← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 880

شرح الشاطبية فتح الوصيد في شرح القصيد - ت أحمد الزعبي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

باب الاستعاذة ١ - إِذَا مَا أَرَدْتَ الدَّهْرَ تَقْرَأُ فَاسْتَعِذْ … جِهَارَاً مِنْ الشَّيْطَانِ بِاللهِ مُسْجَلا الاستعاذة: استدعاءٌ بعصمة الله ومَنْعِه، إذ التعوُّذ: الالتجاء إليه، والاعتصام به. وقوله: «إذا ما أردت» تنبيهٌ على معنى قوله : ﴿وإِذَا قَرَأْتَ القُرْآن﴾ (١)؛ فإنَّ معناه: وإذا أردت قراءة القرآن، وهو كقولك: إذا أكلت فسمِّ الله أي: إذا أردت الأكل. وقد تمسك قوم بظاهره فذهبوا إلى الاستعاذة بعد القراءة، وليس ذلك معناه، وإنما هو استغناء بالفعل عن ذكر الإرادة لشدَّة اتصاله بها، ولكونه موجوداً عنها، وقوله: «جهاراً» هو المختار لسائر القرّاء. والمُسْجَل: المطلق أي: مطلقاً لجميع القراء في جميع القرآن. ٢ - عَلَى مَا أَتَى فِي النَّحْلِ يُسْرَاً وَإِنْ … تَزِدْ لِرَبِّكَ تَنْزِيهَاً فَلَسْتَ مُجَهَّلا أي: على اللفظ الذي أتى في النحل، أي: فقل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومعنى «يسراً» أي: ميسَّراً، والميسَّر السهل، فهو في موضع الحال وزيادة التنزيه أن تقول: أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم، أو أعوذ بالله السميع العليم ونحو ذلك. ٣ - وقَدْ ذَكَرُوا لَفْظَ الرَّسُولِ فَلَمْ يَزِدْ … وَلَوْ صَحَّ هَذَا النَّقْلُ لَم يُبْقِ مُجْمَلا هو ما رُوي عن ابن مسعود أنه قال: «قرأتُ على رسول الله ﷺ ، فقلت: أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي: قل: أعوذ بالله من الشيطان

стр. 247

الرجيم، هكذا أقرأنيه جبريل عن اللوح المحفوظ» (١)، وفي بعض الطرق «هكذا أخذتها عن جبريل عن ميكائيل، عن اللوح المحفوظ». وروى نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه عن النبي ﷺ أنه كان يقول قبل القراءة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» (٢)، ولو صح هذا النقل لارتفع الإجمال ولَتَقيد به إطلاق الآية ولكنه المختار لموافقة لفظ الآية، ولورد الحديث على الجملة، وأصل أعوذ، أعْوُذ فاستثقلت الضمة على الواو، فنقلت إلى العين. ٣ - وفِيهِ مَقَالٌ فِي الأُصُولِ فُرُوعُهُ … فَلا تَعْدُ مِنْهَا بَاسِقَاً وَمُظَلِّلا يعني أصول الفقه، وأصول القراءات، أما أصول الفقه ففيها فروع ذلك المقال أي: ما تشعَّب منه، وذلك أنَّ القرَّاء يقولون اتِّباعاً لنصِّ الكتاب، فلا بد من معرفة النص والظاهر. وهل هذا الأمر على الوجوب أم لا؟ وأما أصول القراءات ففيها الحديث في استعاذة النبي ﷺ ، ويحتاج إلى معرفة ما قيل في سنده، والباسق: الطويل المرتفع، والمظلل: الساتر بظله من أن تظلل به. ٤ - وَإِخْفَاؤُه فَصْلٌ أَبَاهُ وُعَاتُنَا … وَكَمْ مِنْ فتَىً كَالمَهْدَوِي فِيهِ أَعْمَلا نُقِل إخفاء التعوذ عن حمزة ونافع في قوله: «فصلٌ أباه وعاتنا»، وأشار بظاهر اللفظ إلى ضعف هذا المذهب.

стр. 248

قال الحافظ أبو عمروٍ: وروى المسيبي (١) عن نافعٍ إخفاء الاستعاذة في جميع القرآن، وروى سليم عن حمزة أنه كان يجهر بها في أول أمِّ القرآن، ويخفيها بعد ذلك في جميع القرآن، كذا قال خلف عنه. وقال خلاد: إنه كان يجيز الجهر والإخفاء جميعاً، ولم يذكر في القصيد الجهر بها عن حمزة في رواية خلف عن سليم في أول الفاتحة خاصةً لضعف ذلك، وروى الحلواني عن خلف قال: كنا نقرأ على سليم فنخفي التعوذ ونجهر باسم الله في الحمد خاصة ونخفيهما جميعاً في سائر القرآن (٢) وروى غير الحلواني عن سليم أنه كان يخفيهما جميعاً في ذلك كله. وكذلك لم يذكر التخيير لخلاد عن سليم لأنه لا معوَّلَ عليه، وإنما ذكر مذهب حمزة في الإخفاء، وهو الذي نقله الأئمة ونبَّه على أنه مرغوب عنه عند الوعاة الحذَّاق، والغرض بالإخفاء الفصل بينه وبين البسملة فإنها عنده آية من الفاتحة [ليفصل بين القرآن وغيره، وذكر المهدوي وغيره الإخفاء وأخذوا به في الفاتحة وغيرها] (٣). ورُوي عن نافع أيضاً الإخفاء للفرق كما سبق، ورُوي عنه ترك التعوذ أصلاً إشعاراً بأن الأمر على الندب لا على الوجوب، ولم ينقل المهدوي عن نافع الإخفاء.

стр. 249

باب البسملة ١ - وبَسْمَلَ بَيْنَ السُّورَتينِ بِسُنَّةٍ … رِجَالٌ نمَوْهَا دِرْيةً وتَحَمُّلا البسملة مصدر بَسْمل (١) إذا قال: بسم الله، والتسمية مصدر سَمَّى إذا ذكر الاسم، قال الزجاج: لم تبن العرب من هذا فعلاً، ولم تتكلم به، قال: وقد ذكر بعض النحويين أنه يقال: بسملتُ أُبَسْمِلُ بَسْمَلة، قال: وهذا قاله قياساً، لا سماعاً، قال أبو علي: «يقال هلل إذا قال لا إله إلا الله، أخذ من حروف هذه الكلمات». قال غيره يقال: لا تخبر بما لا ينفعك أي: لا تقل خبراً، واتفق القراء عليها في أول الفاتحة، فابن كثير، وعاصم، والكسائي يعتقدونها آية منها، ومن كل سورة، ووافقهم حمزة على الفاتحة خاصة، والقرآن كله بعد ذلك عنده في حكم السورة الواحدة، وأبو عمرو، وقالون، ومَنْ تابعه مِنْ قرّاء المدينة لا يعتقدونها آية من الفاتحة. و «نموها»: رفعوها يعني: السنة المنقولة لمَنْ سمَّى بين السورتين، وذلك ما رُوي عن عائشة ﵂ أنها قالت: اقرؤوا ما في المصحف (٢)؛ وقد ثبتت بين السورتين في المصاحف. وروي عن سعيد بن جبير قال: «كانوا في عهد النبي ﷺ لا يعرفون انقضاء السور حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا نزلت علموا أن

стр. 250

قد انقضت السورة، ونزلت آخراً» (١). وفي رواية أخرى عن سعيد «كان النبي ﷺ لا يعلم انقضاء السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم» (٢) ففيه دليلٌ على أنها قد تكرَّر إنزالها في أول كل سورة فهذه السنة التي نموها دِرْية، والدِّرْية من الدِّراية، كالرِّكبة من الركوب، والجِلْسة من الجلوس. [ودِرْية وتحملاً حال أي: دارين متحملين] (٣). ٢ - ووصْلُكَ بَيْنَ السُّورَتينِ فَصَاحَةٌ … وصِلْ وَاسْكُتَنْ كُلٌّ جَلايَاهُ حَصَّلا فصاحة: لما فيه من تبيين الإعراب، وكيفية الوصل في نحو: ﴿فَحَدِّثْ﴾ (٤)، ﴿ألمْ﴾ (٥)، و ﴿الحَاكِمِين﴾ (٦)، ﴿اِقْرَأْ﴾ (٧)، و ﴿حَامِيَة﴾ (٨) ﴿أَلْهَاكُمْ﴾ (٩). وحجته في الوصل لما قدَّمناه من أنَّ القرآن عنده في حكم سورةٍ واحدةٍ، والجلايا جمع جلية، وهو التخيير، لما رُوي عن أهل الأداء فيه

