← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 880

شرح الشاطبية فتح الوصيد في شرح القصيد - ت أحمد الزعبي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

تُطِيرُ أعاجيبُ القرآنِ مَنامَهم … وتَبْتَسِمُ الأفكارُ عَنْها كمائِما (١) ولكنْ مفازاتُ الوصولِ إلى المُنَى … تُواصِل أَحْزَانَاً وتُصْلِي سَمَائِمَا سِوى أنَّ في الأسحارِ بردَ مَوَاهب … تهب بها الأرواحُ عِزَّاً مَيَاسِمَا (٢) أولئك أقوامٌ بهم قامتْ العُلا … أقامُوا لإجلال العلومِ مقاوِمَا وللعلمِ أعلامٌ تبينُ أهلَهُ … وخشيتُهم لله تهدي العوَالما وما يعقل الأمثالَ إلا قلوبُهم … إذا ضُرِبتْ للعالمين دَعَائِمَا وهم شهداءُ اللهِ للهِ معهُ والـ … ملائكُ بالتَّوْحيد والقِسْطِ قَائِمَا تعرُّوا وجَاعُوا والهواجرَ أظمأوا … والَاقْدامَ صفُّوا والجباهَ أوارِمَا (٣) عليك بالاسترجاعِ إِنَّكَ فَاقِدٌ … حياةَ العُلا وابغِ السَّلْوَ مُنَادِما (٤) عليك سلامُ اللهِ يا مَيِّتَ غيلَةً … تحيَّةَ مَنْ أَوْدَعْتُهُ مِنْكَ جاحِما (٥) وودعتَهُ بين المهالكِ والهاً … لما كان يرجوه لديكَ شَوَائِما (٦) بوارق لا أبكي سِوَاها مَوَاطِرًا … ولا أشتكي إلا لهنَّ كَظَائِمَا وله قصيدته المعروفة بعقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد (٧) نظم فيها المقنع لأبي عمروٍ ﵀ في الرسم، وزاد عليه، وهي مائتان وثمانية وتسعون بيتاً والآن أبدأ بشرح حرز الأماني مستعيناً بالله، وهو خير مُعين، قال ﵀، وقرأتها عليه غير مرةٍ عارضاً ومقيداً:

стр. 142

شرح مقدمة القصيد

стр. 143

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - بَدَأْتُ بِبِسْمِ اللهِ في النَّظْمِ أَوَّلا … تَبَارَكَ رَحْمَانَاً رَحِيمَاً وَمَوْئِلاً كلُّ مُفْتَتِحٍ أمراً قائلاً: بسم الله مضمِراً بدأت، فَأظْهَرَه هاهنا، وإنما يحذف اختصاراً كما تقول: «الطريقَ» لِمَنْ حال بينك وبينه، أي: خلِّ عنه. وقال قوم: الفعل المضمر مما يفتتح، فالقائم القائل بسم الله، أراد تعين لفظها، فأدخل على الباء باءً حرصاً على الإتيان بها، ولو قال: بدأت بسم الله لم يحصل (١) هذا المعنى، فصارت الباء الثانية، كأنها من نفس الكلمة، وهي مع الكلمة مجرورة بالباء الزائدة، ونُقل عن بعض العرب: بدأت بسم الله، وأبدأ بأن بسم الله لما ذكرته، وهذا بَيِّنٌ/ كقول الشاعر: فلا والله لا يُلْفَى لِمَا بِي … ولا لِلما بهم أبداً دواء (٢) ونصب «أولا» على الصفة أراد نظماً أولاً لأنه لم يسبق في هذا الباب إليه، أو على الظرف على أنه تام (٣)، كقولك: أبدأ به أولاً، وكقوله: فسَاغَ لِي الشرابُ وكنتُ قَبلاً … أكادُ أَغَصُّ بالمَاءِ القُرَاحِ (٤)

стр. 144

«تبارك» تفاعل من البركة، وهي لفظة تجمع أنواع الخير، قال الله تعالى: ﴿في ليلةٍ مُبَرَكةٍ﴾ (١)، أوجامعة لأنواع الخير، وكذلك ﴿ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ (٢) و ﴿تَبَارَكَ الذِّي بِيدِهِ المُلك﴾ (٣)، وما بعد «تبارك» تمييز وتفسير للضمير فيه، إذ كل بركة وخير برحمته، والموئلُ مَفْعِل مِنْ وأَلَ إليه، أي: رجع، ولجأ، ووأل منه إذا خلص ونجا. وفي الحديث (٤): «لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك» (٥) ٢ - وثَنَّيْتُ صَلَّى اللهُ رَبِّي عَلَى الرِّضَا … مُحَمَّدٍ المُهْدَى إلى النَّاسِ مُرْسَلا ثنَّى بالصَّلاة على النبي ﷺ ، لأنَّ الله ﵎ قرن بذكره ذكْرَه فهو معه في نحو (٦) قوله: ﴿أَطِيعُوا اللهَ والرَّسُول﴾ (٧)، ﴿ومَنْ يُطِعِ اللهَ ورَسُولَه﴾ (٨)، ﴿واللهُ ورسُولُه أحقُّ أنْ يُرْضُوه﴾ (٩)، ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ

стр. 145

مَنْ يحَادِد اللهَ ورَسُولَهُ﴾ (١)، ﴿آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولَه﴾ (٢). إلى غير ذلك من المواضع. و «صلى الله» لفظه لفظ الخبر، ومعناه: الدعاء كقولك: رحمك الله وغفر لك، والمراد بذلك: التحقيق لوقوعه، والثقة بكونه، ومنه: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقوله تعالى: ﴿غُلَّتْ أيديهم ولُعِنُوا بمَا قَالُوا﴾ (٣). وقوله سبحانه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ (٤). وللشَمَّاخِ (٥)، وقيل بل لأخيه جُزء، وقيل لمُزَرِّدٍ (٦): جَزَى اللهُ خَيرَاً مِنْ أميرٍ وبَارَكَت يَدُ اللهِ في ذَاكَ الأديمِ المُمَزَّقِ والصلاة: لفظ يجمع أنواع الدعاء الصالح. قال الأعشى: عَلَيكِ مِثْلُ الذِّي صَلَّيْتِ فاغْتَمِضي … نَوْماً فإنَّ لجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعَاً (٧)

стр. 146

وفي الحديث: «يا مُحَمد إنَّ ربَّكَ يقولُ: أمَا يُرْضِيكَ ألا يُصَلِّي عليك أحدٌ من أمَّتِكَ إلا صَليتُ عليه عَشْرَاً، ولا سَلَّمَ عليك إلا سَلَّمْتُ عليه عَشْرَاً» (١) وعن أبي سعيد (٢) «ما قومٌ يَقْعُدُونَ ثم يَقُومون، ولا يُصَلُّونَ على النَّبي محمدٍ ﷺ إلا كان عليهم يوم القيامةِ حسْرةٌ وإن دخلوا الجنة يرون الثواب» (٣). و «الرضا» من المصادر التي يوصف بها [ويكون هاهنا على حذف المضاف أي: ذي الرضا لعدم الإلباس] (٤)، إذ يجعل الموصوف نفس الصفة مبالغة وتحقيقاً لذلك فيه، ولكل في العربية وجه، وهم يجعلون الشيء للشيء إذا لابسه، كقوله تعالى: ﴿بل مَكْرُ الّيل والنهار﴾ (٥)، ومنه: لقد لمُتِنَا ياأمَّ غَيلانَ بالسُّرَى … ونِمْتِ وما ليلُ المطيِّ بِنَائِمِ (٦)

