المبحث الرابع: مسائل الحيض والنفاس المختصة بالزوجين , وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: الاستمتاع بالزوجة الحائض.
المطلب الثاني: حيض المرأة أو نفاسها قبل غسلها من الجماع.
المطلب الثالث: وطء الحائض والنفساء قبل الغسل.
المطلب الرابع: جماع النفساء في الأربعين بعد انقطاع الدم وقبل تمام الأربعين.
المطلب الخامس: إذن الزوج للزوجة في تناول موانع الحيض.
المطلب السادس: جماع الحائض مع وجود الحائل على الفرج.
стр. 72
المطلب الأول: الاستمتاع بالزوجة الحائض , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الاستمتاع بالفرج, وكفارته , وفيها ثلاثة فروع:
الفرع الأول: حكم الاستمتاع بفرج الزوجة الحائض, وكفارته:
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولاً: اتفق الفقهاء على حرمة وطء الحائض في فرجها (١).
واستدلوا بما يأتي:
الدليل الأول:
الإجماع المحكي في المسألة (٢).
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٣).
وجه الاستدلال بالآية:
أن الله -تعالى- نهى عن قربان النساء في المحيض, والمحيض هو: اسم لموضع الحيض, وهو: الفرج (٤).
стр. 73
الدليل الثالث:
حديث أنس ﵁ أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (١) إلى آخر الآية .. , فقال رسول الله ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئاً إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول: كذا وكذا، فلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ حتى ظننا أن قد وجد عليهما (٢). والمراد بالنكاح في الحديث: الجماع؛ فكنى باسم السبب عن المسبب (٣).
ثانياً: اختلف الفقهاء في حكم الكفارة على من وطئ حائضا, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
تستحب الكفارة لمجامع الحائض, وهو قول الحنفية (٤) , والمشهور عند الشافعية (٥).
دليل القول الأول:
حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: (يتصدق بدينار أو نصف دينار) (٦) , وهذه الرواية مما يستدل بها على أن الأمر للاستحباب؛ لأنه لا معنى للتخيير في الإيجاب بين القليل والكثير, من نوع واحد, إلا صرف الأمر للاستحباب (٧).
стр. 74
القول الثاني:
لا تشرع الكفارة لمجامع الحائض, ولا يجب عليه إلا التوبة, والاستغفار, وهو قول المالكية (١) , ورواية عند الحنابلة (٢).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
حديث أبي هريرة ﵁: (من أتى حائضا، أو امرأة في دبرها، أو كاهنا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد) (٣).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن النبي ﷺ ذكر عقوبة من أتى حائضا, ولم يذكر وجوب الكفارة عليه, وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٤).
يمكن أن يناقش:
اقتصر هذا الحديث على بيان حرمة إتيان الحائض, ونص في حديث ابن عباس ﵄ الآنف الذكر على الكفارة, ولا مانع أن يكون في بعض النصوص الشرعية مزيد بيان.
стр. 75
الدليل الثاني:
وطء الحائض لم يحرم من أجل العبادة, وإنما حُرِم لأجل الأذى، فأشبه الوطء في الدبر, فلم يوجب كفارة (١).
يمكن أن يناقش:
قياس الشبه, قياس في مقابل النص, فلا عبرة به.
القول الثالث:
تجب الكفارة على مجامع الحائض, وهو القول القديم عند الشافعية (٢) , والمذهب عند الحنابلة (٣).
أدلة القول الثالث:
الدليل الأول:
حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته, وهي حائض قال: (يتصدق بدينار, أو نصف دينار) (٤).
وجه الاستدلال بالحديث:
أمر ﷺ الذي يأتي امرأته, وهي حائض أن يتصدق, والأصل في الأمر الوجوب.
نوقش وجه الاستدلال بالحديث من وجهين:
الوجه الأول:
عدم التسليم بصحة الحديث, من جهتين:
الأولى: من جهة راويه عبدالحميد بن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب (٥) , فقد ضعفه الإمام أحمد-﵀ (٦).
стр. 76
الثانية: من جهة اضطرابه (١) , والاختلاف في رفعه (٢) , ووقفه (٣) , ووصله (٤) , وإرساله (٥) , واضطراب لفظه, فحتى وإن وثق بعض المحدثين راويه عبدالحميد بن عبدالرحمن (٦) , إلا أن هذا الأمر يقدح في صحته (٧).
الوجه الثاني:
لو سُلم بصحة الحديث, فإن الأمر الوارد فيه يُحمل على الاستحباب؛ لوجود الصارف عن الوجوب, وهو التخيير بين الكثير والقليل من نفس النوع, فحُمل على الاستحباب (٨).
الدليل الثاني:
من وطئ زوجته وهي حائض, فقد وطئ فرجا يملكه حُرِم لعارض, فجاز أن يوجب الكفارة كالوطء في الصيام (٩).
يمكن أن يناقش:
أن الكفارات من العبادات, ولا مدخل للقياس فيها.
стр. 77
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل باستحباب الكفارة على من وطئ حائضا؛ لاجتماع الأدلة عليه؛ فإن من أخذ بحديث أبي هريرة أسقط حديث ابن عباس, أما من أخذ بحديث ابن عباس لم يتعارض عنده مع حديث أبي هريرة, كما أن وجه استدلالهم بالحديث كان له حظ من النظر, والله أعلم.
الفرع الثاني: مقدار كفارة وطء الحائض, عند من يرى مشروعيتها.
