← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 87

مسائل العبادات المختصة بالزوجين

لولوة بنت صالح السنيدي

Полный текст (340 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أدلة القول الثاني: الدليل الأول: حديث بريدة (١) ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) (٢). وجه الاستدلال بالحديث: أن الحديث نصٌ في كفر تارك الصلاة. نوقش وجه الاستدلال بالحديث: الإخبار بكفر تارك الصلاة هو على سبيل التغليظ، والتشبيه له بالكفار، لا على الحقيقة، كقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: (من أتى حائضا, أو امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد) (٣) , وقوله في حديث عبدالله بن مسعود ﵁: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) (٤) , وأشباه هذا مما أريد به التشديد في الوعيد (٥).

стр. 107

الدليل الثاني: عن عبد الله بن شقيق العقيلي (١)، قال: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة (٢). وهذا حكاية لإجماع أصحاب النبي ﷺ على كفر تارك الصلاة. نوقش من وجهين: الوجه الأول: أن المراد بعض أصحاب رسول الله ﷺ لكنه حذف المضاف, وأقام المضاف إليه مقامه, وأعربه بإعرابه, فهو إنما يحكي فتوى من لقي من الصحابة -رضوان الله عليهم-. الوجه الثاني: إن أراد جميع أصحاب رسول الله ﷺ ، فالصحابة -رضوان الله عليهم- لم يحكموا بذلك إلا اتباعا لقوله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) (٣) , والنبي ﷺ لم يقل ذلك إلا على سبيل التغليظ, فإذا حمل قوله ﷺ على التغليظ فكذلك قول أصحابه ﵃ أجمعين- (٤). الترجيح: الذي يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بعدم كفر تارك الصلاة تهاونا وكسلا؛ لقوة ما استدلوا به من الأثر, والنظر, ولتطرق الاحتمال إلى استدلال القول الثاني. ثالثا: اتفق الفقهاء على أن ردة أحد الزوجين قبل الدخول, تثبت به الفرقة في الحال (٥) , فإذا ترك أحد الزوجين الصلاة جحودا, أو تركها تهاونا, وكسلا, وحكم الإمام بكفره, وكان ذلك قبل الدخول؛ فإن الفرقة تثبت في الحال. واستدلوا على ذلك بما يأتي: الإجماع المحكي في المسألة (٦). رابعا: اختلف الفقهاء في حكم عقد الزوجية, إذا ثبتت ردة أحد الزوجين بعد الدخول, على قولين: القول الأول: تتوقف الفرقة على انقضاء العدة, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (٧) , والمذهب عند الحنابلة (٨). دليل القول الأول: المرأة المدخول بها عليها العدة، فلذلك تعلقت الفرقة بانقضاء العدة, كالطلاق الرجعي, تتعجل الفرقة في غير المدخول بها؛ لعدم لزوم العدة عليها, وتتأجل إلى انقضاء العدة في المدخول بها؛ للزوم العدة عليها (٩).

стр. 108

القول الثاني: تثبت الفرقة في الحال, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (١) , والمالكية (٢) , وإحدى الروايتين عند الحنابلة (٣). أدلة القول الثاني: الدليل الأول: الردة تنافي النكاح، واعتراض السبب المنافي للنكاح موجب للفرقة بنفسه, كاعتراض المحرمية برضاع, أو مصاهرة (٤). نوقش: تحريم الرضاع, والمصاهرة يتأبد، أما تحريم الردة قد يرتفع بالعودة للإسلام, فلذلك افترقا (٥). الدليل الثاني: الردة سبب مفض إلى الموت، والميت لا يكون محلا للنكاح (٦). يمكن أن يناقش: لو هرب المرتد بعد ردته, وعجز عنه الإمام, ثم عاد مسلما قبل انقضاء عدة زوجته, فهل يكفي هذا التعليل لإبطال نكاحه الأول! الترجيح: يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بتأجيل فرقة المرتد إلى انقضاء العدة؛ إذ الشرع يتشوف إلى تصحيح العقود ما أمكن, ولورود المناقشة على أدلة القول الثاني.

стр. 109

المبحث الثاني: مسائل صلاة الجماعة المختصة بالزوجين , وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: تخلف الزوج عن الجماعة لحضور شهوة الجماع. المطلب الثاني: تخلف الزوج عن الجماعة لزفاف زوجته. المطلب الثالث: إذن الزوج لزوجته في الخروج لصلاة الجماعة.

стр. 110

المطلب الأول: تخلف الزوج عن الجماعة لحضور شهوة الجماع . تحرير محل النزاع في المسألة: أولاً: اتفق الفقهاء على أن وقت الصلاة إذا تضايق, ولم يبق فيه إلا قدر إيقاع الصلاة, والتطهر لها, فإنه يبدأ بالصلاة حتى ولو كانت نفسه تتوق للجماع -تخريجا على الحاقن, والجائع إذا تضايق عليهما الوقت, وتقديم شرط الوقت, عند تعارضه, مع الإتيان ببعض أركان الصلاة, أوشروطها- (١). والأدلة على ذلك ما يأتي: الدليل الأول: إذا تضايق وقت الصلاة الموسع تعين الوقت المتبقي للصلاة؛ محافظةً على حرمة وقت الصلاة, فإن الشارع قد عين للصلاة أوقاتا مخصوصة (٢). الدليل الثاني: وقوع الصلاة أداءً مع قيام ما تُكره الصلاة معه, أولى من وقوعها قضاءً (٣). ثانياً: اتفق الفقهاء على كراهة صلاة من صلى, ونفسه متعلقة بما يشغله, أو يهمه, ويشوش عليه خشوعه, كمن صلى, ونفسه تتوق للجماع, مع اتساع وقت الصلاة, واستحبوا أن يبدأ بالجماع, حتى ولو خشي فوات الجماعة (٤).

