← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 880

شرح الشاطبية فتح الوصيد في شرح القصيد - ت أحمد الزعبي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولم يَلْقه أحدٌ قط إلا وهو يقرأ، وكان يختم في كل شهر خمسة وعشرين ختمة، وكان إذا فرغ من إقراء القرآن صلى أربع ركعات، وكان يصلي ما بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وكان لا ينام الليل، وكان جيرانه يسمعونه يرتل القرآن ترتيلاً. [وقال يحيى بن معين: حمزة الزيات أبو عمارة ثقة] (١). وكان حمزة ﵀ يقول: الحمد لله الذي لم يجعلني قدرياً ولا مرجئاً لُبِّسَ عليه دينه، فلا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً شبه الشاة الربيض مذبدبين (٢) بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، ولا رافضياً. وقال ﵀: رويت ألف حديث بإسناد عن النبي ﷺ ، فرأيت النبي ﷺ في منام. فقلت: يارسول الله بأبي أنت وأمي قد رويت ألف حديث بإسناد عنك، أفأقرؤها عليك؟ قال: نعم. فقرأتها عليه كلها بإسنادها عنه، فزورها كلها إلا أربعة أحاديث، وقال: لم أتكلم بها فقلت: يارسول الله بأبي وأنت وأمي إني قد قرأت القرآن أفأقرؤه عليك؟ فقرأته عليه من أوله إلى آخره ٠ فقال: كما أُنزل علي.

стр. 212

شُهِر بالإمامة بعد عاصم، ونقل القراءة عن الأعمش، وحمران بن أعين (١)، وابن أبي ليلى (٢)، وأخذ الأعمش عن يحيى بن وثاب (٣) عن علقمة (٤)، عن عبد الله ابن مسعود، عن رسول ﷺ . وقرأ ابن أعين على عُبيد بن نضلة الخزاعي (٥)، وقرأ على أبي شبل علقمة ابن قيس ابن يزيد النخعي، وقرأ علقمة على عبد الله بن مسعود، قال مكي:

стр. 213

وقرأ حمران ابن أعين على أبي الأسود (١)، وقرأ أبو الأسود على عليٍّ وعثمان. وأما ابن أبي ليلى فقرأ على المنهال بن عمر (٢) وقرأ المنهال على سعيد بن جبير (٣)، وقرأ سعيد على ابن عباس، وقرأ عبد الله بن عباس على أُبي، وقرأ حمزة أيضاً على/ جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (٤)، وقرأ جعفر على آبائه ﵃.

стр. 214

٣٨ - رَوَى خَلَفٌ عَنْه وخَلادٌ الذِّي … رَوَاهُ سُلَيْمٌ مُتْقَناً ومُحَصِّلا وخَلَفَه في القراءة سليم، وكان حمزة إذا جاء سليم يقول لأصحابه: تحفظوا وتثبتوا فقد جاء سليم. قال سليم: قرأت القرآن على حمزة عشر مرات، ولم يخالف سليم حمزة في شيءٍ من قراءته، وكان من أضبط أصحابه لها. وهو أبو عيسى سليم بن عيسى بن عامر بن غالب الحنفي الكوفي، ولد سنة ثلاثين ومائة في نصف رجب وتوفي سنة مائتين، وسنه على هذا سبعون سنة وستة أشهر، وقيل: ولد سنة تسع عشرة ومائة، ومات سنة ثمان وثمانين ومائة، وسنه على هذا تسع وستون سنة. والله أعلم وقيل: مات سنة تسع وثمانين، وقيل على رأس المائتين. أخذ عنه: أبو محمد خلف بن هشام بن طالب البزار، وخلاد بن خالد أبو عيسى الصيرفي، ومات خلف ببغداد سنة تسع وعشرين ومائتين، ومات خلاد بالكوفة سنة عشرين ومائتين. ٣٩ - وَأَمَّا عَلِيٌ فَالكِسَائيُّ نَعْتُهُ … لِمَا كَانَ في الإِحْرَامِ فِيهِ تَسَرْبَلا هو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي النحوي من أولاد الفرس من سواد العراق، وجده عبد الله بن بهز بن فيروز، وهو مولى بني أسد، كوفي انتهت إليه الإمامة في القراءة، وختم به قراء الأمصار، اعتمد في قراءته على حمزة، وعنه أخذ القراءة، وقرأ عليه أربع مرات القرآن كله. وأخذ أيضاً عن محمد بن أبي ليلى، وعيسى بن عمر (١)، وكانت العربية

стр. 215

علمه وصناعته، واختار من آثار من يقدم من الأئمة، ومن قراءة حمزة قراءة متوسطة، وهو إمام عصره، وكان يقرأ على الناس ليأخذوا لفظه، وكانوا ينقطون مصاحفهم على قراءته. وقال نصير (١): كان الكسائي: إذا قرأ وتكلم كأنَّ مَلَكاً ينطق على فيه، قال يحيى بن معين: ما رأيت بعيني هاتين أصدق لهجةً من الكسائي. رؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟، فقال: غَفر لي بالقرآن. وقيل له: لم سُميت [الكسائي] (٢)؟ فقال: لأني أحرمت في كسائي. مات ﵀ بالرِّي حين خرج إليها مع الرشيد سنة تسعٍ وثمانين ومائة، ودفن هناك، فقال الرشيد: هاهنا دفنَّا العلم والقرآن يريد بذلك الكسائي، ومحمد بن الحسن. ٤٠ - رَوَى لَيْثُهُمْ عَنْهُ أبُو الحَارِثِ الرِّضا … وَحَفْصٌ هُو الدُّورِي وَفي الذِّكْرِ قَدْ خَلا هو أبوالحارث الليث بن خالد المروزي الحاجب المقرئ، حدث عن يحيى ابن المبارك اليزيدي، عن أبي عمرو بن العلاء، عن الحسن، عن أنس بن مالك أنَّ النبي ﷺ قال: «القرآن غنيٌّ لا فقر بعده ولاغنىً دونه» (٣)، وقدّمه على الدوري لانفراده بالكسائي، ومات [في سنة أربعين ومائتين] (٤)

стр. 216

وأما حفصٌ: فهو أبو عمر الدوري، وقد تقدم ذكره، وهو صاحب أبي عمرو ابن العلاء، وكان قد قرأ سائر الحروف السبعة، وكتب الحديث، وسمع كثيراً، وصنف كتاباً في القراءات، وعُمِّر، وعَمِي في آخر عمره. ولد ببغداد في أيام المنصور سنة خمسين ومائة، ومات في أيام المتوكل سنة ستٍ وأربعين ومائتين، وله نيفٌ وتسعون سنةً. ٤١ - أبُو عَمْرِهِم واليَحْصَبيُّ ابنُ عَامِرٍ … صَرِيحٌ وبَاقِيهِمْ أَحَاطَ بِهِ الوَلا الصريح الخالص النسب، وقد يكون من أنفس القوم؛ قال الحارث (١): جزى الله قومي بالكلاب ملامةً … صريحهم والآخرين المواليا وأحاط بهم الولاء: أي: جمعهم حتى استووا في ذلك، وقد ذكرت الخلاف في حمزة. ٤٢ - لَهُمْ طُرُقٌ يُهْدَى بِهَا كُلُّ طَارِقٌ … ولاطَارِقٌ يُخْشَى بِهَا مُتَمَحِّلا الطارق الأول النَّجْم، قال الله تعالى ﴿وبالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُون﴾ (٢) جعل كل صاحب طريقٍ نجماً يهتدي به فيها ولا طارقٌ يخشى. جاء في الحديث: «وأعوذ بك من طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخيرٍ» (٣)، وأصله للذي يأتي ليلاً، والليل محل الآفات يعني: ولامدلِس يخشى بها متمحِّلا، وهو محل به، أي: مكر. ومنه قوله سبحانه: ﴿وَهُو شَدِيدُ المِحَال﴾ (٤)، والمراد بالطرق: المذاهب المنسوبة إليهم، ولهذه الطرق

