فِي أُمُورر كُلِّهَا، فَإِنَّهُ إنْ رَآهُ مَائِلًا إلَى الرَّحْمَةِ زَيَّنَ لَهُ الرَّحْمَةَ، حَتَّى لَا يُبْغِضَ مَا أَبْغَضَهُ اللّهُ، وَلَا يَغَارَ لِمَا يَغَارُ اللّهُ مِنْهُ.

стр. 944

وَإِن رَآهُ مَائِلًا إلَى الشِّدَّةِ زَيَّنَ لَهُ الشِّدَّةَ فِي غَيْرِ ذَاتِ اللّهِ، حَتَّى يَتْرُكَ مِنَ الْإِحْسَانِ وَالْبِرِّ وَاللِّينِ وَالصِّلَةِ وَالرَّحْمَةِ مَا يَأْمُرُ بِهِ اللّهُ وَرَسُولُهُ. [١٥/ ٢٩٢] ١١١١ - كَثِيرٌ مِن أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَالشِّوْكِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ يَدْعُو وَيَسْتَغِيثُ بِشَيْخِهِ الَّذِي يُعَظِّمُهُ وَهُوَ مَيِّتٌ، أَو يَسْتَغِيثُ بِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ وَيَسْأَلُهُ، وَقَد يَنْذِرُ لَهُ نَذْرًا وَنَحْو ذَلِكَ، وَيَرَى ذَلِكَ الشَّخْصَ قَد أَتَاهُ فِي الْهَوَاءِ وَدَفَعَ عَنْهُ بَعْضَ مَا يَكْرَهُ أَو كَلَّمَهُ بِبَعْضِ مَا سَالَهُ عَنْهُ وَنَحْو ذَلِكَ، فَيَظُنُّهُ الشَّيْخَ نَفْسَهُ أَتَى إنْ كَانَ حَيًّا. حَتَّى أَنِّي أَعْرِفُ مِن هَؤُلَاءِ جَمَاعَاتٍ يَأْتُونَ إلَى الشَّيْخِ نَفْسِهِ الَّذِي اسْتَغَاثُوا بِهِ وَقَد رَأَوْة أَتَاهُم فِي الْهَوَاءِ فَيَذْكُرُونَ ذَلِكَ لَهُ. وَلهَذَا أَعْرِفُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِن الشُّيُوخِ الْأَكَابِرِ الَّذِينَ فِيهِمْ صِدْقٌ وَزُهْدٌ وَعِبَادَة لَمَّا ظَنُّوا هَذَا مِن كَرَامَاتِ الصَّالِحِينَ صَارَ أَحَدُهُم يُوصِي مُرِيدِيهِ يَقُولُ: إذَا كَانَت لِأحَدِكُمْ حَاجَةٌ فَلْيَسْتَغِثْ بِي وليستنجدني وَلْيَسْتَوْصِنِي وَيَقُولَ: أَنَا أَفْعَلُ بَعْدَ مَوْتِي مَا كُنْت أَفْعَلُ فِي حَيَاتِي، وَهُوَ لَا يَعْرِف أَنَّ تِلْكَ شَيَاطِينُ تَصَوَّرَتْ عَلَى صُورَتِهِ لِتُضِلَّهُ وَتُضِلَّ أَتْبَاعَهُ، فَتُحَسِّنُ لَهُم الْإِشْرَاكَ بِاللّهِ وَدعَاءَ غَيْرِ اللّهِ وَالِاسْتِغَاثَةَ بِغَيْرِ اللّهِ، وَأَنَّهَا قَد تُلْقِي فِي قَلْبِهِ أَنَّا نَفْعَلُ بَعْدَ مَوْتِك بِأَصْحَابِك مَا كُنَّا نَفْعَلُ بِهِم فِي حَيَاتِك، فَيَظُنُّ هَذَا مِن خِطَابٍ إلَهِيٍّ أُلْقِيَ فِي قَلْبِهِ، فَيَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. وَأَعْرِفُ مِن هَؤُلَاءِ مَن كَانَ لَهُ شَيَاطِينُ تَخْدِمُهُ فِي حَيَاتِهِ بِأَنْوَاعِ الْخَدَمِ مِثْل خِطَابِ أَصْحَابِهِ الْمُسْتَغِيثِينَ بِهِ وَإِعَانَتِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمَّا مَاتَ صَارُوا يَأْتُونَ أَحَدَهُم فِي صُورَةِ الشَّيْخِ وَيُشْعِرُونَهُ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَيُرْسِلُونَ إلَى أَصْحَابِهِ رَسَائِلَ بِخِطَابٍ، وَقَد كَانَ يَجْتَمِعُ بِي بَعْضُ أَتْبَاعِ هَذَا الشَّيْخِ وَكَانَ فِيهِ زُهْدٌ وَعِبَادَةٌ، وَكَانَ يُحِبُّنِي وَيُحِبُّ هَذَا الشَّيْخَ، وَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا مِن الْكَرَامَاتِ، وَأَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَمُتْ، وَذَكَرَ لِي الْكَلَامَ الَّذِي أَرْسَلَهُ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا هُوَ كَلَامُ الشَّيَاطِينِ بِعَيْنِهِ.

