يمكن أن يناقش:
أباح الشارع الفطر للمسافر مطلقا, فقال تعالى: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١) , وتقييد الإباحة بمفطر دون غيره تحكم.
الترجيح:
يظهر والله أعلم رجحان القول الأول؛ القائل بإباحة الفطر بالجماع؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الآخر.
стр. 177
المطلب الثالث: الجماع في نهار رمضان بعد زوال العذر المبيح للفطر في أوله , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا قدم في نهار رمضان زوجان, مسافران, مفطران, أو قدم مسافر مفطر, وزوجته طهرت من حيض في أول النهار, هل يجوز لهما الجماع في بقية النهار؟
المسألة الثانية: حكم الجماع في نهار رمضان بعد زوال العذر المبيح للفطر في أوله:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على قولين:
القول الأول:
يباح لهما الجماع, ولا يلزمهما الإمساك بقية اليوم, وهذا ما ذهب إليه المالكية (١) , والشافعية (٢) , ورواية عند الحنابلة (٣).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
من لم يلزمه الإمساك أول النهار، لم يلزمه إمساك بقية اليوم، كما لو دامت هذه الأعذار كل اليوم؛ إذ الصوم في اليوم الواحد عبادة واحدة لا تتجزأ (٤).
الدليل الثاني:
المسافر الذي قدم, والحائض التي طهرت, مفطران حقيقة, وحكما, فالقضاء ثابت في ذمتهما, وصيام بقية اليوم لا يسقط عنهما القضاء, فكيف يطالب المكلف بعبادة واحدة مرتين! (٥).
стр. 178
القول الثاني:
يحرم عليهما الجماع, ويلزمهما الإمساك بقية اليوم, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (١) , والمذهب عند الحنابلة (٢).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
نهار رمضان وقت معظم, فلزمهما الإمساك؛ تعظيما لحرمة الوقت (٣).
نوقش:
حرمة اليوم ارتفعت بالإفطار -المشروع-, المتقدم في أول النهار (٤).
الدليل الثاني:
اجتمع المحرم للفطر, وهو: الإقامة, والمرخص والمبيح للفطر, وهو: السفر في يوم واحد, فكان الترجيح للمحرم احتياطا (٥).
يمكن أن يناقش:
ترجيح المحرم للفطر, يلزم منه إيجاب عبادة واحدة على المكلف مرتين؛ الإمساك بقية اليوم, والإمساك في يوم القضاء, وليس هذا من معهود خطاب الشارع!
الدليل الثالث:
من قدم مفطرا, فقد أدرك جزءًا من وقت الإمساك, وهو من أهل الوجوب، فلزمه الإمساك في الوقت الذي صار فيه من أهل الوجوب, كمن أدرك جزءً من وقت الصلاة, وهو من أهل الوجوب؛ لزمه أداؤها (٦).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم بالقياس على الصلاة؛ إذ الصلاة لا تستغرق جميع وقت الوجوب, بخلاف الصيام الذي يستغرق جميع وقت الوجوب.
стр. 179
الترجيح:
الذي يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بجواز جماع من زال عذرهما المبيح للفطر في نهار رمضان؛ لوجاهة استدلالهم, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 180
المطلب الرابع: الفطر في السفر إذا مر ببلد تزوج فيه .
اختلف الفقهاء في حكم الفطر للمسافر إذا مر ببلد له فيه زوجة, على قولين:
القول الأول:
لا ينقطع السفر بدخول المسافر بلدا له فيه زوجة -مالم يكن محل إقامته-, ويباح له الفطر, وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية (١).
دليل القول الأول:
حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: صلى رسول الله ﷺ بمنى ركعتين, وأبو بكر، وعمر، وعثمان صدرا من خلافته (٢) , وحديث أنس بن مالك ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فصلى ركعتين ركعتين حتى رجع (٣). فدلت السنة على أن رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر, وعثمان ﵃ ترخصوا برخص السفر في مكة, مع أنه كان لهم بمكة دور, ومال, وأهل, وقرابة (٤).
القول الثاني:
ينقطع سفر المسافر إذا دخل بلدة له فيها زوجة, ولا يباح له الفطر فيها, وهذا قول جمهور أهل العلم؛ من الحنفية (٥) , والمالكية (٦) , وقول عند الشافعية (٧) , والمذهب عند الحنابلة (٨).
стр. 181
دليل القول الثاني:
حديث عثمان بن عفان ﵁ أنه صلى بمنى أربع ركعات، فأنكره الناس عليه، فقال: يا أيها الناس، إني تأهلت بمكة منذ قدمت، وإني سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: (من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم) (١) , فلما أنكر الناس على عثمان ﵁ تركه رخصة السفر, احتج بتأهله في مكه.
يمكن أن يناقش:
الحديث ضعيف, لا تقوم به الحجة.
الترجيح:
الذي يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بعدم انقطاع السفر بدخول المسافر بلدا تزوج فيه, ولم يستوطنه؛ لصحة, وصراحة الأحاديث التي استندوا إليها, كما أن الحديث الذي احتج به أصحاب القول الثاني ضعيف لا ينهض للاحتجاج به.
стр. 182
المبحث الثاني: مسائل مفسدات الصوم المختصة بالزوجين , وفيه أحد عشر مطلباً:
المطلب الأول: الجماع في الصيام.
المطلب الثاني: جماع الناسي في نهار رمضان.
المطلب الثالث: الإكراه على الجماع في نهار رمضان.
المطلب الرابع: الجماع في نهار رمضان جهلا بتحريمه.
