← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 880

شرح الشاطبية فتح الوصيد في شرح القصيد - ت أحمد الزعبي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وتقف على ﴿السُّوأَى﴾ (١). على المذهب الأول: بإلقاء حركة الهمزة على الواو وتحذف الهمزة فتصير السوى مثل العلى (٢) وتسقط المد لأنَّ حرف المد قد يحرك بإلقاء الحركة عليه ولايقع المد في متحرك سواء كانت الحركةُ لازمةً أو عارضةً. وعلى المذهب الثاني: تبدل من الهمزة واواً وتدغم فيها الواو التي قبلها تشبيهاً للأصل بالزائد فتقف السوى مثل الربى وتسقط المد أيضاً لما سبق، وأما مد الألف فيسقط أيضاً لأنها كانت ممدودة لأجل الهمزة بعدها، وقد وقع الانفصال بالوقف وتقف على ﴿الْمُسِيء﴾ (٣) على الأول بإلقاء حركة الهمزة على الياء وحذف الهمزة ثم تسكن الياء للوقف ولا تسقط المد لأنَّ الياء وإن زال سكونها فقد عاد إليها، ولك أن تروم الحركة فيقل المد لأجل الحركة. وعلى المذهب الثاني: تبدل الهمزة وتدغم ولك فيه الروم والإشمام أيضاً لأنهما إنما يمتنعان حيث تبدل ولا تدغم لأنَّ الحرف المبدل ثَمَّ لم يكن عليه حركة قط وهو غير الهمزة كالوقف على نعمة ورحمة. وتقف على ﴿لِيَسُؤُا﴾ (٤) على الأول: بإلقاء الحركة على الساكن

стр. 387

قبلها ثم تسكنه للوقف فتقف على واوٍ ساكنةٍ ممدودة لأنَّ الواو باقية على السكون ولأنَّ حذف الهمزة عارض ولا يدخل الروم والإشمام في المفتوح عند القراء. وعلى المذهب الثاني: تبدل وتدغم فتقف على واو مشددة ولا مدَّ لأنَّ الواو التي كانت ممدودة قد تحركت عند إدغامها فيما بعدها ولا يمد متحرك، وكذلك تقف على ﴿جِاْيء﴾ (١) و ﴿بِكُلِّ شَيءٍ﴾ (٢) فاعلم ذلك. ١٨ - ومَا قَبْلَه التَّحْرِيكُ أَوِ أَلِفٌ مُحَر … رَكَاً طَرَفَاً فَالبَعْضُ بالرَّوْمِ سَهَّلا يقول: وإذا كان الهمز متحركاً طرفاً، متحركاً ما قبله، أو كان الساكن قبله ألفاً نحو: ﴿مِنْ السَّمآء﴾ (٣)، و ﴿يَشَآء﴾ (٤)، و ﴿إِلا أنْ يشاء﴾ (٥)، و ﴿جَآء﴾ (٦)، و ﴿شَآء﴾ (٧)، و ﴿أضَآءَ﴾ (٨)، و ﴿أَبْنَآء﴾ (٩)، و ﴿أَغْنِيَآء﴾ (١٠)، و ﴿أَوْلِيَآء﴾ (١١)، و ﴿عَلَى سَوَآءٍ﴾ (١٢)، و ﴿مِنْه

стр. 388

المآء﴾ (١)، و ﴿تِلْقَآء﴾ (٢)، و ﴿من آنآءِي﴾ (٣) فقد تقدَّم أنك تبدلها ألفاً، وأتى هاهنا فيها بقولٍ آخر وهو ما روى خلف عن سليم عن حمزة أنه يجعل الهمز في ذلك كله بين بين. قال بعضهم: ولا معنى لبين بين [إلاروم الحركة لأنك تسكن للوقف وهمزة بين بين] (٤) ليست ساكنة، وإنما معناه أنه رام الحركة فقَرُبت من الساكن فصارت بين الهمزة والحرف الذي منه حركتها فحالة بين بين حصلت من قبل الروم لا أنه يجعلها بين بين في الأصل، وإنما حكمها عنده في الأصل البدل، فإذا أرام الحركة وقع هذا [ولا يدخل في ذلك المفتوح] (٥). وأما المحرك ماقبله فنحو ﴿بَدَأَ﴾ (٦)، و ﴿قُرِئَ﴾ (٧) و ﴿إِنَّ الملأَ﴾ (٨)، و ﴿قَالَ الملأُ﴾ (٩)، و ﴿يَسْتَهْزِئ﴾ (١٠)، و ﴿مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ﴾ (١١)، و ﴿مِنْ مَلْجَأ﴾ (١٢)، و ﴿مِنْ شَاطِئ﴾ (١٣)، و ﴿لكُلِّ امْرِئٍ﴾ (١٤)، و ﴿يُبْدِئُ﴾ (١٥)،

стр. 389

و ﴿البَارِئُ﴾ (١)، و ﴿نَتَبَؤَّاُ﴾ (٢)، و ﴿إِنْ امْرُؤا﴾ (٣)، ﴿ولُؤْلُؤ﴾ (٤)، فقد تقدَّم أنه يبدله حرفاً خالصاً من جنس حركة ما قبله، وذكر ها هنا وجهاً آخر وهو أن يجعلها بين بين في حال روم الحركة كما بينت. قال بعض علمائنا: وهو وجهٌ حسنٌ في المضمومة والمكسورة لأنه لايخالف الرسم، وعلى قول من قال: لامعنى [لبين بين] (٥) إلا رومُ الحركة لاتصح في المفتوحة. ١٩ - ومَنْ لمْ يَرُمْ واعْتَدَّ محضَاً سُكُونَهُ … وأَلحقَ مَفْتُوحَاً فَقَدْ شَذَّ مُوغِلا يقول: ومن لم يرُم لحمزة ﵀ في شيء من الباب مع ما اشتهر واستقر من أنَّ مذهبه في الوقف الروم والإشمام، ووقف لحمزة بالسكون وألحق المضموم والمكسور مفتوحاً، وقال: لأنَّ إذا رمت حركتها فكيف يمكن الرجوع إلى حكم الساكنة في التخفيف؟ فهذا قد أتى بمذهب شاذٍّ ليس بمعروف عن حمزة لأن النص جاء عنه بالروم والإشمام إلا حيث يبدل الهمز حرف مدٍّ/، وذلك إذا انفتح ماقبلها، أو انضمَّ، أو انكسر، أو وقع قبلها الألف بأي حركةٍ تحركت الهمزة، فإذا أبدلت أشبهت الألف الألف في دعاء، والواوفي يدعو، والياء الياء في يرمي، ولا روم ولا إشمام.

стр. 390

وقد ذكرت فيما سبق أنَّ من القراء من يجعل هذا في الوقف بين بين، ولا معنى له إلا روم الحركة فيلزم منه روم حركة المفتوح وليس ذلك من عادة القراء. والهاء في «سكونه» تعود على من لم يرم ولا تعود على صاحب القراءة لأنهما اثنان. ٢٠ - وفي الهَمْزِ أَنحاءٌ وعِنْدَ نُحَاتِه … يُضيءُ سَنَاهُ كُلَّمَا اسْوَدَّ أَلْيَلا أنحاء أي: مقاصد غير ما ذكر، وقد ذكرت منها طرفاً نحو ﴿الموْءُودَة﴾ (١) ﴿هُزُوَاً﴾ (٢) وفي كيفية العمل على ما قرره من الأصول. «أنحاء»: أُخَر أيضاً تخرج على قياس العربية ويجريها على أصولها من كان ذا بصيرة بالنحو فحينئذ يضيء سناه. و «كلما» يحتمل وجهين: أن يكون كل مفعولاً والتقدير كل مسود، ويحتمل أن يكون ظرفاً فمن ذلك القول في ﴿لؤلؤ﴾ المخفوض (٣) إن سهلت على الخط قلت: لولو بواوين ساكنين لأنك أسكنت الهمزة ثم أبدلت منها واواً لانضمام ما قبلها وأُبدلت الأولى الساكنة أيضاً فوافقت الرسم لأنه كذلك رسم، وإن سهلت على ما تقرر جعلتها بين الهمزة المرومة الحركة والياء لأنها مكسورة قبلها ضمة، وإن سهلت على مذهب الأخفش جعلتها بين الهمزة المرومة الحركة والواو الساكنة لانضمام ما قبلها فوافق الخط