стр. 147

وهو من الرضوان، وحكى الكوفيون في تثنيته: رِضَوَان، ورِضَيَان، فكتابته على هذا بالألف والياء، والأصل في مرضيٌ، مَرْضُوٌّ، و (الرِّضَاء) بالمد مصدر راضيته، ومنه: لم نُرَحِّبْ بأنْ سَخِطْتِ ولكنْ … مرحباً بالرِّضاء منك وأهلا (١) و «المهدى» من قوله ﷺ : «إنما أنا رحمةٌ مهداةٌ للنِّاسِ» (٢). ومن معنى قوله: «إني ممسكٌ بحجزكم عن النَّار، وتَقَاحمون فيها تقَاحُمَ الفَرَاش والجنادب» (٣)، [وقال ﵇: «إنَّ لكل نبيٍ دعوةً وإني خبأتُ دعوتي شفاعةً لأمتي يومَ القيامة»] (٤). وقوله تعالى: ﴿وما أرسَلْنَكَ إِلا رَحْمَةً للعَلمِين﴾ (٥)، وقوله تعال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكم﴾ (٦) إلى آخره. فأي هداية أسنى من هدايةٍ عمَّ نفعها في الدارين. و «مرسلا» منصوب على الحال من الضمير في (المهدى).

стр. 148

٣ - وعِتْرَتِهِ ثُمَّ الصَّحابةِ ثُمَّ مَنْ … تَلاهُمْ عَلَى الإِحْسَانِ بِالخيِر وُبَّلا العترة: مايبقى في الأرض من الشجرة بعد قطعها، فتخلف فروعاً، والعترة: صخرة يجعل الضب مأواه عندها فتكون له علامة يهتدى بها إليه ثم سُميَ أقارب الإنسان الذين منهم نشأوا وإليهم يأوي: عترة. وسئل مالك عن عترة رسول الله ﷺ فقال: هم أهله الأدنون، وعشيرته الأقربون. اهـ فلما كانت العترة أصحاباً ولم يكن كلُّ الأصحاب عترة (١)، قال: (ثم الصحابة) ليعُمّ. و «تلاهم» تبعهم، و «وُبَّلا»: جمع وابل: وهو غزير المطر وفاعل صفة تجمع على فُعَّل كشاهد وشُهَّد، و «بالخير» متعلق بوبلا، و «وبلا» منصوب على الحال من الضمير في تلا فتكون للتابعين، وأفرد تلا على اللفظ وجمع وبلا على المعنى، أومن الهاء والميم في تلا فيكون للصحابة، وقد شهد الله ورسوله لهم بذلك، قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالذِّينَ مَعَهُ﴾ (٢). وقال ﷺ : «أصْحَابِي كالنُّجُوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (٣)، وقال تعالى في فضل التابعين ﴿والذين اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنٍ﴾ (٤)، وقال: ﴿والذِّينَ

стр. 149

آمَنُوا مِنْ بَعْد﴾ (١)، وقال: ﴿وآخَرِين مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ (٢)، وكان عمر ﵁ يرى قوله تعالى: ﴿مِنْ المهَجِرِين والأنْصَارِ والذِّين اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ﴾ (٣) بغير واوٍ نعت للأنصار فلما جاءه الثبت أنها كأخواتها من الآيات المذكورة قال: لقد كدت أرانا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا، وجاء في تفسير قوله تعالى في سورة الحشر ﴿والذِّينَ جَاؤُا مِنْ بَعْدِهِم﴾ (٤) أنها تعم من دخل في الإسلام إلى أن تنقضي الدنيا وعن عمر ﵁ أنه قرأها مع الآيتين قبلها فقال: استوعبت هذه المسلمين عامة، فليس أحدٌ إلا له حقٌّ فيه. وقال ﷺ : «وددتُ أنْ قد رأيت إخواننا، قالوا: يارسول الله ألسنا إخوانك، قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد وأنا فرَطُهم على الحوض» (٥) فقال لم يأتوا بعد، ولم يخص بإتيانهم زماناً دون زمان، فيدخل في عمومه من تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة إن شاء الله. وقال ﷺ : «طوبى لمن رآني، ولمن رأى من رآني، ولمن رأى من رأى من رآني» (٦).

стр. 150

٤ - وثَلَّثْتُ أنَّ الحَمْدَلله دَائِمَاً … وما ليسَ مَبْدُوآً بِهِ أَجْذَمُ العَلا لم يُرِد أنّ الحمد لله الرتبة الثالثة، ولكن وقع في البداءة كذلك، ألا تراه يقول: (وما ليسُ مبدوءاً بِهِ)، ويجوز فتح «أن» وكسرها فالفتح على حذف الباء، والمعنى «بأن»، والكسر على إضمار القول، أو على الهاء بمعنى أنها نعم كما قال: ........................... … ........ فقلتُ إنَّهْ (١) وكقوله: (إن وراكبها) (٢)، وهو مما قيل في ﴿إنَّ هَذَانِ لَسَحِرَانِ﴾ (٣). وعلى هذا القول ترفع «الحمد» بعدها، ويجوز النصب على المصدر، وعليه قراءة من قرأ ﴿الحمدَ لله﴾ (٤) ومع فتح (أن) يجوز النصب، ويجوز أيضاً الرفع على الحكاية. والجذم: أصله القطع، والهاء في (به) عائدة على (الحمد)، أوعلى الله على حذف مضاف أي: باسمه،

стр. 151

أو بذكره، و (ما) بمعنى الذي، «مبدوءاً» خبر ليس، و «أجذم العلا» خبر (ما)، و «العلا» بالفتح والمد: الرفعة والشرف، وما قصر الممدود وإنما هو من باب الوقف على الهمز، وأصله علاو فقلبت واوه همزةً إذ لا يمكن قلبها ألفاً لئلا يجتمع ألفان، كما قلبت في كساء هرباً من التقاء الساكنين. فأما في الوقف فلا يمتنع كما يقف على زيد وعمرو فتقول: الواو هاهنا تحركت وانفتح ما قبلها لأنَّ ألف الفتح ليست بحاجزٍ حصينٍ، فقلبت ألفاً من باب الوقف في جواز اجتماع الساكنين وهو أولى من قصر الممدود لأنه من باب الضرورة. و «أجذم» لا ينصرف، ويجوز أن ترفع العلا على البدل من الضمير في أجذم على أنه فاعل أو تنصبه على التشبيه بالمفعول، أو تخفضه بالإضافة وعليها ينشد بيت النابغة: ونُمْسِكْ بعده بِذِنابِ عَيْشٍ … أجبِّ الظهرِ ليس له سنامُ (١) الرفع على أنه فاعل، والنصب والخفض على ما ذكرت، و «دائماً» منصوب على الحال. وروى أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كلُّ أمر ذي بالٍ لا يُبْدَأُ فيه بحمد الله فهو أقطع» (٢)

стр. 152

٥ - وبعدُ فَحَبْلُ اللهِ فِينَا كِتَابُهُ … فَجَاهِدْ بِه حِبْلَ العِدَا مُتَحَبِّلا العرب تستعير الحبل في العهد والوصلة والمودة، وانقطاعه في نقيض ذلك كما قال (١): إني بحبلك واصلٌ حَبْلِي … ............ وفي الكتاب العزيز ﴿وتَقَطَّعَتْ بهمُ الأسبابُ﴾ (٢)، وفيه ﴿واعْتَصِمُوا بحبْلِ اللهِ﴾ (٣) جاء في التفسير أنه القرآن، وقال الشاعر: ألَمْ يحزنكَ أنَّ حِبالَ قيسٍ وتغلبَ قد تباينتِ انقِطَاعا (٤) وعن علي ﵇ عن رسول الله ﷺ : «أنها ستكون فتنة، قيل: فما المخرج منها يارسول الله؟. قال: كتاب الله؛ فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحُكْمُ مابينكم، هو الفصل ليس بالهزْل، مَنْ تركه مِنْ جبار قصمه الله، ومَنْ ابتغى الهدى في غيره أضله الله. هو حبل الله المتين، وهو الذِّكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لاتزيغ به الأهواء، ولا يلتبس به الألسن، ولاتشبع منه العلماء، ولا يخْلَقُ على ردٍ، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجنُّ إذ سمعته إلاّ أن قالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً، فمن قال به صُدِّقْ، ومن عَمِلِ بها أُجِرَ ومن حَكَمَ به عدل» (٥).