اختلف القائلون بمشروعية الكفارة في قدرها, على خمسة أقوال:
القول الأول:
دينار, أو نصفه على التخيير, وإليه ذهب جمهور الحنفية (١) , والمذهب عند الحنابلة (٢).
دليل القول الأول:
حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: (يتصدق بدينار أو نصف دينار) (٣).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن الحديث ظاهرٌ في كون الأمر على التخيير (٤).
القول الثاني:
دينار إن كان الوطء في أول الحيض, ونصفه إن وطئ في آخره, وهذا قول عند الحنفية (٥) , والمشهور من مذهب الشافعية (٦) , ورواية عند الحنابلة (٧).
стр. 78
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إذا أصابها في أول الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن الحديث فَصّل في تقسيم الكفارة على حسب وقت الجماع.
يمكن أن يناقش:
الصحيح في الحديث وقفه على ابن عباس ﵄, وابن عباس ﵄ قد اختلفت الروايات عنه في كفارة من أتى حائضا, وليس الأخذ ببعض أقواله بأولى من بعض.
الدليل الثاني:
لابد أن يحمل التقسيم في الحديث: (دينار, أو نصف دينار) (٢) على معنى معقول, وهو اختلاف الكفارة في أول الحيض عن آخره؛ لأنه لا معنى للتخيير في الإيجاب بين القليل, والكثير في النوع الواحد (٣).
يمكن أن يناقش:
يجوز أن يكون المراد من التخيير هو؛ صرف الأمر من الإيجاب إلى الاستحباب.
القول الثالث:
إن وطئها ودم الحيض أسود أو أحمر يكفر بدينار، وإن كان أصفر يكفر بنصف دينار, وهذا قول عند الحنفية (٤) , ورواية عند الحنابلة (٥).
دليل القول الثالث:
حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: (إذا كان دما أحمر فدينار، وإذا كان دما أصفر فنصف دينار) (٦).
стр. 79
وجه الاستدلال بالحديث:
أن الحديث فَصّل في تقسيم الكفارة على حسب لون الدم حين الجماع.
يمكن أن يناقش:
الحديث ضعيف لا تقوم به حجة.
القول الرابع:
يلزمه تحرير رقبة بكل حال, وهو أحد القولين عند الشافعية (١).
دليل القول الرابع:
حديث ابن عباس ﵄ يقول: قال رجل: يا رسول الله إني أصبت امرأتي وهي حائض, فأمره رسول الله ﷺ أن يعتق نسمة (٢).
وجه الاستدلال بالحديث:
لو كان الدينار, أو نصفه مجزئً لأمره به.
يمكن أن يناقش من وجهين:
الوجه الأول:
الحديث ضعيف لا يُستدل به.
الوجه الثاني:
على التسليم بصحته, فإن ابن عباس ﵄ قال في تتمة الرواية السابقة: (وقيمة النسمة يومئذ دينار) فيكون ﷺ قد خيره بين النسمة وقيمتها.
القول الخامس:
يكفر بنصف دينار مُطلقاً، وهو رواية عند الحنابلة (٣).
стр. 80
دليل القول الخامس:
حديث ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ في الرجل يقع على امرأته وهي حائض، قال: (يتصدق بنصف دينار) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
اقتصر النبي ﷺ في الحديث على نصف دينار, ولم يأمره بأكثر منه.
يمكن أن يناقش من وجهين:
الوجه الأول:
الحديث ضعيف لا تقوم به الحجة.
الوجه الثاني:
على التسليم بصحة الحديث, فإن النبي ﷺ قد ذكر أحد أمري التخيير؛ (دينار, أو نصف دينار) (٢) , وإرشاده ﷺ إلى أحدهما لا يعني إسقاط الآخر.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول القائل؛ بأن كفارة إتيان الحائض دينار, أو نصفه على التخيير؛ لصحة الحديث المستند إليه, ووجاهة وجه الاستدلال به, ولورود المناقشة على أدلة الأقوال الأخرى.
سبب الخلاف:
اختلاف الروايات عن ابن عباس ﵄ في كفارة من أتى حائضا.
стр. 81
الفرع الثالث: وجوب كفارة إتيان الحائض على المرأة عند من يرى وجوبها.
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق القائلون بإيجاب الكفارة على أن المرأة إذا كانت مكرهة, أو جاهلة, أنه لا كفارة عليها (١).
ويمكن أن يستدل على ذلك بما يأتي:
حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) (٢).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن الوضع يشمل وضع الإثم, وما يترتب على الفعل من أثر.
ثانيا: اختلفوا في إيجاب الكفارة على المرأة إذا كانت مطاوعة, على قولين:
القول الأول:
تجب الكفارة على المرأة كما تجب على الرجل, وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد (٣).
دليل القول الأول:
القياس على الوطء في الإحرام, فكما تجب عليها الكفارة في وطء الإحرام إذا كانت مطاوعة, فكذلك الوطء في الحيض؛ بجامع أن كلاهما وطء لفرج مباح حُرم لعارض (٤).
стр. 82
القول الثاني:
لا تجب الكفارة على المرأة, وهو وجه عند الحنابلة (١).
دليل القول الثاني:
إنما يُتلقى الوجوب من الشرع, والشرع لم يرد بإيجاب الكفارة على المرأة (٢).
الترجيح:
أتوقف عن الترجيح في هذه المسألة؛ لعدم ترجيح القول بوجوب الكفارة على من أتى حائضا-والله أعلم-.