стр. 251

٢٣/ أ أما ابن مجاهد، فرُوي عنه الوصل لحمزة لمن ترك التسمية، ورُوي عن غير ابن مجاهد أيضاً للعلة التي قدمتها لحمزة، وأما السكت/ فعليه أكثر أهل الأداء؛ والجلاء المتصدرين، وهو مروي أيضاً عن ابن مجاهد، ووجهه أنه عوض من الفصل لما فيه من الإشعار بالانقضاء والابتداء. ٣ - ولا نَصَّ كَلاَّ حُبَّ وجهٌ ذَكَرْتُهُ … وفِيهَا خِلافٌ جِيدُهُ واضِحُ الطُّلا يعني أنه لا نصَّ في ذلك عن ابن عامرٍ وأبي عمروٍ، ولكنه وجه مستحبٌ من الشيوخ يعني: التخيير من غير تحديد، وهذا قول ابن غلبون، وقول الحافظ أبي عمروٍ ﵀ في مصنفاته وغيرهما. قال ابن غلبون: لم تأت عنهما روايةٌ منصوصةٌ بفصلٍ ولا بغير فصلٍ والمأخوذ في قراءتهما بغير فصلٍ وبه قرأت، ونقل أبو طاهر بن أبي هاشم عن أبي عمرو الوصل بينهما كحمزة، قال: ولم يأتنا عن ابن عامر في هذا شيء، وقد ذكر المهدوي وغيره عن أبي عمروٍ الفصل بالتسمية، والوصل مثل حمزة، والسكت، يقال: حَبَبَتُ وأَحْبَبْتُ، قال الشاعر: وأُقْسِمُ لولا تَمْرُهُ مَاحَبَبْتُه … [ولا كان أدنى مِنْ عُبَيْدٍ ومُشْرِقِ] (١) والخلاف المشار إليه عن ورش أنَّ أبا غانم المظفر بن أحمد بن حمدان المقرئ، كان يأخذ بالتسمية بين السورتين لورش في جميع القرآن، وتابعه على ذلك الآخذون عنه كالأُذفوي محمد بن أحمد وغيره.

стр. 252

قال الحافظ أبو عمرو: وسائر المصريين المحققين على خلاف ذلك يعني في رواية أبي يعقوب عن ورش؛ وقد روى غير أبي يعقوب التسمية عن ورشٍ، وقد نقل ابن غلبون الفصل منصوصاً عن ورش. [والطلا جمع طِلْيَة، وهي صفحة، وهذامثل للأمر الواضح كما سبق في قوله: «جيداً معماً ومخولا»] (١) ٤ - وسَكْتُهُمُ المُخْتَارُ دُونَ تَنَفُّسٍ … وبَعْضُهُمْ فِي الأَرْبَعِ الزُّهْرِ بَسْمَلا ٥ - لَهُمْ دُونَ نَصٍّ وَهُوَ فِيهِنَّ سَاكِتٌ … لحمزَةَ فَافْهمه ولَيْسَ مخذِّلا إنما اختار أهل الأداء لمن ترك التسمية تقليل السكت من غير تنفسٍ، لأنّ ذلك يكفي في الإشعار بانقضاء السورة وفي العوض من الفصل [، ولأنه إذا طال السكت صار مبتدأً بالسورة فتلزمه التسمية] (٢)، وفي الأربع الزهر يعني في القيامة والمطففين، والبلد، والهمزة. قال الحافظ أبو عمروٍ ﵀: اختلف علينا شيوخنا فيهن فقرأت على ابن خاقان، وابن غلبون بالتسمية بينهن، وحكيا لي ذلك عن قراءتهما، [وقرأت على أبي الفتح الضرير بترك التسمية كسائر القرآن، وحكى ذلك أيضاً عن قراءته] (٣). قال أبو عمروٍ: وأنا لا آمر بذلك، ولا أنهى عنه، وإنما ذلك استحبابٌ من الشيوخ لئلا يأتوا بعد المغفرة بلا، وبعد اسم الله تعالى بأول المطففين، والذي كره من ذلك لازم مع التسمية.

стр. 253

«وليس مخذَّلا» يعني هذا المذهب واختار ابن غلبون أيضاً [لجميع القراء] (١) وصل براءة بالأنفال [ولمن لم يبسمل وصل] (٢) الذين كفروا بالأحقاف والرحمن بآخر اقتربت، والحديد بالواقعة، وسورة قريش بآخر الفيل ٦ - وَمَهْمَا تَصِلْهَا أَوْ بَدأْتَ بَرَاءَةً … لِتَنْزِيلِهَا بالسَّيفِ لَسْتَ مُبَسْمِلا لا خلاف بين أئمة أهل القرآن في ترك التسمية أول براءة سواءٌ ابتدأ بها القارئ أو قرأها بعد الأنفال، واختلف في سبب ذلك فقيل: لأنهم لم يتيقنوا أنهما سورتان، وقد سأل ابن عباسٍ عثمان ﵄ عن ذلك فقال: كانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وبراءة من آخر القرآن فكانت قصتها مشبهةً بقصتها، وقُبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، وظننت أنها منها، فمِنْ ثَمَّ قرنت [بينهما] (٣)، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع الطوال (٤)، وقيل: - وهو الأقوى - إنما لم يفعل ذلك لأنها نزلت بالسيف كما رُوي عن ابن عباس قال: سألت علياً ﵄ لِمَ لَمْ تُكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: لأنَّ بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وبراءة ليس فيها أمان نزلت بالسيف، وقال محمد بن يزيد المبرِّد في ذلك: بسم الله عِدة برحمةٍ، وبراءة أنزلت على سخط، ومحل التهديد والوعيد فكيف يعدهم بأنه رحمن رحيم ثم يتبرأ منهم؟

стр. 254

قلت: ولو كان كما قيل أولاً لكان القارئ إذا ابتدأها مخيراً في التسمية كسائر الأجزاء [على أنّ لقائلٍ أن يقول الفرق بينهما وبين الأجزاء أنّ الأجزاء إذا بسمل فيها لم يتوهم ذلك ما توهم في براءة إذا بسمل في أولها من أنها أول سورة فترك لهذا الوهم البسملة في أولها بخلاف سائرالأجزاء] (١) ٧ - ولا بُدَّ مِنْهَا فِي ابْتِدَائِكَ سُورَةً … سِوَاهَا وفي الأجْزَاء خَيَّرَ مَنْ تَلا إن قال قائل: قد أهمل صاحب القصيد ذكر اتفاقهم على التسمية أول الفاتحة، قلت: لم يهمله وهو مذكور في قوله: «ولا بد منها في ابتدائك سورةً سواها» فقد بيَّن أنه لابُدَّ من التسمية مهما ابتدأت سورة، وأنت عند قراءة الفاتحة لاتكون إلا مبتدئاً بها على كل حالٍ، وإنما اتفقوا عليها في ابتداء كل سورة لما جاء في الحديث أنَّ جبريل ﵇ نزل بكلِّ سورةٍ [مُفتَتِحَاً] (٢) بالتسمية، وقد روى أنس عن رسول الله ﷺ قال: «أنزلت عليَّ آنفاً سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر حتى ختمها» (٣). وأما الأجزاء كقوله: ﴿واذْكُرُوا اللهَ﴾ (٤)، و ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ (٥) وشبه ذلك؛ فقد خيَّروا القارئ في ذلك. قال الحافظ أبو عمرو ﵀: وفي التسمية أثر مَرْوِيٌّ عن أهل المدينة، قال القاسم المسيبي: كنا إذا افتتحنا الآية علامشايخنا من بعض السور نبدأ

стр. 255

بسم الله الرحمن الرحيم، وروي نحوه عن حمزة، قال عاصم بن يزيد الأصبهاني: سُئل حمزة عن أصحاب محمدٍ ﵇؛ فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْخَلَتْ﴾ الآية (١). ورُوي عن ابن عباس أنه كان يفتتح القراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وهو عامٌّ في ابتداء السور وأبعاضها، فكان شيخنا ﵀ يأمر بالتسمية في النساء إذا استعاذ القارئ، وابتدأ ﴿اللهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ (٢)، وفي حم السجدة إذا قرأ بعد الاستعاذة ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٣). ٨ - ومَهْمَا تَصِلْهَا مَعَ آوَاخِرِ سُورَةٍ … فَلا تَقِفَنَّ الدَّهْرَ فِيها فَتَثْقُلا اختيار الأئمة لمن يفصل بين التسمية أن يقف القارئ على أواخر السور ثم يبتدئ بالتسمية موصولةً بأول السورة، ولا يقطع على التسمية البتة إذا وصلها بآخر سورة [لأنَّ التسمية] (٤) للمستأنفة لا للسالفة، فإذا لم يصلها بآخر سورةٍ جاز أن يسكت عليها، والأول أولى لما ذكرته. وقوله: «فتثقلا» منصوبٌ على الجواب بالفاء [بالنهي] (٥)