стр. 153

وفي بعض طرقه: «ومَنْ خاصم به فلح ومَنْ دعا إليه هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم» وفي بعضها: «ومَنْ استعصم به هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم». وفي آخر «طرف بيده، وطرف بأيديكم». أعلى بحفظه وحراسته من الغوائل، أما الطرف الذي بيده فلا تناله حيلة مبطل، وجعل بأيدي أهل القرآن طرفاً تشريفاً وتقويةً لاعتصامهم به، فامتنع دخول الوسائط بينه وبينهم، وقد التحق بهم من شرح صدره للإقتداء بهم والاهتمام بما اهتموا به في شأن القرآن، وللتعرض لما تعرضوا له من الرحمة. والحبل الداهية، والجمع حبول، و «العِدا» اسم جمع للأعداء وليس بجمع والمشهور فيه الكسر، وقد حكى ثعلب (١) ضمّه، فإذا قيل عُداة فالضم لا غير، [ويكون كقاضٍ وقضاة ويقولون: أشمت الله بك عاديك] (٢). ويقال تَحَبَّل الصيدَ، واحتبله أخذه بالحِبالة، وهي الشبكة وجمعها حبائل و «متحبلا» منصوب على الحال، أي: انصب الأعداء بالقرآن المكايد كما يفعل الصائد، أو اجعله حِبالةً تصيد به من تهديه وتريه الحق، و (به) يجوز أن يتعلق بمتحبلا، أو بقوله فجاهد، وتعليقه بمتحبلا أبلغ في المعنى، فيكون القرآن هو الحِبالة، ويصير تقدير الكلام: فجاهد حبل العدا متحبلاً به، والآخر وجه حسن.

стр. 154

«وبعد» مبني لشبه الحرف لأنّ الحرف ناقص معناه في غيره، والظرف كقبل، وبعد لا يفيد إلا مضافاً، فإذا حذف ما يضاف إليه بقي ناقصاً، فأشبه الحرف من حيث صار معناه في غيره فَبُني، وإنما بُني على الضمِّ لأنه صار غاية بعد أن كان وسطاً فأعطى غاية الحركات في الثقل، ومعناه: وبعد هذه البَدْأة. ٦ - وأَخْلِقْ بِهِ إذْ لَيسَ يخْلَقُ جِدَّةً … جَدِيدَاً مُواليْهِ عَلَى الجِدِّ مُقْبِلا أي: فجاهد به حبل العدا وما أولاه، كما تقول: اجعل زيداً لمهمَّا تك وما أخلقه. وللتعجب لفظان: أَفْعِلْ به، وما أفعله، فلفظه في أحدهما لفظ الأمر، والفرق بينه وبين الأمر لزوم الباء له في كل أحواله، وبقاء لفظه/ على حاله والمخاطب جمع ومؤنث، فهو إذاً خبر بلفظ الأمر، وجاز ذلك كما جاء الدعاء بلفظ الخبر، وقد قيل في الفرق بينه وبين ما أفعل أنه تعجب هاهنا ودعا غيره إلى التعجب، وثَمَّ تعجب فقط «إذ ليس يخلق جدة» أي: لا تبلى جِدته كما جاء في الحديث. ويقال: أخلق الشيء يخلَق [وخَلق يَخلُق] [¬*] إذا بَلِي وما لا تبلى جدته خليق أن يجعل عدةً في مجاهدة العدا. و «جديداً» فعيل من الجِدّ وهو يكون بمعنى الرفعة والعز. وفي القرآن العزيز ﴿وأنه تَعَالى جَدُّ ربِّنَا﴾ (١) كأنه قال: عزيزاً رفيعاً يعني: القرآن. و «مواليه»: ملازمه، والجد في الأمر الاجتهاد فيه، و «جِدّةً» منصوب على التمييز، و «جديداً» على الحال من الضمير في يخلق ولا يكون

стр. 155

حالاً من مواليه لتقدُّمه، والعامل ليس بفعل متصرفٍ، و «مواليه» ابتداء وعلى الجد خبره، ومقبلا حالٌ منه، والتقدير: مواليه مقبلاً على الجد كما تقول: زيدٌ على الحق لأنه إذا والاه مقبلاً محتفلاً متدبراً، فهو على الجد يشير إلى ما كان الأولون عليه من الاهتمام به، كما حكي أنَّ بعضهم استأذن أميره في المقام عند أهله ليلةً واحدة فأذن له، فشرع في الصلاة حتى طلع الفجر مشغولاً بالقرآن عن أهله، ثم رجع وفاءً بعهده ولم يرهم. وقد روى أبو ذرٍ أنَّ رسول الله ﷺ قام الليل بهذه الآية (١) يرددها ﴿إِنْ تُعَذِّبْهمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ (٢)، وبقي تميمٌ الداري ﵀ ليلةً إلى أذان الصبح في قوله تعالى: ﴿وهُمْ فِيهَا كَلِحُون﴾ (٣)، وردد سعيد بن جبير (٤) ﵀: ﴿وامْتَازُوا اليوَمَ أَيُّهَا المجرِمُون﴾ (٥) حتى أصبح، فهذا معنى قوله: «على الجدِّ مقبلا». ٧ - وقَارِئُهُ المَرْضيُّ قَرَّ مثَالُهُ … كَالَاتْرُجِّ حَالَيْهِ مُرِيحاً ومُوكِلا قرَّ: بمعنى استقرَّ، والأترنج لغةٌ في الأترج، وأراح يريح فهو مريح. إذا عبق وأكل الزرع والنخل، وكل شيء إذا أطعم. «وقارئه» مبتدأ، والمرضي خبره، ويجوز أن يكون صفةً، وقرَّ وما بعده الخبر، ومعنى ذلك: أنه استقرَّ، مثاله في الحديث النبوي (كالأترج)

стр. 156

وهو ما رواه أبو موسى عن النبي ﷺ : «مثلُ المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب» (١)، فأراد بالمرضي: المؤمن. كما جاء في الحديث «فمن آمنَ بالقرآن فهو المرضيُّ» (٢) صيانةً وورعاً (٣). وقال صهيب سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما آمن بالقرآنِ من اسْتَحلَّ محارِمَه» (٤). و «حاليه» بدلٌ من الأترج، و «مريحاً وموكلا» منصوبان على الحال. ٨ - هُوَ المُرْتَضَى أَمَّاً إِذا كَانَ أُمَّةً … ويمَّمَهُ ظِلُّ الرَّزَانَةِ قَنْقَلا الأَم: القصد وأممته ويممته أماً قصدته، والأمة: أراد به الإمام قال الله تعالى: ﴿إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ (٥). ويممه: قصده، والقنقل: الكثيب من الرمل العظيم، ولذلك قيل لتاج كسرى: القنقل، ونصب أماً على التمييز أي: المُرْتضى قصده ومذهبه، أو على أنه مصدرٌ في موضع الحال أي: المرتضى قاصداً، وقنقلا منصوب على

стр. 157

الحال، والمترجم عنها ظل الرزانة، أي: متوجاً مشبهاً ذلك، وجعل الرزانة هي التي تقصده كأنها تفتخر به وتتزين بأن تضله لكثرة خلال الخير فيه مبالغةً في مدحه. ومعنى البيت مأخوذٌ من قول الفضيل ﵀: حامل القرآن حامل راية الإسلام. وكان عمر ﵁ يستشير القرّاء في المهم من الأمور وإن كان غيرهم أسنَّ منهم. قال ابن عباس - وكان وقافاً عند كتاب الله سبحانه، وأشار بقوله إذا كان أمةً -: إلى أنه لا ينبغي أن تكون حروف القرآن مبلغ القارئ من العلم فإنَّ المقتصر على/ ذلك لا يُعَدُّ قدوةً. قال مالك ﵀: يؤمُّ القومَ أفقههم. قيل: فأقرأهم. قال: قد يقرأ من لا. فسَّرَه أصحابُه بمن لا يرضى حالُه.