المطلب الخامس: جماع الزوجة الصائمة وهي نائمة.
المطلب السادس: جماع من غلبه الشبق في نهار رمضان.
المطلب السابع: نزع المجامع مع أول طلوع الفجر.
المطلب الثامن: استدامة الجماع مع طلوع الفجر.
المطلب التاسع: الجماع بعد طلوع الفجر ظاناً عدم طلوعه.
المطلب العاشر: الجماع قبل غروب الشمس ظاناً غروبها.
المطلب الحادي عشر: مقدمات الجماع للصائم.
стр. 183
المطلب الأول: الجماع في الصيام , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: الجماع في صيام الفرض .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على حرمة إبطال صيام الفرض بالجماع, وإثم فاعله, إذا كان مختارا, عالما (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٢) , والآية عامة في كل واجب شرع فيه المكلف, والنهي يقتضي التحريم.
ثانيا: اتفق الفقهاء على أن الكفارة, تجب على الرجل إذا جامع مختارا, عالما (٣) , وهو صائم, في نهار رمضان فقط, ولا تجب في غيره من الصوم الواجب (٤).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
أن الكفارة إنما هي مشروعة تغليظا لحرمة شهر رمضان, وليس غيره من الأزمان مثله؛ إذ وجوب الصوم متعلق بخصوص وقته (٥).
ثالثا: اختلف الفقهاء في وجوب القضاء, على جامع في نهار رمضان, ووجبت عليه الكفارة, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يجب القضاء على من أفسد صومه بالجماع في نهار رمضان مطلقا, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٦) , والمالكية (٧) , وأصح القولين عند الشافعية (٨) , والمذهب عند الحنابلة (٩).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
أن من جامع في نهار رمضان, قد وجب عليه الصوم بشهود الشهر، وقد انعدم الصوم منه, فيضمنه بالمثل كما في حقوق العباد (١٠).
الدليل الثاني:
لو كان المفطر معذورا للزمه القضاء, وغير المعذور أولى بلزوم القضاء (١١).
الدليل الثالث:
من جامع في نهار رمضان فقد فاتته المصلحة التي لأجلها شرع الصوم؛ فيقضي استدراكا للمصلحة التي فاتت بإفساد الصوم؛ فإن الشارع حكيم لا يأمر بالإمساك إلا لحكمة، فإذا فوت هذه الحكمة, والمصلحة بالإفساد يجب القضاء؛ ليدركها, وهذه الحكمة لمصلحة قهر النفس الأمارة بالسوء، فبالجماع يفوت قهر النفس للتنافي بينهما, فيجب القضاء للاستدراك (١٢).
الدليل الرابع:
من جامع في نهار رمضان فقد أفسد صيام يوم من رمضان, فلزمه قضاؤه, كما لو أفسده بالأكل (١٣).
القول الثاني:
لا يجب القضاء على من أفسد صومه بالجماع في نهار رمضان مطلقا, وهو قول عند الشافعية (١٤).
стр. 184
دليل القول الثاني:
حديث أبي هريرة ﵁، قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت. قال: (ما لك؟ ) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : (هل تجد رقبة تعتقها؟ ) قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين)، قال: لا، فقال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا) قال: لا، قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيها تمر قال: (أين السائل؟ ) فقال: أنا، قال: (خذها، فتصدق به) فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: (أطعمه أهلك) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
بين النبي ﷺ للأعرابي حكم الكفارة, ولم يبين حكم القضاء، ولو كان واجبا لبينه؛ إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٢).
نوقش وجه الاستدلال بالحديث:
أن النبي ﷺ بين حكم القضاء في رواية أخرى لحديث أبي هريرة ﵁, فقال: (صم يوماً مكانه) (٣).
القول الثالث:
لا يجب القضاء على من أفسد صومه بالجماع في نهار رمضان, إذا كفر بالصيام, وهو وجه عند الشافعية (٤).
стр. 185
دليل القول الثالث:
إذا كفر بالصوم اندرج القضاء في الكفارة؛ إذ هو من جنسه, فلم يلزمه القضاء (١).
يمكن أن يناقش:
لا تعارض في إيجاب شيئين من جنس واحد لجهتين مختلفتين؛ فالتكفير بالصوم لمحو الذنب الحاصل بالجناية على الصوم, والقضاء لضمان ما أفسد بمثله.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بوجوب القضاء مطلقا على من جامع نهار رمضان, لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال الأقوال الأخرى.
المسألة الثانية: الجماع في صيام النفل .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على أن كفارة الجماع, لا تجب على الصائم صيام نفل (٢).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
أن الإفطار في رمضان أبلغ في الجناية, ولا يلحق غيره به؛ حيث وجبت في رمضان لحرمة الزمان, لا لنفس العبادة، فافترق صوم رمضان, وغيره؛ لكونها جناية على الصوم, والشهر جميعا, وغيره جناية على الصوم وحده؛ لأن الوقت في غير رمضان غير متعين للصوم (٣).
ثانيا: اختلف الفقهاء, في وجوب القضاء على من جماع امرأته, وهو صائم صيام نفل على قولين:
القول الأول:
لا يجب القضاء على من جامع امرأته, وهو صائم صيام نفل, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (٤) , والمذهب عند الحنابلة (٥).
стр. 186
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
حديث جويرية بنت الحارث ﵂، أن النبي ﷺ ، دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: (أصمت أمس؟ )، قالت: لا، قال: (تريدين أن تصومي غدا؟ ) قالت: لا، قال: (فأفطري) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
لو كان القضاء على من أفطر في صيام نفل واجبا, لأمرها به؛ إذ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
الدليل الثاني:
ما جاز ترك جميعه, جاز ترك بعضه, فلما جاز ترك صوم النفل جميعا بلا بدل, جاز الخروج منه بلا بدل (٢).
