القول الثاني:
يفسد صوم من جامع ظانا أن الفجر لم يطلع, ويقضي يوما مكانه, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والشافعية (٣) , والمذهب عند الحنابلة (٤).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
من جامع بعدما طلع الفجر, وهو يظن أن الفجر لم يطلع, فقد فوت أداء الواجب بعد تقرر سبب الوجوب؛ فيضمنه بالمثل بما هو مشروع له, فهو حق مضمون بالمثل، كالمريض، والمسافر (٥).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم بصحة القياس على المريض, والمسافر؛ فإن المريض, والمسافر, حين يفطر الواحد منهما, فإنه يفطر عامدا مختارا ذاكرا, وليس الأمر كذلك في هذه الصورة, بل قياسه على الناسي المعذور أولى.
الدليل الثاني:
الجماع بعد طلوع الفجر ظانا عدم طلوعه, ليس إلا جهلا بوقت الصيام، فلم يعذر به، كالجهل بأول رمضان (٦).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم أيضا بصحة القياس على من جهل أول رمضان, فإن من جهل أول رمضان لم يُبيت نية الصوم, بخلاف من جامع ظانا أن الفجر لم يطلع, فإنه مبيت لنية الصوم, لكنه أخطأ في وقت وجوب الإمساك.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ فإنه الأقرب موافقةً لظاهر الحديث الصحيح, كما أنه الأقرب إعمالا للقواعد الفقهية, ومنها قاعدة: الأصل بقاء ماكان على ماكان (٧).
стр. 212
المطلب العاشر: الجماع قبل غروب الشمس ظاناً غروبها , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: أن يظن أن الشمس قد غربت, فيجامع, ثم لا يتبين له بعد ذلك هل كان جماعه بعد الغروب, أو قبل الغروب.
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على قولين:
القول الأول:
من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, ولم يستيقن شيئا بعد ذلك, فصومه صحيح, ولا يلزمه قضاء, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم, من: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , وأحد القولين عند الشافعية (٣) , والمذهب عند الحنابلة (٤).
دليل القول الأول:
غلبة الظن معمول بها في الشريعة, ولم يوجد يقين أزال ذلك الظن الذي بنى عليه, فالأصل بقاء غلبة ظنه (٥).
القول الثاني:
من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, ولم يستيقن شيئا بعد ذلك, فصومه فاسد, ويجب عليه القضاء, وهو القول الآخر عند الشافعية (٦).
دليل القول الثاني:
الأصل بقاء النهار ووجوب الإمساك، فلا ينتقل الصائم عن هذا الحكم إلا بتيقن خروج النهار؛ إذ أن تحصيل اليقين مقدور عليه بصبر زمن يسير يتيقن به دخول الليل, وخروج النهار (٧).
стр. 213
يمكن أن يناقش:
الظن الغالب يقوم مقام اليقين عند تعذر اليقين, ولا يُسلم أن كل صائم يصير إلى اليقين بصبر زمن يسير, كالمحبوس الذي لا يرى الشمس, وكأهل البلدان الذين لا تطلع عليهم الشمس إلا في الصيف, لا سيما مع ندب الشارع تعجيل الفطر في أول الوقت, فغاية ما في هذه الحالة أن المكلف عجل الفطر لينال فضيلة التعجيل, بناءً على اجتهاده, وغلبة ظنه.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول, القائل بأن من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, ولم يستيقن شيئا بعد ذلك, فصومه صحيح, ولا يلزمه قضاء؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
المسألة الثانية: أن يظن أن الشمس قد غربت, فيجامع, ثم يتبين له عدم غروبها.
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على قولين:
القول الأول:
من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, ثم تبين له أنها لم تغرب, فصومه صحيح, ولا يلزمه قضاء, وهو وجه عند الشافعية (١) , ورواية عند الحنابلة (٢).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، قالت: أفطرنا على عهد النبي ﷺ يوم غيم، ثم طلعت الشمس (٣).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن الحديث نص في هذه المسألة؛ إذ لو أمرهم النبي ﷺ بالقضاء لشاع ذلك، فلما لم ينقل؛ دل على أنه لم يأمرهم بالقضاء (٤).
стр. 214
الدليل الثاني:
من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, وهي لم تغرب, فهو معذور كالناسي (١).
القول الثاني:
يفسد صوم من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, ثم تبين له أنها لم تغرب, ويقضي يوما مكانه, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٢) , والمالكية (٣) , والشافعية (٤) , والمذهب عند الحنابلة (٥).
دليل القول الثاني:
الأصل بقاء النهار، وهو ظن انقضاء اليوم، ثم تحقق خلاف ظنه، واليقين مقدم على الظن (٦).
يمكن أن يناقش:
من جامع في الليل وهو يظن الفجر لم يطلع, ثم تبين له أنه طالع, فالأصل عنده بقاء الليل, ومع ذلك حكم الجمهور بفطره, ووجوب القضاء عليه!
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول, القائل بأن من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, ثم تبين له أنها لم تغرب, فصومه صحيح, ولا يلزمه قضاء؛ لقربه من موافقة ظاهر الحديث الصحيح, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 215
المطلب الحادي عشر: مقدمات الجماع للصائم , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
من قبل امرأته, أو باشرها دون الفرج, وهو صائم, فماحكم فعله؟
المسألة الثانية: حكم مقدمات الجماع للصائم:
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على أن من أتى شيئا من مقدمات الجماع, ولم يخرج منه مني, ولا مذي, فصومه صحيح (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
الإجماع المحكي في المسألة (٢).
