← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 880

شرح الشاطبية فتح الوصيد في شرح القصيد - ت أحمد الزعبي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لو قال يدري حكمها الحر والعبد لأجاد. لها أمهات هن ولدنْ مدها … وهن لها أصل وهن لها ولد وهل مد حرف اللين إلا لكونه … يضارعها في اللين إن مد يمتد فإن لم يمد استغنى الدهر كله … عن المد فيه واستوى المجد والفقد وماأصل حرف اللين في جمع بيضة … وسوءاتكم إلا التحرك لا الضدُّ هذا كما قال: ........................ … فنجهل فوق جهل الجاهلينا (١) وذلك راعا من رواه لورشنا … بقصر ومدوا سائر الحرف واعتد لكون الأولى واللاحقون بمده … لما قد ذكرنا والإله له الحمد

стр. 317

باب الهمزتين من كلمة ١ - وتَسْهِيلُ أُخْرَى هَمْزَتَينِ بِكِلْمَةٍ سَمَا … وبِذَاتِ الفَتْحِ خُلْفٌ لِتَجْمُلا الهمز والنبر سواء عند بعض النحاة والقرَّاء، وبعضهم يطلق الهمز على المحقق، والنبر على المسهل، والهمز جمع همزة كتمرة وتمر، و مصدر هَمَزْتُ هَمْزَاً، ومعناه: الغَمْز لأنَّ الصوت به يغمز ويدفع، ومنه قولهم: همَّاز غمَّاز، واشتقاق النبر من الارتفاع، ومنه المنبر، ويقدر فيه ما يقدر في الهمز من المصدر والجمع، والسبب في تخفيف الهمز أنه حرف جَلْدٌ متكلف في النطق بعيد المخرج وقد شُبِّه بالسعلة لكونه نبرةً من الصدر. وأشار بقوله: «سما» إلى شهرة التسهيل في العربية، وأنَّ أكثر العرب عليه وقوله: «وبذات الفتح خلف» ولم يقل: وفي المفتوحتين خُلْفٌ، لأنَّ الأولى لا تكون إلا مفتوحةً. وأشار بقوله: «لتجملا» إلى حُسْن التسهيل لكونهما متماثلتين ألا ترى أنَّ هشاماً خالف أصله وهو التحقيق فسهل في إحدى وجهيه لذلك، [وهو المشهور عنه في كتب (١) الأئمة أعني التسهيل وهو الذي ذكر في التيسير (٢) وكذلك ذكر مكيٌّ (٣)، وعبد الجبار، وأبو الفتح، وابن غلبون أبو الحسن علي، والمهدوي، وابن شريح، وقال عبد المنعم بن غلبون: إن الهمز مروي عن هشام والذي أخذ به التسهيل وبه قرأت، وذكر التحقيق صاحب

стр. 318

الروضة، وابن مجاهد، ومحمد بن الحسن (١) النقاش، وغيرهم] (٢). وحجة مَنْ حقق أنه الأصل إذا كانت الأولى في تقدير المنفصلة لأنها همزة استفهام داخلة على ما بعدها، ولأنَّ التسهيل وإن كان أشهر فليس التحقيق بمتروك كما في آدم وآمن، وفي التحقيق أَمْنٌ من اجتماع الساكنين في نحو أأنت (٣)، وكما جاز الجمع بين حرفي الحلق في كَعَعت، كذلك هذا إذا الهمز من حروف الحلق. ٢ - وقُلْ أَلِفَاً عَنْ أَهْلِ مِصْرَ تَبَدَّلَتْ … لِورشٍ وفي بِغَدَادَ يُروى مُسَهَّلا «تبدلت» يعني الثانية المفتوحة ألفاً في رواية المصريين خالصة، وأشبعوا المد إذا لقيها بعدها ساكن نحو ﴿ءَأَنْذَرْتَهُم﴾ (٤)، ووجه ذلك أنَّ المسهلة في زنة المحققة فكأنَّ الاستثقال باقٍ، وهي لغة قريش حكى ذلك قطرب، ولغة غيرها من العرب وإبدال الهمز المتحرك عند النحويين على غير قياس، وقد استعمل في نحو ﴿مِنْسَاتَهُ﴾ (٥)، و ﴿سَالَ سَائِل﴾ (٦). والذي يلزم أصحاب البدل من التقاء الساكنين مغتفر لكون الأول حرف مدٍّ ولين فيكون المد فاصلاً بينهما، ولأنه مبدل من همزة متحركة، فالبدل عارض فكأنَّ الهمزة موجودة بحركتها فلا يجتمع ساكنان نظراً إلى الأصل.

стр. 319

والبغداديون أجمعون يسهلونها لورش بين الهمزة والألف على القياس المطرد والوجه الشائع في العربية، ثم يشبع بعضهم المد للساكن لأنَّ الهمزة المسهلة وقد قربت من الساكن لما لحقها بالتسهيل من التوهين والضعف وخفاء النبرة، فأشبعوا المد ليفصلوا بينها وبين الساكن بعدها، ومنهم من لم يشبع المد لأنها في حكم المتحركة بدليل قيامها مقامها في وزن الشعر، وإنما أضعف الصوت بها ليخف النطق كما يخف بالحرف الساكن ألا ترى أنك تنشد قول الشاعر (١): أأنْ رأتْ رجلاً أعشَى أَضَرَّ بهِ … ريبُ المنَّونِ ودَهْرٌ مفنَّد خَبِل فيستقيم الوزن مع التسهيل كما يستقيم مع التحقيق وإن لم يقع بعد الهمزة ساكن زال الموجب للإشباع، وذلك موضعان [في القرآن لاغير] (٢) ﴿أَأَلِدُ﴾ (٣) و ﴿ءَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٤). ٣ - وحقَّقَهَا في فُصِّلَتْ صحبةٌ ءأعـ … ـجَمِيٌّ وَالاُولَى أَسْقِطَنَّ لِتَسْهُلا وجه قراءة هشام وهي قراءة أُبي ومجاهد، والضحاك (٥)، والحسن، وابن

стр. 320

سيرين (١)، وقتادة (٢)، وغيرهم قرؤوا هذا على الخبر أن تكون الآيات مفصلة، فيجعل بعضها أعجمياً وبعضها عربياً، أو يكون على الإخبار بأنّ القرآن أعجمي والمرسل إليهم لسانهم عربي، أوالرسول عربي، ويقال: أسهل إذا ركب السهل لأنه لم يقرأ بهمزتين. ٤ - وهَمْزَةُ أَذْهَبْتُمْ في الَاحْقَافِ شُفِّعَتْ … بِأُخْرَى كَمَا دَامَتْ وِصَالاً مُوَصَّلا أشار بقوله: كما دامت وصالاً موصلاً إلى أنها كذلك مشفعة بهمزة الاستفهام في مواضع من القرآن كثيرة نحو ﴿ءأشفقتم﴾ (٣) وشبهه؛ والعرب توبخ بهمزة الاستفهام تارة وتستغني عنها تارة لأنها ليست للإستخبار، فالتوبيخ يحصل بهمزة الخبر كقولك: يافلان أتيت مُنْكَراً. ٥ - وفي نُونَ فِي أَنْ كَانَ شَفَّعَ حَمْزَةٌ … وَشُعْبَةُ أيضَاً والدِّمَشْقِيُّ مُسَهِّلا من قرأ ﴿أَنْ كَانَ﴾ (٤)، فمعناه: الآن كان ذا مال يطيعه، «والدمشقي» معطوف على ماقبله، و «مسهلاً» منصوبٌ على الحال أي: وشفع الدمشقي في حال تسهيله.