القول الثاني:
يجب القضاء على من جامع امرأته, وهو صائم صيام نفل, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٣) , والمالكية (٤) , ورواية عند الحنابلة (٥).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبطِلُوا أَعمَالَكُم﴾ (٦).
وجه الاستدلال بالآية:
أن صيام النفل عمل تجب صيانته بالمضي عن الإبطال, وإذا وجب المضي وجب القضاء بتركه, والنهي عن الإبطال يوجب الإتمام, فإذا ترك الإتمام الواجب عليه, يجب عليه القضاء (٧).
стр. 187
نوقش:
الآية يمكن حملها على الكراهة جمعا بين النصوص (١).
ويمكن أن يناقش وجه الاستدلال بالآية أيضا:
الآية عامة, وأحاديث إباحة الخروج من صيام النفل إلى غير بدل خاصة, والخاص مقدم على العام.
الدليل الثاني:
حديث عائشة ﵂ قالت: أهدي لي ولحفصة طعام، وكنا صائمتين فأفطرنا، ثم دخل رسول الله ﷺ ، فقلنا له: يا رسول الله، إنا أهديت لنا هدية، فاشتهيناها فأفطرنا، فقال رسول الله ﷺ : (لا عليكما صوما مكانه يوما آخر) (٢).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن النبي ﷺ أمر عائشة, وحفصة ﵄ بالقضاء عند الخروج من صوم النفل.
نوقش من وجهين:
الوجه الأول:
الحديث ضعيف لا تقوم به حجة (٣).
الوجه الثاني:
لو صح الحديث فيحمل على صوم النذر، توفيقا بين النصوص، أو يحمل الأمر بالقضاء على الندب, جمعا بين الأدلة، بقرينة: (لا عليكما) أي: لا بأس، ومن لا بأس عليه لا قضاء عليه (٤).
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بعدم وجوب القضاء على من جامع امرأته في صيام نفل؛ لموافقته ظاهر الأحاديث الصحيحة, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 188
المطلب الثاني: جماع الناسي في نهار رمضان .
اختلف الفقهاء في حكم جماع الناسي في نهار رمضان, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
من جامع ناسيا في نهار رمضان, فصومه صحيح, ولا يلزمه القضاء, ولا كفارة, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (١) , والشافعية (٢) , ورواية عند الحنابلة (٣).
دليل القول الأول:
حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا نسي فأكل, وشرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله, وسقاه) (٤).
وجه الاستدلال بالحديث:
نص الحديث على صحة صوم من أكل, أو شرب ناسيا, ويقاس على الأكل, والشرب كل ما يبطل الصوم من الجماع, وغيره .. ؛ لأن النسيان متصور في الجماع كما هو متصور في الأكل, والشرب (٥) , وإذا كان الصوم تاما صحيحا, لم يجب على الصائم قضاء, ولا كفارة.
القول الثاني:
يجب على من جامع ناسيا في نهار رمضان القضاء فقط, وهذا ما ذهب إليه المالكية (٦) , ورواية عند الحنابلة (٧).
стр. 189
دليل القول الثاني:
أولا: دليلهم على وجوب القضاء:
يمكن أن يستدل لهذا القول: أن النص خص عدم فساد الصوم في حالة النسيان بالأكل والشرب, ولم يذكر الجماع, ولاغيره من مفسدات الصوم, مع قيام الحاجة إلى بيان حكمها, وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز, فدل على بقائها على حكم الأصل, وهو أنها تُفسِد الصيام في العمد, والسهو.
يمكن أن يناقش:
أن النص إنما ذكر حالة النسيان في الأكل, والشرب, على سبيل المثال لا على سبيل الحصر؛ فيعتبر بالأكل, والشرب ماسواهما من مفسدات الصيام؛ إذ النسيان متصور في الكل, والشريعة لا تأتي بالتفريق بين المتشابهات.
ثانيا: دليلهم على عدم وجوب الكفارة:
أن الكفارة ماحية للذنب، ومع النسيان لا إثم ينمحي, فليس ثمة مصلحة من وجوب الكفارة (١).
القول الثالث:
من جامع ناسيا في نهار رمضان وجب عليه القضاء, والكفارة, وهو المذهب عند الحنابلة, ومن مفرداتهم (٢).
دليل القول الثالث:
حديث أبي هريرة ﵁، قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت. قال: (ما لك؟ ) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : (هل تجد رقبة تعتقها؟ ) قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين)، قال: لا، فقال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا) قال: لا، قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيها تمر قال: (أين السائل؟ ) فقال: أنا، قال: (خذها، فتصدق به) فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟
стр. 190
فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: (أطعمه أهلك) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن السؤال كالمعاد في الجواب، فكأن النبي ﷺ قال: (من وقع على امرأته, وهو صائم, فليعتق رقبة) فالحال يقتضي العموم, خاصةً أن النبي ﷺ أمر الأعرابي بالكفارة, ولم يسأله عن العمد, والسهو، ولو افترق الحال لسأل واستفصل (٢).
