← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 880

شرح الشاطبية فتح الوصيد في شرح القصيد - ت أحمد الزعبي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

سببها أنَّ الكفار كانوا إذا سمعوا رسول الله ﷺ يقرأ رفعوا أصواتهم وأكثروا اللغو لئلا يستمع أتباعهم وأبناؤهم كلام الله فيسلموا، فتركت أدباً ليخالفوا عادة أولئك. وعلى الجملة فاللفظ عامٌّ فينبغي أن يكون المستمع متدبِّراً لما يسمع متِّعظاً به، وقد تحدث بعض من خلا والقارئ يقرأ، فقيل لهما: ألم يقل الله ﴿وإذا قُرِئَ القرءانُ فاسْتَمِعُوا﴾ فقالا: إنما ذلك في الصلاة، فنظر إلى السبب ولم ينظر إلى عموم الأمر بالإنصات فإنه لم يقيد بالسبب ولم يقصر عليه. وقوله: ﴿لعلَّكم تُرْحمون﴾ مطابق لما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ «ما تجالس قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم الملائكةُ، وغشيتهم الرحمةُ، وذَكَرَهم اللهُ فيمن عندَه» (١). وهذا يعمُّ القارئ والمستمع، فندب المستمع إلى الإنصات ليرحم مع التالين. ١٦ - هَنِيئَاً مَرِيئَاً وَالدَاكَ عَلَيْهِمَا … مَلابسُ أنْوَارٍ مِنَ التَّاجِ والحُلا «هنيئاً مريئاً» منصوب على الحال، أي: ثبت لك هنيئاً مريئاً، أو على نعت مصدر بمعنى: عِش عيشاً هنيئاً، أو بمضمرٍ بمعنى صادفت هنيئاً، والهنِيءُ الذي لا آفة فيه، والمريء: المأمون الغائلة (٢). يقال: هنأني، ومرأني، فإذا أفردت قلت:/ أمرأني. ومعنى البيت ما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ : «مَنْ قَرَأ القرْآَنَ وعَمِلَ بما فيه أُلْبِسَ والدَاه تَاجَاً يوم القيامةِ ضَوْءه أحسنُ من ضَوْءِ

стр. 177

الشمسِ في بيوت الدنيا لو كانت فيه فما ظنُّكم بالذي عَمِلَ بهذا» (١). فقوله في هذا الحديث «مَنْ قرأ القرآن وعَمِل بمافيه» هو المنظوم في البيت السابق في قوله: «به متمسِّكاً» ومابعده. والحُلى جمع حِلية يقال: حِلْية وحُلَى، ولِحْية ولُحَى في أشياء قليلة خرجت عن القياس الذي هو كسر أوائلها في الجمع كما في الإفراد وليس في الحديث ذكرالحلى، والمعنى يقتضيه لأنَّ المتوَّج يكون في أكمل زينةٍ. ١٧ - فَمَا ظَنُّكُمْ بالنَّجْلِ عِنْدَ جَزَائِهِ … أُولئكَ أهلُ اللهِ والصَّفْوَةُ المَلا [«فماظنكم» ابتداء وخبرٍ، ومعناه ظنوا ما شئتم من الجزاء لهذا الولد الذي أُكرم من أجله والداه كما سبق في الحديث «فماظنكم بالذي عمل بهذا». وفي حديث آخر «إنَّ للهِ أهلينَ مِنْ خَلْقِهِ قَالُوا: ومَنْ هم يارسولَ الله قال: أهلُ القُرْآنِ هم أهلُ اللهِ وخاصَّتُه» (٢) فما ظنك بأهل الله وخاصته؟ والنَّجْل: الولد، والصفوة بالفتح والكسر لغتان فصيحتان، والضم أيضاً محكي فيها وهو الشيء الخالص، والتقدير والجموع الصفوة] (٣)، قال الشيخ ﵀: ولا يمتنع أن يكون صفوة بالكسر جمع صفيٌ. والملا: الأشراف والرؤساء وجماعة الرجال أيضاً. قال الشاعر (٤): وتَحَدَّثُوا مَلأً لتُصبِحَ أُمُّنَا … عذراءَ لا كَهْلٌ ولا مولود

стр. 178

وقال يعقوب: معناه: تحدثوا متمالين علينا ليقتلونا فتصبح أمنا كالعذراء التي لم تلد. ويقال تمالؤوا عليه إذا اجتمعوا، ويقال: ما أحسن ملأهم أي: عشيرتهم. وفي الحديث: «أحْسِنُوا ملأكم» (١). وقال الجهني: (٢) تنادَوْا يالبُهْثَةَ إِذْ رأَوْنَا … فقلنا أحْسِني ملأً جُهَيْنَا قال أبو زيد: خلقاً، وقال أبو حاتم: غلبة. وجاء في الحديث عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : «أشرافُ أمتي حملةُ القرآنِ وأصحابُ الليل» (٣). ١٨ - أُولُوا البِرِّ والإحْسَانِ والصَّبْرِ والتُّقَى … حُلاهُمْ بِهَا جَاءَ القُرَانُ مُفَصِّلا معناه: أنهم عُرِفوا بهذه الأعمال، وفي الحديث لَمَّا أنزل ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ﴾ (٤) قال أبوطلحة الأنصاري: يارسول الله إنَّ الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون﴾ وإنَّ أحبَّ أموالي إلي بير حاء، - وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب مِنْ

стр. 179

ماءٍ فيها طيِّب - قال أبو طلحة: وإني أريد أن أجعلها في سبيل الله أرجو بِرَّها وذخرها عند الله. فقال رسول الله ﷺ : بخٍ بخٍ ذلك مالٌ رابح. (مرتين). وقد سمعت ما قلت فيه وأرى أن أجعلها في الأقربين، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه (١). «وحلاهم» صفاتهم «جاء بها القرآن مفصلا» كقوله تعالى: ﴿ولكنَّ البِرَّ من آمَنَ بِاللهِ﴾ (٢) إلى آخر الآية، وكقوله سبحانه: ﴿ومَا عِنْد اللهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ﴾ (٣) جمع بر وهوالكثير النافع. وكقوله: ﴿إنَّ اللهَ مَعَ الذِّينَ اتَّقَوا والذِّينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٤). و ﴿إِنَّهُمْ كاَنُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِين﴾ (٥). وقوله : ﴿وما ضَعُفُوا ومَا اسْتَكَانوا واللهُ يُحِبُّ الصَّبِرِين﴾ (٦)، ﴿والذِّينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ (٧). وقوله تعالى: ﴿هُدَىً للمُتَّقِين﴾ (٨) ﴿الذِّين يُؤْمِنُون بِالغَيبِ ويُقِيمُونَ الصَّلَوة﴾ (٩) إلى آخره وذلك كثيرٌ في القرآن (١٠).