стр. 83
المسألة الثانية: الاستمتاع بما دون الفرج .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولاً: اتفق الفقهاء على جواز استمتاع الرجل بزوجته الحائض فيما عدا ما بين السرة, والركبة (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
الإجماع المحكي في المسألة (٢).
الدليل الثاني:
دلت سنة رسول الله ﷺ الفعلية على الاستمتاع بما تحت الإزار من الحائض, عن عائشة ﵂ قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضا، فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها أمرها أن تتزر في فور حيضتها، ثم يباشرها (٣).
ثانياً: اختلف الفقهاء في الاستمتاع بالحائض بما تحت الإزار -ما بين السرة والركبة- ما عدا الفرج, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يجوز الاستمتاع بالزوجة الحائض كلها, ولا يحرم إلا الفرج, وهو مذهب محمد بن الحسن من الحنفية (٤) , ووجه عند الشافعية (٥) , والمذهب عند الحنابلة (٦).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٧).
стр. 84
وجه الاستدلال بالآية:
أن المحيض هو: اسم لموضع الحيض؛ وهو الفرج كالمقيل, والمبيت، فتخصيصه موضع الدم بالاعتزال دليل على إباحة ما عداه (١).
نوقش وجه الاستدلال بالآية:
يحتمل أن يكون المراد بالمحيض: الحيض, وهو الدم نفسه، بدليل قوله تعالى في أول الآية: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٢) والأذى: هو دم الحيض، وقال تعالى: ﴿وَالَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ (٣) أي: يئسن من خروج الدم, فعلى هذا يكون معنى الآية: اعتزلوا النساء زمان الحيض, وحال خروجه (٤).
أجيب عن مناقشة وجه الاستدلال بأمرين:
الأمر الأول:
أن الله تعالى لو أراد بـ (المحيض) الحيض, لكان أمرا باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، والإجماع بخلافه.
الأمر الثاني:
أن سبب نزول الآية، حديث أنس السابق؛ أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت, فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٥) إلى آخر الآية .. ,
стр. 85
فقال رسول الله ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) (١) , وهذا تفسير لمراد الله تعالى، ولا تتحقق مخالفة اليهود بحملها على إرادة الحيض؛ لأنه يكون موافقا لهم لا مخالفا لهم (٢).
الدليل الثاني:
حديث أنس ﵁ أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي ﷺ النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٣) إلى آخر الآية .. , فقال رسول الله ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) (٤).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن المراد بالنكاح في الحديث: الجماع؛ فكنى باسم السبب عن المسبب (٥) , والحديث صريح في إباحة جميع أوجه الاستمتاعات بالحائض ماعدا الجماع (٦).
نوقش وجه الاستدلال بالحديث:
قوله ﷺ : (اصنعوا كل شيء .. ) محمول على القبلة, ولمس الوجه, واليد, ونحو ذلك .. مما هو معتاد لغالب الناس, فإن غالبهم إذا لم يستمتعوا بالجماع استمتعوا بذلك, لا بما تحت الأوزار (٧).
يمكن أن يجاب عن المناقشة:
تخصيص عموم الحديث تحكم لا دليل عليه.
стр. 86
الدليل الثالث:
حديث عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : (ناوليني الخمرة من المسجد)، قالت فقلت: إني حائض، فقال: (إن حيضتك ليست في يدك) (١) وقولها ﵂: (كان رسول الله ﷺ يُخرج إلي رأسه من المسجد، وهو مجاور، فأغسله وأنا حائض) (٢) فدلت هذه الأحاديث على أنه ليس من جسم الحائض شيء نجس إلا موضع الدم (٣).
الدليل الرابع:
وطء الحائض في فرجها إنما حُرِم للأذى؛ فلم يحرم الاستمتاع بما حواليه, كالوطء في الدبر؛ حُرم للأذى, ولم يحرم الاستمتاع بما حواليه (٤).
القول الثاني:
يحرم الاستمتاع بالحائض بما تحت الإزار -ما بين السرة والركبة-, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٥) , والمالكية (٦) , والأصح عند الشافعية (٧).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
حديث عبد الله بن سعد ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: (لك ما فوق الإزار) (٨).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن هذا الحديث مانع, وحديث أنس مبيح, فيُقدم المانع على المبيح (٩).
نوقش وجه الاستدلال بالحديث:
قوله ﷺ : (ما فوق الإزار) كناية عن ما سوى الفرج, فكنى عن الفرج بالإزار, ومشهور في لغة العرب الكناية عن الفرج بالإزار (١٠) , كما في حديث عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره) (١١) , كناية عن اعتزاله ﷺ جماع نسائه (١٢).
الدليل الثاني:
حديث عائشة ﵂، قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضا، فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها أمرها أن تتزر في فور حيضتها، ثم يباشرها (١٣).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن فعله ﷺ على ذلك؛ إذ لو كان الممنوع موضع الدم لا غير لم يكن لأمرها بأن تتزر معنى (١٤).
نوقش وجه الاستدلال بالحديث من وجهين:
الوجه لأول:
مباشرة النبي ﷺ فوق الإزار محمولة على الاستحباب, جمعا بين قوله وفعله ﷺ (١٥).
الوجه لثاني:
أن النبي ﷺ قد يترك بعض المباح تقذرا، كتركه أكل الضب, والأرنب (١٦).
