Полный текст (3 539 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
وَقَد تَحْمِلُ أَحَدَهُم الْجِنُّ فَتُزَوِّرُهُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَغَيْرَهُ وَتَطِيرُ بِهِ فِي الْهَوَاءِ وَتَمْشِي بِهِ فِي الْمَاءِ، وَقَد تُرِيهِ أَنَّهُ قَد ذُهِبَ بِهِ إلَى مَدِينَةِ الْأَوْلِيَاء، وَرُبَّمَا أَرَتْهُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِن ثِمَارِ الْجَنَّةِ وَيَشْرَبُ مِن أَنْهَارِهَا.
وَهَذَا كُلُّهُ وَأَمْثَالُهُ مِمَّا أَعْرِفُهُ قَد وَقَعَ لِمَن أَعْرِفُهُ، لَكِنَّ هَذَا بَابٌ طَوِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِهِ. [١/ ٤٥٦ - ٤٦٠]
١١١٢ - ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْكُمْ مِن أَحَدٍ إِلَّا وَقَد وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكةِ وَقَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللّهِ، قَالَ: وَإِيَّايَ إلَّا أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا يَأْمُرُنِي إلَّا بِخَيْر" (١).
أَيْ: اسْتَسْلَمَ وَانْقَادَ، وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَة يَرْوِيه (فَأَسْلَمُ) بِالضَّمِّ، وَيَقُولُ: إنَّ الشَّيْطَانَ لَا يُسْلِمُ.
لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: (فَلَا يَأْمُرُنِى إِلَّا بِخَيْرِ) دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ يَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ، وَهَذَا إسْلَامُهُ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كِنَايَةً عَن خُضُوعِهِ وَذِلَّتِهِ، لَا عَن إيمَانِهِ بِاللّهِ، كَمَا يَقْهَرُ الرَّجُلُ عَدُوَّهُ الظَّاهِرَ وَيَأْسِرُهُ، وَقَد عَرَفَ الْعَدُوُّ الْمَقْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ الْقَاهِرَ يَعْرِفُ مَا يُشِيرُ بِهِ عَلَيْهِ مِن الشَّرِّ، فَلَا يَقْبَلُهُ بَل يُعَاقِبُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَحْتَاجُ لِانْقِهَارِهِ مَعَهُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشِيرُ عَلَيْهِ إلَّا بِخَيْرٍ لِذِلَّتِهِ وَعَجْزِهِ، لَا لِصَلَاحِهِ وَدِينِهِ. [١٧/ ٥٢٣]
١١١٣ - كَافِرُهُم [أي: الجنّ] مُعَذَّبٌ فِي الْآخِرَةِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، وَأَمَّا مُؤْمِنُهُم فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ.
وَإِذَا كَانَ الْجِنُّ أَحْيَاءَ عُقَلَاءَ مَأْمُورِينَ مَنْهِيّينَ لَهُم ثَوَابٌ وَعِقَابٌ وَقَد أُرْسِلَ إلَيْهِم النَّبِيُّ ﷺ : فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِيهِمْ مَا يَسْتَعْمِلُهُ فِي الْإِنْسِ стр. 947
مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالدَّعْوَةِ إلَى اللهِ كَمَا شَرَعَ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَكَمَا دَعَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَيُعَامِلُهُم إذَا اعْتَدَوْا بِمَا يُعَامِلُ بِهِ الْمُعْتَدُونَ فَيَدْفَعُ صَوْلَهُم بِمَا يَدْفَعُ صَوْلَ الْإِنْسِ.
وَصَرْعُهُم لِلْإِنْسِ قَد يَكونُ عَن شَهْوَةٍ وَهَوًى وَعِشْقٍ كَمَا يَتَّفِقُ لِلْإِنْسِ مَعَ الْإِنْسِ، وَقَد يَتَنَاكَحُ الْإِنْسُ وَالْجِنّ وَيُولَدُ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، وَهَذَا كَثِيرٌ مَعْرْوفٌ.
وَقَد تَقْضِي بَعْضَ حَوَائِجِهِمْ؛ إمَّا قَتْلَ بَعْضِ أَعْدَائِهِمْ، أَو إمْرَاضَهُ، وَإِمَّا جَلْبَ بَعْضِ مَن يَهْوُونَهُ، وَإِمَّا إحْضَارَ بَعْضِ الْمَالِ، وَلَكِنَّ الضَّرَرَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُم بِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنَ النَّفْعِ؛ بَل قَد يَكُونُ أَضْعَافَ أَضْعَافِ النَّفْعِ.
وَالَّذِينَ يَسْتَخْدِمُونَ الْجِنَّ بِهَذِهِ الْأمُورِ يَزْعُمُ كَثِيرٌ مِنْهُم أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ يَسْتَخْدِمُ الْجِنَّ بِهَا، فَإِنَّهُ قَد ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِن عُلَمَاءِ السَّلَفِ أنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ لَمَّا مَاتَ كَتَبَت الشَّيَاطِينُ كتُبَ سِحْرٍ وَكُفْرٍ وَجَعَلَتْهَا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ وَقَالُوا: كَانَ سُلَيْمَانُ يَسْتَخْدِمُ الْجِن بِهَذِهِ، فَطَعَنَ طَائِفَةٌ مِن أَهْلِ الْكِتَابِ فِي سُلَيْمَانَ بِهَذَا، وَآخَرُونَ قَالُوا: لَوْلَا أَنَّ هَذَا حَق جَائِزٌ لَمَا فَعَلَهُ سُلَيْمَانُ، فَضَلَّ الْفَرِيقَانِ: هَؤُلَاءِ بِقَدْحِهِمْ فِي سُلَيْمَانَ، وَهَؤُلَاءِ بِاتِّبَاعِهِمُ السِّحْرَ. [١٩/ ٣٨ - ٤٢]
١١١٤ - قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ : "إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ، فَإِذَا رَأْيْتُمْ شَيْئًا مِنْهَا فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا، فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ" (١)؛ وَذَلِكَ أَنَّ قَتْلَ الْجِنِّ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْإِنْسِ بِلَا حَقٍّ، وَالظُّلْمُ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ حَالٍ، فَلَا يَحِل لِأحَدٍ أَنْ يَظْلِمَ أحَدًا وَلَو كَانَ كَافِرًا؛ بَل قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨].
وَالْجِن يَتَصَوَّرُونَ فِي صُوَرِ الْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ، فَيَتَصَوَّرُونَ فِي صُوَرِ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَغَيْرِهَا، وَفِي صُوَرِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَفِي صُوَرِ الطَّيْرِ، وَفِي صُوَرِ بَنِي آدَمَ. [١٩/ ٤٤] стр. 948
١١١٥ - كُلُّ مَن عَبَدَ عِبَادَةً لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَلَا مُسْتَحَبَّةً وَظَنَّهَا وَاجِبَةً أَو مُسْتَحَبَّةً: فَإِنَّمَا زَيَّنَ ذَلِكَ لَهُ الشَّيْطَانُ. [١٩/ ٤٨]
١١١٦ - إِذَا بَرِئَ الْمُصَابُ بِالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ، وَأَمْرِ الْجِنِّ وَنَهْيِهِمْ وَانْتِهَارِهِمْ وَسَبِّهِم وَلَعْنِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ: حَصَلَ الْمَقْصُودُ.
وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَرَضَ طَائِفَةٍ مِنَ الْجِنِّ أَو مَوْتَهُم فَهُم الظَّالِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ إذَا كَانَ الرَّاقِي الدَّايِر الْمُعَالِجُ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَيْهِم.
وَأَمَّا مَن سَلَكَ فِي دَفْعِ عَدَاوَتهِمْ مَسْلَكَ الْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ اللّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ فَإِنَهُ لَمْ يَظْلِمْهُمْ؛ بَل هُوَ مُطِيعٌ للّهِ وَرَسُولِهِ فِي نَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالتَّنْفِيسِ عَنِ الْمَكْرُوبِ بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شِرْكٌ بِالْخَلْقِ، وَلَا ظُلْمٌ لِلْمَخْلُوقِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا تُؤْذِيهِ الْجِنُّ؛ إمَّا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّهُ عَادِلٌ، وَإِمَّا لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ (١).
وَإِنْ كَانَ الْجِنُّ مِنَ الْعَفَارِيتِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَقَد تُؤْذِيهِ، فَيَنْبَغِي لِمِثْل هَذَا أَنْ يَحْتَرِزَ بِقِرَاءَةِ الْعُوَذِ مِثْل آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَالْمُعَوّذَاتِ وَالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُقَوِّي الْإِيمَانَ وَيُجَنِّبُ الذُّنُوبَ الَّتِي بِهَا يُسَلَّطُونَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ مُجَاهِدٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ، وَهَذَا مِن أَعْظَمِ الْجِهَادِ، فَلْيَحْذَرْ أَنْ يَنْصُرَ الْعَدُوَّ عَلَيْهِ بِذُنُوبِهِ، وَإِن كَانَ الْأَمْرُ فَوْقَ قُدْرَتِهِ فَلَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، فَلَا يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ.
وَمِن أَعْظَمِ مَا يَنْتَصِرُ بِهِ عَلَيْهِم آيَةُ الْكُرْسِيِّ .. فَقَدَ جَرَّبَ الْمُجَربُونَ الَّذِينَ لَا يُحْصَونَ كَثْرَةً أَنَّ لَهَا مِنَ التَّأْثِيرِ فِي دَفْعِ الشَّيَاطِينِ وَإِبْطَالِ أَحْوَالِهِمْ مَا لَا يَنْضَبِطُ مِن كَثْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ، فَإِنَّ لَهَا تَأْثِيرًا عَظِيمًا فِي دَفْعِ الشَّيْطَانِ عَن نَفْسِ стр. 949
الْإِنْسَانِ، وَعَنِ الْمَصْرُوع، وَعَن مَن تُعِينُهُ الشَّيَاطِينُ، مِثْل أَهْلِ الظُّلْمِ وَالْغَضَبِ وَأَهْلِ الشَّهْوَةِ وَالطَّرَبِ وَأَرْبَاب السَّمَاعِ الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ إذَا قُرِئَتْ عَلَيْهِم بِصِدْقٍ دَفَعَتْ الشَّيَاطِينَ، وَبَطَلَتِ الْأُمُورُ الَّتِي يُخَيِّلُهَا الشَّيْطَانُ، وَيَبْطُلُ مَا عِنْدَ إخْوَانِ الشَّيَاطِينِ مِن مُكَاشَفَةٍ شَيْطَانِيَّةٍ، وَتَصَرُّفٍ شَيْطَانِيٍّ.
وَالصَّائِلُ الْمُعْتَدِي يَسْتَحِقُّ دَفْعُهُ، سَوَاءٌ كَانَ مُسْلِمًا أَو كَافِرًا، وَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَن قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَن قُتِلَ دونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَن قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (١)، فَإِذَا كَانَ الْمَظْلُومُ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَن مَالِ الْمَظْلُومِ وَلَو بِقَتْلِ الصَّائِلِ الْعَادِي، فَكَيْفَ لَا يَدْفَعُ عَن عَقْلِهِ وَبَدَنِهِ وَحُرْمَتِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُفْسِدُ عَقْلَهُ وَيُعَاقِبُهُ فِي بَدَنِهِ، وَقَد يَفْعَلُ مَعَهُ فَاحِشَةَ إنْسِيٍّ بِإِنْسِيٍّ، وَإِن لَمْ يَنْدَفِعْ إِلَّا بِالْقَتْلِ جَازَ قَتْلُهُ.
وَلهَذَا قَد يَحْتَاجُ فِي إبْرَاءِ الْمَصْرُوعِ وَدَفْع الْجِنِّ عَنْهُ إلَى الضَّرْبِ فَيُضْرَبُ ضَرْبًا كَثِيرًا جِدًّا، وَالضَّرْبُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْجِنِّيِّ وَلَا يَحُسُّ بِهِ الْمَصْرُوعُ، حَتَّى يَفِيقَ الْمَصْرُوعُ وَيُخْبِرَ أَنَّهُ لَمْ يَحُسَّ بِشَيءٍ مِن ذَلِكَ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِي بَدَنِهِ، وَيَكُونُ قَد ضُرِبَ بِعَصَا قَوِيَّةٍ عَلَى رِجْلَيْهِ نَحْو ثَلَاثِمِائَةٍ أَو أَرْبَعِمِائَةِ ضَرْبَةً وَأَكْثَرَ وَأَقَلَّ، بِحَيْثُ لَو كَانَ عَلَى الْإِنْسِيِّ لَقَتَلَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْجِنِّيِّ، وَالْجِنِّيُّ يَصِيحُ وَيَصْرُخُ وَيُحَدِّثُ الْحَاضِرِينَ بِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، كَمَا قَد فَعَلْنَا نَحْنُ هَذَا وَجَرَّبْنَاهُ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً يَطُولُ وَصْفُهَا بِحَضْرَةِ خَلْقٍ كَثِيرِينَ.
وَأَمَّا الِاسْتِعَانَةُ عَلَيْهِم بِمَا يُقَالُ وَيُكْتَبُ مِمَّا لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ: فَلَا يُشْرَعُ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ فِيهِ شِرْكٌ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ.