стр. 217

هيئات، فأبو عمرو، وابن كثير، وقالون أصحاب تسهيل وتخفيف ما وجدوا إليه سبيلاً، والحذَّاق من أصحاب ورشٍ يأخذون بالتجويد والتمطيط والتشديد، وإشباع الحركات، واستيفاء المدِّ حتى أخذ له بعضهم بإشباع الضمة قبل الواو، والكسرة [قبل الياء] (١)، مثل: نعبد وإياك، [ومالك يوم الدين] (٢)، فكان عاصم صاحب مدٍ وقطع وهمز، وقراءة شديدة لا تتجاوز التجويد، وقراءة الكسائي حدْرٌ بين السهلة والشديدة، ومنهم من يختار لابن عامرٍ كذلك ومنهم من يختار لعاصمٍ. وأما حمزة: فيختار له التحقيق، والحذف، والتسهيل، والمدُّ الطويل. قال حمزة: إنما القراءة بمنزلة الشعر إذا كان جعداً، وإذا كان سبطاً سمج، وإنما حسنه أن يكون بين ذلك، وقال حسين بن عليٍ الجعفي: إنما القراءة بمنزلة البياض، إذا قلّ كانت سمرةً، وإذا اشتد صار برصاً ولكن بين ذلك. ٤٣ - وَهُنَّ اللَّوَاتِي لِلمُواتِي نَصَبْتُهَا … مَنَاصِبَ فانْصَبْ في نِصَابِكَ مُفضِلا المواتي: الموافق، ونصبتها رفعتها، ومناصب: أعلاماً للعز والشرف، فانصب أي: تجرد واتعب، وشمِّر في نصابك أي: في أصلك، وأراد به النية لأنها الأصل للعمل «مفضِّلا» أي: ذا فضلٍ في حسن عقدك، وأصل طلبك، [ومُفضِّلا منصوب على الحال من الضمير في فانصب] (٣).

стр. 218

٤٤ - وهَا أَنَا ذَا أَسْعَى لَعَلَّ حُرُوفَهُمْ … يَطُوعُ بِهَا نَظْمُ القَوَافي مُسْهِّلا حروفهم: قراءاتهم، طاع الشيء يطوع، إذا انقاد وهو طوعه، وأطاعه إذا مضى لأمره، وطاوعه أي: وافقه، والاستطاعة من الطوع، يقال: تطاوع له حتى: تسطيعه وتطوع تكلف استطاعته، والتطوع: التبرع، [ومسهِّلا منصوب على الحال نظم القوافي] (١). ٤٥ - جَعَلْتُ أبَا جَادٍ عَلَى كُلِّ قَارِئٍ … دَلِيلاً عَلَى المنْظُومِ أَوَّلَ أَوَّلا يعني حروف أبي جادٍ، يقال: إنَّ هذه الحروف أسماء ملوكٍ، قال أبو عبد الله حمزة بن حسين الأصبهاني: يقال: إنَّ أول من وضع الكتابة العربية قومٌ من الأوائل نزلوا في عدنان بن أدد واستعربوا ووضعوا هذه الكتابة على عدد حروف أسمائهم، وكانوا ستة نفرٍ أسماؤهم: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ظغش، وأنهم ملوك مدين ورئيسهم كلمن هلكوا يوم الظلة مع قوم شعيب، فقالت ابنة كلمن ترثيه: كلمن هدَّ (٢) ركني … هلكه وسط المحلة سيد القوم أتاه الـ … ـحتف ناراً وسط ظله جعلت نارٌ عليهم … دارهم كالمضمحلَّة ثم وجد من جاء بعدهم حروفاً ليست من أسمائهم وهي ستةٌ: الثاء، والخاء، والذال، والضاد، والظاء، والغين، فسموها الروادف. قال قطرب: هو أبوجادٍ، وإنما حذف واوه وألفه لأنه وضع لدلالة المتعلم، فكره التطويل والتكرار وإعادة المثل مرتين، فكتبوا أبجد بغير واوٍ ولا ألفٍ؛ لأنَّ الألف في أبجد والواو في هوز قد عُرِفَت صورتها.

стр. 219

وكلُّ مامثل من الحروف استغني عن إعادته، وإنما كُرِّرَت الياء في حطي وقد مثلت لاختلاف صورتها/ في الطرف وغيره، وقد حذفها أصحاب الحساب استغناءً بها في حطي وعلى ذلك بنى صاحب القصيد. وقوله: «دليلاً» على المنظوم أي: على القارئ المنظوم (١)، و «أول أولا» في موضع نصب على الحال لأنه في موضع مرتباً ومثله قولُ مكي بن سوادة: عليمٌ بتأويل الكلام ملقنٌ … ذَكور لما سُدَّ له أولَ أولا يَبَذُّ قريعَ القوم في كلِّ مجمعٍ … وإن كان سحبان الخطيب ودغفلا (٢) ترى خطباءَ الناسِ عند ارتجالهِ … كَأنَّهُم الكِروان أبصرنَ أجْدَلا (٣) ٤٦ - ومِنْ بَعْدِ ذِكْرِي الحَرْفَ أُسْمِي رِجَالَه … مَتَى تَنْقَضِي آَتِيكَ بالوَاوِ فَيْصَلا أراد الحرف المختلف في قراءته وذلك أنه ذكر القراءة وقيدها على أبلغ وجوه البيان، ثم الكلمة التي تتعقب ذكر القراءات دلالات على القرَّاء بحروف أوائلها؛ فإذا تعقب ذلك كلمة أولها واوٌ أشعر ذلك بانقضاء الترجمة لأنَّ الواو جعلها فاصلةً.

стр. 220

٤٧ - سِوَى أَحْرُفٍ لارِيبةٌ في اتِّصَالِها … وبِاللفْظِ أَسْتَغْني عَنْ القَيْدِ إِنْ جَلا يعني أنه ربما استغنى عن الإتيان بالواو الفاصلة إذا دلَّ الكلام بنفسه على الانقضاء والخروج إلى شيءٍ آخر وارتفعت الريبة. كقوله: ................ … وغَيْبُكَ في الثَّانِي إِلى صَفْوِهِ دَلا (١) خَطِيئَتُه التَّوْحيدُ عَنْ غَيْرِ نَافِعٍ ................ (٢) فإن لفظ «خطيئته» دلَّ على انقضاء الكلام في الغيبة والخطاب، وقوله: «وباللفظ استغني عن القيد» كقوله: وحَمْزَةُ أَسْرَى في أُسَارَى … ......................... فإنه أستغنى عن القيد باللفظين كما قيَّده في قوله بقية البيت: ..................... … وضَمُّهُمْ تُفَادُوهُمُو والمدُّ (٣) ٤٨ - وَرُبَّ مكَانٍ كَرَّرَ الحرفَ قَبْلَهَا … لِمَا عَارِضٌ والأَمْرُ لَيْسَ مُهَوِّلا في «كرر» ضميرٌ يعود على مكانٍ جعله مكرراً لما وقع فيه التكرار لأنَّ الشيء يجعل للشيء للملابسة، أو يعود على الناظم، و «لما عارِضٌ» أي: لعارض من تتميم لفظٍ، أو احتياجٍ إلى قافيةٍ، أو تحسين لفظٍ كقوله: ..................... … اعْتَادَ أَفْصَلا (٤)

стр. 221

...... … وحُلاً حَلا (١) .................... … وعُلاً عَلا (٢) وربما جاء مفرداً بعد ماذكر مع جماعةٍ متقدماً كقوله: .................... … ذَا أُسْوَةٍ تَلا (٣) والهاء في قبلها تعود على الواو الفاصلة، و «مُهَوِّلا» من هالني الشيء يهولني هوِّلا، ومنه المُهَوِّل، وهوالذي يحلف على النار، وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا أرادوا أن يستحلفوا الرجل أوقدوا ناراً وألقوا فيها ملحاً، ويسمونه الهويل (٤)، [والمهَوِّل الذي يتولى التحليف عليها] (٥)، فمهَوِّل من التهويل وهو الإرهاب. ٤٩ - وَمِنْهُنَّ للكُوفِيِّ ثَاءٌ مُثَلَّثٌ … وسِتَّتُهُمْ بِالخَاءِ ليْسَ بِأَغْفَلا ٥٠ - عَنَيْتُ الأولى أثْبَتُّهُمْ بَعَدَ نافعٍ … وكُوفٍ وشَامٍ ذَالُهُم لَيْسَ مُغْفَلا ٥١ - وكُوفٍ مَعْ المكِيِّ بالظَّاءِ مُعْجَماً … وكُوفٍ وبَصْرٍ غَيْنُهُمْ لَيْسَ مُهْمَلا ٥٢ - وذو النَّقْطِ شِينٌ للكسائِي وحَمْزَةٍ … وقُلْ فِيهِمَا مَعَ شُعْبَةٍ صُحْبَةٌ تَلا ٥٣ - صِحَابٌ هُمَا مَعَ حَفْصِهِمْ عَمَّ نَافِعٌ … وشَامٍ سَمَا فِي نَافِعٍ وفَتَى العَلا ٥٤ - ومَكٍّ وحَقٌّ فِيهِ وابْنِ العَلاءِ قُلْ … وقُلْ فِيهِمَا واليَحْصَبِي نَفَرٌ حَلا