стр. 321

٦ - وفِي آلِ عِمْرَانٍ عَنْ ابْنِ كَثِيرِهِمْ … يُشَفَّعُ أنْ يُؤْتَى إِلى مَاتَسَهَّلا معناه يشفع ﴿أَنْ يُؤْتَى﴾ (١) مضافاً إلى ما تسهل يعني إلى ما قال بتسهيله لأنَّ مذهبه التسهيل فلما زادها هنا همزة الإنكار قرأه على أصله. ٧ - وطَهَ وفِي الَاعْرَافِ وَالشُّعَرَا بِهَا … ءَآمَنْتُمُ لِلكُلِّ ثَالِثَا اُبْدِلا أصل هذه الكلمة أَأْمَنْ على وزن أفعل، فالهمزة التي هي فاء الفعل ساكنة أبدلت الفاء كما أبدلت في آدم و آخر ثم دخلت على الكلمة همزة استفهام فاجتمع ثلاث همزاتٍ الثالثة مبدلة باتفاقٍ [لسكونها وانفتاح ما قبلها] (٢). ٨ - وحَقَّقَ ثانٍ صُحْبَةٌ ولِقُنْبُلٍ … بِإِسْقَاطِهِ الأُولَى بِطَهَ تُقُبِّلا فأصحاب التحقيق على أصلهم في تحقيق الهمزتين [محققتين] (٣) نحو ﴿ءَأَنْذَرْتَهُم﴾ (٤) وأزال استثقال الهمزتين محققتين كون/ الأولى في تقدير الانفصال. ومَن قرأ بأصل الكلمة على الخبر فكأنه استغنى عن همزة الإنكار لأنَّ في الكلمة معنى التوبيخ، وقال: ثانٍ كما قال (٥): «لعلي أرى باقٍ على الحدثان»

стр. 322

٩ - وفي كُلِّهَا حَفْصٌ وأَبْدَلَ قُنْبُلٌ … في الأعرَافِ مِنْهَاالواوَ والملكِ مُوصَلا يعني: أنه قرأ بإسقاط الأولى في هذا الحرف أينما وقع، وأما البدل في قول: ﴿فِرْعَوْن آَمِنْتُم﴾ (١)، و ﴿النُّشُور - آَمِنْتُم﴾ (٢) بواوٍ من همزة الاستفهام في حال الوصل فوجه أنها انفتحت وانضم ما قبلها، واجتمع في قراءة قنبل هذه أنه أبدل الأولى وسهل الثانية، وإنما سَهَّل هذا من أجل أن الأولى في تقدير المحققة لأنَّ تحقيقها عارضٌ، لأنه إذا ابتدأ الكلمة حقق. والتي في الملك أصلها أمنتم من آمن، ثم دخلت همزة الاستفهام فلما انضم ما قبلها في الوصل أبدلها واواً مفتوحةً، وإذا ابتدأ حقق، ومن سهل الثانية بين بين فعلى أصل التخفيف، ومن خالف أصله فغاير بين المواضع فللأثر اتبع وبين اللغتين جمع. ١٠ - وإنْ هَمْزُ وَصْلٍ بَيْنَ لامٍ مُسَكَّنٍ … وَهَمْزُةُ الاسْتِفْهَامِ فَامْدُدْهُ مُبْدِلا إذا دخلت همزة الاستفهام على همزة الوصل التي معها لام التعريف، وذلك في ستة مواضع ﴿ءَآَلَذَّكَرِينِ﴾ (٣) في الموضعين و ﴿ءَآلْئَنَ﴾ (٤) في يونس في الموضعين و ﴿ءَآلله أَذِنَ لَكُمْ﴾ (٥) فيها و ﴿ءَآلله خَيْرٌ﴾ (٦) في النمل أبدلت من همزة الوصل عند بعض أهل الأداء والنحويين ألفاً خالصة ليحصل الفرق بين الاستفهام والخبر.

стр. 323

١١ - فَلِلْكُلِّ ذَا أَوْلَى ويَقْصُرُه الذِّي … يُسَهِّلُ عَنْ كُلٍّ كَاْلآنَ مُثِّلا قوله: «فللكلِّ ذا أولى» أي: لجميع القرّاء هذا أولى، ومنهم من يسهلها [لجميعهم] (١) بين الألف والهمزة الساكنة، ويأتي البدل لأنه جمع بين الساكنين، ويقول المسهلة في زنة المحركة وينشد (٢): فالحق أنْ دارُ الرَّبابِ تباعدت … أو انْبَتَّ حبلٌ أن قلبكَ طائر ولا يتزن الشعر مع البدل ويتزن مع التسهيل كما يتزن مع التحريك، فدل ذلك على أنها في زنة المتحركة، فإذا كانت بزنة المتحركة لم يقع مع التسهيل اجتماع ساكنين وهذا أجرى على القياس، ومن أبدل احتج بأنَّ المد يقوم مقام الحركة فاستسهل اجتماع الساكنين لذلك وعليه أكثر القراء، وليس في الكلام موضع تثبت فيه همزة الوصل مع همزة الاستفهام غير هذا الموضع، لأنهم لو حذفوا ألف الوصل ها هنا كما تحذف في جميع الكلام لالتبس الاستفهام بالخبر لأنَّ ألفهما مفتوحة فأبدلوا من همزة الوصل ألفاً ليقع الفرق بينهما. وقوله: «ويقصره الذي يُسهل عن كلٍ» لأنَّ المسهلة كما قدمت في زنة المتحركة وإنما أضعف الصوت بنبرتها فقربت بذلك من الساكن فخف النطق بها كخفته بالساكن. ١٢ - ولا مَدَّ بين الهمْزَتَيِن هُنَا وَلا … بحيثُ ثلاثٌ يَتَّفِقْنَ تَنَزُّلا ولا مدَّ بين الهمزتين هنا ليقع الفرق بين همزة الاستفهام وهمزة الوصل لأنّ همزة الوصل ضعيفة فلم يفتقر إلى الفرق بينهما بالمد بخلاف المد بينها

стр. 324

وبين همزة القطع لقوة همزة القطع، وأما حيث يجتمع ثلاث همزات فذلك في ﴿ءَأَمِنْتُم﴾ في المواضع الثلاثة وفي ﴿ءَأَلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾ (١). ولا مدَّ بين الهمزتين لأصحاب الفصل كما فعلوا في ﴿ءَأَنْذَرْتَهُم﴾ (٢) ونحوه لأنَّ ذلك يؤدي إلى اجتماع أربع ألفاتٍ لكن يجب على القارئ التحفظ في إتيانه بالأولى محققة وبالثانية مسهلة وبالثالثة مبدلة. ١٣ - وأَضْرُبُ جَمْعِ الهَمْزَتَينِ ثَلاثَةٌ … ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لمْ ائِنَّا أءُنزِلا يريد أنَّ الهمزتين (٣) في كلمة لاتكون الأولى منهما إلا مفتوحةً لأنها همزة استفهام، والثانية تأتي مفتوحة ومضمومة ومكسورة، وإنما قدم هذا ليجعله توطئةً للكلام في الفصل بين الهمزتين ثم قال بعده: ١٤ - ومَدُّكَ قَبْلَ الفَتْحِ والكَسْرِ حُجَّةٌ … بها لُذْ وقَبْلَ الكَسْرِخُلْفٌ لَهُ وَلا أشار بقوله: «حجة بها لذ» إلى الجواب عن اعتراض المعترض إذ قال: إن هؤلاء قد خففوا الهمزة بأن سهلوها، والغرض بالمد بين الهمزتين زوال استثقال اجتماعهما فأرادوا الفصل بينهما كما فصلوا بين المثلين في قولهم: اضْرِبنْانْ، وقد زال ذلك بتخفيف الثانية فيجاب صاحب هذا الاعتراض: بأنها وإن سهلت فهي في زنة المحققة في الاستثقال وقبل الكسر أي: وفي المدِّ قبل/ المكسورة خلف لهشام، والولاء مصدر وَلِيَ يَلِي وَلاءً، فهو وَلِي، والوالي الناصر هاهنا لأنَّ هذا الخلف لما تولى الوجهين معاً صار كأنه قد نصرهما.

стр. 325

١٥ - وفِي سَبْعَةٍ لا خُلْفَ عَنْهُ بِمَرْيمٍ … وفِي حَرْفَي الأعْرَافِ والشُّعَرَا العُلا لاخلف عن هشام في المد في هذه السبعة، وقد ذكرها معنية فقال: «بمريم» يعني ﴿آءِذَا مَامِتُّ﴾ (١) وفي حرفي الأعراف يعني ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُون - أَئِنَّ لَنَا لأَجْرَاً﴾ (٢) وفي الشعراء ﴿أَئِنَّ لَنَا لأَجْرَاً﴾ (٣) [والعُلا صفة، والتقدير الكلمات العلا] (٤). ١٦ - أئِنَّكَ آئِفْكَاً مَعًا فَوْقَ صَادِهَا … وَفِي فُصِّلَتْ حَرْفٌ وبِالخُلْفِ سُهِّلا فوق صادها يريد والصافات ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ المصَدِّقِين﴾ (٥) ﴿أَئِفْكَاً﴾ (٦) وفي فصلت ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ﴾ (٧) وبالخلف سهل عن هشام يعني أدخل بينهما ألفاً في فصلت، وسهل الثانية جمعاً بين اللغتين ووقوفاً عند النقل والرواية، ففي هذه السبعة المواضع أدخل بينهما ألفاً بلا خلاف وفيما سوى ذلك من هذا الضرب خلف، قال الحافظ أبو عمرو: وقرأت على أبي الفتح بالمد في جميع ذلك من غير استثناء وقرأت على ابن غلبون بالمد له في المواضع السبعة المذكورة دون غيرها، وحجة من فرق الجمع بين اللغتين متابعة السنة، [والضمير في صادها يرجع إلى سورة القرآن] (٨).