стр. 391

والأصل في تخفيف الهمز إذا تحرك وما قبله متحرك. والقول الآخر أقيس وهو قول سيبويه. وأما ﴿لُؤْلُؤٌ﴾ (١) المرفوع فإن رمت الحركة وقفت عليه بين الهمزة المرومة الحركة والواو لانضمامها وانضمام. [ما قبلها على ما تقدم وإن لم ترم أسكنت وأبدلت منها واواً للضمة قبلها] فيوافق الوقف على المخفوض في أحد الوجوه وتقف على ﴿مَلْجَأً﴾ (٢) المنصوب المنوَّن، تجعل الهمزة مسهلة بينها وبين الألف، وبألف مبدلة من التنوين فتقف على ﴿مِنْ مَلْجَأٍ﴾ (٣)، المخفوض المنوَّن على الرسم بالسكون وإبدال الهمزة ألفاً فتقول: ملجا، وعلى أصل تخفيف الهمز تقف بين الهمزة والياء، إلا أنه لا ياء في الرسم ففيه مخالفة. وأما قوله: ﴿أنْ لا مَلْجَأَ﴾ (٤) فإنك تسكن ثم تبدل من الهمزة ألفاً وتقف على «رأى» من ﴿رَأَى كَوْكَبَاً﴾ (٥) مثلاً فتجعل الهمزة بين بين لأنها مفتوحة وقبلها فتحة إلا أنَّ الهمزة ممالة فتنحو بحركتها نحو الكسرة فتكون بين الهمزة والياء الساكنة، وتمد لأجل الألف الممالة. وفي الوقف على ﴿تَرَآءتِ الفِئَتَانِ﴾ (٦) وجهان:

стр. 392

أحدهما: تسهيل الهمزة، والمد من أجل الهمزة لأنها وإن جعلت بين بين وهي بزنة المحققة إلا أنَّ نبرتها خفيت. والثاني: حذف الهمزة أصلاً والمد اليسير وقد تقدم. وفي ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ (١)، و ﴿اطْمَأَنَّ﴾ (٢) وجهان: بدل الهمزة ألفاً والمد المشبع للا لتقاء الساكنين، والثاني يجعلها بين بين والمد المتوسط. وأما ﴿رَأَى القَمَرَ﴾ (٣) وبابه (٤) ففيه وجهان: رد الألف التي سقطت في الوصل لالتقاء الساكنين لأنّ الموجب لسقوطها قد زال في الوقف فيقف بتخفيف الهمزة، والإمالة والمد كما سبق. الوجه الثاني: أن لا ترد الألف من أجل حذفها في الرسم، ومن قبل أنّ الوقف عارض فالهمزة على هذا متطرفة فتسكنها وتبدلها فتقف براءٍ ممالةٍ بعدها ياءٌ ساكنةٌ مبدلةٌ من الهمزة (٥) وإنما قلبتها ياءً لإمالة الراء قبلها، ولا تمد لأنه لا موجب للمد بعد الياء فتمد له وتبدلها لهشام ألفاً لأنّ الراء قبلها مفتوحة عنده، وعلى ذلك القياس.

стр. 393

باب الإظهار والإدغام ١ - سَأَذْكُرُ ألْفَاظَاً تَلِيهَا حُرُوفُهَا … بالاظْهَارِ والإدْغَامِ تُرْوَى وتجتَلى يريد بالألفاظ ذال (إذ) وأخواتها، ومعنى «تليها حروفها» أي: الحروف التي وقع الخلاف بين القراء في إدغامها فيها وإظهارها. ٢ - فَدُونَكَ إِذْ في بَيْتِها وحُرُوفَها … وما بَعْدُ بالتَّقْيدِ قُدْهُ مُذَلَّلا إنما ذكر (إذ) دون غيرها ضرباً للمثال لأنها السابقة، وقوله: «ومابعد» أي: مايأتي بعدها فحكمه حكمها، ومعنى «في بيتها». أي: وحروفها المذكورة معها فيه أي: أنه يذكر إذ مثلاً ثم يذكر الحروف المقدم ذكرها، ثم يأتي بالواو الفاصلة. ٣ - سَأُسْمِي وبَعْدَ الوَاوِ تَسْمُو حُرُوفُ مَنْ … تَسَمَّى عَلَى سِيمَا تَرُوقُ مُقْبَّلا فإذا أتى بالواو الفاصلة أتى بعدها بالحروف الدالة على القراء، [ومعنى قوله: «وبعد الواو تسمو حروف مَنْ تسمى» أنَّ الحروف التي تظهر عندها هذه الألفاظ، أو تدغم إذا جاءت بعد الحروف الدالة على القراء فصل بينها وبينها بالواو لئلا تختلط] (١). والسيما العلامة، ومقبلاً: يجوز أن يكون معناه تقبيلها، ويجوز أن يكون نفس الثغر، واستعاره هنا لأنه لما عَذُب هذا النظم كان كالثغر ذي المنطق العَذْب. ٤ - وفي دَالِ قَدْ أَيْضَاً وتَاءِ مُؤَنَّثٍ … وفي هَلْ وبَلْ فَاحْتَلْ بِذِهْنِكَ أَحْيَلا «فاحتل» من الحوالة، و «أَحْيَلا» من الحِيلَة، يقال: رجل أَحْيَل إذا صدقت حيلتُه، وانتصب على الحال.

стр. 394

ذكر ذال إذ ١ - نَعَمْ إِذَ تمَشَّتْ زَيْنَبٌ صَالَ دَلُّهَا … سَمِيَّ جَمَالٍ وَاصِلاً مَنْ تَوَصَّلا كأنه قَدّر أنّ مستدعياً استدعى منه الوفاء بما وعد في قوله: «سأذكر» فقال مجيباً: نعم إذ، وأعلم أنه عنى بما ذكره من الغزل نساءَ الآخرة تشويقاً إليهنَّ، وهذه الحروف إلى قوله: «سَمِيّ جمال» هي حروف إذ (١)، ومعنى «سمي جمال» أي: رفيع جمال. ٢ - فَإِظْهَارُهَا أَجْرَى دَوَامَ نَسِيمِهَا … وَأَظْهَرَ رَيَّا قَوْلِهِ وَاصِفٌ جَلا إظهارها أي: ماأظهرنه من الجمال والزينة أجرى دوام نسيمها، «وأظهر ريا قوله» الريا الرائحة الطيبة. أي: لماوصفها واصف، وجلا وصفها أي: كشف أظهر بقوله ذلك ثناءً عطراً، وتفسير الرمز أنَّ نافعاً، وابن كثير، وعاصماً أظهروا ذال إذ عند جميع هذه الحروف، وأظهر الكسائي، وخلاد عند الجيم فقط. ٣ - وَأَدْغَمَ ضَنْكَاً وَاصِلٌ تُومَ دُرِّهِ … وَأَدْغَمَ مَوْلىً وُجْدُهُ دَائِمٌ وِلا أي: ستر ضنكاً ذلك الشخص الذي نظم قلائده من توم ودرٍ، والتومة خرزة من فضة، والجمع توم، «وأدغم مولى» أي: محب وجده. أي: عناه. «دائم وِلا» أي: متابعة. أي: ستر هذا المحب حين تجلت له حديثها، وماحصل له من الغنى بها أي: أدغم خلف عند التاء والدال، وأدغم ابن ذكوان عند الدال فقط.