وَعَامَّةُ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْعَزَائِمِ فِيهِ شِرْكٌ، وَقَد يَقْرَؤُونَ مَعَ ذَلِكَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ وَيُظْهِرُونَهُ وَيَكْتُمُونَ مَا يَقُولُونَهُ مِنَ الشِّرْكِ، وَفِي الِاسْتِشْفَاءِ بِمَا شَرَعَهُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مَا يُغْنِي عَنِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ. وَالْمُسْلِمُونَ وَإِن تَنَازَغوا فِي جَوَازِ التَّدَاوِي стр. 950
بِالْمُحَرَّمَاتِ كَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ، فَلَا يَتَنَازَعُونَ فِي أَنَّ الْكُفْرَ وَالشِّرْكَ لَا يَجُوزُ الئدَاوِي بِهِ بِحَال؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَلَيْسَ هَذَا كَالتَّكَلُّمِ بِهِ عِنْدَ الْإكْرَاهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ، وَالتَّكَلُّمُ بِهِ إنَّمَا يُؤَثّرُ إذَا كَانَ بِقَلْب صَاحِبِهِ، وَلَو تَكَلَّمَ بِهِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ قَلْبِهِ بِالْإِيمَانِ لَمْ يُؤَثِّرْ. وَالشَّيْطَانُ إذَا عَرَفَ أَنَّ صَاحِبَهُ مُسْتَخِفٌّ بِالْعَزَائِمِ لَمْ يُسَاعِدْهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُكْرَهَ مُضْطَرٌّ إلَى التَكَلُّمِ بِهِ، وَلَا ضرُورَةَ إلَى إبْرَاءِ الْمُصَابِ بِهِ لِوَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَد لَا يُؤَثِّرُ أَكْثَرَ مِمَّا يُؤَثِّرُ مَن يُعَالِجُ بِالْعَزَائِمِ فَلَا يُؤَثّرُ بَل يَزِيدُهُ شَرًّا.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي الْحَقّ مَا يُغْنِي عَنِ الْبَاطِلِ. [١٩/ ٥٣ - ٦١]
١١١٧ - سُؤَالُ الْجِنِّ وَسُؤَالُ مَن يَسْأَلُهُمْ (١): إنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ التَّصْدِيقِ لَهُم فِي كُلِّ مَا يُخْبِرُونَ بِهِ وَالتَّعْظِيم لِلْمَسْؤُولِ فَهُوَ كَمَا ثَبَتَ فِي "صَحِيح مُسْلِمٍ" عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَن أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَن شَيْءٍ لَمْ تُقْبَل لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا" (٢).
وَأَمَّا إنْ كَانَ يَسْأَلُ الْمَسْؤُولَ لِيَمْتَحِنَ حَالَهُ وَيَخْتَبِرَ بَاطِنَ أَمْرِهِ وَعِنْدَهُ مَا يُمَيِّزُ بِهِ صِدْقَهُ مِن كَذِبِهِ فَهَذَا جَائِزٌ. стр. 951
وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَهُ وَيُخْبِرُونَ بِهِ عَنِ الْجِنِّ، كَمَا يَسْمَعُ الْمُسْلِمُونَ مَا يَقُولُ الْكُفَّارُ وَالْفُجَّارُ لِيَعْرِفُوا مَا عِنْدَهُم فَيَعْتَبِرُوا بِهِ، وَكَمَا يُسْمَعُ خَبَرَ الْفَاسِقِ وَيُتَبَيَّنُ وَيُتَثَبَّتُ فَلَا يُجْزَمُ بِصِدْقِهِ وَلَا كَذِبِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
وَقَد رُوِيَ عَن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ خَبَرُ عُمَرَ وَكَانَ هُنَاكَ امْرَأَةٌ لَهَا قَرِينٌ مِنَ الْجِنِّ، فَسَأَلَهُ عَنْهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَرَكَ عُمَرَ يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ.
وَفِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ جَيْشًا فَقَدِمَ شَخْصٌ إلَى الْمَدِينَةِ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُم انْتَصَرُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَشَاعَ الْخَبَرُ، فَسَالَ عُمَرُ عَن ذَلِكَ فَذُكِرَ لَهُ فَقَالَ: هَذَا أَبُو الْهَيْثَمِ، بَرِيدُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْجِنِّ، وَسَيَأْتِي بَرِيدُ الْإِنْسِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَجَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعِدَّةِ أَيَّامٍ.
* * *
(قصص من إضلال الشياطين للمستغيثين بالأولياء وغيرهم)
١١١٨ - كَثِيرٌ مِمَن يَسْتَغِيث بِالْمَشَايِخِ فَيَقُولُ: يَا سَيِّدِي فُلَان، أَو يَا شَيْخُ فُلَانٌ اقْضِ حَاجَتِي، فَيَرَى صُورَةَ ذَلِكَ الشَّيْخِ تُخَاطِبُهُ وَيَقُولُ: أَنَا أَقْضِي حَاجَتَك وَأُطَيِّبُ قَلْبَك، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ أَو يَدْفَعُ عَنْهُ عَدُوَّهُ، وَيَكُون ذَلِكَ شَيْطَانًا قَد تَمَثَّلَ فِي صُورَتِهِ لَمَّا أَشْرَكَ بِاللهِ فَدَعَا غَيْرَهُ.
وَأَنَا أَعْرِفُ مِن هَذَا وَقَائِعُ متَعَدّدَةٌ، حَتَّى إنَّ طَائِفَةً مِن أَصْحَابِي ذَكَرُوا أَنَّهُم اسْتَغَاثُوا بِي فِي شَدَائِدَ أَصَابَتْهُمْ، أَحَدُهُم كَانَ خَائِفًا مِن الْأَرْمَنِ، وَالْآخَرُ كَانَ خَائِفًا مِن التتر، فَذَكَرَ كُلٌّ مِنْهُم أَنَّهُ لَمَّا اسْتَغَاثَ بِي رَآنِي فِي الْهَوَاءِ وَقَد دَفَعْت عَنْهُ عَدُوَّهُ!
فَأَخْبَرْتهمْ أَنِّي لَمْ أَشْعُرْ بِهَذَا، وَلَا دَفَعْت عَنْكُمْ شَيْئًا، وَإِنَّمَا هَذَا الشَّيْطَانُ تَمَثَّلَ لِأَحَدِهِمْ فَأَغْوَاهُ لَمَّا أَشْرَكَ بِاللهِ تَعَالَى.
وَهَكَذَا جَرَى لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِن أَصْحَابِنَا الْمَشَايِخِ مَعَ أَصْحَابِهِمْ، يَسْتَغِيثُ
стр. 952
أَحَدُهُم بِالشَّيْخِ فَيَرَى الشَيْخَ قَد جَاءَ وَقَضَى حَاجَتَهُ، وَيَقُولُ ذَلِكَ الشَّيْخُ: إنِّي لَمْ أَعْلَمْ بِهَذَا، فَيَتَبَيَّنُ أَنَ ذَلِكَ كَانَ شَيْطَانًا.
وَقَد قُلْت لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا لَمَّا ذَكَرَ لِي أَنَّهُ اسْتَغَاثَ بِاثْنَيْنِ كَانَ يَعْتَقِدُهُمَا وَأَنَّهُمَا أَتَيَاهُ فِي الْهَوَاءِ، وَقَالا لَهُ: طَيِّب قَلْبَك نَحْنُ نَدْفَعُ عَنْك هَؤُلَاءِ وَنَفْعَلُ وَنَصْنَعُ، قُلْت لَهُ: فَهَل كَانَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لَا، فَكَانَ هَذَا مِمَّا دَلَّهُ عَلَى أَنَّهُمَا شَيْطَانَانِ؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ وَإِن كَانُوا يُخْبِرُونَ الْإِنْسَانَ بِقَضِيَّةٍ أَو قِصَّةٍ فِيهَا صِدْقٌ فَإِنَّهُم يَكْذِبُونَ أَضْعَافَ ذَلِكَ، كَمَا كَانَت الْجِنُّ يُخْبِرُونَ الْكُهَّانَ.
وَلهَذَا مَن اعْتَمَدَ عَلَى مُكَاشَفَتِهِ الَّتِي هِيَ مِن أَخْبَارِ الْجِنِّ كَانَ كَذِبُهُ أَكْثَرَ مِن صِدْقِهِ. [٣٥/ ١١٥ - ١١٦]
* * *
стр. 953
المحرمات والذنوب والمعاصي
١١١٩ - مَن عُرِفَ مِنْهُ التَّظَاهُرُ بِتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ أَو فِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِق أَنْ يُهْجَرَ وَلَا يُسَلَّمَ عَلَيْهِ تَعْزِيزا لَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَتُوبَ. [٢٣/ ٢٥٢]
١١٢٠ - الْمَعَازِفُ: هِيَ خَمْرُ النُّفُوسِ، تَفْعَلُ بِالنُّفُوسِ أَعْظَمَ مِمَّا تَفْعَلُ حُمَيَّا الْكُؤُوسِ، فَإِذَا سَكِرُوا بِالْأَصْوَاتِ حَلَّ فِيهِمْ الشِّرْكُ، وَمَالُوا إلَى الْفَوَاحِشِ هاِلَى الظُّلْمِ، فَيُشْرِكُونَ وَيَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ وَيَزْنُونَ. [١٠/ ٤١٧]
١١٢١ - ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا مِن غَيْرِ عُذْرٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ" (١) فَإِذَا كَانَ طَبَعَ عَلَى قَلْبِ مَن تَرَكَ الْجُمَعَ وَإِن صَلَّى الظُّهْرَ فَكَيْفَ بِمَن لَا يُصَلِّي ظُهْرًا وَلَا جُمعَةً وَلَا فَرِيضَةً وَلَا نَافِلَةً. [١٠/ ٤٤٦]
١١٢٢ - الِاسْتِمْنَاءُ لَا يُبَاحُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا، سَوَاءٌ خُشِيَ الْعَنَتُ أَو لَمْ يُخْشَ ذَلِكَ.
وَكَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَا رُوِيَ عَن أَحْمَد فِيهِ إنَّمَا هُوَ لِمَن خَشِيَ "الْعَنَتَ"، وَهُوَ الزنى وَاللِّوَاطُ خَشْيَةً شَدِيدَةً خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِن الْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ فَأُبِيحَ لَهُ ذَلِكَ لِتَكْسِيرِ شِدَّةِ عَنَتِهِ وَشَهْوَتِهِ.
وَأَمَّا مَن فَعَلَ ذَلِكَ تَلَذُّذًا أَو تَذَكُّرًا أَو عَادَةً؛ بِأَنْ يَتَذَكَّرَ فِى حَالِ اسْتِمْنَائِهِ صُورَةً كَأَنَّهُ يُجَامِعُهَا، فَهَذَا كُلُّهُ مُحَرَّمٌ لَا يَقُولُ بِهِ أَحْمَد وَلَا غَيْرُهُ، стр. 954
وَقَد أَوْجَبَ فِيهِ بَعْضُهُم الْحَدَّ، وَالصَّبْرُ عَن هَذَا مِن الْوَاجِبَاتِ لَا مِن الْمُسْتَحَبَّاتِ. [١٠/ ٥٧٤]
١١٢٣ - فَأَمَّا مُؤَاخَاةُ الرِّجَالِ النّسَاءَ الْأَجَانِبَ وَخُلُوُّهُم بِهِنَّ وَنَظَرُهُم إلَى الزِّينَةِ الْبَاطِنَةِ مِنْهُنَّ: فَهَذَا حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَن جَعَلَ ذَلِكَ مِن الدِّينِ فَهُوَ مِن إخْوَانِ الشَّيَاطِينِ. [١١/ ٥٠٥]
١١٢٤ - فِي السُّنَنِ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "مَن وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ".
وَلهَذَا اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَتْلِهِمَا جَمِيعًا، لَكِنْ تَنَوَّعُوا فِي صِفَةِ الْقَتْلِ: فَبَعْضُهم قَالَ: يُرْجَمُ.
وَبَعْضُهُم قَالَ: يُرْمَى مِن أَعْلَى جِدَارٍ فِي الْقَرْيَةِ وَيُتْبَعُ بِالْحِجَارَةِ.
وَبَعْضهُم قَالَ: يُحَرَّقُ بِالنَّارِ.
وَلهَذَا كَانَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ أَنَّهُمَا يُرْجَمَانِ بِكْرَيْنِ كَانَا أَو ثَيِّبَيْنِ حُرَّيْنِ.
وَكَذَلِكَ مُقَدِّمَاتُ الْفَاحِشَةِ عِنْدَ التَّلَذُّذِ بِقُبْلَةِ الْأَمْرَدِ وَلَمْسِهِ وَالنَّظَرِ إلَيْهِ (١) هُوَ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ.
وَقَد دَخَلَ مِن فِتْنَةِ الصُّوَرِ وَالْأَصْوَاتِ عَلَى النُّسَّاكِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللّهُ حَتَّى اعْتَرَفَ أَكَابِرُ الشُيُوخُ بِذَلِكَ. [١١/ ٥٤٣ - ٥٤٥]
١١٢٥ - إِنْ كَانَ الشَّخْصَانِ قَد اخْتَصَمَا نُظِرَ أَمْرُهُمَا، فَإِنْ تبَيَّنَ ظُلْمُ أَحَدِهِمَا كَانَ الْمَظْلُومُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الِاسْتِيفَاءِ وَالْعَفْوِ، وَالْعَفْوُ أَفْضَلُ. стр. 955
فَإِنْ كَانَ ظُلْمُة بِضَرْبٍ أَو لَطْمٍ فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهُ أَو يَلْطِمَهُ كَمَا فَعَلَ بِهِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَكَثِيرٍ مِن الأئِمَّةِ، وَبِذَلِكَ جَاءَت السُّنَّةُ.
وَقَد قِيلَ: إنَّهُ يُؤَدَّبُ وَلَا قِصَاصَ فِي ذَلِكَ.
وَإِن كَانَ قَد سَبَّهُ فَلَهُ أَنْ يَسُبَّهُ مِثْل مَا سَبَّهُ إذَا لَمْ يَكُن فِيهِ عُدْوَانٌ عَلَى حَقٍّ مَحْضٍ للهِ أَو عَلَى غَيْرِ الظَّالِمِ.
فَإِذَا لَعَنَهُ أَو سَمَّاهُ بِاسْمِ كَلْبٍ وَنَحْوِهِ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ مِثْل ذَلِكَ، فَإِذَا لَعَنَ أَبَاهُ لَمْ يَكُن لَة أَنْ يَلْعَنَ أَبَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْلِمْهُ.