стр. 326

١٧ - وأَئِمَّةً بِالخُلْفِ قَدْ مَدَّ وَحْدَهُ … وَسَهِّل سمَا وَصْفَاً وَفِي النَّحْوِ أُبْدِلا وجه المدِّ أنه أعطاه حكم الهمزتين المجتمعتين، فأدخل الألف بينهما ليزول الثقل الحاصل باجتماعهما، وترك المد لأنه ليس بموضع للمد لعدم حرف المد، فهومثل قولك: أسد وأبد. وقوله: «وسهل سما وصفاً» يشير به إلى صحة مذهب من سهل وتقديمه على رأي من أبدل، والتسهيل أن تجعل الثانية بين مخرج الياء والهمزة، وهو الذي جاء في الأثر. في مذهب من لم يحقق، وأطبق عليه أهل الضبط والإتقان ممن يرجع إليه ويعول عليه كابن مجاهد، وابن أبي ها شم وغيرهما، وهو الذي دونوه في كتبهم واشتهر في أمصار الإسلام. وقد قال بعض أئمة العربية: إنَّ التصريح بالياء ليس بقراءة ولا يجوز أن يكون ومن صرح بها فهو لاحنٌ محرف، ومن سهل فعلى أصله في استثقال اللفظ بهمزتين مجتمعتين فأجرى ذلك مجرى ﴿آءِذَا﴾، و ﴿أَئِفْكَاً﴾ وإن كانت هذه الهمزة أصلها السكون إلا أنها الآن متحركة، ولا فرق في الاستثقال بين الحركة العارضة و الأصلية. وقوله: «وفي النحو أبدلا» يريد أنَّ من النحويين من لايجوِّز فيها غير البدل نظراً إلى الأصل، وعلى ذلك أبو علي (١) ومن تابعه ممن لخص كلامه أوجبوا البدل وفرقوا بين هذه الكلمة وبين ﴿أَإِنَّا﴾ (٢)، و ﴿آءِذَا﴾ (٣) من

стр. 327

جهة أنَّ الحركة هنا أصلية، وثم عارضة فنظروا إلى سكونها في الأصل، ومن الأمر المستقر أنَّ الثانية إذا كانت ساكنةً أبدلت فأبدل منها ياء مكسورة لما كانت مكسورة كما يبدل منها ألف في نحو آدم إذا كانت ساكنة، ولما نظروا إلى أنَّ أصل هذه الهمزة السكون ضعَّفُوا قراءة من حقق لذلك وكرهوها، والقراءة ثابتة لا ترد بمثل هذه الخرافات. ووجه التحقيق أنَّ هذه الحركة التي على الهمزة هي حركة الميم نقلت إليها فاقتضى ذلك تبقية الهمزة لتدل بحركتها على ذلك قاله أبو إسحاق (١). و «أئمة» جمع إمام وأصلها أَأْمِمَة كَسِوَار وأَسْوِرَة، ومِثَال وأَمْثِلَة، وخِمَار وأَخْمِرَة، ومن الأصل المقرر في العربية أنه متى اجتمع مثلان في غير فعل نحو: شرر وطلل، أو في غير الملحق نحو: قردد، فلا بد من الإدغام إلا في أشياء شاذة فلما اجتمع ميمان هاهنا ووجب الإدغام على الأصل المطرد في العربية نقلت حركة الميم إلى الهمزة ثم أدغمت فصار أَإِمَّة فأشبه لفظ أإنا فمن حقق شَبَّهه به من حيث أنَّ الهمزة التي للاستفهام زائدة دخلت على إنا وإذا وإفكاً كذلك الهمزة الزائدة المفتوحة في أئمة دخلت على همزة إمام فلما أشبهتها في الزيادة جرياً على حكمٍ واحدٍ وكذلك شبهه من سهل. ١٨ - ومَدُّكَ قَبْلَ الضَّمِّ لَبَّى حَبِيبُهُ … بِخُلْفِهمَا بَرَّاً وجَاءَ لِيفْصِلا هذه الهمزة جاءت في ثلاثةِ مواضع ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ (٢) في آل عمران و ﴿ءَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ (٣) في صاد، و ﴿أَءُلْقيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ﴾ (٤) في القمر

стр. 328

ولم يذكر في التيسير فيه الخلاف عن أبي عمروٍ وإنما ذكره عن هشامٍ وقد ذكر ذلك غيره عن أبي عمرو طرداً لأصله في الفصل بين الهمزتين بألف رُوي ذلك عن ابن اليزيدي عن أبيه عن أبي عمرو، وروي من طريق أبي شعيب أيضاً، والمشهور عن أبي عمرو ترك المد. ومعنى قوله: «وجاء ليفصلا» أي: ليفصل بين الهمزتين، ولأنَّ المسهلة لما كانت بزنة المحققة بقي شيءٌ من الثقل الحاصل باجتماعهما فجاء المد للفصل بينهما. ١٩ - وفي آلِ عِمْرَانٍ رَوَوْا لهشَامِهِم … كَحَفْصٍ وفي البَاقِي كَقَالونَ واعْتَلا قال الحافظ أبو عمرو في التيسير (١): قرأت على أبي الحسن لهشام بتحقيق الهمزتين في آل عمران من غير مد؛ فهذا معنى قوله: «كحفص» وإنما مثَّل بحفص دون غيره ممن يقرأ كذلك ليقيم الوزن. قال صاحب التيسير (٢): وقرأت في الموضعين الباقيين كقالون بالمد والتسهيل؛ فهذ معنى قوله: «وفي الباقي كقالون»، ثم ذكر في التيسير (٣) من قراءته على أبي الفتح لهشام بتحقيقها وإدخال ألف بينهما في الجميع.

стр. 329

باب الهمزتين من كلمتين ١ - وأَسْقَطَ الأولى في اتَّفَاقِهمَا مَعَاً … إِذَا كَانَتَا مِنْ كِلْمَتَينِ فَتَى العُلا حُجة من أسقط الأولى من هذا النوع أنه اكتفى بالثانية لدلالتها على الأولى بحركتها المماثلة لحركتها، وإنما اختص الأولى بالحذف لأنها في طرف، والأطراف مواضع التغيير، ولأنه أجرى مجرى الساكنين إذا اجتمعا من كلمتين في تغيير الأول منهما ثم مثَّلَه فقال: ٢ - كَجَا امْرُنَا مِنْ السَّمَا إِنْ أَوْلِيَا … أُولَئِك أَنْوَاعُ اتِّفَاقٍ تجَمَّلا ﴿فجَآءَ أَمْرنا﴾ (١) مثال المفتوحتين و ﴿من السَّمَآءِ إنَّ في ذَلِكَ﴾ (٢) مثال المكسورتين، و ﴿أوليآءُ أَولئك﴾ (٣) مثال المضمومتين، «أنواع اتفاق» تجملا أي: تزيَّن أو تجمع. [فإن قلت بمثيله بقوله : ﴿فجَآءَ أَمْرنا﴾، و ﴿أوليآءُ أُولَئِكَ﴾ معلوم. فأما قوله: ﴿مِنْ السَّمَآءِ إنَّ﴾ أين وقع هذا في القرآن فقد أعياني النظر فيه، قلت: هو كما تقول لأنه لم يقع في القرآن إلا في موضعٍ واحدٍ، وهو قوله في سورة سبأ: ﴿أونُسْقِط عَليهم كِسَفَاً من السَّمَآءِ إنَّ في ذلك لآيةً لكلِّ عَبْدٍ مُنِيب﴾] (٤).