стр. 256

سورة أم القرآن ١ - ومَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ رَاوِيهِ نَاصِرٌ. .. وعِنْدَ سِرَاطٍ والسِّرَاطِ لقُنْبُلا ٢ - بِحَيْثُ أتَى والصَّادَ زَايَاً أَشِمَّهَا … لَدَى خَلَفٍ وَاشْمِمْ لخلادِ الاوَّلا اعلمْ أنّ الغرض بذكر حجج القرّاء إبداء وجه القراءة في العربية [«بحيث أتى»: تلا، ومالك يوم الدين وما بينهما بعد بحيث] (١) لا يقصد إحدى (٢) القراءتين وتزييف الأخرى لأنَّ الكل ثابت صحيح متفق على صحته بخلاف الخلاف في مسائل الفقه، ومَنْ ظَنَّ غير هذا فقد اعتقد خلاف الحق. والقراءة سُنَّةٌ لارأي وهي كلها وإن كانت عن السبعة مروية متواترة لا يقدح في تواترها نقلها عنهم، لأنّ المتواتر إذا أسند من طريق الآحاد لا يقدح ذلك في تواتره، كما لو قلت: أخبرني فلان عن فلان أنه رأى مدينة سمر قند، وقد علم وجودها بطريق التواترلم يقدح ذلك فيما سبق من العلم منها، ونحن نقول: إنّ قراءة السبعةكلها متواترة، وقد وقع الوفاق على أنَّ المكتوبة في المصاحف الأئمة متواتر الكلمات والحروف. فإذا نازعنا أحدٌ بعد ذلك في تواتر القراءة المنسوبة إلى السبعة فرضنا الكلام في بعض السور فقلنا: ما تقول في قراءة ابن كثير مثلاً في سورة التوبة ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ (٣) بزيادة (من)، وقراءة غيره ﴿تَجْرِي تَحْتَهَا﴾،

стр. 257

وفي قوله تعالى: ﴿يَقُصُّ الحَقَّ﴾ (١)، و ﴿يَقْضِ الحَقَّ﴾ أهما متواترتان؟ فإن قال: نعم فهو الغرض، وإن نفى تواترهما خرق الإجماع المنعقد على ثبوتهما، وباهت فيما هو معلوم منهما، وإن قال: بتواتر بعض دون بعض تحكّم فيما ليس له؛ لأنّ ثبوتهما على سواء فلزم التواتر في قراءة السبعة، فأما ما عداها فغير ثابتٍ تواتراً ولاتجوز القراءة به في الصلاة، ولا في غيرها ولا يكفر جاحده وإن جاء من طريق موثوق به التحق بسائر الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ ، فإن تضمَّن حكماً ثابتاً لزم العمل به وإلا فلا، وربما كان مما نُسخ لفظه، وما نُسِخ لفظه لا تجوز القراءة به مع أن الاجتراء على جحده غير جائز لأنَّ علمه (٢) موكول إلى الله ،/ إذ قد أسند طريق العلم به، ولا يجوز أن نثبت ما لم يعلم صحته بكونه من عند الله قرآناً، لعل ذلك تقوُّلٌ على الله تعالى وكذِبٌ فيدخل في قوله تعالى: ﴿ويَقُولُونَ عَلَى الله الكَذِبَ وهُم يَعْلَمُون﴾ (٣). وقد ظنَّ مَنْ لا معرفةَ له ومَنْ لم يمعن النظر من الفقهاء أنّ قراءة السبعة يكتفى منها بواحدة، وهو غلطٌ قبيحٌ بل تعلُّم السبعة فرض من فروض الكفاية، ومتى اتفق على ترك واحدة منها وقع الإثم حتى يقوم بها قائم، لأنها أبعاض القرآن وأجزاؤه كما بينت، ولا بد أن تتلى على وجهٍ منها وتعلم القرآن فرض كفاية.

стр. 258

ولو قيل لهذا الغالط: أيُّ رواية يكتفى بها ويترك ما سواها، وما من رواية إلا وقد ساوت أختها في الصحة وفي شدة الاحتياج إليها وتضمَّنت مالم تتضمن الأخرى فتركها تضييعٌ للقرآن وإهمال له، حتى ينسى ويرفع. فإن قال: يكتفى كل واحدٍ في خاصة نفسه بأيها شاء؛ فقد نقض ما قاله واعترف بأنه لابد من ثبوتها والتوفر على نقلها لتعلمها لتكون محفوظةً على الناس فيختار المختار منها ما شاء، وكيف يستجيز هذا القائل أن يسعى فيما ثبت متواتراً من القرآن ليبطل أكثره ويطرحه ويجترئ ببعضه ويدع غيره لا يقرأ ولا ينقل حتى يلتحق بالشاذ والغريب، وهذا محظور لا يجوز وهو محاربة لله ولرسوله، وسعيٌ في تضييع كتابه، وقد قال الشافعي ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِرُءوسِكُمْ﴾ (١): [إنه قرأ بنصب أرجلكم قوم وبالخفض قوم] (٢) آخرون يعني: غسل الرجلين ومسح الخفين، فانظر كيف أثبت القراءتين وأثبت الحكمين منهما، وهذا هو الذي فهم من قوله ﵇: «هكذا أُنزلت … هكذا أُنزلت» (٣). ومعنى «روايه ناصر»: أي ناصر: لما رواه إذا استبعده جاهل فرده، «ومالك يوم الدين» اسم فاعل كقوله: ﴿مَا لِك المُلْكِ﴾ (٤)، ومعناه مالك إحداثه وإيجاده على حذف المضاف، أو مالك الحكم بين عباده يوم الدين، وأضيف اسم الفاعل إلى الظرف على السعة.

стр. 259

[وأمَّا مَنْ أخذ يفضِّل بين القراءتين، فقال: المالك أعم من الملك لأنه يضاف إلى كل متملكٍ من الدواب والثياب وغيرهما بخلاف الملك؛ فغلطٌ لأنَّ القراءتين صحيحتان] (١)، وليس هذا الاحتجاج بصحيح لأنَّ الله تعالى قد وصف نفسه بالمالك والملك فما وجه هذا الترجيح، وليس لأحدٍ أن يقول هذا ولا أن يقول أيضاً ملك أولى من مالك، ويحتج بأنّ كلَّ ملك مالك، وليس كل مالك [ملكاً] (٢)، أو أنّ الملك من نفذ أمره واتسعت قدرته، والمالك ليس إلا الحائز لشيءٍ، فالوصف بالملك أكمل، هذا كله غلط، والكل جائز. وهذا الاحتجاج أيضاً واهٍ في نفسه من جهة أنَّ ذلك إنما يكون لبني آدم فأما الخالق تعالى فهو الملك والمالك، فوصفه بالملك لا يخرجه عن الملك، وملك معدول عن مالك للمبالغة. وقوله: «لقنبلا»، أي: اتبعه مَنْ وَلي هذا، هذا إذا جاء بعده في الرتبة، وهو فعل أمر، وقنبلا مفعول، والصراط أصله السين لأنه من الاستراط وهو الابتلاع كأنه يبتلع سالكيه، وقيل له: لَقْم من ذلك (٣)، وأهل الحجاز يقولون: صراط بالصاد قصد للمجانسة والمشاكلة، لأنَّ السين لا تجانس الطاء والصاد تجانسها أما الطاء فتجانسها في الإطباق والاستعلاء، وأما السين فتجانسها في الصفير والهمس، والمخرج، فعدلوا إليها لهذا التوسط، ومَنْ أشم الصاد زاياً بالغ في طلب المشاكلة لأنها تزيد على الصاد بالجهر الموافق للطاء.

стр. 260

٣ - عَلَيْهِمْ إِلَيْهِمْ حَمْزَةٌ وَلَدَيْهِمُو … جَمِيعَاً بِضَمِّ الهَاءِ وَقْفَاً وَمَوصِلا ضمُّ الهاء في هذه هو الأصل لأنَّ الياء فيها منقلبة عن ألف، والضمة لغة قريش ومن والاهم، واستوى الوقف والوصل كذلك، ولأنَّ الضمَّ فيهم ومنهم وعنهم دليل على أنه الأصل، وإنما كسر الهاء من كسر لمجاورة الياء أو الكسرة، لأنَّ الهاء تشابه الألف في الضعف والخفاء، كما كانت الألف تمال لمجاورتهما فكذلك الهاء التي شابهتها تكسر لشبه الكسر بالإمالة، ولهذا أجمعوا على الضم في ما سوى ذلك. ٤ - وصِلْ ضَمَّ مِيمِ الجَمْعِ قَبْلَ مُحَرَّكٍ … دِرَاكَاً وَقَالُونٌ بِتَخْييرِهِ جَلا «دراكاً» متابعة، و «جلا» كشف لأنه نبَّه بالتخيير على ثبوت القراءتين، والأصل في هذه الميم الصلة بدليل (أنلزمكموها)، ولأنَّ الواو في عليهمو كالألف في عليهما، لأنَّ التثنية والجمع يجريان في الزيادة مجرى واحداً، فمن حذف فللإ يجاز والخفة لكثرة ذلك في الكلام،/ ولأنَّ ميم الجمع ناب مناب أشياء ظاهرة غائبة [وحاضرة] (١)، ولَمَّا لم يكن في العربية اسم في آخره واوٌ قبلها ضمة حذفها من حذفها لذلك، وأسكنت مبالغة في إزالة ما حذف لأنَّ بقاء الضمة دليلٌ عليه، ولأنه يؤدِّي إلى ما يتحامونه في الكلام من اجتماع خمس حركات نحو رسلهم وشبهه. ٥ - وَمِنْ قَبْلِ هَمْزِ القَطْعِ صِلْهَا لِوَرْشِهِمْ … وَأَسْكَنَهَا البَاقُونَ بَعْدُ لِتَكْمُلا حجة من ضم الميم عند همز القطع أنَّ مذهبه نقل الحركة فكان يلزمه أن يحرك الميم بالفتح والكسر عند الهمزة المفتوحة والمكسورة، وذلك تحريك لها