стр. 222

٥٥ - وحِرْميٌّ المكِّيُّ فِيهِ ونَافِعٌ … وحِصْنٌ عَنِ الكُوفِي ونَافِعِهِمْ عَلا «ومنهن» يعني الحروف والأغفل الذي لا نقط له، وذلك أنه ذكر القرَّاءَ في هذا النَّظْم مرتين، جعل حروف أبي جاد على تأويلها لهم على ترتيبهم، فلكلِّ قارئٍ ما أصابه منها، ولاتدخل الواو في هذا الحكم لأنها فاصلة، وما رتبهم على هذا الترتيب إلا لمعنى، ألا تراه قدَّم البزِّيَّ على قنبلٍ لعلو سنده، وقدَّم هشاماً على ابن ذكوان لشهرته في رواية الحديث، وقدَّم أبا بكرٍ على حفصٍ لثناء العلماء عليه، وقولهم: إنه العالم الذي أحيا الله به زمانه، قاله وكيع وغيره. وقدَّم أبا الحارث على الدوري لتفرده بالكسائي، ووافق انقضاء القرَّاء الانتهاء إلى الثاء من الحروف، فجعلها وما بعدها من الحروف دلائل على القرَّاء مجتمعين على الترجمة الواحدة، فجعل الثاء للكوفيين لأنهم ثلاثة، والثاء مثلثة، أو لأنها تشترك مع الفاء في المخرج، وجعل الخاء للستة لأنها حرف استعلاءٍ، وقد استعلت هذه القراءة باجتماع ستة عليها، وللخاء زيادة على غيرها من حروف الاستعلاء لأنها من حروف الحلق، فلها الأولية، ولما كانت الذال تزيد على الثاء بالجهر مع اشتراكها في الرِّخَاوة جعلها للكوفيين وابن عامر، ولما كان ابن كثير له العلو المذكور، وانضاف إلى الكوفيين، جعل لهم الظاء للجهر الذي فيها والاستعلاء، ولم يُبْقِ مناسباً لما ذكر ومشاكلاً من الحروف إلا الغين فجعلها لأبي عمرو مع الكوفيين، ولما كان للشين مخرجان لما فيها من التفشي بخلاف سائر الحروف جعلها للإثنين: الكسائي وحمزة، وانقضت حروف أبجد، وبقيت جموع أخر فجعل لها كلمات اختارها ونصبها دلائل على ما بقي من الجموع، فقال في حمزة والكسائي وأبي بكر «صحبة» ويقال: لهما مع حفص «صحاب» إذا

стр. 223

كانت القراءة كوفيةً، وقال في نافع وابن عامر: «عم» من العموم لاتفاق المدينة والشام، مع أنَّ قراءة نافع عظيمةُ الانتشار والاشتهار والعموم، ولابن عامر بمحله، وعموم قراءته وفضله وقد اتفق هذان الإمامان في كثير من الحروف، وهو أكثر من ابن كثير اتفاقاً مع نافع. وقال في نافع وابن كثير وأبي عمروٍ: «سما» من الرِّفعة لقوة هذه القراءة، وعلوها من جهة النقل والفصاحة. وقال في ابن كثير وأبي عمروٍ: «حق» لما في قراءتهما من الشهرة والتحقيق، وهو في بعض المواضع مصدر حقَّ فلان فلاناً، يحقه حقاً أي: غلبه إذ غالبه في الحق، وقال فيهما مع ابن عامر: «نفر» لأنَّ الثلاثة «نفر». وقوله: «حلاً» لأنه أقلُّ عددٍ يسمى نفراً، فإن اتفق ابن كثير، ونافع، قال: «حَرَمي» والنسب إلى الحرم (١) «حِرْمِيّ» و «حَرَمِيّ» كما قال: .......................... … وحِرْمِيَّةٍ منسوبةٍ وسلاجم (٢) وقال الشاعر: وأمستْ بلادُ الحرمِ وحْشَاً بقاعُهَا … لغَيْبَةِ ما كانت من الوحي تعهدُ (٣)

стр. 224

فإذا اتفق الكوفيون، ونافع قال: «حصن» لتحصن القراءة بورَعِ نافع وإتقانه، وبضبط عاصم وفصاحته، وبتحرير حمزة وإمامته، وعلو شأن شيوخه، كالأعمش المبرز في الزهد وغيره، وبنحو الكسائي وحسن اختياره وتقدمه في العلم، ولذلك اختاره الرشيد مع توفر القرَّاء في زمانه. وقوله: «وكوفٍ وشامٍ» وشبه ذلك حذف إحدى الياءين في الشعر، وذلك كثير جائز، فبقيت الياء الأخرى مع التنوين فحذفت (١) لالتقاء الساكنين، كما قالوا: شآم، وتهام، ويمان، وعوضوا لما حذفوا لغير سبب، والحذف هاهنا لضرورة الشعر، وهذه صورة توزيع الحروف على القراء كل ثلاثة أحرف للشيخ، وراوييه على الترتيب. أبجْ دَهَزْ حِطِّي كَلَمٌ نَصَعْ فَضَقْ رَسَتْ. وقد رسمت لك جدولاً إذا نظرت فيه كشفت جميع الرموز في حال الانفراد والاجتماع فتدبر ذلك موفقاً إن شاء الله تعالى.

стр. 225

الجدول المجزأ اثنان وعشرون جزءاً فيه أسماء القراء وما لكل واحدٍ من الحروف إلى جانبه، والجدول المجزأ أربعة عشر [¬*] جزءاً فيه الحروف الدالة على القراء مجتمعين وكذلك الكلمات الدالة عليهم في حال اجتماعهم والذي لكل حرفٍ أو كلمةٍ فهو مرسوم في سطره. نافع … أ قالون … ب ورش … ج ابن كثير … د البزي … هـ قنبل … ز أبو عمرو … ح الدوري … ط السوسي … ي ابن عامر … ك هشام … ل ابن ذكوان … م عاصم … ن أبوبكر … ص حفص … ع حمزة … ف خلف … ض خلاد … ق الكسائي … ر أبو الحارث … س الدوري … ت الواو … فيصل الكوفيون عاصم وحمزة والكسائي … ث القراء كلهم غير نافع … خ الكوفيون وابن عامر … ذ [الكوفيون وابن كثير … ظ] [¬*] الكوفيون وأبو عمرو … غ الكسائي وحمزة … ش الكسائي وحمزة وأبو بكر … صحبة الكسائي وحمزة وحفص … صحاب نافع وابن عامر … عم نافع وابن كثير وأبو عمرو … سما ابن كثير وأبو عمرو … حق ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر … نفر ابن كثير ونافع … حرمي الكوفيون ونافع … حصن ٥٦ - ومهمَا أَتَتْ مِنْ قبلُ أَوْ بَعدُ كِلْمَةٌ … فكُنْ عِنْدَ شَرْطِي واقْضِ بالواوِ فَيْصَلا يعني أنه إذا أتت كلمة من الكلمات المضمنات الأوائل من قبل صحبة مثلاً، أو صحاب، أو أخواتهما فهي تضاف إليها، ومدلولها داخل في عدة رجال تلك الترجمة كقوله: .... من صحاب ...................... (١) و: .... كهف صحبة ..................... (٢)

стр. 226

والشَّرْط مصدر شَرَطَ يَشْرِطُ شَرْطَاً بكسر (١) الراء في الأجرة والحِجامة وغير ذلك، ويجوز في الحجامة يَشْرُط، وأصله كله العلامة إلا أنه يستعمل في العلامة الشَّرَط بتحريك الراء، والشَّرَط بتحريكها رُذال المال أيضاً، فيقال: الغنم شَرَطُ المال (٢) ٥٧ - ومَا كَانَ ذَا ضِدٍّ فَإِنِّي بِضِدِّهِ … غَنيٌّ فَزَاحِمْ بِالذَّكَاءِ لتَفْضُلا ٥٨ - كَمَدٍّ وَإِثْبَاتٍ وَفَتَحٍ وَمُدْغَمٍ … وَهَمْزٍ ونَقْلٍ واخْتَلاسٍ تَحَصَّلا ضدُّ المدِّ القصر، وضدُّ الإثبات الحذف، وضدُّ الفتح الإمالة، وضدُّ الإدغام الإظهار، وضدُّ الهمز ترك الهمز، وضدُّ النقل [إبقاء الهمز على حركته وإبقاء الساكن قبله، وضدُّ الاختلاس إكمال الحركة؛ لأنَّ معنى الاختلاس خطف الحركة والإسراع بها] (٣) ٥٩ - وجَزْمٍ وتَذْكِيرٍ وَغَيْبٍ وخِفَّةٍ … وَجَمْعٍ وتَنْوِينٍ وَتَحْرِيكٍ اُعْمِلا ضدُّ الجزم عنده الرفع؛ لأنَّ الجزم لا يدخل إلا على مرفوع، وضدُّ التذكير التأنيث، وضدُّ الغيبة الخطاب، وضدُّ الخفة الثقل كقوله: وخَفِّفْ شَفَا حُكْمَاً … ........................ (٤) وضدُّ الجمع التوحيد، وضدُّ التنوين ترك التنوين إما لإضافةٍ أو غيرها، وضدُّ التحريك كلِّه الإسكان.