стр. 330

٣ - وقَالُونُ والبَزِّيُّ في الفَتْحِ وَافَقَا … وفي غَيْرِهَا كَالْيا وكَالْوَاوِ سَهَّلا الحجة لهذا التفريق أنه اتباعٌ للنقل، وجمع بين اللغتين، والحجة في تليين الأولى من المذكور أنَّ اجتماعهما هو علة التخفيف، فإذا حذف الأولى فكأنه خفف قبل الاجتماع ويشهد لذلك إجماع العرب على تخفيف الثانية الساكنة في الكلمة الواحدة. ٤ - وبالسُّوءِ إلا أَبْدَلا ثُمَّ أَدْغَمَا … وفِيه خِلافٌ عَنْهُمَا لَيسَ مُقْفَلا إنما أُبدلا في هذا لأنَّ أصلهما تسهيل الهمزة بين بين، فلو فعلا ذلك هاهنا لقرُبت من الساكن وقبلها ساكن ففي ذلك ما هو باجتماع الساكنين، وليس من مذهبهما في هذا الضرب الحذف فلم يبق من وجوه التخفيف إلا البدل فأُبدلا واجتمع مثلان فوجب الإدغام. وأما الخلاف بينهما فلم يذكره في التيسير، وهو أنهما يجريان على أصلهما في تليين الأولى نحو الياء، وهذا عن البزي [أشهر والآخر عن قالون أكثر واعتمد ابن عبد البر] (١) على هذا الوجه لقالون في كتابه الذي صنفه في قراءة نافع، وأباه أبو عمروٍ في كتبه، وبَيَّنَ خطأه. ٥ - والاُخْرَى كَمَدٍّ عِنْدَ وَرْشٍ وَقُنْبُلٍ … وقَدْ قِيلَ مَحْضُ المدِّ عَنْها تَبَدَّلا اختلف عنهما في كيفية تخفيف الثانية، فقال قومٌ: بالبدل وهو مذهب القرَّاء، وقال [آخرون] (٢): بل تجعل بين بين، وهو مذهب النحاة فعبَّرَ في قوله: «كمدٍّ» عن تسهيلها بين الهمزة والألف، أو بين الهمزة والياء الساكنة، أو بين الهمزة والواو الساكنة لأنها تصير كأنها مدة في اللفظ، وعبَّر بمحض المد عن البدل وكيفية ذلك.

стр. 331

أما المفتوحة كجاء أمرنا فإذا أبدلها صار في اللفظ مدتان: مدَّةٌ قبل الهمزة بقدر ألفين، ومدة بعدها بقدر ألف. قال أبو عمروٍ: لأنها خَلَفٌ من همزة فمدتها في التقدير كشطر المدة الأولى، والبدل قول عامة المصريين عن ورش، ويستغرب عن قنبل. وممن ذكره عنهما ابن شريحٍ في الكافي، وإذا سهل الهمزة صار في الحرف الذي جعل خلفاً منها مدٌّ يسير على قدر التسهيل. قال أبو عمرو: وإنما يقدره القراء بألف تقريباً، والتسهيل أقيس في العربية (١). وأما ﴿جَآءَ آلَ لُوط﴾ (٢) و ﴿جَآءَ آلَ فِرْعَون﴾ (٣) فإنَّ البدل هاهنا ممتنع والتسهيل متعين لأنَّ بعد الهمزة ألفاً، فإذا أبدلتا اجتمع ألفان فيؤدي إلى حذف الألف للساكنين/ وكيفيته أنَّ الهمزة تقع بين مدتين مشبعتين زائدتين في التمكين مستويتين من أجل تلك الألف لورش وهما مستويتان أيضاً لقنبل ومقدارهما في المد واحد [من أجل تلك الألف] (٤). قال أبو عمرو: وهذا مذهبُ الحذَّاقِ من أهل الأداء. والدليل على زيادة المد هاهنا أنك إذا ابتدأت كلمة آل أتيت بعد الهمزة بألف، وإذا وقفت في سائر الباب على الكلمة الأولى وابتدأت بالثانية حققتها ولم تأت بعدها بألفٍ، فاتضح لذلك زيادة التمكين في الموضعين المذكورين دون سائر الباب.

стр. 332

قال أبو عمروٍ: وقولنا مدة في تقدير ألف وألفين وإنما نعني به تحقيق المد في الزيادة والنقصان، وقد استعمل ذلك الأكابر من أهل الأداء كابن مجاهدٍ، وأبي طاهر، وأحمد ابن يعقوب ونظائرهم، وأطلقوا ذلك في كتبهم، وكذلك من تقدمهم من رؤساء النحويين [وأعلامهم] (١) مثل سيبويه، والمبرِّد وغيرهما ممن سلك طريقهما، ولا يلتفت إلى من غَلُظ طبعُه، وبَعُد فهمُه، وتحكم جهلُه، وضَعُفت بصيرتُه، وقَلَّت معرفتُه فأنكر ذلك وطعن فيه لقول من تقدَّم من الأئمة به مع وضوح صحته وظهور دليله. قال: فإن قيل: فهل يكون مدٌّ دون ألفٍ أو فوق ألفين؟ قلت: ذلك لا يكون عند علمائنا أصلاً. قال: ودليل تقديرهم الهمزة المجعولة بين بين بألفٍ أنَّ المد الذي حدث فيها بالتوهين قدر ألف ساكنة مع كونها في الحقيقة كالمتحركة، وأما المضموم فيجعلها بين الهمزة والواو الساكنة، فتصير كأنها مدة في اللفظ، وإن أبدلت جعلتها واواً ساكنة. قال أبو عمروٍ: وأخذ عليَّ خلفُ بنُ إبراهيم (٢) لورش بجعل الثانية واواً مضمومة بدلاً من الهمزة كما سيأتي في ﴿هؤلآءِ إِنْ﴾ (٣) و ﴿البِغَآءِ إِنْ﴾ (٤).

стр. 333

وأما المكسورة فإذا سَهلت لهما [لينتها بين الهمزة والياء الساكنة] (١) فتصيركأنها مدَّةٌ في اللفظ، وإن أبدلت جعلتها ياءً ساكنةً. ٦ - وفي هَؤلا إِنْ وَالْبِغَا إن لِوَرْشِهم … بياءٍ خَفِيفِ الكَسْرِ بَعْضُهمُ تَلا قوله: «بياءٍ خفيف الكسر» قد تقدم مذهبه في البدل والتسهيل وذلك في هذين وغيرهما، وروي عنه في هذين خاصة إبدال الثانية ياء مكسورة لانكسار ما قبلها. قال الحافظ أبو عمروٍ: يكسرها كسرةً خفيفةً حكى لي ذلك خلف بن إبراهيم عن أصحابه عنه في هذين الموضعين خاصة، وكذلك قرأتهما على أبي الفتح وابن غلبون وابن خاقان، وذلك مشهورٌ عن ورش من طريق المصريين، وبه كان يأخذ أبو غانم، ومحمد بن علي وغيرهما، وقد قرأت في هذين الموضعين أيضاً بالترجمة الأولى [وهي التسهيل] (٢) وهو القياس عند الخليل، وسيبويه، وقد ذهب إليه قومٌ من المصريين أبو بكر بن سيف وغيره. قال أبو الطيب عبد المنعم بن غلبون ﵀: اختياري في هذين الموضعين اختيار ابن سيف (٣) وابن هلال (٤) ومن قبلهما من الأئمة ليكون

стр. 334

الفصل بكماله على أصلٍ واحدٍ، وقد اتفق عليه لغويان وقنبل عن ابن كثير، ومقرئان جليلان من المصريين يعني جعل الثانية بين الهمزة والياء الساكنة، ولم يذكر في التيسير في الباب كلِّه؛ أعني باب المتفقتين غير التسهيل. ٧ - وإنْ حَرْفُ مَدٍ قَبْلَ هَمْزٍ مُغَيَّرٍ … يجُزْ قَصْرُه والمدُّ مَا زَالَ أَعْدَلا مَنْ مدَّ احتجَّ بأنَّ الثانية قامت مقام الأولى، وبأنَّ المسهلة في معنى المحققة، ومن قصر احتجَّ بأنَّ موجبَ المدِّ قد زال إما بالحذف وإما بالتسهيل، وذلك في مثل: ﴿جَآءَ أمْرُنَا﴾ (١)، و ﴿السَّمَآءِ إِنْ﴾ (٢)، و ﴿أَوْليآءُ أُولَئِكَ﴾ (٣). ٨ - وتَسْهيُل الاُخْرَى في اخْتِلافِهِمَا سما … تَفِيءَ إِلى مَعْ جَاءَ أُمَّةً أُنْزِلا إنما سما التسهيلُ هاهنا على الحذف فكان أولى، لأنَّ حركتهما مختلفة فلو حذف لم يبق ما يدل فوجب التسهيل، وخُصَّتْ به الثانية لأنَّ الثقل بها حَصَل ثم قال: ٩ - نَشَاءُ أَصَبْنَا وَالسَّمَاءِ أَوِائْتِنَا … فَنَوْعَانِ قُلْ كَاليَا وكَالْوَاوِ سُهِّلا اعلمْ أنَّ أضربَ هذا النوع خمسة، وقد ذكرها فذكر في هذا البيت مفتوحة بعد مضمومة، ومفتوحة بعد مكسورة، وذكر في البيت الذي قبله مكسورة بعد مفتوحة، ومضمومة بعد مفتوحة، والضرب الخامس فيما بعده وهو قوله: ﴿يَشَاء إِلى﴾ (٤).