وَإِن افْتَرَى عَلَيْهِ كَذِبًا لَمْ يَكن لَهُ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَيْهِ كَذِبًا؛ لِأَنَّ الْكَذِبَ حَرَامٌ لِحَقِّ اللّهِ. [١١/ ٥٤٧ - ٥٤٨]
١١٢٦ - أَكْلُ الْخَبَائِثِ وَأَكْلُ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِب حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَن أَكَلَهَا مُسْتَحِلًّا لِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلًّا قُتِلَ، وَمَن اعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ وَأَكَلَهَا فَإِنَّهُ فَاسِقٌ عَاصٍ للّهِ وَرَسُولِهِ. [١١/ ٦٠٩]
١١٢٧ - الْكَبَائِرُ هِيَ مَا فِيهَا حَدٌّ فِي الدُّنْيَا أَو فِي الْآخِرَةِ؛ كَالزنى وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ الَّتِي فِيهَا حُدُودٌ فِي الدُّنْيَا، وَكَالذُّنُوبِ الَّتِي فِيهَا حُدُود فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْوَعِيدُ الْخَاصُّ، مِثْلُ الذَّنْبِ الَّذِي فِيهِ غَضَبُ اللّهِ وَلَعْنَتُهُ أَو جَهَنَّمُ وَمَنْعُ الْجَنَّةِ. [١١/ ٦٥٩]
وَكَذَلِكَ كُلُّ ذَنْب تُوُعِّدَ صَاحِبُهُ بِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَا يَشُمُّ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَقِيلَ فِيهِ: مَن فَعَلَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَأَنَّ صَاحِبَة آثِمٌ، فَهَذِهِ كُلُّهَا مِن الْكَبَائِرِ. [١١/ ٦٥٢]
١١٢٨ - الزنى أَعْظَمُ مِن شُرْبِ الْخَمْرِ إذَا اسْتَوَيَا فِي الْقَدْرِ، مِثْلُ مَن يَزْنِي مَرَّةً وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ مَرَّةً، فَأَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّ رَجُلًا زَنَى مَرَّةً وَآخَرَ مُدْمِنٌ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ فَهَذَا قَد يَكُونُ أَعْظَمَ مِن ذَاكَ.
стр. 956
كَمَا أَنَّهُ لَو زَنَى مَرَّةً وَتَابَ كَانَ خَيْرًا مِن الْمُصِرِّ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ.
وَالذَّنْبُ يتغلظ بِتَكْرَارِهِ وَبِالْإِصْرَارِ عَلَيْهِ وَبِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ مِن سَيِّئَاتٍ أُخَرَ.
وَكَذَلِكَ لَو قَدَّرْنَا أَنَّ الزَّانِيَ زَنَى وَهُوَ خَائِفٌ مِن اللّهِ وَجِلٌ مِن عَذَابِهِ، وَالشَّارِبَ يَشْرَبُ لَاهِيًا غَافِلًا لَا يُرَاقِبُ اللّهَ كَانَ ذَنْبُهُ أَعْظَمَ مِن هَذَا الْوَجْهِ.
فَقَد يَقْتَرِنُ بِالذُّنُوبِ مَا يُخَفِّفُهَا وَقَد يَقْتَرِنُ بِهَا مَا يُغَلِّظُهَا. كَمَا أَنَّ الْحَسَنَاتِ قَد يَقْتَرِنُ بِهَا مَا يُعَظِّمُهَا وَقَد يَقْتَرِنُ بِهَا مَا يُصَغِّرُهَا. [١١/ ٦٥٩ - ٦٦٠]
١١٢٩ - إنّ تَرْكَ الْوَاجِبِ وَفِعْلَ الْمُحَرَّمِ مُتَلَازِمَانِ؛ وَلهَذَا كَانَ مَن فَعَلَ مَا نُهِيَ عَنْهُ يُقَالُ: إنَّهُ عَصَى الْأَمْرَ. [١١/ ٦٧٢]
١١٣٠ - قَرَّرْت فِي قَاعِدَةٍ كَبِيرَةٍ أَنَّ أَصْلَ الذُّنُوبِ هُوَ عَدَمُ الْوَاجِبَاتِ لَا فِعْلَ الْمُحَرَّمَات، وَأَنَّ فِعْلَ الْمُحَرَّمَاتِ إنَّمَا وَقَعَ لِعَدَمِ الْوَاجِبَاتِ، فَصَارَ أَصْلُ الذُّنُوبِ عَدَمَ الْوَاجِبَاتِ. [١٤/ ٢٧]
١١٣١ - السَّيِّئَاتُ كُلُّهَا تَرْجِعُ لِلْجَهْلِ، وَإِلَّا فَلَو كَانَ عَالِمًا عِلْمًا نَافِعًا بِأَنَّ فِعْلَ هَذَا يَضُر ضَرَرًا رَاجِحًا لَمْ يَفْعَلْهُ، فَإِنَّ هَذَا خَاصِّيَّةُ الْعَاقِلِ.
وَلهَذَا إذَا كَانَ مِن الْحَسَنَاتِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَضُرُّهُ ضَرَرًا رَاجِحًا؛ كَالسُّقُوطِ مِن مَكَانٍ عَالٍ، أَو فِي نَهَرٍ يُغْرِقُهُ، أَو الْمُرُورِ بِجَنْبِ حَائِطٍ مَائِلٍ، أَو دُخُولِ نَارٍ مُتَأَجِّجَةٍ، أَو رَمْيِ مَالِهِ فِي الْبَحْرِ وَنَحْوِ ذَلِك، لَمْ يَفْعَلْهُ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ هَذَا ضَرَرٌ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ.
وَمَن لَمْ يَعْلَمْ أَن هَذَا يَضُرُّهُ - كَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَالسَّاهِي وَالْغَافِلِ - فَقَد يَفْعَلُ ذَلِك.
وَمَن أَقْدَمَ عَلَى مَا يَضُرُّهُ - مَعَ عِلْمِهِ بِمَا فِيهِ مِن الضَّرَرِ عَلَيْهِ - فَلِظَنِّهِ أَنَّ مَنْفَعَتَهُ رَاجِحَةٌ.
وَالْهَوَى وَحْدَهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِفِعْلِ السَّيِّئَاتِ إلَّا مَعَ الْجَهْلِ.
стр. 957
وَإِلَّا فَصَاحِبُ الْهَوَى إذَا عَلِمَ قَطْعًا أَنَّ ذَلِك يَضُرُّهُ ضَرَرًا رَاجِحًا: انْصَرَفَتْ نَفْسُهُ عَنْهُ بِالطَّبْعِ.
فَإِنَّ اللّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي النَّفْسِ حُبًّا لِمَا يَنْفَعُهَا، وَبُغْضًا لِمَا يَضُرُّهَا، فَلَا تَفْعَلُ مَا تَجْزِمُ بِأَنَّهُ يَضُرُّهَا ضَرَرًا رَاجِحًا؛ بَل مَتَى فَعَلَتْهُ كَانَ لِضَعْفِ الْعَقْلِ.
وَلهَذَا يُوصَفُ هَذَا بِأَنَّهُ عَاقِلٌ، وَذُو نُهًى، وَذُو حِجًا.
وَلهَذَا كَانَ الْبَلَاءُ الْعَظِيمُ مِن الشَّيْطَانِ، لَا مِن مُجَرَّدِ النَّفْسِ (١)، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُزَيِّنُ لَهَا السَّيِّئَاتِ، وَيَالمُرُهَا بِهَا، وَيَذْكُرُ لَهَا مَا فِيهَا مِن الْمَحَاسِنِ، الَّتِي هِيَ مَنَافِعُ لَا مَضَارَّ.
فَأَصْلُ مَا يُوقِعُ النَّاسَ فِي السَّيِّئَاتِ: الْجَهْلُ، وَعَدَمُ الْعِلْمِ بِكَوْنِهَا تَضُرُّهُم ضَرَرًا رَاجِحًا، أَو ظَنُّ أَنَّهَا تَنْفَعُهُم نَفْعًا رَاجِحًا.
وَلهَذَا قَالَ الصَّحَابَةُ ﵃: كُلُّ مَن عَصَى اللهَ فَهُوَ جَاهِلٌ. وَفَسَّرُوا بِذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧].
وَعَن قتادة قَالَ: "أَجْمَعَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَن عَصَى رَبَّهُ فَهُوَ فِي جَهَالَةٍ، عَمْدًا كَانَ أَو لَمْ يَكُنْ، وَكُلُّ مَن عَصَى اللّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ".
وَكَذَلِك قَالَ التَّابِعُونَ وَمَن بَعْدَهُمْ (٢). стр. 958
وَمِمَّا يُبَيّنُ ذَلِك: قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وَكُلُّ مَن خَشِيَهُ، وَأَطَاعَهُ، وَتَرَكَ مَعْصِيَتَهُ: فَهُوَ عَالِمٌ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
قَوْله تَعَالَى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَن خَشِيَ اللهَ فَهُوَ عَالِمٌ. فَإِنَّهُ لَا يَخْشَاهُ إلَّا عَالِمٌ (١). [١٤/ ٢٨٧ - ٢٩٠]
١١٣٢ - أَمَّا الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ لِظَنِّهِ أَنَّهُ يُعِينُهُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا مَفْسَدَةً أَو مَفْسَدَتُهُ رَاجِحَةٌ عَلَى مَصْلَحَتِهِ. [١٤/ ٤٧٤]
١١٣٣ - ذَكَرَ الْبُخَارِي فِي "صَحِيحِهِ" (٢) عَن أَبِي رَجَاءٍ العطاردي أَنَّهُ رَأَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدًا يَزْنِي بِقِرْدَة فَاجْتَمَعَت الْقُرُودُ عَلَيْهِ حَتَّى رَجَمَتْهُ. стр. 959
وَقَد حَدَّثَنِي بَعْضُ الشّيُوخِ الصَّادِقِينَ أَنَّهُ رَأَى فِي جَامِعٍ نَوْعًا مِن الطَّيْرِ قَد بَاضَ، فَأَخَذَ النَّاسُ بَيْضَةً وَجَاءَ بِبَيْضِ جِنْسٍ آخَرَ مِن الطَّيْرِ، فَلَمَّا انْفَقَسَ الْبَيْضُ خَرَجَت الْفِرَاخُ مِن غَيْرِ الْجِنْسِ، فَجَعَلَ الذَّكَرُ يَطْلُبُ جِنْسَهُ حَتَّى اجْتَمَعَ مِنْهُنَّ عَدَد، فَمَا زَالُوا بِالْأُنْثَى حَتَّى قَتَلُوهَا.
وَمِثْلُ هَذَا مَعْرُوفٌ فِي عَادَةِ الْبَهَائِمِ.
وَالْفَوَاحِشُ مِمَّا اتَّفَقَ أَهْلُ الْأَرْضِ عَلَى اسْتِقْبَاحِهَا وَكَرَاهَتِهَا. [١٥/ ١٤٧]
١١٣٤ - مَعْلُومٌ أَنَّ أَذَى الرَّسُولِ مِن أَعْظَمِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَإِنَّ مَن آذَاهُ فَقَد آذَى اللّهَ، وَقَتْلُ سَابِّهِ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ، سَوَاءٌ قِيلَ إنَّهُ قُتِلَ لِكَوْنِهِ رِدَّةً، أَو لِكَوْنِهِ رِدَّةً مُغَلَّظَةً أَوَجَبَتْ أَنْ صَارَ قَتْلُ السَّابِّ حَدًّا مِن الْحُدُودِ. [١٥/ ١٦٩]
١١٣٥ - الْمَعْصِيَة إذَا كَانَت ظَاهِرَةً كَانَت عُقُوبَتُهَا ظَاهِرَةً.
وَلهَذَا لَمْ يَكُن لِلْمُعْلِنِ بِالْبِدَعِ وَالْفُجُورِ غِيْبَةٌ كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَن الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَعْلَنَ ذَلِكَ اسْتَحَق عُقُوبَةَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ، وَأَدْنَى ذَلِكَ أَنْ يُذَمَّ عَلَيْهِ لِيَنْزَجِرَ وَيَكُفَّ النَّاسُ عَنْهُ وَعَن مُخَالَطَتِهِ، وَلَو لَمْ يُذَمَّ وَيُذْكَرْ بِمَا فِيهِ مِن الْفُجُورِ وَالْمَعْصِيَةِ أَو الْبِدْعَةِ لَاغْتَرَّ بِهِ النَاسُ، وَرُبَّمَا حَمَلَ بَعْضَهُم عَلَى أَنْ يَرْتَكِبَ مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَيَزْدَادَ أَيْضا هُوَ جُرْأَةً وَفُجُورًا وَمَعَاصِيًا، فَإِذَا ذكِرَ بِمَا فِيهِ انْكفَّ وَانْكَفَّ كَيْرُهُ عَن ذَلِكَ وَعَن صُحْبَتِهِ وَمُخَالَطَتِهِ.
والْفُجُورُ: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مُتَجَاهِرٍ بِمَعْصيَةٍ أَو كَلَامٍ قَبِيحٍ يَدُلُّ السَّامِعَ لَهُ عَلَى فُجُورِ قَلْبِ قَائِلِهِ. [١٥/ ٢٨٦]
١١٣٦ - لَا يَظُن الظَّانُّ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ لَهُ اسْتِمْتَاعٌ بِمُحَرَّم يَسْكُنُ بَلَاؤُهُ؛ بَل ذَلِكَ يُوجِبُ لَهُ انْزِعَاجًا عَظِيمًا، وَزِيادَةً فِي الْبَلَاءِ، وَالْمَرَضِ فِي الْمَآلِ، فَإِنَّهُ وَإِن سَكَنَ بَلَاؤُهُ، وَهَدَأَ مَا بِهِ عَقِيبَ اسْتِمْتَاعِهِ، أَعْقَبَهُ ذَلِكَ مَرضًا عَظِيمًا عَسِيرًا لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ؛ بَل الْوَاجِبُ دَفْعُ أَعْظَمِ الضَّرَرينِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا قَبْلَ اسْتِحْكَامِ
стр. 960
الدَّاءِ الَّذِي تَرَامَى بِهِ إلَى الْهَلَاكِ وَالْعَطَبِ، وَمِن الْمَعْلُومِ أَنَّ أَلَمَ الْعِلَاجِ النَّافِعِ أَيْسَرُ وَأَخَفُّ مِن أَلَمِ الْمَرَضِ الْبَاقِي.
وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ لَك أَنَّ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ كُلَّهَا أَدْوِية نَافِعَةٌ، يُصْلِحُ اللّهُ بِهَا مَرَضَ الْقُلُوبِ، وَهِيَ مِن رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ وَرَأفَتِهِ بِهِمُ الدَّاخِلَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
فَمَن تَرَكَ هَذ الرَّحْمَةَ النَّافِعَةَ لِرَأفَةٍ يَجِدُهَا بِالْمَرِيضِ: فَهُوَ الَّذِي أَعَانَ عَلَى عَذَابِهِ وَهَلَاكِهِ، وَإِن كَانَ لَا يُرِيدُ إلَّا الْخَيْرَ، إذ هُوَ فِي ذَلِكَ جَاهِلٌ أَحْمَق، كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النّسَاءِ وَالرِّجَالِ الْجُهَّالِ بِمَرْضَاهُمْ، وَبِمَن يُرَبُّونَهُ مِن أَوْلَادِهِمْ وَغِلْمَانِهِمْ وَغَيْرِهِمْ فِي تَرْكِ تَأْدِيبِهِم وَعُقُوبَتِهِمْ عَلَى مَا يَأْتُونَهُ مِن الشَّرِّ، وَيَتْرُكُونَهُ مِن الْخَيْرِ؛ رَأفَةً بِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ فَسَادِهِمْ وَعَدَاوَتهِمْ وَهَلَاكِهِمْ. [١٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠]
١١٣٧ - رَوَى الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا أَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَعَنَ الْمُخَنَّثِينَ مِن الرِّجَالِ، والمترجلات مِن النِّسَاءِ وَقَالَ: "أَخْرِجُوهُم مِن بُيُوتِكُمْ" (١).
وَلَمْ يَكُونُوا يُرْمَوْنَ بِالْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى، إنَّمَا كَانَ تَخْنِيثُهُم وَتَأْنِيثُهُم لِينًا فِي الْقَوْلِ، وَخِضَابًا فِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ كَخِضَابِ النِّسَاءِ وَلَعِبًا كَلَعِبِهِنَّ.
فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَد أَمَرَ بِإِخْرَاجِ مِثْل هَؤُلَاءِ مِن الْبُيُوتِ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِي يُمَكِّنُ الرِّجَالَ مِن نَفْسِهِ، وَالِاسْتِمْتَاعِ بِهِ، وَبِمَا يُشَاهِدُونَهُ مِن مَحَاسِنِهِ، وَفِعْلِ الْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى بِهِ: شَرٌّ مِن هَؤُلَاءِ وَهُوَ أَحَقُّ بِالنَّفْيِ مِن بَيْنِ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ وَإِخْرَاجِهِ عَنْهُمْ.
وَلهَذَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي نَفْيِ الْمُحَارِبِ مِن الْأَرْضِ: هَل هُوَ طَرْدُهُ بِحَيْثُ لَا يَأْوِي فِي بَلَدٍ، أَو حَبْسُهُ، أَو بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِن هَذَا وَهَذَا؟ стр. 961
فَفِي مَذْهَبِ أَحْمَد ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ الثَّالِثَةُ أَعْدَلُ وَأَحْسَنُ.
وَهَذَا الَّذِي جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَةُ مِن النَّفْيِ هُوَ نَوْعٌ مِن الْهِجْرَةِ؛ أَيْ: هَجْرِهِ.
فَمَن كَانَ بِمُخَالَطَتِهِ لِلنَّاسِ لَا يَحْصُلُ مِنْهُ عَوْنٌ عَلَى الدِّينِ؛ بَل يُفْسِدُهُم وَيَضُرُّهُم فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ: اسْتَحَقَّ الْإِخْرَاجَ مِن بَيْنِهِمْ (١)؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَضَرَّةٌ بِلَا مَصْلَحَةٍ؛ فَإِنَّ مُخَالَطَتَة لَهُم فِيهَا فَسَادُهُم وَفَسَادُ أَوْلَادِهِمْ، فَإِنَّ الصَّبِيَّ إذَا رَأَى صَبِيًّا مِثْلَهُ يَفْعَلُ شَيْئًا تَشَبَّهَ بِهِ وَسَارَ بِسِيرَتِهِ مَعَ الْفُسَّاقِ، فَإِنَّ الِاجْتِمَاعَ بِالزُّنَاةِ وَالَلُّوطِيِّينَ فِيهِ أَعْظَمُ الْفَسَادِ وَالضَّرَرِ عَلَى النّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالرِّجَالِ، فَيَجِبُ أَنْ ئعَاقَبَ اللُّوطِيُّ وَالزَّاني بِمَا فِيهِ تَفْرِيقُهُ وَإِبْعَادُهُ.
وَجِمَاعُ الْهِجْرَةِ هِيَ هِجْرَةُ السَّيِّئَاتِ وَاهْلِهَا، وَكَذَلِكَ هِجْرَانُ الدُّعَاةِ إلَى الْبِدَع وَهِجْرَانُ الْفُسَّاقِ، وَهِجْرَانُ مَن يُخَالِطُ هَؤُلَاءِ كُلّهُم أَو يُعَاوِنُهُمْ، وَكَذَلِكَ مَن يَتْرُكُ الْجِهَادَ الَّذِي لَا مَصْلَحَةَ لَهُم بِدُونِهِ (٢)، فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ بِهَجْرِهِمْ لَهُ؛ لَمَّا لَمْ يُعَاوِنْهُم عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى؛ فَالزُّنَاةُ وَاللُّوطِيَّةُ وَتَارِكُ الْجِهَادِ وَأَهْلُ الْبِدَعِ وشربة الْخَمْرِ هَؤُلَاءِ كُلُّهُم وَمُخَالَطَتُهُم مُضِرَّةٌ عَلَى دِينِ الْإسْلَامِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ مُعَاوَنَةٌ لَا عَلَى بِرٍّ وَلَا تَقْوَى، فَمَن لَمْ يَهْجُرْهُم كَانَ تَارِكًا لِلْمَأْمُورِ فَاعِلًا لِلْمَحْظُورِ. [١٥/ ٣٠٩ - ٣١٢]
١١٣٨ - كَثِيرٌ مِن النَّاسِ بَل أَكْثَرُهُم كَرَاهَتُهُم لِلْجِهَادِ عَلَى الْمُنْكَرَاتِ أَعْظَمُ مِن كَرَاهَتِهِمْ لِلْمُنْكَرَاتِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَثُرَتِ الْمُنْكَرَاتُ، وَقَوِيَتْ فِيهَا الشُّبُهَاتُ وَالشَّهَوَاتُ، فَرُبَّمَا مَالُوا إلَيْهَا تَارَةً وَعَنْهَا أخْرَى، فَتَكُونُ نَفْسُ أَحَدِهِمْ لَوَّامَةً بَعْدَ أَنْ كَانَت أَمَّارَةً، ثُمَّ إذَا ارْتَقَى إلَى الْحَالِ الْأَعْلَى فِي هَجْرِ السَّيِّئَاتِ، وَصَارَتْ نَفْسُهُ مُطَمْئِنَةً تَارِكَةً لِلْمُنْكَرَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، لَا تُحِبّ الْجِهَادَ وَمُصَابَرَةَ الْعَدُوِّ стр. 962
عَلَى ذَلِكَ، وَاحْتِمَالَ مَا يُؤْذِيهِ مِن الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ: فَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ آخَرُ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ الْآيَاتُ [النساء: ٧٧]. [١٥/ ٣٤١]
١١٣٩ - إِنَّ اللهَ قَد تَوَعَّدَ بِالْعَذَابِ عَلَى مُجَرَّدِ مَحَبَّةِ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ قَد لَا يَقْتَرِنُ بِهَا قَوْلٌ وَلَا فِعْلٌ، فَكَيْفَ إذَا اقْتَرَنَ بِهَا قَوْلٌ أَو فِعْلٌ؟
بَل عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُبْغِضَ مَا أَبْغَضَهُ اللهُ مِن فِعْلِ الْفَاحِشَةِ وَالْقَذْفِ بِهَا، وَإِشَاعَتِهَا فِي الَّذِينَ آمَنُوا.
وَمَن رَضِيَ عَمَلَ قَوْم حُشِرَ مَعَهُمْ، كَمَا حُشِرَتْ امْرَأَةُ لُوطٍ مَعَهُمْ، وَلَمْ تَكُنْ تَعْمَلُ فَاحِشَةَ اللِّوَاطِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ مِن الْمَرْأَةِ، لَكِنَّهَا لَمَّا رَضِيَتْ فِعْلَهُم عَمَّهَا الْعَذَابُ مَعَهُم. [١٥/ ٣٤٤]
١١٤٠ - إنَّ كُلَّ عَدَاوَةٍ أَو بَغْضَاء فَأَصْلُهَا مِن مَعْصِيَةِ اللّهِ، وَالشَّيْطَانُ يَأْمُرُ بِالْمَعْصِيَةِ لِيُوقِعَ فِيمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا، وَلَا يَرْضَا بِغَايَةِ مَا قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَيْضًا فَالْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ شَرٌّ مَحْضٌ لَا يُحِبُّهَا عَاقِلٌ، بِخِلَافِ الْمَعَاصِي فَإِنَّ فِيهَا لَذَّة كَالْخَمْرِ وَالْفَوَاحِشِ. [١٥/ ٣٤٦]
١١٤١ - من شرب الخمر يومًا ثم لم يشربها إلى شهر ونيته إذا قدر عليها شربها فهو مصرّ ليس بتائب وكذلك جميع الذنوب. [المستدرك ٣/ ١١٥]
١١٤٢ - الذُّنُوبُ مِن الشِّرْكِ فَماِنَّهَا طَاعَة لِلشَّيْطَانِ، قَالَ: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وَفِي الْحَدِيثِ (١): "وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِه". [١٥/ ٤٤١] стр. 963
١١٤٣ - صَاحِبُ الْأَخْلَاقِ الْفَاسِدَةِ إنَّمَا يُوقِعُهُ فِيهَا أَحَدُ أَمْرَيْنِ:
أ - إمَّا الْجَهْلُ بِمَا فِيهَا وَمَا فِي ضِدِّهَا، فَهَذَا جَاهِلٌ.
ب - وَإِمَّا الْمَيْلُ وَالْعُدْوَان، وَهُوَ الظُّلْمُ.
فَلَا يَفْعَلُ السَّيِّئَاتِ إلَّا جَاهِلٌ بِهَا، أَو مُحْتَاجٌ إلَيْهَا مُتَلَذِّذٌ بِهَا وَهُوَ الظَّالِمُ. [١٦/ ٦٦]
١١٤٤ - قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَحْرُمُ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، وَيَجِبُ هَدْمُ كُلِّ مَسْجِدٍ بُنِيَ عَلَى قَبْرٍ، وإن كَانَ الْمَيِّتُ قَد قُبِرَ فِي مَسْجِدٍ وَقَد طَالَ مُكْثُهُ سُوّي الْقَبْرُ (١) حَتَّى لَا تَظْهَرَ صُورَتُهُ، فَإنَّ الشّرْكَ إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا ظَهَرَتْ صُورَتُهُ. [١٧/ ٤٦٣]
وَلهَذَا كَانَ مَسْجِدُ النَّبِيّ ﷺ أَوَّلًا مَقْبَرَةً لِلْمُشْرِكِينَ وَفِيهَا نَخْلٌ وَخَرِبٌ، فَأَمَرَ بِالْقُبُورِ فَنُبِشَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، وَبِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، فَخَرَجَ عَن أَنْ يَكُونَ مَقْبَرَةً فَصَارَ مَسْجِدًا.
١١٤٥ - إنَّ الظُّلْمَ فِي حَقِّ الْعِبَادِ نَوْعَانِ:
أ - نَوْعٌ يَحْصُلُ بِغَيْرِ رضى صَاحِبِهِ؛ كَقَتْلِ نَفْسِهِ وَأَخْذِ مَالِهِ وَانْتِهَاكِ عِرْضِهِ.
ب - وَنَوْعٌ يَكُونُ بِرضى صَاحِبِهِ، وَهُوَ ظُلْمٌ كَمُعَامَلَةِ الرِّبَا وَالْمَيْسِرِ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ؛ لِمَا فِيهِ مِن أَكْلِ مَالِ غَيْرِهِ بِالْبَاطِلِ، وَأَكْلُ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ ظُلْمٌ، وَلَو رَضِيَ بِهِ صَاحِبُهُ لَمْ يُبَحْ وَلَمْ يَخْرُجْ عَن أَنْ يَكُونَ ظلْمًا، فَلَيْسَ كُلُّ مَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُ صَاحِبِهِ يَخْرُجُ عَنِ الظُّلْمِ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا كَرِهَهُ بَاذِلُة يَكُونُ ظُلْمًا. [٢٠/ ٧٩]
١١٤٦ - الْغِنَاءُ يُورِث الْقَلْبَ نِفَاقًا، وَيَدْعُو إلَى الزِّنَى، وَيَصُدُّ الْقَلْبَ عَن مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَيَدْعُو إلَى السَّيِّئَاتِ، وَيَنْهَى عَنِ الْحَسَنَاتِ، مَعَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (٢) عَارَضَهُ مَا أَزَالَ стр. 964
مَفْسَدَتَهُ كَنَظَائِرِهِ (١). [٢٠/ ١٩٥]
١١٤٧ - إنَّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا ظُلُمٌ: فَإِمَّا ظُلْمُ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ فَقَطْ، أَو ظُلْمُهُ مَعَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ.