стр. 945

وَقَد ذَكَرَ لِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَن أَعْرِفُهُم أَنَّهُم اسْتَغَاثُوا بِي فَرَأَوْنِي فِي الْهَوَاءِ وَقَد أَتَيْتهمْ وَخَلَّصْتهمْ مِن تِلْكَ الشَّدَائِدِ، مِثْل مَن أَحَاطَ بِهِ النَّصَارَى الْأَرْمَنُ لِيَأخُذُوهُ، وَآخَرُ قَد أَحَاطَ بِهِ الْعَدُوُّ وَمَعَهُ كُتُبٌ مُلَطِّفَاتٌ مِن مُنَاصِحِيْن، لَو اطَّلَعُوا عَلَى مَا مَعَهُ لَقَتَلُوهُ وَنَحْو ذَلِكَ، فَذَكَرْت لَهُم أَنِّي مَا دَرَيْت بِمَا جَرَى أَصْلًا، وَحَلَفْت لَهُم عَلَى ذَلِكَ حَتَّى لَا يَظُنُّوا أَنِّي كَتَمْت ذَلِكَ كَمَا تُكْتَمُ الْكَرَامَاتُ، وَأَنَا قَد عَلِمْت أَنَّ الَّذِي فَعَلُوهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ؛ بَل هُوَ شِرْكٌ وَبِدْعَةٌ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لِي فِيمَا بَعْدُ وَبَيَّنْت لَهُم أَنَّ هَذِهِ شَيَاطِين تَتَصَوَّرُ عَلَى صُورَةِ الْمُسْتَغَاثِ بِهِ. وَحَكَى لِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِن أَصْحَابِ الشُّيُوخِ أَنَّهُ جَرَى لِمَن اسْتَغَاثَ بِهِم مِثْلُ ذَلِكَ، وَحَكَى خَلْقٌ كَثِيرٌ أَنَّهُم اسْتَغَاثُوا بِأَحْيَاء وَأَمْوَاتٍ فَرَأَوْا مِثْل ذَلِكَ، وَاسْتَفَاضَ هَذَا حَتَّى غرِفَ أَنَّ هَذَا مِنَ الشَّيَاطِينِ وَالشَّيَاطِينُ تُغْوِي الْإِنْسَانَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ. فَإِنْ كَانَ مِمَن لَا يَعْرِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ أَوْقَعَتْهُ فِي الشِّرْكِ الظَّاهِرِ وَالْكُفْرِ الْمَحْضِ فَأمَرَتْهُ أَنْ لَا يَذْكُرَ اللّهَ وَأَنْ يَسْجُدَ لِلشَّيْطَانِ وَيَذْبَحَ لَهُ وَأَمَرَتْهُ أَنْ يَأْكُلَ الْمَيْتَةَ وَالدَّم وَيَفْعَلَ الْفَوَاحِشَ. وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ فِيهِ إسْلَامٌ وَدِيَانَةٌ وَلَكِنْ عِنْدَة قِلَّةُ مَعْرِفَةٍ بِحَقِيقَةِ مَا بَعَثَ اللّهُ بِهِ رَسُولَهُ كل وَقَد عَرَفَ مِن حَيْثُ الْجُمْلَةِ أَنَّ لِأَوْليَاءِ اللهِ كَرَامَاتٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ كَمَالَ الْوِلَايَةِ، وَأَنَّهَا الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى وَاتِّباعُ الرُّسُلِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا أَو يَعْرِفُ ذَلِكَ مُجْمَلًا وَلَا يَعْرِفُ مِن حَقَائِقِ الْإِيمَانِ الْبَاطِنِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ مَا يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْأَحْوَالِ الرَّحْمَانِيَّةِ وَبَيْنَ النَّفْسَانِيَّةِ والشَّيطانية: أَمَرَتْهُ الشَّيَاطِينُ بِأَمْرٍ لَا يُنْكِرُهُ، فَتَارَةً يَحْمِلُونَ أَحَدَهُم فِي الْهَوَاءِ وَيَقِفُونَ بِهِ بِعَرَفَات ثُمَّ يُعِيدُونَهُ إلَى بَلَدِهِ وَهُوَ لَابِسٌ ثِيَابَهُ لَمْ يَحْرُمْ حِينَ حَاذَى الْمَوَاقِيتِ وَلَا كَشَفَ رَأْسَهُ وَلَا تَجَرَّدَ عَمَّا يَتَجَرَّدُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ.