стр. 261

بغير حركتها الأصلية، فإذا لم يكن بُدٌّ من تحريكها فحركتها الأصلية أولى فراجع الأصل فراراً من ذلك. وقوله: «لتكملا» أي: ليكمل وجوهها، وليست هذه علة من أسكن وإنما أشار إلى كمال وجوه القراءة. ٦ - وَمِنْ دُونِ وصْلٍ ضَمُّهَا قَبْلَ سَاكِنٍ … لِكُلٍ وبَعْدَ الهَاءِ كَسْرُ فَتَى العَلا ٧ - مع الكَسْر قَبْلَ الهَاءِ أَوِ الياءِ سَاكِنَاً … وَفي الوَصْلِ كسْرُ الهَاءِ بالضَّمِّ شَمْللا ٨ - كَمَا بِهِمُ الأَسْبابُ ثُمَّ عَلَيهِمُ الْ … ـقِتَالُ وَقِفْ لِلكُلِّ بِالكَسْرِ مُكْمِلا فإن لقي الميمَ ساكنٌ وقبل الميم هاء وقبل الهاء كسرة أو ياء [ساكنة] (١)، فمن كسر الهاء كسرها لمجاورة ما يوجب الكسر وقد تقدم، ومَن كسر الميم كسرها إتباعاً لها أو لالتقاء الساكنين، ومَنْ ضَمَّ الميمَ دون الهاء [احتج بأنَّ الضرورة دعت إلى موافقة الأصل في الميم دون الهاء] (٢)، وهي لغة أهل الحرمين إذ كانت حركتها الأصلية بها أولى، ومَنْ ضَمَّهُمَا جميعاً راجع الأصل فيهما. و «شمللا» أسرع لأنه أخف وأسرع لفظاً فإن انعدم الشرط بعدم الهاء أو الكسر قبلها أو الياء قبلها وقع الإجماع على الضم فيهما أو في الميم كقوله: ﴿عَلَيْكُم القِتَالُ﴾ (٣)، و ﴿مِنْهُم المُؤْمِنُونَ﴾ (٤) لزوال موجب الكسر.

стр. 262

وقوله: «قف للكل بالكسر» يعني تكسر الهاء المكسور ما قبلها أو التي قبلها الياء لأنك إذا وقفت زال السبب الموجب لمراجعة الأصل وهو التقاء الساكنين، فلم تضم الميم فانكسرت الهاء لما قبلها من الموجب للكسر لأنَّ الميم لما انضمت في حال الوصل ضمت الهاء [في لغة من ضمها ليكون عمل اللسان] (١)، واحداً لأنهم رأوا أنهم لو كسروا الهاء لخرجوا مِنْ كسرها إلى ضم الميم وذلك يثقل عليهم، ولم يكسروا الميم إتباعاً لها لأنَّ الضم أولى بها عند التقاء الساكنين لأنه الأصل

стр. 263

باب الإدغام الكبير ١ - ودُونَكَ الاِدْغَامَ الكَبِيرَ وقُطْبُهُ … أَبُوعَمْروٍ البَصْرِيُّ فِيهِ تَحَفَّلا الإدغام: الإدخال للشيء في الشيء، ومنه أدغمت اللجام في فم الفرس: إذا أدخلته فيه، وأدغمت رأس الفرس في اللجام كذلك. قال الشاعر: بِمَقْرِ بَابٍ بِأَيْدِيهِم أَعِنَّتُهَا … خُوصٌ إذا فَزِعُوا أُدْغِمْنَ في اللُّجُمِ (١) وسُمِّي هذا بالإدغام الكبير لاستيعابه قواعدَ الإدغام، وهو إسكان متحرك وإدخاله في مثله، أو قلبه إلى مقاربه فيصير حرفاً واحداً مشدداً يرتفع إرتفاعةً واحدةً، وهو بوزن حرفين، وإنما فعل ذلك طلباً للخفة لأنَّ اللسان إذا فارق الحرف فعاد إلى مثله رجع إلى حيث فارق كذلك في المتقاربين فيرجع إلى قريب منه، ولذلك شُبِّه بالمقيد. «ودونك» إغراء، نبَّه به على صحة الإدغام وثبوته وحُسْنِ موقعه في العربية وعلى اطِّرَاح قولِ مَنْ أَنْكَره، وما ظنك بما مداره على أبي عمروٍ، وهو الإمام القدوة فيما يختاره، وهو منقول عن جماعة ممن تقدم أبا عمرو ﵀ إلا أنه انتهى إليه، وقرأ بمجموعه واشتهر به فنسب إليه فصار قُطباً له يدور عليه كقطب الرحى. وممن رُوي عنه الإدغام: الحسن البصري (٢)، وابن كثير، وابن

стр. 264

محيصن (١)، والأعمش، وطلحة بن مصرِّف، وعيسى بن عمر (٢)، ومسلمة ابن محارب (٣). قال أبو عمرو بن العلاء ﵀: الإدغام كلام العرب الذي يجري على ألسنتها ولا يحسنون غيره، ويقال: تحفَّل الوادي إذا امتلأ بالماء؛ كأنه اجتمع في أبي عمروٍ ﵀. ٢ - فَفِي كِلْمَةٍ عَنْهُ مَنَاسِكْكُّمُ ومَا … سَلَكْكُّمْ وبَاقِي البَابِ لَيسَ مُعَوَّلا الغرض بالإدغام طلبُ الخفة واجتناب الكلفة، ولما كانت حروف الكلمة الواحدة أقلَّ من حروف الكلمتين استغنى بخفتها لقلتها عن تخفيف الإدغام في الأكثر، وكثر الإدغام في الكلمتين للتخفيف لكثرة الحروف، فأما ﴿منَا سِكَكُم﴾ (٤)، و ﴿سَلَكَكُمْ﴾ (٥) فحروفهما كثيرة فلذلك خُفِّفَا

стр. 265

بالإدغام، ولا يلزم عليه ﴿بِشِرْكِكُم﴾ (١) لأنَّ الراء ساكنة وإدغامه يرد إلى التقاء الساكنين. وفي إظهاره ما عداه من هذا الباب جمع بين اللغتين مع اتباع الأثر في جميع ذلك كما وقع الإجماع على إظهار ﴿ومن يُشَاقِقِ اللهَ﴾ (٢) في الأنفال، وإدغامه في الحشر وقد روي عن أبي عمروٍ ﵀ إدغام المثلين حيث وقعا في جميع القرآن. «وليس معوَّلاً» يقال عوَّل يُعَوِّل تَعْوِيلاً ومُعَوَّلاً كما قال تعالى: ﴿ومَزَّقْنَاهُم كُلَّ ممَزَّقٍ﴾ (٣) أي: كل تمزيق. فصل: جمهور الإدغام حيث تجتمع الحروف وتكثر وتزدحم وتتقارب وذلك في حروف الفم، وكل ما قرب الحرف منها كان الإدغام فيه أحسن مما بعده، ولهذا ضَعُف الإدغام في حروف الشفة والحلق لما تعذر من مجمع الحروف، وحكم الإدغام أن يدغم الناقص في الزائد ليقوى الضعيف بالقوي، فالحرف الذي يلي حرف الفم لا يدغم فيما بعده ويدغم ذلك الحرف فيه. والحروف المتقاربة المذكورة في باب الإدغام هذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم أدغم في غيره وأدغم غيره فيه، وذلك أحد عشر حرفاً تجمعها أوائل هذا البيت قد كَلَّ جِسمٌ لَو شفوا ضُرَّهُ … رِيع ثقيلاً ذاوِياً سَلْ تَرَى

стр. 266

والقسم الثاني: أدغم في غيره ولم يدغم غيره فيه، وهو أربعة أحرف يجمعها قولك: «حِبُّ نَدٍّ». والثالث: لم يدغم في غيره وأدغم غيره فيه، وهو ستة أحرف يجمعها أوائل كلمات هذا البيت: طبيبي مُمْرِضي ظُلْماً … صدودك زلةٌ عُظْمي والحروف التي لا مدخل لها في الإدغام في هذا الباب على مذهب القرَّاء غالباً قولك: «أخِفْ غَاوِيْه». ٣ - وماكَانَ مِنْ مِثْليِنِ فِي كِلْمَتَيْهِمَا … فَلا بُدَّ مِنْ إدْغَامِ مَا كَانَ أَوَّلا ٤ - كَيَعْلَمُ مَا فِيهِ هُدَىً وطُبِعْ … عَلَى قُلُوبِهِمُ وِالعَفْو وَأْمُرْ تَمَثَّلا أراد ﴿خُذِ العَفْوَ وَاْمُرْ﴾ (١)، واستثنى من هذا ما ذكره في البيت الذي يليه فقال: ٥ - إِذَا لَمْ يَكنْ تَا مُخِبِرٍ أَوْ مخَاطَبٍ … أَوِ المُكْتَسِي تَنْوينَهُ أَوْ مُثَقَّلا ٦ - كَكُنْتُ تُرَابَاً أَنْتَ تُكْرِهُ وَاسِعٌ … عَلِيمٌ وَأَيْضَاً تَمَّ مِيقَاتُ مُثِّلا ﴿كُنْتُ تُرَابَاً﴾ (٢) تاء المخبر ﴿أنْتَ تُكْرِه النَّاسَ﴾ (٣) تاء المخاطب ﴿واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤) المنوَّن ﴿تمَّ مِيقَاتُ﴾ (٥) المثقل، فأما تاء المخبر والمخاطب فسبب إظهارهما كونهما على حرفٍ واحدٍ؛ فالإدغام مجحفٌ

