القول الثاني:
يحرم على المرأة الخروج من معتكفها, حتى تقضي اعتكافها؛ بإتمام أقل الاعتكاف -يوم وليلة- إن كان تطوعا أو نذرا مطلقا, أو إتمام المدة المعينة في النذر المعين, ثم ترجع إلى بيتها فتعتد فيه, وهذا ما ذهب إليه المالكية (١).
دليل القول الثاني:
المرأة التي وجبت عليها العدة بعد الاعتكاف, قد دخلت في عمل بر لزمها إتمامه، فلم يجز لها إبطاله؛ لقوله : ﴿وَلَا تُبطِلُوا أَعمَالَكُم﴾ (٢) ' (٣).
نوقش:
الاعتكاف يجوز تركه لعذر, أو عارض, كالخروج إلى الجمعة, وأداء الشهادة, وسائر الواجبات (٤).
القول الثالث:
يباح للمرأة أن تخرج من معتكفها, لتقضي عدة في بيتها, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٥).
دليل القول الثالث:
لم أقف على استدلال لهذا القول, لكن يمكن أن يستدل لهذا القول:
إذا كان الاعتكاف منذورا, فقد تزاحم واجبان, لا يمكن الجمع بينها, فخير المكلف بأداء أحدهما.
يمكن أن يناقش:
عند تعارض الواجبين يقدم أقواهما, ووجوب الاعتداد في البيت أقوى من الاعتكاف.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بوجوب خروج المرأة من معتكفها, إذا وجبت عليها عدة الوفاة أثناء اعتكافها؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال الأقوال الأخرى.
стр. 247
المطلب الرابع: طلاق الزوجة في الاعتكاف , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا كانت المرأة معتكفة, ثم طلقها زوجها, وهي في معتكفها, فهل تخرج من اعتكافها؟
المسألة الثانية: حكم طلاق الزوجة في الاعتكاف:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على أربعة أقوال:
القول الأول:
إن كان الاعتكاف مستحبا أُبيح لها الخروج, وإن كان الاعتكاف واجبا لم يبح لها الخروج, وهو وجه عند الحنابلة (١).
دليل القول الأول:
المطلقة سواء كانت رجعية, أو بائن لا يجب عليها ملازمة السكن, ولا المبيت فيه؛ فحالها كحال غيرها من النساء, إن كان الاعتكاف واجبا لم يبح لها الخروج حتى تقضيه, وإن كان مستحبا جاز لها الخروج (٢).
القول الثاني:
يجب على المرأة أن تخرج من معتكفها؛ لتقضي عدتها في بيتها, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (٣) , ووجه عند الحنابلة (٤).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
قوله تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَة﴾ (٥) فأمر -سبحانه- أن لا يخرج النساء المطلقات من بيوتهن، وأراد به بيوت أزواجهن، والأمر على الوجوب, وهذه الآية عامة في كل مطلقة, ثم خص وجوب السكنى للمطلقة البائن في الآية الأخرى, فقال تعالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُوْلَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٦) ويدل على أن المراد بالآية: المطلقة البائن؛ أنه شرط في وجوب النفقة لها الحمل، وذلك إنما يعتبر في البائن، أما الرجعية: فإنما تجب لها النفقة بكل حال (٧).
стр. 248
نوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أما المطلقة البائن, فالآية مخصوصة بحديث فاطمة بنت قيس ﵂، أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة، وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: (ليس لك عليه نفقة)، فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم) (١) , ولما أنكر بعضهم على فاطمة هذا الخبر، قالت: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (٢) فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ (٣) فإذا لم تكن حاملا علام تُحبس وهي لا نفقة لها؟ فكيف تحبس امرأة بغير نفقة؟ (٤).
ويمكن أن يناقش من وجه ثاني:
وأما المطلقة الرجعية, فهي زوجة كالزوجات؛ حبست في البيت لحق الزوج, فإن أسقط الزوج حقه, وأذن لها في الخروج, لم يكن لخروجها من المعتكف معنى!
القول الثالث:
يحرم على المرأة الخروج من معتكفها, حتى تقضي اعتكافها؛ بإتمام أقل الاعتكاف -يوم وليلة- إن كان تطوعا أو نذرا مطلقا, أو إتمام المدة المعينة في النذر المعين, ثم ترجع إلى بيتها فتعتد فيه, وهذا ما ذهب إليه المالكية (٥).
دليل القول الثالث:
المرأة التي وجبت عليها العدة بعد الاعتكاف, قد دخلت في عمل بر لزمها إتمامه، فلم يجز لها إبطاله؛ لقوله : ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٦) ' (٧).
стр. 249
نوقش:
الاعتكاف يجوز تركه لعذر, أو عارض, كالخروج إلى الجمعة, وأداء الشهادة, وسائر الواجبات (١).
القول الرابع:
يباح للمرأة أن تخرج من معتكفها مطلقا, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٢).
دليل القول الرابع:
لم أقف على استدلال لهذا القول, لكن يمكن أن يستدل لهذا القول:
إذا تزاحم واجبان على المكلف؛ واجب ملازمة السكن على المطلقة, وواجب إتمام الاعتكاف, ولا يمكن الجمع بينها, خير المكلف بأداء أحدهما.
يمكن أن يناقش:
لا يُسلم بأن المطلقة يلزمها ملازمة السكن, على كل حال.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بأن الاعتكاف إن كان مستحبا أُبيح للمطلقة الخروج, وإن كان الاعتكاف واجبا لم يبح لها الخروج؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال الأقوال الأخرى.
