← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 880

شرح الشاطبية فتح الوصيد في شرح القصيد - ت أحمد الزعبي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

٢ - وَكُلٌّ بِيَنْمُوا أَدْغَمُوا مَعَ غُنَّةٍ … وَفي الوَاوِ واليَا دونها خَلَفٌ تَلا الموجب لإدغامهما (١) في الياء أنَّ النون فيها من المدِّ قريب مما في الياء لأنَّ هواء. الفم يتسع بالغنة كاتساعه بالمد، والياء/ أيضاً قريبة من الرَّاء ولا يخرج من طرف اللسان أقرب إليها منها، ولذلك يجعل الألثغ الراء ياءً وكذلك ينطق أيضاً باللام لأنَّ الياء أقرب الحروف إليهما فكما أدغما فيهما وكذلك فيما قرب منهما، وهي أيضاً أخت الواو في المد واللين، وكل واحدة منهما تدغم في الأخرى بعد القلب نحو: ميت وليَّا، وللواو أيضاً مؤاخاة مع الميم في المخرج، ولأنَّ المدّ الذي في الواو بمنزلة الغنة التي في الميم والنون، ويدغمان في الميم للاشتراك الذي بينها وبينهما في الغنة حتى لقد اتحد صوت الميم والنون إذا مددت بهما الصوت، ولم يسمع السامع ابتداءً وانتهاءً، وإنما أدغما في النون للمماثلة. وأما الغنة فإنما بقيت لأنَّ النون لها مخرجان نطق (٢) اللسان، وصوت يخرج من الخياشيم، وإذا أمسكت الأنف ناطقاً بالنون علمت ذلك فكرهوا مع

стр. 422

إدغام التنوين والنون ذهابُ الغنة من الخياشيم مع إذهابهم النون والتنوين من اللسان فيكونون لإذهابهم حرفين كأنهم قد أدغموا حرفين في حرف فأبقوا الغنة خشية الإخلال بهما. واعلمْ أنَّ حقيقة ذلك في الواو والياء إخفاء لا إدغام، وإنما يقولون له: إدغام مجازاً وهو في الحقيقة إخفاء على مذهب من يبقي الغنة لأنَّ ظهور الغنة يمنع بمحض الإدغام إلا أنه لابد من تشديد يسيرٍ فيهما وهو قول الأكابر، وقالوا: الإخفاء مابقيت معه الغنة، وقالوا: النون تحول مع الواو والياء غنة مخفاة غير مدغمة لأنها لو أدغمت (١) لم تثبت الغنة. وقال بعضهم: الغنة إذا ثبتت في الوصل لم يشدد الحرف إلا يسيراً، وإذا حذفت الغنة شددت الحرف، والدليل على ما قالوه إنك إذا أذهبت الغنة لم يُر ذلك وأدغمت وجدت فرقاً بين الحالتين بانقلابهما حرفاً خالصاً واواً أوياءً لأنها تذهب أصلاً مع تمحض. الإدغام، ولهذا عبَّر المصنفون عن الإدغام بغنةٍ بالإخفاء، وحيث لاغنة يعبرون عنه بالإدغام، وهذه الغنة التي بقيت عند الواو والياء هي غنة النون بلا إشكال إذ لا غنة في الواو والياء تنوب منابهما إلا أنَّ ذلك الصوت صار مقسوماً بين النون وبين ما أدغمت فيه.

стр. 423

فأما الغنة الباقية في الميم فقال ابن كيسان وابن مجاهد: هي غنة النون أوالتنوين لأنه إذا جاز إدغامهما في الميم لأجل الغنة لم يجز أن يذهب ما أوجب الإدغام، وقال السِّيرافي (١) وغيره هي غنة الميم (٢) لأنَّ النون قد انقلبت إلى لفظ الميم فهي غنة الميم لا غنتها والإدغام هاهنا متمحض خالصٌ لأنَّ في كل واحدٍ من المدغم والمدغم فيه غنة فإذا ذهبت إحدى الغنتين بالقلب بقيت الأخرى فوجب الإدغام الصحيح مع بقاء الغنة إذ ليس إلى حذفها سبيل، ولذلك قال ابن مجاهد ﵀: لا يقدر أحد أن يأتي بعمن يعبر عنه من أجل غنة الميم. وإذا أدغمت النون في النون تحولت إلى المدغم فيها لأنَّ مخرج النون المتحركة من الفم وذلك يمنع بقاء النون الساكنة خارجة من الخيشوم لما يؤدي إليه من اختلاف المخرجين. وحُجة خلف في إسقاط الغنة عند الواو والياء أنَّ ذلك حقيقة الإدغام ليكمل التشديد وينقلب الأول من جنس الثاني ويدخل فيه من غير إبقاء أثر له، ولأنَّ ذلك أقل كلفة وأيسر مؤونة. وحُجة الآخرين أنَّ بقاءها دلالةٌ على أصل الحرف المدغم الذي اختص بها وذلك يعتبر ما وجد إليه سبيل، وأجروا ذلك مجرى الإطباق الذي لابد

стр. 424

من بقاء التصويت به مع الإدغام ليكون دلالةً على أصل الحرف المدغم المختص به مثل: ﴿أَحَطْتُ﴾ (١)، و ﴿فَرَّطْتُ﴾ (٢)، و ﴿لَئِنْ بَسَطتُ﴾ (٣)، و لايظهر الحرف إظهاراً بيناً ولا يدغم (٤) بحيث لا يبقى له أثر، ولكنه يخفى فكما كان ذلك مستحسناً فكذلك هذا. ٣ - وعِنْدَهُمَا للكُلِّ أَظْهِرْ بِكِلْمَةٍ … مخَافَةَ إِشْبَاهِ المضَاعَفِ أَثْقَلا يعني عند الواو والياء أظهر النون إذا جاء ذلك في كلمة، وذلك متفق عليه للجميع نحو: ﴿قِنْوَان﴾ (٥)، و ﴿صِنْوَانٌ﴾ (٦)، و ﴿بُنْيَانَهُ﴾ (٧)، و ﴿الدُّنْيَا﴾ (٨) لأنك لو أدغمت فقلت: قِوَّان، وصِوَّان، وبُيّان، ودُيَّا لم يفرق السامع بين ما أصله النون وبين ما أصله التضعيف، وكذلك عند الميم في نحو قولهم: «زنما» لا يقولون: زما لذلك. ٤ - وعِنْدَ حُرُوفِ الحَلْقِ لِلكُلِّ أُظْهِرَا … أَلا هَاجَ حُكْمٌ عَمَّ خَالِيهِ غُفَّلا «أُظْهِرا» يعني التنوين والنون وقد جمع حروف الحلق في أوائل الكلمات من قوله: «ألا» إلى آخر البيت، و «خاليه» ماضيه، و «غفلا» جمع غافل، ومثال ذلك ﴿مَنْ آمَنَ﴾ (٩)، ﴿وَينْئَوْنَ﴾ (١٠) ولم تقع هذه النون قبل الهمزة

стр. 425

في كلمةٍ واحدةٍ في كتاب الله إلا في هذه الكلمة، والهاء نحو: ﴿مَنْ هَاجَرَ﴾ (١)، و ﴿مَنْ هَلَكَ﴾ (٢)، و ﴿مِنْهُم﴾ (٣) و ﴿مِنْهَا﴾ (٤)، و ﴿جُرُفٍ هَارٍ﴾ (٥)، والحاء نحو: ﴿مَنْ حَآدَّ اللهَ﴾ (٦)، ﴿وانحَرْ﴾ (٧)، و ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ (٨)، والعين نحو: ﴿مَنْ عَمِلَ﴾ (٩)، و ﴿أَنْعَمْتَ﴾ (١٠) نحو: ﴿حَقِيقٌ عَلَى﴾ (١١)، والخاء نحو: ﴿مِنْ خِزْي﴾ (١٢)، و ﴿المنْخَنِقَةُ﴾ (١٣)، و ﴿يَوْمَئِذٍ خَشِعَةٌ﴾ (١٤)، والغين نحو ﴿مِنْ غِلٍّ﴾ (١٥)، و ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ (١٦)، و ﴿مِنْ مَآءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ (١٧).