стр. 267

به، ولأنَّ قبله ساكناً ففي إدغامه جمعٌ بين الساكنين، [ولأنه إذا أدغم ألبس فلا يُدرى ضمير المخبر من ضمير المخاطب وكذلك في أنت، فليس ضمير المخاطب] (١) المذكر بالمؤنث. وأما المنوَّن فلأنَّ التنوين قد فصل بين المثلين وهو في حكم حرف فاعتد فاصلاً والدليل على أنه في حكم حرفٍ أنه يلقي عليه حركة الهمز، وأيضاً فإنه جمالٌ وحِلْيَةٌ وُضِعت للتتميم والتمكين والإدغام لعدمه فيقع النقص، وإلى هذا أشار بلفظه المكتسي لما في الكسوة من الجمال. وأما المشدَّدُ فلأنه بحرفين، وإدغام حرفين في حرف ممتنع، ولو أدغم لانفكَّ الإدغام الذي فيه وانعدم أحد الحرفين. ٧ - وقَدْ أَظْهَرُوا فِي الكَافِ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ … إِذِ النُّونُ تُخْفَى قَبْلَهَا لِتُجَمَّلا إنما قوله تعالى: ﴿ومَنْ كَفَرَ فَلا يحزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ (٢) فَرُوي إدغامه من طريق الدوري عن أبي عمروٍ، وروى عنه الإظهار، وبه أخذ أبو عمروٍ الحافظ، وعليه عوَّل ناظمُ القصيد، وعلته سكون النون وإخفاؤها قبل الكاف، والإخفاء بين الإدغام والإظهار؛ فلو أدغم لاجتمع إعلالان. ٨ - وعِنْدَهُمُ الوَجْهانِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ … تَسَمَّى لأَجْلِ الحَذْفِ فِيهِ مُعَلَّلا ٩ - كَيَبْتَغِ مجْزُومَاً وَإنْ يَكُ كَاذِبَاً … وَيخْلُ لَكُمْ عَنْ عَالمٍ طَيِّبِ الخَلا كان ابن مجاهدٍ ﵀ يظهر ﴿ومَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الإسْلامِ دِينَاً﴾ (٣)

стр. 268

لأجل ما سقط منه بالجزم، وكونه معلوماً بالحذف، والمعلول لا يُعَلُّ مرة أخرى بالإدغام وقد ثبت الإدغام فيه عن اليزيدي، وعلته وجود التماثل وهو يوجب ترك النظر إلى الأصل، وبه أخذ الحافظ أبو عمروٍ (١). وكذلك قوله: ﴿وإنْ يَكُ كَاذِبَاً فَعَلَيْه كَذِبُه﴾ (٢) كان يأخذ فيه ابن مجاهدٍ بالإظهار إذ هو معلولٌ من جهة حذف الواو منه لالتقاء الساكنين، ومن جهة النون التي اقتضى كثرة الاستعمال وطلب التخفيف حَذْفُها، فلو أدغم صار معلوماً من ثلاثة أوجه، وقد روي فيه الإدغام لوجود التماثل، وكذلك ﴿يخلُ لكمْ وَجْهُ أبِيكُم﴾ (٣) في يوسف أظهره ابن مجاهدٍ لما سبق من التعليل، قال الحافظ أبو عمروٍ (٤): وبالإدغام قرأت واستحسن فيه الإظهار من وجهين: أحدهما: أنه منقوص، والثاني: أنَّ الخاء ساكنة، قال: والوجه أن يكون إخفاءً لا إدغاماً، والمعلل والمعلول واحد، والعالم الطيب الخلا: ناظم القصيد معناه: انقله، أو خُذه عن عالمٍ طيبِ الخلا، [أو أبوعمرو الحافظ، ويكون معناه: انقله عن عالم طيب الخلا] (٥) يقال: هو طيب الخلا أي: حسن الحديث.

стр. 269

١٠ - ويَا قَوْمِ مَالي ثُمَّ يَاقَوْمِ مَنْ بِلا … خِلافٍ عَلَى الإدْغَامِ لاشَكَّ أُرْسِلا ولا خلاف في قوله: ﴿ويقَوْمِ مَالي أَدْعُوكُم﴾ (١)، وقوله: ﴿يقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي﴾ (٢) وإنما أجمعوا على إدغامه لأنَّ حذف الياء منه هو اللغة الفصيحة فصار بمنزلة مالم يحذف، ووجد المثلان فلم يجز قياس الإظهار فيه، وإنما ذكره لئلا يعترض معترض بأنّ الحذف قد وجد، وهو مع ذلك مدغم [باجتماع وهذا ليس بتغيير لأنّ هذا الحذف لغة لا لسببٍ أوجَبَ الحذف] (٣). ١١ - وإظْهَارُ قَوْمٍ آلَ لُوطٍ لِكَوْنِهِ … قَلِيلَ حُرُوفٍ رَدَّهُ مَنْ تَنَبَّلا ١٢ - بِإدْغَامِ لَك كَّيْدَاً وَلَوْحَجَّ مُظْهِرٌ … بِإعْلالِ ثَانِيهِ إِذْا صَحَّ لاعْتَلى ١٣ - فَإِبْدَالُهُ مِنْ هَمْزَةٍ هاءٌ اصْلُهَا … وقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ واوٍ ابْدِلا كان ابن مجاهدٍ ﵀ وغيره يختار في ﴿آلَ لُوطٍ﴾ (٤) الإظهار لقلة حروفه. قال الحافظ أبو عمرو: والإدغام فيه حسنٌ، وقد رواه عن أبي عمرو بن العلاء عصمة بن عروة (٥) وبه كان يأخذ ابن شاذان (٦) وعامة أهل الأداء من

стр. 270

أصحاب أبي عبد الرحمن، وأبي شعيب، وابن سعدان (١) عن اليزيدي. قال: ولا أعلم الاظهار فيه من طريق اليزيدي، والتعليل بقلة الحروف تبطل بإدغام لك كيداً إذ هو أقل حروفاً من آل لوط. «ولو حج» أي: غلب، يقال: حجَّه، إذا غلبه في الحجة من أظهر بإعلال ثاني آل لوط إذا صحَّ الإظهار عن أبي عمروٍ، و «لاعتلى» أي: لغلب يقال لمن غلب: علا كعبُه، وذلك أنَّ عينَه كانت في الأصل هاءً أو واواً على قول الكسائي، وهو المشار إليه في قوله: «وقد قال بعض الناس»، فأبدلت على القول الأول (٢) الهاءُ همزةً كما أبدلت هرقت الماء أرقت، ثم قُلبت لسكونها ألفاً. ويقال في تصغيره أُهَيْل على هذا، وعلى قول الكسائي أصله أَول كأنه من آل أي: رجع لأنَّ الرجوع إليهم، وتصغيره على هذا أُوَيل، فلما تحركت الواو انفتح ما قبلها قلبت ألفاً فإذا ثبت إعلاله بذلك لم يعلَّ بالإدغام. قال الشيخ ﵀: ﴿لكَ كَيْدَاً﴾ (٣) لايشبه آلَ لوطٍ، لأنه قام مقام

стр. 271

اسمٍ لو ظهر لأدغم كقوله: ﴿لَيُوسُفُ في الأَرْضِ﴾ (١)؛ فأعطي حكمه. و «تنبلا»: انتقى الأنبل فالأنبل. ١٤ - وواوُ هُو المضْمُومِ هاءً كَهُووَّمِنْ … فَأدْغِمْ ومَنْ يُظْهِرْ فبِالمَدِّ عَلَّلا احترز بقوله «المضموم هاءً» من مثل ﴿فَهوَ وَليُّهُم﴾ (٢)، وقوله: ﴿وهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ (٣)، ومثَّلَه بقوله: ﴿هُوَ وَمَنْ يَأْمُرْ بالعَدْلِ﴾ (٤)، ومِثْلُه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ هُوَ والمَلَئكَةُ﴾ (٥)، و ﴿هُوَ وَالذِّينَ آمَنُوا﴾ (٦) وغيرها وذلك أنَّ ابن مجاهدٍ وأصحابه أظهروه، واحتجوا بأنَّ الواو عندما تسكن/ للإدغام تصير ساكنة قبلها ضمة فيشبه ذلك مالايدغم كآمنوا واتقوا وهذه الحجة لا تستقيم، لأنَّ واو هو إنما أدخلها السكون من أجل الإدغام، فالمد داخل على الإدغام بخلاف آمنوا وكانوا، إذ الواو في ذلك ساكنة على كل حال، ولا أصل لها في الحركة، فلو أدغمت لكان الإدغام داخلاً على المد. قال الحافظ أبو عمروٍ ﵀ (٧): ثبت فيه الإدغام عن أبي عمروٍ نَصَّاً، وبه قرأت وبه آخذ، ولهذا قال: «فأدغم»، ثم قال: «ومن يظهر فبالمد عللا».