فَمَا كَانَ مِن ظُلْمِ الْغَيْرِ: فَلَا بُدَّ انْ يَشْرَعَ مِن عُقُوبَتِهِ مَا يَدْفَعُ بِهِ ظُلْمَ الظَّالِمِ عَن الدِّينِ وَالدُّنْيَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ [الحج: ٣٩]، فَجَعَلَ السَّبَبَ الْمُبِيحَ لِعُقُوبَةِ الْغَيْرِ الَّتِي هِيَ قِتَالُهُ: ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾.
وَقَالَ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣] [البقرة: ١٩٣] فَبَيَّنَ أَنَّ الظَّالِمَ يُعْتَدَى عَلَيْهِ؛ أَيْ: بِتَجَاوُزِ الْحَدِّ الْمُطْلَقِ فِي حَقِّهِ، وَهُوَ الْعُقُوبَةُ، وَهَذَا عُدْوَانٌ جَائِزٌ كَمَا قَالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّ هَذَا لَيْسَ بِعُدْوَان فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا سَمَّاهُ عُدْوَانًا عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ كَمَا قَالُوا مِثْل ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]: لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْعُدْوَانَ الْمُطْلَقَ هُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ الْمُطْلَقِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ إلَّا إذَا اعْتَدَى، فَيُتَجَاوَزُ الْحَدِّ فِي حَقِّهِ بِقَدْرِ تَجَاوُزِهِ.
وَالسَّيِّئَةُ: اسْمٌ لِمَا يَسُوءُ الْإِنْسَانَ؛ فَإِنَّ الْمَصَائِبَ وَالْعُقُوبَاتِ تُسَمَّى سَيِّئَةً فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كِتَابِ اللهِ تَعَالَى. [٢٨/ ١٨٢ - ١٨٣]
١١٤٨ - الْكَذِبُ عَلَى الشَّخْصِ حَرَامٌ كُلُّهُ، سَوَاءٌ كَانَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا أَو كَافِرًا، بَرًّا أَو فَاجِرًا، لَكِنَّ الِافْتِرَاءَ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَشَدُّ؛ بَل الْكَذِبُ كُلُّهُ حَرَامٌ.
وَلَكِنْ تُبَاحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ الشَّرْعِيَّةِ: "الْمَعَارِيضُ"، وَقَد تُسَمَّى كَذِبًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ؛ يَعْنِي بِهِ: الْمُتَكَلّمُ مَعْنًى، وَذَلِكَ الْمَعْنَى يُرِيدُ أَنْ يَفْهَمُهُ الْمُخَاطِبُ، فَإِذَا стр. 965
لَمْ يَكُن عَلَى مَا يَعْنِيهِ فَهُوَ الْكَذِبُ الْمَحْضُ، وَإِن كَانَ عَلَى مَا يَعْنِيهِ وَلَكِنْ لَيْسَ عَلَى مَا يَفْهَمُهُ الْمُخَاطَبُ فَهَذِهِ الْمَعَارِيضُ، وَهِيَ كَذِبٌ بِاعْتِبَارِ الْأفْهَامِ، وَإِن لَمْ تَكُنْ كَذِبًا بِاعْتِبَارِ الْغَايَةِ السَّائِغَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيّ ﷺ : "لَمْ يَكذِبْ إبْرَاهِيمُ إلَّا ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ كُلُّهُنَّ فِي ذَاتِ اللّهِ: قَولُهُ لِسَارَّةَ: أُخْتِي وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] (١)، وَهَذهِ الثَّلَاثَةُ مَعَارِيضُ".
وَبِهَا احْتَجَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ التَّعْرِيضِ لِلْمَظْلُومِ، وَهُوَ أنْ يَعْنِيَ بِكَلَامِهِ: مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ وَإِن لَمْ يَفْهَمْهُ الْمُخَاطَبُ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَن قَالَ مِن الْعُلَمَاءِ: إنَّ مَا رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ إنَّمَا هُوَ مِن هَذَا، كَمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا".
قالت: "وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا" (٢).
قَالَ: فَهَذَا كُلُّهُ مِن الْمَعَارِيضِ خَاصَّةً.
وَلهَذَا نَفَى عَنْهُ النَّبِيّ ﷺ اسْمَ الْكَذِبِ بِاعْتِبَارِ الْقَصْدِ وَالْغَايَةِ، كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: "الْحَرْبُ خُدْعَةٌ" (٣)، وَأنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوَةَ وَرَّى بِغَيْرِهَا، وَمِن هَذَا الْبَابِ قَوْلُ الصّدِّيقِ فِي سَفَرِ الْهِجْرَةِ عَن النَّبِيِّ ﷺ : "هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ". стр. 966
وَالْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَ الِاغْتِيَابِ وَبَيْنَ الْبُهْتَانِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُخْبِرَ بِمَا يَكْرَهُ أَخُوهُ الْمُومِنُ عَنْهُ إذَا كَانَ صَادِقًا فَهُوَ الْمُغْتَابُ، وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : "ذِكْرُك أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ" (١) مُوَافَقَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]، فَجَعَلَ جِهَةَ التَّحْرِيمِ كَوْنَهُ أَخًا أُخُوَّةَ الْإِيمَانِ؛ وَلذَلِكَ تغلظت الْغِيبَةُ بِحَسَبِ حَالِ الْمُؤْمِنِ، فَكُلَّمَا كَانَ أَعْظَمَ إيمَانًا كَانَ اغْتِيَابُهُ أَشَدَّ (٢). [٢٨/ ٢٢٣ - ٢٢٥]
١١٤٩ - شُهُودُ الْمُنْكَرِ مِن غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا إكْرَاهٍ: مَنْهِيٌّ عَنْهُ (٣). [٢١/ ٣٣٤]
١١٥٠ - كَشْفُ النِّسَاءِ وُجُوهَهُنَّ بِحَيْثُ يَرَاهُنَّ الْأَجَانِبُ غيْرُ جَائِزٍ، وَعَلَى وَليِّ الْأَمْرِ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَن هَذَا الْمُنْكَرِ وَغَيْرِهِ، وَمَن لَمْ يَرْتَدِعْ فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا يَزْجُرُهُ. [٢٤/ ٣٨٢]
١١٥١ - أما الشابة: فلم يُرَخِّصْ أحدٌ مِن الأئمة الأربعة في حضورها مجتمع الرجال الأجانب، لا في الجنازة ولا في العرس. [المستدرك ٣/ ١٤٦]
١١٥٢ - أَصْلُ الدِّينِ: أَنَّهُ لَا وَاجِبَ إلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا حَرَامَ إلَّا مَا حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا مَكْرُوهَ إلَّا مَا كَرِهَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا حَلَالَ إلَّا مَا أَحَلَّة اللهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا مُسْتَحَبَّ إلَّا مَا أحَبَّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.
فَالْحَلَالُ مَا حَلَّلَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَالدِّينُ مَا شَرَعَة اللّهُ وَرَسُولُهُ؛ وَلهَذَا أَنْكَرَ اللهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مَا حَلَّلُوهُ أَو حَرَّمُوهُ أَو شَرَعُوهُ مِن الذينِ بِغَيْرِ إذْنٍ مِن اللهُ. [٢٩/ ٣٤٥] стр. 967
١١٥٣ - مَن جَعَلَ مَا لَيْسَ مَشْرُوعًا وَلَا هُوَ دِينًا وَلَا طَاعَةً وَلَا قُرْبَةً جَعَلَهُ دِينًا وَطَاعَة وَقُرْبَةً: كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا بِاتفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. [٣١/ ٣٨]
* * *
(حكم الكذب لإضحاك الناس ؟)
١١٥٤ - الْمُتَحَدِّثُ بِأحَادِيثَ مُفْتَعَلَةٍ لِيُضْحِكَ النَّاسَ أَو لِغَرَضٍ آخَرَ: عَاصٍ للّهِ وَرَسُولِهِ، وَقَد رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إنَّ الَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ الْقَوْمَ: وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ ثُمَّ وَيْلٌ لَهُ" (١).
وَقَد قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ الْكَذِبَ لَا يَصْلُحُ فِي جدٍّ وَلَا هَزْلٍ، وَلَا يَعِدُ أَحَدُكُمْ صَبِيَّهُ شَيْئًا ثُمَّ لَا يُنْجِزُهُ. [٣٢/ ٢٥٦]
* * *
(حكم الغناء ؟)
١١٥٥ - رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَنْوَاعٍ مِن اللَّهْوِ فِي الْعُرْسِ وَنَحْوِهِ، كمَا رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ أَنْ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ فِي الْأَعْرَاسِ وَالْأَفْرَاحِ.
وَأَمَّا الرّجَالُ عَلَى عَهْدِهِ فَلَمْ يَكُن أَحَدٌ مِنْهُم يَضْرِبُ بِدُفٍّ وَلَا يُصَفِّقُ بِكَفٍّ، بَل قَد ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ قَالَ: "التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ وَالتَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ" (٢). "وَلَعَنَ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِن النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ. والمتشبهين مِن الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ" (٣).
وَلَمَّا كَانَ الْغِنَاءُ وَالضَّرْبُ بِالدُّفِّ وَالْكَفِّ مِن عَمَلِ النِّسَاءِ كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِن الرِّجَالِ مُخَنَّثًا، وَيُسَمُّونَ الرِّجَالَ الْمُغَنِّينَ مَخَانِيث، وَهَذَا مَشْهُورٌ فِي كَلَامِهِمْ. [١١/ ٥٦٥ - ٥٦٦] стр. 968
١١٥٦ - فَأَمَّا الْمُشْتَمِلُ عَلَى الشَّبَّابَاتِ وَالدُّفُوفِ المصلصلة فَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأرْبَعَةِ تَحْرِيمُهُ.
وَذَكَرَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا حُكِيَ فِي الْيَرَاعِ (١) الْمُجَرَّدِ.
مَعَ أَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَمْ يَذْكُرُوا فِي ذَلِكَ نِزَاعًا وَلَا مُتَقَدّمَةُ الْخُرَاسَاييِّين وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ مُتَأَخِّرُو الْخُرَاسَانيِّين.
وَقَد ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ لَهُم وَأَنَّ اللهُ مُعَاقِبُهُم.
فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى تَحْرِيمِ الْمَعَازِفِ.
وَالْمَعَازِفُ هِيَ آلَاتُ اللَّهْوِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَهَذَا اسْمٌ يَتَنَاوَلُ هَذ الْآلَاتِ كُلَّهَا. [١١/ ٥٣٧]
١١٥٧ - مَن كَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِحَقَائِقِ الدِّينِ وَأَحْوَالِ الْقُلُوبِ وَمَعَارِفهَا وَأَذْوَاقِهَا وَمَوَاجِيدِهَا عَرَفَ أَنَّ سَمَاعَ الْمُكَاءِ وَالتَّصْدِيَةِ (٢) لَا يَجْلِبُ لِلْقُلُوبِ مَنْفَعَةً وَلَا مَصْلَحَة إلَّا وفِي ضِمْنِ ذَلِكَ مِن الضَّرَرِ وَالْمَفْسَدَةِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَهُوَ لِلرُّوحِ كَالْخَمْرِ لِلْجَسَدِ يَفْعَلُ فِي النُّفُوسِ فِعْلَ حُمَّيَا الْكُؤُوسِ، وَلهَذَا يُوَرِّثُ أَصْحَابَهُ سُكْرًا أَعْظَمَ مِن سُكْرِ الْخَمْرِ.
وَالسَّلَفُ يُسَمُّونَهُ تَغْبِيرًا؛ لِأنَّ التَّغْبِيرَ هُوَ الضَّرْبُ بِالْقَضِيبِ عَلَى جِلْدٍ مِن الْجُلُودِ، وَهُوَ مَا يُغَبِّرُ صَوْتَ الْإِنْسَانِ عَلَى التَّلْحِينِ، فَقَد يُضمُّ إلَى صَوْتِ الْإِنْسَانِ، إمَّا التَّصْفِيقُ بِأَحَدِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، وَإِمَّا الضَّرْبُ بِقَضِيبٍ عَلَى стр. 969
فَخِذٍ وَجِلْدٍ، وَإِمَّا الضَرْبُ بِالْيَدِ عَلَى أُخْتِهَا أَو غَيْرِهَا عَلَى دُفٍّ أَو طَبْلٍ؛ كَنَاقُوسِ النَّصَارَى، وَالنَّفْخِ فِي صَفَّارَةٍ كَبُوقِ الْيَهُودِ.
فَمَن فَعَلَ هَذِهِ الْمَلَاهِي عَلَى وَجْهِ الدِّيَانَةِ وَالتَّقَرُّبِ فَلَا رَيْبَ فِي ضَلَالَتِهِ وَجَهَالَتِهِ.
وَامَّا إذَا فَعَلَهَا عَلَى وَجْهِ التَّمَتُّعِ وَالتَّلَغُبِ فَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ: أَنَّ آلَاتِ اللَّهْوِ كُلَّهَا حَرَامٌ، فَقَد ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيَكونُ مِن أُمَّتِهِ مَن يَسْتَحِلُّ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَذَكَرَ أَنَّهُم يُمْسَخُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ.
والْمَعَازِفُ هِيَ الْمَلَاهِي كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَهْلُ اللُّغَةِ، جَمْعُ مِعْزَفَةٍ وَهِيَ الْآلَةُ الَّتِي يُعْزَفُ بِهَا؛ أَيْ يُصَوَّتُ بِهَا. وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِن أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ فِي آلَاتِ اللَّهْوِ نِزَاعًا. [١١/ ٥٧٣ - ٥٧٦]
١١٥٨ - مَن اتَّخَذَ الْغِنَاءَ وَالتَّصْفِيقَ عِبَادَةً وَقُرْبَةً فَقَد ضَاهَى الْمُشْرِكِينَ فِي ذَلِكَ، وَشَابَهَهُم فِيمَا لَيْسَ مِن فِعْلِ الْمُؤْمِنِينَ: الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.