стр. 180

١٩ - عَليكَ بِهَا ما عِشْتَ فيها مُنَافِسَاً … وبِعْ نَفْسَكَ الدُّنيا بِأَنْفَاسِهَا العُلا أي: الزمها، وبادر إليها منافساً، وهو منتصب على الحال، و «العلا» إن جعلته جمع عليا كتبته بالياء، وإن جعلته/ مفرداً كتبته بهما، فالياء على مذهب الكوفيين فيما كان من ذوات الواو مضموم الأول أو مكسوره. وفي الحديث: «أنَّ رجلاً قال يارسول الله: أي النَّاس خير؟ قال: مَنْ طال عمره وحسن عمله، قال: فأي الناس شرٌّ، قال: من طال عمره وساء عمله» (١). وروى البخاري أنَّ النبي ﷺ قال: «أعْذَرَ اللهُ إلى امرئٍ أخَّرَ أجَلَه حتى بلَغَ ستين سنةً» (٢). وقال بعض الصحابة عند موته: اللهم إني لم أكن أريد البقاء في الدنيا لغرس الأشجار، ولا لكري الأنهار، وإنما كنت أريد البقاء فيها للظماء في الهواجر، ومزاحمة العلماء في حِلَقِ الذكر بالركب (٣) اهـ. فعلى مثل هذه الأعمال كان حرصهم. ورغب النبي ﷺ مرةً في الجهاد، ورجلٌ من الأنصار يأكل تمراتٍ في يده، فقال: إني لحريصٌ على الدنيا إن جلست حتى أفرغ منهنَّ، ورمى ما في يده وقاتل حتى قتل (٤).

стр. 181

وروى جابر بن عبدالله ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: «لا تمنُّوا الموت، فإنَّ هول المطلع شديدٌ، وإنَّ من السعادة أن يطول عمر العبد حتى يرزقه الله الإنابة» (١). وقال عليٌ ﵇: بقية عمر المؤمن لا ثمن لها يدرك بها ما فات، ويحي ما أمات ونظمه بعضهم فقال: بقية العمر عندي مالها ثمن … وإن غدا غير محمود من الزمن يستدرك المرء فيه ما أفات ويُحْ … يي ما أمات ويمحو السوء بالحسن و «الدنيا»: يعني بها الدنية من حيث اتصفت مبدأً ومآلاً كما قيل (٢): ما بال مَنْ أولُهُ نطفةٌ … وجيفةٌ آخرُهُ يفخرُ و «بأنفاسها»: أي: بأرواح طيبها التي هي علاً في المبدأ والمآل، قال الله تعالى معلماً بمنزلة من اتصف بها ونافس بها: ﴿إنَّ الذِّينَ قَالُوا ربَّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (٣) إلى آخره. ٢٠ - جَزَى اللهُ بِالخَيْرَاتِ عَنَّا أَئِمَّةً … لَنَا نَقَلُوا القُرْآنَ عَذْباً وسَلْسَلا نبَّه بهذا الدعاء على ما ينبغي من دعاء الخلف للسلف، وعلى ما يلزم من استشعار فضلهم، وإخلاص الحب لهم، وأنَّ الدعاء ثمرة الحب، وقد سأل سائلٌ رسول الله ﷺ عن الساعة، فقال: «ما أعددت لها؟ فقال: لم أعدَّ لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة إلا أني أحب الله ورسوله، فقال: المرء

стр. 182

مع من أحب» (١). وقال الله تعالى: ﴿والذِّينَ جَآءُو مِنْ بَعْدِهِم﴾ (٢) وقد أمر الله تعالى رسوله ﷺ بمكافأة المعروف بالدعاء، ومن لم يقدر على الجزاء، وأي معروف أعظم مما أسداه إلينا علماؤنا، فإنهم بذلوا جهدهم في حفظ الشريعة والذب عن كتاب الله ، والتنبيه على إبطال من رام به الباطل، وبغاة الغوائل، وأخذوا النفوس بالجد في حراسته حتى أوصلوه إلينا سليماً من التحريف والتبديل، نقيَّاً من التخليط والأباطيل، فلولاهم لَجُرْنَا عن السبيل بكيد من انتصب لعداوة هذا الدين معملاً التحيل في إفساده، ضارباً في الأقطار ليظفر بضعيفٍ يضلَّه، وغنيٍّ يزله، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولقد أوضح علماؤنا كلَّ مشكلة، وشرحوا كلَّ معضلةٍ، وأجمعوا على سد الخلل، وضَيَّقوا على المبتدعة السبل، وأخذوا على المتمحِّلين الطرق، وهم العدول بشهادة الرسول ﵇ إذ يقول: «يحمل هذا العِلْمَ من كل خَلَفٍ عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين» (٣). وإلى هذا أشار بقوله: «عذباً وسلسلا» فإن نصبه على المصدر، فهو منقولٌ نقلاً عذباً كما تحمل من غير زيادةٍ ولا نقصان ولاميل إلى اختيارٍ

стр. 183

واستحسان كما زعمت الرافضة أنه غُيِّر وبُدِّل، وكذب الله أحاديثهم، وكما ظنَّ النحاة الذين لامعرفة لهم بالآثار، ولاآنِسَةَ لهم بطريق أهلها: أنَّ القراءة جائزةٌ بما يجوز في العربية، وإنَّ الأئمة قرؤوا بالاختيار. وإن نصبت «عذباً» على أنه حالٌ/ من القرآن فمعناه: أنه لم يزل كذلك وفي تلك الحال نقلوه غير مشوبٍ بشيءٍ. قيل للقاضي إسماعيل بن إسحاق (١): لِمَ سَلِمَ القرآن من التبديل دون الكتب المنزلة قبله؟ فقال: لأنَّ الكتاب الذي قبله وكل إلى حفاظه، قال الله تعالى ﴿بما اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَبِ الله﴾ (٢)، وهذا الكتاب العزيز تولى الله حفظه، ولم يَكِلْه إلى غيره. قال الله تعالى: ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُون﴾ (٣)؛ فإن كانت الهاء عائدةً على القرآن فلا إشكال، وإن كانت عائدةً على الرسول ﷺ كما قيل فمن جملةِ حِفْظِهِ حِفْظُ مَنْ أُنْزِل عليه إذ فيه من الغيوب مايُجَدِّد براهينها نبوته في كل أوانٍ.

стр. 184

منها قوله: سبحانه ﴿وعَدَ اللهُ الذِّينَ ءاَمَنُوا مِنْكُم﴾ (١) إلى آخر الآية، وقوله: ﴿قُلْ لِلمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ (٢) إلى نظائر ذلك من الآي ذات الحجج الداعية في أيدي هذه الأمة إلى يوم القيامة، وكم من معاندٍ له لم يزده عناده إلاخساراً، ومَنْ شرح الله صدره، وصحَّ تأملُهُ عَلِم مقدار ماتيسر له الصحابة ﵃ من جمع القرآن حتى انقطع عن التعرض له كل ذلك بجميل وعده، وكريم ضمانه، حيث قال سبحانه: ﴿لايَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (٣). وإن أردت بالقرآن القراءة فعذوبتها أنهم نقلوها غير مختلطة بشيءٍ من الرأي، بل قراءة هؤلاء الأئمة كلها مستندة إلى قول رسول الله ﷺ : «إنَّ هذا القرآن أُنْزِل علاسبعة أحرفٍ فاقرؤوا ماتيسَّر منه» (٤)، وإنكار عمر ﵁ على هشام بن حكيم، وهو قرشي فصيح مثله يدل على أنَّ القراءة ماكانت مردودةً إلى الاختيار كما زعم جهلة النحويين، ومن لم يطلع على الأخبار، ولقد أحسن القائل: دينُ النبي محمدٍ أنوار … نعم المطية للفتى الآثارُ لاترغبنَّ عن الحديث وأهله … فالرأي ليلٌ والحديثُ نهارُ