стр. 272

١٥ - ويَأْتِي يَوْمٌ أَدْغَمُوهُ وَنَحْوَهُ … وَلافَرْقَ يُنْجِي مَنْ عَلَى المَدِّ عَوَّلا ونحوه مثل ﴿نُودِيَ يَمُوسَى﴾ (١) ﴿ومِنْ خِزْي يَوْمَئِذ﴾ (٢) وليس ﴿في يوسف﴾ (٣) وشبهه من هذا لأنَّ الياء فيه ساكنة على كل حال فلا تدغم، وقد ثبت عن اليزيدي إدغام ﴿يَأْتِي يَوْم﴾ (٤)، و ﴿نُودِيَ يَمُوسَى﴾، واستقبحه قومٌ وعابوه مما يُلزم من تسكين الياء فيه للإدغام فيصير بمنزلة ﴿في يوسف﴾، و ﴿في يومين﴾ (٥)، والفرق بينهما ما ذكرته من أنَّ الياء في نودي، ويأتي، أصلها الحركة وسكونها عارض من أجل الإدغام فلا يُعْتَدّ العارض من المد المانع للإدغام بخلاف السكون اللازم. وهذا إلزام لابن مجاهد ومن وافقه في تعليله إظهار ﴿هو ومن﴾ بالمد الحاصل بإسكان الواو للإدغام لأنه يدغم ﴿يأتي يوم﴾ وبابه وعلى مقتضى التعليل لا ينبغي أن يدغم لأنَّ الحكم فيهما واحد. ١٦ - وقبْلَ يَئِسْنَ الياءُ في الّلاءِ عَارِضٌ … سَكُونَاً أوَ أَصْلاً فَهْوَ يُظْهِرُ مُسَهِلا أصل اللاء: اللائي بياءٍ ساكنة بعد الهمزة، فحذفت الياء تخفيفاً [لتطرفها وانكسار ماقبلها كما حذفت في الغاز والرام، وحكى حذفها سيبويه، وأنشد الفرّاء: «اللاءِ كُنَّ مَرَابِعَاً ومصايفاً»] (٦)

стр. 273

ثم أبدل من الهمزة ياءً ساكنةً على غير قياسٍ إذ حقها أن تسهل بين بين، فاجتمع تغييران حذفُ الياء وذهابُ الهمزة، وما غير هذا التغيير لا يغير بالإدغام فالياء على هذا عارضةٌ وسكونها عارضٌ، وأيضاً فإنَّ الهمزة وإن أبدلت فهي في حكم الثابت بدليل قولهم: الرويا في حال البدل، ولولا أنَّ الهمزة في حكم الثابت لقالوا: الريا، لأنَّ الواو والياء إذا اجتمعتا قلبت الواو ياء وأدغمت سواء سبقت الياء أو الواو نحو: سيَّد، وطيَّا، وليَّا، فلما كانت الواو في الرويا (١) بدلاً من همزة لم يفعلوا ذلك لأنَّ الهمزة المبدلة (٢) كالثابتة، كذلك الياء في اللاي هي مبدلة من همزة، والهمزة لا تدغم وكذلك الياء المبدلة منها لأنَّ الهمزة كالثابتة. فإن قيل: إنَّ هذه الياء هي التي كانت بعد الهمزة في الأصل وحذفت الهمزة بعد أن أخِّرَت (٣). كما قالوا: (هارٍ) أصله (هاير)، قيل: لم يَرْوِ ذلك أحدٌ من أئمة العربية الذين رووا لغات العرب في هذه الكلمة، والقياس على هار لا يجوز لأنَّ القراءة سنة متبعة لا يجوز القياس فيها فهي دعوى لا برهان عليها. ويقال: أسهل إذا ركب السهل، [وأصلاً على المصدر كقولك: ما فعل أصلاً] (٤).

стр. 274

باب إدغام الحرفين المتقاربين في كلمة وفي كلمتين ١ - وَإِنْ كِلْمَةٌ حَرْفَانِ فِيهَا تَقَارَبَا … فَإِدْغَامُهُ لِلقَافِ فِي الكَافِ مُجْتَلى قد ذكرتُ علة إدغام المتماثلين وما في العود إلى الحرف بعد النطق به من الكُلفة، وأنَّ ذلك مُشبِهٌ بمشي المقيد، ثم وجدنا مثل ذلك في المتقاربين أو قريباً منه، ولا يخلو الحرفان المتقاربان أن يجتمعا في كلمةٍ أو يَفْتَرِقا في كلمتين. فأما الكلمة الواحدة فما أدغم أبو عمروٍ من ذلك إلا القاف في الكاف على ما شَرَطَ في البيت بعده، وقد علل ذلك بمثل ما ذكرته في المثلين، ومعنى قوله: «مجتلى» أي: منظورٌ إليه، يقال: اجتليت العروس إذا نظرتَ إليها. ٢ - وَهَذَا إِذَا مَا قَبْلَهُ مُتَحَرِّكٌ … مُبِينٌ وبَعْدَ الكَافِ مِيمٌ تَخَلَّلا يقال: أَبَانَ يُبين، فهو مبين بمعنى: بان واستبان، ومعنى تخلل أي: تخلل الحروف، فأما اشتراط المتحرك قبله، فلأنه إذا سكن خفَّت الكلمة فاستغنت عن الإدغام، ولأنَّ في إدغام ما قبله ساكن جمعاً (١) بين ساكنين، وأما الميم بعده فلما حصل بها من الثقل بكثرة حروف الكلمة وثِقَلِ الجمع، ثم مثَّلَه فقال: ٣ - كَيَرْزُقُكُم واثَقكُّمْ وخَلَقكُّمُو … وميثَاقَكُمْ أَظْهِرْ وَنَرْزُقُكَ انْجَلَى فمثَّل بقوله: ﴿مِيَثَاقَكُمْ﴾ (٢) ما قبله ساكن وإن كان قد اختلف فيه لكن المعوَّل على ماذكر، ومثَّل مالا ميمَ فيه بقوله: ﴿نَرْزُقُكَ﴾ (٣)، وانجلى: انكشف.

стр. 275

٤ - وَإِدْغامُ ذِي التَّحْرِيمِ طَلَّقَكُنَّ قُلْ … أَحَقُّ وَبِالتَّأْنِيثِ وَالجَمْعِ أُثْقِلا قال الشيخ ﵀: واللفظ محتملٌ لأنَّ قوله يلزم أبا عمروٍ إدغامه، يحتمل أنَّ أباعمروٍ أدغمه، لأنَّ إدغامه لازمٌ له على أصله، وإذا احتمل فكيف يُقطع بأنه لم يرو عنه إدغامه، وكان ابن مجاهدٍ يظهره ووجهه استثقال ثلاثة أحرفٍ مُضَعَّفة في كلمةٍ، وإدغامه أقيس لثِقَلِ الجمعِ، وثِقَلِ التأنيث، وإذا ثَقُل من وجهين فالأَوْلى تخفيفه بالإدغام. أراد ﴿عَسَى ربُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ (١)، رُوِي عن اليزيدي أنه قال: يلزم أبا عمروٍ إدغامه، وإليه أشار بقوله: «أحق»؛ فقال قائلون: هذا دليل على أنه لم يرو عن أبي عمروٍ إدغامه. ٥ - ومَهْمَا يَكُونَا كِلْمَتين فَمُدْغِمٌ … أَوَائِلَ كِلْمِ البَيتِ بَعْدُ عَلَى الوِلا يقول: مهما يكونا كلمتين تقارب فيهما حرفان فَأدْغِم من ذلك الحروف الأوائل في كلمات البيت اللاتي مايقاربها، وسيذكر فيما يدغم كل حرفٍ منها، وهي هذه الأحرف. ٦ - شِفَا لم تَضِقْ نَفْسَاً بِهَا رُمْ دَوَا ضَنٍ … ثَوَى كَانَ ذَا حُسْنٍ سَآى مِنْه قَدْ جَلا جرى في هذا البيت ونحوه على عادة من سبق في التضمين، وشفا اسم امرأة، وقد سمَّتْ به العربُ النساءَ، وعنى واحدةً من نساءِ الآخرةِ، ولم يُنَوِّنْه للعلمية والتأنيث، ويجوز أن يَمْتنعَ من الصرف بعلةٍ واحدةٍ على رأي الكوفيين وهي التأنيث إذا قلنا لا علمية، أو تكون وصلاً بنية الوقفِ فحذفَ التنوينَ للوقف، وعليه قُرئ ﴿يُعَذِّب مَنْ يشآء﴾ (٢).