فإِنْ كَانَ يَفْعَلُهُ فِي بُيُوتِ اللهِ فَقَد زَادَ فِي مُشَابَهَتِهِ أَكْبَرَ وَأَكْبَرَ، وَاشْتَغَلَ بِهِ عَن الصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللهِ وَدُعَائِهِ، فَقَد عَظُمَتْ مُشَابَهَتُهُ لَهُم، وَصَارَ لَهُ كِفْلٌ عَظِيمٌ مِن الذَّمِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] (١). [١١/ ٥٩٦]
١١٥٩ - فِي السُّنَنِ أَنَّهُ كَانَ (٢) مَعَ ابْنِ عُمَرَ - فَمَرَّ بِرَاعٍ مَعَهُ زَمَّارَةٌ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَتَسْمَعُ يَا نَافِعُ؟ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ رَفَعَ إصْبَعَيْهِ مِن أُذُنَيْهِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَفَعَلَ مِثْل ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد لَمَّا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ: هَذَا حَدِيث مُنْكَرٌ. стр. 970
وَقَد رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا (١).
فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَن أَبَاحَ الشبابة (٢)، لَا سِيَّمَا وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّ الشبابة حَرَامٌ.
وَلَمْ يَتَنَازَعْ فِيهَا مِن أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ إلَّا مُتَاخِّرِي الْخُرَاسَانِيِّين مِن أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ فَإِنَهُم ذَكَرُوا فِيهَا وَجْهَيْنِ.
وَأَمَّا الْعِرَاقِيُّونَ -وَهُم أَعْلَمُ بِمَذْهَبِهِ- فَقَطَعُوا بِالتَّحْرِيمِ كَمَا قَطَعَ بِهِ سَائِر الْمَذَاهِبِ.
وَآلَاتُ الْمَلَاهِي لَا يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا وَلَا الاِسْتِئْجَارُ عَلَيْهَا عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.
فَهَذَا الْحَدِيث إنْ كَانَ ثَابِتًا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ عَلَى إبَاحَةِ الشبابة، بَل هُوَ عَلَى النَّهْيِ عَنْهَا. أَوْلَى مِن وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْمُحَرَّمَ هُوَ الاِسْتِمَاعُ لَا السَّمَاعُ، فَالرَّجُلُ لَو يَسْمَعُ الْكُفْرَ وَالْكَذِبَ وَالْغِيبَةَ وَالْغِنَاءَ والشبابة مِن غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ بَل كَانَ مُجْتَازًا بِطَرِيق فَسَمِعَ ذَلِكَ لَمْ يَأْثَمْ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَو جَلَسَ وَاسْتَمَعَ إلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ لَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِلِسَانِهِ وَلَا يَدِهِ: كَانَ آثِمًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إنَّمَا سَدَّ النَّبِيُّ ﷺ أُذُنَيْهِ مُبَالَغَة فِي التَّحَفُّظِ حَتَّى لَا يَسْمَعَ أَصْلًا، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الاِمْتِنَاعَ مِن أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ خَيْرٌ مِن السَّمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُن فِي السَّمَاعِ إثْمٌ.
وَلَو كَانَ الصَّوْتُ مُبَاحًا: لَمَا كَانَ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ عَن سَمَاعِ الْمُبَاحِ. стр. 971
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَو قُدِّرَ أَن الاِسْتِمَاعَ لَا يَجُوزُ فَلَو سَدَّ هُوَ وَرَفِيقُهُ آذَانَهُمَا لَمْ يَعْرِفَا مَتَى يَنْقَطِعُ الصَّوْتُ فَيَتْرُكُ الْمَتْبُوعُ سَدَّ أُذُنَيْهِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الرَّفِيقَ كَانَ بَالِغًا أَو كَانَ صَغِيرًا دُونَ الْبُلُوغِ، وَالصِّبْيَانُ يُرَخَّصُ لَهُم فِي اللَّعِبِ مَا لَا يُرَخَّصُ فِيهِ لِلْبَالِغِ.
الْخَامِسُ: أَنَّ زَمَّارَةَ الرَّاعِي لَيْسَتْ مُطْرِبَةً كالشبابة الَّتِي يَصْنَعُ غَيْرُ الرَّاعِي.
السَّادِسُ: أَنَّهُ قَد ذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْمَنْعِ مِن إجَارَةِ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ فَقَالَ: "اجَمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عَنْهُ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إبْطَالِ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنيةِ، كَرِهَ ذَلِكَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخْعِيُّ وَمَالِكٍ.
وَقَالَ أبُو ثَوْرٍ وَالنُّعْمَانُ وَيَعْقُوبُ وَمُحَمَّدٍ: لَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى شَيْءٍ مِن الْغِنَاءِ وَالنَّوْحْ، وَبِهِ نَقُولُ".
فَإِذَا كَانَ قَد ذَكَرَ إجْمَاعَ مَن يَحْفَظُ عَنْهُ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إبْطَالِ إجَارَةِ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ -وَالْغِنَاءُ لِلنِّسَاءِ فِي الْعُرْسِ وَالْفَرَحِ جَائِز، وَهُوَ لِلرَّجُلِ إمَّا مُحَرَّمٌ وَإِمَّا مَكْرُوهٌ، وَقَد رَخَّصَ فِيهِ بَعْضُهُم- فَكَيْفَ بالشبابة الَّتِي لَمْ يُبِحْهَا أَحَدٌ مِن الْعُلَمَاءِ لَا لِلرِّجَالِ وَلَا لِلنِّسَاءِ، لَا فِي الْعُرْسِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُبِيحُهَا مَن لَيْسَ مِن الْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ؟! [٣٠/ ٢١١ - ٢١٥]
* * *
(سماع الأغاني على وجه اللعب)
١١٦٠ - أَمَّا سَمَاعُ الْغِنَاءِ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ: فَهَذَا مِن خُصُوصِيَّةِ الْأفْرَاحِ لِلنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ كَمَا جَاءَت بِهِ الْآثَارُ؛ فَإِنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ وَاسِعٌ لَا حَرَجَ فِيهِ. [٣/ ٤٢٧]
* * *
مِن أَقْوَى مَا يُهَيِّجُ الْفَاحِشَةَ
١١٦١ - مِن أَقْوَى مَا يُهَيِّجُ الْفَاحِشَةَ: إنْشَادُ أشْعَارِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ مِن الْعِشْقِ وَمَحَبَّةِ الْفَوَاحِشِ، وَمُقَدّمَاتِهَا بِالْأَصْوَاتِ الْمُطْرِبَةِ، فَإِنَّ الْمُغَنِّيَ إذَا
стр. 972
غَنَّى بِذَلِكَ حَرَّكَ الْقُلُوبَ الْمَرِيضَةَ إلَى مَحَبَّةِ الْفَوَاحِشِ، فَعِنْدَهَا يَهِيجُ مَرَضُهُ، وَيَقْوَى بَلَاؤُهُ، وَإِن كَانَ الْقَلْبُ فِي عَافِيَةٍ مِن ذَلِكَ جَعَلَ فِيهِ مَرَضًا، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْغِنَاءُ رُقْيَةُ الزِّنَا. [١٥/ ٣١٣]
١١٦٢ - كَرِهَ الْعُلَمَاءُ الْغَزَلَ مِن الشِّعْرِ الَّذِي يُرَغِّبُ فِيهَا [أي: بِالْفَاحِشَةِ] وَكَذَلِكَ ذِكْرُهَا غِيبَةٌ مُحَرَّمَةٌ، سَوَاءٌ كَانَ بِنَظْمٍ أَو نَثْرٍ، وَكَذَلِكَ التَّشَبُّهُ بِمَن يَفْعَلُهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ مِثْل الْأمْرِ بِهَا؛ فَإِنَّ الْفِعْلَ يُطْلَبُ بِالْأمْرِ تَارَةً وَبِالْأِخْبَارِ تَارَة. [١٥/ ٣٣٢]
* * *
(سبب وقوع الناس في الحيل)
١١٦٣ - تَأَمَّلْت أَغْلَبَ مَا أَوْقَعَ النَّاسَ فِي الْحِيَلِ فَوَجَدْته أَحَدَ شَيْئَيْنِ: إمَّا ذُنوبٌ جوزُوا عَلَيْهَا بِتَضْيِيقٍ فِي أُمُورِهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا دَفْعَ هَذَا الضِّيقِ إلَّا بِالْحِيَلِ، فَلَمْ تَزِدْهُم الْحِيَلُ إِلَّا بَلَاءً، كَمَا جَرَى لِأَصْحَابِ السَّبْتِ مِن الْيَهُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠].
وَهَذَا الذَّنْبُ ذَنْبٌ عَمَلِيٌّ.
وَإِمَّا مُبَالَغَة فِي التَّشْدِيدِ لِمَا اعْتَقَدُوهُ مِن تَحْرِيمِ الشَّارعِ فَاضْطَرَّهُم هَذَا الاِعْتِقَادُ إلَى الاِسْتِحْلَالِ بِالْحِيَلِ.
وَهَذَا مِن خَطَأ الاِجْتِهَادِ.
وَإِلَّا فَمَن اتَّقَى اللّهَ وَأَخَذَ مَا أُحِلَّ لَهُ وَأَدَّى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ: فَإِنَّ اللّهَ لَا يحوجه إلَى الْحِيَلِ الْمُبْتَدَعَةِ أَبَدًا، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ، وَإِنَّمَا بَعَثَ نَبِيِّنَا ﷺ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ.
فَالسَّبَبُ الْأوَّلُ: هُوَ الظُّلْمُ.
وَالسَّبَبُ الثَّانِي: هُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ، وَالظلْمُ وَالْجَهْلُ هُمَا وَصْفٌ لِلْإِنْسَانِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]. [٢٩/ ٤٥ - ٤٦]
* * *
стр. 973
(الجلوس مع أهل الذنوب والمعاصي)
١١٦٤ - رُفِعَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَقْوَامٌ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَأَمَرَ بِجَلْدِهِم الْحَدَّ، فَقِيلَ: إنَّ فِيهِمْ صَائِمًا؟ فَقَالَ: أَبَدَؤوا بِالصَّائِمِ فَاجْلِدُوهُ: أَلَمْ يَسْمَعْ إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: ١٤٠]؟
١١٦٥ - فَنَهَى سُبْحَانَهُ عَن الْقُعُودِ مَعَ الظَّالِمِينَ، فَكَيْفَ بِمُعَاشَرَتِهِمْ؟ أَمْ كَيْفَ بِمُخَادَنتِهِمْ؟ [٣٢/ ٢٥٤]
* * *
стр. 974
الغيبة
(أنواع الغيبة، ومتى تجوز؟ ومتى لا يجوز ذم الناس بأسمائهم ؟)
١١٦٦ - هَذَانِ النَّوْعَانِ يَجُوزُ فِيهِمَا الْغِيبَةُ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يَكونَ الرَّجُلُ مُظْهِرًا لِلْفُجُورِ مِثْل الظُّلْمِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْبِدَعَ الْمُخَالِفَةِ لِلسُّنَّةِ، فَإِذَا أَظْهَرَ الْمُنْكَرَ وَجَبَ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَف الإِيمَانِ". [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (١)
بِخِلَافِ مَنْ كَانَ مُسْتَتِرًا بِذَنْبِهِ مُسْتَخْفِيًا فَإِنَّ هَذَا يُسْتَرُ عَلَيْهِ، لَكِنْ يُنْصَحُ سِرًّا وَيَهْجُرُهُ مَنْ عَرَفَ حَالَهُ حَتَّى يَتُوبَ، وَيَذْكُرُ أَمْرَهُ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يُسْتَشَارَ الرَّجُلُ فِي مُنَاكَحَتِهِ وَمُعَامَلَتِهِ أَو اسْتِشْهَادِهِ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ، فَيَنْصَحُهُ مُسْتَشَارُهُ بِبَيَانِ حَالِهِ.
كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ لَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: قَد خَطَبَنِي أَبُو جَهْمٍ وَمُعَاوِيةُ، فَقَالَ لَهَا: "أمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُل ضَرَّاب لِلنِّسَاءِ، وَأمّا مُعَاوَيةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ" (٢)، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ حَالَ الْخَاطِبَيْنِ لِلْمَرْأَةِ. стр. 975
فَإِنَّ النُّصْحَ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ مِن النُّصْحِ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ نَصَحَ الْمَرْأَةَ فِي دُنْيَاهَا فَالنَّصِيحَةُ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ.
وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يَتْرُكُ الصَّلَوَاتِ وَيَرْتَكِبُ الْمُنْكَرَاتِ وَقَد عَاشَرَهُ مَن يَخَافُ أَنْ يُفْسِدَ دِينَهُ: بَيَّنَ أَمْرَهُ لَهُ لِتُتَّقَى مُعَاشَرَتُهُ، وَإِذَا كَانَ مُبْتَدِعًا يَدْعُو إلَى عَقَائِدَ تُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، أَو يَسْلُكُ طَرِيقًا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَيخَافُ أَنْ يضِلَّ الرَّجُلُ النَّاسَ بِذَلِكَ: بَيَّنَ أَمْرَهُ لِلنَّاسِ لِيَتَّقُوا ضَلَالَهُ وَيَعْلَمُوا حَالَهُ.