стр. 250
المطلب الخامس: إذن الزوج لزوجته في الاعتكاف , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا أرادت امرأة ذات زوج أن تعتكف, فهل يجب عليها أن تستأذن زوجها لاعتكافها؟
المسألة الثانية: حكم إذن الزوج لزوجته في الاعتكاف:
أولا: اتفق الفقهاء, على أن المرأة ذات الزوج, يجب عليها أن تستأذن زوجها, إذا أرادت أن تعتكف زمنا طويلا, وزوجها يحتاجها (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
استمتاع الزوج بزوجته ملك له, والاعتكاف مانع منه, وليس بواجب في الشرع؛ فلم يجز أن يفوت على الزوج حقه بغير إذنه (٢).
ثانيا: اختلف الفقهاء, في المرأة ذات الزوج, إذا أرادت أن تعتكف زمنا يسيرا, أو كان زوجها غير محتاج لها, هل يجب عليها أن تستأذنه, على قولين:
القول الأول:
يجب على المرأة ذات الزوج, أن تستأذن زوجها إذا أرادت الاعتكاف مطلقا, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (٣) , والشافعية (٤) , والحنابلة (٥).
стр. 251
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
قوله ﷺ : (إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد, فلا يمنعها) (١).
وجه الاستدلال من الحديث:
دل الحديث على اعتبار منع الزوج لامرأته في كل حال, ولو كانت ثمة أحوال يجوز للمرأة الخروج فيها دون إذن زوجها, لاستثناها النبي ﷺ .
الدليل الثاني:
الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد, وحق الزوج في ملازمة المسكن واجب, فلا يجوز ترك الواجب إلا إذا أسقطه من وجب له الحق (٢).
القول الثاني:
لا يجب على المرأة ذات الزوج, أن تستأذن زوجها إذا أرادت الاعتكاف زمنا يسيرا, أو كان زوجها غير محتاج لها, وهذا ما ذهب إليه المالكية (٣).
دليل القول الثاني:
إذا كان زمن الاعتكاف يسيرا, أو كان الزوج غير محتاج لزوجته, فلا ضرر في اعتكاف المرأة على زوجها, فلم يجب عليها طلب إذنه (٤).
يمكن أن يناقش:
عدم التسليم بنفي الضرر؛ إذ هو أمر نسبي, فقد يتضرر الزوج, وتفوت حاجته بالأمر اليسير.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بوجوب استئذان المرأة زوجها في الاعتكاف مطلقا, لوجاهة استدلالهم, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 252
المطلب السادس: رجوع الزوج عن إذنه لزوجته في الاعتكاف , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا استأذنت المرأة زوجها في الاعتكاف, فأذن لها, واعتكفت, هل يجوز للزوج أن يرجع عن إذنه؟
المسألة الثانية: حكم رجوع الزوج عن إذنه لزوجته في الاعتكاف:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على قولين:
القول الأول:
يجوز للزوج أن يرجع عن إذنه لزوجته في الاعتكاف, إذا كان الاعتكاف تطوعا, ولا يجوز رجوعه إذا كان الاعتكاف واجبا, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (١) , والحنابلة (٢).
أدلة القول الأول:
أولا: الدليل على جواز الرجوع عن الإذن في اعتكاف التطوع:
حديث عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ ، يعتكف في كل رمضان، وإذا صلى الغداة دخل مكانه الذي اعتكف فيه، قال: فاستأذنته عائشة أن تعتكف، فأذن لها، فضربت فيه قبة، فسمعت بها حفصة، فضربت قبة، وسمعت زينب بها، فضربت قبة أخرى، فلما انصرف رسول الله ﷺ من الغداة أبصر أربع قباب، فقال: (ما هذا؟ )، فأخبر خبرهن، فقال: (ما حملهن على هذا؟ آلبر؟ انزعوها فلا أراها)، فنزعت (٣).
وجه الاستدلال من الحديث:
الحديث صريح في إذنه ﷺ لزوجاته بالاعتكاف ابتداءً, ثم رجع عن إذنه بعدما شرعن في الاعتكاف, وظاهره أنه كان في اعتكاف تطوع؛ لأنهن أردن الاستنان بسنته في اعتكافه برمضان.
стр. 253
ثانيا: الدليل على عدم جواز الرجوع عن الإذن في الاعتكاف الواجب:
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١) , والآية عامة في كل واجب شرع فيه المكلف, والنهي يقتضي التحريم, فإذا كانت المرأة منهية عن إبطال اعتكافها الواجب, فالزوج منهي عن إبطاله عليها بعدما أذن لها بالشروع فيه.
القول الثاني:
لا يجوز للزوج أن يرجع عن إذنه لزوجته في الاعتكاف مطلقا, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٢) , والمالكية (٣).
دليل القول الثاني:
منافع المرأة ليست مملوكة لزوجها, وإنما أمرت بخدمة الزوج, فمتى أذن فقد أسقط حق نفسه, فيظهر حقها الأصلي (٤).
يمكن أن يناقش من وجهين:
الوجه الأول:
الاجتهاد في مقابل النص لا عبرة به, فقد منع ﷺ زوجاته من الاعتكاف بعدما أذن لهن.
الوجه الثاني:
من أسقط حق نفسه في وقت, جاز له الرجوع في حقه في وقت آخر, كالمرأة إذا أسقطت حقها من المبيت, أو النفقة, جاز لها الرجوع في حقها.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بجواز رجوع الزوج عن إذنه لزوجته في الاعتكاف, إذا كان الاعتكاف تطوعا, وعدم جواز رجوعه إذا كان الاعتكاف واجبا؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولقربه من موافقة ظاهر الحديث الصحيح, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 254
المطلب السابع: تحليل الزوج زوجته من الاعتكاف , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا اعتكفت المرأة بغير إذن زوجها, فهل يملك الزوج إفساد الاعتكاف على زوجته؟
المسألة الثانية: حكم تحليل الزوج زوجته من الاعتكاف:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على قولين:
القول الأول:
يجوز للزوج تحليل زوجته من الاعتكاف, إذا اعتكفت بغير إذنه, بأي مفسد من مفسدات الاعتكاف, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والشافعية (٢) , والحنابلة (٣).