стр. 185

ولكن كما قال سفيان بن عيينة (١) وغيره: الحديث مَضلَّةٌ إلا للعلماء وروي إلا للفقهاء. وقد كان مالكٌ ﵀ يقول: قراءة نافع هي السنة؛ وحمل الشافعي ﵀ القراءة عن ابن كثير، وقرأ سفيان الثوري (٢) ﵀ على حمزة، وقرأ جماعةٌ من العلماء الأئمة على أبي عمرو بن العلاء، كجرير بن حارثة (٣)، وأصحابه، وسأذكر بعد هذا إن شاء الله طرفاً من مناقبهم، وإنما الغرض هاهنا ذكر اعتمادهم في قراءتهم على النقل، وإنهم لم يجاوزوه إلى غيره، وإن كان له وجه في العربية إذا لم يكن له آثار مروية، وكيف تجوز القراءة بذلك، وقد أنكر عمر ﵁ قراءة من قرأ ﴿عَتَّى حِين﴾ (٤)، وقال للقارئ: من أقرأك ﴿عَتَّى﴾، قال: أقرأني بن مسعودٍ، فكتب إليه:

стр. 186

أما بعد، فإنَّ الله تعالى أنزل هذا القرآن فجعله عربياً مبيناً، وأنزله بلغة هذا الحي من قريش [فإذا أتاك كتابي هذا، فأقرئ الناس بلغة قريش] (١)، ولاتُقْرِئْهم بلغة هذيل. وقال حذيفة: يا معشر القرَّاء اسلكوا الطريق فلئن سلكتموه لقد سبقتم بعيداً، وإن أخذتم يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيداً. وقال زيد بن ثابت: القراءة سنة، وقال محمد بن المنكدر (٢): القراءة سنةٌ يأخذها الآخر عن الأول، وكذلك قال عمر بن عبد العزيز، وقرأ الشعبي (٣) ﴿واللهِ رَبَّنَا﴾ (٤) فقيل له: إنَّ أصحاب العربية يقولون جميعاً ﴿والله رَبِّنَا﴾ جرَّاً. فقال: هكذا أقرأنيها علقمة بن قيس (٥)، وقال عروة بن الزبير (٦): إنما

стр. 187

قراءة القرآن سنةٌ فاقرؤوا كما علمتموه. وقيل لطلحة بن مصرِّف (١): يا أبا عبد الله إنَّ بعض أصحاب النحو يقولون: إنَّ في قراءتك لحناً. قال: ألحن كما لحن أصحابي أحبُّ إلي من أن أُتابع هؤلاء، وقال طلحة أيضاً: كلُّ شيءٍ في القرآن مرتفع الواو إلا التي في البروج وما أعرفها في العربية، ولكن أتبع الأثر يعني: ﴿الوَقُود﴾ (٢). وقال جرير بن عبد الحميد (٣): قرأ الأعمش علينا القرآن فقال له حمزة: إنَّ أصحاب العربية خطَّؤوك في حرفين. قال: وما هما؟ قال: ﴿ومَاأَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ (٤)، و ﴿مَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (٥)، فقال الأعمش: ما يدري أصحاب النحو أي شيءٍ القرآن؛ فقال لحمزة: كيف أقرأك حمران؟ قال: قلت: بمصرخيِّ بالكسر؛ قال الأعمش: وكذلك أقرأني يحيى بن وثاب (٦).

стр. 188

فبأي شئ يستوحش هؤلاء؟ وقال محمد بن عيسى الأصبهاني (١): أصحاب النحو أعداء القرآن. يريد بهذا من أشرت إليه مِنْ جهلتهم المتوهمين أنَّ القراء قرؤوا من اختيارهم، فطعنوا عليهم ونسبوا إلى قراءتهم الخطأ، وجاروا في الطعن عليهم، وقد تابعهم على ذلك جماعةٌ، فوقعوا في أئمة القرآن كوقوع أبي حاتمٍ السجستان (٢) في حمزة، وابن قتيبة (٣) وغيرهما ممن ليس بقارئ (٤)، ولا نحوي

стр. 189

كالحكيم الترمذي (١) وأضرابه.

стр. 190

قال شيخنا ﵀: وإياك وطعنَ الطبري/ على ابن عامرٍ، فقد ذكر أبوعبيد إمام الأئمة أنَّ ابن عامرٍ إمام أهل الشام في القراءة، وكذلك عدَّه في الأئمة الإمام المتقن أبو مزاحم صاحب القصيدة التي نظمها في اختياره في أئمة الفقه (١) ذكرها عنه أبو عمر ابن عبد البر وغيره، واشتهرت عنه قصيدته الأخرى في القراءة، قال ﵀: وكذلك ذكر ابن مجاهد، وابن شنبوذ، وأخرج عنه مسلم بن الحجاج حديثاً في كتاب الزكاة، ولو لم ينسب إليه إلا هشام بن عمار الإمام المرضي حديثه وضبطه لكفى في ذلك شهرةً لقراءته، وقد جار عليه أبوغانم المضفر بن أحمد بن حمران (٢) في كتاب القراءة له، ولم يصنع شيئاً وكذلك فعل بغيره، وهو رجلٌ مشغوفٌ بنفسه، فعجب باختياره؛ والقراءة لا يتوصل إليها إلا بالنقل، ولا مدخل فيها [للرأي] (٣)، ولم يذهب إلى هذه البدعة إلا أحد رجلين: نحوي لا معرفة له بالآثار وبأحوال الصدر الأول وحمايتهم وذبهم واهتمامهم، أو رجلٌ غلبت عليه المقاييس والآراء واستحوذ عليه هواه. والسلسس: السهل السلس حال ابتلاعه.

стр. 191

٢١ - فَمِنْهُمْ بُدُورٌ سَبْعَةٌ قَدْ تَوَسَّطَتْ … سَمَاءَ العلَى والعَدْلِ زُهْرَاً وكُمَّلا أشار بقوله فمنهم إلى كثرتهم. وفيه تنبيهٌ على مخالفة مَنْ قال بخلاف ذلك وردٌّ لقوله، وقد وقع في ذلك قومٌ من ضعفاء القراء، ولم ينتبهوا لموضع الغلط، والغائلة فيه، وأصل ذلك إنما وقع به أهل البدعة الذين يزعمون أنَّ القرآن زيد فيه ونقص منه وغُيِّرَ عما كان عليه، وإنما صحت في زعمهم هذه الدعوى بناءً منه على أنه لم يحفظ القرآن على عهد رسول الله ﷺ إلا عددٌ يسير، وتعلقوا بحديث أنس بن مالك: جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ أربعة، وفي أخرى عنه لم يجمع القرآن على عهد رسول ﷺ إلا لأربعة: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبلٍ، وزيد بن ثابت، وأبو زيدٍ، وفي أخرى: وأبوالدرداء (١) وما ذكروه من الزيادة والنقصان باطل بقوله تعالى ﴿إنَّا نحنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لحَفِظُون﴾ (٢)، فما تكفل الله تعالى بحفظه فالزيادة فيه والنقص منه محالٌ، وأما حديث أنس بن مالك فلاحجة فيه. وأما قوله: جمع القرآن أربعة فإنه لا يمنع من أن يجمعه غيرهم، وأما الرواية الأخرى فلابد من تأويلها لأنَّ جماعةً من الصحابة رضوان الله عليهم غير هؤلاء قد كانوا جمعوا القرآن كأبي بكر، وعمر، وابن عمر، وعبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وقد سأل عبد الله بن عمر رسول الله ﷺ : في كم يختم القرآن؟ فقال: في كلِّ سبعٍ، قال: فمازلت أناقصه حتى قال: في يومٍ وليلةٍ (٣).