الدليل الثاني:
القياس على المضمضة؛ فالمضمضة إذا لم يكن معها نزول للماء إلى الجوف لم يفطر بها الصائم, فكذلك مقدمات الشهوة، إذا لم يكن معها إنزال للمني, ولا للمذي لم يفطر بها الصائم أيضا (٣).
ثانيا: اتفق الفقهاء على من أتى شيئا من مقدمات الجماع, فأمنى, فإن صومه فاسد, ويجب عليه القضاء (٤).
стр. 216
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
ركن الصوم هو الإمساك عن شهوة البطن, والفرج, وإنزال المني بمقدمات الجماع, يحصل به قضاء شهوة الفرج, فانعدم ركن الصوم, ولا يتصور أداء العبادة بدون ركنها (١).
ثالثا: اتفق الفقهاء على أن من كان يخشى على نفسه الجماع, أو إنزال المني, فإنه يكره أن يقبل امرأته, أو يباشرها (٢).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
حديث عائشة ﵂، قالت: كان النبي ﷺ : يقبل, ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه (٣) ' (٤).
وجه الاستدلال بالحديث:
أشارت ﵂ إلى أنه ﷺ إنما كان يقبل, ويباشر؛ لأنه كان لا يخشى على نفسه إفساد صومه بجماع, أو إنزال.
رابعا: اختلف الفقهاء في حكم صيام من أتى شيئا من مقدمات الجماع, فأمذى, على قولين:
القول الأول:
لا يفسد صوم من أمذى بشيء من مقدمات الجماع, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٥) , والشافعية (٦) , وقول بعض الحنابلة (٧).
стр. 217
دليل القول الأول:
لم يوجد ما ينافي صورة الصوم, ولا معناه؛ إذ لم يحصل قضاء تمام الشهوة بإيلاج الفرج في الفرج, ولا بإنزال المني بالمس عن شهوة, فلم يفسد الصوم (١).
القول الثاني:
يفسد صوم من أمذى بشيء من مقدمات الجماع, وهذا ما ذهب إليه المالكية (٢) , والصحيح من مذهب الحنابلة (٣).
دليل القول الثاني:
خارج تخلله شهوة، وخرج بالمباشرة، فأفسد الصوم، كالمني (٤).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم بصحة قياس المذي على المني, بل هو أشبه بالبول؛ بجامع عدم إفساد الطهارة الكبرى.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول, القائل بأن من أمذى بشيء من مقدمات الجماع, فصومه صحيح, ولا يلزمه قضاء؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
خامسا: اختلف الفقهاء في حكم مقدمات الجماع للصائم, إذا كان لا يخشى عل نفسه الجماع, أو إنزال المني, على قولين:
القول الأول:
تباح القبلة, ونحوها .. إن أمن الجماع, أو إنزال المني, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٥) , والشافعية (٦) , والمذهب عند الحنابلة (٧).
стр. 218
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
حديث عمر بن أبي سلمة (١)، أنه سأل رسول الله ﷺ : أيقبل الصائم؟ فقال له رسول الله ﷺ : (سل هذه) لأم سلمة فأخبرته، أن رسول الله ﷺ يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال له رسول الله ﷺ : (أما والله، إني لأتقاكم لله، وأخشاكم له) (٢).
وجه الاستدلال بالحديث:
بين ﷺ أنه وأمته سواء في هذا الحكم, وأن من لا يخشى على نفسه إفساد صومه من القبلة, ونحوها, فلا حرج عليه فيها.
الدليل الثاني:
حديث عمر بن الخطاب، قال: هششت يوما فقبلت وأنا صائم، فأتيت النبي ﷺ ، فقلت: صنعت اليوم أمرا عظيما، قبلت وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : (أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ ) قلت: لا بأس بذلك، فقال رسول الله ﷺ : (ففيم؟ ) (٣).
وجه الاستدلال بالحديث:
نبه ﷺ إلى القياس القبلة على المضمضة, وأنها لا تفطر إلا بما يترتب عليها.
الدليل الثالث:
أنها مباشرة لغير شهوة، فأشبهت لمس اليد لحاجة (٤).
стр. 219
القول الثاني:
تكره القبلة, ونحوها .. حتى وإن أمن الجماع, أو إنزال المني, وهذا ما ذهب إليه المالكية (١) , ورواية عند الحنابلة (٢).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
القبلة, ونحوها .. داعية لحدوث الشهوة, وسبب مفض إلى الجماع, والإنزال (٣).
يمكن أن يناقش:
النبي ﷺ أحرص على أمته, ولو كان يخاف عليهم فساد الصوم بالقبلة, على كل حال, لنهاهم عنها بإطلاق.
الدليل الثاني:
كل شيء منع من الجماع منع من دواعيه, كالحج (٤).
نوقش:
القياس على الحج لا يصح؛ لأنه أبلغ في منع دواعي الجماع, من الصوم؛ فإنه يمنع عقد النكاح, والطيب, وهما دون القبلة, فجاز أن يمنع من القبلة، وليس كذلك الصوم (٥).
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بإباحة القبلة, ونحوها .. إن أمن الجماع, أو إنزال المني؛ لموافقته ظاهر الأحاديث الصحيحة, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 220
المبحث الثالث: مسائل الكفارة المختصة بالزوجين , وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: كفارة المرأة الموطوءة في نهار رمضان.
المطلب الثاني: كفارة من جامع يظن عدم طلوع الفجر.
المطلب الثالث: كفارة من جامع يظن غروب الشمس.
المطلب الرابع: تعدد الجماع, وأثره على الكفارة.
المطلب الخامس: انتقال صاحب الشبق إلى الإطعام في الكفارة.