стр. 111

والأدلة على ذلك ما يأتي: أولاً: الدليل على الكراهة: حديث عائشة-﵂ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان) (١) فلما كان تعلق القلب بأمر خارج الصلاة, يشغل عن الخشوع في الصلاة, وحضور القلب فيها, ويقلق المصلي في صلاته؛ نهى النبي ﷺ المسلم أن يدخل في الصلاة وهو بهذه الحال, والتائق إلى الجماع أولى بالنهي؛ إذ يكون انشغال الفكر به أحيانا أكثر من الانشغال بالطعام, ومدافعة الأخبثين, كما أن التائق للجماع, قد يتبع توقانه ما قد يفسد طهارته, من خروج المذي ونحوه .. مما ليس في مدافعة الأخبثين, ولا في توقان الجائع للطعام (٢). ثانياً: الدليل على جواز تفويت الجماعة عند الانشغال بذلك: حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء, ولا يعجل حتى يفرغ منه) وكان ابن عمر: يوضع له الطعام، وتقام الصلاة، فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام. (٣) ففعل الصلاة بعد زوال هذه الأشياء, التي تمنع كمال الخشوع في الصلاة, ولو بعد فوات الجماعة, أولى من الصلاة مع الجماعة بدون كمال خشوعها (٤).

стр. 112

المطلب الثاني: تخلف الزوج عن الجماعة لزفاف (١) زوجته . اختلف الفقهاء في حكم تخلف الزوج عن الجماعة لزفاف زوجته على ثلاثة أقوال: القول الأول: زفاف الزوجة إلى زوجها ليس بعذر في ترك الجمعة, والجماعة, وهذا ماذهب إليه الحنفية (٢) , والمالكية (٣). دليل القول الأول: عموم النصوص الشرعية الدالة على وجوب الجمعة, ومنها: حديث: عبد الله بن عمر، وأبي هريرة ﵄، أنهما سمعا رسول الله ﷺ ، يقول على أعواد منبره: (لينتهين أقوام عن ودعهم (٤) الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين) (٥) , ولم يستثنِ النبي ﷺ من زُفت إليه زوجته من عموم الوجوب, ولم يرد نص بتخصيصه, ولا باعتباره من أصحاب الأعذار. القول الثاني: زفاف الزوجة إلى زوجها عذر في ترك الجمعة, والجماعة, وهذا من مفردات الحنابلة (٦). دليل القول الثاني: الجمعة, والجماعة رخص الشرع في تركهما بأيسر الأعذار؛ كمن كان بحضرة طعام يشتهيه, وزفاف العروس هنا عذر يبيح التخلف عن الجماعة (٧).

стр. 113

يمكن أن يناقش: لا يُسلم بأن الجمعة والجماعة تسقطان بأيسر عذر, ويشهد لهذا حديث أبي هريرة، قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى، دعاه، فقال: (هل تسمع النداء بالصلاة؟ ) قال: نعم، قال: (فأجب) (١). القول الثالث: زفاف الزوجة إلى زوجها عذر في ترك جماعة الصلوات الليلية فقط, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (٢). دليل القول الثالث: قوله ﷺ في حديث أم سلمة: (للبكر سبع, وللثيب ثلاث) (٣). وجه الاستدلال بالحديث: أوجب ﷺ بقاء الرجل عند عروسه البكر سبعا, وعند الثيب ثلاثا, دون أن يقضي لنسائه الأخريات, ومحل المبيت, والقسم هو الليل, فعُلم منه تقديم حق العروس في الليالي المخصصة, على غيره من الواجبات (٤). نوقش: قوله ﷺ : (للبكر سبع, وللثيب ثلاث) (٥) معناه أن يكون معها, ويبيت عندها دون سائر أزواجه -إن كانت له أزواج سواها-، وليس عليه أن يلزم المقام عندها ليله ونهاره فلا يخرج إلى الصلاة, ولا يتصرف فيما يحتاج إليه من حوائج دنياه، ولا لها ذلك عليه إن سألته إياه، وإنما الذي لها من الحق أن يقيم عندها المدة التي وقتها رسول الله ﷺ لها دون غيرها من نسائه, فالحق للعروس إنما هو على الزوجات الأخريات إن كان للرجل زوجات غيرها, لا على الزوج نفسه (٦).

стр. 114

وأجيب عن المناقشة: المعنى في المبيت عندها دون القضاء للأخريات؛ هو زوال الحشمة بينهما, والحشمة لا تزال بالمدة التي يتخللها دخول, وخروج, وقضاء حوائج (١). ويمكن أن يجاب عن ذلك من وجهين: الوجه الأول: الخروج للصلاة زمنه يسير, ولا ينافي مقصد زوال الحشمة بين العروسين, بخلاف المبيت والقسم للزوجات الأخريات. الوجه الثاني: إن كان المعنى من البقاء عند العروس هذه المدة, هو زوال الحشمة بين العروسين, فلم يرخص في الصلوات الليلية دون غيرها! بل قد تكون الصلوات الثلاث الأول التي تلي الزفاف هي صلوات نهارية -الفجر, والظهر, والعصر- فكيف لا يرخص للزوج في التخلف عنها, ثم يرخص له في الصلوات الليلية التي تليها ليزيل الحشمة بينهما! وقد كان أشد حاجة لإزالة الحشمة في الصلوات النهارية! الترجيح: يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بعدم اعتبار زفاف الزوجة عذر في ترك الجمعة والجماعة؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على أدلة الأقوال الأخرى.