стр. 426

وسبب هذا الإظهار بعدُ المسافة بينها وبينهما لأنهما من الحلق والنون من طرف اللسان وبقدر التوغل في البعد يتقدر الإظهار. وللحلق ثلاثة مخارج أدنى، وأوسط، وأقصى على ما رتَّبها في البيت فالأقصى الهمزة والهاء، والأوسط للحاء والعين، والأدنى للخاء والغين، فأعط كل حرفٍ من الإظهار على حسب مخرجه من غير إفراط، وذلك أنَّ الإفراط يكاد يحرك الساكن وتحريك الساكن لغيرعلة خطأ، ولما كان التنوين والنون سهلين لاتحتاجان في إخراجهما إلى كلفةٍ، وحروف الحلق أشد الحروف كلفةً وعلاجاً في الإخراج حصل بينها وبينهما تباين لم يحسن معه الإخفاء كما لم يحسن معه الإدغام إذ هو قريبٌ منه فوجب الإظهار. ٥ - وقَلْبُهُمَا مِيمَاً لَدَى البَاءِ وَأَخْفِيَا … عَلَى غُنَّةٍ عِنْدَ البَوَاقِي لِيَكْمُلا قلبهما (١) ميماً عند الباء في الانفصال فأما في حالة الاتصال فلا يكون القلب إلا للنون ومثال ذلك: ﴿أنْ بُورِكَ﴾ (٢)، و ﴿سمِيعٌ بَصيرٌ﴾ (٣)، و ﴿خَبيرٌ بما تَعْمَلُونَ﴾ (٤)، ومثال الاتصال ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ (٥). وإنما قُلبا عند الباء ميماً لأَّن الإظهار لايحسن لأنَّ فيه كلفةً من أجل احتياج الناطق به إلى إخراج النون من مخرجها على ما يجب لها من التصويت بالغنة التي تخرج من الخيشوم فيحتاج إلى فتورٍ يُشبه الوقف، وإن لم يفعل

стр. 427

ذلك لم يخرج على ما يجب لها إذ كان إخراج الباء من مخرجها يمنع من التصويت بالغنة من أجل انطباق الشفتين بالباء، وأما إظهارها مع حروف الحلق فإنذَ الشفتين لاتنطبقان هناك والإدغام أيضاً لا يحسن للتباعد في المخرج والمخالفة بالغنة المختصة بالنون دون الباء، فلما وقع التباعد بالمخرج والمخالفة في الجنسية بطل الإدغام. ألا ترى أنَّ الميم من مخرج الباء ومع ذلك لا تدغم الميم في الباء لذهاب غنتها بالإدغام، فالأولى أن لا تدغم فيها النون التي ليست من مخرجها، والسبب الذي امتنع له إدغام الميم موجود في النون، والإخفاء أيضاً لايحسن كما لا يحسن الإظهار، لأنَّ اللفظ بالياء يمنع من إتمام الصوت بالغنة فلما لم يحسن وجهٌ من هذه الأوجه الثلاثة لم يبق إلا القلب. والميم تشارك الباء في الجهر والمخرج، وتشابه النون في الغنة والجهر فكانت أولى بهذا التوسط من سائر الحروف، وإنما لم يقلبا عند الواو ميماً كما قُلبا عند الميم [وإن كانت الواو من مخرج الباء لأنَّ الواو تخالف الميم في] (١) [اللين والمد وتتجافى عنها الشفتان بخلاف الباء فإنها توافق الميم في] (٢) لزوم الشفتين، وإنما كانت النون في الإدغام مقصورةً على المنفصل، وفي الانقلاب استوى المتصل والمنفصل لأنها في المتصل، لو أدغمت لالْتبس كما سبق وفي الانقلاب لا إلباس لأنه لم تقع ميمٌ ساكنةٌ قبل الباء في كلمةٍ قط فيخشى الإلباس، ولأنَّ القلب لا بد معه من التصويب بالغنة في الحرف المقلوب إذ لا تشديد هناك يخرجه عنه فارتفع الإلباس من كلِّ وجهٍ.

стр. 428

فصل في الغنة: الغنة [صوتٌ] (١) من الخياشم، وهي فرع عن النون، ولا عمل للسان فيها وله عمل في النون ودليله أنَّ صوتها يمتنع عند الإمساك على الأنف، وهي تصحب الميم والنون ففي الميم الأَغَنِّ صوتان أحدهما من الشفة، والآخر من الخيشوم، [وللنون مخرجان: أحدهما من طرف اللسان والآخر من الخيشوم] (٢) فإذا أدغمت في الواو والياء (٣) بغنة أذهبت ما يخرج من الفم وأبقيت ما يخرج من الخيشوم وإن أدغمت في الراء واللام أذهبتهما جميعاً. قوله: «وأخفيا على غنة» الإخفاء حالةٌ بين الإدغام والإظهار ويكون تارة إلى الإظهار أقرب، وتارة إلى الإدغام أقرب على حسب بعد الحرف من النون والتنوين وقربه منه كأوائل كلمات هذا البيت: طَرَقَت زينبُ صبَّا … سالياً تربةَ دَعَد تقرب منهما/ وهي إلى الإدغام أقرب وأظهر من ذلك قليلاً عند الظاء والثاء، وقربت من ذلك عند الصاد والدال، وأظهر من ذلك قليلاً عند الجيم والشين، وأظهر من جميع ذلك عند القاف والكاف والفاء، ولفظ ذلك قريب بعضه من بعض.

стр. 429

والفرق بين الإخفاء والإدغام من وجهين: أحدهما: أنَّ الإخفاء لا تشديد معه [إلا على ما سبق] (١) بخلاف الإدغام، والثاني: أنَّ إخفاء الحرف في نفسه لا في غيره وإدغامه في غيره لا في نفسه، تقول: أخفيت عند السين ولا تقول: أخفيت فيه، وأدغمت النون في الياء ولا تقول: أدغمت عنده.

стр. 430

باب الفتح والإمالة بين اللفظين ١ - وحمزْةُ مِنْهُم وَالكِسَائِيِّ بَعْدَهُ … أَمَالا ذَوَاتِ اليَاءِ حَيْثُ تَأَصَّلا الإمالة انحرافُ النطق بالحرف الممال عن مخرجه، مأخوذةٌ من أملت الرمح [وشبهه] (١) إذا أزلته عن استقامته، [فلما أشبهت الألف الرمح في استقامته] (٢) وعُوجت عن استقامتها في النطق سُمِّي ذلك إمالة. والغرض بها تشاكل اللفظ بتقريب الحركات والحروف بعضها من بعض ليتحد عمل اللسان، وهي تنقسم إلى كبرى وصغرى، فالكبرى نهاية انحراف الفم عن الاستقامة إلى الاعوجاج بالحرف الممال، وهي لتميم (٣). والصغرى متوسطة بين الاستقامة والانحراف، وتسمى بين بين وبين اللفظين، والفتح استقامة النطق بالحرف المفتوح وإخراجه من مخرجه، وينقسم أيضاً إلى أكبر وأصغر، فالأكبر: إستبقاء فتح الفمِّ بالحرف الذي يتعقبه الألف، وليس بأصل في لغة العرب وإنما هو لغة قوم منهم جاوروا الأعاجم كأهل خراسان ومن والاهم فأخذوا تلك العجمة منهم، والأصغر توسط فتح الفم بذلك الحرف حتى يكون بين ذلك الفتح الأكبر وبين الإمالة الصغرى، وهو لغة أهل الحجاز وعليه القراءة. والفتح هو الأصل ودليله أنك إذا أملت كل مفخم أخطأت، وإذا فخمت كل ممال لم تخطئ، والتفخيم يكون بغير سبب، والإمالة لاتكون إلا