دليل القول الأول:
إقرار المرأة على اعتكافها بغير إذن زوجها, متضمن فوات حق الزوج بغير إذنه، فكان له منعها من إتمام اعتكافها؛ ليعود حقه إلى ما كان, كما يحق لرب الحق, منع من أخذ ملكه غصبا (٤).
القول الثاني:
يجوز للزوج تحليل زوجته من الاعتكاف, إذا اعتكفت بغير إذنه, بالجماع فقط, وهذا ما ذهب إليه المالكية (٥).
دليل القول الثاني:
احتياج الزوج لزوجته الموجب لإفساد الاعتكاف عليها, إنما هو من جهة الوطء, فلم يملك إفساد الاعتكاف عليها بغيره (٦).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم بأن حق الزوج الفائت باعتكاف زوجته بغير إذنه هو الوطء فحسب, بل حق ملازمتها لبيته, وقيامها برعاية بيته, أولى بالنظر والاعتبار.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بجواز تحليل الزوج زوجته من الاعتكاف, إذا اعتكفت بغير إذنه مطلقا؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
المبحث الأول: مسائل شروط الحج المختصة بالزوجين , وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تحقق استطاعة الزوجة باستطاعة زوجها.
المطلب الثاني: خروج الزوج مع زوجته للحج.
المطلب الثالث: إذن الزوج لزوجته في الحج الواجب.
المطلب الرابع: إذن الزوج لزوجته في حج التطوع.
стр. 257
المطلب الأول: تحقق استطاعة الزوجة, باستطاعة زوجها , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا كانت المرأة ذات زوج مستطيع لبذل نفقة الزاد, والراحلة في الحج, فهل يجب عليه بذل النفقة في حج زوجته؟
المسألة الثانية: الحكم في اعتبار تحقق استطاعة الزوجة, باستطاعة زوجها:
اتفق الفقهاء على أن الزوج يستحب له أن يبذل نفقة حج زوجته, ولا يجب عليه ذلك (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
أولا: الدليل على استحباب بذل نفقة حج الزوجة:
قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: (والله في عون العبد, ما كان العبد في عون أخيه) (٢).
وجه الاستدلال من الحديث:
دل الحديث على فضل الإعانة على أمور الخير, وأعظم ما يعان المرء عليه, هو السعي لبراءة الذمة, من الواجبات الشرعية, وقد قرر الفقهاء أن المعونة على أداء الفريضة سنة مؤكدة (٣).
ثانيا: الدليل على عدم وجوب بذل نفقة حج الزوجة:
يمكن أن يستدل لذلك:
الوجوب حكم شرعي تكليفي, والأحكام الشرعية لا تثبت إلا بدليل من القرآن, أو السنة, ولا دليل من الكتاب, أو السنة, يوجب نفقة حج الزوجة على زوجها, كما أن الوجوب حكم شرعي يتعلق برقبة المكلف دون غيره, فلا يتحمل أحد أداء واجب عن أحد, وإلزام الزوج ببذل نفقة حج الزوجة تكليف له بما لم يكلف به الشارع, فبطل بذلك وجوب بذل الزوج نفقة حج زوجته.
стр. 258
المطلب الثاني: خروج الزوج مع زوجته للحج .
اختلف الفقهاء في حكم خروج الزوج مع زوجته للحج, على قولين:
القول الأول:
يستحب للزوج أن يخرج مع زوجته للحج, ولا يجب عليه, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والشافعية (٣) , والمذهب عند الحنابلة (٤).
دليل القول الأول:
في الحج مشقة شديدة, وكلفة عظيمة؛ فلا يُلزم به أحد لأجل غيره, كما لا يَلزمُ أحدٌ النيابة عن أحد في الحج, حال العجز, ولو كان أقرب الناس إليه, إلا أن يتطوع (٥).
القول الثاني:
يجب على الزوج الخروج مع زوجته للحج, وهي إحدى الروايتين عند الحنابلة (٦).
دليل القول الثاني:
حديث ابن عباس ﵄، أنه: سمع النبي ﷺ ، يقول: (لا يخلون رجل بامرأة، ولا تسافرن امرأة إلا ومعها محرم)، فقام رجل فقال: يا رسول الله، اكتتبت في غزوة كذا وكذا، وخرجت امرأتي حاجة، قال: (اذهب فحج مع امرأتك) (٧).
стр. 259
وجه الاستدلال من الحديث:
أن الحديث صريح في إيجاب خروج الرجل, مع زوجته للحج.
نوقش وجه الاستدلال بالحديث:
أمره ﷺ أمر تخيير؛ لعلمه ﷺ من حاله أنه يعجبه السفر معها (١).
ويمكن أن يناقش أيضا:
جوابه ﷺ فتوى عين, وحال؛ فإن المرأة قد خرجت بلا محرم, فأمر
ﷺ الرجل بالخروج, استدراكا للمصلحة الفائتة, ولا يلزم منه إيجاب خروج الرجل, مع زوجته ابتداءً.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان قول الجمهور؛ القائل باستحباب خروج الزوج مع زوجته للحج؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 260
المطلب الثالث: إذن الزوج لزوجته في الحج الواجب , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
إذا أرادت المرأة ذات الزوج أداء حجة الإسلام -بعد اكتمال شروط وجوب الحج فيها-, فهل للزوج أن يمنعها؟ وهل يباح لها أن تحج, ولو لم يأذن لها؟
المسألة الثانية: حكم إذن الزوج لزوجته في الحج الواجب:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على قولين:
القول الأول:
يحرم على الزوج منع زوجته من الحج الواجب, إذا اكتملت شروط الوجوب فيها, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , وأحد قولي الشافعية (٣) , والمذهب عند الحنابلة (٤).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
إذا وجدت المرأة محرما يحج بها, وملكت الزاد, والراحلة, فقد صدق عليها أنها استطاعت إلى الحج سبيلا, فلا وجه لمنعها (٥).