стр. 115

المطلب الثالث: إذن الزوج لزوجته في الخروج لصلاة الجماعة . تحرير محل النزاع في المسألة: أولا: اتفق الفقهاء على أن صلاة المرأة في بيتها, أفضل من صلاتها في المسجد (١). والأدلة على ذلك ما يأتي: الدليل الأول: الإجماع المحكي في المسألة (٢). الدليل الثاني: حديث عبد الله ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها) (٣). وجه الاستدلال بالحديث: بين ﷺ أن صلاة المرأة كلما كانت أخفى, وأستر كان أعظم لأجرها. الدليل الثالث: حديث ابن عمر-﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن) (٤).

стр. 116

وجه الاستدلال بالحديث: الحديث صريح في تفضيل صلاة المرأة في بيتها على صلاتها في مسجدها. ثانيا: اتفق الفقهاء على أن المرأة ذات الزوج, لا تخرج للمسجد, إلا بإذن زوجها (١). والأدلة على ذلك ما يأتي: الدليل الأول: حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها) (٢). وجه الاستدلال بالحديث: لو كان إذن الزوج غير لازم في خروج المرأة, لما نهى الأزواج عن منعهن؛ إذ لا معنى للنهي عن منعها, وهي تملك الخروج بغير إذنه! الدليل الثاني: حق الزوج في ملازمة المسكن واجب؛ فلا تترك المرأة المسلمة الواجب من أجل الفضيلة (٣). ثالثا: اتفق الفقهاء على أن المرأة إن كان يخشى من خروجها فتنة؛ كأن تخرج متزينة, أو متطيبة, أو نحوه .. فإنه لا يجوز لها الخروج, ولا الإذن لها بذلك (٤).

стр. 117

والدليل على ذلك ما يأتي: خروج المرأة بزينة, أو طيب أمر منكر, وممنوع شرعا, كما دلت النصوص على ذلك, ومنها: حديث زينب الثقفية (١) ﵂ قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : (إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا) (٢) , وحديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرجن, وهن تفلات (٣)) (٤) , وحديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم, ليجدوا من ريحها, فهي زانية) (٥) , وإذن الزوج لزوجته في فعل المنكر, منكرٌ مثله؛ لما يتضمن من إقراره, والرضا به. رابعا: اختلف الفقهاء في حكم إذن الزوج لزوجته, بالخروج للمسجد, من غير طيب ولا زينة, على ثلاثة أقوال: القول الأول: يستحب الإذن للزوجة إذا استأذنت زوجها للخروج للمسجد, وهو المذهب عند الحنابلة (٦).

стр. 118

أدلة القول الأول: الدليل الأول: حديث ابن عمر-﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تمنعوا نساءكم المساجد، وبيوتهن خير لهن) (١). وجه الاستدلال بالحديث: يفهم من سياق الحديث أن النهي نهي تنزيه؛ لأنه لما كانت البيوت خيرا لهن, ومنعهن من الخروج للمساجد يقتضي حصولهن على ذلك الخير, كان النهي عن منعهن نهي تنزيه (٢). الدليل الثاني: الصلاة المكتوبة في جماعة فيها فضل كبير، وكذلك المشي إلى المساجد, فبالنساء أكبر حاجة إلى ذلك كما بالرجال؛ فلذلك استحب حضورها للمسجد, وكُره منعها (٣). القول الثاني: لا يجوز الإذن للمرأة بالخروج للمسجد مطلقا, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٤). دليل القول الثاني: أبيح الخروج للنساء في الابتداء إلى الجماعات لقوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵄: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) (٥)، ثم مُنعن بعد ذلك لما نزل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَئْخِرِينَ﴾ (٦) فقد قيل في تفسيرها: ولقد علمنا المستقدمين منكم في الصفوف في الصلاة، والمستأخرين فيها بسبب النساء (٧) , فعن ابن عباس ﵄ قال: كانت تصلي خلف رسول الله ﷺ امرأة حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم

стр. 119

في الصف الأول لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع نظر من تحت إبطه، فأنزل الله في شأنها هذه الآية (١) , فكانت هذه الآية ناسخة للإذن المتقدم (٢). يمكن أن يناقش: جاء في حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل) فقال ابنٌ لعبد الله بن عمر: لا ندعهن يخرجن فيتخذنه دغلا (٣) , فزبره (٤) ابن عمر وقال: أقول: قال رسول الله ﷺ وتقول: لا ندعهن! (٥) , ولو كان الأمر منسوخا لما زجر ابن عمر ﵄ ابنه من أجله, ويبعد أن يكون النسخ في أمر عام, ظاهر, ثم يخفى على من لازم النبي ﷺ كابن عمر ﵄. القول الثالث: يستحب الإذن للزوجة العجوز, ويكره الإذن للزوجة الشابة, وهذا ما ذهب إليه المالكية (٦) , والشافعية (٧). دليل القول الثالث: الأحاديث الواردة في خروج المرأة للمسجد تقتضي هذا التفصيل؛ فعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد, فلا يمنعها) (٨) ,

стр. 120

وحديث عائشة ﵂، قالت: (لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن كما منعت نساء بني إسرائيل) (١) , فجمعا بين النصوص؛ يحمل النهي عن منع النساء على النساء العجائز, اللاتي ليس في خروجهن فتنة, وحديث عائشة ﵂ يُحمل على خوف الفتنة من خروج النساء الشواب (٢). يمكن أن يناقش من عدة أوجه: الوجه الأول: إذا خرجت المرأة بحجاب كامل, غير متبرجة بزينة, لم تعرف المرأة العجوز من الشابة, وقد تخرج العجوز المتبرجة, فتكون أكثر فتنة من الشابة التفلة. الوجه الثاني: حديث عائشة ﵂ لا يفيد منع خروج النساء للمساجد؛ فإنها قالت: (لو أدرك .. ) و -لو- حرف امتناع لامتناع (٣)؛ فامتنع المنع لامتناع إدراكه ﷺ ما أحدث النساء بعده. الوجه الثالث: لو سُلم بأن حديث عائشة ﵂ يفيد المنع, فإنه لا اجتهاد في مقابل النص. الترجيح: يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بكراهة منع الزوجة من الخروج للمساجد, لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على أدلة الأقوال الأخرى.