стр. 227

٦٠ - وَحَيْثُ جَرَى التَّحْرِيكُ غَيْرَ مُقَيَّدٍ … هُوَ الفَتْحُ وَالإسْكَانُ آخَاهُ مَنْزِلا التحريك يقع في القصيد على وجهين: مقيَّد، وغير مقيد، فالمقيد كقوله: .... .......... واللامَ حَرَّكُوا بِرَفْعٍ خُلُودَاً ........... (١) وكقوله: وحُرِّك عيُن الرُّعْبِ ضَمَّاً … ................... (٢) وغير المقيد كقوله: مَعَاً قَدْرُ حُرِّك ........ ................... (٣) ولا يكون إلا فتحاً، ومثله قوله: .................. نَعَم ضُمَّ حَرِّك واكْسِرْ الضَّمَّ أَثْقَلا (٤) والإسكان ضدُّهما معاً، وإنما قال في هذا البيت: «والإسكان آخاه» ولم يستغن في البيت قبله لفائدة، وليس هذا بتكرار، أراد أنه إذا ذكر التحريك غير مقيد فضدُّه الإسكان، وإذا ذكر الإسكان فضدُّه الفتح إذا كان

стр. 228

الإسكان غير مذكور الضد. كقوله: ويطْهُرْنَ في الطَّاء السَّكُون … ................. (١) فضد هذا السكون الفتح لأنه ذكره، ولم يذكر له ضداً، فإن كان للسكون ضدٌّ غير الفتح فلا بد من ذكره وتقييده كقوله: وحيثُ أتاكَ القُدْسُ إِسكانُ دَالِهِ دَوَاءٌ وَللبَاقِينَ بالضَّمِّ أُرْسِلا (٢) لما كان ضد الإسكان هنا الضم ذكره وعينه كقوله: وأرْنَا وأرْني سَاكِنَا الكَسْرِ … ................ (٣) وأما قوله: وإسْكَانُ بَارِئكم ويَأْمُرُكُم لَه ................ (٤) إلى آخره فداخل في قوله: .................... … وباللفظ أستغني عن القيد إن جلا [ومنزِلا منصوب على التمييز] (٥)

стр. 229

٦١ - وآخيتُ بينَ النَّونِ واليَا وفَتْحِهِم … وَكَسْرٍ وبينَ النَّصْبِ والخفْضِ مُنْزِلا المؤاخاة بينهما أن يذكر أحدهما فيكون الآخر الذي لم يذكر لمن لم يذكر من القرَّاء، كما كان المذكور للمذكور كقوله: .... نَغْفِر بِنُونِه ......................... (١) وكقوله: ونُؤْتيه بِاليَاء في حِمَاه ....................... (٢) والفتح والكسر أراد بهما حركتي البناء، والنصب والخفض أراد بهما حركتي الإعراب، [ومنزلا حال من التاء في وآخيت] (٣). ٦٢ - وحَيْثُ أَقُولُ الضَّمُّ والرَّفْعُ سَاكِتَاً … فَغَيْرُهُمْ بِالفَتْحِ والنَّصْبِ أَقبَلا والضم والفتح حركتا البناء، والضم يقابله الفتح، والرفع يقابله النصب لأنهما الإعراب، ومعنى قوله: «ساكناً» أي: لا أزيد على ذلك؛ فإن قلت: ضم الكسر أو ارفع الجزم، أو حَرَّك برفع فقد خرجت عن ذلك، فذلك مثل قوله: وتَسَلْ ضَمُّ التَّاءِ … ..................... (٤) إلى آخر البيت

стр. 230

ومثل قوله: وحُرِّك وضم الكسر وامدده هامزاً … ولا نون شركاً ......... (١) [ومعنى قوله الضم والرفع ساكتاً أي: حيث يقع في القصيد الضم والرفع] (٢) ٦٣ - وفي الرَّفْعِ والتَّذْكيِر والغَيْبِ جُمْلَةٌ … عَلَى لَفْظِهَا أَطْلقتُ مَنْ قَيَّدَ العُلا يريد أنه ربما استغنى بألفاظ هذه الثلاثة عن تقييدها، وهو على شرطه في الضد، وقد اتفق اجتماع هذه الثلاثة في بيتٍ واحدٍ في سورة الأعراف وهو قوله: وخَالِصةٌ أَصْل ......................... (٣) ولم يقل بالرفع، فكان هذا الإطلاق دليلاً على أنه مرفوع ............... ولا يعلمون قل ......... ولم يقل: بالغيب. .................... لشعبة في الثاني ويفتح شمللا ولم يقل: بالتذكير، والهاء في لفظها تعود إلى الجملة، ونبَّه بقوله: «مَنْ قيَّد العلا» على أنه إنما وضع قصيدته لمن عرف ما يرتقى به إلى علا هذا الشأن.

стр. 231

٦٤ - وقبْلَ وبَعدَ الحرْفِ آَتِي بِكُلِّ مَا … رَمَزْتُ بِه في الجَمْعِ إِذْ لَيْسَ مُشْكِلا قد قال قبل هذا: «ومن بعد ذكري الحرفَ أُسمي رجاله» وعنى به الحرف الذي اختلف فيه القرّاء كقوله (١): ومَالك يَوْمِ الدِّين رَاوِيه نَاصِرٌ ................... وهذا في غير كلمات الجمع فأما في كلمات الجمع وما معها من مفرد فإنه يأتي بذلك قبل الحرف المختلف فيه وبعده، وكذلك إذا سمَّى القارئ باسمه فإنه لا يُلْزِم فيه تقديماً ولا تأخيراً كقوله: وحَمْزَةُ أَسْرَى ............................ (٢) وقد أشار إليه في البيت بعد هذا بقوله: «وسوف أسمي حيث يسمح نظمه»، أي: لا ألتزم موضعاً عند التسمية مخصوصاً بل أسمي حيث تأتي التسمية قبل القراءة أو بعدها، ومثال ما ذكرته قوله (٣): وحَقٌّ نَصِيرٌ كَسْرُ وَاوِ مُسَوِّمِين ................... وشبهه.

стр. 232

٦٥ - وسَوْفَ أُسَمِّي حَيْثُ يَسْمَحُ نَظْمُهُ … بِهِ مُوضِحَاً جِيدَاً مُعَمَّاً وَمُخْوَلا رؤيَ الكسائي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك أشار بقوله: موضحاً إلى أنه لا يأتي برمز مع مسمى باسمه إذ به يتم الإيضاح، وأصل قولهم: جيد معم ومخول أنهم كانوا إذا كان الغلام له أعمام وأخوال يعرفونه بجيده لما في عنقه من الزينة؛ لأنَّ الفريقين من أعمامه وأخواله يكرمونه، ويقلدونه القلائد، ويزينونه أحسن زينة، كأنه يقول: أوضح بالتسمية إيضاحاً يشبه جيداً هذه صفته في الزينة والوضوح، لأنه إذا أمكنه تسمية القارئ فهو أحسن وأزين وأوضح، والمعم المخول أيضاً الكريم الأعمام والأخوال، قال الشاعر: فلمَّا رَأَوْا ما قد أَرَتْهُمْ شُهُودُه … تنادَوا أَلا هذا الجَوادُ المؤمَّلُ أبوه ابنُ زادِ الرَّكْب وهو ابنُ أختِهِ … مُعَمٌّ لَعَمْرِى في الجِياد ومُخْوِلُ (١) ٦٦ - ومَنْ كَانَ ذَا بَابٍ لَهُ فِيهِ مَذْهَبٌ … فَلا بُدَّ أَنْ يُسْمَى فَيُدْرَى ويُعْقَلا يريد أنَّ القارئ إذا انفرد ببابٍ لم يشاركه فيه غيره ذكره في ذلك الباب باسمه من غير رمز زيادةً في البيان كنقلِ الحركة، وإبدالِ الهمز الساكن، ووقفِ حمزة، والإدغامِ الكبير ٦٧ - أَهَلَّتْ فَلَبَّتْهَا المعَانِي لُبَابُهَا … وَصُغْتُ بِهَا مَا سَاغَ عَذْبَاً مُسَلْسَلا الإهلال: رفع الصوت، يقال: أهلَّ واستهلَّ إذا رفع صوته، واستهلال الصبي عند سقوطه من ذلك، وإهلال الحجيج: رفعهم أصواتهم بالتلبية، والمستهلُّ من المطر: ماله صوت، كأنها نادت صارخةً بالمعاني، فلبتها، ومعنى لبَّى: قال: لبيك، كما قال: هيلل وهلَّل وكبَّر، [ويقال للملبي: لَبَّى فُوكَ: يدعوك له بالتلبية في الحج] (٢)، ويقال: ساغ الشراب في الحلق سوغاً، وأسغته.