стр. 395

ذكر دال قد ١ - وقَدْ سَحَبَتْ ذَيْلاً ضَفَا ظَلَّ زَرْنَبٌ … جَلَتْهُ صَبَاهُ شَائِقَاً وَمُعَلَّلا «وقد سحبت» الواو للحال وضفا أي: طال، والزرنب شجر طيب الرائحة يعمل منه أنفس الطيب، وجلته كشفته، وصباه ريحه أي: الريح التي أهدته شائقاً أي: تشوق من وجده، «ومعللا» أي: مروياً مرة بعد مرة، ولاينسحب من ذيول الثياب إلا ماطال وأوائل هذه الكلمات مضمنة لحروف دال قد إلى الواو. ٢ - فَأَظْهَرَهَا نجمٌ بَدَا دَلَّ وَاضِحاً … وأَدْغَمَ وَرْشٌ ضَرَّ ظَمْآنَ وامْتَلا النّجم هاهنا مصدر نجم، وكُنِّي به عن نسبها وشهرته، والورش التناول أي: ستر التناول منها ضره الحاصل من الظمأ، وامتلأ ريَّا أي: أدغم ورش عند الضاد والطاء. ٣ - وأَدْغَمَ مَرْوٍ وَاكِفٌ ضَيْرَ ذَابِلٍ … زَوَى ظِلَّهُ وَغْرٌ تَسَدَّاه كَلْكَلا «واكف» أي: هاطل، والتقدير وأدغم وصل مرو واكف ضيرذابل أي: ستر ضره، وضناه، و «زوى ظلِّهِ وغْرٌ» في موضع الصفة لذابل، و «تسَدَّاه كَلْكلا» في موضع الصفة لوغر، والوَغْر جمع وَغْرَة والوَغْرَة شدَّة الحَرِّ، و «تسَدّاه» رَكِبَه، و «كلكلا» صدراً، وهو منصوبٌ على البدل ويقول: أدغم ابن ذكوان عند الضاد، والذال، والزاي والضاد. ٤ - وَفي حَرْفِ زَيَّنَا خِلافٌ وَمُظْهِرٌ … هِشَامٌ بِصادٍ حَرْفَه مُتَحَمِّلا يقول: قد أزالت ضره بلا خلاف، وهل تزين بما نال منها، وهاهنا خلاف راجع إلى الأحوال، فمن زاد شوقه ودام طلبه ازداد جمالاً وحسناً.

стр. 396

وفي الحديث: «من كَثُرَتْ صَلاتُه بالليلِ حَسُنَ وجْههُ بالنهارِ» (١) ومنهم مَنْ وقف عندما رآه وداخله/ العُجْب فيما حواه فلم يحصل له زينة، والهشام الكريم من هشَمَ الثريدَ، والحرف الناقة، والصاد قدور النحاس أي: فعل ذلك شكراً لله على ماخوله وأعطاه منها، فإما أن يكون كُنَّي بذلك عن صدقاته وإنفاقه أمواله في سبيل الله، وجعل الناقة نفسه فإذا بها في رضا محبوبه كما يفعل بالحرف في قدور النحاس، والحرف الذي في ص ﴿لَقْدَ ظَلَمَكَ﴾ (٢).

стр. 397

ذكر تاء التأنيث ١ - وَأَبْدَتْ سَنَا ثَغْرٍ ضَفَتْ زُرْقُ ظُلْمِهِ … جمَعْنَ ورُودَاً بَارِدَاً عَطِرَ الطِّلا السَّنا: الضوء، والزرق جمع أزرق، يوصف الماء لكثرة صفائه بذلك وعني به هاهنا ماء الأسنان، والطِّلاء [الخمر وذلك على عادة العرب في وصف الأفواه بذلك، أو يكون الطلاء بمعنى الشفاء من طلاء الإبل] (١) وضمَّنَ كلماتِ البيت أحرفَ تاء التأنيث من بعدها إلى الواو الفاصلة. ٢ - فَإِظْهَارُهَا (٢) دُرٌ نمَتْه بُدُوُره … وَأدْغَمَ وَرْشٌ ظَافِرَاً وَمخوِّلا فالذي أظهرته مِنْ ثغرها در نمته أي: رفعته بدوره أي: الكوامل أو تشبهن بالبدور، والمخول المملك، وأدغم أي: أخفى ورش أي: تناول يسير في حال ظفره وتملكه أي: أظهر جميعها ابن كثير، وعاصم، وقالون، وأدغم ورش عند الظاء فقط. ٣ - وَأَظْهَرَ كَهْفٌ وَافِرٌ سَيْبُ جُودِهِ … زَكِيٌّ وفيٌ عُصْرَةً ومُحَلِّلا عَبَّر عن القوي المالك لنفسه بقوله: «كهف وافر سيب جوده»، لأنّ من كان بهذه الصفة لايبالي بالإظهار، وهو عصرة يرجع إليها، والعُصْرَةُ والعُصْرُ والمُعْصِّرُ والمُعْتَصِر (٣) الملجأ. قال الشاعر: صادياً يستغيثُ غيرَ مغاثٍ … ولقد كان عُصرةَ المنْجودِ (٤) أي: ملجأ لعباد الله.

стр. 398

وقال آخر: لو بغير الماء حَلْقِي شَرِقٌ … كنتُ كالغَصَّان بالماء اعتِصَاري (١) ومنه قوله تعالى: ﴿وفِيهِ يَعْصِرُون﴾ (٢)، و «محللا» أي: تشد الرحال إليه وتحل عنده، ومكان محلل أي: يُحَلُّ [فيه أي: ذو تحلال، فمن كان بهذه الصفة لايبالي بإظهار ما أطلعه الله عليه وكشفه له أي: أظهر ابن عامر عند السين والجيم والزاي فقط] (٣). ٤ - وأَظْهَرَ رَاوِيه هِشَامٌ لَهُدِّمَتْ … وَفي وجَبَتْ خُلْفُ ابنِ ذَكْوَانَ يُفْتَلى أي: قال راوي الكهف معلناً: لولا هذا الكهف لهدمت أعمالنا، ويقول ابن الذكاء وجبت أي: وقعت، أو لم تقع معناه أنَّ هذا العالم القوي حريصٌ على من دونه أعمالهم وحفظها عليهم فلم تنلها الشوائب المفسدة، والذكي لخوفه لا يطمئن أبداً فهو أبداً يخاف، ولخوفه يشك هل حبطت أم لا. أظهر هشام ﴿لهدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ (٤) وأدغمه ابن ذكوان، وفي ﴿وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ (٥) خلفٌ عن ابن ذكوان. ومعنى «يُفْتَلى» يتدبر ويُبْحث عنه، يقول: افتليت الشعر إذا تدبرته، وكذلك فَلَّيْت الشعر وإنما قال ذلك لأنّ المشهور عن ابن ذكوان فيه الإظها

стр. 399

وهو الذي ذكره أبو عمرو في التيسير (١)، وكذلك ذكر ابن مجاهد، والنقاش، وأبو الحسن ابن غلبون، ومكي، وصاحب الروضة، وابن الفحام (٢)، وغيرهم. وقال أبو عمرو في غير التيسير: وقد اختلف عن ابن ذكوان في إدغامهما في الجيم في ﴿وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ فقرأت على فارس بن أحمد بالإدغام، وقرأت على أبي القاسم، وأبي الحسن بالإظهار، قال: ولا خلاف عنه في إظهار ﴿نَضِجَتْ جُلُودُهم﴾ (٣)، وقال في موضع أخر: واتفق ابن ذكوان وهشام على الإدغام في الحج في ﴿وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ من قراءتي على أبي الفتح عن قراءته، قال: وقرأت على أبي الحسن بالإظهار في الروايتين. قلت: والذي ذكره أبو الفتح في كتابه الإظهار عن ابن ذكوان عند الجيم حيث وقع، وعن هشام الإظهار في ﴿نَضِجَتْ جُلُودُهم﴾ والإدغام في ﴿وجَبَتْ جُنُوبُها﴾.