стр. 431

بسبب، وأسباب الإمالة ستة: كسرة موجودة في اللفظ، أوكسرة عارضة في بعض الأحوال، أو ياءٌ، أو إنقلابٌ عن باء، أو تشبيهٌ بالانقلاب عن الياء، أو إمالة لإمالة. وترجع هذه الستة إلى الكسرة والياء لاغير، وكل مامر في الباب شيء من هذه الأسباب نبهت عليه إن شاء الله تعالى. وقوله: «وحمزة منهم» أي: من القراء والكسائي بعده لأنه أخذ عنه، ومعنى «حيث تأصَّلا» أي: تأصل الياء أي: حيث كان الياء أصلاً، وهو أحد الأسباب المذكورة، وإنما أميل ليدل على الأصل، وهو أكثر أنواع الإمالة استعمالاً. ٢ - وتَثْنِيَةُ الأسْمَاءِ تَكْشِفُهَا وَإِنْ … رَدَدَتَ إِليكَ الفِعْلَ صَادَفْتَ مَنْهَلا أصل الإمالة للأسماء لقوتها، وللأفعال لتصرفها، والأفعال أولى بها، والإمالة فيها أمكن وأقوى لأنَّ الأفعال ثقيلة والإمالة تخفيف، والدليل على أنَّ الإمالة في الأفعال أمكن أنها تمال وألفها منقلبة عن واوٍ وتمال وفيها أحد الحروف الموانع، فأما الحرف فما أميل منه على قلته فلمضارعته الاسم، ولمشابهته له في عدد أو غيره على ما سيأتي إن شاء الله لأنَّ الحروف جامدةٌ ضعيفةٌ وألفاتها غير منقلبة عن شيء، فإذا أردت معرفة أصل الألف في الأسماء ثنيتها فإن ظهرت الياء فيها فهي أصل الألف، وإن كان فعلاً رددته إلى نفسك وراعيت ظهور الياء فيه، وقد مثَّلَه فقال: ٣ - هَدَى واشْتَرَاهُ والهوَى وَهُدَاهُمُ … وَفي أَلِفِ التَّأْنِيثِ في الكُلِّ مَيَّلا لأنك تقول: هديت واشتريت، وهُوَيان وهُدَيان، وقوله: «وفي ألف

стр. 432

التأنيث» هذا من أسباب الإمالة، هو المشبه بالمنقلب عن الياء، وهذة الألف للتأنيث لاأصل لها فانقلبت عنه، وإنما شُبهت بالمنقلبة عن الياء لأنها تتصرف بالياء في التثنية والجمع كقولك: حُبليان وحُبليات ثم ذكر هذه الألف أين تكون فقال: ٤ - وكَيْفَ جَرَتْ فَعْلَى فَفِيهَا وجُودُها … وإنْ ضُمَّ أَوْ يُفْتَحْ فَعَالَى فَحَصِّلا يقول: كيف جرت فَعْلَى بفتح الفاء، أو بكسرها، أو بضمها ففيها نجد ألف التأنيث، وإن ضم فعالى أو فتح فهي فيه أيضاً، «فحصَّلا» أراد فحصلن، وليست الفاء فيه رمزاً لأنه في هذا البيت لم يحْكِ مذهب قارئٍ وإنما ذكر فيه أين تقع ألف التأنيث، في الكل ميلا كيف وقد سبق قوله: «وفي ألف التأنيث في الكل ميلا» فهذا [تصريح] (١) بأنهما ميلا ألف التأنيث أينما وقعت ولم ينفرد حمزة بشيء من ذلك دون الكسائي، فلا يكون قوله: «فحصلا» رمزاً، والتحق بهذا الباب موسى، وعيسى، ويحيى، وهو مذهب القراء والكوفيين فيها، وبذلك أخذ القراء اعتماداً على أنها فَعْلى وفِعْلى وفُعْلى. ٥ - وفي اسْمٍ في الاسْتِفْهَامِ أَنَّى وَفي مَتَى … مَعَاً وَعَسَى أَيْضَاً أَمَالا وَقُلْ بَلَى يقول: وألف التأنيث في اسمٍ استعمل في الاستفهام نائباً عن حرف الاستفهام وهو أنَّى، ومتى، وأما أنَّى فكان ابن مجاهدٍ يختار أن يكون فعلى، وكان يأخذ فيه بالإمالة لأصحابها، وأما مَتَى فهي لاحقةٌ بالظروف، ومعناها أي: حين فألفها أصلية مُشْبِهَةٌ بألف التأنيث لأنها لا أصل لها في الحركة، ولا هي منقلبةٌ عن ياء، ولو سميت بمتى لرددت ألفها إلى الياء [في التثنية فقلت:

стр. 433

متيان فأميلت لأنها أشبهت ما أشبه ما انقلب عن الياء] (١) وعسى فعلٌ غير متصرفٍ، وأميل لأنك تقول عسيت. وأما بلى فإنما أميلت وهي حرفٌ لأنها لما كُفَّت في الجواب وقامت بنفسها أشبهت الأسماء تقول: إذا قيل لك: ألم يأتك زيدٌ بلى، ولمن قال لك: مَنْ عِنْدَكَ زيدٌ، فبلى هاهنا قام مقام زيد هناك كُفَّت بالجواب كما كفى فيه الاسم، وهي أيضاً تضارع الاسم في عدد حروفها، وقيل: بل أشبهت الفعل فأميلت كما يمال، ووجه الشبه تضمنها معناه في التحقيق والإيجاب بعد النفي لأنَّ قولك لمن قال: ألم يأتك زيدٌ بلى بمعنى قد جاء، وقيل: إنَّ ألفها للتأنيث، وأصلها بل فزيدت كما زيدت التاء على لا ورُبَّ وثَمَّ (٢) لتأنيث الكلمة، ودليل ذلك أنَّ ما بعد بلى موجبٌ كما بعد بل. ٦ - ومَا رسَمُوا بِاليَاءِ غَيرَ لَدَى وَمَا … زَكَى وَإِلى مِنْ بَعْدُ حَتَّى وَقُلْ عَلَى أي: وأمالا مارسموا بالياء وإن لم يكن الياء أصلاً، واستثني من ذلك هذه الكلمات، فأما لدى فإنها رسمت بالألف في يوسف (٣)، وبالياء في غافر (٤) وإنما لم تمل لأنَّ لدى، وحتى، وعلى، وإلى حروفٌ ليست بمشتقة من فعل، ولم يحكم لها بحكم الأسماء لأنك تردُّ الأسماء إلى التثنية فيعرف أصلها، فلما لم يساعدها دلائل الأفعال ولا دلائل الأسماء لم تمل [وقد تمال الألف لكسرةٍ تكون قبلها أو بعدها، وذلك معدوم فيها.

стр. 434

فإن قيل: إنَّ الألف ترجع إلى الياء في قولك: عليك، وإليك، ولديك، قيل: ليس ذلك ليدل على أصلٍ وهي كالألف في رجلان، فإذا قلت: مررت برجلين لم تنقلب إلى الياء ليدل انقلابها على أنَّ الياء أصلٌ هناك فلذلك لم تمل، فليس هي إذاً كألف قضى] (١). وأما ﴿مَازَكَى﴾ (٢) فإنما كتب بالياء زعموا لأنَّ بعده ﴿ولكِنَّ اللهَ يُزَكِّي﴾ ليكون رسم الكلمة واحداً فلا يمال لأنه من ذوات الواو، ولأنّ القراءة بأفصح اللغات، فلما كان من العرب من يميل ذلك ونظائره لعوده إلى الياء إذا بُنِي لما لم يُسَمِّ فاعله نحو زُكِّي ودُعِي كانت القراءة بالفتح تنبيهاً على الأفصح. ٧ - وكُلُّ ثُلاثِيٍّ يَزِيدُ فَإِنَّهُ … مُمَالُ كَزَكَّاهَا وأنْجَى معَ ابْتَلَى إنما ميل هذا لأنه قد رجع إلى الياء حين صار رباعياً بدخول الزوائد عليه فتقول: أنجيت وزكَّيت، وابتليت. ٨ - ولَكِنَّ أَحْيَا عَنْهُمَا بَعْدَ وَاوِهِ … وَفِيمَا سِوَاهُ للكِسَائِيِّ مُيِّلا يريد أنهما اتفقا على إمالة أحيا منسوقاً بالواو وهو قوله تعالى: ﴿وأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وأَحْيَا﴾ (٣)، وانفرد الكسائي بما سوى ذلك ومنه نحو: ﴿فَأَحْيَكُمْ﴾ (٤) و ﴿إنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ (٥)، وحجة حمزة الوقوف عند الأثر، والجمع بين اللغتين، ولأنه رأس آية.