стр. 192

وهذا يبطل العمل بظاهر رواية أنس فلابد من التأويل، فيحتمل أن يريد لم يجمع وجوهه وقراءته السبع التي أنزل عليها، أولم يجمعه عنده شيئاً بعد شيءٍ كلما نزل حتى تكامل نزوله إلا هؤلاء، أولم يجمعه عنده حفظاً من رسول الله ﷺ وتلقياً منه دون غيره. وقد ردَّ القاضي (١) ﵀ على من زعم ذلك، وذكر أنَّ حملته على عهد رسول الله ﷺ ونقلته كانوا على حدٍ يحصل بنقلهم القطع؛ ويستفاد منه العلم اليقين. وشبههم بالبدور في اتساع أنوارهم وعلو شأنهم في رئاستهم كما قال الخاقاني ﵀ (٢): وللسبعة القرَّاء فَضْلٌ على الورى … لإقرائهم قرآنَ ربهم الوتر (٣) وأراد سماء المناقب العلى وتوسطها، أنهم أخذوا عن كلِّ إمامٍ مشهور مشهودٍ له بالعلم وثقاته الفهم؛ وفيه إشارةٌ إلى من لم يتوسط هذه السماء من بدور القرّاء من قبل نقلٍ، أو كمال عقلٍ، أوحسن ظنٍ، فإنَّ لهؤلاء قراءةً

стр. 193

يروي بعضها روايةً ولايقرئ بها فاغترَّ ببعضها بعض الضعفاء والنحاة، فظنّ أنّ القراءة يجوز فيها الاختيار دون النقل والأثر. قال شيخنا ﵀: فتحمل بعضها من لا علم له ولامعرفة ولاشهرة من غير بحثٍ ولاسؤالٍ اه. و «زهراً»: جمع زاهر يقال: زهرت النار: إذا كثر ضوءها، أوجمع أزهر، والأزهر: القمر، ولما كمل فضلاً وعلماً وفهماً وزماناً قال: «وكُمَّلا». ٢٢ - لَهَا شُهُبٌ عَنْهَا اسْتَنَارَتْ فَنَوَّرَتْ … سَوَادَ الدُّجَى حَتَّى تَفَرَّقَ وانْجَلَى شهب: جمع شهاب، والشهاب في الأصل: شعلةٌ من النار ساطعة ثم قيل ذلك للكوكب المضيء، ونار واستنار: أضاء ونوَّر غيره أضاءه. و «الدجى» جمعٌ واحدته دُجْيةٌ كمُدْيةٍ، ومُدَى، و «انجلى»: انكشف، وفي رفع شهب وجهان: إن شئت رفعته بتوسطت على أنه فاعلٌ، وإن شئت جعلته مبتدأً على رأي سيبويه، أو فاعلاً على قول الأخفش. وقد كانوا في الوجاهة والشهرة كالشهب، وإنما نورت سواد الدجى بعد أفول البدور لأنهم نشروا هذا العلم بعد موتهم؛ وبذلك يصح المعنى، وإلا فنور البدور مغنٍ عن نور الكواكب. قال شيخنا ﵀: فمنهم القاسم بن سلام ﵀ مشهورٌ بمذاهب السبعة وله فيه اختيارات، وكثيراً مايعوَّل عليه في قراءة أبي عمروٍ، والكسائي، وقالون، وكتابه في القراءات كتابٌ جليلٌ ضرب في كل فن من الفضل.

стр. 194

قال ﵀: وممن روى عن نافع إسماعيل بن جعفرٍ، وهو إمامٌ في الحديث معتمدٌ، ذكر له مسلمٌ وغيره أحاديثَ كثيرةً، وكذلك هشام بن عمار ممن عوَّلَ عليه أصحاب الحديث كأبي داود وغيره، قال: ومنهم أبو بكر بن عياش، وله مناقب جمَّة، وهو مُعَتَّمٌ عند المحدثين (١). وللدارقطني في مذاهب السبعة تصنيفٌ حسنٌ، وعلى إقراء القرآن عَوَّل في آخر عمره. ولأبي طاهر بن أبي هاشمٍ البغدادي [جامع وهو يغترف من بحر ابن مجاهد وقد سعد ابن مجاهدٍ ﵀] (٢) في هذا الشأن سعادةً باقيةً على الدهر كيف وقد التزم شرح كتابه أبو عليٍ الفارسي (٣) ﵀.

стр. 195

٢٣ - وسَوْفَ تَرَاهُمْ وَاحِدَاً بَعْدَ واحِدٍ … مَع اثْنَينِ مِنْ أصْحَابِهِ مُتَمَثِّلا يعني: البدور تراهم مرتين، ويقال: مَثَل قائماً وتمثَّل يريد سأذكرهم في النظم، فتراهم كذلك، وقد اصطلح الناس على تسمية الأتباع أصحاباً كما يقولون: أصحاب الشافعي، وأبي حنيفة، فقوله: «من أصحابه» حقيقةٌ في بعضهم ومجازٌ في الآخرين، وأصحاب: جمع صحبٍ، وواحد: صحب. صاحب، كراكب وركب، وهومأخوذٌ من الموافقة. وفي الحديث: «وددتُ أني رأيت إخواننا فقالوا: يارسول الله ألسنا إخوانك، قال: بل أنتم أصحابي» (١). ٢٤ - تَخَيَّرَهُمْ نُقَّادُهُمْ كُلَّ بارِعٍ … وَلَيْسَ عَلَى قُرْآنِهِ مُتَأَكِّلا الناقد: مَنْ له حذق، وجودة نظرٍ يتميز الجيد من الرديء، والجمع نقاد، وفلان ينقد بصره إلي، أي: ينظر، والبارع الذي فاق أضرابه يقال: بَرَع، وبَرُع فهو بارع، ويقال: تآكل البرق والسيف، أي: هاج لمعانه أي: لم ينتصب ظاهر الشعاع كالبرق والسيف لأهل الدنيا بالقرآن، فيجعله وصلةً إلى دنياهم، ويقال أيضاً: تآكلت النار: إذا هاجت، فأكل بعضها بعضاً: أي: لم يكثر الحرص والهيجان على الدنيا، والتأكل أيضاً بالقرآن الذي يجعله سبباً للأكل. ٢٥ - فأمَّا الكَرِيمُ السِرِّ في الطِّيبِ نَافعٌ … فَذَاك الذِّي اختَارَ المدِينةَ مَنْزِلا هو نافعُ بن أبي نعيم مولى جعونة بن شعوب الليثي حليف حمزة بن عبد المطلب ﵁، والجعونة: فعولة إن كان مأخوذاً من الجعن، وهو استرخاء