стр. 121

المبحث الثالث: القصر في السفر إذا دخل بلدا تزوج فيه . اختلف الفقهاء في حكم القصر إذا دخل المسافر بلدا له فيه زوجة, على قولين: القول الأول: لا ينقطع السفر بدخول المسافر بلدا له فيه زوجة -مالم يكن محل إقامته-, ويباح له القصر, وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية (١). أدلة القول الأول: الدليل الأول: حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ بمنى ركعتين, وأبو بكر، وعمر، وعثمان صدرا من خلافته (٢) , وحديث أنس بن مالك ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع (٣). فدلت السنة الصحيحة, الصريحة على أن رسول الله ﷺ قصر في حجة الوداع مدة مقامه بمكة, ومعه خلق كثير من المهاجرين، ولهم بمكة دور, ومال, ,وأهل, وقرابة, وكذلك أبو بكر، وعمر, وعثمان ﵃ حجوا بالناس، وكان لهم بمكة دور، وأهل، وقرابة، ولم ينقل: أن أحدًا منهم أتم الصلاة، بل نُقل: أنهم قصروا فيها (٤). الدليل الثاني: حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم (٥).

стр. 122

وجه الاستدلال بالحديث: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة ﵂ في حجة الوداع بمكة, ومع ذلك لم يُتم بل ظل يقصر الصلاة حتى رجع إلى المدينة. القول الثاني: ينقطع سفر المسافر إذا دخل بلدة له فيها زوجة, ولا يباح له القصر فيها, وإليه ذهب الحنفية (١) , والمالكية (٢) , وقول عند الشافعية (٣) , والمذهب عند الحنابلة (٤). دليل القول الثاني: حديث عثمان بن عفان ﵁ أنه صلى بمنى أربع ركعات، فأنكره الناس عليه، فقال: يا أيها الناس، إني تأهلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: (من تأهل (٥) في بلد, فليصل صلاة المقيم) (٦) , فاعتبر عثمان ﵁ أن زواجه بمكة جعلها وطنا له, فلم يقصر فيها الصلاة. يمكن أن يناقش: الحديث ضعيف, لا تقوم به الحجة. الترجيح: الذي يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بعدم انقطاع السفر بدخول المسافر بلدا تزوج فيه, ولم يستوطنه؛ لصحة, وصراحة الأحاديث التي استندوا إليها, كما أن الحديث الذي احتج به أصحاب القول الثاني ضعيف لا ينهض للاحتجاج به.

стр. 123

المبحث الرابع: الجماع يوم الجمعة . اتفق الفقهاء على استحباب الجماع قبل الخروج إلى صلاة الجمعة, ثم الاغتسال, والخروج إلى الصلاة (١). والأدلة على ذلك ما يأتي: الدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرب بدنة) (٢). وجه الاستدلال بالحديث: المقصود بالفضل الوارد في الحديث: مَن اغتسل مِن الجنابة يوم الجمعة, فدل على استحباب الجماع قبل الذهاب للجمعة (٣). الدليل الثاني: حديث أوس بن أوس (٤) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من غَسّل يوم الجمعة, واغتسل، ثم بكر, وابتكر، ومشى, ولم يركب، ودنا من الإمام, فاستمع, ولم يلغ كان له بكل خطوة عمل سنة أجر صيامها, وقيامها) (٥).

стр. 124

وجه الاستدلال بالحديث: أن معنى قوله ﷺ (غَسّل) أي: جامع أهله حتى أوجب عليها الغسل؛ فصار بذلك مغسّلًا لها (١). الدليل الثالث: جماع الزوجة قبل الخروج إلى صلاة الجمعة؛ أدعى لغض البصر, وأسكن للنفس؛ إذ لا يأمن أن يقع طرفه في طريقه على ما يحرك شهوته, فينشغل قلبه به (٢).

стр. 125

المبحث الخامس: مسائل صلاة الجنائز المختصة بالزوجين , وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: تغسيل أحد الزوجين الآخر بعد وفاته. المطلب الثاني: تغسيل أحد الزوجين الآخر إذا مات أحدهما في زمن عدة الطلاق الرجعي. المطلب الثالث: تغسيل الزوجة زوجها بعد انقضاء عدتها بالوضع. المطلب الرابع: تغسيل المرأة الذمية.

стр. 126

المطلب الأول: تغسيل أحد الزوجين الآخر بعد وفاته , وفيه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: حكم تغسيل أحد الزوجين الآخر بعد وفاته: تحرير محل النزاع في المسألة: أولاً: اتفق الفقهاء على أن المرأة يباح لها غسل زوجها إذا مات (١). والأدلة على ذلك ما يأتي: الدليل الأول: الإجماع المحكي في المسألة (٢). الدليل الثاني: حديث عائشة ﵂ قالت: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما غسله إلا نساؤه) (٣) , وهي أعلم الناس بسنته ﷺ , ولو كانت تعلم أنه لا يجوز لها تغسيله لما تمنت غسله ﷺ . ثانياً: اختلف الفقهاء في غسل الرجل امرأته إذا ماتت, على ثلاثة أقوال: القول الأول: يباح للزوج غسل زوجته, وبه قال: المالكية (٤) , والشافعية (٥) , والمذهب عند الحنابلة (٦).