стр. 435

٩ - وَرُءْيَاي والرُّءْيَا وَمَرْضَاتِ كَيْفَمَا … أَتَى وَخَطَايَا مِثْلُهُ مُتَقَبَّلا يقول: وتفرد الكسائي بإمالة رؤياي والرؤيا، واحترز بذلك من قوله في يوسف ﴿رُءْيَاكَ﴾ (١) و ﴿رُءْيى﴾ (٢) فُعْلى وألفها للتأنيث،/ وقد تقدم عليها وإنها تشبه المنقلبة عن الياء بعودها إلى الياء في التثنية، ولأنَّ التأنيث له الكسر والياء نحو: إليك وقومي، وأمال أيضاً مرضاة كيفما وقع نحو: ﴿مَرْضَاتِي﴾ (٣) ﴿مَرْضَاتِ اللهِ﴾ (٤) وهي مفعلة من الرضا فألفها ترجع إلى الياء في الجمع والتثنية نحو: مَرْضَيَان، ومَرْضَيات، فصارت بمنزلة ما هو من ذوات الياء لذلك. وأما خطايا (٥) فألفها منقلبة عن ياء وهي عند الفراء وأصحابه جمع خَطِيَّة بغير همز كهدِيَّة وهدايا، وعند آخرين أصلها خطائي فأبدلت كسرة الهمزة فتحة فانقلبت الياء لتحركها وانفتاح ما قبلها ألفاً فصارت خطاءا فصارت كاجتماع ثلاث ألفات في كلمة موضعها، فاستثقلت الهمزة بين ألفين إذ هي من جنسها، فأبدلت ياءً فصارت خطايا. وقيل: أصلها خطايئ بياءٍ مكسورة بعدها همزة فقلبت الكلمة بتقديم الهمزة موضع الياء وتأخير الياء موضعها فصارت خطائي بهمزة بعدها ياء، فأبدل من الياء ألفٌ استثقالاً لها كما أبدلوها في عذارى، فانتقلت الهمزة التي قبلها إلى الفتح من الكسر من أجل الألف فصارت خطاءا.

стр. 436

وقيل: بل هَمَزَ الياءَ المكسورة كما هُمِزَت في مدائن، فاستثقل الجمع بين همزتين فأبدل من الأخيرة ياء، وعمل فيها كما تقدم، فأمال الكسائي هذه الألف لأنَّ أصلها الياء لاسيما وقبلها ياءٌ فقويت الإمالة لذلك. ١٠ - ومحيَاهُمُو أَيْضَاً وَحَقَّ تُقَاتِهِ … وَفي قَدْ هَدَانِي لَيْسَ أَمْرُكَ مُشْكِلا المحيا مَفْعَل وألفه منقلبةٌ عن ياء (١)، فلذلك أماله، و ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٢) ألفها أيضاً منقلبةٌ عن ياء، وأصلها تُقَيَة بوزن (فُعَلَة) فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفاً، وإنما لم يملها حمزة لأنها كتبت بألفٍ في الرسم العراقي على لغة الفتح، وأمال ﴿إلا أنْ تَتَقُوا مِنْهُم تُقَةً﴾ (٣) مع الكسائي لأنه رسم بالياء، وقال: «وفي قد هداني ليس أمرك مشكلا» لأنَّ ألفه لا تخفى أنها منقلبة عن ياء (٤)، وإنما فتحه حمزة ﵀ لاتصاله بضمير المفعول فصارت كالمتوسط فبَعُد عن موضع التغيير وهو الطرف [على أنه قد أمال مثله في آخر السورة، وإنما فخم هذا تنبيهاً على العلة التي ذكرتها] (٥). ١١ - وفي الكَهْفِ أَنْسَانِي وَمِنْ قَبْلُ جَاءَ مَنْ … عصَانِي وَأوصَانِي بمَرْيمَ يُجْتلى يقول: وكذلك أنساني (٦) في الكهف ومن قبل يعني في سورة إبراهيم جاء ﴿من عَصَانِي﴾ (٧) ﴿وأَوْصَانِي بِالصَّلوةِ﴾ (٨) في مريم يجتلى أي: يكشف، وإنما فتح حمزة هذه لاتصال ضمير المفعول بها كما تقدم،

стр. 437

والكسائي فيها على الأصل لأنَّ ألفها منقلبة عن ياء. ١٢ - وفِيهَا وَفِي طَس أَتَانِيَ الَّذِي … أَذَعْتُ بِهِ حَتَّى تَضَوَّعَ مَنْدَلا يعني وفي مريم ﴿آتَنِيَ الكِتَبَ﴾ (١)، وفي طس ﴿آتَنِ اللهُ﴾ (٢) فهذه ستة أفعال أمالها الكسائي لأنَّ ألفاتها [منقلبة] (٣) عن ياءٍ، وأيضاً فإنَّ بعدها نوناً مكسورةً وبعد النون ياءٌ، وأينما كثُرت الياءات والكسرات حَسُنتْ الإمالة، وفتَحَها حمزة لتوسطها. ١٣ - وحَرْفُ تَلاهَا مَعْ طَحَاهَا وَفي سَجَى … وحَرْفُ دَحَاهَا وَهي بالوَاوِ تُبْتَلَى هذه وإن كانت ألفاتها منقلبةً عن الواو، فهي بمنزلة المنقلبة عن الياء، لأنَّ هذه الواو تصير ياءً في بعض الأحوال إذا بَنَيْتَ الفعل لما لم يُسَمَّ فاعِلُه، أو نقلته إلى الرباعي، وزاد الإمالة فيها حُسناً وتقويةً أنها جاءت مع ما ألفه منقلبةٌ عن ياءٍ ممالاً في رؤوس الفواصل فجرت الإمالة على طريقةٍ واحدةٍ، وذلك أسهل على اللسان، وأحسن في السمع وفتح حمزةُ نظراً إلى الأصل، و «تبتلى» معناه تختبر. ١٤ - وَأَمَّا ضُحَاهَاوالضُّحَى وَالرِّبَا مَع الـ … ـقُوَى فَأَمَالاهَا وَبِالوَاوِ تختَلَى اتفقا على إمالة هذه لأنَّ من العرب من يثني ما انضم أولُه أو انكسر من ذوات الواو بالياء هرباً من ثِقَل الواو، فيقولون: رِبِيَان وضُحَيان، والفرار من الواو إلى الياء في لغة العرب معروفٌ كقولهم: ميِّت (٤)، وهيِّن، ومرضي، فلما كانت الإمالة دالةً على الياء أتوا بها فراراً إليها.