الدليل الثالث:
حديث النعمان بن البشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه) (١٧).
стр. 87
وجه الاستدلال بالحديث:
أن ما تحت الإزار حريم للفرج؛ والاستمتاع بما تحت الإزار يدعو إلى الاستمتاع بالفرج (١).
نوقش وجه الاستدلال بالحديث من وجهين:
الوجه الأول:
الأذى القائم بالفرج حال الحيض, ينفر عن الفرج, كما ينفر الأذى القائم بالدبر, عن الوطء في الدبر (٢).
الوجه الثاني:
لو روعي هذا, لحرم جميع بدن الحائض, كالمُحرِمة, والصائمة, والمعتكفة (٣).
القول الثالث:
يجوز الاستمتاع من الحائض بما تحت الإزار -ما عدا الفرج- إن أمن على نفسه الجماع؛ لشدة ورعه, أو ضعف شهوته, وإلا حرم عليه, وهو وجه عند الشافعية (٤).
دليل القول الثالث:
حديث عائشة ﵂، قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضا، فأراد رسول الله ﷺ أن يباشرها أمرها أن تتزر في فور حيضتها، ثم يباشرها، قالت: وأيكم يملك إربه (٥)، كما كان النبي ﷺ يملك إربه (٦) , فأخبرت ﵂ أن مباشرته ﷺ للحائض لأنه كان يأمن على نفسه من الوقوع في المحظور.
يمكن أن يناقش:
قول عائشة ﵂ معارض بقول النبي ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) (٧).
стр. 88
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول القائل بجواز الاستمتاع بما دون الفرج؛ لموافقته سبب نزول آية المحيض, ولصحة وصراحة حديث أنس ﵁, ولورود المناقشة على أدلة الأقوال الأخرى, وإن كان ترك ماتحت الإزار أولى, لفعله ﷺ وخروجا من الخلاف, يقول ابن تيمية (١) ﵀ وهو ممن رجح القول الأول: " فالأفضل أن يقتصر في الاستمتاع على ما فوق الإزار؛ لأنه هو الغالب على استمتاع النبي ﷺ بأزواجه, مع ما في ذلك من الخروج من اختلاف العلماء " (٢).
стр. 89
المطلب الثاني: حيض المرأة, أو نفاسها قبل غسلها من الجماع , وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا أجنبت المرأة, ثم حاضت, أو نفست قبل أن تغتسل للجنابة, كيف تكون طهارتها؟
المسألة الثانية: حكم حيض المرأة, أو نفاسها قبل غسلها من الجماع:
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولاً: اتفق الفقهاء على أن المرأة إذا أجنبت, ثم حاضت لم يجب عليها غسل حتى تطهر من الحيض (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
القياس على جواز تأخير الجنب للغسل, حتى يحين وقت الصلاة, فكذلك إذا أجنبت, ثم حاضت, تؤخر غسلها حتى يحين وقت الصلاة (٢).
ثانياً: اختلف الفقهاء فيما يجب من الأغسال على المرأة الجنب إذا حاضت, ثم طهرت, على قولين:
القول الأول:
يجب على المرأة الجنب إذا حاضت, ثم طهرت غسل واحد, يرفع حدث حيضها وجنابتها, وهو قول جمهور أهل العلم؛ قول أبي حنيفة, ومحمد بن الحسن من الحنفية (٣) , ومذهب المالكية (٤) , ومذهب الشافعية (٥) , والمذهب عند الحنابلة (٦).
стр. 90
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه بغسل واحد) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
الحديث صريح في تداخل أحداث الجنابة, وإجزاء الغسل الواحد عنها.
الدليل الثاني:
لم يشرع لنا النبي ﷺ غسلا من الجماع إلا غسلا واحدا، وهو يتضمن شيئين موجبين للغسل؛ الإيلاج, والإنزال؛ إذ هو لازم للجماع في غالب الأحوال, ومع ذلك كان الفرض غسلا واحدا (٢).
الدليل الثالث:
جرت عادة الشرع أن الأسباب إذا اجتمعت, تداخل حكمها, إذا كان موجبها واحد, سواءً في الأحداث, كاجتماع البول, والغائط, والريح, والمذي ينوب عن جميعها وضوء واحد، وكذلك لو وطئ أكثر من مره أجزأه غسل واحد، أو في الحدود مثل أن يسرق مرارا، أو يشرب الخمر مرارا، أو يقذف مرارا، فيقام عليه حدا واحدا، وكذا في الكفارات كما لو قتل المحرم صيدا في الحرم فإن عليه جزاء واحدا، عن إحرامه, والحرم, فما الذي يخرج الحائض الجنب عن هذا النسق؟ (٣)
القول الثاني:
يجب على المرأة الجنب إذا حاضت, ثم طهرت غسلان, غسل للحيض, وغسل للجنابة, وهو قول أبي يوسف من الحنفية (٤) , ورواية عند الحنابلة (٥).
стр. 91
أدلة القول الثاني:
لم أقف على دليل لأصحاب هذا القول, لكن يمكن أن يستدل له:
أن الحيض, والجنابة حدثان مستقلان, أوجب كل واحد منهما غسلا مستقلا.
ويمكن أن يناقش:
أن الأحداث الكبرى تتداخل, ويكون موجبها واحد, كما تتداخل الأحداث الصغرى, ويكون موجبها واحدا.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- من عرض المسألة رجحان القول الأول؛ القائل بإجزاء غسل واحد عن حدث الحيض والجنابة؛ لوجاهة ما استُدل به عليه, ولم يقم دليل ناهض للقول الثاني.