وَهَذَا كُلُّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ النُّصْحِ وَابْتِغَاءِ وَجْهِ اللّهِ تَعَالَى لَا لِهَوَى الشَّخْصِ مَعَ الْإِنْسَانِ. [٢٨/ ٢١٩ - ٢٢١]
١١٦٧ - سئل شيخ الإسلام عن غيبة تارك الصلاة فقال: إذا قيل عنه: إنه تارك للصلاة وكان تاركها: فهذا جائز، وينبغي أن يُشاع ذلك عنه ويهجر حتى يصلي. [المستدرك ٣/ ٢١٠]
* * *
(خطرُ الغيبة، وطرقُ إخراجِها)
١١٦٨ - مِن النَّاسِ مَن يَغْتَابُ مُوَافَقَةً لِجُلَسَائِهِ وَأَصْحَابِهِ وَعَشَائِرِهِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ الْمُغْتَابَ بَرِيءٌ مِمَّا يَقُولُونَ، أَو فِيهِ بَعْضُ مَا يَقُولُونَ، لَكِنْ يَرَى أَنَّهُ لَو أَنْكَرَ عَلَيْهِم قَطَعَ الْمَجْلِسَ وَاسْتَثْقَلَهُ أَهْلُ الْمَجْلِسِ وَنَفَرُوا عَنْهُ، فَيَرَى مُوَافَقَتَهُم مِن حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَطِيبِ الْمُصَاحَبَةِ، وَقَد يَغْضَبُونَ فَيَغْضَبُ لِغَضَبِهِم فَيَخُوضُ مَعَهُمْ.
وَمِنْهُم مَن يُخْرِجُ الْغِيبَةَ فِي قَوَالِبَ شَتَّى:
أ - تَارَةً فِي قَالِبِ دِيَانَةٍ وَصَلَاحٍ؛ فَيَقُولُ: لَيْسَ لِي عَادَة أَنْ أَذْكُرَ أَحَدًا إلَّا بِخَيْر، وَلَا أُحِبُّ الْغِيبَةَ وَلَا الْكَذِبَ، وَإِنَّمَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحْوَالِهِ، وَيَقُولُ: وَاللّهِ إِنَّهُ
стр. 976
مِسْكِينٌ، أَو رَجُلٌ جَيِّدٌ، وَلَكِنْ فِيهِ كَيْت وَكَيْت، وَرُبَّمَا يَقُولُ: دَعُونَا مِنْهُ اللّهُ يَغْفِرُ لَنَا وَلَهُ، وَإِنَّمَا قَصْدُهُ اسْتِنْقَاصَهُ وَهَضْمًا لِجَانِبِهِ، وَيُخْرِجُونَ الْغِيبَةَ فِي قَوَالِبَ صَلَاحٍ وَدِيَانَةٍ، يُخَادِعُونَ اللهَ بِذَلِكَ كَمَا يُخَادِعُونَ مَخْلُوقًا، وَقَد رَأَيْنَا مِنْهُم أَلْوَانًا كَثِيرَةً مِن هَذَا وَأَشْبَاهِهِ.
ب - وَمِنْهُم مَن يَرْفَعُ غَيْرَهُ (١) رِيَاءً فَيَرْفَعُ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ: لَو دَعَوْت الْبَارِحَةَ فِي صَلَاتِي لِفُلَان؛ لِمَا بَلَغَنِي عَنْهُ كَيْت وَكَيْت لِيَرْفَعَ نَفْسَهُ وَيَضَعَه عِنْدَ مَن يَعْتَقِدُهُ.
أَو يَقُولُ: فُلَانٌ بَلِيدُ الذِّهْنِ قَلِيلُ الْفَهْمِ؛ وَقَصْدُهُ مَدْح نَفْسِهِ وَإِثْبَات مَعْرِفَتِهِ وَأَنَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ.
ج - وَمِنْهُم مَن يَحْمِلُهُ الْحَسَدُ عَلَى الْغِيبَةِ، فَيَجْمَعُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَبيحَيْنِ: الْغِيبَةِ وَالْحَسَدِ، وَإِذَا أُثْنِيَ عَلَى شَخْصٍ أَزَالَ ذَلِكَ عَنْهُ بِمَا اسْتَطَاعَ مِن تَنَقُّصِهِ فِي قَالِبِ دِينٍ وَصَلَاحٍ، أَو فِي قَالِبِ حَسَدٍ وَفُجُورٍ وَقَدْحٍ؛ ليُسْقِطَ ذَلِكَ عَنْهُ.
د - وَمِنْهُم مَن يُخْرِجُ الْغِيبَةَ فِي قَالِبِ تمسخر وَلَعِبٍ لَيُضْحِكَ غَيْرَهُ بِاسْتِهْزَائِهِ وَمُحَاكَاتِهِ وَاسْتِصْغَارِ الْمُسْتَهْزَأِ بِهِ.
هـ - وَمِنْهُم مَن يُخْرِجُ الْغِيبَةَ فِي قَالِبِ التَّعَجبِ، فَيَقُولُ: تَعَجَّبْت مِن فُلَانٍ كَيْفَ لَا يَفْعَلُ كَيْت وَكَيْت، وَمِن فُلَانٍ كَيْفَ وَقَعَ مِنْهُ كَيْت وَكَيْت، وَكَيْفَ فَعَلَ كَيْت وَكَيْت، فَيُخْرِجُ اسْمَهُ فِي مَعْرِضِ تَعَجُّبِهِ.
و - وَمِنْهُم مَن يُخْرِجُ الاِغْتِمَامَ فَيَقُولُ: مِسْكينٌ فُلَانٌ غَمَّنِي مَا جَرَى لَهُ وَمَا تَمَّ لَهُ، فَيَظُنُ مَن يَسْمَعُهُ أَنَّهُ يَغْتَمُّ لَهُ وَيَتَأسَّفُ وَقَلْبُهُ مُنْطَوٍ عَلَى التَّشَفِّي بِهِ، وَلَو قَدَرَ لَزَادَ عَلَى مَا بِهِ، وَرُبَّمَا يَذْكُرُهُ عِنْدَ أَعْدَائِهِ لِيَشْتَفُوا بِهِ. стр. 977
وَهَذَا وَغَيْرُهُ مِن أَعْظَمِ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ وَالْمُخَادَعَاتِ للهِ وَلخَلْقِهِ.
ي - وَمِنْهُم مَن يُظْهِرُ الْغِيبَةَ فِي قَالِبِ غَضَبٍ وَإِنْكَارِ مُنْكَرٍ؛ فَيُظْهِرُ فِي هَذَا الْبَابِ أَشْيَاءَ مِن زَخَارِفِ الْقَوْلِ وَقَصْدُهُ غَيْرُ مَا أَظْهَرَ. [٢٨/ ٢٣٦ - ٢٣٨]
* * *
(كفارة الغيبة)
١١٦٩ - مَن ظَلَمَ إنْسَانًا فَقَذَفَهُ أَو اغْتَابَهُ أَو شَتَمَهُ ثُمَّ تَابَ: قَبِلَ اللّهُ تَوْبَتَهُ.
لَكِنْ إنْ عَرَفَ الْمَظْلُومَ: مَكَّنَهُ مِن أَخْذِ حَقِّهِ.
وَإِن قَذَفَهُ أَو اغْتَابَهُ وَلَمْ يَبْلُغْهُ: فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَن أَحْمَدَ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يُعْلِمُهُ أَنِّي اغْتَبْتُك (١).
وَقَد قِيلَ: بَل يُحْسِنُ إلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ كَمَا أَسَاءَ إلَيْهِ فِي غَيْبَتِهِ.
كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَفَّارَةُ الْغَيْبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَن اغْتَبْته. [٣/ ٢٩١]
* * *
مجاهدة الذنوب والمعاصي
١١٧٠ - إِذَا كَانَ الَّذِي قَد يَهْجُرُ السِّيِّئَاتِ يَغُضُّ بَصَرَهُ، وَيَحْفَظُ فَرْجَهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا نَهَى اللّهُ عَنْهُ: يَجْعَلُ اللهُ لَهُ مِن النُّورِ وَالْعِلْمِ وَالْقُوَّةِ وَالْعِزَّةِ وَمَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَمَا ظَنُّكَ بِالَّذِي لَمْ يَحُمْ حَوْلَ السِّيِّئَاتِ، وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفَهُ قَطُّ، وَلَمْ تُحَدِّثْهُ نَفْسُهُ بِهَا، بَل هُوَ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَهْلَهَا لِيَتْرُكُوا السِّيِّئَاتِ؟
فَهَل هَذَا وَذَاكَ سَوَاءٌ؟
بَل هَذَا لَهُ مِن النُّورِ وَالْإِيمَانِ وَالْعِزَّةِ وَالْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالسُّلْطَانِ وَالنَّجَاةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ ذَاكَ، وَحَالُهُ أَعْظَمُ وَأَعْلَى، وَنُورُهُ أَتَمُّ وَأَقْوَى. [١٥/ ٤٠٠]
* * * стр. 978
المباحات
١١٧١ - وَكَذَلِكَ مُبَاحَاتُ نَفْسِهِ الْمَحْضَةُ الَّتِي لَمْ يَقْصِد الاِسْتِعَانَةَ بِهَا عَلَى طَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ، مَعَ أَنَّ هَذَا نَقْصٌ مِنْهُ، فَإِنَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ مِن الْمُبَاحَاتِ إلَّا مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ وَيَقْصِدُ الاِسْتِعَانَةَ بِهَا عَلَى الطَّاعَةِ، فَهَذَا سَبِيلُ الْمُقَرَّبِينَ السَّابِقِينَ.
فَفُضُولُ الْمُبَاحِ الَّتِي لَا تُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ عَدَمُهَا خَيْرٌ مِن وُجُودِهَا، إذَا كَانَ مَعَ عَدَمِهَا يَشْتَغِلُ بِطَاعَةِ اللّهِ، فَإِنَّهَا تَكُونُ شَاغِلَةً لَهُ عَن ذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا قُدِّرَ أَنَّهَا تَشْغَلُهُ عَمَّا دُونَهَا فَهِيَ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا دُونَهَا.
وَإِن شَغَلَتْهُ عَن مَعْصِيَةِ اللّهِ كَانَت رَحْمَة فِي حَقِّهِ، وَإِن كَانَ اشْتِغَالُهُ بِطَاعَةِ اللهِ خَيْرًا لَهُ مِن هَذَا وَهَذَا.
وَكَذَلِكَ أَفْعَالُ الْغَفْلَةِ وَالشَّهْوَةِ الَّتِي يُمْكِنُ الاِسْتِعَانَةُ بِهَا عَلَى الطَّاعَةِ، كَالنَّوْمِ الَّذِي يُقْصدُ بِهِ الاِسْتِعَانَةُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنِّكَاحِ الَّذِي يُمْكِنُ الاِسْتِعَانَةُ بِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ، إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ نَقْصًا مِن الْعَبْدِ وَفَوَاتَ حَسَنَةٍ وَخَيْرٍ يُحِبُّهُ اللّهُ. [١٠/ ٤٦٠ - ٤٦١]
١١٧٢ - النَّاس فِي الْمُبَاحَاتِ مِن الْمُلْكِ وَالْمَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
أ - قَوْمٌ لَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا إلَّا بِحُكْمِ الْأمْرِ الشَّرْعِيِّ.
وَهُوَ حَالُ نَبِيِّنَا ﷺ ، وَهُوَ حَالُ الْعَبْدِ الرَّسُولِ وَمَن اتَّبَعَهُ فِي ذَلِكَ.
ب - وَقَوْمٌ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا بِحُكْمِ إرَادَتِهِمْ وَالشَّهْوَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً.
وَهَذَا حَالُ النَّبِيِّ الْمَلِكِ، وَهُوَ حَالُ الْأَبْرَارِ أَهْلِ الْيَمِينِ.
ج - وَقَوْمٌ لَا يَتَصَرَّفُونَ بِهَذَا وَلَا بِهَذَا.
أَمَّا "الْأَوَّلُ" فَلِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِهِ.
стр. 979
وَأَمَّا "الثَّانِي" فَلِزُهدِهِمْ فِيهِ. [١٠/ ٤٦٩ - ٤٧٠]
١١٧٣ - هَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ تَجِبُ مَعْرِفَتُهُ وَالاِعْتِنَاءُ بِهِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُبَاحَاتِ إِنَّمَا تَكُون مُبَاحَةً إذَا جُعِلَتْ مُبَاحَاتٍ، فَأمَّا إذَا اُتخِذَتْ وَاجِبَاتٍ أَو مُسْتَحَبَّاتٍ كَانَ ذَلِكَ دِينًا لَمْ يُشَرِّعْهُ اللّهُ، وَجَعْلُ مَا لَيْسَ مِن الْوَاجِبَاتِ والمستحبات مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ جَعْلِ مَا لَيْسَ مِن الْمُحَرَّمَاتِ مِنْهَا، فَلَا حَرَامَ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ اللّهُ، وَلَا دِينَ إلَّا مَا شَرَعَهُ اللهُ؛ وَلهَذَا عَظُمَ ذَمُّ اللّهِ فِي الْقُرْآنِ لِمَن شَرَّعَ دِينًا لَمْ يَأْذَنِ اللهُ بِهِ، وَلمَن حَرَّمَ مَا لَمْ يَأْذَنِ اللهُ بِتَحْرِيمِهِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الْمُبَاحَاتِ فَكَيْفَ بِالْمَكْرُوهَاتِ أَو الْمُحَرَّمَاتِ؟
وَلهَذَا كَانَت هَذِهِ الْأُمُورُ لَا تَلْزَمُ بِالنَّذْرِ، فَلَو نَذَرَ الرَّجُلُ فِعْلَ مُبَاحٍ أَو مَكْرُوهٍ أو مُحَرَّمٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إذَا نَذَرَ طَاعَةَ اللّهِ أَنْ يُطِيعَهُ، بَل عَلَيْهِ كَفارَةُ يَمِينٍ إذَا لَمْ يَفْعَلْ عِنْدَ أحْمَد وَغَيْرِهِ، وَعِنْدَ آخَرِينَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَلَا يَصِيرُ بالنَّذْرِ مَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ وَلَا عِبَادَةٍ: طَاعَةٌ وَعِبَادَةٌ. [٤٥٠ - ٤٥١]
* * *
(الامتناع من أكل الطيبات … )
١١٧٤ - من امتنع من الطيبات بلا سبب شرعي فمبتدع مذموم.