стр. 127

أدلة القول الأول: الدليل الأول: حديث عائشة ﵂ قال لها النبي ﷺ : (ما ضرك لو مت قبلي، فقمت عليك، فغسلتك، وكفنتك، وصليت عليك، ودفنتك) (١). وجه الاستدلال بالحديث: أن النبي ﷺ أخبر عائشة ﵂ أنه إن عاش بعد موتها غسلها, ولو كان تغسيل الرجل لامرأته بعد موتها حراما لم يعزم ﷺ على فعله. نوقش وجه الاستدلال بالحديث من وجهين: الوجه الأول: أن زوجية النبي ﷺ لا تنقطع بالموت؛ لحديث عمر ﵁ عن النبي ﷺ : (كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة، إلا سببي ونسبي (٢)) (٣) , فيكون ذلك من خصائص النبي ﷺ , فلا تجوز فيها المتابعة (٤). ويمكن أن يجاب عن هذا الوجه: أن تغسيل الميت من أحكام الدنيا, وليس من أحكام الآخرة, والحديث ينص على انقطاع السبب, والنسب في الآخرة فقط. الوجه الثاني: أن المراد بقوله ﷺ : (غسلتك) أي: قمت بتهيئة أسباب غسلك وأمرت به, كما يقال: بنى السلطان المدرسة, أي: أمر ببنائها (٥).

стр. 128

أجيب عن هذا الوجه: الأصل في إضافة الفعل إلى الشخص أن تكون للمباشرة، وإذا حملنا الحديث على الأمر بطلت فائدة التخصيص؛ إذ ليس في الأمر بالتغسيل مزيد مزية (١). الدليل الثاني: أن تغسيل الزوج لزوجته, كتغسيل الزوجة لزوجها, ولا دليل على التفريق, فيكون حكمهما إذن واحدا (٢). نوقش: المرأة هي محل النكاح, فيمكن بقاء النكاح ببقائها, ولهذا تعتد المرأة بعد وفاة زوجها, والعدة أثر النكاح, والشيء يعد باقيا ببقاء أثره, أما إذا ماتت الزوجة فيستحيل بقاء النكاح؛ لاستحالة بقاء الشيء بدون محله (٣). أجيب عن المناقشة بوجهين: الوجه الأول: لا يسلم بأن المرأة هي محل النكاح فقط بل كل واحد من الزوجين هو محل النكاح لصاحبه. الوجه الثاني: إن سُلِّم أن المرأة هي محل النكاح فقط, وسُلِّم أن الشيء يعد باقيا ببقاء أثره, فإن الإرث أيضا أثر للنكاح, والرجل يرث من امرأته (٤). نوقش الوجه الثاني: أن الإرث بناء على سبب يسبق الموت (٥).

стр. 129

ويمكن أن يجاب هذه المناقشة: أن التغسيل كذلك مبني على سبب يسبق الموت. الدليل الثالث: أن الميت يسهل عليه إطلاع زوجه على عورته دون غيره من الناس؛ لما كان بينهما في الحياة من المعاشرة والإفضاء (١). الدليل الرابع: أن الزوج أحرى بأن يأتي بالغسل على أكمل وجه، لما بين الزوجين من المودة والرحمة (٢). القول الثاني: لا يباح للزوج غسل زوجته, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٣) , ورواية عند الحنابلة (٤). دليل القول الثاني: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ... وَرَبَائِبُكُمُ الَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ الَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ... وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٥). وجه الاستدلال بالآية: دلت الآية الكريمة على أنه يباح للرجل أن يتزوج بنت زوجته, إذا حصلت الفرقة قبل الدخول, فإن توفيت المرأة قبل الدخول بها, ثم نكح الرجل ابنتها قبل غسلها, فإن غسلها ونظر إلى فرجها، فإنه يصبح جامعا بين الأم وابنتها في بعض أحكام النكاح, وكذلك لو تزوج أختها قبل غسلها, ثم غسلها, لكان مستبيحا للنظر إلى فرج الأختين، وذلك محرم بظاهر الكتاب (٦).

стр. 130

نوقش: لا يُسلم بصحة الاستدلال بالآية؛ لأن معنى النهي عن الجمع هو ما كان على وجه الاستمتاع, ولم يرد تحريم الجمع فيما عداه, كالجمع بينهما في عقد الاستخدام, وغير ذلك, وإذا تقرر هذا؛ فليس في إباحة غسل المرأة, والنظر إليها, جمع بينها وبين أختها؛ لأن إباحة النظر إلى أختها هو من طريق الاستمتاع, والالتذاذ, وليس في النظر إليها, وتغسيلها, حال وفاتها استمتاع, ولا التذاذ (١). القول الثالث: يُكره للرجل تغسيل زوجته مع وجود من يغسلها سواه, وهذا القول رواية عند الحنابلة (٢). دليل القول الثالث: أن غسل الزوجة وقع فيه خلاف قوي, فيتنزه عنه خروجا من الخلاف, وتورعا عن الشبهة (٣). يمكن أن يناقش: الشبهة تزول إذا قام الدليل. الترجيح: يظهر -والله أعلم- رجحان قول الجمهور؛ القائل بإباحة غسل الزوج لزوجته؛ لقوة الأدلة المستدل بها, ولورود المناقشة على أدلة الأقوال الأخرى. المسألة الثانية: سبب الخلاف: اختلاف الفقهاء في تشبيه فرقة الموت بفرقة الطلاق، فمن شبه فرقة الموت بفرقة الطلاق, قال: لا يحل أن ينظر إليها بعد الموت، أما من لم يشبه فرق الموت بفرقة الطلاق, قال: إن ما يحل له من النظر إليها قبل الموت, يحل له بعد الموت (٤).