стр. 196

في الجسم، أو فعونة إن أخذ من الجعو، وهوجمع الشيء، وكذلك تسمَّى الكثبة من الثغر: جعونة واختلف في كنية نافع، فقيل: أبو عبد الرحمن، وأبو عبد الله، وأبو رويم، وأبو الحسن، وأصله من أصبهان، وبالمدينة أقام بها مات سنة سبعٍ وستين، وقيل: سنة تسعٍ وستين ومائة، وقيل: سنة سبعين في خلافة الهادي، وهو من رؤساء القرَّاء بالمدينة عُمِّرَ، وقرأ على سبعين من التابعين منهم: أبوجعفر يزيد بن القعقاع (١) مولى عبدالله بن عياش المخزوم، وشيبة بن نصاح (٢)، وعبدالرحمن بن هرمز الأعرج (٣)، ومسلم بن جندب الهذلي (٤)، ويزيد ابن رومان (٥)، وقرأ أبو جعفر على عبدالله بن عباس، وعلى عبد الله ابن عياش مولاه، وعلى أبي هريرة، وقرؤوا على أبي بن كعب، وقرأ على رسول ﷺ .

стр. 197

وكان نافع ﵀ ورعاً ناسكاً، إماماً في القراءة، قال/ الليث بن سعد ﵀: قدمت المدينة سنة مائة فوجدت رأس الناس في القراءة نافعاً. وقال مالك ﵀: قراءة نافع سنة. وكان نافع إذا تكلم يوجد مِنْ فيه رائحة المسك، فقال له بعض أصحابه: تتطيب كلما قعدت تقرأ الناس؟. فقال: ما أمسُّ طيباً، ولكني رأيت النبي ﷺ في المنام وهو يقرأ في فيَّ فَمِنْ ذلك الوقت يُشمُّ مِنْ فيَّ هذه الرائحة. وبدأ بنافعٍ تفضلاً له علماً ومحلاً، وبه بدأ ابن مجاهد ﵀، وقال: إنما أبدأ بقارئ المدينة لأنها مهاجر رسول الله ﷺ ، ومعدن الأكابر، ومن أصحابه وبما حفظ عنه الآخر من أمره. ٢٦ - وقَالُونُ عِيسَى ثُمَّ عُثْمَانُ وَرْشُهُمْ … بِصُحْبَتِهِ المَجْدَ الرَّفِيعَ تَأَثَّلا هو أبو موسى عيسى بن مينا، ويلقب بقالون، وهو ربيب نافع وعليه قرأ، ويقال: إنه الذي لقبه به لجودة قراءته. وقالون في الرومية: جيد، [ومات بالمدينة قريباً من عشرين ومائتين] (١)، وأبو سعيد عثمان بن سعيد «ورش»، ويقال في كنيته: أبو عمرو، وأبو القاسم، مصري. أخذ القراءة عن نافع، ومات بمصر سنة سبعٍ وتسعين ومائة ولُقِّب ورشاً لشدة بياضه، والورش ضربٌ من الجبن، و «تأثلا» أي: جمعاً، وتأثلت الشيء: جمعته، وتأصلته. وفي الحديث: «يأكل ولي اليتيم من ماله غيرَ متأثِّلٍ مالاً» (٢).

стр. 198

٢٧ - ومَكْةُ عَبْدُ اللهِ فِيهَا مُقَامُهُ … هوَ ابنُ كَثِيرٍ كَاثِرُ القَوْمِ مُعْتَلا جاء في كنيته: أبو معبد، وأبو عبادة، وأبو بكر، ويعرف بالداري، والدار بطن من لخم، وقيل: هو منسوب إلى تميم الداري، وقيل: إنَّ دارين موضع بالبحرين يجلب منه الطيب. قال الأصمعي: كان عطَّاراً، والعرب تسمي العطَّار الداري، وهو مولى عمرو بن علقمة الكناني، وكان عطَّاراً بمكة، وكان يقص على الجماعة، وكان يَعِظُ أصحابه قبل القراءة، وقال الزيني: قال لي قنبل: كان ابن كثير يتعمد الوقف على ثلاثة أحرف، ويأخذ الناس بالوقف عليها في آل عمران، ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إِلا اللهُ﴾ (١) وفي الأنعام ﴿وما يُشْعِرُكُمْ﴾ (٢)، وفي النحل ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ (٣). وهو من أبناء فارس الذين بعثهم كسرى في السفن إلى اليمن، لما طرد الحبشة من اليمن، وكان يخضب بالحناء، ولما سأله الناس في الجلوس للإقراء بعد وفاة مجاهد بن جبر، قال: بني كثير كثير الذنوب ففي … الحل والبل من كان سبَّه بني كثير دهته اثنتان … رياءٌ وعجبٌ تخلل قلبه بني كثير أكول نؤوم … وليس كذلك من خاف ربّه بني كثير يعلم علماً لقد أعوز … الصوف من جزَّ كلبه (٤)

стр. 199

قرأ على مجاهد بن جبر، وقرأ مجاهد على ابن عباس، وقرأ ابن عباس على أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وقرأ أبيُّ وزيدٌ على النبي ﷺ ، وقرأ أيضاً على عبد الله بن السَّائب، وقرأ عبد الله على أبي، وقرأ أيضاً على دِرباس مولى ابن عباس، وقرأ على ابن عياش، ونقل الأئمة قراءته: أبو عمرو ابن العلاء، والخليل بن أحمد (٥)، والشافعي، وغيرهم. ويقال: «كاثر القوم» فكثَّرهم، فهو كاثر، ويقال: عدد كاثر، أي كثير. قال الأعشى (٦): فلستُ بالأكثرِ منهم حصى … وإنما العزةُ للكاثِر و «معتلا» أي: اعتلاء، واعتلاؤه، بقراءته على ابن السائب، وبلزومه مكة، وهي أفضل البقاع عند أكثر العلماء (٧)، وإن كان ابن عامر أخذ عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ ففي جمع أبي الدرداء القرآن في حياة رسول ﷺ لاف، وإذا رد آخر الكلام على قوله فيها مقامه سلم من الاعتراض [توفي بمكة سنة عشرين ومائة ﵀] (٨).