стр. 158

٩ - هُوَ الحُرُّ إِنْ كَانَ الحَرِيَّ حَوَارِيَاً … لَهُ بِتَحَرِّيهِ إِلى أَنْ تَنَبَّلا سماه حراً لأنه لم تسترقه دنياه ولم يستعبده هواه، وكيف يقع في ذلك مَنْ فَهِم قوله تعالى: ﴿وماالْحَيوةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الغُرُورِ﴾ (١) وقول رسول الله ﷺ : «لو كانت الدنيا تزِنُ عند الله جناحَ بعوضةٍ ماسَقَى كافراً منها شَرْبةَ ماءٍ» (٢). وقوله ﷺ «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» (٣). قال ابن عيينة: [يستغن به] (٤)، وكذلك قال أبو عبيد، واحتج بقول من دخل على سعد دخلت عليه وعنده متاعٌ رثٌّ فقال قال رسول الله: ليس منا من لم يتغن بالقرآن» قال أبو عبيد: فذكر رثاث المتاع عند هذا الحديث دليل على أنه أراد الاستغناء وليس الصوت من هذا في شيء، وقد قال ابن مسعود: مَنْ قرأ آل عمران فهو غني، وقال: نعم كنز الصعلوك آل عمران يقوم بها آخر الليل. وفي الحديث: «مَنْ قرأ القرآن فرأى أنَّ أحداً أُعْطِي أفضلَ مما أُعْطي فقد عظَّم صغيراً وصغَّر عظيماً» (٥).

стр. 159

قال أبو عبيد (١): ومعنى الحديث: أنه لا ينبغي لحامل القرآن أن يرى أنَّ أحداً من أهل الأرض أغنى منه، ولو ملك الدنيا برحبها، ولو كان وجْهه ما تأوله بعض الناس من الترجيع بالقراءة وحسن الصوت لكانت [العقوبة] (٢) قد عظمت في ترك ذلك أن يكون من لم يرجع صوته بالقرآن فليس من النبي ﷺ ، قال: وتقول العرب وتغنيت تغنياً وتغانيت تغانياً بمعنى استغنيت. قال الأعشى: وكنتُ امرأً زمناً بِالعِراقِ … عفيفَ المُنَاخِ طَويلَ التَّغَن (٣) يريد الاستغناء. وقال آخر (٤): كِلانَا غَنِيٌ عن أخيهِ حياتَه ونحن إذا مِتْنا أشدُّ تغانياً قلت: ولو كان معنى الحديث ترجيع الصوت للزم أن يكون النبي ﷺ وأصحابه كانوا يقرؤون ترجيعاً، إذ قال: «ليس منا من لم يتغن». أي: نحن نتغنى بالقرآن فمن لم يفعل فقد خالفنا وخرج عن جماعتنا وهذا باطل، فقد نعتت أم سلمة قراءة رسول الله ﷺ فوصفت قراءةً مفسرةً حرفاً حرفاً (٥).

стр. 160

وروى عبد الرحمن عن أبي بكرة عن أبيه قال: «كانت قراءة النبي ﷺ المدَّ ليس فيها ترجيع» (١). وقد روي عن النبي ﷺ : «اقرؤوا القرآن بألحان العرب» (٢) الحديث. والحري: الحقيق، والحواري الناصح (٣) الخالص في ولاية، وكلُّ مشمِّرٍ في نصرٍ جادٍ فهو حواري وكأنَّ عزْمَهُ خالصٌ صافٍ عن التقاعد، قال الكميت (٤): وألْقِ فِضَالَ الوهنِ عنكَ بوثبةٍ … حَوَارِيَّةٍ قَدْ طَالَ هَذَا التَّفَضُّلُ الفِضال: الثياب التي تلبس في الخلوة يريد وثبةً خالصةً من الوهن والفتور. وأصل الحور: البياض ومنه الحواري: الخبز النقي الأبيض، وقيل لنساء الأنصار: الحواريات لبياضهن وتصوِّنِهنَّ عما يكدِّر صفاء أجسامهن. قال الشاعر: فقلْ للحَوَارِيَّاتِ يَبْكِيَن غَيْرَنَا … ولايَبْكِنا إلا الكِلابُ النَّوَابِحُ (٥)

стр. 161

ويقال للقصارين: حواريون لتبييض الثياب، والكل يعود إلى معنى الصفاء في أي شيءٍ كان. قال أبوعمرو: الحَوَرُ في العين شدة بياض البياض، وسواد السواد؛ وقال غيره: الحور في العين أن تكون كلها سوداء، وهذا يكون في الوحش. والحواري المتنظف في دينه، وحوَّرت الثوب: غسلته ونظفته، [واحورت القدر: ابيض لحمها] (١). والحواريون: صفوة عيسى ﵇ وخاصته، وكانوا اثني عشر رجلاً، والحواريون مثلهم من الصحابة كلهم من المهاجرين وهم تسعة من العشرة يخرج منهم سعدٌ، ويزيد على التسعة حمزة، وجعفر بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون. والنقباء كلهم من الأنصار سعد بن خيثمة من بني عمرو بن عوف، وسعد ابن الربيع من بني النجار، وسعد بن عبادة من بني عبد الأشهل، وعبدالله بن رواحة، وأبو الهيثم بن التيهان، والبراء بن معرور، ورافع بن مالك الزريقي، وعبدالله بن عمرو ابن حرام وهو أبوجابر، وعبادة بن الصامت من بني سلمة، والمنذر بن عمرو من بني ساعدة ﵃ أجمعين. ونصب حوارياً على الحال وخففه وهو جائز، وقد قرئ به [وقال قوم: لايجوز تخفيف المثقل إلا في القافية المقيّدة، وقد جاء تخفيفه في غيرها] (٢) كما قال الشاعر:

стр. 162

حتى إِذَا مَا لَمْ أَجِدْ غَيرَ الشَرِ … كُنْتُ امرأً مِنْ مَالِكِ بِنِ جَعْفَرِ (١) والتحري: القصد، وتنبَّل: مات، يقال: تَنَبّل البعير إذا مات، أو إلى أن انتقى الأنبل فالأنبل كما قال تعالى: ﴿فبَشِّرْ عبادِ الذِّينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحسنه﴾ (٢)، ومعناه أنه فتح له فيه باب الهداية فلم تزلَّ قدمه، ولم يسخفه ١٠ - وإنَّ كِتَابَ اللهِ أَوْثَقُ شَافِعٍ … وَأغْنَى غَنَاءٍ وَاهِبَاً مُتَفَضِّلا وفي الحديث «من شَفَّعَ له القرآن يوم القيامة نجا» (٣) وفيه «هو شافع مشفع» (٤) وفيه «أنّ تبارك الذي بيده الملك تجادل عن صاحبها يوم القيامة» (٥)، وفيه «أنّ رجلاً أوتي من جوانب قبره فجعلت سورة من القرآن ثلاثون آية تجادل حتى منعته من عذاب القبر» (٦) قال عبد الله بن مسعود: فنظرت أنا ومسروق فلم نجدها إلا تبارك.