стр. 221
المطلب الأول: كفارة المرأة الموطوءة في نهار رمضان , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا وطئ الرجل زوجته, وهي مطاوعةٌ في نهار رمضان, فهل تجب على المرأة كفارة؟
المسألة الثانية: حكم كفارة المرأة الموطوءة في نهار رمضان:
اختلف الفقهاء في المسألة, على قولين:
القول الأول:
يجب على المرأة كفارة, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , وقول عند الشافعية (٣) , والمذهب عند الحنابلة (٤).
دليل القول الأول:
كفارة الجماع في نهار رمضان, عقوبة تتعلق بالجماع، فاستوى فيها الرجل, والمرأة، كحد الزنا, وهذا السبب يتحقق في جانب المرأة, كما يتحقق في جانب الرجل, فنلزمها الكفارة, كما يلزمها الحد بسبب الزنا؛ فإن تمكينها للرجل يعتبر فعلا كاملا (٥).
القول الثاني:
لا تجب على المرأة كفارة, وهو قول عند الشافعية (٦) , ورواية عند الحنابلة (٧).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
حديث أبي هريرة ﵁، قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت. قال: (ما لك؟ ) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال
стр. 222
رسول الله ﷺ : (هل تجد رقبة تعتقها؟ ) قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين)، قال: لا، فقال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا) قال: لا، قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيها تمر قال: (أين السائل؟ ) فقال: أنا، قال: (خذها، فتصدق به) فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: (أطعمه أهلك) (١).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن النبي ﷺ لم يأمر الأعرابي إلا برقبة واحدة, ولو كان على المرأة كفارة, لأمر زوجته أيضا بالتكفير (٢).
نوقش:
أن بيان النبي ﷺ الكفارة في جانب الرجل, بيانٌ للكفارة في جانب المرأة؛ لأن كفارتهما واحدة, فالنص وإن ورد في الرجل, لكنه معلول بمعنى يوجد في الرجل, والمرأة على حد السواء، وهو: إفساد صوم رمضان, بجماع يأثم به, فوجبت عليها الكفارة بدلالة النص (٣).
الدليل الثاني:
كفارة الجماع في نهار رمضان, غُرم مالي يختص بالجماع؛ فيجب على الرجل دون المرأة؛ كالمهر يجب على الرجل وحده (٤).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم بصحة قياس المهر على الكفارة, فالكفارة عقوبة, والمهر فريضة, كما أن الكفارة محددة من قبل الشارع, والمهر لا حد فيه.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول القائل؛ بوجوب الكفارة على المرأة, لوجاهة استدلالهم, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 223
المطلب الثاني: كفارة من جامع يظن عدم طلوع الفجر , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
من جامع بعد طلوع الفجر في رمضان, وهو يظن أن الفجر لم يطلع, ثم تبين له طلوعه, فهل تجب عليه كفارة ذلك الجماع؟
المسألة الثانية: حكم كفارة من جامع يظن عدم طلوع الفجر:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على قولين:
القول الأول:
من جامع في رمضان ظانا أن الفجر لم يطلع, لا تجب عليه كفارة, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والشافعية (٣) , ورواية عند الحنابلة (٤).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
كفارة الجماع في نهار رمضان عقوبة لا تجب إلا على الجاني على صومه متعمدا, والجناية في هذه الصورة قاصرة لعدم القصد (٥).
الدليل الثاني:
من جامع في رمضان ظانا أن الفجر لم يطلع, غير آثم؛ لأنه معذور بجهله, وكفارة الجماع في نهار رمضان, إنما شرعت ماحية للإثم؛ والحكم يدور مع علته وجودا وعدما؛ فلما لم يوجد الإثم, لم توجد الكفارة (٦).
الدليل الثالث:
كفارة الجماع في نهار رمضان تسقط بالشبهة, وفي هذه الصورة الشبهة قائمة بظن بقاء الليل (٧).
стр. 224
القول الثاني:
من جامع ظانا أن الفجر لم يطلع, تجب عليه الكفارة, وهو المذهب عند الحنابلة, ومن مفردات المذهب (١).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
لا فرق بين العامد, وغيره في وجوب الكفارة؛ ففي حديث أبي هريرة ﵁، قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت. قال: (ما لك؟ ) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : (هل تجد رقبة تعتقها؟ ) قال: لا، قال: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين)، قال: لا، فقال: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا) قال: لا، قال: فمكث النبي ﷺ ، فبينا نحن على ذلك أتي النبي ﷺ بعرق فيها تمر قال: (أين السائل؟ ) فقال: أنا، قال: (خذها، فتصدق به) (٢).
وجه الاستدلال بالحديث:
أن النبي ﷺ لم يستفصل عن حال السائل, وعن كيفية الوقاع, وإنما أمره بالكفارة مباشرة؛ فدل على عموم وجوبها في سائر الأحوال (٣).
يمكن أن يناقش وجه الاستدلال بالحديث:
في ألفاظ الحديث ما يدل على حال السائل, لذلك أمره بالكفارة, فإن السائل قال: (وقعت على امرأتي وأنا صائم) فدل على أنه قد شرع في صومه, حين وقت وجوب الإمساك, ثم جامع.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بأن من جامع في رمضان ظانا أن الفجر لم يطلع, لا تجب عليه كفارة؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 225
المطلب الثالث: كفارة من جامع يظن غروب الشمس , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
من ظن أن الشمس في نهار رمضان قد غربت, فجامع, ثم تبين له عدم غروبها, هل تجب عليه الكفارة بذلك الجماع؟
المسألة الثانية: حكم كفارة من جامع يظن غروب الشمس:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على قولين:
القول الأول:
من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, وهي لم تغرب, لا تجب عليه كفارة, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والشافعية (٣) , ورواية عند الحنابلة (٤).