الدليل الثاني:
منافع المرأة مستثناة عن ملك الزوج في الفرائض, كما في الصلوات الخمس، وصوم رمضان، فالواجب بأصل الشرع, لا يملك الزوج منع زوجته منه, وإن كان يفوت عليه بعض حقه (٦).
стр. 261
القول الثاني:
يباح للزوج منع زوجته من الحج الواجب, -ولو اكتملت شروط وجوب الحج فيها- وهو أحد القولين عند الشافعية (١).
دليل القول الثاني:
الزوج يستحق الاستمتاع بزوجته عاجلا، وفرض الحج على التراخي، فكان له منعها من تعجيله (٢).
نوقش:
لو سلم أن الحج على التراخي, وأبحنا للزوج منع زوجته من حج الفرض, لأفضى ذلك إلى خلو عمرها عن الحج؛ فإنها مهما تهم به، منعها الزوج؛ إذ حق الزوج مستمر على الدوام، فيفضي ذلك إلى إسقاط أحد أركان الإسلام (٣).
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان قول الجمهور؛ القائل بأنه يحرم على الزوج منع زوجته من الحج الواجب, إذا اكتملت شروط الوجوب فيها؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 262
المطلب الرابع: إذن الزوج لزوجته في حج التطوع .
اتفق الفقهاء على أن المرأة ذات الزوج, إذا أرادت حج التطوع وجب عليها أن تستأذن زوجها (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
الإجماع المحكي في المسألة (٢).
الدليل الثاني:
أن المرأة إن كانت ممنوعة من الصوم لحق الزوج: فالحج أولى بذلك؛ لكونه أطول زمنا في الانقطاع عن الاستمتاع بالزوجة, ولاستلزامه خروج المرأة من بيت الزوجية (٣).
الدليل الثالث:
لو مكناها من ذلك فوتت على الزوج حقه أصلا؛ لأنها كلما خرجت عن حجة أحرمت بأخرى وهي لا تملك تفويت حق الزوج عليه (٤).
стр. 263
المبحث الثاني: مسائل محظورات الإحرام وآثارها المختصة بالزوجين , وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: الجماع قبل الوقوف بعرفة.
المطلب الثاني: جماع النائب في الحج قبل الوقوف بعرفة.
المطلب الثالث: الجماع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول.
المطلب الرابع: الجماع بعد التحلل الأول.
المطلب الخامس: الجماع في العمرة.
المطلب السادس: مقدمات الجماع للمحرم.
стр. 264
المطلب الأول: الجماع قبل الوقوف بعرفة .
اتفق الفقهاء على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة محرم, ومفسد للحج, وموجب للمضي فيه, وقضاء الحج من العام القابل, وموجبٌ للفدية (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
الإجماع المحكي في المسألة (٢).
الدليل الثاني:
قوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَارَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٣).
وجه الاستدلال بالآية:
دلت الآية الكريمة على المنافاة بين الحج, والجماع فإذا وجد الجماع فسد الحج (٤).
الدليل الثالث:
الأثر الوارد عن ابن عباس ﵄ في رجل وقع على امرأته وهو محرم , فقال: (اقضيا نسككما, وارجعا إلى بلدكما, فإذا كان عام قابل فاخرجا حاجين, وأهديا هديا) (٥) ولم يعرف له مخالف من الصحابة -رضوان الله عليهم- (٦).
الدليل الرابع:
أن أصول الشرع مقدرة, وأن العبادة إذا حرم فيها الوطء, وغيره, اختص الوطء بتغليظ الحكم, كما في الصوم لما حرم الوطء, وغيره, واستوى حكم الجميع في إفساد الصوم, اختص الوطء بإيجاب الكفارة, ولما كان الوطء, وغيره من محظورات الإحرام سواء في وجوب الكفارة, وجب أن يختص الوطء بإفساد الحج، ووجوب القضاء (٧).
стр. 265
المطلب الثاني: جماع النائب في الحج قبل الوقوف بعرفة, وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
من أحرم نيابةً عن غيره بالحج, بالأُجرة, ثم أفسد حجه بالجماع, مالذي يترتب على جماعه؟
المسألة الثانية: حكم جماع النائب في الحج قبل الوقوف بعرفة:
اتفق الفقهاء على وجوب رد أُجرة الحج للمستنيب, ويجب على النائب المضي في الحج الفاسد, ويقضي النائب حجةً في العام المقبل عن نفسه من ماله, ويخرج النائب كفارة الجماع من ماله (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
أن النائب عن غيره, أُمر بحج صحيح, فإذا أفسد الحج, فقد خالف الأمر, فصار حاجاً على نفسه؛ لجنايته, وتفريطه, والمأمور بالحج إذا حج عن نفسه بنفقة الآمر, يضمن, فإذا أفسد حج نفسه, وجب عليه القضاء, والكفارة كغيره من الحجاج (٢).
стр. 266
المطلب الثالث: الجماع بعد الوقوف بعرفة, وقبل التحلل الأول (١).