стр. 438

وأما القوى (١) فجمع قوة، وهو في الأصل لقُوى الحبْلِ وإنما أمالاه لتتفق الفواصل، وتتساوى وتتشاكل، وإنما ذكره هاهنا ليعلم أنَّ أصله الواو وإنما لم يذكر العُلى وإن كان من الواو في الأصل إذ هو من العلُوِّ لأنه قد رُدَّ إلى الياء، وإنما رُدَّ إلى الياء لأنه صفة فهو ثقيل فكرهوا الجمع بين ثقل الصفة وثقل الواو فردوه إلى الياء لأنها أخف، فلذلك أمالاه لأنَّ واحده فُعْلى، وهما يميلانها فسويا بين الواحد والجمع، وهو في طه رأس آيةٍ دخل في قوله (٢): «ومما أمالاه أواخر آي ما بطه»، [ومعنى تختلى: تجتنى وتُحَصَّل، وأصل ذلك قولهم: اختليت الخلا إذا أحرزته وقطعته] (٣). ١٥ - وَرُؤْيَاكَ مَعْ مَثْوَايَ عَنْهُ لحفْصِهِمْ … وَمحيَايَ مِشْكَاةٍ هُدَايَ قَدْ انجَلى العلة في إمالة هذه تقريب الألف من أصلها لأنَّ أصل ألفاتها الياء، وفي فتح أبي الحارث ﴿رُءْيَاك﴾ (٤) مع إمالة الباب تفرقةٌ بين ما هو في موضع خفضٍ، وما هو في موضع نصبٍ وإشارةٍ إلى الموضعين بالإمالة والفتح، وفي فتح حمزة جميع باب الرؤيا إيثارٌ للتخفيف لأنَّ هذه الكلمة ثقيلةٌ بما فيها من الهمز فلم يضف إلى ذلك ثقلاً آخر بتقريب الياء من الكسرة. وأما ﴿كَمِشْكَوةٍ﴾ (٥) فإنما أماله الدوري للكسرة الموجودة بعد الألف، وهذا من أسباب الإمالة المذكورة، وهو إمالة الألف من أجل الكسرة في اللفظ كقولهم: حامد، وكاتب، وسالم.

стр. 439

١٦ - ومما أَمَالاهُ أَوَاخِرُآي مَا … بِطَه وآي النَّجْمِ كَي تَتَعَدَّلا حجة الإمالة أما ما كان من ذوات الياء في رؤوس الآي، فلأنَّ رؤوس الآي موضع وقفٍ، والإمالة تغيير، والتغيير في الوقف أكثر منه في غيره، ولذلك أبدلوا من التنوين فيه ألفاً نحو: ﴿عَلِيمَاً حَكِيمَاً﴾ (١)، ومن النون أيضاً ألفاً في الوقف نحو ﴿لِيَكُونَاً﴾ (٢) و ﴿لَنَسْفَعَاً﴾ (٣)، ومن التاء هاءٌ نحو: ﴿نِعْمَة﴾ و ﴿رَحْمَة﴾ (٤)، وزادوا فيه الهاء نحو ﴿مَالِيه﴾ (٥)، و ﴿سُلْطَنِيَه﴾ (٦). وأثبتوا الألف في أنا وهي تسقط في الوصل نحو: ﴿أَنَا وَرُسُلِي﴾ (٧)، وذكر سيبويه (٨) أنهم يقولون في الوقف: هذه أفْعِي وحُبْلِي وهُدِي، وهي لغة طيِّئ بأسرها يبدلون من الألف ياء في الوقف لخفائها، وكذلك غيرت ألف الفواصل بأن يجاء بها نحو الياء تقريباً من الياء التي أبدلت من الألف في الوقف للبيان. وأما ما ألفه من ذلك منقلبة عن واوٍ فإنما أميل ليأتي لفظ الفواصل كله على طريقةٍ واحدةٍ، وهو معنى قوله: «كي تتعدَّلا»، ولأنها قد ترجع إلى الياء في بعض أحوالها كما سبق، ولا تمال الألف المبدلة من التنوين في رؤوس

стр. 440

الآي نحو: ﴿نَسْفَاً﴾ (١)، و ﴿ضَنْكَاً﴾ (٢) و ﴿إلا هَمْسَاً﴾ (٣) لأنَّ ذلك يدخل في الإمالة ماهو خارجٌ عنها ويخرجها من بابها إذا لا تكون إمالةٌ بغير سببٍ، وفي سورة طه خلافٌ في قوله: ﴿مِنِّى هُدَىً﴾ (٤) لأنها في عدد الكوفي ليست برأس آيةٍ، وعدَّها سواه فترتَّب على ذلك مذهب أبي عمروٍ في إمالته، وفي سورة والنجم ﴿فَأَعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلَّى﴾ (٥) عدَّها الشامي آيةً دون غيره. ١٧ - وفي الشَّمْسِ وَالأَعْلَى وَفي الليْلِ وَالضُّحَى … وَفي اقْرَأْ وَفي وَالنَّازِعَاتِ تَمَيَّلا يعني ويميل أيضاً آخر الآي في هذه السورة المذكورة (والأعلى) أراد به ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ (٦) وسورة الليل إحدى وعشرون آيةً، وليس ﴿مَنْ أَعْطَى﴾ (٧) برأس الآية، وإنما رأس الآية ﴿واتَّقَى﴾، وقد ذكر بعض أصحاب العدد أنها عشرون آية ولم يعد ﴿إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ (٨) رأس آية وهو غلط، وكذلك قال مكي (٩): هي عشرون آيةً، وفي اقرأ ﴿الَّذِي يَنْهَى﴾ (١٠) عدَّهُ الشامي وحده وفي النازعات في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ خُلْفٌ عَدَّهُ البصريُّ، والكوفيُّ، والشاميُّ، ولم يعُدَّه المدنيُّ.

стр. 441

١٨ - وَمَنْ تَحْتِهَا ثُمَّ القِيَامَةِ ثُمَّ في الـ … ـمَعَارِجِ يامِنْهَالُ أفْلَحْتَ مُنْهِلا «ومن تحتها» يعني ومن: تحت النازعات يعني عبس فهذه إحدى عشرة سورة، والذي وقع فيه الخلاف أربعةُ مواضع، أعني مما يدخل في هذا الباب، والمِنْهَال الكثير الإنْهَال، والإنْهَال: إيرَادُك الإبل المنهل، ومُنْهِلاً (١) أي: موروداً، أو معطياً إذ يقال أيضاً: أنهلتُ الرجل إذا أعطيته، وانتصب على الحال. ١٩ - رَمى صُحْبَةٌ أَعْمَى وَفي الاسْرَاءِ ثَانِيَاً … سِوَى وسُدَىً في الوَقْفِ عَنْهُمْ تَسَبَّلا إنما جمع في هذا البيت بين هذه الكلمات ليوجز (٢) الاتفاق، وصحبة على إمالتها فرمى لأنك تقول رميت، ومن أمال ﴿أَعْمَى﴾ (٣) الثاني/ في الإسراء فهو عنده في معنى الأول ألفه منقلبة عن ياء، ومَن فرَّق بينهما جعل الألف في الثاني بمنزلتها في قولك: أشد عمىً فالأول صفة، والثاني اسم في معنى المصدر، ففتح الثاني لأنك إذا وقفت على ألف عمى كنت واقفاً على المبدلة من التنوين على قولٍ. وأما ﴿سُدَىً﴾ (٤) فهو من ذوات الياء من قولك: أسديت الشيء إذا أهملته، و ﴿سِوَىً﴾ (٥) أجرى مجراه، وقوله: «تسبلا» أي تحبس، يشير إلى ثبوته.