стр. 200

٢٨ - روى أحمدُ البَزِّيُّ لهُ ومحمَّدٌ … عَلَى سَنَدٍ وَهوَ الملَقَبُ قُنْبُلا البزي أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بزة، مؤذن المسجد الحرام وإمامه أربعين سنةً ومقرئ مكة، وقرأ على / عكرمة بن سليمان بن كثير بن عامر المكي، مولى جبير بن شيبة الحجبي (١)، وقرأ هذا على شبل بن عباد مولى عبد الله بن عامر الأموي، وعلى إسماعيل ابن عبد الله قسطنطين القسط، مولى بني ميسرة موالي العاص بن هشام، وقرأ هذان على عبد الله بن كثير، [وتوفي بمكة سنة أربعين ومائتين] (٢). وقنبل أبو عمر محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد بن جرجة المخزومي المكي قارئهم، قرأ على أبي الحسن أحمد بن محمد بن عون النبال القواس، وقرأ القواس على أبي الأخريط وهب بن واضح، وقرأ وهب على القسط، وأخبره أنه قرأ على شبل بن عباد، ومعروف بن مشكان وقرأ على ابن كثير، وقنبل لقب، وتوفي بمكة بعد سنة ثمانين ومائتين. ٢٩ - وأمَّا الإمَامُ المازِنِيُّ صَرِيحُهُمْ … أَبُو عَمْرِوٍ البَصْرِي فَوَالِدُهُ العَلا هو أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العُرْيان بن عبد الله بن الحصين بن الحارث بن جَلْهَمة بن حجر بن خزاعي بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم قال المبرد وغيره: اسمه: كنيته.، وقيل: اسمه زبّان، وقيل: يحيى، وقيل: من أئمة القرآن والنحو والشعر والغريب، ومن أهل الثقة والعدالة. قال ﵀: ما قرأت من القرآن حرفاً بغير أثر. ولما قدم المدينة تقوص الناس إليه، فكانوا لايَعُدُّون من لم يقرأ عليه قارئاً.

стр. 201

وقال العباس بن الفضل الأنصاري (١): ما رأت عيناي مثل أبي عمرو بن العلاء، وما بأقطارها مثل أبي عمرو بن العلاء، ولا تلد النساء مثل أبي عمرو ابن العلاء. قرأ على مجاهد بن جبر، وقرأ مجاهد على ابن عباس ٠ ولما توارى أبو عمرو من الحجَّاج، مازال الفرزدق يتوصل حتى لقيه فقال: مازِلتُ أُغْلِقُ أبواباً وأفتحُهَا … حتى لقيت أبا عمروِ بنِ عمار (٢) حتى رأيتُ فتىً فَخْمَاً دَسِيعتَه … مُرُّ المريرةِ حرٌ وابنُ أحرارِ تنميهم من مازنٌ في فرعِ نبعتِها … جدٌّ كريم وعودٌ غيُر خوَّارِ ولد بمكة سنة ثمان، وقيل سنة تسع وستين، ونشأ بالبصرة ومات بالكوفة سنة أربع، وقيل خمس وخمسين ومائة، وعاش نحواً من ست وثمانين سنة، وأصله من كارزون (٣)، وكانت وفاته أيام المنصور ثمان عشرة سنةً مضت من خلافته.

стр. 202

٣٠ - أفَاضَ عَلَى يَحْيَى اليَزِيدِيِّ سَيْبَهُ … فأَصْبَحَ بالعَذْبِ الفُرَاتِ مُعَلِّلا هو أبو محمد يحيى بن المبارك العدوي، بصريّ سكن بغداد، عرف باليزيدي لصحبته يزيد بن منصور خال المهدي، وكان يؤدبه، وله شعر أوصى عند موته أن لا يخرج منه شيء إلا ما فيه موعظة. وكان المبارك أبوه صديق أبي عمرو بن العلاء، فخرج إلى مكة وذهب أبو عمرو يشيعه، فأوصاه بولده يحيى وهو معه يشيعه، فلم يبصر يحيى إلا أبا عمرو، فلما قدِّم استقبله أبو عمرو، وخرج يحيى للقائه، فقال له: يا أبا عمروٍ كيف رضاك عن يحيى؟ قال: ما رأيته منذ فارقتك إلى هذا الوقت، فحلف المبارك أن لا يدخل البيت حتى يقرأ يحيى على أبي عمرو القرآن كله قائماً، فقعد أبو عمرو، وقام يحيى يقرأ عليه، فلم يجلس حتى أكمل القرآن على أبي عمرو وصحب يحيى المأمون، وتوفي سنة اثنتين ومائتين. والسيب: العطاء، والفرات: الصادق العذوبة، ويسمى الشرب الأول: المنهل، وما بعده العَلَل، والمُعَلل الذي يُسقى مرةً بعد مرة وهو أبلغ في الرِّي. ٣١ - أبُو عُمَرَ الدُّورِي وصَالِحُهُم … أبُو شُعَيبٍ هو السُّوسِيُّ عنه تَقَبَّلا فلما قام اليزيدي بالقراءة بعد أبي عمرو، وتقدم على أصحابه أخذ عنه القراءة جماعة منه أولاده: عبد الله (١)، وإبراهيم (٢)، وإسماعيل (٣)، وابن أبيه أحمد

стр. 203

ابن محمد (١)، وأبو عمرو الدوري، وأبو شعيب السوسي، وعامر الموصلي (٢)، وأبو خلاد المؤدب (٣)، وابن سعدان (٤)، وأبو حمدون (٥)، وجماعة

стр. 204

واختار الأئمة من هؤلاء أبا عمر الدوري، وهو حفص بن عمر بن صهبان الدوري المقرئ الضرير، منسوب إلى الدور، موضع ببغداد بالجانب الشرقي، وأبا شعيب: صالح بن زياد السوسي. [مات فيما قارب سنة خمس ومائتين] (١) ٣٢ - وأمَّا دِمَشْقُ الشَّامِ دَارُ ابْنِ عَامِرٍ … فَتِلكَ بعبدِ اللهِ طابَتْ مُحَلَّلا وأما عبد الله بن عامر فيكنى أبا نعيم، ويقال له: أبو علي، وأبو عمران، وأبو عثمان ابن عامر اليحصبي، ويحصب من حمير، وهو إمام مسجد دمشق، وقاضيها، ورئيسها، وهو تابعي، لقي واثلة بن الأسقع، والنعمان بن بشير. وقال يحيى بن الحارث الذِّماري: إنه قرأ على عثمان ﵁، وقال غيره: قرأ على أبي الدرداء عويمر بن عامر صاحب رسول الله ﷺ ، وقرأ أبو الدرداء على رسول ﷺ . وقرأ ابن عامر أيضاً على المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، وقرأ المغيرة على عثمان، وقرأ عثمان على النبي ﷺ ، واجتمع أهل الشام على قراءته، ومات بدمشق في أيام هشام بن عبد الملك سنة ثمان عشر ومائة ٠ وقوله: «طابت محللا» أي: طاب الناس الحلول بها من أجله. [فإن قيل: قوله: دمشق الشام، ما معنى هذه الإضافة.؟ قلت: قد تجيء الإضافة بمعنى في كما يقال: كم أسنان الفم؟ فإن قيل: فهل لها فائدة قلت: فائدتها أنَّ من سمع بدمشق في أقاصي البلدان قد لا يعلم في أي إقليم هي فاعلم بأنها الشام] (٢).