اختلف الفقهاء في حكم الجماع بعد الوقوف بعرفة, وقبل التحلل الأول, على قولين:
القول الأول:
يفسد الحج بالجماع بعد الوقوف بعرفة, وتجب الفدية, والقضاء, مع المضي في الحج الفاسد, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: المالكية (٢) , والشافعية (٣) , والحنابلة (٤).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
أثر ابن عباس ﵄ في رجل وقع على امرأته وهو محرم , قال: (اقضيا نسككما, وارجعا إلى بلدكما, فإذا كان عام قابل فاخرجا حاجين, وأهديا هديا) (٥) فقضى بفساد الحج، ولم يستفصل هل كان قبل الوقوف, أو بعده، ولو اختلف الحال لوجب البيان (٦).
الدليل الثاني:
أن هذا وطء صادف إحراما تاما لم يتحلل شيء منه, فوجب أن يفسده كالوطء قبل الوقوف (٧).
стр. 267
القول الثاني:
لا يفسد الحج بالجماع بعد الوقوف بعرفة, وقبل التحلل الأول, وتجب به الفدية, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (١).
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
حديث عبد الرحمن بن يعمر، قال: شهدت رسول الله ﷺ فأتاه ناس، فسألوه عن الحج؟ فقال رسول الله ﷺ : (الحج عرفة، فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع (٢)، فقد تم حجه) (٣).
وجه الاستدلال من الحديث:
أن لفظ الإتمام يطلق على أحد وجهين: إما لاستيفاء أداء الأفعال، أو لانتفاء ورود الفساد عليه، وبالاتفاق لم يرد التمام من حيث أداء الأفعال؛ فقد بقي عليه بعض الأركان, فلما لم يرد استيفاء فروضه، فقد أراد نفي ورود الفساد عليه؛ إذ إنه بالوقوف تأكد حجه؛ فإنه يأمن الفوات بعد الوقوف, فكما يثبت حكم تأكد الحج في الأمن من الفوات, فكذلك في الأمن من الفساد (٤).
نوقش:
الفوات أخف حالا من الفساد؛ فالفوات يسقط بإدراك بعض الشيء, والفساد لا يسقط بإدراك بعض الشيء, فمن أدرك ركعة من الجمعة, فقد أمن فواتها, ولا يأمن فسادها، فكذلك جاز أن يأمن بالوقوف فوات الحج, ولا يأمن فساده (٥).
стр. 268
الدليل الثاني:
بعد الوقوف بعرفة يُمنع الوطء لأجل بقاء الرمي الذي يقع به التحلل، فلما كان ترك الرمي لا يفسد الحج, فالوطء الذي منع منه لأجل الرمي أولى أن لا يفسد الحج (١).
نوقش:
ليس تحريم الوطء لأجل بقاء الرمي, وإنما هو لأجل بقاء الإحرام, وبقاء الإحرام يؤذن بفساد العبادة كالصلاة (٢).
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بفساد الحج بالجماع بعد الوقوف بعرفة, وقبل التحلل الأول؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 269
المطلب الرابع: الجماع بعد التحلل الأول .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على عدم فساد الحج, بالجماع بعد التحلل الأول (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
أن الحج عبادة لها تحللان, فوجود المفسد بعد تحللها الأول, لا يفسدها, كما بعد التسليمة الأولى في الصلاة (٢).
ثانيا: اتفق الفقهاء على وجوب الكفارة بالجماع (٣) , بعد التحلل الأول (٤).
ويمكن أن يستدل لهذا الاتفاق:
أن حكم الإحرام بالنسبة لجماع النساء باقٍ؛ إلا أنه خف بالتحلل الأول, فوجب أن تحفظ حرمة الإحرام بإيجاب الفدية, كانتهاك سائر محظورات الإحرام قبل التحلل الأول.
ثالثا: اختلف الفقهاء في وجوب تجديد الإحرام, من الحل, على من جامع بعد التحلل الأول, على قولين:
القول الأول:
لا يجب على من جامع بعد التحلل الأول تجديد إحرامه من الحل, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٥) , والشافعية (٦).
стр. 270
دليل القول الأول:
ما أفسد بعض العبادة أفسد جمعيها، وما لم يفسد جميعها لم يفسد شيء منها، كالصلاة، والصيام، فلما كان هذا الوطء غير مفسد لما مضى من الحج, وجب أن يكون غير مفسد لما بقي من الحج؛ إذ العبادة الواحدة, المرتبطة, لا يمكن أن يوصف بعضها, بالبطلان دون بعض (١).
القول الثاني:
يجب على من جامع بعد التحلل الأول تجديد إحرامه من الحل, وهذا ما ذهب إليه المالكية (٢) , والحنابلة (٣).
دليل القول الثاني:
أن هذا وطء صادف إحراماً فأفسده, كما يفسد الإحرام التام بالجماع، وإذا فسد إحرامه, فعليه أن يحرم ليأتي بالطواف في إحرام صحيح (٤).
يمكن أن يناقش من وجهين:
الوجه الأول:
لا يسلم بأن ما بقي من الإحرام في حق النساء, قد فسد بالجماع؛ إذ يلزم منه إباحة الجماع ثانيا, وثالثا؛ لعدم وجود الإحرام الصحيح.
الوجه الثاني:
الجماع بعد التحلل الأول, شابه سائر محظورات الإحرام قبل التحلل الأول, بجامع أنها توجب الفدية, ولا تفسد الحج, وإذا كان ارتكاب محظورات الإحرام قبل التحلل الأول, لا يفسد الإحرام, ولا يوجب تجديده من الحل, فكذلك الجماع بعد التحلل الأول, لما لم يفسد الحج, لم يفسد ما بقي من الإحرام.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بعدم وجوب تجديد الإحرام من الحل, على من جامع بعد التحلل الأول؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
стр. 271
المطلب الخامس: الجماع في العمرة , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: حكم الجماع في العمرة:
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على فساد العمرة بالجماع, ووجوب المضي فيها, وقضائها, ولزوم الكفارة (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
القياس على الحج؛ باعتبار أن العمرة حج أصغر, فما فسد من حج, أو عمرة وجب إتمامه, وقضاؤه, وتلزم الكفارة (٢).