стр. 335

فأما ﴿تَفِاء إِلى﴾ (١) و ﴿جَآءَ أُمَّة﴾ (٢)، «فنوعان قل كالياء وكالواو سُهِّلا» أراد بقوله: كالياء ﴿تفئ إلى﴾ وكالواو ﴿جاء أمة﴾، والضابط له أنك تجعلها بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها. وأما ﴿نَشَآءُ أَصَبْنَاهُم﴾ (٣) و ﴿السَّمآءِ أَوْائْتِنَا﴾ (٤)، فنوعان منها أبدلا منهما يعني: أبدل الواو والياء منهما أي: من همزهما وإنما وجب البدل هاهنا لأنها همزة مفتوحة وقبلها مضمومة، أو مكسورة، فلو سهلتها لقربتها من الألف، والألف لايكون ما قبلها إلا مفتوحاً فلم يبق إلا إبدالها من جنس حركة ماقبلها، فتبدل واواً في نشا أصبناهم، وياء في السماء أو. ١٠ - ونَوْعانِ مِنْهَا أُبْدِلا مِنْهُمَا وَقْلْ … يَشَاءُ إِلى كَاليَاءِ أَقْيسُ مَعْدِلا وأما ﴿يَشَاءُ إِلَى﴾ فالقياس أن يُسهل بين الهمزة والياء، لأنَّ الياء أم الكسرة وحركتها كسرة [والضمير في أبدلا يعود على الواو والياء] (٥). ١١ - وعَنْ أَكْثَرِ القُرَّاءِ تُبْدَلُ وَاوَهَا … وكُلٌّ بِهَمْزِ الكُلِّ يَبْدَا مُفَصِّلا أي: تبدل عن أكثر القراء واواً مختلسة الكسر، وقال: «عن أكثر القراء» لأنَّ منهم من يجعلها بين الواو والهمزة، ووجهه أنَّ الضم لما كان أثقل من الكسر، والحاكم على التسهيل هو الأثقل كان تدييرها بحركة ما قبلها لأنها أثقل وأولى من تدييرها بحركة نفسها، وقد أشار إلى أنَّ الوجهين

стр. 336

مقبولان معمولٌ بهما، وأنَّ أهلَ التحقيق يأخذون بهما بما وصف به على كل واحدٍ منهما. وقوله: «وكلٌّ بهمز الكلِّ يَبدا مُفَصِّلا» لأنَّ بالفصل يزول موجبُ التسهيل وهو استثقال اجتماعهما، وكذلك من حقق قدر الانفصال فيهما وقوَّاه ولم يعتد بالاتصال لذهابه في الوقف، فلمَّا لم يعتد بالاتصال لم يعتد بالتخفيف له. ١٢ - والابْدَالُ محضٌ والمسَهَّلُ بَينَ مَا … هُوَ الهمْزُ والحَرْفِ الَّذِي مِنه أُشْكِلا [بيَّنَ بهذا حقيقة الإبدال والتسهيل، فقال: الإبدال هو أن تبدل الهمزة حرفاً محضاً خالصاً، والتسهيل أن تجعل بين الهمزة والحرف الذي منه تولدت حركة الهمزة (١)، هذا معنى قوله: «منه أشكلا»] (٢) يعني أشكل الهمز، وأما كيفية اللفظ به فقد نصوا عليه، فقالوا: هو أن تجعل في الحرف الذي جعل منها خلفاً منها مداً يسيراً بمقدار التسهيل. وقال بعضهم: هو أن يُلَين صوتُها ويُقَرَّب من حرف اللين الذي منه حركتها. وقال آخرون: فتصير كالمدة في اللفظ، وهو معنى قول ابن مجاهد حين حكى مذهب ابن كثير، وأبي عمروٍ، ونافع في [ءأنذرتهم، فقال: بهمزة مطولة، وبذلك قال اليزيدي عن أبي عمروٍ] (٣) في هذا أنه يقرأ بهمزةٍ

стр. 337

واحدةٍ ممدودةٍ، ولم يعْنِ أحد منهم بذلك البدل وإنما عنوا إضعاف الصوت بالهمزة فتصير كالمدة، ويدل على ذلك قول أبي طاهر ﵀: أنَّ أبا عمروٍ يدخل ألفاً بين همزتين، ويلين ألف القطع فيكون في تقدير ثلاث ألفات. وقد غَلِط قومٌ في الإشارة إليها فأخرجوها من مخرج الهاء.

стр. 338

باب الهمز المفرد ١ - إِذَا سَكَنَتْ فاءً مِنْ الفِعلِ هَمْزَةٌ … فَوَرْشٌ يُرِيها حَرْفَ مَدٍّ مُبْدِلا الذي يعرف المتعلمُ الهمزة التي هي فاء الفعل ثلاثة أشياء. أحدها: أن يقال كلُّ ما كان وقوعه بعد همزةِ وصلٍ فهو فاءُ الفعل نحو: ﴿ائتوا﴾ (١)، و ﴿فأتوا﴾ (٢)، و ﴿الذي اتمن﴾ (٣). والثاني: أن يقال: كلُّ ما كان ساكناً بعد ميمٍ فهو فاء الفعل نحو ﴿مأمون﴾ (٤)، و ﴿مأكول﴾ (٥)، و ﴿مأتياً﴾ (٦). والثالث: أن ما كان منه بعد حروف المضارعة فهو فاء الفعل، وحروف المضارعة يجمعها قولك: نأيت نحو: ﴿نَأْتي الأرض﴾ (٧)، و ﴿يأتي﴾ (٨)، و ﴿يأتون﴾ (٩). واعلمْ أنَّ تخفيفَ الهمزة لغةُ أهل الحجاز، والموجب له طلب الخفة، وهذه الهمزة أولى بالتخفيف من المتحركة لأنَّ السكون زادها ثقلاً من أجل أنه

стр. 339

أمسكها عن الخروج بسرعة، وإنما اختص ورش فاء الفعل لأنَّ من أصله تسهيل الهمزة المبتدأة بنقل حركتها فلما كانت التي هي فاء الفعل في حكم المبتدأة أجرى الساكنة هاهنا مجرى المتحركة، ثم ولأنه لما سهلها في الماضي سهلها هاهنا في المستقبل ليكون حكم الباب واحداً، ثم جرى هذا الحكم على اسمي الفاعل والمفعول إلحاقاً بالمضارع إذ كانا مشتقين منه. وقوله: «حرفَ مدٍّ مُبْدِلا» أي: يبدلها حرفَ مدٍّ/ من جنس حركة ما قبلها واواً إن كانت ضمةً نحو يومن، وألفاً إن كانت فتحةً نحو: فاتوا، وياءً إن كانت كسرةً نحو: الذي ايتمن. ٢ - سِوَى جُمْلةِ الإيواءِ والواوُ عَنْه … إِنْ تَفَتَّحَ إِثْرَ الضَمِّ نحوُ مُؤَجَّلا إنما استثنى (١) تؤوي وبابه لأنَّ التسهيل في تؤوي أثقل من التحقيق لاجتماع واوين إحداهما مكسورة، والأخرى مضموم ما قبلها فاقتضى ذلك ترك التسهيل، وطرد ذلك في جميع الباب ليكون الحكم فيه واحداً، وفي استثنائه أيضاً جَمْعٌ بين اللغتين وعلى اتِّباع النقل المعوَّل. «والواو عنه إن تفتح» (٢) الهمز الذي هو فاء الفعل بعد مضموم يعني يبدله واواً، ووجه ذلك أنه لما كان من أصله تسهيل الهمزة في فاء الفعل إذا كانت ساكنة جرى على أصله في إبدالها إذا انفتحت وانضم ما قبلها إذ البدل فيها جارٍ على القياس المطرد من حيث إنه لا يمكن جَعْلُها بين بين لأنها لو