ثالثا: اختلف الفقهاء في صحة غسلها, وارتفاع حدث الجنابة, إذا اغتسلت حال الحيض, على قولين:
القول الأول:
يصح غسل الجنب إذا حاضت, ويرفع عنها حدث الجنابة, وهو ما ذهب إليه الحنفية (١) , ووجه خرجه بعض الشافعية على قول قديم للشافعي (٢) , والمذهب عند الحنابلة (٣).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٤).
وجه الاستدلال بالآية:
أن الآية عامة في كل جنب, ولم تستثن الحائض منها (٥).
الدليل الثاني:
أن الحدث الذي يُغتسل منه هو الجنابة, وقد انقطع ذلك الحدث, فجاز أن يصح الغسل منه (٦).
стр. 92
القول الثاني:
لا يصح من الحائض غسل الجنابة, ولا يرفع عنها حدث الجنابة, وهو المشهور من مذهب المالكية (١) , والصحيح من مذهب الشافعية (٢) ورواية عند الحنابلة (٣).
دليل القول الثاني:
من عليه حدثان من جنس واحد, لا يمكن أن يرتفع أحدهما مع استدامة الآخر, كمن أحدث بنوم, ثم شرع في البول, وتوضأ حال بوله عن النوم, فإنه لا يصح وضوؤه, فكذلك استدامة الحيض تمنع صحة الغسل من الجنابة (٤).
الترجيح:
أتوقف عن الترجيح في هذه المسألة؛ لتكافؤ الأدلة -والله أعلم-.
المسألة الثالثة: سبب الخلاف:
هذه المسألة من الفروع التي تُبنى على الخلاف في تخصيص عموم النص بالقياس, فإن قلنا بجوازه رجحنا القول الثاني؛ لاستناده إلى قياس مخصص لعموم الآية, وإن منعناه رجحنا القول الأول؛ لاستناده إلى عموم الآية.
المسألة الرابعة: ثمرة الخلاف:
من قال بصحة غسل الحائض من الجنابة, وجواز قراءة القرآن للحائض دون الجنب, فإن الحائض إذا اغتسلت من الجنابة جاز لها عنده أن تقرأ القرآن, وإذا لم تغتسل من الجنابة لا تقرأ (٥).
стр. 93
المطلب الثالث: وطء الحائض, والنفساء قبل الغسل .
اختلف الفقهاء في حكم وطء الحائض, والنفساء قبل الغسل, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يحرم وطء المرأة قبل اغتسالها من الحيض, والنفاس, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: المالكية (١) , والشافعية (٢) , والمذهب عند الحنابلة (٣).
دليل القول الأول:
قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٤)
ووجه الاستدلال بالآية من عدة أوجه:
الوجه لأول:
أن في الآية قراءتان (٥) إحداهما: بالتخفيف وضم الهاء؛ (يطهُرن) ومعناها: انقطاع الدم, والأخرى بالتشديد وفتح الهاء؛ (يطّهَرن) ومعناها: الغسل, واختلاف القراءتين كاختلاف الآيتين, يجمع بينهما ما دام الجمع ممكنا, ويكون تقدير معنى الآية: فلا تقربوهن حتى ينقطع دمهن, ويغتسلن؛ فتكون الإباحة قد عُلقت بشرطين: أحدهما: انقطاع الدم, والثاني: الاغتسال؛ وما علق بشرطين لا يباح إلا بهما, كقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾ (٦) , فاشترط لدفع مال اليتيم إليه؛ بلوغ النكاح, والرشد, ووجود أحد هذين الشرطين لا يبيح دفع المال إليه.
стр. 94
الوجه الثاني:
قراءة التخفيف يمكن حملها أيضا على الغسل, وهذا شائع في اللغة.
الوجه الثالث:
أن الله تعالى أضاف الفعل إلى النساء بصيغة التفعل, فقال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ , وصيغة التفعل إنما تطلق على ما يكون من فعل المكلفين، لا على ما يكون من فعل غيرهم, وليس انقطاع الدم من فعلهن, وإنما يفعلن الاغتسال.
الوجه الرابع:
أن الله تعالى أثنى عليهن بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ , والثناء يستحقه المكلف بالأفعال الصادرة من جهته, أما فعل غيره فلا يستحق عليه مدحا, ولا ذما, والغسل من جهة المرأة, وانقطاع الدم ليس من جهتها (١).
القول الثاني:
يجوز وطء المرأة قبل اغتسالها من الحيض, إذا طهرت بعد تمام مدة أكثر الحيض -عشرة أيام-, أو طهرت دون عشرة أيام, ومضى عليها وقت صلاة, وهذا مذهب الحنفية (٢).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
استدلوا بنفس الآية الكريمة التي استدل بها أصحاب القول الأول, مع اختلاف وجه الدلالة, فقالوا:
قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ لما قُرئت بالتخفيف, والتشديد, وكان لكل قراءة معناها, صير إلى حمل كل قراءة على حال, جمعا بين القراءتين؛ فحُملت قراءة التخفيف الدالة على النقاء, على أكثر مدة الحيض -عشرة أيام-؛ إذ إنها بعد العشرة أيام تصير طاهرة, ولو استمر نزول الدم, وحملت قراءة التشديد الدالة على الاغتسال, على ما إذا انقطع الدم لأقل من عشرة أيام (٣).