يمكن أن يناقش:
لو سُلم بعموم الأمر بالكفارة هنا, فالنصوص التي جاءت بعدم مؤاخذة الناسي خاصة, والخاص مقدم على العام, ومنها: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٣) , وحديث أبي هريرة ﵁: (إذا نسي فأكل, وشرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) (٤) , وحديث أنس ﵁: (من نسي صلاة, فليصل إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك) (٥) , فعادة الشرع عدم مؤاخذة الناسي, وعدم ترتيب الأحكام على أفعاله, خاصة في أحكام العبادات, فمالذي يمنع من طرد هذه الصورة إذن!
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بصحة صوم من جامع ناسيا في نهار رمضان؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولتطرق المناقشة على ما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى, ولقربه من قواعد الشرع في التيسير, ورفع الحرج.
стр. 191
المطلب الثالث: الإكراه على الجماع في نهار رمضان .
اختلف الفقهاء في حكم الإكراه على الجماع في نهار رمضان, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
من أكره على الجماع في نهار رمضان, صومه صحيح, ولا يلزمه القضاء, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (١) , ووجه عند الحنابلة (٢).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
عموم النصوص الدالة على عدم مؤاخذة المكره بأفعاله, وأنها لغو لا يترتب عليها شيء, ومنها: قوله -تعالى-: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُور رَّحِيم﴾ (٣) فلا تحد من أكرهت على الزنا, وكذلك قوله -تعالى-: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغوِ فِي أَيمَانِكُم وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَت قُلُوبُكُم وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيم﴾ (٤) فجعل سبحانه يمين الإكراه لغو لا يترتب عليها شيء؛ إذ يمين الكُره ليس من كسب القلب, وإذا كان الأمر كذلك فما الذي يخرج إكراه الصائم على الجماع عن نسق هذه الأحكام؟
الدليل الثاني:
حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من ذرعه قيء، وهو صائم، فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقض) (٥).
وجه الاستدلال بالحديث:
دل الحديث بمفهومه على أن كل ما حصل بغير اختيار الصائم, لم يجب به القضاء (٦).
стр. 192
الدليل الثالث:
حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: (إذا نسي فأكل وشرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن النبي ﷺ أضاف أكل الناسي إلى الله تعالى, وأسقط به القضاء, فدل على أن كل ما حصل بغير فعل الصائم لا يوجب القضاء, ومن جملة ذلك الجماع (٢).
نوقش من وجهين:
الوجه الأول:
الإكراه لا يغلب وجوده, وعذر النسيان غالب.
يمكن أن يجاب:
الغلبة وعدمها, ليست مناط إفساد الصوم, وإنما النظر إلى حصول المفطِّر بغير اختيار الصائم.
الوجه الثاني:
النسيان من قبل من له الحق, والحق لله تعالى, والإكراه من قبل غير من له الحق، فإذا كان كذلك, لم يصح أن يجعلا على السواء (٣).
يمكن أن يجاب:
يسلم أن النسيان يفارق الإكراه, بكون النسيان من قبل من له الحق, والإكراه من قبل غير من له الحق, إلا أنهما جميعا يصدق عليهما أنهما ليسا من قبل المكلف.
الدليل الرابع:
حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) (٤).
وجه الاستدلال بالحديث:
الوضع يشمل وضع الإثم, وما يترتب على الإثم من إفساد, أو كفارة.
стр. 193
القول الثاني:
يجب على من أكره على الجماع في نهار رمضان القضاء فقط, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , ورواية عند الحنابلة (٣).
دليل القول الثاني:
الوطء يفسد الصوم فأفسده عن كل حال (٤) , والكفارة إما أن تكون عقوبة، أو ماحية للذنب، ولا حاجة إليها مع الإكراه، لعدم الإثم مع الإكراه (٥).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم بأن الوطء يفسد الصوم على كل حال, بل إفساد الجماع للصوم, تقيده النصوص الدالة على عدم مؤاخذة المكره بأفعاله؛ ومنها: قوله -تعالى-: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَن أُكرِهَ وَقَلبُهُ مُطمَئِنُّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالكُفرِ صَدرا﴾ (٦) , فإذا كان التلفظ بكلمة الكفر كرها لا يفسد الإيمان, فالجماع كرها أولى ألا يفسد شيئا من شعب الإيمان, وهو الصوم.
القول الثالث:
إذا أكره الرجل على الجماع في نهار رمضان وجب عليه القضاء, والكفارة, وإذا أكرهت المرأة عليها القضاء فقط, وهو المذهب عند الحنابلة (٧).
دليل القول الثالث:
الإكراه على الوطء لا يمكن تصوره من الرجل؛ لأنه لا يطأ حتى ينتشر، ولا ينتشر إلا عن شهوة, ورغبة، فكان كغير المكره (٨) , بخلاف المرأة فيمكن تصور إكراهها على الجماع.
стр. 194
نوقش: الانتشار قد يكون بالطبع, فلا يكون دليلا على الاختيار (١).
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بعدم فساد صوم المكره على الجماع؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلالات الأقوال الأخرى.
стр. 195
المطلب الرابع: الجماع في نهار رمضان جهلا بتحريمه .
اختلف الفقهاء في حكم الجماع في نهار رمضان جهلا بتحريمه, على أربعة أقوال:
القول الأول:
من جامع في نهار رمضان جهلا بتحريمه, إن كان قريب عهد بإسلام, أو نشأ ببادية بعيدة, بحيث يخفى عليه كون هذا مفطرا, لم يفطر, وإن كان مخالطا للمسلمين, بحيث لا يخفى عليه تحريمه أفطر, وهذا هو الأصح من مذهب الشافعية (١).