стр. 946

وَقَد تَحْمِلُ أَحَدَهُم الْجِنُّ فَتُزَوِّرُهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَغَيْرَهُ وَتَطِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ وَتَمْشِي بِهِ فِي الْمَاءِ، وَقَد تُرِيهِ أَنَّهُ قَد ذُهِبَ بِهِ إلَى مَدِينَةِ الْأَوْلِيَاء، وَرُبَّمَا أَرَتْهُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِن ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَيَشْرَبُ مِن أَنْهَارِهَا. وَهَذَا كُلُّهُ وَأَمْثَالُهُ مِمَّا أَعْرِفُهُ قَد وَقَعَ لِمَن أَعْرِفُهُ، لَكِنَّ هَذَا بَابٌ طَوِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ. [١/ ٤٥٦ - ٤٦٠] ١١١٢ - ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِن أَحَدٍ إِلَّا وَقَد وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكةِ وَقَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ: وَإِيَّايَ إلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا يَأْمُرُنِي إلَّا بِخَيْر" (١). أَيْ: اسْتَسْلَمَ وَانْقَادَ، وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَة يَرْوِيه (فَأَسْلَمُ) بِالضَّمِّ، وَيَقُولُ: إنَّ الشَّيْطَانَ لَا يُسْلِمُ. لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: (فَلَا يَأْمُرُنِى إِلَّا بِخَيْرِ) دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ يَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ، وَهَذَا إسْلَامُهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَن خُضُوعِهِ وَذِلَّتِهِ، لَا عَن إيمَانِهِ بِاللّهِ، كَمَا يَقْهَرُ الرَّجُلُ عَدُوَّهُ الظَّاهِرَ وَيَأْسِرُهُ، وَقَد عَرَفَ الْعَدُوُّ الْمَقْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَاهِرَ يَعْرِفُ مَا يُشِيرُ بِهِ عَلَيْهِ مِن الشَّرِّ، فَلَا يَقْبَلُهُ بَل يُعَاقِبُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَحْتَاجُ لِانْقِهَارِهِ مَعَهُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشِيرُ عَلَيْهِ إلَّا بِخَيْرٍ لِذِلَّتِهِ وَعَجْزِهِ، لَا لِصَلَاحِهِ وَدِينِهِ. [١٧/ ٥٢٣] ١١١٣ - كَافِرُهُم [أي: الجنّ] مُعَذَّبٌ فِي الْآخِرَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا مُؤْمِنُهُم فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ. وَإِذَا كَانَ الْجِنُّ أَحْيَاءَ عُقَلَاءَ مَأْمُورِينَ مَنْهِيّينَ لَهُم ثَوَابٌ وَعِقَابٌ وَقَد أُرْسِلَ إلَيْهِم النَّبِيُّ ﷺ : فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِمْ مَا يَسْتَعْمِلُهُ فِي الْإِنْسِ