دليل القول الأول:
كفارة الجماع في نهار رمضان تسقط بالشبهة, وفي هذه الصورة وجدت الشبهة بظن غروب الشمس (٥).
القول الثاني:
من جامع ظانا أن الشمس قد غربت, وهي لم تغرب, تجب عليه الكفارة, وهذا المذهب عند الحنابلة, ومن مفردات المذهب (٦).
دليل القول الثاني:
لم يستفصل النبي ﷺ عن حال الوقاع, لمن جاء يسأل عن كفارة الوقاع في نهار رمضان في حديث أبي هريرة (٧) ' (٨).
يمكن أن يناقش وجه الاستدلال بالحديث:
جاء في الحديث أن السائل قال: (وقعت على امرأتي وأنا صائم) (٩) , ولو كان يظن أن الشمس قد غربت, وأن الفطر قد حل له, لأبدى عذره بين يدي النبي ﷺ ولقال: (وكنت أظن الشمس قد غربت).
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ لوجاهة تعليلهم, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 226
المطلب الرابع: تعدد الجماع, وأثره على الكفارة .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على أن من وطئ في يوم من رمضان, ثم كفر, ثم وطئ في يوم آخر, فعليه كفارة أخرى (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
إذا كفر، فقد جبر ما انتهكه من حرمة الشهر، فصار بمنزلة من لم ينتهك، فوجب عليه كفارة أخرى بالجماع الثاني (٢).
الدليل الثاني:
معنى الزجر مقصود في هذه الكفارة, فإذا جامع, فكفر, ثم جامع لم يتحقق مقصود الزجر؛ لأنه لما جامع بعد ما كفر, علم أن الزجر لم يحصل بالكفارة الأولى, فوجبت عليه كفارة أخرى (٣).
ثانيا: اتفق الفقهاء على أن من وطئ مرارا في يوم واحد, ولم يكفر, فليس عليه إلا كفارة واحدة (٤).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
أن من وطئ مرارا في يوم واحد, ولم يكفر, إنما أفسد يوما واحدا, فتداخلت كفاراته (٥).
стр. 227
ثالثا: اختلف الفقهاء فيمن وطئ في يوم من رمضان, ولم يكفر حتى وطئ في يوم ثان, على قولين:
القول الأول:
يجب لكل يوم كفارة, وهذا ما ذهب إليه المالكية (١) , والشافعية (٢) , والمذهب عند الحنابلة (٣).
دليل القول الأول:
أنهما يومان, لو أفسد صوم كل واحد منهما على الانفراد, وجبت به الكفارة، فإذا جمع بينهما في الإفساد, وجب أن تجب به كفارتان (٤).
القول الثاني:
تجب كفارة واحدة, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٥) , ووجه عند الحنابلة (٦).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
حديث أبي هريرة ﵁، قال: بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت. قال: (ما لك؟ ) قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم (٧).
стр. 228
وجه الاستدلال بالحديث:
أن السائل قال للنبي ﷺ : (وقعت) , وذلك يتناول المرات الكثيرة، كما يتناول المرة الواحدة، ثم لم يسأله النبي ﷺ عن عدد ما أفطر منه، وإنما ألزمه كفارة واحدة، فصار كعموم لفظ من النبي ﷺ في إيجاب كفارة واحدة على كل من أفطر مرة، أو مرارا (١).
يمكن أن يناقش وجه الاستدلال بالحديث:
حال السائل كان ظاهرا في أن هذا الفعل بدر منه مرة واحدة؛ لذلك لم يسأله النبي ﷺ عن عدد ما أفطر, فإنه جاء فزعا, خائفا, ومن تكرر هتكه لحرمة الشهر, يستمرئ, ويعتاد غالبا, ولا يأتي فزعا.
الدليل الثاني:
لما كانت كفارة شهر رمضان واجبة لحرمة الشهر، لا لانتهاك حرمة الفرض، بدلالة أنها غير واجبة في قضاء شهر رمضان، وحرمة الشهر حرمة واحدة؛ والجماع الثاني حصل والحرمة منتهكة، فلم تبق حرمة للشهر يتعلق بها وجوب الكفارة (٢).
نوقش:
لكل يوم من الشهر حرمة يتميز بها عن الآخر, كما أن فساد يوم لا يتعدى إلى غيره, فوجب أن يلزمه بهتك حرمة يوم آخر كفارة مجددة (٣).
الترجيح:
الذي يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بوجوب كفارة لكل يوم من رمضان انتهكت حرمته بالجماع؛ لوجاهة استدلالهم, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني, ولما يترتب على القول الثاني من التساهل في حرمة الشهر.
رابعا: اختلف الفقهاء في من وطئ في يوم من رمضان, ثم كفر, ثم وطئ في نهار نفس اليوم الذي أفسده, على قولين:
стр. 229
القول الأول:
لا تلزمه إلا كفارة واحدة, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم: من الحنفية (١) , وأكثر المالكية (٢) , والشافعية (٣).
دليل القول الأول:
الجماع الثاني لم يصادف صوما منعقدا, بخلاف الجماع الأول, فلم تجب عليه كفارة عن الجماع الثاني (٤).
القول الثاني:
تلزمه كفارتان, وهو قول بعض المالكية (٥) , والمذهب عند الحنابلة (٦).
دليل القول الثاني:
أن الصوم في رمضان عبادة تجب الكفارة بالجماع فيها، فتكررت بتكرر الوطء إذا كان بعد التكفير، كالحج (٧).
نوقش:
الحج لا يخرج منه بالفساد, فكانت حرمته باقية، وليس كذلك الصيام (٨).