دليل القول الأول:
من كان قريب عهد بإسلام, أو نشأ ببادية بعيدة, لم يفطر؛ لأنه لا يأثم, فأشبه الناسي, وإن كان مخالطا للمسلمين, بحيث لا يخفى عليه تحريمه, أفطر؛ لأنه مقصر في السؤال, والبحث, عن أمر ظاهر مشتهر (٢).
القول الثاني:
يفسد صوم من جامع في نهار رمضان جهلا بتحريمه, ويجب عليه القضاء, والكفارة, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٣) , وأحد القولين عند المالكية (٤).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
حديث أبي هريرة ﵁، قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت. قال: (ما لك؟ ) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : (هل تجد رقبة تعتقها؟ ) قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين)، قال: لا، فقال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا) قال: لا، قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيها تمر قال:
стр. 196
(أين السائل؟ ) فقال: أنا، قال: (خذها، فتصدق به) فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: (أطعمه أهلك) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن النبي ﷺ أمر الأعرابي بالكفارة, ولم يسأله عن حاله هل تعمد، أو جهل، أو نسي؟ مع أنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، وليس كلهم يعرف الفرق بين أحكام الخطأ, والعمد (٢).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم بأن الرجل كان جاهلا بتحريم الجماع في نهار رمضان؛ لأنه جاء للنبي ﷺ وهو يقول: (هلكت) , ولو كان جاهلا بالتحريم, لما عد فعلته من المهلكات, بل عبارته تدل على أنه كان يعلم تغليظ حرمة الجماع في نهار رمضان؛ لذلك جاء نادما يسأل عن كفارة لفعله.
الدليل الثاني:
مجرد الجهل ليس بعذر في دار الإسلام, خاصة فيما ظهر, واشتهر من الأحكام, كالجماع في نهار رمضان (٣).
يمكن أن يناقش:
قد يكون في دار الإسلام من هو حديث عهد بالإسلام, فلم تبلغه هذه الأحكام.
القول الثالث:
يفسد صوم من جامع في نهار رمضان جهلا بتحريمه, ويجب عليه القضاء فقط, وهذا هو المعتمد عند المالكية (٤) , والمذهب عند الحنابلة (٥).
стр. 197
دليل القول الثالث:
حديث شداد بن أوس ﵁ بينما هو يمشي مع رسول الله ﷺ بالبقيع، فمر على رجل يحتجم بعد ما مضى من الشهر ثماني عشرة ليلة، فقال رسول الله ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن قوله ﷺ : (أفطر الحاجم والمحجوم) في حق رجلين رآهما يحجم أحدهما صاحبه, من جهلهما بتحريمه؛ يدل على أن الجهل لا يعذر به (٢) , لكن تسقط عنه الكفارة؛ لأنه لم يقصد انتهاك صومه, والكفارة شُرعت لتكفير الذنب, ولا ذنب على الجاهل (٣).
يمكن أن يناقش:
يحتمل أنه ﷺ لم يعذرهما بالجهل بالمفطر؛ لأنهما كانا في دار الإسلام, وبين ظهرانيهم النبي ﷺ وسؤاله متيسر, فلم يعذرهما.
القول الرابع:
من جامع في نهار رمضان جهلا بتحريمه فصومه صحيح مطلقا, وهذا ما ذهب إليه بعض الشافعية (٤) , وأبو الخطاب (٥) من الحنابلة (٦).
стр. 198
دليل القول الرابع:
الجهل عذر يمنع التأثيم؛ فيمنع الفطر, كالنسيان, ومن كان معذورا بجهله, لم تلزمه كفارة ذنبه (١).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم بأن الجهل يكون عذرا مطلقا, فمن كان بين المسلمين, والوصول للعلم, والعلماء, سهل متيسر عليه, ووقع في أمر لا يكاد تحريمه يخفى على عامة الناس, كالجماع في نهار رمضان, فلا وجه لعذره بالجهل؟
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بصحة صوم من جامع جهلا بتحريم الجماع في نهار رمضان, إذا كان مثله يخفى عليه تحريم الجماع في الصوم؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولتطرق الاحتمال, والمناقشة على ما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى.
стр. 199
المطلب الخامس: جماع الزوجة الصائمة وهي نائمة , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا جامع الرجل امرأته النائمة, وهي صائمة صياما واجبا, ولم تستيقظ إلا بعد فراغه من جماعها, فما الواجب في حقها؟
المسألة الثانية: جماع الزوجة الصائمة وهي نائمة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على قولين:
القول الأول:
لا يجب على المرأة قضاء, ولا كفارة, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (١) , ووجه عند المالكية (٢) , ووجه عند الحنابلة (٣).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٤).
وجه الاستدلال بالآية:
أن من لم يؤاخذ بكلمة الكفر حال الإكراه, أولى ألا يؤاخذ بوطء في حال إكراه, بل وطء لم يعلم به, ولم يشعر به.
الدليل الثاني:
حديث عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ, وعن الصبي حتى يبلغ, وعن المعتوه حتى يعقل) (٥).
стр. 200
وجه الاستدلال بالحديث:
أن الحديث نص في عدم اعتبار أفعال النائمين.
الدليل الثالث:
حديث أبي ذر الغفاري، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله قد تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن الوطء في حال النوم, ضرب من الإكراه.
الدليل الرابع:
من لا يفطر بالأكل ناسيا, لا يفطر بالوطء ناسيا, ومن لم يفطر بالوطء ناسيا, فلأن لا يفطر به نائما أولى (٢).
الدليل الخامس:
المرأة النائمة لم يوجد منها فعل, فلم تشعر بالجماع, ولم تجد طعمه, ولم تذق عسيلته؛ فلم تفطر، كما لو صب في حلقها ماء بغير اختيارها (٣).