стр. 947

مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالدَّعْوَةِ إلَى اللهِ كَمَا شَرَعَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَكَمَا دَعَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَيُعَامِلُهُم إذَا اعْتَدَوْا بِمَا يُعَامِلُ بِهِ الْمُعْتَدُونَ فَيَدْفَعُ صَوْلَهُم بِمَا يَدْفَعُ صَوْلَ الْإِنْسِ. وَصَرْعُهُم لِلْإِنْسِ قَد يَكونُ عَن شَهْوَةٍ وَهَوًى وَعِشْقٍ كَمَا يَتَّفِقُ لِلْإِنْسِ مَعَ الْإِنْسِ، وَقَد يَتَنَاكَحُ الْإِنْسُ وَالْجِنّ وَيُولَدُ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، وَهَذَا كَثِيرٌ مَعْرْوفٌ. وَقَد تَقْضِي بَعْضَ حَوَائِجِهِمْ؛ إمَّا قَتْلَ بَعْضِ أَعْدَائِهِمْ، أَو إمْرَاضَهُ، وَإِمَّا جَلْبَ بَعْضِ مَن يَهْوُونَهُ، وَإِمَّا إحْضَارَ بَعْضِ الْمَالِ، وَلَكِنَّ الضَّرَرَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُم بِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنَ النَّفْعِ؛ بَل قَد يَكُونُ أَضْعَافَ أَضْعَافِ النَّفْعِ. وَالَّذِينَ يَسْتَخْدِمُونَ الْجِنَّ بِهَذِهِ الْأمُورِ يَزْعُمُ كَثِيرٌ مِنْهُم أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ يَسْتَخْدِمُ الْجِنَّ بِهَا، فَإِنَّهُ قَد ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن عُلَمَاءِ السَّلَفِ أنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ لَمَّا مَاتَ كَتَبَت الشَّيَاطِينُ كتُبَ سِحْرٍ وَكُفْرٍ وَجَعَلَتْهَا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ وَقَالُوا: كَانَ سُلَيْمَانُ يَسْتَخْدِمُ الْجِن بِهَذِهِ، فَطَعَنَ طَائِفَةٌ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ فِي سُلَيْمَانَ بِهَذَا، وَآخَرُونَ قَالُوا: لَوْلَا أَنَّ هَذَا حَق جَائِزٌ لَمَا فَعَلَهُ سُلَيْمَانُ، فَضَلَّ الْفَرِيقَانِ: هَؤُلَاءِ بِقَدْحِهِمْ فِي سُلَيْمَانَ، وَهَؤُلَاءِ بِاتِّبَاعِهِمُ السِّحْرَ. [١٩/ ٣٨ - ٤٢] ١١١٤ - قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : "إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ، فَإِذَا رَأْيْتُمْ شَيْئًا مِنْهَا فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا، فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ" (١)؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَتْلَ الْجِنِّ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْإِنْسِ بِلَا حَقٍّ، وَالظُّلْمُ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ حَالٍ، فَلَا يَحِل لِأحَدٍ أَنْ يَظْلِمَ أحَدًا وَلَو كَانَ كَافِرًا؛ بَل قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. وَالْجِن يَتَصَوَّرُونَ فِي صُوَرِ الْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ، فَيَتَصَوَّرُونَ فِي صُوَرِ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَغَيْرِهَا، وَفِي صُوَرِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَفِي صُوَرِ الطَّيْرِ، وَفِي صُوَرِ بَنِي آدَمَ. [١٩/ ٤٤]