стр. 340

جعلت كذلك لكانت بين الهمزة والألف، والألف لايكون ما قبلها مضموماً فتعين البدل. وأما غير هذا من الهمز المتحرك فإنما لم يسهله وإن كان فاءً من الفعل نحو: ﴿مَأب﴾ (١)، و ﴿مَأرِب﴾ (٢)، و ﴿فَأذَّن﴾ (٣)، و ﴿أو يَتَأَخَّر﴾ (٤)، و ﴿فَأَكَلَه﴾ (٥)، و ﴿فَأَخَذَهم﴾ (٦) ونحوه، وأنه لو سهله لسهله بين بين على أصل التسهيل في إبقاء أثر الهمزة ليدل ذلك على أصلها، والتسهيل على هذه الصورة تقريب من الساكن، والدليل على ذلك أنه لايبتدأ بهمزة بين بين كما لايبتدأ بالساكن، وما بعد هذا الهمز الذي نحن فيه فساكن في أكثر المواضع نحو مآرب، ومآب فلو سهل لجمع بين ساكنين فحقق الهمز فراراً من اجتماع ساكنين، وحمل عليه ما لم يقع بعد همزة ساكن نحو: ﴿يتأخر﴾، و ﴿فأكله﴾ ليكون حكم الباب واحداً. ٣ - ويُبْدِلُ للسُّوسِيِّ كُلُّ مُسَكَّنٍ مِنْ … الهمْزَ مَدَّاً غَيرَ مجزُومٍ أُهْمِلا إنما سهل أبو عمرو الهمزة الساكنة من باب الهمز المفرد دون المتحركة لأنها أثقل من المتحركة، أو لأنها أخفُّ وذلك أنهم اختلفوا في الساكنة والمتحركة أيهما أخف، فقال قومٌ: الساكنة أخف، واستدلوا بأنك إذا

стр. 341

لفظت بالساكنة لفظت بصوتٍ واحدٍ وإذا لفظت بالمتحركة لفظت بصوتها وبصوت حركتها، والحركة لحرف ناقص وحرف أخف من حرفين فلما كانت أَخَفَّ خَفَّ تسهيلُها لخفتها. وقال آخرون: بل هي أثقل لأنها لاتخرج إلا مع حبس النَفَس لعدم حركة تُعينها على الخروج وهي محبوسة، والمتحركة لا يحتبس معها النفس وهي مطلقة لوجود مايعينها على الخروج، ولأنَّ إبدال الساكنة مع المتحركة حتم، ولولا ثقلها لم يلزم بدلها بخلاف المتحركة إذ ليس بحتمٍ تسهيلها، بل يجوز الجمع بين الهمزتين المتحركتين، ولولا أنها أثقل من المتحركة لحققت مع المتحركة على كل حال فلما كانت أثقل خففها. وقال قومٌ: إنما سهل الساكنة دون المتحركة لأنه لو سهل المتحركة لسهلها بين بين، وهمزة بين بين في الثقل كالمحققة، ألا تراه فصل بينها وبين أختها في نحو ﴿ءَأَنْذَرْتَهُم﴾ (١) وحذفها في نحو ﴿هَؤلاءِ إِنْ كُنْتُم﴾ (٢)، فلما كان تسهيل المتحركة لا يخرجها عن الاستثقال تركها على حالها. وأما الساكنة فإنها تخرج به منه. وقوله: «كلُّ مُسَكَّن من الهمز» بغير شرط سواءٌ كان فاءً، أو عيناً، أو لاماً إلا المجزوم المستثنى، ومعنى «أهملا» أي: لم يدخل مع المسهل. ٤ - تَسُؤْ ونَشَأْ سِتٌّ وعَشْرٌ يَشَأْ ومَعْ … يُهيِّئْ ونَنْسَأْهَا يُنَبَّأ تَكَمَّلا اعلمْ أنَّ هذا المستثنى على خمسة أضرب الأول: ماسكونه علامة الجزم، والثاني: ما سكونه علامة للبناء، والثالث: ماهمزه أخفُّ من تسهيله،

стр. 342

[والرابع: ماتسهيله يلبسه بغيره، والخامس: ما يخرج تسهيله] (١) من لغةٍ إلى أخرى. فأما الضرب الأول: وهو ما سكونه علامة للجزم فهو جميع المذكور في هذا البيت، وقوله: «تسؤ ونشأ ست» يريد أنَّ مجموعها ست لأنَّ تسؤ ثلاثة في آل عمران ﴿تَسُؤْهم﴾ (٢)، وفي المائدة ﴿تَسُؤْكُم﴾ (٣)، وفي التوبة ﴿تَسُؤْهم﴾ (٤)، ونشأ ثلاثة في الشعراء ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيهم﴾ (٥)، وفي سبأ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ﴾ (٦)، وفي يس ﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُم﴾ (٧). وأما يشأ فعشر كلمات في النساء ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُم﴾ (٨)، وفي الأنعام ﴿مَنْ يَشَأ اللهُ يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ﴾ (٩)، وفيها ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُم﴾ (١٠)، ومثله في إبراهيم (١١)، ومثله في فاطر (١٢)، وفي بني إسرائيل ﴿إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُم أَوْإنْ يَشَأْ يُعَذِبْكُم﴾ (١٣)، وفي الشورى ﴿إنْ يَشَأْ

стр. 343

يُسْكِن الرِّيحَ﴾ (١)، و/ ﴿فإنْ يَشَأ اللهُ يخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ (٢)، ومع يهيئ يعني ﴿يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُم﴾ (٣). «وننسأها» يعني: أو ﴿نَنْسَأهَا نَأتِ بخيرٍ﴾ (٤) «ينبأ» أي: مع هذين ﴿يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ﴾ (٥)، ثم ذكر الضرب الثاني وهو ما سكونه للبناء فقال: ٥ - وهَيِّئْ وأَنْبئْهمْ ونَبِّئ بِأَرْبَعٍ … وأَرْجِئْ مَعَاً واقْرَأ ثَلاثَاً فَحَصِّلا يريد ﴿يُهَيِّئ لنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدَاً﴾، و ﴿أنْبِئْهُمْ بِأسمآئِهم﴾ (٦)، ونبئ بأربع يريد ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِه﴾ (٧)، و ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾ (٨)، ﴿ونَبِّئْهُم عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيم﴾ (٩)، ﴿ونَبِّئْهُم أنَّ المآءَ﴾ (١٠). «وأرجئ معاً» يريد قوله: ﴿قَالوا أَرْجِهْ﴾ في الأعراف والشعراء (١١)،

стр. 344

«واقرأ ثلاثاً» ﴿أقرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، و ﴿اقْرَأْ ورَبِّكَ الأكْرَمُ﴾ (١)، ثم ذكر الضرب الثالث، والرابع في هذا البيت فقال: ٦ - وتُؤْوي وتُؤْوِيهِ أَخَفُّ بِهَمْزِهِ … وَرِئْياً بِتَرْكِ الهَمْزِ يُشْبِه الامْتِلا ﴿وتُئوِي إليكَ مَنْ تَشَآء﴾ (٢)، ﴿وفَصِيلَتِهِ التي تُئْوِيهِ﴾ (٣) فهذا بالهمز أخفُّ منه بالتسهيل، وريِّاً بترك الهمز يشبه الرِّي، وهو الامتلاء بالماء، ثم ذكر الضرب الخامس وهو ما يخرج بتسهيله إلى لغةٍ أخرى فقال: ٧ - ومُؤْصَدَةٌ أَوْصَدَتُ يُشْبِه كُلُّهُ … تخيَّرَهُ أَهْلُ الأَدَاءِ مُعَلِّلا معنى قوله: «تخيره أهل الأداء معللا»، وهو قول أبي عمروٍ في التيسير: أن ابن مجاهدٍ كان يختار تحقيق الهمزة في ذلك كلِّه من أجل تلك المعاني وبذلك قرأت (٤). اهـ وقد تضمنت كتب الأئمة ابن غلبون، والطرسوسي، والنقاش، والمكي، والمهدوي وغيرهم أنَّ السوسيَّ وغيره روى عن اليزيدي عن أبي عمرو أنه كان يترك كل همزةٍ ساكنةٍ في جميع القرآن إلا في خمسة وثلاثين موضعاً فإنه خالف أصله فيها فهمزها، وإن كانت ساكنةً، وفي هذا الموضع إشكال يحتاج إلى بيان. فاعلمْ أنَّ أبا عبد الرحمن حكى عن أبيه، عن أبي عمروٍ أنه كان إذا قرأ لم يهمز ما كانت الهمزة فيه مجزومة، وكذلك روى محمد بن شجاع،