стр. 233

٦٨ - وَفي يُسْرِهَا التيسيُر رُمْتُ اختَصَارَهُ … فَأَجْنَتْ بِعَونِ اللهِ مِنْهُ مُؤَمَّلا يريد كتاب التيسير لأبي عمروٍ ﵀، وأجْنَت الشجرة أدرك ثمرها، وأجنت الأرض: كثر جَناها من الكلأ والكمأة وغير ذلك، وهو هاهنا مأخوذٌ من أجنت الأرض لكثرة ما فيها من الفوائد، والهاء في «منه»: إن أَعَدْتَها على اسم الله تعالى، فمؤمَّلا منصوب على الحال، وإن أعدتها على التيسير فمؤملاً منصوب على التمييز. ٦٩ - وألْفَافُهَا زَادَتْ بنَشْرِ فَوَائدٍ … فَلَفَّتْ حَيَاءً وجْهَهَا أَنْ تُفَضَّلا حَسُنَ استعارة الألفاف هاهنا بعد قوله: فأجنت، وواحد الألفاف لِف، وهي الأشجار يلتف بعضها ببعض، وجاؤوا إلفاً أي: مجتمعين في موضعٍ واحدٍ، [والموضع الملتف والألَفّ: الكثير الأهل والجماعة، وتلافيف العشب: التفاف نباته] (١) وجَنَّةٌ لِفٍّ، ولَف أي: ملتفة النبات، وفي القرآن ﴿وجَنَّتٍ أَلْفَافَاً﴾ (٢). ٧٠ - وسَمَّيتُهَا حِرْزَ الأمَانِي تَيَمُّنَا … ووَجَهَ التَّهَانِي فَاهْنِهِ مُتَقَبَّلا الحرز: الذي تُودع فيه الأشياء، كأنه أودع فيها ما يتمنَّاه طالب هذا العلم، وتيمُّنَاً مفعول من أجله، يريد أنَّ هذه التسمية سبقت النَّظم ليكون كذلك كما تسمى الوليدة: أم مالك وأم عمرو، ويقال لكل ما أتى بغير مشقةٍ ولا عناء: هنيء، وطعامٌ هنيء من ذلك. ومعنى قوله: «فاهنه» أي: كن له هنيئاً في حال تقبلك، ولا تكن وغْداً ولا متعَسِّفاً.

стр. 234

٧١ - ونَادَيْتُ اللَّهُمَّ يَا خَيْرَ سَامِعٍ … أَعِذْنِي مِنْ التَّسْمِيعِ قَوْلاً وَمِفْعَلا سَمَّع فلان بكذا إذا شاعه ليتكلم به، وأراد الاستعاذة بالله من الرياء، وأن يقصد أن يذهب سمعه في الناس. وقد أخرج مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «من سمَّعَ سمَّعَ الله به، ومن [يُرَائي] (١) يُرَائي الله به» (٢). فشَهَّرَه معاقباً، و «قولاً ومفعلاً» منصوبان على إسقاط الخافض، أو على الحال. ٧٢ - إِلَيْكَ يَدِي مِنْكَ الأَيَادِي تَمُدُّهَا … أَجِرْنِي فَلا أَجْرِي بِجَوْرٍ فَأَخْطَلا يقول: لولا أياديك لكان من حقي ألا أمد إليك يدي، فالأيادي منك تمدها إليك، والجور: الميل، ويقال: خَطِلَ وأَخْطَلَ خَطَلاً: وهو المنطق الفاسد، ونصب فأخطلا على الجواب. ٧٣ - أَمِينَ وَأمْنَاً لِلأَمِينَ بِسِرِّهَا … وَإِنْ عثَرَتْ فَهُوَ الأمُونُ تَحَمُّلا أمين يُقْصَر (٣): ويُمَد، قال الشاعر: .......................... … أمين فزاد الله ما بيننا بُعْدَاً (٤) وقال آخر: .......................... … ويرحم الله عبداً قال آمينا (٥)

стр. 235

ومعناه: اللهم استجب، «وأمنا» أي: وهب أمناً للأمين فهو الموثوق به ويقال له: الأمان أيضاً، والسر ضد العلانية، والسر من كل شيء: الخالص، وإياه أراد هاهنا: أي: للأمين بخالصها بما فيها من الفوائد المتخيرة، وأمانته اعترافه بذلك، وإذاعته ما أبرأه منه، والأمون: الناقة القوية [الخلق] (١)، كأنه أمِن منها العثور لأنها إذا كانت كذلك صبرت (٢)، ولم تعلق أي: يكون فيها براءة من ذلك، أو خطأ كهذه الناقة في صبرها لما تتحمله من الإعياء، وإنما يقول ذلك هاضماً لنفسه. ٧٤ - أَقُولُ لِحُرٍّ وَالمَرُوءَةُ مَرْؤُهَا … لإخْوَتِهِ المِرْآَةُ ذُو النَّورِ مِكْحَلا روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ أحدَكم مرآةُ أخيه فإذا رأى شيئاً فَلْيُمِطْهُ» (٣)، وقال بعضهم: صديقيَ مرآةٌ أُميطُ به الأذى … وعَضْبٌ حُسامٌ إن مُنِعْتُ حُقوقِ فإنْ ضاقَ أمرٌ أو ألمَّتْ مُلِمَّةٌ … لجأتُ إليه دون كلِّ شقيقِ (٤) يعني: أنه يريد عيوبَه فيصلحها كما يستفاد ذلك من المرآة، والمكحل، المكحال: الذي يكتحل به، وكل ما كان من الالآت/ التي تستعمل فعلى مِفْعَل، ومِفْعَلَة بكسر الميم مثل: مِقْلَم، ومخرز، ومِقْطع، ومِرْآة، ومطرقة، ومِصْرعة، ومِرْفقة إلا ماشذَّ (٥) عن ذلك نحو: مُدْهن، ومُسْعُط، ومُنْخل، ومُنصُل، وجمع مِرْآة مَرَاء ومَرَايا، ونصب مكحلاً على الحال أي: منوراً مشبهاً ذلك.

стр. 236

٧٥ - أخِي أَيُّهَا المُجْتَازُ نَظْمِي بِبِابِه … يُنَادَى عَلَيْهِ كَاسِدَ السُّوقِ أَجْمِلا أجمل من قولهم: أَحْسَنَ فلانٌ وأجملَ، وأبدل من النون ألفاً للوقف كما في قوله: تعالى ﴿لنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَة﴾ (١) تشبيهاً بالتنوين في الاسم المنصوب، ومثله قول الشاعر: توسمت كلبيه فقلت لصاحبي … هما شاهدا عدل له فتوسَّما (٢) والكلبان (٣): مسمار القائم رآهما غليظين، فعلم أنه لطول ما جرب، واستعمل اتسع موضعهما، فأوجب ذلك غلظَهما لئلا يغلقا. وقال الأعشى (٤): فإياك ذو الأنصاب لا تقربنها … ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا أراد: أجمل فأتى بالنون نائبةً عن التكرار للتأكيد. ٧٦ - وظُنَّ بِه خَيرَاً وسَامِحْ نَسِيجَهُ … بِالاغْضَاءِ وَالحُسْنَى وإِنْ كَانَ هَلْهَلا لما كان البيت من الشِّعر مُشبهاً ببيت الشَّعر، استعير فيه النسيج، وكما قالوا: ثوبٌ هَلْهَلَ سَخِيفُ النسج، كذلك قالوا: شِعرٌ هَلْهَل رقيقٌ، وقيل: إنما لُقِّب عَدِيٌ مهلهلاً: لأنه هلهل الشعر أي: رققه، وقيل: غير ذلك.