стр. 948

١١١٥ - كُلُّ مَن عَبَدَ عِبَادَةً لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَا مُسْتَحَبَّةً وَظَنَّهَا وَاجِبَةً أَو مُسْتَحَبَّةً: فَإِنَّمَا زَيَّنَ ذَلِكَ لَهُ الشَّيْطَانُ. [١٩/ ٤٨] ١١١٦ - إِذَا بَرِئَ الْمُصَابُ بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ، وَأَمْرِ الْجِنِّ وَنَهْيِهِمْ وَانْتِهَارِهِمْ وَسَبِّهِم وَلَعْنِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ: حَصَلَ الْمَقْصُودُ. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَرَضَ طَائِفَةٍ مِنَ الْجِنِّ أَو مَوْتَهُم فَهُم الظَّالِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ إذَا كَانَ الرَّاقِي الدَّايِر الْمُعَالِجُ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِم. وَأَمَّا مَن سَلَكَ فِي دَفْعِ عَدَاوَتهِمْ مَسْلَكَ الْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ اللّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ فَإِنَهُ لَمْ يَظْلِمْهُمْ؛ بَل هُوَ مُطِيعٌ للّهِ وَرَسُولِهِ فِي نَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالتَّنْفِيسِ عَنِ الْمَكْرُوبِ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شِرْكٌ بِالْخَلْقِ، وَلَا ظُلْمٌ لِلْمَخْلُوقِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا تُؤْذِيهِ الْجِنُّ؛ إمَّا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّهُ عَادِلٌ، وَإِمَّا لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ (١). وَإِنْ كَانَ الْجِنُّ مِنَ الْعَفَارِيتِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَقَد تُؤْذِيهِ، فَيَنْبَغِي لِمِثْل هَذَا أَنْ يَحْتَرِزَ بِقِرَاءَةِ الْعُوَذِ مِثْل آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَالْمُعَوّذَاتِ وَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُقَوِّي الْإِيمَانَ وَيُجَنِّبُ الذُّنُوبَ الَّتِي بِهَا يُسَلَّطُونَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ، وَهَذَا مِن أَعْظَمِ الْجِهَادِ، فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَنْصُرَ الْعَدُوَّ عَلَيْهِ بِذُنُوبِهِ، وَإِن كَانَ الْأَمْرُ فَوْقَ قُدْرَتِهِ فَلَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، فَلَا يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ. وَمِن أَعْظَمِ مَا يَنْتَصِرُ بِهِ عَلَيْهِم آيَةُ الْكُرْسِيِّ .. فَقَدَ جَرَّبَ الْمُجَربُونَ الَّذِينَ لَا يُحْصَونَ كَثْرَةً أَنَّ لَهَا مِنَ التَّأْثِيرِ فِي دَفْعِ الشَّيَاطِينِ وَإِبْطَالِ أَحْوَالِهِمْ مَا لَا يَنْضَبِطُ مِن كَثْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ، فَإِنَّ لَهَا تَأْثِيرًا عَظِيمًا فِي دَفْعِ الشَّيْطَانِ عَن نَفْسِ

стр. 949

الْإِنْسَانِ، وَعَنِ الْمَصْرُوع، وَعَن مَن تُعِينُهُ الشَّيَاطِينُ، مِثْل أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْغَضَبِ وَأَهْلِ الشَّهْوَةِ وَالطَّرَبِ وَأَرْبَاب السَّمَاعِ الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ إذَا قُرِئَتْ عَلَيْهِم بِصِدْقٍ دَفَعَتْ الشَّيَاطِينَ، وَبَطَلَتِ الْأُمُورُ الَّتِي يُخَيِّلُهَا الشَّيْطَانُ، وَيَبْطُلُ مَا عِنْدَ إخْوَانِ الشَّيَاطِينِ مِن مُكَاشَفَةٍ شَيْطَانِيَّةٍ، وَتَصَرُّفٍ شَيْطَانِيٍّ. وَالصَّائِلُ الْمُعْتَدِي يَسْتَحِقُّ دَفْعُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَو كَافِرًا، وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَن قُتِلَ دونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَن قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (١)، فَإِذَا كَانَ الْمَظْلُومُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَن مَالِ الْمَظْلُومِ وَلَو بِقَتْلِ الصَّائِلِ الْعَادِي، فَكَيْفَ لَا يَدْفَعُ عَن عَقْلِهِ وَبَدَنِهِ وَحُرْمَتِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُفْسِدُ عَقْلَهُ وَيُعَاقِبُهُ فِي بَدَنِهِ، وَقَد يَفْعَلُ مَعَهُ فَاحِشَةَ إنْسِيٍّ بِإِنْسِيٍّ، وَإِن لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَّا بِالْقَتْلِ جَازَ قَتْلُهُ. وَلهَذَا قَد يَحْتَاجُ فِي إبْرَاءِ الْمَصْرُوعِ وَدَفْع الْجِنِّ عَنْهُ إلَى الضَّرْبِ فَيُضْرَبُ ضَرْبًا كَثِيرًا جِدًّا، وَالضَّرْبُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْجِنِّيِّ وَلَا يَحُسُّ بِهِ الْمَصْرُوعُ، حَتَّى يَفِيقَ الْمَصْرُوعُ وَيُخْبِرَ أَنَّهُ لَمْ يَحُسَّ بِشَيءٍ مِن ذَلِكَ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِهِ، وَيَكُونُ قَد ضُرِبَ بِعَصَا قَوِيَّةٍ عَلَى رِجْلَيْهِ نَحْو ثَلَاثِمِائَةٍ أَو أَرْبَعِمِائَةِ ضَرْبَةً وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ، بِحَيْثُ لَو كَانَ عَلَى الْإِنْسِيِّ لَقَتَلَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْجِنِّيِّ، وَالْجِنِّيُّ يَصِيحُ وَيَصْرُخُ وَيُحَدِّثُ الْحَاضِرِينَ بِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَمَا قَد فَعَلْنَا نَحْنُ هَذَا وَجَرَّبْنَاهُ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً يَطُولُ وَصْفُهَا بِحَضْرَةِ خَلْقٍ كَثِيرِينَ. وَأَمَّا الِاسْتِعَانَةُ عَلَيْهِم بِمَا يُقَالُ وَيُكْتَبُ مِمَّا لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ: فَلَا يُشْرَعُ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ فِيهِ شِرْكٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ. وَعَامَّةُ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْعَزَائِمِ فِيهِ شِرْكٌ، وَقَد يَقْرَؤُونَ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ وَيُظْهِرُونَهُ وَيَكْتُمُونَ مَا يَقُولُونَهُ مِنَ الشِّرْكِ، وَفِي الِاسْتِشْفَاءِ بِمَا شَرَعَهُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مَا يُغْنِي عَنِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ. وَالْمُسْلِمُونَ وَإِن تَنَازَغوا فِي جَوَازِ التَّدَاوِي