стр. 345

وأبوخلاد، وأبو حمدون عن اليزيدي، فهذا يدل على أنه كان يترك الهمز في الصلاة وغيرها. وروى أبو عمرو، وإسماعيل، وإبراهيم، وأبوجعفر اليزيديون عن اليزيدي كان أبوعمرو إذا قرأ فأدرج القراءة لم يهمز [كل ماكانت الهمزة فيه مجزومة مثل يؤمنون ويأكلون، وهذا القول يدل على أنه إذا لم يُسْرِع هَمَز] (١). وروى السوسي عن اليزيدي كان أبوعمرو إذا قرأ في الصلاة لم يهمز كل ماكانت الهمزة فيه مجزومة، فقول السوسي يدل على أنه يهمز في غير الصلاة لكن مجموع هذه الروايات يدل على أنه كان يترك الهمز في الحال المقتضية للتخفيف، فقد جاءت الرواية عن اليزيدي من جميع هذه الطرق أنَّ أبا عمروٍ كان إذا أدرج القراءة، أو قرأ في الصلاة سهل كل همزة ساكنة في جميع القرآن. فأما قوله: «ويبدل للسوسي» فلأنَّ القراءة به وقعت من طريقه لامن طريق الدوري، وعن السوسي اشتهر ذلك اشتهاراً عظيماً دون غيره. وأما المواضع المذكورة المستثناة فكل الأئمة الذين ذكرتهم وغيرهم يذكر ذلك عن أبي عمروٍ إلا أنَّ أبا طاهرٍ قال: فخص أبو بكر شيخنا ﵀ من ذلك ما كانت الهمزة فيه ساكنةً سكوناً لازماً، فترك همزة كله وهمز منه ما كان سكونه عارضاً غير لازمٍ كسكون همزة ﴿أو نَنْسَأها﴾ (٢)، و ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِن

стр. 346

الرِّيحَ﴾ (١)، و ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ (٢)، ﴿وهَيئْ لَنَا﴾، ﴿ويُهَيئْ لَكُمْ﴾ (٣) ﴿ونَبِّئْهُم عن ضَيْفِ إِبْرَاهم﴾ (٤)، و ﴿أَنْبِئْهُم بِأسْمَآئِهم﴾ (٥). ثم قال: وكان أبو بكرٍ ﵁ لايرى ترك الهمز إذا كانت علماً لمعنى يزول ذلك المعنى بذهابها، وذلك قوله: ﴿أثَاثَاً ورِءْياً﴾ (٦) و ﴿إنَّهَا عَلَيْهم مُؤْصَدَة﴾ (٧)، ولا يرى ترك الهمز في قوله: ﴿التي تُئْوِيهِ﴾ (٨)، ﴿وتُئوِي إِلَيْكَ﴾ (٩) لأنه حدثنا عن عبد العزيز بن محمد الهلالي (١٠) عنه، عن أبيه، عن محمد بن عمر ابن رومي (١١) عن اليزيدي، عن أبي عمروٍ أنه كان يهمزه فمن هاهنا أخذ صاحب التيسير (١٢) أنَّ ذلك اختيار ابن مجاهد.

стр. 347

والرواية في ﴿تُئْوِيهِ﴾ و ﴿تُئوِي إِلَيْكَ﴾ تدل على أنه ذلك عن أبي عمروٍ، فقد صرح ابن مجاهدٍ في كتابه بنسبة ذلك إلى أبي عمروٍ، وقال: «فإذا كان سكون الهمزة علامة للجزم لم يترك همزها مثل ﴿ننسأها -وتسؤكم﴾، ﴿وهَيئْ لَنَا﴾ (١)، و ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾ (٢)، و ﴿مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ﴾، ﴿ويُهَيئْ لَكُمْ﴾ (٣) / وما أشبه ذلك فلم يبق سوى (ورِءْياً -ومُؤْصَدَة) وقد ذكر عن أبي عمروٍ [همزهما في موضعيهما في كتابه فثبتت جميع ذلك عن أبي عمروٍ بخلاف] (٤) ما ذكر أبو طاهر والذي في كتب الأئمة من ذلك صحيح ولله الحمد». تعليل ذلك: أما ما سكونه علامة للجزم فيتجه في تحقيقه وجهان غير ما سبق أحدهما: أن يقال: إنَّ السكون فيه عارض، والأصل الحركة فكأنه تخيل ذلك فيه فحققه كما يحقق المتحرك. الثاني: أنه لما تغير من الحركة إلى السكون لم يمكن تغيره مرة ثانية بالبدل وكذلك القول في ما سكونه للبناء لأنَّ الحركة أصله والسكون فيه عارض، وأما ما يؤدي إلى الإلباس فوجه تحقيقه أنَّ اشتقاقه من الرياء وهو الرِّي وما يظهر على الإنسان فكره ترك الهمز فيه لئلا يظن ظان أنَّ ذلك من الرِّي وهو الامتلاء بالماء.

стр. 348

وأما ما همزه أخف من تسهيله فإنه لو سهله لاجتمع واوان كما سبق في مذهب ورش، وأما ما يخرج تسهيله من لغة إلى أخرى فإنه لما وقع الخلاف بين أهل العربية في اشتقاقه فذهب قوم وصاحب القراءة منهم إلى أنَّ أصله أَأْصَدَت أي: أطبقت فله أصل في الهمز، وقال آخرون: هو من أوصدت، ولا أصل له في الهمز فاجتنب ترك همز لئلا يتوهم أنه قرأ بلغة أوصدت وليس هو عنده كذلك. ٨ - وبَارِئكُمُ بالهَمْزِ حَالَ سُكُونِهِ … وقَالَ ابنُ غَلْبونٍ بِيَاءٍ تَبَدَّلا أما بارئكم فإنَّ سكونه عارض للتخفيف عند توالي الحركات، فإذا غير بالسكون فلا يغير بالبدل، وقال ابن غلبون: يبدل الهمز بياء، لأنه قد صار ساكناً فالتحق بهذا الباب. ٩ - ووَالاهُ في بِئْرٍ وفي بِئْسَ وَرْشُهُم … وفي الذِّئْبِ وَرْشٌ والكِسَائي فأَبْدَلا ووالاه أي: تابع يعني تابعه السوسيَّ ورش، وليس ذلك من أصل ورش لأنه ليس بفاء الفعل وإنما تابعه عليه لأنَّ البئر واحد الآبار، والآبار يلزمها البدل دون التحقيق فأجرى الواحد مجرى الجمع في البدل، وهي لغة قريش وغيرهم. وأما الذئب فإنه لما كثُر استعماله ولم يكن له عند قوم أصل في الهمز لأنه [من ذَاب يَذُوب، وكانت الياء فيه كأنها بدل من الواو أجراه مجرى جيِّد، وريح] (١).

стр. 349

وأما بئس وبئسما فإنه جمع فيه بين اللغتين فَتَرْكُ الهمز لغةُ أهل الحجاز، وكان أبو عمروٍ يحكيه عن فصحاء العرب، والتحقيق لغة قيسٍ وتميمٍ، وهذا كلُّه بعد الاعتماد على النقل، وبئْسَ عند البصريين فعلٌ ماضٍ وأصله بَئِسَ ثم خُفِّفَ كما قيل: فَخْذ. ١٠ - وفي لُؤْلؤٍ في العُرْفِ والنُّكرِ شُعْبَةٌ … ويَألِتُكُمُ الدُّوري والابدَالُ يُجْتَلى أي: وتابعه في ﴿لؤلؤ﴾ (١) أبو بكر، فأبدل الهمزة الساكنة لاجتماع همزتين في كلمة طلباً للتخفيف. «ويألتكم الدوري» يعني أنه قرأ بهمزة ساكنة وهو من ألَتَ يَأْلِتُ (٢)، «والابدال يجتلى» لأنه أصله فجرى عليه، وفيه لغةٌ أخرى وهي لاتَ يَلِيتُ، وعليها قراءة الباقين، ومعنى يجتلى أي: يكشف. ١١ - ووَرْشٌ لِئَلا والنَّسِئُ بِيَائِه … وَأَدْغَمَ في يَاءِ النَّسيء فَثَقَّلا لئلا أصله لأن لا، ثم أدغم كما أدغم عما ومما، فصار لألا، ثم خفف الهمز بأن قلب ياء على ما تقرر في المفتوحة المكسور ما قبلها فصار لِيَلا، ثم كتب على لفظ التخفيف، واتبع ورش في قراءته رسمه، وأما النسي فهو مصدر كالنذير والنكير من أَنْسَأْتَ بمعنى أَخَّرْتَ. وقراءة ورش على إبدال الهمزة ياء وإدغام الياء التي قبلها فيها كما تقول في: هنيء هني، وفي خطيئة خطية، والهاء في «بيائه» عائدة على الهمزة في لئلا والنسيء وأدغم في ياء النسيء.