стр. 237

٧٧ - وسَلِّمْ لإحدَى الحُسْنَييِن إِصَابةٌ … وَالأخرَى اجْتِهَادٌ رَامَ صَوْبَاً فَأَمْحَلا الصَّوب: نزول المطر، والصيِّب: المطر المصوب، والمحل: جفاف النبات عن انقطاع المطر، وأَمْحَلَت الأرض فهي مُمْحِل، وأَمْحَلَ فلانٌ: صادف المَحْل، والعالم إذا اجتهد وأخطأ فله أجر، وله مع الإصابة أجران فهو بين الحسنيين، و «إصابة» بالخفض على البدل وبالرفع على خبر الابتداء. ٧٨ - وإنْ كانَ خَرْقٌ فادَّرِكه بِفَضْلَةٍ … من الحلْمِ وليُصْلِحْهُ مَنْ جَادَ مِقْوَلا يعني: وإن وقع في نسيجه خرق؛ والمقول: اللسان. ٧٩ - وقُلْ صَادِقَاً لولا الوِئامُ ورُوُحُه … لَطَاحَ الأنامُ الكلُّ في الخُلْفِ والقِلا يقال: «لولا اللوام لهلك الأنام» (١)؛ واللوام الموافقة، وآمه: إذا صنع مثل ما صنع، و (القِلا): البغض، يقال: أَقْلَيْتُهُ أَقْلِيه قِلاً، ومَقْيلَة، قال الله تعالى: ﴿ما ودَّعَكَ ربُّكَ وما قَلَى﴾ (٢) وقال ذو الأصبع (٣): ................... … مختلفانِ فَأَقْلِيه ويَقْلِيني ٨٠ - وَعِشْ سَالماً صَدْرَاً وعَنْ غِيبَةٍ فَغِبْ … تُحَضَّرْ حِظَارَ القُدْسِ أَنْقَى مُغْسَّلا سلامة الصدر يجمع أنواع الخير إذ ينتفي معها كل خلق مذموم كالكبر، والبغي والحسد، والغيبة، وغير ذلك، قال الله تعالى: ﴿إلا من أتى الله بقلبٍ سَلِيم﴾ (٤).

стр. 238

وقوله: «فغب» أي: لا تحضر مع المغتابين، ولا ترافقهم ولا تصغ (١) إليهم فتكون في حكم الغائب. فقد قال رسول الله ﷺ : «مامن امرئٍ يخذِلُ امرأً مسلماً في موضع تُنْتَهك فيه حرمتُه ويُنْتَقَص فيه من عِرضِه إلا خَذَله الله في موطنٍ يحب فيه نصرته، وما من امرئ يَنْصُر مُسْلِمَاً في موضع يُنْتَقص فيه من عِرْضِه ويُنْتهك فيه من حُرْمته إلا نَصَره اللهُ في موطنٍ يحبُّ فيه نصرتَه» (٢) وقال ﷺ : «من ردَّ عن عِرْضِ أخيه ردَّ اللهُ عن وجهه النَّارَ يومَ القيامة» (٣) والحظار ماحظرته على غنم أو غيرها بأغصان الشجر وغيرها هذا أصله، وحظيرة القدس: ما حوله وأنقى يريد نقياً، مغسلاً على الحال. ٨١ - وَهَذَا زَمَانُ الصَّبِرِ مَنْ لَكَ بِالتِّي … كَقَبْضٍ عَلَى جَمْرٍ فَتَنْجُو مِنَ البَلا «من لك بالتي» أي: بالحالة أو العزمة التي كقبضٍ على جمر، وأراد ما جاء في الحديث: من ذكر الزمان الذي نعته حتى قال: «/ فالقابضُ على دينه فيه، كالقابض على الجمر» (٤) ومعناه: أنه يظهر فيه المنكر، ويُنْكَر المعروف فيؤذَى من تمسك بالحق أو أمر به فهو كالقابض على الجمر، وهو حينئذ غريب، كما قال رسول ﷺ :

стр. 239

«إنَّ الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطُوبى للغرباء قيل: من الغرباء، قال: النزَّاعُ من القبائل» (١). وفي جامع الترمزي: «فطوبى للغرباء الذين يُصْلِحُون ما أفسدَ الناس من بعدي من سنتي» (٢) فلما رأى ذلك واقعاً قال: وهذا زمان الصبر، يعني: المذكور في الحديث. وقد قال رسول ﷺ عن ربه : «إنَّ أغبطَ أوليائي عندي لمؤمنٌ خفيفُ الحاذِ ذو حظٍّ من الصلاةِ أحسنَ عبادةَ ربهِ وأطَاعَه في السِّر، وكان غامِضاً في الناس لا يُشَارُ إليه بالأصابعِ، وكان رِزْقُه كَفَافاً، فصبَر على ذلك ثم نَفَضَ بيده، فَقَال عُجِّلَتْ منيته قلَّت بواكيه قلّ تُراثه» (٣) فهذا أيضاً كالقابض على الجمر في هذا الزمان، لقلَّة مَنْ يعينه على ما تصدّى له ولمدافعته للصوادّ عن ذلك.

стр. 240

٨٢ - وَلَوْ أَنَّ عَيْنَاً سَاعَدَت لتَوَكَّفَتْ … سَحَائِبُهَا بالدَّمْعِ دِيماً وهُطَّلا أي: ساعدت على البكاء، يقال: وكَفَ البيتُ وَكْفَاً، إذا قطر، والديمة: المطر الدائم، وقيل: أقلُّه مطرُ يومٍ وليلةٍ، وفي الحديث: «كان عملُه ﷺ دِيمةً» (١). [يقال في جمعه دِيَماً] (٢) وقد ذكر أبو عبيد: جيزة وجيز (٣)، وقيل: إنما جيز جمع الجمع، وإنما يقال جيزة (٤) ثم جيز، وهو منصوب على الحال أي: ماطرةً مُشبهةً ديمةً. ٨٣ - ولَكنَّهَا عَنْ قَسْوَةِ القَلْبِ قَحْطُهَا … فَيَا ضَيْعَةَ الأَعْمَارِ تَمْشِي سَبَهْللا قال النبي ﷺ : «أربعةٌ من الشقاء: جمودُ العين، وقساءُ القلب، وطولُ الأمل، والحرصُ على الدنيا» (٥) وروى عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تُكْثِرُوا الكلامَ بغير ذكرِ الله فتقسُو قلوبُكم، فإنَّ كثرةَ الكلامِ بغير ذكرِ اللهِ قسوةٌ للقلبِ، وإنَّ أبعدَ النَّاسِ من الله تعالى القلبُ القاسي» (٦). وقيل لبعض الصالحين: بماذا يستعان على البكاء، فقال: بترك ما يبكى منه.

стр. 241

وقال إبراهيم الألبيري ﵀ في المعنى: وأرى شؤون العين تمسك ماءها … ولقبل ما حكت السحاب الوكفا وإخال ذاك لفترة عرضت لها … أو قسوة في القلب أشبهت الصَّفا ولقل لي طول البكاء لهفوتي … ولربما شفع البكاء لمن هفا ومعنى «تمشي سبهللا»: أي تذهب ضائعةً ٠، قال الكسائي: السبهلل: الذي لاشيء معه ويروى عن عمر ﵁ أنه قال: إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا يعني: لا في عمل دنيا ولا آخرة. ٨٤ - بِنَفْسِي مَنْ اسْتَهدَى إلى اللهِ وحْدَهُ … وكانَ لَهُ القُرْآنُ شِرْباً ومَغْسِلا أراد أفدي بنفسي، أو من استهدى مَفْدِيٌّ، أو المفدِيُّ بنفسي من استهدى، أو يفدي بنفسي، و «استهدى» طلب الهداية، و «وحده» إن أراد به الله تعالى فمعناه منفرداً في قصده إياه عن الشركاء، يريد مخلصاً فيه بريئاً من الرياء، وإن جعلته للذي استهدى، فهو من معنى البيت الأول، كأنه طلب الهداية إلى الله تعالى في زمان أعرض فيه أكثر الناس عنها فهو في ذلك وحده أي: [منفرداً] (١) بقصده، لأنه لا يسلك أحد طريقه، ولا يطلب طلبه، وتقول: مررت به وحده، وجاءني وحده، وهذا زيدٌ وحده، تنصب على المصدر، كأنك قلت: أوحده إيحاداً، أي: أفرده إفراداً، فلما أوقعته موقع المصدر نصبته نصبه؛ والشِّرب: النصيب ٠ قال الله تعالى ﴿لَهَا شِرْبٌ ولَكُمْ شِرْبُ يومٍ مَعْلُوم﴾ (٢) أي: إذا اقتسم الناس حظوظهم كان القرآن حظه [يعني شرباً يرتوي ومغسلاً يتطهر به] (٣)