يمكن أن يناقش:
الحكم بطهارة المرأة, بعد مضي عشرة أيام من الحيض -ولو استمر نزول الدم- محل نزاع فلا يُسلم به.
стр. 95
الدليل الثاني:
دم الحيض يدر تارة, وينقطع أخرى, فلا يترجح جانب الانقطاع إلا إذا أحدثت شيئا من أحكام الطهارات, وهذا المعنى موجود فيما إذا انقطع الدم لأقل من عشرة أيام, ومضى عليها وقت صلاة؛ لثبوت الصلاة في ذمتها (١).
يمكن أن يناقش:
هذا اجتهاد في محل النص, فكيف يُقام مضي الزمان, مقام الاغتسال!
الدليل الثالث:
لما حلت الصلاة للحائض إذا طهرت, بلا اغتسال, ولا تيمم, عند فقد الماء, والتراب, فلأن يجوز الوطء بلا اغتسال من باب أولى (٢).
يمكن أن يناقش:
أن هذا في حال الاضطرار, لحرمة وقت الصلاة, فكيف يقاس وقت الاختيار, وقدرة المرأة على الاغتسال, على وقت الاضطرار؟ !
القول الثالث:
يجوز وطء الحائض قبل اغتسالها من الحيض إذا رأت النقاء مطلقا, وهو قول بعض المالكية (٣).
دليل القول الثالث:
المانع من الجماع هو الحيض، والحكم إذا تعلق بعلة وجب زواله بزوالها, فإذا زال الحيض, زال تحريم المجامعة (٤).
يمكن أن يناقش:
القياس في مقابل النص, لا عبرة به.
الترجيح:
بعد عرض الأدلة والمناقشات, تظهر قوة قول الجمهور؛ القائل بحرمة إتيان المرأة بعد الحيض, والنفاس قبل أن تغتسل؛ لوجاهة استدلالاتهم بالآية الكريمة, ولموافقته قواعد اللغة العربية, ولورود المناقشات على أدلة الأقوال الأخرى -والله أعلم-.
стр. 96
المطلب الرابع: جماع النفساء في الأربعين بعد انقطاع الدم, وقبل تمام الأربعين .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على أن المرأة إذا طهرت لأقل النفاس, صلت وصامت (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
الإجماع المحكي في المسألة (٢).
الدليل الثاني:
دم النفاس دم أذى كالحيض، قال تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٣) , فإذا وجد الأذى وجد حكمه, وإذا ارتفع الأذى ارتفع حكمه.
ثانيا: اختلف الفقهاء في حل جماعها إذا انقطع الدم عنها قبل تمام الأربعين, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يحل جماع المرأة النفساء إذا تطهرت قبل بلوغها أربعين يوما من ولادتها, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٤) , والمالكية (٥) , والشافعية (٦) , ورواية عند الحنابلة (٧).
стр. 97
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
أن المرأة ما دامت لها حكم الطاهرات في الصوم, والصلاة, فينبغي أن يكون لها حكم الطاهرات في الوطء (١).
الدليل الثاني:
أن المانع من الوطء الدم؛ فإذا زال المانع زال حكمه (٢).
القول الثاني:
يكره جماع المرأة النفساء إذا طهرت قبل الأربعين, وهذا المذهب عند الحنابلة (٣).
دليل القول الثاني:
المرأة في الأربعين, لا تأمن عود الدم، فيكون واطئا في نفاس (٤).
نوقش:
معاودة الدم أمر موهوم؛ فلا يترك حكم طهرها المعلوم, من أجل شيء موهوم (٥).
القول الثالث:
يحرم جماع المرأة النفساء إذا طهرت قبل الأربعين, وهذا القول رواية عند الحنابلة (٦).
стр. 98
دليل القول الثالث:
لم أقف على دليل لهذا القول, إلا أنه يمكن الاستدلال له بما علل به أصحاب القول الثاني: وهو أن المرأة في الأربعين, لا تأمن عود الدم، فيكون واطئا في نفاس (١) , مع تغليب جانب الاحتياط؛ فيحكم بالحرمة.
يمكن أن يناقش من وجهين:
الوجه لأول:
الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل الدليل على حرمته, وليس ثمة دليل مُحرم.
الوجه لثاني:
اليقين لا يزول بالشك, وقد تيقنت الطهارة, ومعاودة الدم مشكوك فيها.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بحل جماع المرأة النفساء إذا تطهرت قبل بلوغها أربعين يوما من ولادتها لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على أدلة الأقوال الأخرى, ولقربه من قواعد الشريعة.
стр. 99
المطلب الخامس: إذن الزوج للزوجة في إنزال, ورفع الحيض بالدواء .
اختلف الفقهاء في حكم استئذان الزوج في إنزال, ورفع الحيض بالدواء على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يجب على المرأة استئذان زوجها في استعمال ما يعجل الحيض, أو يؤخره, أو يرفعه, وهو قول عند الحنابلة (١).
دليل القول الأول:
استعمال ما يعجل الحيض, أو يؤخره, أو يرفعه, فيه إضرار بحق الزوج؛ إما منعا لحقه من الاستمتاع, أو تعجيلا لانقضاء العدة, أو تأخيرا في إنجاب الولد (٢).
نوقش:
إذا خشي الزوج الإضرار بحقه فله منعها (٣).