القول الثاني:
يجب على المرأة القضاء فقط, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٤) , وقول عند المالكية (٥) , والمذهب عند الحنابلة (٦).
стр. 201
دليل القول الثاني:
الصوم عبادة يفسدها الوطء، ففسدت به على كل حال (١).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم بفساد الصوم بالوطء على كل حال, بل النصوص استثنت الأفعال, التي تكون بغير اختيار المكلف, من الاعتبار, والمؤاخذة.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بعدم لزوم القضاء على من جومعت وهي نائمة في صوم واجب؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني, وإن كان القول الأول أقرب لدلالة نصوص الكتاب, والسنة, إلا أن القول الثاني أسلم من الخلاف, وأبرأ لذمة المسلم -والله أعلم-.
стр. 202
المطلب السادس: جماع من غلبه الشبق (١) في نهار رمضان .
اختلف الفقهاء في حكم جماع من غلبه الشبق في نهار رمضان, على قولين:
القول الأول:
الشبق في نهار رمضان ليس بمبيح للفطر, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والشافعية (٤).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
ليالي رمضان متخللة أيامه الممنوع فيها إتيان النساء، وفي تخلل الليالي مقنع, ومندوحة عن الفطر بالجماع في النهار (٥).
الدليل الثاني:
أن الجماع في نهار رمضان أعظم جناية, وأشد إفطارا من الأكل, والشرب, فحتى لو رخص لمن اشتد به الجوع, والعطش في الفطر, لا يرخص لصاحب الشبق (٦).
القول الثاني:
يجوز الوطء في نهار رمضان, لمن به شبق لا تندفع شهوته بما دون الجماع, وخاف على نفسه الضرر من احتباس شهوته, وهو المذهب عند الحنابلة (٧).
دليل القول الثاني:
لم أقف على استدلال لهذا القول, إلا أنه يمكن الاستدلال لهذا القول, فيقال:
صاحب الشبق متضرر بالصيام, كالمريض, ومن اشتد به الجوع, والعطش, فيرفع عنه الضرر, إلى بدل.
الترجيح:
الذي يظهر -والله أعلم- أن الخلاف لفظي في هذه المسألة؛ إذ القيد المذكور في القول الثاني, وهو: (عدم اندفاع الشهوة بما دون الجماع, وخوف الضرر على النفس بسبب احتباس الشهوة) معتبر أيضا عند أصحاب القول الأول؛ لأنه إذا تعارضت مفسدتان, دفعت أعلاهما مقابل احتمال الأخف منهما, والإضرار بالنفس أشق من مفسدة إفساد الصوم بالجماع.
стр. 203
المطلب السابع: نزع المجامع مع أول طلوع الفجر , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا جامع الرجل امرأته في ليالي رمضان, ثم طلع الفجر, فنزع من حاله فما حكم صيامهما؟
المسألة الثانية: حكم نزع المجامع مع أول طلوع الفجر:
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على وجوب نزع المجامع من حاله, إذا طلع الفجر في شهر رمضان, وهو ممن يلزمه صيامه (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
حديث البراء ﵁ قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم, فأنزل الله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاس لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاس لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ (٢) ' (٣).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن الله جعل غاية إباحة النساء إلى طلوع الفجر.
ثانيا: اختلف الفقهاء في حكم صوم من نزع من الجماع حين طلع الفجر, على قولين:
стр. 204
القول الأول:
يصح صيامه ولا يلزمه القضاء, وهذا ما ذهب إليه أكثر الحنفية (١) , والمالكية (٢) , وأكثر الشافعية (٣) , وقول عند الحنابلة (٤).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٥).
وجه الاستدلال بالآية:
أن الله -سبحانه- جعل جميع الليل زمانا للإباحة، فإذا نزع مع آخر الإباحة اقتضى أن لا يفسد صومه (٦).
الدليل الثاني:
الإخراج هو: ترك للجماع, وضد الإيلاج، فوجب أن يختلف الحكم فيهما، فإنه لو قال: والله لا دخلت هذه الدار, وهو داخلها فبادر إلى الخروج منها لم يحنث، ولو قال: والله لا لبست هذا الثوب، وهو لابسه فبادر إلى نزعه, لم يحنث, كذلك حكم الإخراج، يجب أن يكون مخالفا لحكم الإيلاج (٧).
стр. 205
الدليل الثالث:
يمكن أيضا أن يستدل لهذا القول:
من نزع حين طلوع الفجر, فقد امتثل لأمر الإمساك بما يستطيع, وجماعه السابق لطلوع الفجر, فعل لأمر مباح غير مضاد للصوم, وإبطال صومه إما أن يكون تكليف بما لا يستطاع, وإما أن يكون تحريم للحلال, وكلاهما ممنوع.
القول الثاني:
لا يصح صيامه, ويجب عليه القضاء فقط, وهذا ما ذهب إليه زفر (١) من الحنفية (٢) , والمزني (٣) من الشافعية (٤).
دليل القول الثاني:
وُجِد جزء من الجماع وقع بعد طلوع الفجر، وإن قل, وهذا يكفي لفساد الصوم؛ لوجود المضادة له (٥).
نوقش:
لم يوجد بعد طلوع الفجر إلا الامتناع من قضاء الشهوة, فالموجود منه بعد الطلوع، هو النزع، والنزع ترك للجماع, وترك الشيء لا يكون محصلا له, بل يكون اشتغالا بضده، فلم يفسد صومه (٦).