стр. 242

٨٥ - وطَابَتْ عَلَيْهُ أَرْضُهُ فَتَفتَّقَتْ … بِكُلِّ عَبِيرٍ حِيَن أَصْبَحَ مُخْضَلا يريد طابت عليه الأرض التي تحمله لما عنده من النور والانشراح، ولما يثني عليه أهلها به من الثناء الذي يشبه العبير/ طيباً، والعبير: قيل: الزعفران، وقيل: أخلاط من الطيب، لما أصبح مخضلا: أي متبتلاً بما أفاض الله عليه من رحمته، لأنه لما جعل القرآن له مغسلاً حسن أن يقول: مخضلا، أو طابت عليه أرض الله، أو أرض القرآن جعله لكثرة تلاوته وتدبيره كالسالك في أرض قد تفتقت بأنواع الطيب لكثرة الفوائد الحاصلة بالتدبر ٨٦ - فَطُوبَى لَه والشَّوْقُ يبْعثُ هَمَّهُ … وَزَنْدُ الأَسَى يَهْتَاجُ في القَلْبِ مُشْعِلا الواو في «والشوق» واو الحال، والزَّنْد الذي يقدح به وهو الأعلى، والسفلى زندةً، و «الأسى» مِنْ أَسَيْت على الشيء أسفت عليه، و «يهتاج» ينبعث، و «مشعلا» منصوبٌ على الحال. ٨٧ - هو المجتَبى يَغْدُوعلى النَّاسِ كُلِّهم … قَرِيبَاً غَرِيبَاً مُسْتَمَالاً مُؤَمَّلا «المجتبى»: المختار لأنَّ الله تعالى اختاره لما يسر له من فهم كتابه وتدبُّره، والعمل بما فيه قريباً بتواضعه، غريباً في طريقته ومذهبه (١)، مُستمالاً بتودد الناس إليه، وحبهم له، وتلطفهم به، مؤمِّلاً عند نزول الشدائد يرجى أن يزيل الله تعالى بدعائه ما نزل من بلائه. ٨٨ - يَعُدُّ جميعَ النَّاسِ مَوْلىً لأنَّهم … عَلَى ما قَضَاهُ اللهُ يُجْرُونَ أَفْعُلا «مولى» أي: عبد الله، أي: لا يرى لأحدٍ نفعاً ولا ضراً ولا ينسب

стр. 243

إليه ما أولاه من خير مع الإعراض عن المحرك له والمقدر لذلك على يده سبحانه، ولا يذمه على ما رماه به من شر، أو على منع، أو «مولىً» بمعنى سيد فيتواضع لهم، ولا يحتقر أحداً مِنْ خلق الله عاصياً كان أو مطيعاً؛ لأنهم في ذلك يَجْرون على سابق القضاء والقدر. ٨٩ - يَرَى نَفسَه بالذَّمِّ أَوْلَى لأنَّهَا … عَلَى المَجْدِ لم تَلْعَقْ مِنَ الصّبْرِ والأَلا أي: يرى نفسه بالذمِّ أولى مِنْ ذَمِّهم لكثرة نظره في عيوبه، واشتغاله بها، ومعرفته بتقصيره، وقوله: «على المجد» أي: على تحصيله، وفي معناه قيل: لا تحسَب المَجْدَ تَمْرَاً أنتَ آَكِلُه … لَنْ تَبْلُغَ المجدَ حتى تلْعَقَ الصَّبِرَا (١) ولو قال: «لم تصبر على الصبر والألا» لكان أحسن لأنَّ الألا لايلعق، وهو نبت يشبه الشيح رائحةً وطعماً، ولا يُسْتَطعم لَعْقُه، وإنما يستطعم الصبر عليه مع عدمه، وقوله: «من الصبر» أي: من مثل الصبر، وواحدة الألا ألاة. قال الشاعر (٢): فَخَرَّ عَلى الألاءة لم يُوسَّدْ … كأنَّ جبينَه سِيفٌ صَقيلُ وقد روى مسلم أنَّ رسول الله ﷺ سئل «أيُّ العمل أحبُّ إلى الله ؟ فقال: أحبُّ العمل إلى الله أدومه وإن قَلَّ» (٣) وقال محمد بن بشير:

стр. 244

اصْبِر عَلَى مَضضِ الإدلاجِ في السَّحَرِ … وللرَّوَاحِ على الحاجاتِ والبِكرِ لا تضجَرَنَّ ولا يعجزك مطلبها … فالنُّجْحُ يذهب بين العجز والضجر إني وجدت وفي الأيام تجربةٌ … للصبر عاقبةً محمودةَ الأثر وقلَّ مَنْ جَدَّ في أمرٍ يطالبه … واستصحب الصبَر إلا فاز بالظفر المضض: حرقة ألم الكدِّ والتعب. ٩٠ - وقَدْ قِيلَ كُنْ كَالكَلْبِ يُقصِيه أهْلُهُ … ومايأتَلِي في نُصْحِهِمْ مُتَبَذِّلا أوصى بعض الحكماء رجلاً فقال: انصح لله كما ينصح الكلب لأهله، فإنهم يُجيعونه ويضربونه ويأبى إلا أن يحوطهم نصحاً. «وما يأتلي»: ما يقصِّر، مِنْ قولهم ما يألو جهداً، و «متبذِّلاً» منصوب على الحال. ٩١ - لَعَلَّ إِلَهَ العَرْشِ يا إِخْوَتِي يَقِي … جماعتَنَا كلَّ المكَارِه هُوَّلا يقول: لعل الله يقينا إن قبلنا هذه الوصية هول المطلع، وهول جمع هائل، وقد ذكرت معناه، وهو منصوبٌ على الحال أي: مفزعة في حال هولها. ٩٢ - ويجعَلُنَا مِمَّنْ يَكُونُ كِتَابُهُ … شَفِيعَاً لهم إِذَا مَا نَسُوه فيَمْحَلا يقال: محل به: إذا وشى به، فهو ماحل، وفي الدعاء، ولا تجعل القرآن بنا ماحلاً أي: ذاكراً لما أسلفناه من المساوئ في صحبته. ٩٣ - وبِاللهِ حَوْلي واعْتِصَامِي وقُوَّتِي … ومَاليَ إلا سِتْرُهُ مُتَجَلِّلا الاعتصام بالله: الامتناع به من الشرِّ وعَصَمَه الله أي: دَفَع الشرَّ عنه، وفي الحديث: «لا حول ولا قوة إلا بالله كنزٌ من كنوز الجنة» (١)

стр. 245

وفيه عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: «كنت عند رسول ﷺ فسمعني وأنا أقول: لاحول ولا قوة إلا بالله، فقال: هل تدري ما تفسيرها؟ قلت: الله ورسوله أعلم، فقال: لاحول عن معاصي الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بالله بذلك أخبرني جبريل عن الله » (١) والحَوْلُ على هذا مصدر حال إلى مكان كذا إذا تحوَّل، وقال ابن الأنباري (٢): «الحول معناه عند العرب الحيلة؛ وكذلك المحالة والاحتيال والمحال» فيكون معناه: لا حيلَة للعبد في دفع الشرِّ ولا قوةَ له على درك الخير إلا بالله. ومعناه: التبرؤ من حول نفسه وقوته، والانقطاع إلى الله في جميع الأمور وقيل: هو مأخوذ مِنْ حَالَ يَحُول إذا تحرَّك يريد: لا حركة إلا بالله، و «متجللاً» منصوب على الحال. ٩٤ - فَيَارَبِّ أنتَ اللهُ حَسْبي وعُدَّتِي … عَلَيْكَ اعْتِمَادِي ضَارِعَاً مُتَوَكِّلا حسبي أي: مُحْسِبي، والمُحْسِب: الكافي، يقال أحسبه الشيء إذا كفاه، والعُدَّة: ما يُعَدُّ للحوادث، واعتمدت على العِمَاد أعتمد اعتماداً، والشيء معتمد، والضارع: الذليل، والمتوكل: المُظْهِرُ للعجز معتمداً عليه، وإنما نظم في هذين البيتين لاحول ولا قوة إلا بالله حسبي الله ونعم الوكيل.