стр. 205

٣٣ - هِشَامٌ وَعَبْدُ اللهِ وَهوَ انْتِسابُهُ … لِذَكوانَ بالإسْنَادِ عَنْهُ تَنَقَّلا هشام يكنى أبا الوليد بن عثمان بن نصير بن أبان بن ميْسَرة السُّلمي القاضي الدمشقي، أخذ قراءة ابن عامر عرضاً عن عراك بن خالد المري (١)، عن يحيى بن الحارث الذماري عن ابن عامر. وابن ذكوان: هو أبو عمرو عبد الله بن أحمد بن بشير ابن ذكوان القرشي الدمشقي، أخذ القراءة عن أيوب بن تميم التميمي، وخلفه في القيام بها بدمشق، وأخذها أيوب عن يحيى بن الحارث الذماري عن ابن عامر. وولد ابن ذكوان يوم عاشوراء سنة ثلاث وسبعين ومائة، وتوفي في شوال سنة اثنتين وأربعين ومائتين، [وولد هشام في سنة ثلاث وخمسين ومائة في سنة خمس، وقيل: ست وأربعين ومائتين ﵀] (٢) ٣٤ - وبِالكُوفَةِ الغَرَّاءِ مِنْهُمْ ثَلاثةٌ … أَذَاعُوا فَقَدْ ضَاعَتْ شَذَاً وقَرَنْفُلا منهم يعني من السبعة، وذاع الشيء يذيع ذيوعاً إذا انتشر، ورجل مذياع لا يكتم السر، وضاع الطيب يضوع إذا نفخت ريحه، والشذا هاهنا: كسر العود. قال الشاعر (٣): إذا ما مشتْ نادى بما في ثيابها … رياحُ الشَّذَا والمَنْدَليُّ المطيَّرُ

стр. 206

[والغراء المشهورة، وأصله من الغرة، ثم قالوا لكل مشهور ذلك كقولهم: يوم أغر، وليلة غراء، ويوم أغر، محجل أي: واضح بين، وشذا منصوب على التمييز أي: ضاع شذاها، وقرنفلا يعني: طيب نشر القرآن على أن ذلك أطيب من العود ومن كل طيب] (١) ٣٥ - فأمَّا أَبُو بَكْرٍ وعَاصِمٌ اسْمُهُ … فَشُعْبَةُ رَاوِيهِ المُبَرِّزُ أَفْضَلا ٣٦ - وذَاكَ ابْنُ عَيَّاشٍ أبُو بَكْرٍ الرِّضَا … وَحَفْصٌ وَبِالإتْقَانِ كَانَ مُفَضَّلا أبو بكر عاصم بن أبي النَّجُود، وبهدلة، وقيل: بهدلة أمه، مولى بني حريمة ابن مالك بن النصر بن قعيد بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. والنَّجُود بفتح النون، وهو مأخوذ من نجدت الثياب إذا سويت بعضها فوق بعض. أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السُّلمي (٢)، وقرأ أبو عبد الرحمن على عثمان ومنه تعلَّم القرآن، وعلى علي بن أبي طالب، وأبي ابن كعب، وعبد الله ابن مسعود، وزيد بن ثابت ﵃.

стр. 207

وخَلَفَ عَاصِمٌ أَبَا عبد الرحمن في مكانه للإقراء، وأخذ أيضاً عن زِرِّ بن حُبيش (١)، وسمع من الحارث بن حسان وافد بني بكر، وكانت له صحبة. قال أبو إسحاق السبيعي (٢): وهو من أئمة الحديث والأفاضل في زمانه وفي الفقه وعلم العربية والدين، مارأيت أحداً أقرأ من عاصم بن أبي النجود، ما استثنى أحداً أقرأ من أصحاب عبد الله. وكان عاصمٌ نحوياً فصيحاً مشهور الكلام، حسن الحديث، يكاد يدخله الخيلاء إذا تكلم، وكان حسن الصوت يحب الناس قراءته والاستماع إليه، وكان عابداً خيراً كثير الصلاة، وكان لا يزال في المسجد يوم الجمعة، حتى يصلي العصر، ومات ﵀ سنة ثمان وعشرين ومائة بالكوفة، وقيل: سنة تسع وعشرين، وقيل: مات بالسماو [موضع بالبادية] (٣) وهو يريد الشام، واشتهرت قراءته عن أبي بكر بن عياش بن سالم الأسدي، وهو شعبة، وقيل: محمد وقيل: مطرِّف، وقيل: عنترة، وقيل كنيته اسمه. وعن أبي عمر

стр. 208

حفص بن سليمان بن المغيرة البزار، وكان حفص يعرف بحفيص، ويكنى بأبي داود، وقيل: بل بأبي عمر، وهو الأشهر، ولد في سنة تسعين في أيام الوليد بن عبدالملك، ومات في أيام الرشيد سنة ثمانين ومائة، وقال ابن المنادي: مولده قبل الطاعون بقليل، وكان الطاعون في أيام الوليد في سنة إحدى وتسعين، وأجمع الناس على صحة نقلهما. فأما أبو بكر فإنه تعلم القرآن من عاصم خمساً خمساً كما يتعلم الصبي من المعلم، وذلك في نحو من ثلاث سنين،/ وكان يأتيه في الحرِّ والبرد فربما خاض ماء المطر فبلغ حقويه، فنزع سراويله، وكان يقوم الليل يقال: إنه لم يفرش له فراشٌ خمسين سنةً. وسئل سفيان بن عيينة وهو جالس بين يديه بمكة عن حديث فقال للسائل: لا تسألني ما دام هذا الشيخ قاعداً. ولما حضرته الوفاة بكت ابنته، فقال: يا بنية لا تبكي تخافين أن يعذبني الله، وقد ختمت في هذه الزاوية أربعاً وعشرين ألف ختمة؛ وكانت وفاته في سنة خمس وتسعين، وقيل: في جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين ومائة. ولد في أيام الوليد بن عبد الملك سنة أربع وتسعين، ومات في أيام الأمين. و «المبرز أفضلا»، أي: السابق الفضل. قال وكيع: هو العالم الذي أحيا الله به قرنه، وكذلك قال يحيى بن آدم. و «أفضلا» منصوب على الحال.

стр. 209

وأما حفص فإن يحيى بن معين قال: الرواية الصحيحة التي رويت من قراءة عاصم رواية أبي عمر حفص بن سليمان، وكذلك قال أبو هشام الرفاعي (١) كان يعرف بقراءة عاصم بالكوفة: حفص بن أبي داود، وكان أعلمهم بقراءة عاصم ثم أبو بكر ابن عياش، وقال حسين الجعفي (٢): رحم الله أبا عمر ما أشك أنَّ أبا عمر خير مني. ٣٧ - وَحَمْزَةُ مَا أَزْكَاهُ منْ مُتَوَرِّعٍ … إِمَامَاً صبُورَاً للقُرَآنِ مُرَتِّلا يكنى حمزة أبا عمارة بن حبيب بن عمارة الزيات التيمي مولى بني عجل، وقيل: مولى آل عكرمة بن ربعي التيمي، وكان يجلب الزيت من العراق إلى حلوان، ومات بحلوان في أيام المنصور سنة ست وخمسين ومائة، وولد سنة ثمانين، وقيل: هو من ذرية أكثم بن صيفي حكيم العرب في الجاهلية قاله ابن دريد وغيره. قال الشيخ ﵀: لم يوصف أحدٌ من السبعة بما وُصف به حمزة من الزهد، والتحرز عن أخذ الأجر على القرآن لأنه روى الحديث الذي فيه