وما نقل عن الإمام أحمد أنه امتنع من أكل البطيخ لعدم علمه بكيفية أكل النَّبِيّ ﷺ فكذب. [١/ ١٦٣]
* * *
الواجبات
١١٧٥ - أَمَرَ الله بِطَاعَةِ الرَّسُولِ فِي نَحْوِ أَرْبَعِينَ مَوْضِعًا (١)؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٣٢]. [١٩/ ٨٣]
* * * стр. 980
التداوي
١١٧٦ - إِنَّ النَّاسَ قَد تَنَازَعُوا فِي التَّدَاوِي هَل هُوَ مُبَاحٌ أَو مُسْتَحَبٌّ أَو وَاجِبٌ؟
وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ مِنْهُ مَا هُوَ محَرَّمٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مَكْرُوة وَمِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ.
وَقَد يَكُونُ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ وَهُوَ: مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ بَقَاءُ النَّفْسِ لَا بِغَيْرِهِ كَمَا يَجِبُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عِنْد الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. [١٨/ ١٢]
١١٧٧ - قَالَ ﷺ فِي "الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ": "شِفَاءُ أُمَّتِي فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَو
شَرْبَةِ عَسَلٍ أَو كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ" (١) كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحِجَامَةِ إخْرَاجُ الدَّمِ الزَّائِدِ الَّذِي يَضُرُّ الْبَدَنَ، فَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ، وَخَصَّ الْحِجَامَةَ لِأَنَّ الْبِلَادَ الْحَارَّةَ يَخْرُجُ الدَّمُ فِيهَا إلَى سَطْحِ الْبَدَنِ فَيَخْرُجُ بِالْحِجَامَةِ، فَلِهَذَا كَانَتِ الْحِجَامَةُ فِي الْحِجَازِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْبِلَادِ الْحَارَةِ يَحْصُلُ بِهَا مَقْصُودُ اسْتِفْرَاغِ الدَّمِ، وَأَمَّا الْبِلَادُ الْبَارِدَةُ فَالدَّمُ يَغُورُ فِيهَا إلَى الْعُرُوقِ فَيَحْتَاجُونَ إلَى قَطْعِ الْعُرُوقِ بِالْفِصَادِ، وَهَذَا أَمْر مَعْرُوفٌ بِالْحِسِّ وَالتَّجْرِبَةِ. [١٧/ ٤٨٦]
١١٧٨ - هَذَا [أي: رقية الناس] مِن أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، وَهُوَ مِن أَعْمَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ فَإِنَّهُ مَا زَالَ الأنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ يَدْفَعُونَ الشَّيَاطِينَ عَن بَنِي آدَمَ بِمَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، كَمَا كَانَ الْمَسِيحُ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَكَمَا كَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ. [١٩/ ٥٦ - ٥٧]
١١٧٩ - يَجُوزُ أَنْ يَكْتبَ لِلْمُصَابِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَرْضَى شَيْئًا مِن كِتَابِ اللّهِ وَذِكْرِه بِالْمِدَادِ الْمُبَاحِ، وَيُغْسَلُ وَيُسْقَى، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَد وَغَيْرُهُ، قَالَ стр. 981
عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَحْمَد: قَرَأت عَلَى أَبِي .. عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: إذَا عَسِرَ عَلَى الْمَرْأَةِ وِلَادَتُهَا فَلْيَكْتُبْ: بِسْمِ اللّهِ لَا إلَهَ إلَّا اللّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٦]، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾ [الأحقاف: ٣٥].
قَالَ عَبْدُ اللهِ: رَأَيْت أَبِي يَكْتُبُ لِلْمَرْأَةِ فِي جَامٍ أَو شَيْءٍ نَظِيفٍ. [١٩/ ٦٤]
١١٨٠ - كُلُّ اسْمٍ مَجْهُولٍ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَرْقِيَ بِهِ، فَضْلًا عَن أَنْ يَدْعُوَ بِهِ، وَلَو عَرَفَ مَعْنَاهَا وَأَنَّهُ صَحِيحٌ: لَكُرِهَ أَنْ يَدْعُوَ اللّهَ بِغَيْرِ الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ. [٢٤/ ٢٨٣]
* * *
(التداوي بالحرام والنجاسة)
١١٨١ - إنْ كَانَ الْمَذْبُوحُ مِمَّا يُبَاحُ أَكْلُهُ جَازَ التَّدَاوِي بِمَرَارَتِهِ وَإِلَّا فَلَا.
١١٨٢ - التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ حَرَامٌ بِنَصِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَعَلَى ذَلِكَ جَمَاهِيرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" (١): أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ تُصْنَعُ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ: "إنَّهَا دَاء وَلَيْسَتْ بِدَوَاء".
وَلَيْسَ هَذَا مِثْل أَكْلِ الْمُضْطَرِّ لِلْمَيْتَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ قَطْعًا، وَلَيْسَ لَهُ عَنْهُ عِوَضٌ، وَالْأَكْلُ مِنْهَا وَاجِبٌ، فَمَن اُضْطُرَّ إلَى الْمَيْتَةِ وَلَمْ يَأْكُلْ حَتَّى مَاتَ دَخَلَ النَّارَ (٢).
وَهُنَا لَا يُعْلَمُ حُصولُ الشّفَاءِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ هَذَا الدَّوَاءُ، بَلِ اللّهُ تَعَالَى يُعَافِي الْعَبْدَ بِأَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَالتَّدَاوِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا يُقَاسُ هَذَا بِهَذَا. [٢٤/ ٢٦٦ - ٢٦٧] стр. 982
١١٨٣ - التَّدَاوِي بِأَكْلِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ: لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا التَّدَاوِي بِالتَّلَطُّخِ بِهِ ثُمَّ يَغْسِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: فَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى جَوَازِ مُبَاشَرَةِ النَّجَاسَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَفِيهِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ، كَمَا يَجُوزُ اسْتِنْجَاءُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِيَدِهِ.
وَمَا أُبِيحَ لِلْحَاجَةِ جَازَ التَّدَاوِي بِهِ، كَمَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِلُبْسِ الْحَرِيرِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ.
وَمَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ كَالْمَطَاعِمِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهَا، كَمَا لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِشُرْبِ الْخَمْرِ لَا سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُم كَانُوا يَنْتَفِعُونَ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ فِي طَلْيِ السُّفُنِ وَدَهْنِ الْجُلُودِ وَالاِسْتِصْبَاحِ بِهِ وَأَقَرَّهُم النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَهَاهُم عَن ثَمَنِهِ.
وَلهَذَا رَخَّصَ مَن لَمْ يَقُلْ بِطَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ فِي الاِنْتِفَاعِ بِهَا فِي الْيَابِسَاتِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ، وَفِي الْمَائِعَاتِ الَّتِي لَا تُنَجِّسُهَا. [٢٤/ ٢٧٠ - ٢٧١]
* * *
الرؤى
١١٨٤ - تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا مَدَارُهُ عَلَى الْقِيَاسِ وَالاِعْتِبَارِ وَالْمُشَابَهَةِ الَّتِي بَيْنَ الرُّؤَيا وَتَأْوِيلِهَا (١). [٢٠/ ٨٢ - ٨٣] стр. 983
١١٨٥ - الرُّؤْيَا الْمَحْضَةُ الَّتِي لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِهَا شَيْءٌ بِالاِتِّفَاقِ. [٢٧/ ٤٥٨]
* * *
(هل يُرى اللَّه فِي الدنيا وفي الْمَنَامِ ؟)
١١٨٦ - كُلُّ حَدِيثٍ فِيهِ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنِهِ فِي الْأَرْضِ: فَهُوَ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمْ، هَذَا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِن عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا رَوَاهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
وَإِنَّمَا كَانَ النِّزَاعُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ هَل رَأَى رَبَّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ؟.
وَلَا نُقِلَ فِي ذَلِكَ عَن الصِّدِّيقِ ﵁، كَمَا يَرْوُونَهُ نَاسٌ مِن الْجُهَّالِ: أَنَّ أَبَاهَا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "نَعَمْ"، وَقَالَ لِعَائِشَةَ: "لَا" …
وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ: "رَأَيْت رَبِّي فِي صُورَةِ كَذَا وَكذَا" (١)، يُرْوَى مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمِن طَرِيقِ أُمِّ الطُّفَيْلِ وَغَيْرِهِمَا، وَفِيهِ: "أَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْت بَرْدَ أَنَامِلِهِ عَلَى صَدْرِي" (٢)، هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَكُن لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ: стр. 984
أَنَّ النَّبِيّ ﷺ نَامَ عَن صَلَاةِ الصُّبْحِ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِم وَقَالَ: رَأَيْت كَذَا وَكَذَا.
وَهُوَ فِي رِوَايَةِ مَن لَمْ يُصَلَّ خَلْفَهُ إلَّا بِالْمَدِينَةِ كَأُمِّ الطُّفَيْلِ وَغَيْرِهَا، وَالْمِعْرَاجُ إنَّمَا كَانَ مِن مَكَّةَ باتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ .. فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ رُؤَيا مَنَامٍ بِالْمَدِينَةِ .. مَعَ أَنَّ رُؤَيا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌّ، لَمْ يَكن رُؤَيا يَقَظَةٍ لَيْلَةَ الْمِعْرَاج.
وَقَد يَرَى الْمُؤمِنُ رَبَّهُ فِي الْمَنَامِ فِي صُوَرٍ مُتَنَوِّعَةٍ عَلَى قَدْرِ إيمَانِهِ وَيَقِينِهِ، فَإِذَا كَانَ إيمَانُهُ صَحِيحًا لَمْ يَرَهُ إلَّا فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ، وَإِذَا كَانَ فِي إيمَانِهِ نَقْصٌ رَأَى مَا يُشْبِة إيمَانَهُ، وَرُؤَيا الْمَنَامِ لَهَا حُكْمٌ غَيْرُ رُؤَيا الْحَقِيقَةِ فِي الْيَقَظَةِ، وَلَهَا تَعْبِيرٌ وَتَأْوِيل؛ لِمَا فِيهَا مِن الْأَمْثَالِ الْمَضْرُوبَةِ لِلْحَقَائِقِ.
وَقَد يَحْصُلُ لِبَعْضِ النَّاسِ فِي الْيَقَظَةِ أَيْضًا مِن الرُّؤْيَا نَظِيرُ مَا يَحْصُلُ لِلنَّائِمِ فِي الْمَنَامِ، فَيَرَى بِقَلْبِهِ مِثْل مَا يَرَى النَّائِمُ، وَقَد يَتَجَلَّى لَهُ مِن الْحَقَائِقِ مَا يَشْهَدُهُ بِقَلْبِهِ، فَهَذَا كلُّة يَقَعُ فِي الدُّنْيَا.
وَرُبَّمَا غَلَبَ أَحَدُهُم مَا يَشْهَدُهُ قَلْبُهُ، وَتَجْمَعُهُ حَوَاسُّهُ، فَيَظُنُّ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ بِعَيْنَيِّ رَأسِهِ، حَتَّى يَسْتَيْقِظَ فَيَعْلَمَ أَنَّهُ مَنَامٌ.
وَرُبَّمَا عَلِمَ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ مَنَامٌ.
فَهَكَذَا مِن الْعُبَّادِ مَن يَحْصُلُ لَهُ مُشَاهَدَة قَلْبِيَّةٌ تَغْلِبُ عَلَيْهِ حَتَّى تُفْنِيَهُ عَن الشُّعُورِ بِحَوَاشهِ، فَيَظُنَّهَا رُؤَية بِعَيْنِهِ وَهُوَ غالط فِي ذَلِكَ. [٣/ ٣٨٦ - ٣٩٠]
١١٨٧ - مَن رَأَى اللهَ عزوجل فِي الْمَنَامِ: فَإِنَّهُ يَرَاهُ فِي صُورَةٍ مِن الصُّوَرِ بِحَسَبِ حَالِ الرَّائِي، إنْ كَانَ صَالِحًا رَآه فِي صُورَةٍ حَسَنَةٍ؛ وَلهَذَا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ.
وَالْمُشَاهَدَاتُ الَّتِي قَد تَحْصُلُ لِبَعْضِ الْعَارِفِينَ فِي الْيَقَظَةِ؛ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ لَمَّا خَطَبَ إلَيْهِ ابْنَتَهُ فِي الطَّوَافِ: أَتُحَدِّثُنِي فِي النِّسَاءِ وَنَحْنُ نتَرَاءَى اللّهَ فِي طَوَافِنَا؟ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ: إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ الْمَشْهُودِ.
стр. 985
وَهَذَا الْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ يَتَنَوَّعُ فِي الْقُلُوبِ بِحَسَبِ الْمَعْرِفَةِ بِاللّهِ، وَالْمَحَبَّةِ لَهُ تَنَوُّعًا لَا يَنْحَصِرُ.
بَل الْخَلْقُ فِي إيمَانِهِمْ بِاللّهِ وَكِتَابِهِ ورَسُولِهِ: مُتَنَوِّعُونَ، فَلِكُلٍّ مِنْهُم فِي قَلْبِهِ لِلْكِتَابِ وَالرَّسُولِ مِثَال عِلْمِيٌّ بِحَسَبِ مَعْرِفَتِهِ.
مَعَ اشْتِرَاكِهِمْ فِي الْإِيمَانِ بِاللّهِ وَبِكِتَابِهِ وَبِرَسُولِهِ: فَهُم مُتَنَوِّعُونَ فِي ذَلِكَ مُتَفَاضِلُونَ.
وَكَذَلِكَ إيمَانُهُم بِالْمَعَادِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الْغَيْبِ. [٥/ ٢٥١ - ٢٥٢]
* * *
(تواطؤ الرؤيا كتواطؤ الشهادات)
١١٨٨ - لا يشهد بالجنة إِلَّا لمن شهد له النَّبِيّ ﷺ أو اتفقت الأمة على الثناء. عليه، وهو أحد القولين، وتواطؤ الرؤيا كتواطؤ الشهادات. [المستدرك ١/ ١١٠]
* * *
следующие страницы →