ثانيا: اختلف الفقهاء في تحديد النسك, الذي يحصل به الأمن من فساد العمرة, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
من أتم السعي فقد أمن من فساد العمرة, ولا يوجب الجماع بعد ذلك إلا الفدية, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: المالكية (٣) , وقول عند الشافعية (٤) , والمذهب عند الحنابلة (٥).
دليل القول الأول:
يمكن أن يستدل لهذا القول:
أن من أحرم بالعمرة, وطاف, وسعى, فقد استكمل أركان العمرة؛ وأركان العبادة إذا تمت أُمن فسادها, وأمكن جبر الخلل الحاصل فيها, كما في الصلاة, والصيام, والحج.
стр. 272
القول الثاني:
من أتم أربعة أشواط من الطواف فقد أمن من فساد العمرة, ولا يوجب جماعه بعد ذلك إلا الكفارة, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (١).
دليل القول الثاني:
ركن العمرة هو الطواف, فيتأكد الإحرام بأداء أكثر الأشواط, كما يتأكد إحرام الحج بالوقوف، فإذا حصل الجماع حصل قبل أداء الركن فسدت العمرة, كما إذا حصل الجماع قبل الوقوف بعرفة في الحج, فإن جامع بعد ما طاف أربعة أشواط لم تفسد عمرته؛ لأن الجماع حصل بعد أداء أكثر الركن (٢).
نوقش من وجهين:
الوجه الأول:
أن الجماع من محظورات الإحرام, فاستوى فيه ما قبل الطواف, وبعده, كسائر المحظورات (٣).
الوجه الثاني:
أنه وطء صادف إحراما تاما, فأفسده كما قبل الطواف (٤).
ويمكن أن يناقش من وجه ثالث أيضا:
لا يسلم بصحة القياس على الوقوف بعرفة في الحج؛ إذ الوقوف بعرفة جاء النص فيه بأن (الحج عرفة) (٥) , ولم يرد مثل هذا في طواف العمرة, ولا يسلم أيضا بأن كل من وقف بعرفة أمن من فساد الحج؛ وإنما من أدرك التحلل الأول أمن من فساد الحج, ولو لم يتحلل التحلل الثاني, وليس في العمرة إلا تحلل واحد, فلم يصح القياس.
القول الثالث:
لا يأمن فساد العمرة, إلا من أتم الحلق أو التقصير, وهو قول عند الشافعية (٦).
стр. 273
دليل القول الثالث:
الحلق نسك لا يحصل التحلل من العمرة إلا بأدائه (١).
يمكن أن يناقش:
حتى لو سُلم بأنه نسك, فلا يسلم بأنه من أركان العمرة, والعبادة إذا تمت أركانها أُمن من فسادها.
الترجيح:
أتوقف عن الترجيح في هذه المسألة -والله أعلم-, والأحوط لعبادة المسلم, ألا يأتي شيئا من محظورات الإحرام, إلا بعد الحلق أو التقصير؛ خروجا من الخلاف.
المسألة الثانية: سبب الخلاف:
اختلاف الفقهاء في اعتبار أركان العمرة.
стр. 274
المطلب السادس: مقدمات الجماع للمحرم .
تحرير محل النزاع في المسألة:
أولا: اتفق الفقهاء على أن مقدمات الجماع تحرم على المحرم, وهي من محظورات الإحرام (١).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
قوله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَارَفَثَ﴾ (٢).
وجه الاستدلال بالآية:
أن الرفث -المنهي عنه في الآية- هو: الجماع، وتعاطي دواعيه من المباشرة, والتقبيل (٣).
الدليل الثاني:
إذا حرم على المُحرم عقد النكاح؛ فلأن تحرم عليه المباشرة, وهي أدعى إلى الوطء من باب أولى (٤).
ثانيا: اتفق الفقهاء على أن الكفارة تجب على المحرم, إذا أتى شيئا من مقدمات الجماع, أنزل أو لم ينزل (٥).
стр. 275
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول:
من أتى شيئا من مقدمات الجماع, فقد حصل له ارتفاق كامل؛ فوجبت عليه الكفارة (١).
الدليل الثاني:
مقدمات الجماع محظور من محظورات الإحرام, فتجب الكفارة بانتهاكها, كسائر المحظورات (٢).
ثالثا: اتفق الفقهاء على عدم فساد الحج, والعمرة بمقدمات الجماع, إذا لم يكن معها إنزال للمني (٣).
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
مباشرة دون الفرج عريت عن الإنزال، ولم توجب الاغتسال, فلم يفسد بها الحج، كاللمس (٤).
رابعا: اختلف الفقهاء في فساد الحج, والعمرة بمقدمات الجماع, إذا أنزل معها المني, على قولين:
القول الأول:
لا يفسد الحج, والعمرة بمقدمات الجماع, إذا أنزل معها المني, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم, من: الحنفية (٥) , والشافعية (٦) , والمذهب عند الحنابلة (٧).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
الحكم بفساد الحج, حكم شرعي, لا يجوز إثباته إلا بدليل, وليس في ذلك نص, ولا إجماع, ولا هو في معنى المنصوص عليه (٨).
стр. 276
الدليل الثاني:
الحكم بفساد الحج متعلق بالجماع في الفرج, على طريق التغليظ؛ لأن الوطء في الفرج أغلظ حكما من المباشرة دون الفرج, فلم يجز أن يستوي حكمهما في إفساد الحج, مع اختلافهما, وتباينهما, فما تعلق بعين الجماع من العقوبة, لا يتعلق بمقدماته, كالحد (١).