الترجيح: يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بوجوب كفارة واحدة لكل يوم انتهكت حرمته بالجماع, كفر عن الجماع الأول, أو لم يكفر؛ لوجاهة استدلالهم, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 230
المطلب الخامس: انتقال صاحب الشبق إلى الإطعام في الكفارة , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
من عجز عن صيام شهرين, متتابعين في كفارة الجماع؛ لفرط شهوته, هل يباح له الانتقال إلى الإطعام؟
المسألة الثانية: حكم انتقال صاحب الشبق إلى الإطعام في الكفارة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يباح الانتقال للإطعام, في كفارة الجماع في نهار رمضان, لمن كان به شبق, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (١) , والمالكية (٢) , ووجه عند الشافعية (٣) , ومذهب الحنابلة (٤).
دليل القول الأول:
حديث سلمة بن صخر ﵁ قال: كنت امرأً أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا يتابع بي حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة، إذ تكشف لي منها شيء، فلم ألبث أن نزوت عليها، فلما أصبحت خرجت إلى قومي فأخبرتهم الخبر، وقلت امشوا معي إلى رسول الله ﷺ ، قالوا: لا والله، فانطلقت إلى النبي ﷺ فأخبرته، فقال: (أنت بذاك يا سلمة؟ )، قلت: أنا بذاك يا رسول الله -مرتين- وأنا صابر لأمر الله، فاحكم في ما أراك الله، قال: (حرر رقبة)، قلت: والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها، وضربت صفحة رقبتي، قال: (فصم شهرين متتابعين)، قال: وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام، قال: (فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا)، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين (٥) ما لنا طعام، قال: (فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر, وكل أنت وعيالك بقيتها) (٦).
стр. 231
وجه الاستدلال بالحديث:
لما قال السائل للنبي ﷺ : وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام, أي أنه: لا يصبر عن النساء، فقدّره رسول الله ﷺ عذراً، ونقله إلى الإطعام (١) , وإذا كان الشبق عذرا في كفارة الظهار, فهو عذر في كفارة الجماع في نهار رمضان.
القول الثاني:
لا يباح لمن به شبق أن ينتقل للإطعام, وهذا الأظهر من مذهب الشافعية (٢).
دليل القول الثاني:
أن الليالي متخللةٌ لصيام الشهرين في الكفارة, وفيها مقنع, ومندوحة, عن الوقاع في النهار (٣).
يمكن أن يناقش:
بعض من به شبق إذا قصر على الليل لحقته المشقة بذلك, والمشقة تجلب التيسير, لا سيما إذا كان هناك بدل مجزئ, وهو: الإطعام (٤).
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بجواز الانتقال للإطعام من أجل الشبق؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الآخر.
стр. 232
المبحث الرابع: مسائل الإذن في الصيام المختصة بالزوجين , وفيه خمسة مطالب:
المطلب الأول: صيام القضاء بغير إذن الزوج.
المطلب الثاني: رجوع الزوج عن إذنه بعد شروع زوجته في صيام القضاء.
المطلب الثالث: صيام التطوع بغير إذن الزوج.
المطلب الرابع: رجوع الزوج عن إذنه بصيام التطوع.
المطلب الخامس: صيام المرأة بغير إذن زوجها إذا كان غائبا أو صائما أو محرما أو مريضا.
стр. 233
المطلب الأول: صيام القضاء بغير إذن الزوج .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على أن قضاء رمضان إذا ضاق وقته, وجب صومه, سواء أذن الزوج أم لا (١).
ويمكن أن يستدل لهذا الاتفاق:
أن الواجب الموسع إذا ضاق وقته, صار ما بقي من الزمن متعينا له, فلم يتوقف على إذن أحد من الخلق, كصوم رمضان.
ثانيا: اختلف الفقهاء في صوم قضاء رمضان, إذا كان في الوقت سعة, على قولين:
القول الأول:
لا يجوز للمرأة ذات الزوج, أن تشرع في صوم القضاء إذا كان في الوقت سعة, دون إذن الزوج, إذا كان حاضرا, وهذا ما ذهب إليه أكثر الشافعية (٢) , والمذهب عند الحنابلة (٣).
دليل القول الأول:
حق الزوج في الاستمتاع بزوجته واجب على الفور, أما حق الله -تعالى- في قضاء الصوم واجب على التراخي؛ فيقدم الذي على الفور على ما كان على التراخي (٤).
стр. 234
القول الثاني:
يجوز للمرأة ذات الزوج, أن تشرع في صوم القضاء, دون إذن الزوج, حتى ولو كان في الوقت سعة, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (١) , والمالكية (٢) , وبعض الشافعية (٣).
دليل القول الثاني:
إيجاب صوم القضاء لم يكن ابتداءً من جهة الزوجة, وإنما وجب ابتداءً من جهته -تعالى-, فلم يتوقف القيام به على إذن الخلق (٤).
يمكن أن يناقش:
حق الزوج أيضا في الاستمتاع بزوجته وجب من عنده -تعالى-, لكنه -سبحانه- أوجب حق الزوج على الفور, وأوجب القضاء على التراخي.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بعدم جواز صوم المرأة القضاء بغير إذن زوجها, مادام الوقت متسعا؛ لوجاهة استدلالهم, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 235
المطلب الثاني: رجوع الزوج عن إذنه, بعد شروع زوجته في صيام القضاء .
اتفق الفقهاء على أن الزوجة إذا شرعت في صيام القضاء الموسع بإذن زوجها, لم يجز للزوج أن يرجع عن إذنه لزوجته في الصيام, وحرم على الزوج إجبار زوجته على الفطر (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
أن الخروج من عهدة الواجب متعين, ودخلت التوسعة في وقته رفقا, ومظنةً للحاجة, فإذا شرعت المرأة في الواجب الموسع بإذن زوجها, تعينت المصلحة في إتمامه, ولم يجز للزوج إبطال عمل زوجته (٢).