стр. 163

وكان السلف يسمونها المنجية والواقية، وقال مسعد: ينادي منادي يوم القيامة: يامادح الله قم فادخل الجنة، فلا يقوم إلا من كان يكثر قراءة قل هو الله أحد. وسمع النبي ﷺ رجلاً يقرأ قل ياأيها الكافرون، فقال: «أمَّا هذا فقد برئ من الشرك»، ومرَّ بآخر يقرأ قل هو الله أحد، فقال: «أمَّا هذا فقد غفر الله له» (١). وقال رسول الله ﷺ : «لوجُعِل القرآن في إهابٍ وألقي في النار مااحترق» (٢). وأقول في معناه: إنه أراد وألقي في نار الآخرة كما ورد «أن لايعذِّبَ بالنَّارِ قلباً وعى القرآنَ، ولاصَدْرَاً حَفَظَهُ» (٣)، وهذا التأويل أولى من أوجهٍ ذكرها ابن قتيبة وغيره [بعيدةٍ ظاهرةِ الاختلال] (٤). والله أعلم. فإذا كان الشافع بهذه المنزلة (٥) فهو أوفى شافع. ويقال: غنيٍ إذا كَثُرَ مَالُه، وغَنِيَ بالمكان: إذا أقام به، قال الله تعالى: ﴿كَأنْ لمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ (٦). ويقال: أغنى غِنى وغِنَاءً: كفاني كفايةً، فإن شئت جعلت

стр. 164

أفعل من غَنِي بمعنى أقام معناه، وأغنى مغنٍ أي: وأبقى كافٍ، وإن شئت جعلته من أغنى عنه الرباعي، كما قيل: أعطاهم للمال، وأولاهم للمعروف، وأكرم لي من زيد، وهو من الرباعي قليل. وقال بعض النحويين: أعطاهم بُنيَ مِنْ أصله، وهوعطا يعطو، وأولاهم مِنْ ولي يلي، وزيدٌ أفقر منه من فقر، وهو الأصل وعليه جاء فقير، [وأكرم لي رد إلاكرُم] (١). والمشهور أن يبنى أفعل التفضيل من الثلاثي نحو: ضرب، وعلم، وحسن وغيره قليل. أخبرني شيخنا أبو القاسم الشاطبي ﵀: أن بعض شيوخه سأله هل تجد في القرآن وفَى ثلاثياً كما جاء الرباعي في ﴿أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ (٢)، قال: قلت: نعم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ (٣)؛ لأن أفعل من الثلاثي. ثم قال شيخنا: فلو قال قائلٌ: لعله بني من أوفى لا من وفى،. قلنا: الكلمة إذا جاء فيها ثلاثي ورباعي فأفعل من ثلاثيها لاغير وأما أعطاهم فلم يأت منه ثلاثي. قال: والذي يدل على أنه إنما بني من الثلاثي دون الرباعي أنَّ أكرم متعدٍ وكرم غير متعدٍ، وأكرم منك مثله غير متعدٍ ولوكان من أكرم لكان متعدياً مثله، وإن شئت قلت: بناه مِنْ غني إذا كثر ماله، فيكون «واهباً» منصوباً على التمييز: كقولك: هو أغناهم أباً، وتقديره: أغنى مغنٍ واهباً./ فإن

стр. 165

جعلته مبنياً من هذا، قالوا: فالواهب إذا كان زائد الغنى اتسع جوده كما أن الفعل قليل العطاء، وإلى هذا المعنى أومأ الشاعر بقوله: ألم ترَ أنَّ المَرْءَ من سُوءِ حَالِهِ … يُلامُ عَلى معرُوفِه وَهُو مُحْسِن (١) وإن جعلته من غني بمعنى أقام، فمعناه: أن الواهب زائدٌ في دوام هبته، ويدلُّها على الاستمرار من غير انقطاع. وإن قلت: بناه مِنْ أغنى الرباعي، فمعناه: أكفى من كل كافٍ؛ ولك أن تنصب واهباً متفضلاً على الحال، وتقدر المعاني المتقدمة من الغنى والإقامة والكفاية في حال هبته وتفضله. ١١ - وخَيْرُ جَلِيسٍ لايُمَلُّ حَدِيثُهُ … وَتَرْدَادُه يَزْدَادُ فِيه تَجَمُّلا كلُّ قول مكررٍ مملول إلا القرآن فإنه كلما كُرِّر حلا فهو خير جليس، و «لا يملُّ حديثه» في موضع الصفة للجليس، ولك أن تجعلها إضافةَ تخصيص لا تفضيل مع إثبات التفضيل في ذلك كله للقرآن فيكون «لا يمل حديثه» على هذا صفةً له. في الحديث: «مثلُ صاحبِ القُرْآَنِ مَثَلُ جرابٍ مملوءٍ مِسْكَاً يَفوحُ به كلَّ مَكَانٍ» (٢)؛ فأي جليسٍ أفضل منه. وعن عليٍ الأزدي قال: أردت الجهاد، فقال لي ابن عباس: ألا أدلك على ما هو خيرٌ لك من الجهاد؛ تأتي مسجداً فتقرأ فيه القرآن وتُعلِّم فيه الفقه. وفي الحديث: «يقولُ اللهُ تعالى: إِني أهمُّ بعذاب عبادي فأنظر إلى عمَّارِ المساجد، وجُلساءِ القرآنِ، وولدانِ الإسْلامِ فَيَسْكُنُ غَضَبي» (٣).

стр. 166

وكيف يُمَلُّ وهو أحسن الحديث كما قال سبحانه: ﴿الله نزَّل أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ (١) قال بعض البلغاء: فَضْلُ القرآن على سائر الكلام معروفٌ غير مجهول وظاهرٌ غير خفي يشهد بذلك عجز المتعاطين، ووهن المتكلفين، وتحير الكائدين. وهوالمتلو الذي لا يملُّ، والجديدُ الذي لا يخلقُ، والحقُّ الصَّادعُ، والنَّور السَّاطِع، والماحِي لظُلم الضَّلالِ، ولسانُ الصدقِ المؤنِبِ للكذبِ، نذيرٌ قدمتْه الرَّحمةُ قبلِ الهلاكِ، فهو ناعي الدُّنيا المُتَحوِّلَة (٢)، وبشيرُ الآخرةِ المُخَلَّدَةِ، ومفتاحُ الخَيرِ ودليلُ الجَنَّةِ. إنْ أَوْجَزَ فكافِئَاً، وإنْ كَرَّرَ فَذَاكِرَاً، وإِنْ أَوْمَأَ فَمُقْنِعَاً، وإنْ أَطَالَ فَمُفْهِمَاً، وإِنْ أَمَرَ فَنَاصِحَاً، وإنْ حَكَم فعادلاً، وإن خبَّر فصادقاً، وإن بيَّنَ فشافياً، سهلٌ على الفهم، صعبٌ على التعاطي، قريب المأخذ، بعيد المرام، سراجٌ تستضيء به القلوب، حلوٌ إذا تَذَوَّقَتْه العقول، بحر العلوم وديوان الحكم، وجوهر الكلم، وشفاء سقام الريب، نزهة المتوسمين، وروح قلوب الموقنين. نَزَل به الروحُ الأمين على محمدٍ خاتم النبيين، فخصم الباطل، وصدع بالحقِّ، وتألف النفرة (٣)، وأناش من الهلكة (٤)، وواصل الله به النصر، وأصدع به خدَّ الكفر.