стр. 246

باب الاستعاذة ١ - إِذَا مَا أَرَدْتَ الدَّهْرَ تَقْرَأُ فَاسْتَعِذْ … جِهَارَاً مِنْ الشَّيْطَانِ بِاللهِ مُسْجَلا الاستعاذة: استدعاءٌ بعصمة الله ومَنْعِه، إذ التعوُّذ: الالتجاء إليه، والاعتصام به. وقوله: «إذا ما أردت» تنبيهٌ على معنى قوله : ﴿وإِذَا قَرَأْتَ القُرْآن﴾ (١)؛ فإنَّ معناه: وإذا أردت قراءة القرآن، وهو كقولك: إذا أكلت فسمِّ الله أي: إذا أردت الأكل. وقد تمسك قوم بظاهره فذهبوا إلى الاستعاذة بعد القراءة، وليس ذلك معناه، وإنما هو استغناء بالفعل عن ذكر الإرادة لشدَّة اتصاله بها، ولكونه موجوداً عنها، وقوله: «جهاراً» هو المختار لسائر القرّاء. والمُسْجَل: المطلق أي: مطلقاً لجميع القراء في جميع القرآن. ٢ - عَلَى مَا أَتَى فِي النَّحْلِ يُسْرَاً وَإِنْ … تَزِدْ لِرَبِّكَ تَنْزِيهَاً فَلَسْتَ مُجَهَّلا أي: على اللفظ الذي أتى في النحل، أي: فقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومعنى «يسراً» أي: ميسَّراً، والميسَّر السهل، فهو في موضع الحال وزيادة التنزيه أن تقول: أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، أو أعوذ بالله السميع العليم ونحو ذلك. ٣ - وقَدْ ذَكَرُوا لَفْظَ الرَّسُولِ فَلَمْ يَزِدْ … وَلَوْ صَحَّ هَذَا النَّقْلُ لَم يُبْقِ مُجْمَلا هو ما رُوي عن ابن مسعود أنه قال: «قرأتُ على رسول الله ﷺ ، فقلت: أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان

стр. 247

الرجيم، هكذا أقرأنيه جبريل عن اللوح المحفوظ» (١)، وفي بعض الطرق «هكذا أخذتها عن جبريل عن ميكائيل، عن اللوح المحفوظ». وروى نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي ﷺ أنه كان يقول قبل القراءة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (٢)، ولو صح هذا النقل لارتفع الإجمال ولَتَقيد به إطلاق الآية ولكنه المختار لموافقة لفظ الآية، ولورد الحديث على الجملة، وأصل أعوذ، أعْوُذ فاستثقلت الضمة على الواو، فنقلت إلى العين. ٣ - وفِيهِ مَقَالٌ فِي الأُصُولِ فُرُوعُهُ … فَلا تَعْدُ مِنْهَا بَاسِقَاً وَمُظَلِّلا يعني أصول الفقه، وأصول القراءات، أما أصول الفقه ففيها فروع ذلك المقال أي: ما تشعَّب منه، وذلك أنَّ القرَّاء يقولون اتِّباعاً لنصِّ الكتاب، فلا بد من معرفة النص والظاهر. وهل هذا الأمر على الوجوب أم لا؟ وأما أصول القراءات ففيها الحديث في استعاذة النبي ﷺ ، ويحتاج إلى معرفة ما قيل في سنده، والباسق: الطويل المرتفع، والمظلل: الساتر بظله من أن تظلل به. ٤ - وَإِخْفَاؤُه فَصْلٌ أَبَاهُ وُعَاتُنَا … وَكَمْ مِنْ فتَىً كَالمَهْدَوِي فِيهِ أَعْمَلا نُقِل إخفاء التعوذ عن حمزة ونافع في قوله: «فصلٌ أباه وعاتنا»، وأشار بظاهر اللفظ إلى ضعف هذا المذهب.

стр. 248

قال الحافظ أبو عمروٍ: وروى المسيبي (١) عن نافعٍ إخفاء الاستعاذة في جميع القرآن، وروى سليم عن حمزة أنه كان يجهر بها في أول أمِّ القرآن، ويخفيها بعد ذلك في جميع القرآن، كذا قال خلف عنه. وقال خلاد: إنه كان يجيز الجهر والإخفاء جميعاً، ولم يذكر في القصيد الجهر بها عن حمزة في رواية خلف عن سليم في أول الفاتحة خاصةً لضعف ذلك، وروى الحلواني عن خلف قال: كنا نقرأ على سليم فنخفي التعوذ ونجهر باسم الله في الحمد خاصة ونخفيهما جميعاً في سائر القرآن (٢) وروى غير الحلواني عن سليم أنه كان يخفيهما جميعاً في ذلك كله. وكذلك لم يذكر التخيير لخلاد عن سليم لأنه لا معوَّلَ عليه، وإنما ذكر مذهب حمزة في الإخفاء، وهو الذي نقله الأئمة ونبَّه على أنه مرغوب عنه عند الوعاة الحذَّاق، والغرض بالإخفاء الفصل بينه وبين البسملة فإنها عنده آية من الفاتحة [ليفصل بين القرآن وغيره، وذكر المهدوي وغيره الإخفاء وأخذوا به في الفاتحة وغيرها] (٣). ورُوي عن نافع أيضاً الإخفاء للفرق كما سبق، ورُوي عنه ترك التعوذ أصلاً إشعاراً بأن الأمر على الندب لا على الوجوب، ولم ينقل المهدوي عن نافع الإخفاء.

стр. 249

باب البسملة ١ - وبَسْمَلَ بَيْنَ السُّورَتينِ بِسُنَّةٍ … رِجَالٌ نمَوْهَا دِرْيةً وتَحَمُّلا البسملة مصدر بَسْمل (١) إذا قال: بسم الله، والتسمية مصدر سَمَّى إذا ذكر الاسم، قال الزجاج: لم تبن العرب من هذا فعلاً، ولم تتكلم به، قال: وقد ذكر بعض النحويين أنه يقال: بسملتُ أُبَسْمِلُ بَسْمَلة، قال: وهذا قاله قياساً، لا سماعاً، قال أبو علي: «يقال هلل إذا قال لا إله إلا الله، أخذ من حروف هذه الكلمات». قال غيره يقال: لا تخبر بما لا ينفعك أي: لا تقل خبراً، واتفق القراء عليها في أول الفاتحة، فابن كثير، وعاصم، والكسائي يعتقدونها آية منها، ومن كل سورة، ووافقهم حمزة على الفاتحة خاصة، والقرآن كله بعد ذلك عنده في حكم السورة الواحدة، وأبو عمرو، وقالون، ومَنْ تابعه مِنْ قرّاء المدينة لا يعتقدونها آية من الفاتحة. و «نموها»: رفعوها يعني: السنة المنقولة لمَنْ سمَّى بين السورتين، وذلك ما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت: اقرؤوا ما في المصحف (٢)؛ وقد ثبتت بين السورتين في المصاحف. وروي عن سعيد بن جبير قال: «كانوا في عهد النبي ﷺ لا يعرفون انقضاء السور حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا نزلت علموا أن

стр. 250

قد انقضت السورة، ونزلت آخراً» (١). وفي رواية أخرى عن سعيد «كان النبي ﷺ لا يعلم انقضاء السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم» (٢) ففيه دليلٌ على أنها قد تكرَّر إنزالها في أول كل سورة فهذه السنة التي نموها دِرْية، والدِّرْية من الدِّراية، كالرِّكبة من الركوب، والجِلْسة من الجلوس. [ودِرْية وتحملاً حال أي: دارين متحملين] (٣). ٢ - ووصْلُكَ بَيْنَ السُّورَتينِ فَصَاحَةٌ … وصِلْ وَاسْكُتَنْ كُلٌّ جَلايَاهُ حَصَّلا فصاحة: لما فيه من تبيين الإعراب، وكيفية الوصل في نحو: ﴿فَحَدِّثْ﴾ (٤)، ﴿ألمْ﴾ (٥)، و ﴿الحَاكِمِين﴾ (٦)، ﴿اِقْرَأْ﴾ (٧)، و ﴿حَامِيَة﴾ (٨) ﴿أَلْهَاكُمْ﴾ (٩). وحجته في الوصل لما قدَّمناه من أنَّ القرآن عنده في حكم سورةٍ واحدةٍ، والجلايا جمع جلية، وهو التخيير، لما رُوي عن أهل الأداء فيه
следующие страницы →