стр. 236
المطلب الثالث: صيام التطوع بغير إذن الزوج .
اتفق الفقهاء على أن المرأة ذات الزوج, لا يحل لها التطوع بالصوم حتى تستأذن زوجها, وإن تطوعت بالصوم دون إذنه, جاز له إجبارها على الفطر (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل للمرأة أن تصوم, وزوجها شاهد, إلا بإذنه) (٢) والحديث نصٌ في المسألة.
الدليل الثاني:
النكاح معاوضة بين الزوجين، ملك به الزوج الاستمتاع بالزوجة، فليس لها أن تفعل ما يؤدي إلى تعطيل ملكه إلا بإذنه (٣).
الدليل الثالث:
حق الزوج فرض, فلا يجوز تركه من أجل النفل (٤).
стр. 237
المطلب الرابع: رجوع الزوج عن إذنه بصيام التطوع , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا استأذنت المرأة زوجها في صوم التطوع, فأذن لها, وصامت, هل يجوز للزوج أن يرجع عن إذنه؟
المسألة الثانية: حكم رجوع الزوج عن إذنه بصيام التطوع:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على قولين:
القول الأول:
يباح للزوج أن يرجع عن إذنه لزوجته في صوم التطوع, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (١) , والحنابلة (٢) ... -تخريجا على قولهم بجواز رجوع الزوج, عن إذنه لزوجته, في التطوع بالاعتكاف-.
دليل القول الأول:
أن الزوج يحق له منع زوجته من التطوع بالصيام ابتداءً, فكان له المنع منه دواما (٣).
القول الثاني:
لا يجوز للزوج أن يرجع عن إذنه لزوجته في التطوع بالصيام, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٤) -تخريجا على قولهم عدم جواز رجوع الزوج, عن إذنه لزوجته, في التطوع بالاعتكاف-, وإليه ذهب المالكية (٥).
دليل القول الثاني:
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٦).
وجه الاستدلال بالآية:
أن صيام النفل عمل تجب صيانته بالمضي عن الإبطال, والنهي عن الإبطال يوجب الإتمام, فلما شرعت الزوجة في صيام النفل بإذن زوجها, حرم عليه أن يبطل عملها (٧).
يمكن أن يناقش وجه الاستدلال بالآية:
الآية يمكن حملها على النهي عن إبطال العمل الواجب.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بإباحة رجوع الزوج عن إذنه لزوجته, في صوم التطوع؛ لوجاهة استدلالهم, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 238
المطلب الخامس: صيام المرأة بغير إذن زوجها إذا كان غائبا, أو صائما, أو محرما, أو مريضا .
اتفق الفقهاء على أنه إذا تعذر استمتاع الزوج بزوجته, لعارض سفر, أو مرض ونحوهما .. فإن الزوجة يحل لها أن تصوم بغير إذن زوجها فرضا كان, أو نفلا (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحل للمرأة أن تصوم, وزوجها شاهد, إلا بإذنه) (٢) , فمفهوم الحديث أن الزوج إذا لم يكن شاهدا, وقادرا على الاستمتاع, فإنها تصوم بغير إذنه (٣).
الدليل الثاني:
منع المرأة من التطوع بالصيام, إنما كان لاستيفاء حق الزوج, فإذا لم يقدر على الاستمتاع, فلا معنى للمنع؛ إذ ليس في تطوعها بالصوم إبطال لحقه, فزال معنى النهي, والحكم يدور مع علته وجودا, وعدما (٤).
стр. 239
المبحث الخامس: مسائل الاعتكاف المختصة بالزوجين , وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: جماع المعتكف, أو المعتكفة.
المطلب الثاني: مقدمات الجماع للمعتكف, أو المعتكفة.
المطلب الثالث: وفاة الزوج أثناء اعتكاف زوجته.
المطلب الرابع: طلاق الزوجة في الاعتكاف.
المطلب الخامس: إذن الزوج لزوجته في الاعتكاف.
المطلب السادس: رجوع الزوج عن إذنه لزوجته في الاعتكاف.
المطلب السابع: تحليل الزوج زوجته من الاعتكاف.
стр. 240
المطلب الأول: جماع المعتكف, أو المعتكفة .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على أن من جامع عامدا, وهو معتكف فسد اعتكافه (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
الإجماع المحكي في المسألة (٢).
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٣) , والآية نص في النهي عن الجماع حال الاعتكاف.
ثانيا: اختلفوا فيمن وطئ ناسيا, أو جاهلا, ونحوهما .. على قولين:
القول الأول:
لا يفسد اعتكاف من وطئ ناسيا, أو جاهلا, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (٤).
دليل القول الأول:
حديث أبي ذر الغفاري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله قد تجاوز عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) (٥).
стр. 241
وجه الاستدلال بالحديث:
أن المجاوزة تقتضي المجاوزة عن الذنب, والمجاوزة عن ترتب الفساد على الفعل.
القول الثاني:
يفسد الاعتكاف بالجماع على كل حال, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والحنابلة (٣).