стр. 442

٢٠ - وَرَاءُ تَرَاءَى فَازَ في شُعَرَائِه … وَأَعْمَى في الاسْرَا حُكْمُ صُحْبَةٍ اوَّلا قد تقدَّم الكلام (١) في ﴿تَرَاآ الجمْعَانِ﴾ (٢) وإنَّ حمزة أمال الراء فيه وقفاً ووصلاً اتباعاً لإمالته الهمزة، وذلك أنه عمل فيه أربعة أعمالٍ: قرَّبَ فتحةَ الراءِ من الكسرة وقرَّبَ الألفَ التي بعدها من الياء، [وقرَّب فتحة الهمزة من المكسورة] (٣) وهذا هو الإمالة لإمالة المجاور، فإذا وصل أبقى الراء على إمالتها ولم يمل الهمزة كما فعل في ﴿رَأَى القَمَر﴾ (٤)، وقد سبق تعليل فتح ﴿أعْمَى﴾ (٥) الثاني في الإسراء، والفرق بينه وبين الأول عند من فتح الثاني، وقد قيل فيه أيضاً إنما كان الثاني أولى بالفتح من الأول حين أريد الفرق بين أفعل التفضيل، وبين الأول من قبل أنَّ الإمالة أكثر ما تقع في الأطراف، وألف الأول طرف. وأما ألف الثاني ففي معنى المتوسطة إذ كان أفعل التفضيل يحتاج إلى الصلة كقولك: هو أفضل القوم، فأعمى الثاني يقتضي الإضافة، فألفه على هذا في معنى المتوسطة وإن لم تكن صلته ظاهرةً، وإذا كانت الإمالة تغييراً فتغيير الطرف أولى. ٢١ - ومَا بَعْدَ رَاءٍ شَاعَ حُكْمَاً وحَفْصُهُمْ … يُوَالي بمجْرَاهَا وَفي هُودَ أُنْزِلا أي: وما وقع من الألفات بعد راءٍ فقد شاع حُكْمَاً في الإمالة لأنه قد اشتهر عن العرب إمالته، وقد روي عن الكسائي أنه قال: للعرب في كسر

стр. 443

الراء رأي ليس لها في غيرها سمعتهم يقولون: رِمْي ورِاني بكسر الراء والميم حكاه الفراء عنه، فلذلك اعتبرها أبو عمروٍ، ولم يعتبر غير ذلك من ذوات الياء نحو ﴿مُرْسَاهَا﴾ (١) و ﴿أَحْيَا﴾ (٢) وشبهه. قال أبو عمروٍ: وإذا كانت الياء بعد الراء كسرت الراء، وقال: أدركت أصحاب ابن مجاهدٍ وهم لا يكسرون شيئاً من القرآن إلا نحو: و ﴿مَاأدْرَنكَ﴾ (٣)، و ﴿أَرَنكُمْ﴾ (٤)، و ﴿افْتَرَى﴾ (٥) و ﴿تَرَى﴾ (٦) يكسرون الراءات، فخصَّ أبو عمروٍ ذوات الراء من الأسماء والأفعال بخالصِ الإمالة فرقاً بينه وبين غيره مما ليست عينه ولا لامه راءٌ اتباعاً للنقل، واقتداءً بأئمته كما حكاه عن أصحاب ابن مجاهدٍ، واختياراً لما تختاره العرب وذلك نحو: ﴿ذِكْرَى﴾ (٧)، و ﴿القُرَى﴾ (٨)، و ﴿بُشْرَى﴾ (٩)، و ﴿أُسَرَى﴾ (١٠)، و ﴿النَّصَارَى﴾ (١١)، و ﴿اشْتَرَنهُ﴾ (١٢)، و ﴿أرَنكَ﴾ (١٣)،

стр. 444

و ﴿تَرَى﴾ (١)، و ﴿يَتَوَارَى﴾ (٢)، [على الصحيح عن أبي عمروٍ] (٣)، و ﴿يُفْتَرَى﴾ (٤)، وهو باب متسعٌ أمال في جميعه فتحة الراء لتميل الألف بعدها، فإمالة الألف إما لتدل على أصلها إذ الألف في الباب إما منقلبةٌ عن ياءٍ، أو مشبهةٌ بها، وإمالة الراء من باب إمالةٍ لإمالة، وحجة حفصٍ اتباعُ السنة في القراءة، والجمع بين اللغتين، وقال: أنزل لأنَّ القرآن كلَّه منزَّلٌ وهو منه. ٢٢ - نَأَى شَرْعُ يمنٍ بِاخْتِلافٍ وَشُعْبَةٌ … في الاسْرَا وَهُمْ وَالنُّونُ ضَوْءُ سَنَاً تَلا أي: إمالة ألف «نأى شرعُ يمن»، ومن ضرورة إمالتها إمالة الهمزة قبلها. وقوله: «باختلافٍ» أي: عن السوسي، قال أبو عمروٍ في التيسير (٥): أمال الكسائي، وخلف فتحة النون والهمزة في السورتين، وأمالَ خلادٌ فتحة الهمزة فيهما فقط، وقد رُوي عن أبي شعيبٍ مثل ذلك، [وحكى من غير التيسير إمالة الهمزة عن إبراهيم بن اليزيدي، عن أبيه عن أبي عمروٍ، ثم قال: وقد رُوي عن أبي شعيبٍ، عن اليزيدي مثل ذلك، والمذكور في أكثر كتب الأئمة عن أبي شعيبٍ الفتح] (٦). و «شرع يمن» مرفوع على أنه فاعل بتقدير أمال نأى شرع يمن [أو على أنه خبر مبتدأ يعني وإمالة نأى شرع يمن] (٧).

стр. 445

«وشعبة في الأسرى وهم» أي: وافق هؤلاء الثلاثة شعبة في سبحان، وأضاف إلى ذلك إمالة النون الكسائي، وخلف عن حمزة، وقال: شرع يمن، لأنَّ إمالة هذه الألف دليلٌ على الياء التي انقلبت عنها في قولك: نأيت، وإمالة الهمزة قبلها لأنَّ ما قبل الألف داخل في حكمها، وحجة أبي بكرٍ في التفرقة بين حرف السجدة، وحرف سبحان الجمع بين اللغتين، وقال: «ضوء سناً» أي: تبع لأنه أميل ليتلو ما بعده في الإمالة ليتشاكل اللفظ، وتتفق الحركات وتتناسب، وهو من باب إمالة الإمالة. [فاعلم ذلك وقس عليه إن شاء الله تعالى] (١). ٢٣ - إِنَاهُ لَهُ شَافٍ وَقُلْ أَوْ كِلاهُمَا … شَفَا وَلِكَسْرٍ أَوْ لِيَاءٍ تَمَيَّلا أي: إناه له في الإمالة دليلُ شافٍ لأنَّ ألفه عن ياء، وهو من أَنَى يَأْنى أَناً، والأصل إنَيَاً لكن تحركت الياء، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، وقيل: هو مقلوب مِنْ آنْ يَئَيْن والتقدير غير ناظرين آنهُ، أي: حينه، لكن قُدِّمت النون قبل الألف وكسرت الهمزة. «وقل أو كلاهما شفا» أي: شفا دليله أيضاً، «ولكسرٍ أو لياءٍ تميلا»، وذلك أنَّ «كلا» عند البصريين اسمٌ مفردٌ بمنزلة معاً، وضِعَ للتثنية كما وُضِعَ كُل للجمع، والدليل على أنه اسمٌ مفردٌ قولهم: كلا أخويك قائم، فيقع الخبر عنه مفرداً، ومنه قول الشاعر: كِلا يومي أُمامة يومُ صَدٍّ … وإنْ لم تأتها إلا لماما (٢) وألفه منقلبة عن ياء، ولو سُمِّي به لقيل في تثنيته كِلَيان، وإمالة العرب له دليلٌ على ذلك، وقد قيل: إنَّ ألفه عن واو، وإنما أميلت لكسرة الكاف.

стр. 446

وعليه اعتراضٌ من وجهين: أحدهما: أنَّ اللام قد فصلت بين الألف والكسرة والثاني: أنَّ ما أصله الواو لا يمال لأجل الكسرة لأنهم أرادوا تحقيق الواو بالدلالة عليها ففتحوا ليدلوا بالفتح على الواو، وقد ذكر سيبويه (١) أنَّ إمالة ما أصله الواو للكسر شاذةٌ قليلة. والجواب أما الفصل فغير مانعٌ للإمالة، وقد أمالوا الألف في لن يضربها لكسرة الراء، وقد فصل بينهما الباء والهاء، وكذلك الألف في قولهم: (يريد أن ينزعها). وأما الإمالة فيما أصله الواو للكسرة فقد أمالوا نحو: النار، والدار، والغار لأجل ذلك الكسر، وأصل ذلك الواو، ولمن نازع في ذلك أن يقول: الفرق بينهما أنَّ كسر كلا ثابتٌ لازمٌ غير منتقلٍ عن حاله، وهذه الأحرف المذكورة قد تنتقل إلى الفتح بانتقالها إلى الضم والفتح، فيكون ذلك دالاً على أنَّ الإمالة إنما كانت للكسرة، فلا يقع لُبسٌ بخلاف كلا. ٢٤ - وَذو الرَّاءِ وَرْشٌ بَينَ بينَ وَفي أَرَا … كَهُم وَذَوَاتِ اليَا لَهُ الخلْفُ جُمِّلا يقول: وذو الرّاء من الألفات يقرأه ورش بين بين (٢) نحو: ﴿ذِكْرَى﴾ (٣)،