стр. 167

والضمير في «يزداد» عائدٌ على القرآن، ويجوز أن يعود على القارئ: وأنه بترداده يزداد من فوائد الدنيا والآخرة فيتجمَّل به، فإن كان من علماء العربية اقتبس بالترداد من فوائد البلاغة ودقائق الإعراب، ومعرفة الغريب علماً جماً. وكذلك الفقيه والعارف والمتكلم فلكل واحدٍ في ترداده حظّ وافرٌ، وإنْ لم يكن من العلماء أحرز الأجر الذي يتجمل به في الآخرة كما جاء في الحديث: «يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارْقَ» (١). وكما قال أحمد بن حنبل ﵀: رأيت ربَّ العزة في المنام فقلت: يارب ما أفضل ما يتقرب به المتقربون إليك. فقال: كلامي يا أحمد. فقلت: يارب بفهمٍ أو بغير فهمٍ. فقال: بفهمٍ وبغير فهمٍ. وقد نقل هذه الرؤيا أكابر العلماء (٢). وإن كان خير جليسٍ فيجب أن يجالس بما يليق به من استعمال الأدب وترك الإعراض عنه، والتفهم لحديثه، والإقبال عليه بالتدبر، فإنك إذا جالست جليساً بهذه الصفة، حققّ فيك سوء المجالسة، لاسيما إن كان حديثه فيما يعود/ النفع عليك. وقد قال رسول الله ﷺ : «ربَّ قارئٍ للقرآن والقرآن يلعنه» (٣).

стр. 168

فإن أبيت فاترك مجالسته عساك تسلم مِنْ لعنه. وراحة القرآن منك خيرٌ من مخالطته على هذه الحال، فالوحدة خيرٌ من جليس السوء. وتأمل ما ورد في الحديث: «مَنْ لَمْ يدعْ قولَ الزُّورِ والعملَ بِهِ فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعَامَهُ وشرَابَهُ» (١). وعن قتادة: ما جالس أحدٌ هذا القرآن إلا قام عنه بزيادةٍ أو نقصان؛ وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القرآنِ ما هو شِفَاءٌ وَرَحمةٌ للمؤْمِنِينَ وَلايَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارَاً﴾ (٢). وقد قال رسول الله ﷺ : «أكثر منافقي أمتي قراؤها» (٣)، وقال ﷺ : «إنَّ من إجلال الله إجلالَ ذي الشيبة المسلم، وإجلالَ حاملِ القرآن غيرِ الغالي فيه، ولا الجافي عنه» (٤). ولظنون فساد أحوال القرَّاء قيل: الغيبة فاكهة القراء.

стр. 169

١٢ - وحيثُ الفَتَى يَرْتَاعُ في ظُلمَاتِه … مِنْ القَبرِ يَلْقَاهُ سَنَاً مُتَهَلِّلا راعه يرُوعه رَوْعاً، فارتاع: أي: أفزعه، ومنه يوم الرَّوْع. والسَّنا بالقصر: الضوء و ﴿سَنا بَرْقِهِ﴾ (١) من ذلك، وتهلل وجهه: إذا أظهر فيه البشر والبشاشة وأثر السرور. و «سنناً» منصوبٌ على الحال من الضمير المستتر في يلقاه ويكتب بالألف لقولهم: سَنَوان. فأما النبت المعروف بالسنا فحكى أبو زيد فيه الواو والياء فيكتب بالياء والألف، ولك أن تجعل «متهللا» صفةً للسنا وحالاً بعد حالٍ من الضمير المذكور. أي: يلقاه باشَّاً، والقبر موضع الروع، وقد قال رسول الله ﷺ في سعد بن معاذ ﵁: «هذا الذي تحرك له العرش وفُتحت له أبواب السماء وشهده سبعون ألفاً من الملائكة لقد ضُمَّ ضمةً ثم فُرج عنه» (٢) يعني: ضمة القبر. وكان عثمان ﵁ إذا وقف على قبرٍ بكى حتى تبتلَّ لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتبكي من هذا، فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قال: «إن القبر أول منزلٍ من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشدُّ منه» (٣)، قال: وقال رسول الله ﷺ : «ما رأيت منظراً قطُّ إلا والقبر أفظع منه» (٤)، وعن أسماء بنت أبي بكر رضي

стр. 170

الله عنها قالت: «قام رسول الله ﷺ خطيباً، فذكر فتنة القبر التي يُفتتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضَجَّ المسلمون ضجةً» (١). وللقبر ظلمات لا ينورها إلا صالح الأعمال. وقد قال رسول الله ﷺ : «إن هذه القبورَ مملوءةٌ على أهلها ظلمةٌ وإنَّ الله لينوِّرها بصلاتي عليهم» (٢). قال شيخنا أبو القاسم ﵀: وكان ابن السِّمَاك كثيراً ما ينشد: ألا خلا في القبور ذو خَطَرِ … فزُرْهُ يوماً وانظر إلى خطرهِ أبْرَزَه الموتُ من مساكنه … ومن مقاصرِهِ ومن حُجَرِه قال ﵀: فحملني استحسانها على الزيادة فيها فقلت: إلى ديار البلى فحلَّ بها … ياليت شعري ماكان من خبره لم يُغْنِ عنه مَالٌ ولا ولدٌ … ولاحميمٌ يَعُودُ مِنْ نَفَرِه ولم يجِدْ في ظَلامِ حُفْرتِه … نُورَاً سِوى ما أنارَ في عُمُرِه مَنْ لم يَكنْ بالقبور متعظاً … أخفقَ في وِرْدِه وفي صَدْرِه وقال مرةً: لم يحلَّ في ورده ولاصدره [وقال شيخنا أيده الله وسألت أن أنظم عليها أبياتاً فقلت: مرَّ بها ناسياً لوحشتها … وهو إليها يجدُّ في سفره ولم يرعه فظيع منظرها … كأنه قد أُصيب في بصره عجبتُ من شَامتٍ بمخترمٍ … وأنَّه ذاهبٌ على أثره ومن كبير ذنبٍ منيتُه … ولا يخاف الردَّ على كِبره الحمد لله ما قضاه جرى … ولا يفرُّ العباد من قدره] (٣)

стр. 171

وقوله في ظلماته أضاف الظلمات إليه لأنها أعماله كما قال ﵇: «الظلم ظلماتٌ يوم القيامة» (١). أو لكونه فيها أي: في ظلمات القبر. ١٣ - هُنَالِكَ يَهْنِيه مَقِيلاً ورَوْضَةً … ومنْ أَجْلِهِ في ذِرْوَةِ العِزِ يُجْتَلا هنالك يشار بها إلى أبعد البعد، والميت: بأبعد البعد كما قيل (٢): بينا هو البين لا بين النوى زمناً … ولا الثقلُ من دَارٍ إلى دارِ وكقوله (٣): مَنْ كانَ بينكَ في الترابِ وبينَه … شِبَرانِ فهو بِغَايةِ البُعْدِ وأصل المقيل: القائلة، ولا تكون إلا لصاحب مَقَرٍّ وذي مكانٍ وإمكان. فإن كان المقيل في ظلٍ ظليل وروضٍ أنيق فهو أبلغ في حسن الحال. وذروة كل شيء: أعلاه تضم وتكسر، والجمع ذرا، والحال في ذروة العز ممتنع من كل آفةٍ، و «يجتلى» ينظر إليه بارزاً من قولك: اجتليت العروس: إذا نظرت إليها بارزةً في زينتها، وأصله الكشف: ومنه جلوت السيف، [وجلوت العروس جلواً، أو جلاءً: أبرزتها إلى زوجها] (٤). وقال رسول الله ﷺ : «إنَّ للقلوبِ صَدَأً كصَدَأِ الحديد وجلاؤهَا