القول الثاني:
يفسد الحج, والعمرة بمقدمات الجماع, إذا أنزل معها المني, وهذا ما ذهب إليه المالكية (٢) , ورواية عند الحنابلة (٣).
دليل القول الثاني:
المقصود من الجماع هو: الإنزال، وهو أبلغ من الإيلاج، فجاز أن يفسد الحج به إذا انفرد, كالإيلاج إذا عري عن الإنزال (٤).
يمكن أن يناقش:
لا يسلم بأن المقصود من الجماع هو الإنزال, وإلا لما حكم بفساد الحج في عكس الصورة, وهي الجماع في الفرج دون إنزال.
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بعدم فساد الحج بمقدمات الجماع, حتى ولو حصل معها إنزال المني؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الثاني.
المطلب الأول: كفارة الجماع في الإحرام , وفيه أربع مسائل:
المسألة الأولى: كفارة من جامع في إحرام الحج قبل الوقوف بعرفة.
اختلف الفقهاء في الكفارة الواجبة بالجماع, في إحرام الحج, قبل الوقوف بعرفة, على قولين:
القول الأول:
يجب على من جامع قبل الوقوف بعرفة, أن يهدي بدنة, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (١) , والحنابلة (٢).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول:
وطء صادف إحراما لم يتحلل منه, فوجبت فيه بدنة، كالوطء بعد الوقوف (٣).
الدليل الثاني:
الوطء قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج, وما يفسد الحج جنايته أعظم، فيجب أن تكون كفارته أغلظ (٤).
الدليل الثالث:
كل عبادة أوجب الوطء فيها الكفارة مع القضاء, فإن كفارته تكون كفارة مغلظة, كالوطء في رمضان, وتغليظ الكفارة في الجماع قبل الوقوف, أن تكون بدنة (٥).
القول الثاني:
من جامع قبل الوقوف بعرفة, يُجزئه أن يهدي شاة, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (٦) , والمالكية (٧).
стр. 279
أدلة القول الثاني:
الدليل الأول:
هذه الكفارة في حقيقتها إنما وجبت لتعجيل الإحلال، والشاة تكفي في ذلك, كالمحصر إذا فاته الحج, يتحلل بشاة (١).
نوقش:
الجمع بين فساد الحج, وفوات الحج غير صحيح؛ لأن الكفارة إنما تغلظ لغلظ الفعل, وعظم الإثم, والفساد بالوطء معصية, يعظم إثمها, أما الفوات فليس بمعصية يأثم بها، فلم يجز أن يجمع بينهما في الكفارة مع افتراقهما في المعصية (٢).
الدليل الثاني:
السبب الواحد لا يجوز أن يجب به التغليظ من وجهين, فجزاء من جامع قبل الوقوف, هو وجوب القضاء عليه؛ فلا يصح أن يجب معه كفارة مغلظة (٣).
نوقش:
لا يسلم بذلك, فإن الوطء في الصوم، يجب به القضاء, ومع ذلك كفارته كفارة تغليظ (٤).
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بأنه يجب على من جامع قبل الوقوف بعرفة, أن يهدي بدنة؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الآخر.
المسألة الثانية: كفارة من جامع في إحرام الحج بعد الوقوف بعرفة, وقبل التحلل الأول.
اختلف الفقهاء في الكفارة الواجبة بالجماع, في إحرام الحج, بعد الوقوف بعرفة, وقبل التحلل الأول, على قولين:
стр. 280
القول الأول:
يجب على من جامع بعد الوقوف بعرفة, وقبل التحلل الأول, أن يهدي بدنة, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والشافعية (٢) , والحنابلة (٣).
دليل القول الأول:
الجماع أعلى أنواع الارتفاق, فتتغلظ الكفارة بتغلظ موجبها (٤).
القول الثاني:
من جامع بعد الوقوف بعرفة, وقبل التحلل الأول, يستحب له أن يهدي بدنة, ويُجزئه أن يهدي شاة مع الكراهة, وهذا ما ذهب إليه المالكية (٥).
دليل القول الثاني:
الإبل, والغنم تشترك في كونها من جنس بهيمة الأنعام, ومن الأزواج الثمانية التي نص الله
-تعالى- عليها, فبعضها يجزئ عن بعض (٦).
يمكن أن يناقش:
الإبل والغنم وإن اشتركتا في الجنس, إلا أنهما تختلفان في النوع اختلافا مؤثرا في التغليظ, والتخفيف, فالتكفير بالبدنة أغلظ وأنسب في جناية الجماع على إحرام تام.
стр. 281
الترجيح: يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بأنه يجب على من جامع بعد الوقوف بعرفة, وقبل التحلل الأول, أن يهدي بدنة؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الآخر.
المسألة الثالثة: كفارة من جامع في إحرام الحج بعد الوقوف بعرفة, وبعد التحلل الأول.
اختلف الفقهاء في الكفارة الواجبة بالجماع, في إحرام الحج, بعد التحلل الأول, على قولين:
القول الأول:
من جامع في إحرام الحج, بعد التحلل الأول يجزئه أن يهدي شاة, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من: الحنفية (١) , والمالكية (٢) , وقول عند الشافعية (٣) , والمذهب عند الحنابلة (٤).
دليل القول الأول:
وطء لم يفسد به الحج, فخفت الجناية, فأجزأت الشاة (٥).
القول الثاني:
من جامع في إحرام الحج, بعد التحلل الأول, وجب عليه أن يهدي بدنة, وهو قول عند الشافعية (٦) , ورواية عند الحنابلة (٧).
دليل القول الثاني:
أنه وطء حصل في إحرام الحج, فوجبت به بدنة, كالوطء قبل التحلل الأول (٨).