стр. 400

ذكر لام هل وبل ١ - أَلا بَلْ وهَل تَرْوي ثَنَا ظَعْنِ زَيْنَبٍ … سَمِيَر نَوَاها طِلْحَ ضُرٍّ ومُبْتَلى كأنَّه أضرب عما كان فيه من الإخبار، ورجع إلى المخاطبة فقال لمن يخاطبه: هل تروي قول القائل: ثنا ظعن زينب إلى آخره كأنه يستدعى منه أن يسمعه ذلك، والسمير المحادث وكَنَّى به عن الملابسة لأنَّ المحادث ملابس، والطَّلْح الذي تعب وأعيا،/ وضمن أوائل كلمات هذا البيت حروف هل، وبل إلى الواو الفاصلة والذي أهلَّ منها ثلاثة: التاء، والثاء، والنون، تختص منها بالثاء هل ثوب، ولِبَل سبعة أحرف، وهي الحروف المذكورة إلا الثاء، ويختص منها بل بخمسة أحرف بالطاء، والظاء، والزاي، والسين، والضاد نحو ﴿بَلْ طَبَعَ﴾ (١)، ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ﴾ (٢) ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ (٣)، ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ (٤)، ويشتركان في التاء والنون ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ (٥)، ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ (٦)، ﴿بَلْ تَأْتِيهِم﴾ (٧)، ﴿بَلْ نَتَّبِع﴾ (٨).

стр. 401

٢ - فَأَدْغَمَهَا رَاوٍ وَأَدْغَمَ فَاضِلٌ … وَقُورٌ ثَنَاه سَرَّ تَيْمَاً وَقَدْ حَلا أي: لم يقدِّم على الجواب ولم يهمل أمرها فبقي مدغماً، وأشار بقوله: «وقور» إلى أنه إنما أدغم لما فيه من الوقار، و «تيماً» إن شئت جعلته من تيَّمَه الحب فيكون الكتمان والإخفاء والإدغام قد سرَّ من تيَّمَه الحب، وإن جعلته اسم قبيلة كان الفاصل الوقور المذكور أبا بكرٍ الصديق ﵁ لأنه [تيمي] (١)، وفي هذا البيت شيءٌ عجيب، وهو أنَّ حمزة ﵁ أيضاً تيميٌّ وهو المراد بقوله: «فاضل» فهذا من غاية اللطافة أي: أدغم جميعها الكسائي، وأدغم حمزة عند الثاء، والسين، والتاء. ٣ - وبَلْ في النِّسَاِ خَلاَّدُهُمْ بخلافِهِ … وفي هَلْ تَرَى الإدْغَامُ حُبَّ وحُمِّلا «وبل» إضراب ثانٍ معطوف على الإضراب الأول أي: وأضرب في النساء عن نساء الدنيا وانحرف إلى النساء المذكورات، خلادهم أي: دائمهم يعني تيماً بخلافه إن أعدت الهاء على الإضراب فالمعنى أخذاً بخلافه، وإن أعدتها على دائمهم فالمعنى أضرب بخلافه لهن ولهواه فيهن، وفي هل ترى الإدغام أي: ياأيها المخاطب هل ترى؟ فإن رأيت فالإدغام أحبُّ. وأراد أنَّ لخلادٍ وجهين في لام بل في النساء وهو قوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِم﴾ (٢)، واختار الحافظ أبو عمروٍ الإدغام بعد تصحيحه الوجهين (٣).

стр. 402

وقوله: وفي هل ترى يعني ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ (١)، و ﴿هل ترى لهم من باقية﴾ (٢). ٤ - وأَظْهِرْ لَدَى وَاعٍ نَبِيلٍ ضَمَانُهُ … وفي الرَّعْدِ هَلْ وَاسْتَوْفِ لازَاجِرَاً هَلا أي: لاتبد هذا السِرَّ إلا لمن يَعِيه وتثق بضمانه، وإن رأيت من يَرُوعك بِرَعْد وعيده عند ذكر شيءٍ من ذلك فتجاهل واعتذر بقولك: «هل» أي: كن كالمستفهم منه، واستوف هذه الغنيمة وهي الوصية التي أوصى بها غير محتاج فيها إلى كلفة، و «هَلا» لفظةٌ تُزْجَر بها الخيل لأنَّ الغنيمة إذا حصلت من غير إيجاف خيلٍ أوركابٍ فتلك الغنيمة الباردة أي: وأظهر هشام عند النون والضاد، ولم يظهر عند التاء إلا في قوله تعالى في الرعد ﴿أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلَمَاتُ والنُّور﴾ (٣).

стр. 403

باب اتفاقهم في إدغام إذ وقد وتاء التأنيث وهل وبل ١ - ولاخُلْفَ (١) في الإدْغَامِ إِذْ ذَلَّ ظَالمٌ … وَقَدْ تَيَّمَتْ دَعْدٌ وَسِيمَاً تَبَتَّلا أي: إنَّ هذا السِرَّ إن أُودِع من لم يكتمه فأصاب بإفشائه ما كَرِهَه كما أصاب الحلاج ونحوه فَذَلَّ وكان ظالماً بإفشائه، ولا خلف في الإدغام لأجل ذلك. «وقد تيمت» حالٌ؛ وتبتل أي: انقطع. أي: لاخلاف بين القرَّاء في إدغام ذال إذ في الذال والظاء نحو: ﴿إِذْ ظَلَمُوا﴾ (٢)، أو ﴿إِذْ ظلَمْتُمْ﴾ (٣)، ولم يقع في القرآن غير ذلك، ودال قد في التاء والدال، وقد ذكرتُ عِلَّة ذلك في الإدغام الكبير في التماثل والتقارب وكذلك لاخلاف في إظهارهما عند خمسة أحرفٍ يجمعها قولك: «بل نفر» لبعد ما بينها وبينهن في المخرج نحو ﴿ولَقَدْ بَعَثْنَا﴾ (٤)، و ﴿لَقَدْ لَقِينَا﴾ (٥)، و ﴿قَدْ نَرَى﴾ (٦)، و ﴿فَقَدْ فَازَ﴾ (٧)، ﴿ولَقَدْ رَآهُ﴾ (٨)، ﴿وإذْ

стр. 404

بَوَّأْنَا﴾ (١)، ﴿وإِذْ لم يَهْتَدُوا﴾ (٢)، ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا﴾ (٣)، و ﴿إذْ فَزِعُوا﴾ (٤)، و ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ (٥). ٢ - وقَامَتْ تُرِيه دُمْيةٌ طِيبُ وَصْفِهَا … وَقُلْ بَلْ وهَلْ رَاهَا لَبيبٌ وَيَعْقِلا الدُّمية، واحدةُ الدُّمى، وهي الصورة وسمَّى به هاهنا، «ويعقلا» منصوبٌ على الجواب بالواو بعد الاستفهام أي: لا خلاف في إدغام تاء التأنيث في التاء للمماثلة، وفي الدال والطاء للتقارب ولا خلاف في إدغام لام هل وبل في الرَّاء واللام لذلك أيضاً،/ وكذلك لاخلاف في إظهار لامهما عند الجيم لما بينهما من التباعد إذ اللام من حافة اللسان والجيم من وسطه، وقل مثلهما في ذلك، وقد ذكرها في قوله: «وقل بل وهل». ٣ - ومَا أَوَّلُ المثْلَيِن فِيهِ مُسَكَّنٌ … فَلا بُدَّ مِنْ إِدْغَامِهِ مُتَمَثِّلا سببُ ذلك ازدحام الحرفين في المخرج فلا يطيق اللسان بيان الأول لعدم الحركة التي تنقل اللسان من موضع إلى آخر وهذا واجب في المثلين بغير خلاف أجمع على ذلك العرب والقرَّاء، وسواء كانا من كلمة نحو ﴿يُدْرِككُّمْ﴾ (٦)، أومن كلمتين نحو ﴿إِذْ ذَهَبَ﴾ (٧)، و ﴿رَبحَت

стр. 405

تجارَتُهُمْ﴾ (١)، و ﴿بَلْ لا تُكْرِمُون﴾ (٢)، و ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ﴾ (٣)، و ﴿هَلْ لَنَا﴾ (٤) و ﴿يَغْتَب بَّعْضُكُم﴾ (٥)، و ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ (٦). وسواءٌ كان السكون أصلياً أو عارضاً في قوله تعالى ﴿مَالِيَهْ﴾ في ﴿هَلَكَ﴾ (٧) خلف (٨) والمختار فيه أن يوقف عليه لأنَّ الهاء إنما اجتلبت للوقف فلا يجوز أن يوصل، فإن وصل فالاختيار الإظهار لأنَّ الهاء موقوف عليها في النية لأنها سبقت للوقف، والثانية منفصلة منها فلا إدغام، وقد سبق في نقل الحركة الكلام عليها.