стр. 447

و ﴿شُورَى﴾ (١)، و ﴿الأسْرَى﴾ (٢)، و ﴿قَدْ نَرَى﴾ (٣)، و ﴿أَرَنكُم مَا تحبُّون﴾ (٤)، ﴿وَلَوْ أَرَنكَهُم كَثِيرَاً﴾ (٥)، فإنَّ المصريين رووا ذلك بالفتح، وعلته الجمع بين اللغتين، وحجته النقل واتباع الأثر، وألحقه ابن غلبون وغيره بنظائره فأماله. وأما ذوات الياء وما لحق بها فنحو ﴿مُوسَى﴾ (٦)، و ﴿يحيَى﴾ (٧)، و ﴿عِيسَى﴾ (٨)، و ﴿شَتَّى﴾ (٩)، و ﴿السَّلْوَى﴾ (١٠)، و ﴿إِحْدَنهُنَّ﴾ (١١)، و ﴿أُخْرَى﴾ (١٢)، و ﴿اليَتَمَى﴾ (١٣)، و ﴿خَطَايَا﴾ (١٤)، و ﴿خَطَيَكُم﴾ (١٥)، و ﴿الحوَايَا﴾ (١٦)، و ﴿الموْلَى﴾ (١٧). وجميع ما تقدَّم القول فيه مما يعود إلى

стр. 448

الياء نحو: ﴿أَدْنَى﴾ (١)، و ﴿أَزْكَى﴾ (٢)، ونحو ﴿أَنَّى﴾ (٣)، و ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ (٤)، و ﴿يَاحسرتى﴾ (٥)، و ﴿يَا أَسَفَى﴾ (٦)، و ﴿مَتَى﴾ (٧)، و ﴿بَلَى﴾ (٨)، و ﴿عَسَى﴾ (٩)، فمذهب ابن غلبون في ذلك كلِّه الفتح، وغيره يأخذ فيه له بالإمالة اليسيرة، وعليه الأكابر من أصحاب ورش من مشيخة المصريين، وقد نصَّ عليه أبو يعقوب عن ورش، والأُذفوي، وابن أبي طيبة، وعبد الصمد، ونصّ عليه ابن مجاهدٍ في كتابه، وأجمع عليه البغداديون، والشاميون الناقلون لهذه القراءة. قال الحافظ أبو عمروٍ ﵀: وهو الصحيح الذي يؤخذ به روايةً وتلاوةً. ٢٥ - وَلَكِنْ رُؤوسُ الآي قَدْ قَلَّ فَتْحُهَا … لَهُ غَيْرَ ماهَا فِيه فَاحْضُرْ مُكَمَّلا معنى قوله: «قلّ فتحها» أي: فتحها فتحاً قليلاً يعبر بذلك عن الإمالة اليسيرة وعنى رؤوس الآي في السور السابق ذكرها، ويستوي في ذلك ما هو من ذوات الواو نحو: ﴿وَأَنْ يُحشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾ (١٠)، ونحو: ﴿والضُّحَى وَالليلِ إِذَا سَجَى﴾ (١١)، وبين ما هو من ذوات الياء، وعلة ذلك اتفاق رؤوس الآي لتأتي الفواصل كلها بلفظٍ واحدٍ.

стр. 449

وقوله: «غير ماها فيه» يعني ما وقع بعد الألف منه (١) هاء كناية التأنيث في هذه السورة، وهو ينقسم ثلاثة أقسام: مالاخلاف عنه في إمالته نحو: ﴿ذِكْرَنهَا﴾ (٢) وذلك داخل في قوله: «وذو الرَّاء ورش بين بين»، وما لا خلاف عنه في فتحه نحو: ﴿ضُحَاهَا﴾ (٣) وشبهه من ذوات الواو، وما فيه الوجهان وهو ما كان من ذوات الياء. قال الحافظ أبو عمروٍ: قرأت على أبي الفتح، وعلى الخاقاني ذلك كلَّه بين بين كسائر رؤوس الآي لم تتصل بالألف المنقلبة عن ياء فيها كناية مؤنثاً طرداً لمذهب ورش في سائر ذوات الياء، وقرأت على أبي الحسن بالفتح في ذلك جمعاً بين اللغتين لفشوهما واستعمال العرب لهما، على أنَّ قياس أبي يعقوب/ وغيره عنه في ذلك التوسُّط من اللفظ وذلك طرداً لمذهب ورشٍ في ذوات الياء إذ لم يراع في ذلك حشواً ولاطرفاً، وعلى القول الآخر الذي يفتح فيه ذوات الياء يكون فتح هذه من طريق الأولى لوقوعها في غير موضع التغيير وهو الوسط، والفرق بينها وبين ﴿والضُّحَى﴾ وشبهه أنَّ الألف ثم في موضع التغيير، وهو الطرف فلذلك وقع الإجماع عنه على إمالتها بخلاف هذه. ٢٦ - وكَيْفَ أَتَتْ فَعْلَى وَآخِرُ آي مَا … تَقَدَّمَ لِلبَصْرِي سِوَى رَاهُمَا اعْتَلى معناه أنَّ فَعْلَى مفتوحة الفاء، أو مكسورتها، أو مضمومتها فقرأها أبو عمروٍ بين اللفظين لأنَّ الكلام معطوفٌ على قوله: «وذو الرّاء ورش بين بين»، وكذلك مذهب أبي عمروٍ في أواخر آي السور المذكورة سوى مافيه

стр. 450

الراء من القسمين فَعْلَى كيف تحركت، أو آخر الآي فإنَّ الإمالة تعتلى فيه، وهو معنى قوله: «سوى راهما اعتلى» أي: أميل محضاً. ٢٧ - ويَاويْلَتَى أَنَّى وَيَاحَسْرَتَى طَوَوْا … وعَنْ غَيْرِهِ قِسْهَا وَيَاأَسَفَى العُلا يقول: وأمال ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ (١)، و ﴿أنَّى﴾ (٢) الاستفهامية و ﴿يَاحسرتى﴾ (٣)، و ﴿يَا أَسَفَى﴾ (٤) العلا الدوري (٥)، عن أبي عمروٍ بين اللفظين، والعلى صفة لهذه الكلمات، وعن غيره قسها على أصله، فَأَمِل لحمزة، والكسائي إمالةً محضةً، ولورشٍ بين بين، وافتح للباقين على أنَّ أبا عمروٍ قال في التيسير (٦): قرأت من طريق أهل العراق عن أبي عمروٍ ﴿يَوَيْلَتَى﴾، و ﴿يَحسرتى﴾، و ﴿أنَّى﴾ إذا كانت استفهاماً بين اللفظين، و ﴿يَا أَسَفَى﴾ بالفتح، وقرأت ذلك بالفتح من طريق أهل الرقة. وقال في غيره روى أبو عبد الرحمن، وأبو حمدون عن اليزيدي عنه أنه أمال هذه الثلاثة يعني ﴿يَوَيْلَتَى﴾، و ﴿يَحسرتى﴾، و ﴿يَا أَسَفَى﴾. وقال أبو طاهر بن أبي هاشم (٧)، قال أبو عبدالرحمن، وأبو حمدون عن