стр. 350

١٢ - وإِبْدَالُ أُخْرَى الهمْزَتَيِن لِكُلِّهمْ … إِذَا سَكَنَتْ عَزْمٌ كَآدَمَ أُوهِلا معناه متى اجتمع همزتان والثانية ساكنة فلابد من إبدالها حرفاً من جنس حركة ما قبلها، ثم مَثَّل ذلك بآدم لأنَّ أصله أَأْدَم، وبأوهل وليس في القرآن وإنما ذكره ليعلم أنها تبدل من جنس حركة ما قبلها، ومثاله في القرآن أوتي ومعناه: أوهل من قولهم: أوهل فلان لكذا أي: جعل له أهلاً. وقولهم: «عزم» أي: لابد منه وإنما وجب ذلك لأنها ساكنة لاحركة لها فيخفف بين الحرف الذي منه حركتها وبين الهمزة فلزم البدل.

стр. 351

باب نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها ١ - وحَرِّكَ لِوَرْشٍ كُلَّ سَاكِنٍ اخِرٍ … صَحِيحٍ بِشكْلِ الهمْزِ واحْذِفْه مُسَهِلا قوله: «كلَّ سَاكنٍ» أي: كل حرف ساكن، فإن قلت: التنوين ليس بحرف وتنقل إليه الحركة نحو ﴿كُفُوَاً أحَد﴾ (١)؛ قلت: هو حرف، والدليل على ذلك تحريكه إذا وافق ساكناً كقوله: ﴿رَحِيمَاً النَّبي﴾ (٢) وحذفه للساكنين أيضاً كقوله: ﴿وقَالت اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ﴾ (٣) وإنما لم ترسم له صورة لئلا يشتبه بالنون الأصلية التي من نفس الكلمة. وقوله: «آخر» أي: في آخر كلمة، ولا يلزم عليه لام التعريف لأنها وإن اتصلت فهي منفصلة في الأصل، ولهذا تقول العرب: رأت أل، ثم تتذكر فتقول: الكتاب، فالألف مع اللام بمنزلة قد في أنها كلمة منفصلة. تقول: قد، فتقف عليها حتى تتذكر ما بعدها، فإن توهمت بعدها ألف وصلٍ قلت: قَدِ؛ تقدر: قدِ انطلقت، وكذلك يقولون: جاءني الـ يريدون الإنسان على نقل الحركة فيفصلون كالمنفصل من الحروف. ومنه قول الراجز: دع ذا وعجِّل ذا وألحقنا بذل … .................... فوقف عليها، ثم قال وكررها وحرف الخفض الذي معها: .................... … بالشَّحم إنا قد مَلِلنَاهُ بَجَلْ (٤)

стр. 352

وقال عبيد (١): يا خليلي اربعا واستخبرا الـ … منزلَ الدارسَ عن حي حلالِ ولأنَّ اللام تحذف فتبقى الكلمة بعدها مستعملة مفتوحة. وقوله: «صحيح» أي: ليس بحرف مدٍ ولين مثل: ﴿مَنْ آمَن﴾ (٢) ﴿أو آخَرَانِ﴾ (٣) وحرف المد كـ ﴿قالوا أمنّا﴾ (٤)، و ﴿في أنفسكم﴾ (٥)، و ﴿عليهموا ءأنذرتهم﴾ (٦). فأما الألف لما يصح تحريكها فلا يصح النقل إليها، وأما الواو والياء فلو نقل إليهما لزال المد عنهما بتحريكهما وذلك مانع من النقل. وأيضاً فإنَّ النقل إلى المتحرك لايصح والمد بمنزلة الحركة، والدليل على ذلك وقوع الساكن بعدها في نحو دابةٍ ولا يصح النقل إلى حرف المد لأنه كالمتحرك. وقوله (٧): «بشكل الهمز» أي: بحركته واحذفه يعني الهمز لأنه إنما غير

стр. 353

للاستخفاف، فلو لم تحذف لبقيت الكلمة أثقل مما كانت، وللزم من بقائها الجمع بين ساكنين في نحو ﴿قد أفلح﴾ (١)، ومن ظنَّ أنها حذفت لبقائها ساكنة وما قبلها كان ساكناً في الأصل وحركته عارضة فلو بقيت لكان جمعاً بين ساكنين فهذا يبطل بقد أفلح ونحوه فإن هذه الحركة العارضة موجودة ومعها ساكن. وكذلك خذ الرجل ويعارض هذا الوهم بأنَّ السكون في الهمزة عارض أيضاً كما أنَّ الحركة في الساكن قبلها عارضة، ولا يجتمع ساكنان وإنما نقل ولم يبدل ولم يسهل لأنَّ البدل لا يصح، وإنما لم يبدلها بعد نقل حركتها لأنَّ ذلك يؤدي إلى اجتماع ساكنين في نحو ﴿مِنْ إسْتَبْرَق﴾ (٢)، ﴿وقَالت أُخْرَاهُمْ﴾ (٣)، و ﴿الحامية - ألهَكُم﴾ (٤)، و ﴿أو إطْعَامٌ﴾ (٥)، و ﴿كالأعْلامِ﴾ (٦)، و ﴿الإنْسَان﴾ (٧)، و ﴿أنْ أَرْضِعِيه﴾ (٨). والتسهيل بين بين يقربها أيضاً من الساكن، وتقع بعدها هذه السواكن، فهو كالجمع بين الساكنين، فلم يبق إلا النقل لتبقى الحركة دالةً عليها ووجب حذفها لما ذكرت.

стр. 354

٢ - وعَنْ حمزةٍ في الوَقفِ خُلفٌ وعِنْدَه … رَوَى خَلفٌ في الوَصْلِ سَكْتَاً مُقَلَّلا اعلمْ أنَّ حمزة ﵀ يسهل الهمزة في وقفه على ما سيأتي ذكره إن شاء الله إذا كان الهمز متوسطاً، أو متطرفاً، فأما الهمزة في أول الكلمة فهي تنقسم إلى ما قبله متحركٌ وإلى ما قبله ساكن، والساكن قبله ينقسم إلى ما هو ساكن صحيح، وهو المذكور لورش، وإلى ما هو حرف مد نحو ﴿فله أجره﴾ (١)، و ﴿ماذا أُجِبْتُم﴾ (٢). فأما ما قبله ساكن صحيح فأصحاب حمزة مجمعون على موافقة ورش في نقل الحركة في حال الوقف إلا العبسي (٣)، عن حمزة والضبي (٤)، والوزان (٥)، عن سليم عنه فإنهم [حققوها في الوقف] (٦)، وذلك في نحو ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ (٧)،

стр. 355

و ﴿مَنْ آمَن﴾ (١) ﴿ولَوْ أنَّهم﴾ (٢)، و ﴿مِنْ أَرْضِنَا﴾ (٣)، و ﴿عَذَابٌ أَلِيم﴾ (٤) وما أشبه ذلك. أخبرنا بذلك الشيخ المقرئ أبو الجود غياث بن فارس (٥)، قال [أخبرنا الشريف المقرئ أبو الفتوح ناصر بن الحسن (٦)، قال: أخبرنا أبو عبد الله الفضي (٧) (٨)، عن أبي الحسن بن الصواف (٩)، عن أبي علي الحسن بن محمد بن إبراهيم البغدادي (١٠)، ﵀ وكان أبو الطيب بن غلبون ومن أخذ عنه مثل
следующие страницы →