стр. 406

وإن كانا في كلمةٍ واحدةٍ مختلفين إلا أنهما من مخرجٍ واحدٍ نحو ﴿حَصَدتُّمْ﴾ (١)، و ﴿عُدتُّم﴾ (٢)، و ﴿ألَمْ نخلُقكُّمْ﴾ (٣)، و ﴿إنْ طَرَدتُّهُمْ﴾ (٤) فالإدغام آكد لكونهما من مخرجٍ واحدٍ في كلمة واحدة. وحجة مَنْ أدغم ذال إذ في أحرفها قربُ مابينها وبينهن في المخرج، ولأنها شاركت حروف الصفير في طرف اللسان والرّخاوة وقد زادت حروف الصفير بالصفير عليها، وإدغام الأنقص في الأكمل هو قاعدةُ الإدغام. وحجة مَنْ أظهر عند الجيم خاصة أنَّ الجيم لم تشاركها في طرف اللسان ومخرجها من وسط اللسان فهي بعيدة عنها، ولأنَّ لام التعريف تدغم في الدال دونها واحتج من أدغم بالمؤاخاة التي بينهما من قبل أنهما مجهوران من حروف الفم. وحجة مَنْ أظهر في الجميع أربعة أشياء: أحدها: أنَّ الإظهار هو الأصل، الثاني: عدم التماثل الذي يحسن معه الإظهار وإن تقاربت المخارج، الثالث: أنها قد تنفصل منها، وذلك في حالة إرادة الوقف عليها مع الوصل فيحسن الإظهار، الرابع: أنه قد يلقاها مايقع الاتفاق على إظهارها عنده فاستحسن أن تجري مجرىً واحداً في الإظهار.

стр. 407

وحجة ابن ذكوان في إدغامه في الدال خاصةً وإظهاره مع التاء مع أنّ الدال والتاء من مخرجٍ واحدٍ أنّ الذال والدال مجهورتان فحسن الإدغام، والتاء مهموسة فيؤدي الإدغام إلى قلب المجهور مهموساً، وساوى خلفٌ بينهما في الإدغام لأنهما يقربان من الذال قرباً ليس بشيءٍ من حروف الصفير لأنَّ [مخرجهما من طرف اللسان وأصول الثنايا وحروف الصفير مما بين طرف اللسان] (١) وفويق الثنايا. وحجة مَنْ أدغم دال قد في أحرفها التقارب بينها وبينهن أيضا. وحجة هشام في إظهار ﴿لَقْدَ ظَلَمَكَ﴾ (٢) الجمع بين اللغتين، وحجة ابن ذكوان في الإدغام في الدال والزاي مع القرب الاتفاق في الجهر، وحجة ورش وابن ذكوان في الضاد والظاء القرب والاتفاق في الجهر وزيادة الاستعلاء والإطباق على الدال والأنقص يدغم في الزائد ليقوى به، وحجة مَنْ أظهر ماقدمته في ذال إذ. وحجة مَنْ أدغم تاء التأنيث تقارب المخرجين، وحجة مَنْ أظهر ما تقدم في ذال إذ وفي إظهارها أيضا إرادة لبقاء لفظ التأنيث. وحجة ابن عامر في الثاء والصاد والطاء أنّ الثاء تشارك التاء في الهمس والمخرج وكذلك الصاد، وأما الظاء فلأنه أدغم فيها دال قد، والدال والتاء متواخيتان فأدغم فيها أيضاً التاء للمشابهة، وكذلك حجة ورش في الظاء.

стр. 408

وحجة من أظهر لام هل وبل عند أحرفها مع ما تقدّم من الحجة في الحروف السابقة للإظهار تباعدُ مابينها وبينهن في المخرج، وذلك أنهما من طرف اللسان، واللسان منحرف بها وهن من الثنايا وليس فيهن انحراف فوجب الاظهار. وحجة مَنْ أدغم وجود التقارب، ولأنَّ لام هل وبل تشبه لامَ المعرفة في السكون فأدغما كما تُدغم لام المعرفة في هذه الأحرف. وحجة حمزة فيما أدغم فيه لام هل وبل التقارب المقدَّم وكذلك حجة خلاد، … وحجة أبي عمروٍ في ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ (١)، و ﴿هَلْ تَرَى لهُمْ مِنْ بَاقِيَة﴾ (٢) أنَّ هذه اللفظة لما ضعُفَت بنقل حركة همزتها إلى ماقبلها وحذفها حَسُن تقويتها بالإدغام لما جاورها مايجوز إدغامه فيها. وقال قومٌ: إنَّ «ترى» لما كثر تكرره في الكلام طلب تخفيفه فخُفِّف بالإدغام كما خُفِّف همزه. وحجة هشامٍ فيما أظهر الجمعُ بين اللغتين. [فافهم ذلك وقس عليه إن شاء الله.] (٣).

стр. 409

باب حروف قربت مخارجها ١ - وإدْغَامُ بَاءُ الجزْمِ في الفَاءِ قَدْ رَسَا … حَمِيدَاً وَ خَيِّرْ في يَتُبْ قَاصِدَاً وَلا باءُ الجزم في الفاء في خمسة مواضع: ﴿أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ﴾ (١) ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ﴾ (٢)، ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعك﴾ (٣) ﴿قاَلَ فَاذْهبْ فَإِنَّ لَك﴾ (٤)، ﴿ومَنْ لمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ﴾ (٥) فمن أدغم فإدغامه قد ثبت حميداً كما قال: «قد رسا حميداً» (٦)، وأشار بذلك إلى ردِّ طعنِ من طَعنَ في إدغامه، واحتجّ في طعنه بأنّ الباء أقوى من الفاء إذ الباءُ شديدٌ مجهور، والفاء مهموسٌ رِخوٌ فكيف يُدْغَمُ الأقوى في الأضعف؟. والجواب عن ذلك: أنَّ هذا قد ثبت نقلاً ومع ذلك فإنَّ النفخ الذي في الفاء يقابل ما في الباء من الجهر والشدة، وأيضاً فإنهما قد اشتركا في المخرج، وفي أنَّ لام المعرفة لاتدغم فيهما. وحجة خلاد في يتب الوقوف عند الأثر، وحكمته الجمع بين اللغتين. ومعنى قوله: «قاصداً ولا» أي: قاصداً ولاء الوجهين، وإنما قال: «بالجزم» احترازاً من الباء المتحركة نحو ﴿لا رَيبَ فِيهِ﴾ (٧)، و ﴿مَنْ المغْرِبِ

стр. 410

فَبُهِتَ﴾ (١) ﴿والمغْرِبْ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ (٢) لأنه لاخلاف عن أبي عمروٍ من طريق اليزيدي في إظهاره. قال الحافظ أبو عمروٍ: لم يروِ الإدغام في ذلك عن أبي عمروٍ غير العباس ابن الفضل وليس العمل على ذلك، وروى ابن الرومي عن اليزيدي ﴿لا رَيبَ فِيهِ﴾ مدغماً لم يرو ذلك غيره، قال أبو الحسن بن غلبون: الإدغام رواية عباس في ﴿لا رَيبَ فِيهِ﴾ ورواية غيره الإظهار وهو الجيد. وروى المالكي الإدغام الكبير من طريق شجاع، وأبي زيد، ويعقوب الحضرمي (٣) وعن اليزيدي عنه من طريق أبي حمدون، وأبي أيوب، وإبراهيم، وأحمد وذكر الباء فقال: لا أعرف إدغامها عند الفاء إذا تحركت نحو ﴿لا رَيبَ فِيهِ﴾ (٤) عن أحد ممن قرأت عليه. ٢ - ومَعْ جَزْمِهِ يَفْعَلْ بِذَلِكَ سَلَّمُوا … ونَخْسِفْ بِهمْ رَاعُوا وشَذَّا تَثَقُّلا أي أدغموا (يفعل) مجزوماً في ذلك وهو في ستة مواضع: ﴿ومَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَد ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٥) في البقرة، وفي آل عمران ﴿ومَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ

стр. 411

فَلَيْسَ مِنْ اللهِ في شَيءٍ﴾ (١)، وفي النساء ﴿ومَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانَاً وَظُلْمَاً﴾ (٢)، وفيها ﴿ومَن يَفْعَل ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ﴾ (٣)، وفي الفرقان ﴿ومَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامَاً﴾ (٤) وفي المنافقين ﴿ومَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئكَ هُمْ الخَسِرُون﴾ (٥). فأما إذا لم يكن مجزوماً كقوله: ﴿فَمَا جَزَآءُ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ منْكُم﴾ (٦) فلا خلاف في إظهاره، وحجة ذلك قرب اللام من الذال في المخرج مع ضعفها بالسكون، وقد اعترض قومٌ على رواية أبي الحارث هذه، وقالوا: إنَّ أصل الكسائي إظهار هذه اللام لأنَّ أصلها الحركة ولهذا أظهرها عند حرف هو أولى بها من الذال لأنه أقرب إليها منها وهو النون نحو: ﴿ومَنْ يُبَدِّل نِعْمَةَ اللهِ﴾ (٧)، ولو كان يرى إدغامها في الذال لأدغمها في النون من طريق الأولى، وهذا لا يلزم لأن النون لما لم يدغم فيها شيء مما أدغمت فيه نحو الميم والواو والياء استوحش من إدغام اللام فيها لذلك، ولا يلزم على هذا إدغامه لام هل وبل في النون نحو ﴿بَلْ نَتَّبِع﴾ (٨) و ﴿هلْ نحنُ﴾ (٩) لأنَّ لامهما

стр. 412

لاحظَّ لها في الحركة فحصل فيما نحن فيه سببان مانعان وهما كون السكون عارضاً، وكون النون ليست مما يدغم فيه كما سبق، وفي لام هل وبل السكون أصلي لازم فضعف المانع وساغ الإدغام. ومعنى قوله: «سلموا» أي: سلموه من الطعن بهذا الاحتجاج. وأما ﴿نخسِفْ بِهِمْ﴾ (١) في سورة سبأ فقد راعوه أي: راقبوا إدغامه لكونهما من الشفتين، والفاء مع ذلك مهموسة، والباء مجهورة فهي أقوى فجاز إدغامها، وقد أدغموا الضاد وهي أكثر تفشياً منها في نحو مطجع، ومَنْ أظهر احتج بأنها تشبه الثاء والشين أما الثاء فلأنها انحرفت إلى الفم فقربت في انحرافها ذلك من الثنايا وهو مخرج الثاء، فكما لاتدغم الثاء في الباء كذلك لاتدغم الفاء. وأما الشين فبما فيها من التفشي، والشين لا تدغم وكذلك ما أشبهها، ولأنَّ في إدغامها ذهابَ التفشي وذلك إخلالٌ، ومَنْ أدغم لم يعبأ بالتفشي كما أدغم أبو عمروٍ الراء ولا يعبأ بذهاب التكرير و «شذَّا تثَقُّلا» لأنَّ الإدغام في يفعل ونخسف غريبٌ عند النحويين شاذ. ٣ - وعُذْتُ عَلَى إِدْغَامِهِ ونَبَذْتُهَا … شُوَاهِدُ حَمَّادٍ وَأُورِثْتُمُو حَلا أشار بقوله: «شواهد حماد» إلى قوة الإدغام وتمام الشواهد على صحته لأنَّ شدة التاء قابلت جهر الذال، ورخو الذال قابل همس التاء، وقد اشتركا في إدغام لام المعرفة وفي المخرج، فحسن الإدغام إذ ليس يدرك الحرف المدغم إخلال وقوي ذلك بكونهما في كلمةٍ واحدةٍ، فهذه شواهدُ

стр. 413

حماد أي: كثير الحمد على كثرتها، ومَنْ أظهر فعلى الأصل، ولأنَّ الألفاظ مختلفة والمخارج أيضاً، ولأنَّ الأصل عاذ ونبذ فهو وإن اتصل في كلمةٍ واحدةٍ في تقدير الانفصال فالسكون عارضٌ. وقوله: «وأرثتم حلا» متصل بما بعده وهو: ٤ - لَهُ شَرْعُهُ وَالرَّاءُ جَزْمَاً بِلامِهَا … كَوَاصْبِرْ لحُكْمٍ طَالَ (١) بِالخُلْفِ يَذْبُلا فالهاء في «له» تعود في الظاهر على حماد صاحب الشواهد، ومعنى «حلا له شرعه» أي: طريقه يعني طريق الإدغام من قبل أنَّ التاء أقوى من الثاء لشدتها ولا مقال في إدغام الأضعف في الأقوى، ولهذا وافقهم هشام ومن وجه آخر وهو أن أورثتموها كثرت حروفها فخفَّفها هشام بالإدغام وقلَّت حروف عذت ونبذتها فأبقاها على حالها، ولأنَّ أورثتموها لم يدخلها حذف بخلاف عذت فلم يغيره بالإدغام تغيراً ثانياً. وقوله: «والراء جزماً بلامها» هو المشهور عن أبي عمروٍ بن العلاء ﵀ من رواية الرقيين حتى طال في الشهرة. يذبل (٢) وهو جبلٌ معروفٌ، وحجة أبي عمرو في الإدغام شدة تقاربهما وازدحامهما في المخرج، وذكر مكي (٣) وغيره الإظهار من غير طريق الرقيين. وروى أبو عمروٍ الحافظ وغيره عن ابن مجاهدٍ عن اليزيدي الإدغام بغير خلاف، وحجة مَنْ أظهر ذهاب تكرير الراء بالإدغام ففي الإدغام إخلالٌ

стр. 414

بالكلمة، وهذا في كل راءٍ ساكنةٍ للجزمِ لَقِيَتْ لاماً نحو ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (١)، و ﴿أَنِ اشْكُرْ لي﴾ (٢)، و ﴿فَاصْبِرْ لحُكْمِ رَبِّكَ﴾ (٣). ٥ - ويَاسِيَن أَظْهِرْ عَنْ فَتَىً حَقُّهُ بَدَا … ونُونَ وفِيه الخلْفُ عَنْ وَرْشِهِمْ خَلا إنما قال: «عن فتى حقه بدا» لأنَّ حروف الهجاء حقها أن يوقف على كل حرف منها فإن وُصِل بما بعده فالنية فيه الوقف، ومَنْ أدغم أجرى حروف الهجاء مجرى غيرها نحو ﴿من والٍ﴾ (٤)، و ﴿من واقٍ﴾ (٥)، و «خلا» سبق يعني اختلاف المتقدِّمين عن ورش. [وقوله: «وفيه الخلف»] (٦) يعني ﴿ن والقَلَمِ﴾ (٧) وقد روى أبو عمروٍ عن ابن غلبون الإدغام وروى عن غيره الإظهار، قال: وهو الذي كان يأخذ به أكثر أهل الأداء من مشيخة المصريين وبه كان يقرئ محمد بن علي ابن أحمد (٨)، قال: وبه أخذ، وقد نصَّ على ذلك عن ورش أصحاب بكر بن سهل، وأصحاب أبي جعفر بن هلال، وأبي بكر بن سيف، وأبي عبد الله

стр. 415

الأنماطي (١)، وأبي القاسم بن داود بن أبي طيبة (٢)، وأصحاب مواس بن سهل (٣) ذكروا ذلك عن شيوخهم عن ورش. ٦ - وحِرْميُّ نَصْرٍ صَادَ مَرْيمَ مَنْ يُرِدْ … ثَوَابَ لَبِثْتَ الفَرْدَ والجمْعَ وُصِّلا الحجة للإظهار في صاد ذكر ما ذكرته في يس مع أنَّ الإظهار هو الأصل مع اختلاف الألفاظ وإن قربت المخارج، وحجة الإظهار في ﴿ومَنْ يُرِدْ ثَوَابَ﴾ (٤) أنَّ الإظهار هو الأصل، فإنَّ الدّال أقوى من الثاء لما فيها من الجهر، والأقوى لايدغم في الأضعف لأنه يكسبه بعد قوته ضعفاً، وحجة مَنْ أدغم وقوع (٥)، التقارب.