ويمكن أن يجاب:
أن كثيراً من الأزواج تخفاهم أمور النساء, فلا يعلم بما يترتب عليها من الإضرار به, وقد لا يعلم أصلا باستعمال زوجته شيئا عجل الحيض, أو أخره, أو رفعه.
القول الثاني:
يكره للمرأة استعمال ما يعجل الحيض, أو يؤخره, أو يرفعه مطلقا أذن زوجها, أو لم يأذن, وهذا مذهب المالكية (٤) , ووجه عند الحنابلة (٥).
стр. 100
دليل القول الثاني:
أن استعمال المرأة لما يعجل الحيض, أو يؤخره, أو يرفعه, فيه إدخال ضرر على نفسها, والضرر منهي عنه (١).
يمكن أن يناقش:
الضرر يكون مزال, إذا أخبر طبيب ثقة, بعدم الضرر في استعمال ما يعجل الحيض, أو يؤخره, أو يرفعه على المرأة.
القول الثالث:
يباح للمرأة استعمال ما يعجل الحيض, أو يؤخره, أو يرفعه, مالم يكن فيه ضرر, ولا يلزمها استئذان زوجها, وهذا مذهب الحنفية (٢) , والشافعية (٣) , والمذهب عند الحنابلة (٤).
دليل القول الثالث:
أن الأصل في الأشياء الإباحة, وليس ثمة دليل يحرم استعمال ما يعجل الحيض, أو يؤخره, أو يرفعه (٥).
يمكن أن يناقش:
قد يكون الضرر منفي في حق المرأة, لكنه موجود في حق الزوج؛ إما منعا لحقه من الاستمتاع, أو تعجيلا لانقضاء العدة, أو تأخيرا في إنجاب الولد.
الترجيح:
بعد عرض الأدلة والمناقشات, يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول, القائل بوجوب استئذان الزوج في استعمال ما يمنع الحيض, أو يعجله, أو يرفعه؛ لسلامة تعليلهم من المعارضة, ولورود المناقشة على أدلة الأقوال الأخرى.
стр. 101
المطلب السادس: جماع الحائض مع وجود الحائل على الفرج .
اتفق الفقهاء على حرمة إتيان الحائض في فرجها, سواءً كانت مباشرتها في فرجها بحائل, من لفافة, أو خرقة, أو بدون حائل (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
وطء الحائض مع اللفافة, والخرقة, كالوطء بدونهما؛ إذ حقيقة الإيلاج موجودة فيه (٢).
الدليل الثاني:
مما يمكن الاستدلال به أيضا:
أن وطء غير الزوجة بحائل زنا محرم موجب للحد, كالوطء بغير حائل, فكذلك وطء الحائض مع الحائل.
стр. 102
الفصل الثاني: مسائل الصلاة المختصة بالزوجين , وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: أثر ترك الصلاة على عقد الزوجية.
المبحث الثاني: مسائل صلاة الجماعة المختصة بالزوجين.
المبحث الثالث: القصر في السفر إذا مر ببلد تزوج فيه.
المبحث الرابع: الجماع يوم الجمعة.
المبحث الخامس: مسائل صلاة الجنائز المختصة بالزوجين.
стр. 103
المبحث الأول: أثر ترك الصلاة على عقد الزوجية .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولاً: اتفق الفقهاء على أن تارك الصلاة جاحدا وجوبها كافر, إذا كان ممن لا يجهل مثله ذلك (١).
والأدلة على ذلك ما يأتي:
الدليل الأول:
الإجماع المحكي في المسألة (٢).
الدليل الثاني:
أن من جحد وجوب الصلاة؛ فهو مكذب لله, ورسوله ﷺ ؛ لإنكاره معلوما من الدين بالضرورة؛ إذ إن وجوب الصلاة ثابت بالأدلة القطعية (٣).
ثانياً: اختلف الفقهاء في كفر من ترك الصلاة تهاونا, وكسلا, على قولين:
القول الأول:
تارك الصلاة تهاونا وكسلا لا يُحكم بكفره, ولا تُطبق عليه أحكام الردة, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٤) , وجمهور المالكية (٥) , والشافعية (٦) , وإحدى الروايتين عند الحنابلة (٧).
стр. 104
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
عموم الأحاديث الدالة على عصمة من قال: لا إله إلا الله, ولم تستثن تارك الصلاة, كحديث محمود بن الربيع ﵁ (١) أن النبي ﷺ قال: (إن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله) (٢) , وحديث أبي ذر ﵁، قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: (ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، إلا دخل الجنة) (٣) , وحديث عبادة بن الصامت ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) (٤) , وحديث أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن ذرة من خير) (٥).
стр. 105
الدليل الثاني:
حديث عبادة بن الصامت ﵁، أن النبي ﷺ قال: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن تارك الصلاة لو كان كافرا, لم يكن تحت مشيئة الرحمة (٢).
الدليل الثالث:
تارك الصلاة يؤمر بالصلاة, ولو كان كافرا لأمر بالإسلام أولا؛ إذ لا يؤمر كافر بالصلاة حتى يسلم (٣).
القول الثاني:
يكفر تارك الصلاة تهاونا, وكسلا, ويطبق عليه الإمام, أو نائبه أحكام الردة, وهو قول عند المالكية (٤) , وعند الشافعية (٥) , والمذهب عند الحنابلة (٦).
стр. 106
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
حديث بريدة (١) ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) (٢).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن الحديث نصٌ في كفر تارك الصلاة.