القول الثالث:
لا يصح صومه, وعليه القضاء, والكفارة, وهذا هو المذهب عند الحنابلة (٧).
стр. 206
دليل القول الثالث:
النزع جماع يلتذ به، فتعلق به ما يتعلق بالاستدامة، كالإيلاج (١).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم بأن النزع جماع, بل هو ترك للجماع, ولا يمكن أن يسوى بين الفعل, وتركه!
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بصحة صيام من نزع عند طلوع الفجر في رمضان؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال الأقوال الأخرى.
стр. 207
المطلب الثامن: استدامة الجماع مع طلوع الفجر , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
من جامع قبل الفجر في رمضان, ثم طلع الفجر, ولم ينزع, واستدام جماعه, فما حكمه؟
المسألة الثانية: : حكم استدامة الجماع مع طلوع الفجر:
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على فساد صوم من استدام الجماع مع طلوع الفجر (١).
ويمكن أن يُستدل على الاتفاق بما يأتي:
طلوع الفجر وقت بداية وجوب الصوم؛ فوجب أن يكون خاليا عن المفطرات, كالآكل إذا طلع عليه الفجر, وجب عليه إلقاء ما في فمه.
ثانيا: اختلف الفقهاء في الواجب باستدامة الجماع مع طلوع الفجر, على قولين:
القول الأول:
يجب على من استدام الجماع بعد طلوع الفجر, القضاء, والكفارة, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم: أبو يوسف من الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والمنصوص عند الشافعية (٤) , والمذهب عند الحنابلة (٥).
стр. 208
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
من استدام الجماع بعد طلوع الفجر, فقد منع صوم يوم من رمضان, بجماع من غير عذر, فوجبت عليه الكفارة, كما لو وطئ في أثناء النهار (١).
الدليل الثاني:
من استدام الجماع بعد طلوع الفجر, فقد ترك صوم رمضان, بجماع أثم به؛ لحرمة الصوم، فوجبت به الكفارة (٢).
القول الثاني:
يجب على من استدام الجماع بعد طلوع الفجر, القضاء فقط, دون الكفارة, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٣) , ووجه عند الشافعية (٤).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
أن الشبهة قد تمكنت في فعله؛ من حيث إن ابتداءه لم يكن جناية, فهو شبهة في اتحاد أول الفعل بآخره (٥).
يمكن أن يناقش من وجهين:
الوجه الأول:
لا يسلم بدرء الكفارات بالشُبَه؛ إذ الكفارات غالبا تقع على الأموال, وهي أخف خطرا من الأبدان.
стр. 209
الوجه الثاني:
لو سلم أن الكفارات تدرء بالشُبْهة, لكانت هذه شبهة واهية, لا تكفي لدرء الكفارة؛ إذ ابتداء الفعل بإذن مقيد, لا يعني استدامة الإذن؛ فإن كل صاحب حق إذا أذن بشيء له حد معين, كانت مجاوزته جناية تستحق العقوبة, وتكون الجناية في التجاوز لا في الابتداء.
الدليل الثاني:
أن الكفارة إنما تجب بإفساد الصوم, وذلك بعد وجوده، وبقاؤه في الجماع يمنع وجود الصوم, فاستحال إفساده, فلا كفارة (١).
يمكن أن يناقش من وجهين:
الوجه الأول:
وجود الصوم حاصل بنية صيام الشهر في أوله.
الوجه الثاني:
لو سلم بعدم وجود الصوم, لكان منع انعقاد الصوم بلا عذر, أعظم جناية من إفساده.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان ما ذهب إليه الجمهور في القول الأول؛ من أن استدامة الجماع بعد طلوع الفجر توجب القضاء والكفارة؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 210
المطلب التاسع: الجماع بعد طلوع الفجر ظاناً عدم طلوعه , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
من جامع بعد طلوع الفجر في نهار رمضان, وهو يظن أن الفجر لم يطلع, فهل يفسد صومه بذلك الجماع, ومالذي يلزمه بفساده؟
المسألة الثانية: حكم الجماع بعد طلوع الفجر ظاناً عدم طلوعه:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على قولين:
القول الأول:
من جامع ظانا أن الفجر لم يطلع, صومه صحيح, ولا يلزمه قضاء, وهو وجه عند الشافعية (١) , ورواية عند الحنابلة (٢).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قالت: أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم، ثم طلعت الشمس. قيل لهشام: فأمروا بالقضاء؟ قال: لا بد من قضاء, وقال معمر: سمعت هشاما -يقول-: لا أدري أقضوا أم لا (٣).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن أسماء ﵂ لم تذكر أنهم أمروا بالقضاء، ولو أمرهم النبي ﷺ لشاع ذلك، ولنقله الصحابة, كما نقلوا فطرهم، فلما لم ينقل؛ دل على أنه لم يأمرهم بالقضاء, أما قول هشام: لابد من قضاء, فهو قول برأيه, بل شكه في الرواية الثانية لا يدري أقضوا أم لا, يدفع جزمه (٤).
الدليل الثاني:
الأصل بقاء الليل, والفجر طارئ, فمن جامع يظن أن الفجر لم يطلع, فقد عمل بالأصل (٥).
стр. 211
القول الثاني:
يفسد صوم من جامع ظانا أن الفجر لم يطلع, ويقضي يوما مكانه, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والشافعية (٣) , والمذهب عند الحنابلة (٤).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
من جامع بعدما طلع الفجر, وهو يظن أن الفجر لم يطلع, فقد فوت أداء الواجب بعد تقرر سبب الوجوب؛ فيضمنه بالمثل بما هو مشروع له, فهو حق مضمون بالمثل، كالمريض، والمسافر (٥).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم بصحة القياس على المريض, والمسافر؛ فإن المريض, والمسافر, حين يفطر الواحد منهما, فإنه يفطر عامدا مختارا ذاكرا, وليس الأمر كذلك في هذه الصورة, بل قياسه على الناسي المعذور أولى.