стр. 172

الاستغفارُ» (١)، وجلى القوم عن منازلهم جلاءً يكون اسماً ومصدراً. قال سحيم (٢): أنا ابْنُ جَلا وطلاعِ الثنايا … مَتَى أَضَعِ العِمَامَة تعرفوني أي: المنكشف الأمر الظاهر الشأن. ١٤ - يُنَاشِدُ في إِرْضَائِهِ لحبِيبهِ … وأَجْدِرْ بِهِ سُؤْلاً إِليهِ مُوَصَّلا يناشد: يكثر المسألة، والهاء في «إرضائه» للقرآن، أي: يسأل ربه أن يعطيه مايرضاه، والهاء المجرورة بإلى عائدة عليه أيضاً، أو على الرضا الدال عليه الإرضاء، أو على الإلحاح الدال عليه يناشد، و «سؤلاً» تمييز، و «موصلاً» نعته أو حال من القرآن على أن الكلام يتم على سؤلاً، و «إليه» متعلق بموصلاً، وأراد بهذا شفاعة القرآن لصاحبه، وهو جدير بأن يجاب، وقد وعد الله أهل القرآن بضروبٍ من الخيرات لا تخفى مواقعها في كتابه وسنة نبييه ﷺ . وفي الحديث: «أنَّ القُرْآنَ يقولُ: يارب رَضِّنِي لحبيبي» (٣) ١٥ - فَيَا أَيُّهَا القَارِي بِهِ مُتَمَسِّكَاً … مُجِلاًّ لَه فِي كُلِّ حَالٍ مُبَجِّلا أبدل من الهمزة في القارئ حرف مدٍ على غير قياسٍ ومثله لا يبدل حرف مدٍ إلا سماعاً، ولكنه يجوز لضرورة الوزن، وقد قرئ ﴿مِنْسَاتَه﴾ (٤)

стр. 173

و ﴿سَالَ سايل﴾ (١) عند مَنْ لم يجعله مِنْ سال. يسأل، وعليه أنشد سيبويه (٢): سالتْ هُذَيلٌ رسولَ اللهِ فِاحِشَةً … ضَلَّتْ هُذيلٌ بما سالَتْ ولم تُصبِ ومنه قولهم: (هما يتساولان) ولك أن تجعله مِنْ قرأ يقرأ أي: يتبع، وجمع أومن قُرئ يقرئ أي: أضاف، والأول أولى، وإن علقت به القارئ قضيت بزيادة الباء كقوله: ........................ … نضربْ بالسيفِ ونرجو بالفرج (٣) ولك أن تعلقه بمحذوفٍ أي: مغتبطاً به ونحوه فيكون متمسِّكاً على هذا حالاً بعد حالٍ، ويجوز أن يكون معناه: عليك به متمسِّكاً، ولك أن تعلقه بمتمسِّكاً على إرادة التأخير، والعامل في الحال: القارئ، وكذلك إذا قدرت زيادة الياء، والنداء هاهنا لمن قرأ القرآن متمسِّكاً مجِّلاً مبجلاً في جميع الأحوال. فمِن إجلال القرآن ترك الجدال والمِرَاء فيه. جاء في الحديث: «اقرؤوا القرآن ماائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه» (٤). وفي

стр. 174

الحديث أيضاً «وإياكم والاختلاف فإنما هلك من كان قبلكم باختلافهم» (١). وقال ﷺ «المِرَاء في القرآن كُفْر» (٢). ومن إجلاله: اجتناب حامله كل ما يشين من الأفعال المستقبحة. قال ابن مسعودٍ: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله/ إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبتواضعه إذا الناس يتكبِّرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخوضون. وقال الفضيل: ينبغي لحامل القرآن ألا يكون له حاجةٌ إلى أحدٍ من الخلق إلى الخليفة فمن دونه، وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه، وقال: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلغوَ مع مَنْ يلغو، ولا أن يسهوَ مع من يسهو، ولا أن يلهو مع من يلهو. ومِنْ إجلال القرآن إجلالُ حَمَلَته، وتوقيرُ نَقَلَتَه، فإنهم أهل الله وخاصته، وقد سبق الحديث «وإجلالُ حاملِ القُرْآنِ غيرِ الغالي فيه ولا الجافي عَنه» (٣). وقال عمر ﵁: إني لأحب أن أنظر إلى القارئ أبيض الثياب. اهـ وما أراد إلا تعظيم شأنه وقد كان مَنْ مضى يعظمون حملة القرآن،

стр. 175

حتى قال الشافعي ﵀: مَنْ حفظ القرآن عظمت حرمته، ومَن طلب الفقه نبل قدره، ومَن كتب الحديث قويت حجته، ومَن نظر في النحو رقَّ طبعه، ومن لم يَصُنْ نفسه لم يصنْه العلم. وقال عبد الله بن عمر ﵄: أربعة رهطٍ لا أزال أحبهم بعدما سمعت رسول الله ﷺ يقول: «استقرئوا القرآنَ من أَربعةٍ: مِنْ عبدالله بِنِ مسعودٍ، وسالمِ مولى أبي حذيفة، وأبي بنِ كعب، ومعاذِ بِن جبلٍ» (١). ويجب على المتعلم توقير من يقرأ عليه، والمبالغة في إجلاله، وقد قال عليٌّ ﵇: من حق العالم إذا أتيت مجلسه أن تُسَلِّم على القوم وتخصَّه دونهم بالتحية، و تجلس أمامه، ولا تُشيرنَّ عنده برأيٍ، ولا تغمزنَّ بعينك، ولا تقولنَّ له قال فلان خلافاً لقوله، ولا تغتابنَّ عنده أحداً، ولا تُسارِّهِ، ولا تأخذ بثوبه، ولا تُلِحَّ عليه إذا كسل، ولا تعرض عن صحبته، فإنما هو بمنزلة النخلة تنتظر أن يسقط عليك منها شيءٌ فَتَجْنِيه. ومن إجلال القرآن حُسنُ الاستماع له، والإنصات لتلاوته، وقد أمر الله تعالى عباده بذلك فقال سبحانه: ﴿وإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وَأنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحمُون﴾ (٢) مناقَضَةً لقول ﴿وقَالَ الذِّين كَفَرُوا لاتَسْمَعُوا لهَذَا القُرْآنِ والْغَوا فِيه لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون﴾ (٣). قيل: نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام، وقيل في ترك الكلام في خطبة يوم الجمعة. وقيل:

стр. 176

سببها أنَّ الكفار كانوا إذا سمعوا رسول الله ﷺ يقرأ رفعوا أصواتهم وأكثروا اللغو لئلا يستمع أتباعهم وأبناؤهم كلام الله فيسلموا، فتركت أدباً ليخالفوا عادة أولئك. وعلى الجملة فاللفظ عامٌّ فينبغي أن يكون المستمع متدبِّراً لما يسمع متِّعظاً به، وقد تحدث بعض من خلا والقارئ يقرأ، فقيل لهما: ألم يقل الله ﴿وإذا قُرِئَ القرءانُ فاسْتَمِعُوا﴾ فقالا: إنما ذلك في الصلاة، فنظر إلى السبب ولم ينظر إلى عموم الأمر بالإنصات فإنه لم يقيد بالسبب ولم يقصر عليه. وقوله: ﴿لعلَّكم تُرْحمون﴾ مطابق لما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ «ما تجالس قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكةُ، وغشيتهم الرحمةُ، وذَكَرَهم اللهُ فيمن عندَه» (١). وهذا يعمُّ القارئ والمستمع، فندب المستمع إلى الإنصات ليرحم مع التالين. ١٦ - هَنِيئَاً مَرِيئَاً وَالدَاكَ عَلَيْهِمَا … مَلابسُ أنْوَارٍ مِنَ التَّاجِ والحُلا «هنيئاً مريئاً» منصوب على الحال، أي: ثبت لك هنيئاً مريئاً، أو على نعت مصدر بمعنى: عِش عيشاً هنيئاً، أو بمضمرٍ بمعنى صادفت هنيئاً، والهنِيءُ الذي لا آفة فيه، والمريء: المأمون الغائلة (٢). يقال: هنأني، ومرأني، فإذا أفردت قلت:/ أمرأني. ومعنى البيت ما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ : «مَنْ قَرَأ القرْآَنَ وعَمِلَ بما فيه أُلْبِسَ والدَاه تَاجَاً يوم القيامةِ ضَوْءه أحسنُ من ضَوْءِ

стр. 177

الشمسِ في بيوت الدنيا لو كانت فيه فما ظنُّكم بالذي عَمِلَ بهذا» (١). فقوله في هذا الحديث «مَنْ قرأ القرآن وعَمِل بمافيه» هو المنظوم في البيت السابق في قوله: «به متمسِّكاً» ومابعده. والحُلى جمع حِلية يقال: حِلْية وحُلَى، ولِحْية ولُحَى في أشياء قليلة خرجت عن القياس الذي هو كسر أوائلها في الجمع كما في الإفراد وليس في الحديث ذكرالحلى، والمعنى يقتضيه لأنَّ المتوَّج يكون في أكمل زينةٍ. ١٧ - فَمَا ظَنُّكُمْ بالنَّجْلِ عِنْدَ جَزَائِهِ … أُولئكَ أهلُ اللهِ والصَّفْوَةُ المَلا [«فماظنكم» ابتداء وخبرٍ، ومعناه ظنوا ما شئتم من الجزاء لهذا الولد الذي أُكرم من أجله والداه كما سبق في الحديث «فماظنكم بالذي عمل بهذا». وفي حديث آخر «إنَّ للهِ أهلينَ مِنْ خَلْقِهِ قَالُوا: ومَنْ هم يارسولَ الله قال: أهلُ القُرْآنِ هم أهلُ اللهِ وخاصَّتُه» (٢) فما ظنك بأهل الله وخاصته؟ والنَّجْل: الولد، والصفوة بالفتح والكسر لغتان فصيحتان، والضم أيضاً محكي فيها وهو الشيء الخالص، والتقدير والجموع الصفوة] (٣)، قال الشيخ ﵀: ولا يمتنع أن يكون صفوة بالكسر جمع صفيٌ. والملا: الأشراف والرؤساء وجماعة الرجال أيضاً. قال الشاعر (٤): وتَحَدَّثُوا مَلأً لتُصبِحَ أُمُّنَا … عذراءَ لا كَهْلٌ ولا مولود

стр. 178

وقال يعقوب: معناه: تحدثوا متمالين علينا ليقتلونا فتصبح أمنا كالعذراء التي لم تلد. ويقال تمالؤوا عليه إذا اجتمعوا، ويقال: ما أحسن ملأهم أي: عشيرتهم. وفي الحديث: «أحْسِنُوا ملأكم» (١). وقال الجهني: (٢) تنادَوْا يالبُهْثَةَ إِذْ رأَوْنَا … فقلنا أحْسِني ملأً جُهَيْنَا قال أبو زيد: خلقاً، وقال أبو حاتم: غلبة. وجاء في الحديث عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : «أشرافُ أمتي حملةُ القرآنِ وأصحابُ الليل» (٣). ١٨ - أُولُوا البِرِّ والإحْسَانِ والصَّبْرِ والتُّقَى … حُلاهُمْ بِهَا جَاءَ القُرَانُ مُفَصِّلا معناه: أنهم عُرِفوا بهذه الأعمال، وفي الحديث لَمَّا أنزل ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ﴾ (٤) قال أبوطلحة الأنصاري: يارسول الله إنَّ الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون﴾ وإنَّ أحبَّ أموالي إلي بير حاء، - وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب مِنْ

стр. 179

ماءٍ فيها طيِّب - قال أبو طلحة: وإني أريد أن أجعلها في سبيل الله أرجو بِرَّها وذخرها عند الله. فقال رسول الله ﷺ : بخٍ بخٍ ذلك مالٌ رابح. (مرتين). وقد سمعت ما قلت فيه وأرى أن أجعلها في الأقربين، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه (١). «وحلاهم» صفاتهم «جاء بها القرآن مفصلا» كقوله تعالى: ﴿ولكنَّ البِرَّ من آمَنَ بِاللهِ﴾ (٢) إلى آخر الآية، وكقوله سبحانه: ﴿ومَا عِنْد اللهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ﴾ (٣) جمع بر وهوالكثير النافع. وكقوله: ﴿إنَّ اللهَ مَعَ الذِّينَ اتَّقَوا والذِّينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٤). و ﴿إِنَّهُمْ كاَنُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِين﴾ (٥). وقوله : ﴿وما ضَعُفُوا ومَا اسْتَكَانوا واللهُ يُحِبُّ الصَّبِرِين﴾ (٦)، ﴿والذِّينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ (٧). وقوله تعالى: ﴿هُدَىً للمُتَّقِين﴾ (٨) ﴿الذِّين يُؤْمِنُون بِالغَيبِ ويُقِيمُونَ الصَّلَوة﴾ (٩) إلى آخره وذلك كثيرٌ في القرآن (١٠).

стр. 180

١٩ - عَليكَ بِهَا ما عِشْتَ فيها مُنَافِسَاً … وبِعْ نَفْسَكَ الدُّنيا بِأَنْفَاسِهَا العُلا أي: الزمها، وبادر إليها منافساً، وهو منتصب على الحال، و «العلا» إن جعلته جمع عليا كتبته بالياء، وإن جعلته/ مفرداً كتبته بهما، فالياء على مذهب الكوفيين فيما كان من ذوات الواو مضموم الأول أو مكسوره. وفي الحديث: «أنَّ رجلاً قال يارسول الله: أي النَّاس خير؟ قال: مَنْ طال عمره وحسن عمله، قال: فأي الناس شرٌّ، قال: من طال عمره وساء عمله» (١). وروى البخاري أنَّ النبي ﷺ قال: «أعْذَرَ اللهُ إلى امرئٍ أخَّرَ أجَلَه حتى بلَغَ ستين سنةً» (٢). وقال بعض الصحابة عند موته: اللهم إني لم أكن أريد البقاء في الدنيا لغرس الأشجار، ولا لكري الأنهار، وإنما كنت أريد البقاء فيها للظماء في الهواجر، ومزاحمة العلماء في حِلَقِ الذكر بالركب (٣) اهـ. فعلى مثل هذه الأعمال كان حرصهم. ورغب النبي ﷺ مرةً في الجهاد، ورجلٌ من الأنصار يأكل تمراتٍ في يده، فقال: إني لحريصٌ على الدنيا إن جلست حتى أفرغ منهنَّ، ورمى ما في يده وقاتل حتى قتل (٤).
следующие страницы →