دليل القول الثاني:
ما حرم في الاعتكاف استوى عمده, وسهوه في إفساده، كالخروج من المسجد (٤).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم بصحة التسوية بين العامد, وغيره؛ إذ اختلافهما في الإثم, والجرأة على الذنب, مدعاة لاختلافهما في آثار الفعل.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بعدم فساد اعتكاف من جامع ناسيا, أو جاهلا؛ لقربه من موافقة ظاهر النصوص, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 242
المطلب الثاني: مقدمات الجماع للمعتكف, أو المعتكفة , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
من كان معتكفا, وباشر زوجه فيما دون الجماع, هل يفسد اعتكافه؟
المسألة الثانية: حكم مقدمات الجماع للمعتكف, أو المعتكفة:
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على أن المباشرة إذا كانت بغير شهوة فهي جائزة, ولا تفسد الاعتكاف (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
حديث عائشة ﵂: أنها كانت ترجل النبي ﷺ ، وهي حائض وهو معتكف في المسجد وهي في حجرتها يناولها رأسه (٢). ولو كانت المباشرة تفسد الاعتكاف على كل حال, لم يخرج النبي ﷺ رأسه لعائشة ﵂ وهو ملازم للمسجد, للاعتكاف.
ثانيا: اتفق الفقهاء على أن المباشرة بشهوة محرمة على المعتكف (٣).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
من باشر بشهوة وهو في المسجد, فإنه لا يأمن الإفضاء إلى إفساد الاعتكاف, وما أفضى إلى الحرام فهو حرام؛ إذ لو كان السبب حلالا لكان المسبب أيضا حلالا؛ لأن المقصود من شرعية السبب هو المسبب (٤).
ثالثا: اختلف الفقهاء في فساد الاعتكاف بالمباشرة, مع الشهوة, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يفسد الاعتكاف بالمباشرة بشهوة إن أنزل المني, ولا يفسد إذا لم ينزل, وهذا ما ذهب إليه: الحنفية (٥) , ووجه عند الشافعية (٦) , والمذهب عند الحنابلة (٧).
стр. 243
دليل القول الأول:
أن المباشرة فيما دون الفرج إذا اتصل بها الإنزال كانت مُفسدة للصوم, والاعتكاف فرع على الصوم، وهو في معنى الجماع في الفرج فيما هو المقصود منه, فيفسد الاعتكاف, أما إذا لم يتصل به الإنزال, فهو ليس في معنى الجماع في الفرج, ولا ملحق به حكما في إفساد العبادة, ولا يفسد به الصوم, فكذلك الاعتكاف (١).
القول الثاني:
يفسد الاعتكاف بالمباشرة بشهوة مطلقا أنزل أو لم ينزل, وهذا ما ذهب إليه المالكية (٢) , وقول عند الشافعية (٣).
دليل القول الثاني:
المباشرة بشهوة محرمة في الاعتكاف, والنهي يقتضي الفساد, فيبطل بها الاعتكاف, كالجماع (٤).
نوقش:
لو بطل الاعتكاف بالمباشرة كما بطل بالوطء، لصار في ذلك تسوية بين حكم المباشرة, والوطء، ولما صار للوطء مزيد مزية يختص فيها بالتغليظ دون غيره, كما هو الحال في الحج, والصوم, والحد (٥).
القول الثالث:
لا يفسد الاعتكاف بالمباشرة بشهوة مطلقا أنزل أو لم ينزل, وهو قول عند الشافعية (٦).
стр. 244
دليل القول الثالث:
الاعتكاف عبادة تتعلق بمكان مخصوص؛ فوجب أن لا تبطل بالمباشرة فيما دون الفرج, كالحج (١).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم بصحة القياس على الحج؛ إذ المباشرة مع الإنزال قبل التحلل الأول لها تأثير على الحج, فينبغي أن يكون لها تأثير على الاعتكاف.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بأن الاعتكاف يفسد بالمباشرة بشهوة إن أنزل المني, ولا يفسد إذا لم ينزل؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال الأقوال الأخرى.
стр. 245
المطلب الثالث: وفاة الزوج أثناء اعتكاف زوجته , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا كانت المرأة معتكفة, ثم توفي زوجها, وهي في معتكفها, فهل تخرج من اعتكافها؟
المسألة الثانية: حكم وفاة الزوج أثناء اعتكاف زوجته:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
يجب على المرأة أن تخرج من معتكفها؛ لتقضي عدتها في بيتها, سواءً كان اعتكاف نذر, أو تطوع, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (١) , والحنابلة (٢).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
أن الحقين إذا وجبا قدم أقواهما، والعدة أقوى من الاعتكاف من وجهين:
الوجه الأول: العدة وجبت على المرأة ابتداءً من قبل الله تعالى، والاعتكاف إذا وجب فإنما وجب عليها بإيجابها على نفسها.
الوجه الثاني: العدة لا يجوز تبعيضها، والخروج منها قبل تمامها، والاعتكاف يجوز تبعيضه، والخروج منه قبل تمامه لعارض, أو حاجة (٣).
الدليل الثاني:
العدة تفوت إذا تركت لا إلى بدل، بخلاف نذر الاعتكاف يمكن استدراك ما فات منه بالقضاء؛ أما مكث المعتدة في منزلها؛ لا يقضى بعد انقضاء العدة (٤).
стр. 246
القول الثاني:
يحرم على المرأة الخروج من معتكفها, حتى تقضي اعتكافها؛ بإتمام أقل الاعتكاف -يوم وليلة- إن كان تطوعا أو نذرا مطلقا, أو إتمام المدة المعينة في النذر المعين, ثم ترجع إلى بيتها فتعتد فيه, وهذا ما ذهب إليه المالكية (١).
دليل القول الثاني:
المرأة التي وجبت عليها العدة بعد الاعتكاف, قد دخلت في عمل بر لزمها إتمامه، فلم يجز لها إبطاله؛ لقوله : ﴿وَلَا تُبطِلُوا أَعمَالَكُم﴾ (٢) ' (٣).
نوقش:
الاعتكاف يجوز تركه لعذر, أو عارض, كالخروج إلى الجمعة, وأداء الشهادة, وسائر الواجبات (٤).
القول الثالث:
يباح للمرأة أن تخرج من معتكفها, لتقضي عدة في بيتها, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٥).