стр. 131

المسألة الثالثة: حكم غسل الزوج زوجته, إذا تزوج بعد وفاة زوجته بمن يحرم جمعها معها حال حياتها. اختلف الفقهاء القائلون بإباحة غسل الزوج زوجته في هذه المسألة, على قولين: القول الأول: يُكره للزوج تغسيل زوجته, إذا تزوج بمن يحرم جمعها معها حال حياتها, وهو أحد القولين عند المالكية (١). دليل القول الأول: لم أقف لهم على دليل لهذه الصورة, لكن مما يمكن الاستدلال به: أن هذه الصورة يتجاذبها حاظر ومبيح؛ أما الحاظر فالجمع في بعض أحكام النكاح, بين امرأتين يحرم الجمع بينهما, وأما المبيح فهو استصحاب بقاء عقد النكاح, فغلب جانب الحظر احتياطا. القول الثاني: يباح للزوج غسل زوجته, حتى وإن تزوج بمن يحرم جمعها معها حال حياتها, وهو أحد القولين عند المالكية (٢) , وقول الشافعية (٣) , والمذهب عند الحنابلة (٤). أدلة القول الثاني: استدلوا بنفس الأدلة التي استدلوا بها على إباحة غسل الزوجة زوجته مطلقا. الترجيح: يظهر -والله أعلم- رجحان القول القائل بكراهة تغسيل الزوج لزوجته إذا تزوج بمن يحرم الجمع بينهما حال الحياة؛ لما فيه من الاحتياط للفروج, وصيانة عورة الميت.

стр. 132

المطلب الثاني: تغسيل أحد الزوجين الآخر, إذا مات أحدهما في زمن عدة الطلاق , وفيه مسألتان: المسألة الأولى: حكم تغسيل أحد الزوجين الآخر, إذا مات أحدهما في زمن عدة الطلاق: تحرير محل النزاع في المسألة: أولاً: اتفق الفقهاء على أن المطلقة البائن, لا تغسل زوجها, ولا يغسلها (١). والأدلة على ذلك ما يأتي: الدليل الأول: الإجماع المحكي في المسألة (٢). الدليل الثاني: أن اللمس والنظر بعد البينونة محرم حال الحياة، فبعد الموت أولى (٣). الدليل الثالث: المطلقة طلاقا بائنا ليس لها شيء من أحكام الزوجية؛ وإنما حكمها حكم الأجنبية؛ لقوله ﷺ لفاطمة بنت قيس-﵂ (٤) , لما طلقها زوجها ثلاثا: (لا نفقة لك, ولا سكنى) (٥) فكذلك حكمها في غسل الوفاة. ثانياً: اختلف الفقهاء في المطلقة الرجعية, هل تغسل زوجها, ويغسلها؟ على ثلاثة أقوال:

стр. 133

القول الأول: يباح لكل واحد من الزوجين غسل صاحبه, وإن كان التغسيل في زمن عدة الطلاق الرجعي, وهو قول عند المالكية (١) , والمذهب عند الحنابلة (٢). دليل القول الأول: المطلقة الرجعية تعتد للوفاة، وترث زوجها ويرثها، ويباح لزوجها وطؤها, فأحكام الزوجية لا تزول بالطلاق الرجعي, والغسل أحدها (٣). القول الثاني: لا يباح لكلا الزوجين غسل الآخر, إذا وقع الطلاق الرجعي بينهما, وهو المشهور من مذهب المالكية (٤) , وذهب إليه الشافعية (٥) , ووجه عند الحنابلة (٦). دليل القول الثاني: المطلقة الرجعية لا يحل مسها, ولا النظر إليها, ولا الاستمتاع بها؛ لانحلال عقد الزوجية؛ فإذا حُرم ذلك حال الحياة مع احتمال الرجعة, فتحريمه حال الوفاة آكد؛ لانقطاع الرجعة (٧). نوقش: لايُسلم بانحلال عقد الزوجية؛ إذ لو كان عقد الزوجية منحلا لما بقي من أحكامه شيء, كالطلاق البائن, فأما إذا ثبت للرجعية النفقة, والسكنى, والميراث, فبقية أحكام النكاح مثلها ولا فرق. القول الثالث: يباح للمطلقة الرجعية تغسيل زوجها, ولا يباح له تغسيلها, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٨).

стр. 134

دليل القول الثالث: الطلاق الرجعي لا يزيل ملك النكاح؛ فأبيح للمرأة أن تغسل زوجها, أما موتها فإنه يُذهب بمحل النكاح, ولا يبقي شيئا من أثره, فلا يباح للزوج أن يغسلها, كالمرأة التي في عصمته بل أولى (١). نوقش: لا يسلم بعدم بقاء أثر النكاح بعد موت الزوجة؛ فإن التوارث بين الزوجين أثر للنكاح (٢). كما يمكن أن يناقش: هذا الاستدلال مبني على القول بعدم إباحة غسل الزوج لزوجته المتوفاة, وهو غير مُسَلّم, وقد نوقش في المطلب السابق. الترجيح: يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بإباحة تغسيل كل من الزوجين لصاحبه إذا حصلت الوفاة في زمن عدة الطلاق الرجعي؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على أدلة الأقوال الأخرى. المسألة الثانية: سبب الخلاف: الخلاف في المسألة مبني على سببين: السبب الأول: الخلاف في جواز تغسيل الزوج زوجته المتوفاة, وقد سبق بحث المسألة في المطلب السابق. السبب الثاني: الخلاف في المطلقة الرجعية, هل يحل النظر إليها, ومسها أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك, على قولين: القول الأول: المطلقة الرجعية حلال يباح مسها, والنظر إليها كالزوجة غير المطلقة, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٣) , والمذهب عند الحنابلة (٤).