стр. 950

بِالْمُحَرَّمَاتِ كَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ، فَلَا يَتَنَازَعُونَ فِي أَنَّ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ لَا يَجُوزُ الئدَاوِي بِهِ بِحَال؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ حَالٍ. وَلَيْسَ هَذَا كَالتَّكَلُّمِ بِهِ عِنْدَ الْإكْرَاهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ، وَالتَّكَلُّمُ بِهِ إنَّمَا يُؤَثّرُ إذَا كَانَ بِقَلْب صَاحِبِهِ، وَلَو تَكَلَّمَ بِهِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ بِالْإِيمَانِ لَمْ يُؤَثِّرْ. وَالشَّيْطَانُ إذَا عَرَفَ أَنَّ صَاحِبَهُ مُسْتَخِفٌّ بِالْعَزَائِمِ لَمْ يُسَاعِدْهُ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُكْرَهَ مُضْطَرٌّ إلَى التَكَلُّمِ بِهِ، وَلَا ضرُورَةَ إلَى إبْرَاءِ الْمُصَابِ بِهِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَد لَا يُؤَثِّرُ أَكْثَرَ مِمَّا يُؤَثِّرُ مَن يُعَالِجُ بِالْعَزَائِمِ فَلَا يُؤَثّرُ بَل يَزِيدُهُ شَرًّا. وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الْحَقّ مَا يُغْنِي عَنِ الْبَاطِلِ. [١٩/ ٥٣ - ٦١] ١١١٧ - سُؤَالُ الْجِنِّ وَسُؤَالُ مَن يَسْأَلُهُمْ (١): إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّصْدِيقِ لَهُم فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُونَ بِهِ وَالتَّعْظِيم لِلْمَسْؤُولِ فَهُوَ كَمَا ثَبَتَ فِي "صَحِيح مُسْلِمٍ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَن أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَن شَيْءٍ لَمْ تُقْبَل لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا" (٢). وَأَمَّا إنْ كَانَ يَسْأَلُ الْمَسْؤُولَ لِيَمْتَحِنَ حَالَهُ وَيَخْتَبِرَ بَاطِنَ أَمْرِهِ وَعِنْدَهُ مَا يُمَيِّزُ بِهِ صِدْقَهُ مِن كَذِبِهِ فَهَذَا جَائِزٌ.
следующие страницы →