стр. 276

و «نفساً» منصوبٌ على التمييز أراد أنها حسنة الخلق، و «ثوى» أقام ضناه و «سأى» بمعنى ساء أي: ساء من يراه ذلك، «منه قد جلا» أي: كشف الضنى أمره، ويجوز أن يكون (من) زائدة على رأي الأخفش فيكون المعنى ساءه الضنى. ٧ - إذا لم يُنَوَّنْ أوْ يَكُنْ تَاءَ مخاطَبٍ … ومَا لَيْسَ مجزُومَاً وَلا مُتَثَقِّلا قد سبق تعليل هذا في المثلين، ومثاله: ﴿ولا نَصِير﴾، ﴿لَقَدْ﴾ (١)، ﴿والحقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ (٢)، و ﴿خَلَقْتَ طِينَاً﴾ (٣)، و ﴿جِئْتَ شَيْئاً﴾ (٤) وليس في القرآن تاءُ مخبرٍ ﴿ولم يُؤْتَ سَعةً﴾ (٥) هو المجزوم وشبهه من المعتل [المجزوم] (٦) لأنه قد اعتلَّ بالحذف فلم يُعلَّ بالإدغام ثانياً. ٨ - فزُحْزِحْ عَنِ النَّاِرِ الذِّي حَاهُ مُدْغَمٌ … وَفِي الكَافِ قَافٌ وهُوُ فِي القَافِ أُدْخِلا وجه إدغام ﴿فَمَنْ زُحْزِح عَنْ النَّارِ﴾ (٧) كون الحاء والعين من مخرجٍ واحد، وروي الإدغام فيه نصاً عن أبي عمروٍ، فأما من أدغم هذا الباب جميعه وطرَدَ فيه القياس نحو: ﴿المسِيحُ عِيسَى ابنُ مَرْيَم﴾ (٨) و ﴿فَلا جُنَاح

стр. 277

عَلَيْهمَا﴾ (١) و ﴿الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ (٢) فعِلَّتُه أنَّ اليزيدي حكى عن أبي عمروٍ أنه قال: من العرب من يدغم الحاء في العين، وليست في هذه الرواية ما يدل على طرد القياس إذ يجوز أن يكون ذلك حجةً لإدغام ﴿زُحْزِح عَنْ النَّارِ﴾. قال الحافظ أبو عمرو: وقد روى القاسم بن عبد الوارث (٣)، عن أبي عمر الدوري، عن اليزيدي عنه الإدغام في ﴿المسِيح عِيسَى﴾ و ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهما﴾، قال: وبالإظهار قرأت. وقد انعقد الإجماع على إظهار الحاء وهي ساكنة عند العين في قوله تعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُم﴾ (٤) إلا مالا يعرج عليه، وذلك مبطل لرواية القاسم، ودافِعٌ لصحتها لأنَّ الحاء الساكنة أقوى في الإدغام وأولى به من المتحركة، وأما القاف والكاف فهما متقاربان في المخرج، وأما القاف فمخرجها من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك، وهي من حروف الجهر والاستعلاء، والكاف من أقصى اللسان لكن مستفلة عن أعلى الحنك محاذية لموضع القاف، وهي مهموسة فَعِلَّةُ/ الإدغام هذا التقارب، وعلة الإظهار إذا سكن ما قبلهما ما ذكرته من خفة الكلمة بالسكون، ومن امتناع اجتماع ساكنين ومثَّلَ ذلك فقال:

стр. 278

٩ - خَلَق كَّلَّ شَئٍ لَك قُّصُورَاً وأُظْهِرَا … إِذَا سَكَنَ الحرْفُ الذِّي قَبْلُ أَقبَلا يقال: أقبله الرمح وغيره إذا جعله قِبَلَه. ١٠ - وَفي ذِي المعَارِج تَّعْرُجُ الجيمُ مُدْغَمٌ … ومِنْ قَبْلُ أَخْرَج شَّطْأَهُ قَدْ تَثَقَّلا مخرج الجيم من وسط اللسان، وهو حرفٌ مجهور شديد، ومخرج التاء مما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا، فهما متباينان في المخرج، لكن لما أدغمت الجيم في الشين في قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ شَطْئَهُ﴾ (١) لتقاربهما أدغمت التاء لقربها من الشين لأنّ الشين تتصل بما فيها من التفشي بمخرج التاء، ولا يلزم عليه إدغام الشين في التاء لزيادة صوت الشين، وذلك معدوم في الجيم، فأدغمت الجيم دون الشين، وقيل: أدغمت الجيم في التاء لتقاربها بالشدة. ١١ - وعِنْدَ سَبِيلاً شِينُ ذِي العَرْشِ مُدْغَمٌ … وضَادَ لِبَعْضِ شَأْنِهم مُدْغَمَاً تَلا لم تُدْغَم الشين في غيرها لزيادة صوتها إلا في السين، ومخرج الشين من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا، وهو حَرفٌ مهموسٌ، وإنما أُدغمت فيه لاشتراكهما في الهمس، ومقابلة الصفير بالتفشِّي، وقد روي عن اليزيدي فيه الإدغام والإظهار. قال أبو عمروٍ الحافظ: وبالوجهين قرأت. وأما ﴿لِبعْضِ شَأْنِهم﴾ (٢) فروى الإدغام فيه منصوصاً أبو شعيبٍ عن اليزيدي عنه، وقيل: إنَّ ابن مجاهدٍ كان لا يمكن من إدغامه إلا حاذقاً، وقد

стр. 279

وقع الاتفاق على إظهار الضاد عند الشين في قوله تعالى: ﴿والأرض شيئاً﴾ (١) في النحل، ولا فرق إلا الجمع بين اللغتين، واتباع سنة القراءة؛ فإن قيل: الضاد أقوى من الشين لإطباقها واستعلائها فلا تدغم. قيل: يقابل الاستعلاء تفشِّي الشين فيعتدلان ويتكافآن، ثم إنهما متقاربان في المخرج، لأنَّ الشين من وسط اللسان، والضاد من حافته، وقد أنكر النحويون إدغامه، وطعن الزمخشري (٢) في رواية أبي شعيب، فقال: فما برئت من عيب روايةُ أبي شعيب اهـ. على عادة المعتزلة في الطعن على الأئمة الأثبات والنقلة الثقات. قال شيخنا ﵀: إنما سُمِّي الاختلاس إدغاماً لأنَّ المدغم لايكون بعد حرف ساكنٍ صحيحٍ، ويجوز نصب «وضاد لبعض شأنهم» ورفعه؛ فنصبه على أنه مفعول وفاعله الضمير في تلا، وهو يعود على أبي عمرو بن العلاء، ورفعه بالابتداء على أنَّ تلا بمعنى تبع أي: تبع ما قبله من المدغم. ١٢ - وفي زُوِّجَتْ سِينُ النُّفُوسِ ومُدْغَمٌ … لَهُ الرَّأْسُ شَيْبَاً باخْتِلافٍ تَوَصَّلا يعني أنَّ السين أُدْغمت في هذين، في الزاي في قوله تعالى: ﴿وإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ (٣) ووجهه كونهما من مخرجٍ واحدٍ، والسين مهموسة، والزاي مجهورة، فهو من إدغام الأضعف في الأقوى، [ولأنّ الكلمة قد خفّت بالسكون فاستغنت عن تخفيف الإدغام] (٤).

стр. 280

وفي الشين في قوله: ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبَاً﴾ (١) وقد اختلف فيه فروى ابن اليزيدي، عن أبيه، عن أبي عمروٍ إدغامه لتقاربهما في الهمس، ولأنَّ الشين أقوى بما فيه من التفشِّي الذي يتصل به إلى مخرج الطاء، وإدغامُ الأضعف في الأقوى هو قضية الإدغام، واختيارُ ابن مجاهدٍ ﵀ الإخفاء فيه وهو بين الإظهار والإدغام، وأيضاً فإنَّ القارئ يحتاج بعد النطق بالسين أن يبتدئ بالشين لقوَّته بقوةٍ وهِمَّةٍ ليعطيه حقه من الإظهار، وذلك يزول بالإدغام، وعلى الإدغام عوَّل أبو عمروٍ الحافظ ﵀ قال: وبه قرأت وبه آخذ؛ فهذا معنى قوله: «باختلافٍ توصَّلا»، وقد وقع الإجماع على إظهار ﴿إنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ (٢) لخفَّة الفتحة. ١٣ - وَلِلدَّالِ كِلْمٌ تُرْبُ سَهْلٍ ذَكَا شَذَا … ضَفَا ثَمَّ زُهْدٌ صِدْقُهُ ظَاهِرٌ جَلا يعني أنَّ للدال أحرفاً يُدْغم فيها، وقد جمعها في أوائل الكلمات من قوله: «تُرْبُ سَهلٍ»، ومعنى هذا الكلام: «ترب»: سهل بن عبد الله التستري (٣)،/ «ذكا شذا» أي: عَبَقَ طيبه، والشذا حِدَّة الطيب، «ضفا» أي: طال، «ثَمَّ» أي: هناك، «زهدٌ صدقُهُ» أي: صدق ذلك الزهد، «ظاهر» أي: بَيِّنٌ مكشوف، «جلا» أي: أراد جلاءً، وهو منصوبٌ على التمييز.