стр. 135

أدلة القول الأول: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ (١). وجه الاستدلال بالآية: أن الله تعالى سمى المُطلق طلاقا رجعيا بعلا؛ وهذا يعني أن له ما للزوج من إباحة النظر, واللمس ونحوه .. نوقش وجه الاستدلال بالآية: تسمية المُطلق طلاقا رجعيا في الآية بعلا, لا يستلزم كونها حلالاً له؛ إذ المُظاهر, وزوج الحائض يصدق على كل واحد منهما أنه بعل, ومع ذلك تحرم عليهما زوجاتهما (٢). الدليل الثاني: الزوجية بين المطلق طلاقا رجعيا ومن طلقها قائمة, ولا يزول شيء من أحكامها حتى تنتهي العدة, ولهذا يملك المطلق طلاقا رجعيا مراجعة زوجته من غير رضاها, واستبداد الزوج بالرجعة يدل على أنه استدامة للنكاح, لا إنشاء نكاح جديد, والاستدامة لا تتصور إلا فيما كان قائما (٣). القول الثاني: المطلقة الرجعية محرمة لا يباح مسها, ولا النظر إليها كالأجنبية, وهذا ما ذهب إليه المالكية (٤) , والشافعية (٥) , وإحدى الروايتين عند الحنابلة (٦). دليل القول الثاني: الطلاق مضاد للنكاح, وقاطع له, والنكاح هو سبب الإباحة, ولا بقاء للضد مع وجود ضده, ولا للشيء مع وجود قاطعه (٧).

стр. 136

نوقش: وجود القاطع لا ينافي قيام الزوجية؛ لأن المُطلق طلاقا رجعيا أخر عمل القاطع إلى مدة, كالبيع الذي فيه الخيار؛ تأخر عمل البيع في اللزوم إلى مدة (١). الترجيح: يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بأن المطلقة طلاقا رجعيا حلال؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على أدلة القول الثاني, والترجيح في هذه المسألة يبنى عليه الترجيح في المسألة السابقة.

стр. 137

المطلب الثالث: تغسيل الزوجة زوجها بعد انقضاء عدتها بالوضع , وفيه مسألتان: المسألة الأولى: صورة المسألة: من توفي وزوجته حامل, ثم ولدت بعد موته, وقبل تغسيله, فهل يباح لها أن تغسله؟ المسألة الثانية: حكم تغسيل الزوجة زوجها بعد انقضاء عدتها بالوضع: اختلف الفقهاء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: القول الأول: يباح للمرأة تغسيل زوجها, حتى لو انقضت عدتها منه بالوضع, وهذا مذهب جمهور أهل العلم من؛ المالكية (١) , والشافعية (٢) , والمذهب عند الحنابلة (٣). دليل القول الأول: الزوجية لا تنقطع حقوقها بالموت؛ بدليل التوارث, ولو كانت المرأة تبين من زوجها المتوفى بعد انقضاء عدة الوفاة, لما ورثت منه (٤). القول الثاني: لا يباح للمرأة تغسيل زوجها, إذا انقضت عدتها منه بالوضع, وهذا مذهب الحنفية (٥) , ووجه عند الشافعية (٦) , ووجه عند الحنابلة (٧).

стр. 138

دليل القول الثاني: إذا انقضت عدة المرأة من وفاة زوجها, فقد بانت منه, وصارت حلالا لغيره من الأزواج (١). القول الثالث: يباح للمرأة تغسيل زوجها إذا انقضت عدتها بالوضع مالم تتزوج, وهذا القول وجه عند الشافعية (٢) , وقول بعض المالكية (٣). دليل القول الثالث: لم أقف على دليل لهذا القول, إلا أنه يمكن الاستدلال له: زواج المرأة برجل ثانٍ, بعد وفاة زوجها الأول؛ هو انقطاع لحكم الزوجية بينها, وبين زوجها الأول, وانعقادها مع غيره؛ فلم يبق مبيح لمس الأول, والنظر إليه. الترجيح: أتوقف عن الترجيح في هذه المسألة -والله أعلم-؛ لتكافؤ التعليلات, وقوتها, وليس فيها نص قاطع للنزاع, كما أن هذه المسألة من افتراضات الفقهاء التي يندر وجودها, إذ غالبا ما تكون المرأة ضعيفة بعد ولادتها, وتقصر قدرتها, وقوتها عن تقليب الميت, وحضور جنازته.

стр. 139

المطلب الرابع: تغسيل المرأة الذمية . اختلف الفقهاء في حكم تغسيل المرأة الذمية لزوجها, والعكس, على أربعة أقوال: القول الأول: يباح لزوج الذمية تغسيلها, ويكره تغسيل الذمية لزوجها المسلم, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (١). دليل القول الأول: لم يرد من الشرع ما يحرم غسل المسلم لقرابته المشركين, ولو كان محرما لجاء الدليل بالنهي عنه كما نُهي عن الصلاة, والاستغفار لهم (٢). ولم أقف على دليل لهذا القول على كراهة تغسيل الذمية زوجها المسلم, إلا أنه يمكن تعليل الكراهة؛ بالخروج من الخلاف, والشبهة. القول الثاني: لا يباح للرجل أن يغسل زوجته ذميةً كانت, أو غير ذمية, ويباح لها غسله, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٣). دليل القول الثاني: المرأة هي محل النكاح؛ والشيء يزول بزوال محله؛ فإذا زالت الزوجية بموت المرأة, لم يجز النظر إليها, ولا لمسها بعد موتها (٤) , بخلاف موت الزوج, فإن الزوجية لا تزال قائمة حتى بعد موته؛ لبقاء محلها, وفرض غسل الميت يتحقق بوقوع الفعل, سواءً كان من مسلم أو غيره، ونية الغاسل هي شرطٌ لتحصيل الثواب, لا لصحة الغسل (٥).