стр. 416

وأما لبثت الفرد نحو: ﴿لَبِثْتُ فِيكُمْ﴾ (١)، و ﴿لَبِثْتَ فِينَا﴾ (٢)، والجمع نحو: ﴿لَبِثْتُم﴾ (٣) فحجة الإظهار اختلاف المخرجين مع أنَّ الثاء أصلها الحركة، وإذا كانوا يظهرون الذال من ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ (٤) ولا أصل لها في الحركة، والثاء أخت الذال لأنهما من مخرجٍ واحدٍ، فالإظهار مع أنَّ أصلها الحركة أولى، وحجة من أدغم أنه رُسِم في المصحف على الإدغام مع وجود التقارب وحصول الاتصال في كلمةٍ واحدةٍ، وكثرة الدور وهذا كلُّه يقتضي التخفيف. وقوله: «صاد مريم» مفعول والعامل مضمر، والتقدير وأظهر حرمي نصر صاد مريم، [وقوله: «وصلا» فيه ضمير يرجع إلى حرمي نصر لأنه في الظاهر مفرد وإن كان يدل على جماعة كما قال في موضع آخر: حِرْمِيُّه كلا (٥) والألف في وصلا لإطلاق القافية وأشار بقوله: «حرمي نصر» إلى ما ذكرته في نصر حجة الإظهار. وقوله: «الفرد والجمع» بالرفع كقوله : ﴿وكُلٌّ وَعَدَ اللهُ الحسْنَى﴾ (٦) في قراءة ابن عامرٍ، ومعنى «وصلا» توصيل ما بعد صاد مريم به في الحكم.

стр. 417

وقوله: «ومن يرد» مرفوع بالابتداء، ولبثت معطوف عليه وقد ثنى المعطوفات كذلك كما قال الشاعر (١): كيفَ لا أبْكِي عَلى عَلاّتي … صَبَائِحي، غَبَائِقِي قَيْلاتِي] (٢) ٧ - وطَاسِينَ عِنْدَ الميمِ فَازَ اتخَذْتُمُو … أَخَذْتُمْ وَفي الإِفْرَادِ عَاشَرْ دَغْفَلا إنما قال: «فاز» لأنه أظهر على الأصل، ولأنَّ حروف الهجاء مبنيةٌ على قطع بعضها من بعض ولذلك لم تعرف فجرت على (٣) الإظهار على حكم الوقف عليها وانفصالها مما بعدها، وحجة مَنْ أدغم أنَّ النون الساكنة إذا لقيتها ميم أدغمت فيها لاتفاقهما في الغنة، وقد وقع الإجماع على إدغام نحو: ﴿مِنْ مَآء﴾ (٤)، ﴿ومَنْ مَعِي﴾ (٥)، وأما ﴿اتخَذْتُمْ﴾ (٦)، و ﴿أَخَذْتُمْ﴾ (٧)، و ﴿لَتَّخَذْتَ﴾ (٨). فحجة الإظهار اختلاف المخرجين، وأجرى المتصل/ مجرى المنفصل نحو: ﴿إِذْ تَقُولُ﴾ (٩) فكما أظهر هناك أظهر هنا لأنَّ الذال قد تفارق التاء

стр. 418

إذا قلت: أخذ، واتخذ فصارت لذلك كأنها كلمة أخرى، ولأنَّ الذال أيضاً أصلها الحركة كما سبق في الثاء. ومعنى «عاشر دغفلا» أي: عاشر زمناً خصباً، يشير إلى سعة الاحتجاج والتمكن فيه، وحجة من أدغم وجود التقارب كماسبق. ٨ - وَفي ارْكَبْ هُدَى بَرٍّ قَرِيبٍ بخُلْفِهِمْ … كَمَا ضَاعَ جَا يَلْهَثْ لَهُ دَارِ جُهَّلا إنما كان «في اركب هدى بر قريب» بوجود الخلف فيه لأنَّ إظهاره حسن وإدغامه حسن، أما الإظهار فعلى الأصل، وأما الإدغام فلقرب الباء من الميم لأنها من بين الشفتين، ولأنهما يشتركان في أنَّ لام المعرفة لاتدغم فيهما، ثم الميم أقوى من الباء بالغنة وهما يستويان في الجهر ويتقاربان في الشدة، فإدغام الأضعف في الأقوى هو قضية الإدغام. و «ضاع» أي: فاح طيبه، وأما «يلهث له دار جهلا» أي: دار الجهلة الذين خلطوا في رواية هذا الحرف كالذين رووا الإظهار فيه عن عاصمٍ، وذلك من طريق السامري، وذكره عبد الجبار، وابن الفحام وغيرهما كأنه إنما صحح هذه الرواية؛ فمن أظهر فعلى الأصل، ومَنْ أجل انفصال الحرفين، ولأنَّ سكون الثاء غير لازم. وحجة الإدغام أنَّ الثاء والدال من مخرجٍ واحدٍ والثاء أضعف مِنْ الدال لأنَّ الثاء مهموس والذال مجهور، وكذلك يدغم الأضعف في الأقوى، ولأنَّ في الإظهار كلفة ومشقة تزول بالإدغام. ٩ - وقَالُونُ ذُو خُلْفٍ وفي البَقَرَه فَقُلْ … يُعَذِّبْ دَنَا بِالخُلْفِ جَوْدَاً وَمُوبِلا قال أبو عمروٍ: قرأت له على أبي الفتح بالإظهار، وعلى أبي الحسن بالإدغام.

стр. 419

وأما ﴿يُعَذِّبُ مِنْ يشَآءُ﴾ (١) في البقرة فالخلاف فيه عن البزي وقنبل فيكون لابن كثيرٍ (٢) في إظهاره وإدغامه وجهانِ، وحجته الجمع بين اللغتين مع اتباع الأثر، وعن ورشٍ الإظهار وحجته اختلاف لفظ الحرفين مع الاتباع. وقوله: «في البقره» بالهاء في الوصل وما وقع من نظائره في القصيد على إجرائها في الوصل مجراها في الوقف، وذلك لا يكون إلا بإسكانها لأنها متى تحركت انقلبت تاءً. قال الشاعر (٣): لما رأى أنْ لادَعَهْ ولا شِبَعْ … مَال إلى أرطاة حِقْفٍ فَاضطَّجَعْ والجود المطر القوي.

стр. 420

باب أحكام النون الساكنة والتنوين ١ - وكُلُّهُم التَّنْوِينَ والنُّونَ أَدْغَمُوا … بِلا غُنَّةٍ في اللامِ والرَّاءِ لِيَجْمُلا النون الساكنة تكون في الأسماء والأفعال؛ والحروف متوسطة ومتطرفة، والتنوين في الأسماء مختص بالأواخر تابع للإعراب، والموجب لإدغامه في اللام والراء طلبُ الخفة وساغ ذلك لقرب المخرج إذ مخرج النون من طرف اللسان بينه وبين ما فوق الثنايا، والراء منه إلا أنها أدخل قليلاً إلى ظهر اللسان منحرفة إلى اللام، واللام من أدنى حافة اللسان إلى منتهى طرفه مما يلي الحنك الأعلى فويق الضاحك والناب والثنايا والرباعية وللقرب من النون في طرف اللسان وجب الإدغام، والموجب لإذهاب الغنة أنَّ الغنة ها هنا فيها كلفة على اللسان. ومعنى «لتجملا» أي: لتجمل اللام والراء في اللفظ بهما كذلك من غير كلفة، وينقلب التنوين أو النون من جنس اللام والراء قلباً محضاً، وذلك حقيقة الإدغام وعلى ذلك جماعة من النحويين كابن كيسان وغيره، وهو الذي أخذ به القراء وجاءت به الروايات الصحيحة عنهم. وإظهار الغنة في العربية هاهنا جائز، وقيل: إنما أذهبت الغنة هاهنا للقرب فكأنَّ الراء واللام لقربهما من التنوين والنون قد صارا كالأمثال التي ينوب بعضها عن بعض وحين بَعُدا من الواو والباء والميم احتيج إلى بقاء الغنة لتدل على الحرف المدغم التي اختصت به.