الدليل الثاني:
الجماع بعد طلوع الفجر ظانا عدم طلوعه, ليس إلا جهلا بوقت الصيام، فلم يعذر به، كالجهل بأول رمضان (٦).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم أيضا بصحة القياس على من جهل أول رمضان, فإن من جهل أول رمضان لم يُبيت نية الصوم, بخلاف من جامع ظانا أن الفجر لم يطلع, فإنه مبيت لنية الصوم, لكنه أخطأ في وقت وجوب الإمساك.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ فإنه الأقرب موافقةً لظاهر الحديث الصحيح, كما أنه الأقرب إعمالا للقواعد الفقهية, ومنها قاعدة: الأصل بقاء ماكان على ماكان (٧).
стр. 212
المطلب العاشر: الجماع قبل غروب الشمس ظاناً غروبها , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: أن يظن أن الشمس قد غربت, فيجامع, ثم لا يتبين له بعد ذلك هل كان جماعه بعد الغروب, أو قبل الغروب.
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على قولين:
القول الأول:
من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, ولم يستيقن شيئا بعد ذلك, فصومه صحيح, ولا يلزمه قضاء, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم, من: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , وأحد القولين عند الشافعية (٣) , والمذهب عند الحنابلة (٤).
دليل القول الأول:
غلبة الظن معمول بها في الشريعة, ولم يوجد يقين أزال ذلك الظن الذي بنى عليه, فالأصل بقاء غلبة ظنه (٥).
القول الثاني:
من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, ولم يستيقن شيئا بعد ذلك, فصومه فاسد, ويجب عليه القضاء, وهو القول الآخر عند الشافعية (٦).
دليل القول الثاني:
الأصل بقاء النهار ووجوب الإمساك، فلا ينتقل الصائم عن هذا الحكم إلا بتيقن خروج النهار؛ إذ أن تحصيل اليقين مقدور عليه بصبر زمن يسير يتيقن به دخول الليل, وخروج النهار (٧).
стр. 213
يمكن أن يناقش:
الظن الغالب يقوم مقام اليقين عند تعذر اليقين, ولا يُسلم أن كل صائم يصير إلى اليقين بصبر زمن يسير, كالمحبوس الذي لا يرى الشمس, وكأهل البلدان الذين لا تطلع عليهم الشمس إلا في الصيف, لا سيما مع ندب الشارع تعجيل الفطر في أول الوقت, فغاية ما في هذه الحالة أن المكلف عجل الفطر لينال فضيلة التعجيل, بناءً على اجتهاده, وغلبة ظنه.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول, القائل بأن من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, ولم يستيقن شيئا بعد ذلك, فصومه صحيح, ولا يلزمه قضاء؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
المسألة الثانية: أن يظن أن الشمس قد غربت, فيجامع, ثم يتبين له عدم غروبها.
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على قولين:
القول الأول:
من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, ثم تبين له أنها لم تغرب, فصومه صحيح, ولا يلزمه قضاء, وهو وجه عند الشافعية (١) , ورواية عند الحنابلة (٢).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قالت: أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم، ثم طلعت الشمس (٣).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن الحديث نص في هذه المسألة؛ إذ لو أمرهم النبي ﷺ بالقضاء لشاع ذلك، فلما لم ينقل؛ دل على أنه لم يأمرهم بالقضاء (٤).
стр. 214
الدليل الثاني:
من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, وهي لم تغرب, فهو معذور كالناسي (١).
القول الثاني:
يفسد صوم من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, ثم تبين له أنها لم تغرب, ويقضي يوما مكانه, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والشافعية (٤) , والمذهب عند الحنابلة (٥).
دليل القول الثاني:
الأصل بقاء النهار، وهو ظن انقضاء اليوم، ثم تحقق خلاف ظنه، واليقين مقدم على الظن (٦).
يمكن أن يناقش:
من جامع في الليل وهو يظن الفجر لم يطلع, ثم تبين له أنه طالع, فالأصل عنده بقاء الليل, ومع ذلك حكم الجمهور بفطره, ووجوب القضاء عليه!
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول, القائل بأن من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, ثم تبين له أنها لم تغرب, فصومه صحيح, ولا يلزمه قضاء؛ لقربه من موافقة ظاهر الحديث الصحيح, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 215
المطلب الحادي عشر: مقدمات الجماع للصائم , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
من قبل امرأته, أو باشرها دون الفرج, وهو صائم, فماحكم فعله؟
المسألة الثانية: حكم مقدمات الجماع للصائم:
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على أن من أتى شيئا من مقدمات الجماع, ولم يخرج منه مني, ولا مذي, فصومه صحيح (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
الإجماع المحكي في المسألة (٢).
الدليل الثاني:
القياس على المضمضة؛ فالمضمضة إذا لم يكن معها نزول للماء إلى الجوف لم يفطر بها الصائم, فكذلك مقدمات الشهوة، إذا لم يكن معها إنزال للمني, ولا للمذي لم يفطر بها الصائم أيضا (٣).
ثانيا: اتفق الفقهاء على من أتى شيئا من مقدمات الجماع, فأمنى, فإن صومه فاسد, ويجب عليه القضاء (٤).