стр. 140

نوقش: لا يسلم بأن المرأة هي محل النكاح فقط بل كل واحد من الزوجين هو محل لنكاح صاحبه (١) , كما أن قولهم هذا مبني على المسألة الأم السابقة (تغسيل أحد الزوجين للآخر) , وقد نوقش هذا القول في موضعه. القول الثالث: لا يباح غسل الرجل زوجته الذمية, ويباح غسل الذمية زوجها المسلم إذا كان بحضرة مسلم, وهذا ما ذهب إليه المالكية (٢). دليل القول الثالث: لا يُغسل إلا من يصلى عليه, والذمية لا يصلى عليها؛ فلا فائدة من غسلها (٣) , وشهود مسلمٌ تغسيل الذمية لزوجها المسلم, يورث اليقين بأنها أتت بالغسل على الوجه الكامل (٤). يمكن أن يناقش: غسل الذمية من كمال الوفاء بعهدها, والإحسان إليها؛ لقوله تعالى: ﴿لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ﴾ (٥). القول الرابع: لا يباح غسل الرجل زوجته الذمية, ولا غسل الذمية زوجها, وهو مذهب الحنابلة (٦).

стр. 141

دليل القول الرابع: زوجية الذمية تنقطع بالموت؛ إذ إنها لا يمكن أن تكون زوجة له في الآخرة, والموت أول منازل الآخرة, وليس يبقى من أحكام نكاحها شيء بعد الموت, فلا ترث زوجها المسلم, ولا يرثها؛ لقوله ﷺ في حديث أسامة بن زيد ﵄، أن النبي ﷺ ، قال: (لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم) (١) , وإذا تقرر هذا فلا يحل للرجل المسلم أن ينظر لزوجته الذمية ولا أن يمسها بعد الموت, ولا تُمكن الذمية أيضا من لمس زوجها بعد موته؛ إذ إنها تكون في حكم الأجنبيات (٢). يمكن أن يناقش: لا يسلم بانقطاع زوجية الذمية بعد الموت؛ فإنها في مذهب الحنابلة تُلزم بعِدَة الوفاة, والإحداد (٣) , ولو كانت الزوجية منقطعة لكفاها الاستبراء (٤) بحيضة. الترجيح: يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بجواز غسل الرجل زوجته الذمية, وجواز غسلها له مع الكراهة؛ لقوة تعليلهم بعدم ورود النص المانع, مع قيام الحاجة إليه وقت التنزيل, وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز, كما أمكن مناقشة تعليلات الأقوال الأخرى -والله أعلم-.

стр. 142

الفصل الثالث: مسائل الزكاة المختصة بالزوجين , وفيه مبحثان: المبحث الأول: مسائل زكاة الفريضة المختصة بالزوجين. المبحث الثاني: مسائل صدقة التطوع المختصة بالزوجين.

стр. 143

المبحث الأول: مسائل زكاة الفريضة المختصة بالزوجين , وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: زكاة المهر. المطلب الثاني: زكاة عوض الخلع. المطلب الثالث: دفع أحد الزوجين زكاة ماله للآخر. المطلب الرابع: زكاة الفطر عن الزوجة.

стр. 144

المطلب الأول: زكاة المهر . تحرير محل النزاع في المسألة: أولا: اتفق الفقهاء على أن المهر المقبوض, إذا كان مالا زكويا, وحال عليه الحول فإنه يزكى (١). واستدلوا على ذلك بما يأتي: عموم الأدلة الدالة على وجوب الزكاة, ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (٢)؛ فالمهر الزكوي المقبوض إذا بلغ نصابا, وحال عليه الحول, صار كأي مال تجب فيه الزكاة, ولا مخرج له من العموم. ثانيا: اختلف الفقهاء في ابتداء حول الزكاة في المهر, على قولين: القول الأول: يحسب حول الزكاة, من حين قبض المهر, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٣) , والمالكية (٤). دليل القول الأول: أن تمام المقصود من المهر لا يحصل إلا بالقبض، وصيرورته نصابا للزكاة بناء على تمام المقصود، لا على حصول أصل الملك، كالمبيع قبل القبض لا زكاة فيه؛ لأن ملكه لم يتم، ولهذا لا يجوز التصرف في المبيع قبل القبض، والملك إنما هو: عبارة عن مطلق التصرف, فإذا لم يكن للمالك مطلق التصرف, صار ملكه للمال ناقصا, ولم تجب عليه الزكاة؛ لعدم تمام الملكية (٥). القول الثاني: يحسب حول الزكاة, من حين عقد النكاح, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (٦) , والحنابلة (٧).

стр. 145

دليل القول الثاني: أن ملك جميع المهر مستقر للزوجة بمجرد العقد، فيعتبر الحول من حين حصول سبب الملك (١). يمكن أن يناقش: ملك المهر بالعقد ملك غير تام فالمرأة لا تتصرف به, ولا تنتفع به, ولا تتبسط فيه إلا بالقبض. الترجيح: يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل باحتساب حول زكاة المهر من حين قبضه؛ إذ هو الأيسر, والأرفق, والأقرب لسماحة الشريعة. ثالثا: اختلف الفقهاء في المهر الزكوي غير المقبوض, إذا حال عليه الحول, قولين: القول الأول: لا تجب الزكاة في المهر غير المقبوض, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , ومذهب الحنابلة (٤). أدلة القول الأول: الدليل الأول: أصل دين المهر إنما هو بيد الزوج, ولا يزكى الدين إلا إذا كان أصله عين بيد الدائن, ثم أقرضه (٥) الدليل الثاني: المهر دين ضعيف؛ إذ هو بدل ما ليس بمال, فلا يزكى حتى يقبض (٦). الدليل الثالث: أن تمام المقصود من المهر لا يحصل إلا بالقبض، وصيرورة المال الزكوي نصابا للزكاة بناء على تمام المقصود، كالمبيع قبل القبض لا زكاة فيه؛ لأن ملكه لم يتم، ولهذا لا يجوز تصرفه فيه، والملك: عبارة عن مطلق التصرف فيكون الملك فيه ناقصا (٧).
следующие страницы →