نوقش:
أن حكم الإحرام خفَّ بالتحلل الأول, فينبغي أن ينقص موجبه عن الإحرام التام (٩).
стр. 282
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بأنه يجب على من جامع بعد التحلل الأول, أن يهدي شاة؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الآخر.
المسألة الرابعة: كفارة من جامع في العمرة.
اختلف الفقهاء في الكفارة الواجبة بالجماع, في العمرة, على قولين:
القول الأول:
من جامع في العمرة يجزئه أن يهدي شاة, وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من:
الحنفية (١) , والمالكية (٢) , والحنابلة (٣).
دليل القول الأول:
لا مدخل للبدنة في العمرة؛ إذ أنها دون الحج في الفرضية, فيجب أن يكون حكم كفارة الجماع في إحرام العمرة, دون حكم كفارة الجماع في إحرام الحج (٤).
القول الثاني:
من جامع في إحرام العمرة يجب عليه أن يهدي بدنة, وهذا ما ذهب إليه الشافعية (٥).
دليل القول الثاني:
العمرة كالحج فيما يحل ويحرم بالإحرام، فوجب أن تكون كالحج, في وجوب البدنة, عند انتهاك الإحرام بالجماع (٦).
نوقش:
من حج قارنا, ثم جامع, لم تجب عليه بدنة لعمرة القران, فكذلك إذا كانت العمرة مفردة (٧).
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بأن من جامع في إحرام العمرة, أجزأه أن يهدي شاة؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلال القول الآخر.
стр. 283
المطلب الثاني: تعدد الجماع, وأثره على الكفارة , وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: صورة المسألة:
من جامع أكثر من مرة, وهو محرم, كم كفارة تجب عليه؟
المسألة الثانية: حكم تعدد الجماع, وأثره على الكفارة:
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
إن كفر عن الجماع الأول, وجب أن يكفر كفارة ثانية عن الجماع الثاني, وإن لم يكن كفر عن الجماع الأول, كفر كفارة واحدة عن الجماعين, وهو قول عند الشافعية (١) , والمذهب عند الحنابلة (٢).
دليل القول الأول:
إذا ترادفت الكفارات من جنس واحد تداخلت, وإن تفرقت؛ فإن الله -تعالى- أوجب في حلق الرأس فدية واحدة, ولم يفرق بين ما وقع في دفعة, أو في دفعات, بل إن من يحلق لا يمكنه الحلق إلا شيئاً بعد شيء, ومع ذلك لا يجب عليه إلا فدية واحدة, أما إذا كفر عن الأول, لم يتحقق التتابع في الكفارات, فلا تتداخل, فهو سبب موجب للعقوبة, فتتكرر الكفارة بتكرره, بعد التطهير كما في الحد (٣).
стр. 284
القول الثاني:
يجب أن يكفر عن كل جماع, سواءً كفر عن الأول, أو لم يكفر, وهو القول الصحيح عند الشافعية (١) , ورواية عند الحنابلة (٢).
دليل القول الثاني:
أنه وطء في إحرام منعقد, لم يتحلل شيء منه, فتعلقت به الكفارة, كالوطء الأول؛ لأنه لا يخرج من الحج بالإفساد, بل لو ارتكب محظورا في الإحرام الفاسد, وجبت عليه الفدية، كالإحرام الصحيح (٣).
يمكن أن يُناقش:
يُسلم بأن من ارتكب محظورا في الإحرام الفاسد, وجبت عليه الفدية, لكن إذا لم يُكفر عن المحظور الأول, وهو من نفس الجنس, تداخلت الكفارات.
القول الثالث:
تجزئ كفارة واحدة عن الجميع, سواء كفر عن الجماع الأول, أو لم يكفر, وهذا ما ذهب إليه المالكية (٤).
دليل القول الثالث:
كل وطء لم يتعلق به فساد الحج, لم تجب فيه الكفارة، كالوطء على وجه الرفض للحج, والقطع له (٥).
стр. 285
يمكن أن يناقش:
لا يُسلم بصحة قياس وطء التحلل, على الوطء الثاني بعد فساد الحج, فوطء التحلل يخرج به من الحج, والوطء بعد فساد الحج لا يخرج به من الحج.
القول الرابع:
إن تعدد المجلس وجب أن يكفر عن كل جماع, وإن اتحد المجلس كفر كفارة واحدة, وهذا ما ذهب إليه الحنفية (١).
دليل القول الرابع:
أن الكفارة تجب بالجناية على الإحرام, وقد تعددت الجناية فيتعدد الحكم -وهذا وهو الأصل- إلا إذا قام دليل يوجب جعل الجنايات المتعددة, حقيقة متحدة حكما -وهو اتحاد المجلس-؛ فأسباب الوجوب إذا اجتمعت في مجلس واحد, من جنس واحد, يُكتفى بكفارة واحدة؛ لأن المجلس الواحد يجمع الأفعال المتفرقة, كما يجمع الأقوال المتفرقة, كإيلاجات في جماع واحد, لا توجب إلا كفارة واحدة، وإن كان كل إيلاجة لو انفردت أوجبت الكفارة (٢).
نوقش:
التحديد بعدم التكفير أولى من التحديد بالمجلس الواحد؛ طردا لاعتبار الشرع وجود التكفير من عدمه, كما في الحد, والتكفير في اليمين, والظهار, وغيرها .. (٣).
الترجيح:
يظهر -والله أعلم- رجحان القول الأول؛ القائل بأن من كفر عن الجماع الأول, وجب أن يكفر كفارة ثانية عن الجماع الثاني, ومن لم يكفر عن الجماع الأول, كفر كفارة واحدة عن الجماعين؛ لوجاهة ما استدلوا به, ولورود المناقشة على استدلالات الأقوال الأخرى.