стр. 210

التغليظ في أخذ الأجر على تعليم القرآن فيما ذهب به الحديث في السنن. ونصب «إماماً» وما بعده على التمييز كقولك: ما أزكاه رجلاً. وكان الأعمش (١) إذا رآه مقبلاً قال: هذا حبر القرآن؛ وقال شريك (٢): ما علمت بالكوفة أقرأ منه، ولا أفضل منه، ومن مثيل حمزة. وقال فيه سفيان الثوري ﵀: هذا أقرؤنا للقرآن، وقال أيضاً: غلب حمزة الناس على القرآن والفرائض، وقال: ما قرأ حرفاً إلا بأثر، وكذلك قال فيه يحيى، وكان شعيب بن حرب (٣) يقول [لأصحاب الحديث] (٤): تسألون عن الحديث ولا تسألوني عن الدُّر، فقيل: وما الدُّر؟ فقال: قراءة حمزة. وقال: دخلت الكوفة فرأيت سفيان الثوري، وشريك بن عبد الله (٥) قاعدين قدام حمزة، يقرآن، فقلت: في نفسي أكون الثالث، فقرأت.

стр. 211

ولم يَلْقه أحدٌ قط إلا وهو يقرأ، وكان يختم في كل شهر خمسة وعشرين ختمة، وكان إذا فرغ من إقراء القرآن صلى أربع ركعات، وكان يصلي ما بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وكان لا ينام الليل، وكان جيرانه يسمعونه يرتل القرآن ترتيلاً. [وقال يحيى بن معين: حمزة الزيات أبو عمارة ثقة] (١). وكان حمزة ﵀ يقول: الحمد لله الذي لم يجعلني قدرياً ولا مرجئاً لُبِّسَ عليه دينه، فلا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً شبه الشاة الربيض مذبدبين (٢) بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ولا رافضياً. وقال ﵀: رويت ألف حديث بإسناد عن النبي ﷺ ، فرأيت النبي ﷺ في منام. فقلت: يارسول الله بأبي أنت وأمي قد رويت ألف حديث بإسناد عنك، أفأقرؤها عليك؟ قال: نعم. فقرأتها عليه كلها بإسنادها عنه، فزورها كلها إلا أربعة أحاديث، وقال: لم أتكلم بها فقلت: يارسول الله بأبي وأنت وأمي إني قد قرأت القرآن أفأقرؤه عليك؟ فقرأته عليه من أوله إلى آخره ٠ فقال: كما أُنزل علي.

стр. 212

شُهِر بالإمامة بعد عاصم، ونقل القراءة عن الأعمش، وحمران بن أعين (١)، وابن أبي ليلى (٢)، وأخذ الأعمش عن يحيى بن وثاب (٣) عن علقمة (٤)، عن عبد الله ابن مسعود، عن رسول ﷺ . وقرأ ابن أعين على عُبيد بن نضلة الخزاعي (٥)، وقرأ على أبي شبل علقمة ابن قيس ابن يزيد النخعي، وقرأ علقمة على عبد الله بن مسعود، قال مكي:

стр. 213

وقرأ حمران ابن أعين على أبي الأسود (١)، وقرأ أبو الأسود على عليٍّ وعثمان. وأما ابن أبي ليلى فقرأ على المنهال بن عمر (٢) وقرأ المنهال على سعيد بن جبير (٣)، وقرأ سعيد على ابن عباس، وقرأ عبد الله بن عباس على أُبي، وقرأ حمزة أيضاً على/ جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (٤)، وقرأ جعفر على آبائه ﵃.

стр. 214

٣٨ - رَوَى خَلَفٌ عَنْه وخَلادٌ الذِّي … رَوَاهُ سُلَيْمٌ مُتْقَناً ومُحَصِّلا وخَلَفَه في القراءة سليم، وكان حمزة إذا جاء سليم يقول لأصحابه: تحفظوا وتثبتوا فقد جاء سليم. قال سليم: قرأت القرآن على حمزة عشر مرات، ولم يخالف سليم حمزة في شيءٍ من قراءته، وكان من أضبط أصحابه لها. وهو أبو عيسى سليم بن عيسى بن عامر بن غالب الحنفي الكوفي، ولد سنة ثلاثين ومائة في نصف رجب وتوفي سنة مائتين، وسنه على هذا سبعون سنة وستة أشهر، وقيل: ولد سنة تسع عشرة ومائة، ومات سنة ثمان وثمانين ومائة، وسنه على هذا تسع وستون سنة. والله أعلم وقيل: مات سنة تسع وثمانين، وقيل على رأس المائتين. أخذ عنه: أبو محمد خلف بن هشام بن طالب البزار، وخلاد بن خالد أبو عيسى الصيرفي، ومات خلف ببغداد سنة تسع وعشرين ومائتين، ومات خلاد بالكوفة سنة عشرين ومائتين. ٣٩ - وَأَمَّا عَلِيٌ فَالكِسَائيُّ نَعْتُهُ … لِمَا كَانَ في الإِحْرَامِ فِيهِ تَسَرْبَلا هو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي من أولاد الفرس من سواد العراق، وجده عبد الله بن بهز بن فيروز، وهو مولى بني أسد، كوفي انتهت إليه الإمامة في القراءة، وختم به قراء الأمصار، اعتمد في قراءته على حمزة، وعنه أخذ القراءة، وقرأ عليه أربع مرات القرآن كله. وأخذ أيضاً عن محمد بن أبي ليلى، وعيسى بن عمر (١)، وكانت العربية

стр. 215

علمه وصناعته، واختار من آثار من يقدم من الأئمة، ومن قراءة حمزة قراءة متوسطة، وهو إمام عصره، وكان يقرأ على الناس ليأخذوا لفظه، وكانوا ينقطون مصاحفهم على قراءته. وقال نصير (١): كان الكسائي: إذا قرأ وتكلم كأنَّ مَلَكاً ينطق على فيه، قال يحيى بن معين: ما رأيت بعيني هاتين أصدق لهجةً من الكسائي. رؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟، فقال: غَفر لي بالقرآن. وقيل له: لم سُميت [الكسائي] (٢)؟ فقال: لأني أحرمت في كسائي. مات ﵀ بالرِّي حين خرج إليها مع الرشيد سنة تسعٍ وثمانين ومائة، ودفن هناك، فقال الرشيد: هاهنا دفنَّا العلم والقرآن يريد بذلك الكسائي، ومحمد بن الحسن. ٤٠ - رَوَى لَيْثُهُمْ عَنْهُ أبُو الحَارِثِ الرِّضا … وَحَفْصٌ هُو الدُّورِي وَفي الذِّكْرِ قَدْ خَلا هو أبوالحارث الليث بن خالد المروزي الحاجب المقرئ، حدث عن يحيى ابن المبارك اليزيدي، عن أبي عمرو بن العلاء، عن الحسن، عن أنس بن مالك أنَّ النبي ﷺ قال: «القرآن غنيٌّ لا فقر بعده ولاغنىً دونه» (٣)، وقدّمه على الدوري لانفراده بالكسائي، ومات [في سنة أربعين ومائتين] (٤)
следующие страницы →