نوقش وجه الاستدلال بالحديث:
الإخبار بكفر تارك الصلاة هو على سبيل التغليظ، والتشبيه له بالكفار، لا على الحقيقة، كقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: (من أتى حائضا, أو امرأة في دبرها، فقد كفر بما أنزل على محمد) (٣) , وقوله في حديث عبدالله بن مسعود ﵁: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) (٤) , وأشباه هذا مما أريد به التشديد في الوعيد (٥).
стр. 107
الدليل الثاني:
عن عبد الله بن شقيق العقيلي (١)، قال: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة (٢). وهذا حكاية لإجماع أصحاب النبي ﷺ على كفر تارك الصلاة.
نوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن المراد بعض أصحاب رسول الله ﷺ لكنه حذف المضاف, وأقام المضاف إليه مقامه, وأعربه بإعرابه, فهو إنما يحكي فتوى من لقي من الصحابة -رضوان الله عليهم-.
الوجه الثاني:
إن أراد جميع أصحاب رسول الله ﷺ ، فالصحابة -رضوان الله عليهم- لم يحكموا بذلك إلا اتباعا لقوله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) (٣) , والنبي ﷺ لم يقل ذلك إلا على سبيل التغليظ, فإذا حمل قوله ﷺ على التغليظ فكذلك قول أصحابه ﵃ أجمعين- (٤).
الترجيح:
الذي يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بعدم كفر تارك الصلاة تهاونا وكسلا؛ لقوة ما استدلوا به من الأثر, والنظر, ولتطرق الاحتمال إلى استدلال القول الثاني.
ثالثا: اتفق الفقهاء على أن ردة أحد الزوجين قبل الدخول, تثبت به الفرقة في الحال (٥) , فإذا ترك أحد الزوجين الصلاة جحودا, أو تركها تهاونا, وكسلا, وحكم الإمام بكفره, وكان ذلك قبل الدخول؛ فإن الفرقة تثبت في الحال.
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الإجماع المحكي في المسألة (٦).
رابعا: اختلف الفقهاء في حكم عقد الزوجية, إذا ثبتت ردة أحد الزوجين بعد الدخول, على قولين:
القول الأول:
تتوقف الفرقة على انقضاء العدة, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (٧) , والمذهب عند الحنابلة (٨).
دليل القول الأول:
المرأة المدخول بها عليها العدة، فلذلك تعلقت الفرقة بانقضاء العدة, كالطلاق الرجعي, تتعجل الفرقة في غير المدخول بها؛ لعدم لزوم العدة عليها, وتتأجل إلى انقضاء العدة في المدخول بها؛ للزوم العدة عليها (٩).
стр. 108
القول الثاني:
تثبت الفرقة في الحال, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (١) , والمالكية (٢) , وإحدى الروايتين عند الحنابلة (٣).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
الردة تنافي النكاح، واعتراض السبب المنافي للنكاح موجب للفرقة بنفسه, كاعتراض المحرمية برضاع, أو مصاهرة (٤).
نوقش:
تحريم الرضاع, والمصاهرة يتأبد، أما تحريم الردة قد يرتفع بالعودة للإسلام, فلذلك افترقا (٥).
الدليل الثاني:
الردة سبب مفض إلى الموت، والميت لا يكون محلا للنكاح (٦).
يمكن أن يناقش:
لو هرب المرتد بعد ردته, وعجز عنه الإمام, ثم عاد مسلما قبل انقضاء عدة زوجته, فهل يكفي هذا التعليل لإبطال نكاحه الأول!
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بتأجيل فرقة المرتد إلى انقضاء العدة؛ إذ الشرع يتشوف إلى تصحيح العقود ما أمكن, ولورود المناقشة على أدلة القول الثاني.
стр. 109
المبحث الثاني: مسائل صلاة الجماعة المختصة بالزوجين , وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تخلف الزوج عن الجماعة لحضور شهوة الجماع.
المطلب الثاني: تخلف الزوج عن الجماعة لزفاف زوجته.
المطلب الثالث: إذن الزوج لزوجته في الخروج لصلاة الجماعة.
стр. 110
المطلب الأول: تخلف الزوج عن الجماعة لحضور شهوة الجماع .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولاً: اتفق الفقهاء على أن وقت الصلاة إذا تضايق, ولم يبق فيه إلا قدر إيقاع الصلاة, والتطهر لها, فإنه يبدأ بالصلاة حتى ولو كانت نفسه تتوق للجماع -تخريجا على الحاقن, والجائع إذا تضايق عليهما الوقت, وتقديم شرط الوقت, عند تعارضه, مع الإتيان ببعض أركان الصلاة, أوشروطها- (١).
والأدلة على ذلك ما يأتي:
الدليل الأول:
إذا تضايق وقت الصلاة الموسع تعين الوقت المتبقي للصلاة؛ محافظةً على حرمة وقت الصلاة, فإن الشارع قد عين للصلاة أوقاتا مخصوصة (٢).
الدليل الثاني:
وقوع الصلاة أداءً مع قيام ما تُكره الصلاة معه, أولى من وقوعها قضاءً (٣).
ثانياً: اتفق الفقهاء على كراهة صلاة من صلى, ونفسه متعلقة بما يشغله, أو يهمه, ويشوش عليه خشوعه, كمن صلى, ونفسه تتوق للجماع, مع اتساع وقت الصلاة, واستحبوا أن يبدأ بالجماع, حتى ولو خشي فوات الجماعة (٤).