стр. 421

٢ - وَكُلٌّ بِيَنْمُوا أَدْغَمُوا مَعَ غُنَّةٍ … وَفي الوَاوِ واليَا دونها خَلَفٌ تَلا الموجب لإدغامهما (١) في الياء أنَّ النون فيها من المدِّ قريب مما في الياء لأنَّ هواء. الفم يتسع بالغنة كاتساعه بالمد، والياء/ أيضاً قريبة من الرَّاء ولا يخرج من طرف اللسان أقرب إليها منها، ولذلك يجعل الألثغ الراء ياءً وكذلك ينطق أيضاً باللام لأنَّ الياء أقرب الحروف إليهما فكما أدغما فيهما وكذلك فيما قرب منهما، وهي أيضاً أخت الواو في المد واللين، وكل واحدة منهما تدغم في الأخرى بعد القلب نحو: ميت وليَّا، وللواو أيضاً مؤاخاة مع الميم في المخرج، ولأنَّ المدّ الذي في الواو بمنزلة الغنة التي في الميم والنون، ويدغمان في الميم للاشتراك الذي بينها وبينهما في الغنة حتى لقد اتحد صوت الميم والنون إذا مددت بهما الصوت، ولم يسمع السامع ابتداءً وانتهاءً، وإنما أدغما في النون للمماثلة. وأما الغنة فإنما بقيت لأنَّ النون لها مخرجان نطق (٢) اللسان، وصوت يخرج من الخياشيم، وإذا أمسكت الأنف ناطقاً بالنون علمت ذلك فكرهوا مع

стр. 422

إدغام التنوين والنون ذهابُ الغنة من الخياشيم مع إذهابهم النون والتنوين من اللسان فيكونون لإذهابهم حرفين كأنهم قد أدغموا حرفين في حرف فأبقوا الغنة خشية الإخلال بهما. واعلمْ أنَّ حقيقة ذلك في الواو والياء إخفاء لا إدغام، وإنما يقولون له: إدغام مجازاً وهو في الحقيقة إخفاء على مذهب من يبقي الغنة لأنَّ ظهور الغنة يمنع بمحض الإدغام إلا أنه لابد من تشديد يسيرٍ فيهما وهو قول الأكابر، وقالوا: الإخفاء مابقيت معه الغنة، وقالوا: النون تحول مع الواو والياء غنة مخفاة غير مدغمة لأنها لو أدغمت (١) لم تثبت الغنة. وقال بعضهم: الغنة إذا ثبتت في الوصل لم يشدد الحرف إلا يسيراً، وإذا حذفت الغنة شددت الحرف، والدليل على ما قالوه إنك إذا أذهبت الغنة لم يُر ذلك وأدغمت وجدت فرقاً بين الحالتين بانقلابهما حرفاً خالصاً واواً أوياءً لأنها تذهب أصلاً مع تمحض. الإدغام، ولهذا عبَّر المصنفون عن الإدغام بغنةٍ بالإخفاء، وحيث لاغنة يعبرون عنه بالإدغام، وهذه الغنة التي بقيت عند الواو والياء هي غنة النون بلا إشكال إذ لا غنة في الواو والياء تنوب منابهما إلا أنَّ ذلك الصوت صار مقسوماً بين النون وبين ما أدغمت فيه.

стр. 423

فأما الغنة الباقية في الميم فقال ابن كيسان وابن مجاهد: هي غنة النون أوالتنوين لأنه إذا جاز إدغامهما في الميم لأجل الغنة لم يجز أن يذهب ما أوجب الإدغام، وقال السِّيرافي (١) وغيره هي غنة الميم (٢) لأنَّ النون قد انقلبت إلى لفظ الميم فهي غنة الميم لا غنتها والإدغام هاهنا متمحض خالصٌ لأنَّ في كل واحدٍ من المدغم والمدغم فيه غنة فإذا ذهبت إحدى الغنتين بالقلب بقيت الأخرى فوجب الإدغام الصحيح مع بقاء الغنة إذ ليس إلى حذفها سبيل، ولذلك قال ابن مجاهد ﵀: لا يقدر أحد أن يأتي بعمن يعبر عنه من أجل غنة الميم. وإذا أدغمت النون في النون تحولت إلى المدغم فيها لأنَّ مخرج النون المتحركة من الفم وذلك يمنع بقاء النون الساكنة خارجة من الخيشوم لما يؤدي إليه من اختلاف المخرجين. وحُجة خلف في إسقاط الغنة عند الواو والياء أنَّ ذلك حقيقة الإدغام ليكمل التشديد وينقلب الأول من جنس الثاني ويدخل فيه من غير إبقاء أثر له، ولأنَّ ذلك أقل كلفة وأيسر مؤونة. وحُجة الآخرين أنَّ بقاءها دلالةٌ على أصل الحرف المدغم الذي اختص بها وذلك يعتبر ما وجد إليه سبيل، وأجروا ذلك مجرى الإطباق الذي لابد

стр. 424

من بقاء التصويت به مع الإدغام ليكون دلالةً على أصل الحرف المدغم المختص به مثل: ﴿أَحَطْتُ﴾ (١)، و ﴿فَرَّطْتُ﴾ (٢)، و ﴿لَئِنْ بَسَطتُ﴾ (٣)، و لايظهر الحرف إظهاراً بيناً ولا يدغم (٤) بحيث لا يبقى له أثر، ولكنه يخفى فكما كان ذلك مستحسناً فكذلك هذا. ٣ - وعِنْدَهُمَا للكُلِّ أَظْهِرْ بِكِلْمَةٍ … مخَافَةَ إِشْبَاهِ المضَاعَفِ أَثْقَلا يعني عند الواو والياء أظهر النون إذا جاء ذلك في كلمة، وذلك متفق عليه للجميع نحو: ﴿قِنْوَان﴾ (٥)، و ﴿صِنْوَانٌ﴾ (٦)، و ﴿بُنْيَانَهُ﴾ (٧)، و ﴿الدُّنْيَا﴾ (٨) لأنك لو أدغمت فقلت: قِوَّان، وصِوَّان، وبُيّان، ودُيَّا لم يفرق السامع بين ما أصله النون وبين ما أصله التضعيف، وكذلك عند الميم في نحو قولهم: «زنما» لا يقولون: زما لذلك. ٤ - وعِنْدَ حُرُوفِ الحَلْقِ لِلكُلِّ أُظْهِرَا … أَلا هَاجَ حُكْمٌ عَمَّ خَالِيهِ غُفَّلا «أُظْهِرا» يعني التنوين والنون وقد جمع حروف الحلق في أوائل الكلمات من قوله: «ألا» إلى آخر البيت، و «خاليه» ماضيه، و «غفلا» جمع غافل، ومثال ذلك ﴿مَنْ آمَنَ﴾ (٩)، ﴿وَينْئَوْنَ﴾ (١٠) ولم تقع هذه النون قبل الهمزة

стр. 425

في كلمةٍ واحدةٍ في كتاب الله إلا في هذه الكلمة، والهاء نحو: ﴿مَنْ هَاجَرَ﴾ (١)، و ﴿مَنْ هَلَكَ﴾ (٢)، و ﴿مِنْهُم﴾ (٣) و ﴿مِنْهَا﴾ (٤)، و ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾ (٥)، والحاء نحو: ﴿مَنْ حَآدَّ اللهَ﴾ (٦)، ﴿وانحَرْ﴾ (٧)، و ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (٨)، والعين نحو: ﴿مَنْ عَمِلَ﴾ (٩)، و ﴿أَنْعَمْتَ﴾ (١٠) نحو: ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ (١١)، والخاء نحو: ﴿مِنْ خِزْي﴾ (١٢)، و ﴿المنْخَنِقَةُ﴾ (١٣)، و ﴿يَوْمَئِذٍ خَشِعَةٌ﴾ (١٤)، والغين نحو ﴿مِنْ غِلٍّ﴾ (١٥)، و ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ (١٦)، و ﴿مِنْ مَآءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ (١٧).
следующие страницы →