دليل القول الثالث:
لم أقف على استدلال لهذا القول, لكن يمكن أن يستدل لهذا القول:
إذا كان الاعتكاف منذورا, فقد تزاحم واجبان, لا يمكن الجمع بينها, فخير المكلف بأداء أحدهما.
يمكن أن يناقش:
عند تعارض الواجبين يقدم أقواهما, ووجوب الاعتداد في البيت أقوى من الاعتكاف.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بوجوب خروج المرأة من معتكفها, إذا وجبت عليها عدة الوفاة أثناء اعتكافها؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال الأقوال الأخرى.
стр. 247
المطلب الرابع: طلاق الزوجة في الاعتكاف , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا كانت المرأة معتكفة, ثم طلقها زوجها, وهي في معتكفها, فهل تخرج من اعتكافها؟
المسألة الثانية: حكم طلاق الزوجة في الاعتكاف:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على أربعة أقوال:
القول الأول:
إن كان الاعتكاف مستحبا أُبيح لها الخروج, وإن كان الاعتكاف واجبا لم يبح لها الخروج, وهو وجه عند الحنابلة (١).
دليل القول الأول:
المطلقة سواء كانت رجعية, أو بائن لا يجب عليها ملازمة السكن, ولا المبيت فيه؛ فحالها كحال غيرها من النساء, إن كان الاعتكاف واجبا لم يبح لها الخروج حتى تقضيه, وإن كان مستحبا جاز لها الخروج (٢).
القول الثاني:
يجب على المرأة أن تخرج من معتكفها؛ لتقضي عدتها في بيتها, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (٣) , ووجه عند الحنابلة (٤).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
قوله تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَة﴾ (٥) فأمر -سبحانه- أن لا يخرج النساء المطلقات من بيوتهن، وأراد به بيوت أزواجهن، والأمر على الوجوب, وهذه الآية عامة في كل مطلقة, ثم خص وجوب السكنى للمطلقة البائن في الآية الأخرى, فقال تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُوْلَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٦) ويدل على أن المراد بالآية: المطلقة البائن؛ أنه شرط في وجوب النفقة لها الحمل، وذلك إنما يعتبر في البائن، أما الرجعية: فإنما تجب لها النفقة بكل حال (٧).
стр. 248
نوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أما المطلقة البائن, فالآية مخصوصة بحديث فاطمة بنت قيس ﵂، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: (ليس لك عليه نفقة)، فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم) (١) , ولما أنكر بعضهم على فاطمة هذا الخبر، قالت: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢) فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ (٣) فإذا لم تكن حاملا علام تُحبس وهي لا نفقة لها؟ فكيف تحبس امرأة بغير نفقة؟ (٤).
ويمكن أن يناقش من وجه ثاني:
وأما المطلقة الرجعية, فهي زوجة كالزوجات؛ حبست في البيت لحق الزوج, فإن أسقط الزوج حقه, وأذن لها في الخروج, لم يكن لخروجها من المعتكف معنى!
القول الثالث:
يحرم على المرأة الخروج من معتكفها, حتى تقضي اعتكافها؛ بإتمام أقل الاعتكاف -يوم وليلة- إن كان تطوعا أو نذرا مطلقا, أو إتمام المدة المعينة في النذر المعين, ثم ترجع إلى بيتها فتعتد فيه, وهذا ما ذهب إليه المالكية (٥).
دليل القول الثالث:
المرأة التي وجبت عليها العدة بعد الاعتكاف, قد دخلت في عمل بر لزمها إتمامه، فلم يجز لها إبطاله؛ لقوله : ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٦) ' (٧).
стр. 249
نوقش:
الاعتكاف يجوز تركه لعذر, أو عارض, كالخروج إلى الجمعة, وأداء الشهادة, وسائر الواجبات (١).
القول الرابع:
يباح للمرأة أن تخرج من معتكفها مطلقا, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٢).
دليل القول الرابع:
لم أقف على استدلال لهذا القول, لكن يمكن أن يستدل لهذا القول:
إذا تزاحم واجبان على المكلف؛ واجب ملازمة السكن على المطلقة, وواجب إتمام الاعتكاف, ولا يمكن الجمع بينها, خير المكلف بأداء أحدهما.
يمكن أن يناقش:
لا يُسلم بأن المطلقة يلزمها ملازمة السكن, على كل حال.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بأن الاعتكاف إن كان مستحبا أُبيح للمطلقة الخروج, وإن كان الاعتكاف واجبا لم يبح لها الخروج؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال الأقوال الأخرى.
стр. 250
المطلب الخامس: إذن الزوج لزوجته في الاعتكاف , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا أرادت امرأة ذات زوج أن تعتكف, فهل يجب عليها أن تستأذن زوجها لاعتكافها؟
المسألة الثانية: حكم إذن الزوج لزوجته في الاعتكاف:
أولا: اتفق الفقهاء, على أن المرأة ذات الزوج, يجب عليها أن تستأذن زوجها, إذا أرادت أن تعتكف زمنا طويلا, وزوجها يحتاجها (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
استمتاع الزوج بزوجته ملك له, والاعتكاف مانع منه, وليس بواجب في الشرع؛ فلم يجز أن يفوت على الزوج حقه بغير إذنه (٢).
ثانيا: اختلف الفقهاء, في المرأة ذات الزوج, إذا أرادت أن تعتكف زمنا يسيرا, أو كان زوجها غير محتاج لها, هل يجب عليها أن تستأذنه, على قولين:
القول الأول:
يجب على المرأة ذات الزوج, أن تستأذن زوجها إذا أرادت الاعتكاف مطلقا, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة (٥).