стр. 281

والدال مخرجها مِنْ بينِ طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا من مخرج التاء والطاء، وهي حرفٌ مجهورٌ، وهي تدغم في هذه الأحرف العشرة المذكورة أما تسعة منها فهي تقاربها، وأما الجيم فبخلاف ذلك، لأني قد ذكرت أنها تخرج من وسط اللسان وإنما أدغمت فيها الدال مع عدم التقارب لاتفاقهما في الجهر وفي ﴿دَارِ الخلْدِ جَزَاءً﴾ (١) اختلافٌ، والحافظ أبو عمروٍ ﵀ يدغمه قال: وبه قرأت. وسيأتي ذكره فما بعد إن شاء الله. ١٤ - ولم تُدَّغَمْ مَفْتُوحَةً بَعْدَ سَاكِنٍ … بحرْفٍ بِغَيرِ التَّاءِ فَاعْلَمْهُ واعْمَلا يعني أنَّ الدالَ لم تُدْغَم وهي مفتوحة وقبلها ساكن إلا في التاء خاصة، أمَّا علةُ إدغامها في التاء، فلأنهما من مخرجٍ واحدٍ فهما كالمثلين، وأما علة إظهارها مع غيرها، فلأن الخفّةَ قَدْ حصلت بالفتح والسكون. ١٥ - وفي عَشْرِهَا والطَّاءُ تُدْغَمُ تَاؤهَا … وفي أَحْرُفٍ وَجْهانِ عَنْهُ تَهَلَّلَا لك أن تُعيدَ الضميرَ في «عشرها» على الأحرف السابقة، وأن تُعِيده على الدَّال، وأما الضمير في «تاؤها» فعائدٌ على الأحرف السابقة. واعلمْ أنَّ كلَّ حرفين أدغمت فيهما لام التعريف فهما متقاربان، فإذا نظرت إلى الأحرف المذكورة وجدت لام التعريف تدغم في جميعها إلا في الجيم، فالتقارب علّة الإدغام، وإنما أُدغمت في الجيم للعلّة السابقة في إدغام الجيم فيها في ﴿المعَارِج تَعْرُجُ﴾ (٢)، يقال: تهلل وجهه إذا استنار، والهاء في عنه تعود على أبي عمرو بن العلاء رحمه الله تعالى.

стр. 282

١٦ - فَمَعْ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ الزَّكَاةَ قُلْ … وَقُلْ آتِ ذَالْ ولْتَأْتِ طَائِفَةٌ عَلا هذه الأحرف التي ذكر فيها الخلاف، أما قوله: ﴿وآتُوا الزِّكَوةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم﴾ (١)، و ﴿التَّوْرَاة ثُمَّ لم يحْمِلُوهَا﴾ (٢) فأظهر ذلك ابن مجاهدٍ وأصحابه، وقد روى إدغامه عن أبي عمروٍ وعليه عوَّل الحافظ أبو عمروٍ. فحجة من أظهر وجود الألف قبل التاء مع أنّ التاء خفيفة بالفتح، وحجة مَنْ أدغم وجود التقارب، وكذلك أظهر ابن مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿وآتِ ذَا القُرْبَى﴾ (٣)، و ﴿فَآتِ ذَا القُرْبَى﴾ (٤) ومن تابعه لقلّة حروف الكلمة ولاعتلالها، وكان الداجوني (٥) وغيره يُدْغِم لثقل الكسر في التاء لتخِفّ بالإدغام. حدثنا أبو القاسم شيخنا ﵀، قال: حدثنا أبو الحسن بن هذيل، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا الحافظ أبو عمرو، وقال حدثنا: أبو الفتح عبد الباقي، قال: حدثنا زيد بن علي: أنه سمع ابن مجاهدٍ يُقرئ سنة ثلاث مائة ﴿ولتَأْتِ طَائِفَةٌ﴾ (٦) وجميع ماكان من المنقوص بالإدغام، لأنَّ أبا عمروٍ لم يستثنه، ثم رجع أبو بكرٍ في آخر عمره عن الإدغام فأظهر واعتلَّ بما قدمته.

стр. 283

١٧ - وفي جِئْتِ شَيْئَا أَظْهَرُوا لِخِطَابِه … ونُقْصَانِهِ والكَسْرُ الادْغَامَ سَهَّلا لا خُلْف في إظهار ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئَاً نُكْرَاً﴾ (١)، وقد سبق تعليله، وأما ﴿لقد جِئْتِ شَيْئَاً فَرِيَّاً﴾ (٢) فأكثرهم لا يرى إدغامه لأنه منقوص العين فالإدغام يخل به مع ما قدمت في تاء الخطاب، وأدغمه الآخرون لقوة كسرة التاء، قال الحافظ أبو عمرو: [وبالوجهين قرأت] (٣). [ومعنى قوله: منقوص العين أنَّ أصل جاء جيأ، فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فلما اتصل تاء الضمير سُكِّنت الهمزة فحذفت العين لالتقاء الساكنين] (٤). ١٨ - وَفي خَمْسَةٍ وهْيَ الأَوَائِلُ ثَاؤُهَا … وَفي الصَّادِ ثُمَّ السِّينِ ذَالٌ تَدَخَّلا يعني الخمسة الأوائل من أحرف الدال لما بين التاء وبينها من التقارب نحو قوله تعالى: ﴿حَيْثُ تُؤْمَرُون﴾ (٥)، ﴿وورِثَ سُلَيْمانُ﴾ (٦)، ﴿والحرْث ذَلِكَ﴾ (٧)، و ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (٨)، و ﴿ثَلَثِ شُعَب﴾ (٩)، و ﴿حَدِيثُ

стр. 284

ضَيْفِ﴾ (١)، ولم يدغم الذال إلا في الصاد والسين كقوله: ﴿مَااتَّخَذَ صَاحِبَةً﴾ (٢)، ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَه﴾ (٣)، والعلة التقارب. ١٩ - وفي اللاَّمِ رَاءٌ وَهْيَ في الرَّا وأُظْهِرَا … إِذَا انْفَتَحَا بَعْد المُسَكَّنِ مُنْزِلا ٢٠ - سِوَى قَالَ ثُمَ النُّونُ تُدْغَمُ فِيهِمَا … عَلَى إِثْر تَحْرِيكٍ سِوَى نَحْنُ مُسْجَلا التقارب علة إدغام اللام والراء، وعلة إظهارهما إذا انفتحتا وسكن ما قبلهما وجود الخِفَّة الحاصلة بالفتح والسكون مثل: ﴿رسُولَ رَبِّهم﴾ (٤)، و ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا﴾ (٥)، وإنما أدغم ﴿قَالَ رَبِّ﴾ (٦) مع وجود ما يقتضي الإظهار، لأنَّ الساكن فيه ألف وهي لقوة المد فيها تقوم مقام حركة، وإنما كان المد فيها أقوى منه في الواو والياء، لأنَّ الحركة قبلها لازمة وهي قبلها متغيرة، ولهذا جاز أن تجعل الهمزة بعدها بين بين كما تجعل بعد المتحرك نحو ﴿سائل﴾ (٧)، و ﴿جاءك﴾ (٨)، و ﴿هاؤم﴾ (٩). فإذا كانت الحركة قبل الواو والياء من جنسهما أعطيتا حكمها وشبهتا بها ولم يجز جعل الهمزة بعدهما بين بين لتقدير السكون الخالص فيهما، فلو جعلتها بعدهما بين بين لكنتَ كالجامع بين ساكنين، لأنَّ بين بين تقريب من

стр. 285

الساكن فدلَّ ذلك على قوة المد في الألف، ويتجه أن يقال: إنَّ الألف لما كانت خفيفة صارت اللام كأنها بعد الحركة فتتنزل منزلة ﴿قَدْ جَعَلَ ربُّك﴾ (١) وشبهه. [وقد] (٢) روى ابن اليزيدي، وأبو شعيب عن اليزيدي إدغام ﴿قَالَ ربِّ﴾. قال الحافظ أبو عمروٍ ﵀: وأجمع أهل الأداء على طرد القياس في نظائره نحو ﴿قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ﴾ (٣)، و ﴿قَالَ رَجُلانِ﴾ (٤)، قال: وبذلك قرأت وإن كان النصُّ إنما ورد عن اليزيدي في ﴿قال رب﴾. ومنع الخليل وسيبويه إدغام الراء في اللام، لأنَّ الإدغام يذهب تكريرها فيخلُّ بها، وحكيا عن العرب (اجْبُرْ لَبَطَة) (٥) بالإظهار، و (لَبَطَة إنسان)، والقراءة سنةٌ متبعةٌ، وحجةٌ قاطعةٌ، ومع ذلك حكى الكسائي والفرَّاء الإدغام سماعاً نحو صار لك وصار لي وكذلك حكاه أبو عمرو بن العلاء، وأبو جعفر الرؤاسي (٦) أستاذ الكسائي وإمام البصرة في العربية.
следующие страницы →