стр. 451

اليزيدي: [ألفاً بين الفتح والكسر، وقال ابن مجاهدٍ في جامع قراءة أبي عمروٍ] (١)، عن اليزيدي عن أبيه ﴿يَا أَسَفَى﴾ و ﴿يَوَيْلَتَى﴾، و ﴿يَحسرتى﴾ بين الفتح والكسر، ولم يذكر ﴿يَوَيْلَتَى﴾. وروى أبو عمر الدوري، وأبو خلاد (٢)، وأبو شعيب، ومحمد بن شجاع، وأحمد بن واصل (٣)، عن اليزيدي ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ (٤) بالفتح، ولم يذكورا غيره. قال أبو عمروٍ: قرأت أنا هذه الثلاثة يعني ﴿يَاوَيْلَتَى﴾، و ﴿يَاحسرتى﴾ (٥) و ﴿يَا أَسَفَى﴾ (٦) بإخلاص الفتح على فارس بن أحمد في جميع الطرق عن أبي عمروٍ، وقرأت من طريق ابن مجاهد على الفارسي وغيره ﴿يَوَيْلَتَى﴾ و ﴿يَحسرتى﴾ بين اللفظين ﴿يَا أَسَفَى﴾ بإخلاص الفتح. فمَن أمال الكلم الثلاث فأصلها عنده ﴿يَوَيْلَتَى﴾ ﴿يَا أَسَفَى﴾ فاستثقلت الياء على هذه الصورة وقبلها الكسره، ففتحوا ما قبلها فأوجب ذلك قلبها ألفاً، قالوا: وإنما كتبت في المصحف بالياء للتنبية على أصلها،

стр. 452

وهذه إمالة لأجل الياء للدلالة على الأصل، ومن وسط الإمالة اقتصر في الدلالة على ذلك، ومن فتح فإما أن يسلم هذا وأنَّ الأصل الياء ولكنه يعتذر بأنَّ الإمالة عود إلى قريب مما فروا منه إذ فروا من الياء، والإمالة تقريب منها أو يمنع ذلك، ويقول: بل هذه الألفات للندبة [فالتقدير: ياويلتاه وياحسرتاه، ويا أسفاه وألف الندبة] (١)، والتفجع لاحظَّ لها في الإمالة. وأما ﴿أَنَّى﴾ فحدثنا أبو القاسم شيخنا ﵀، حدثنا أبو الحسن بن هذيل، حدثنا أبو داود، عن أبي عمروٍ قال: قرأت من طريق ابن مجاهدٍ بإمالة الألف قليلاً بين اللفظين، وجاء بذلك نصَّاً عن اليزيدي عن ابنه إبراهيم على أنه اضطرب في ذلك فقال في موضعٍ بين الفتح والكسر، وقال في آخر بالفتح. قال: وقرأت من طريق غير ابن مجاهد بإخلاص فتحها، قال: وكذلك حدثنا خلف بن ابراهيم المقرئ، قال: حدثنا الحسن بن رشيق (٢)، قال: حدثنا أحمد بن شعيب (٣)، قال: حدثنا أبو شعيبٍ السوسي، قال: حدثنا اليزيدي، عن أبي عمروٍ أنه فتح ذلك، قال: وبذلك قرأت في رواية السوسي. وأنى اسمٌ يُستفهم به عن الجهات والحالات، وقد عُدَّت في الأسماء هي، ومتى من حيث كانتا طرفين، وكتبتا في المصحف بياءٍ فأميلتا على الرسم،

стр. 453

ولتدل الإمالة على أنهما قد جعلتا في حيز الأسماء. وقال الحافظ أبو عمروٍ: وزنها فعلى، وهي كقولك: تَلَّى (١) أي، صرعى، وليلةٌ غَمَّى (٢) إذا كان على السماء غيم، فأميلت ألفها كما يمال ما هو على هذا الوزن في آخره ألف التأنيث نحو: ﴿نجوَى﴾ (٣)، و ﴿شَتَّى﴾ (٤) ونحو شبههما ليقرنها بذلك من الياء التي تنقلب إليها في التثنية والجمع، ومن لم يشبع الإمالة اقتصد فيها، وهذا الذي ذكره من التعليل فيه ما فيه، والصحيح ما تقَّدم. قال الحافظ أبو عمروٍ:/ وعلة من أخلص الفتح أنَّ هذه الألف لما كانت غير منقلبةٍ عن ياءٍ، وإنما هي مشبهةٌ بالمنقلبة أخلص فتحها على الأصل، وإذا كان يخلص الفتح فيما هو منقلبٌ عن الياء فما ليس بمنقلبٍ عنها وإنما هو مشبهٌ بها أولى. والعلة بالفتح على الحقيقة أنَّ أنَّى ألحقت بالأسماء لشبه ما وليست باسمٍ ثقيلٍ في دلائل الأسماء ففتح لذلك. وعلة أبي عمروٍ في فتحه وإمالته ثبوت الروايتين عنه التنبيه على فصاحة اللغتين، والجمع بينهما، وعلى صحة الأثر فيهما. ٢٨ - وكَيْفَ الثُّلاثِي غَيْرَ زَاغَتْ بِمَاضِي … أَمِلْ خَابَ خَافُوا طَابَ ضَاقَتْ فَتُجْمَلا يقول: وكيف وقع الثلاثي الماضي المعتل العين، وتمثيله يدل على ما ذكرته أي سواءٌ اتصل به شيء مثل: ﴿خَافُوا﴾، و ﴿خَافَتْ﴾،

стр. 454

و ﴿جَاءَنا﴾ ولم يتصل به نحو ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾ (١)، و ﴿خاب﴾، و ﴿ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعَاً﴾ (٢) ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِم﴾ (٣). واحترز بقوله: «بماضي» عن مثل: ﴿فَلا تخَافُوهُم وخَافُونِ﴾ (٤) «أمل» يعني ألفه، وفاء الفعل قبلها معها، ثم مثَّلَه فقال: «خاب» وأصله خَيِبَ، فلما تحركت الياء، وانفتح ما قبلها قلبت ألفاً وأميلت الخاء، لأنَّ ما قبل الألف داخلٌ في حكمها، وذلك في كتاب الله في أربعةِ مواضع، ﴿وخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيد﴾ (٥) في إبراهيم، وفي طه موضعان: ﴿وقَد خَابَ مَنْ افْتَرَى﴾ (٦) ﴿وقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمَاً﴾ (٧)، وفي الشمس ﴿وقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّهَا﴾ (٨). وأما خاف فألفه منقلبةٌ عن واوٍ، وأصله خَوِف يَخْوَف مثل عَلِم يَعْلَم، فوجه إمالته عروض الكسرة في بعض أحواله لأنك تقول: خِفْتُ؛ ففي الإمالة تنبيهٌ على كسرة الفاء ليقع الفرق بينه وبين قال، الذي تُضمُّ الفاء فيه، وهو ثمانية مواضع [في القرآن] (٩): ﴿فَمَنْ خَافَ مَنْ موصٍ جنفاً﴾ (١٠)،

стр. 455

﴿ضِعَافَاً خَافُوا عَلَيْهم﴾ (١) ﴿خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ (٢)، وفي هود ﴿لمنْ خَافَ عَذَابَ الآخرَةِ﴾ (٣) وفي إبراهيم: ﴿خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وعيد﴾ (٤) وفي سورة الرحمن تعالى: ﴿ولمن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (٥)، وفي النازعات ﴿مَنْ خَافَ﴾ (٦). وطاب مثل خاب في التعليل، وهو موضعٌ واحدٌ ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لكم﴾ (٧). وأما ضاق فمثلُ خاب في العلة، وهو خمسةُ مواضعٍ، في التوبة ثلاثة مواضع ﴿وضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأرْضَ بمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرينَ﴾ (٨) ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأرضَ بمَا رَحُبتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهم أَنْفُسُهمْ﴾ (٩)، وفي هود ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعَاً﴾ (١٠)، ومثله في العنكبوت. وقوله: «بماضي» أجراه في الضرورة مجرى الصحيح كما قال جريرٌ (١١): فيوماً يُوافِين الهوى غيرَ مَاضيٍ … ويوماً تَرى منهن غُولاً تغوَّلُ أصله تتغول أي: ينفتح.

стр. 456

٢٩ - وَحَاقَ وَزَاغُوا جَاءَ شَاءَ وَزَادَ فُزْ … وجَاءَ ابنُ ذَكْوَانٍ وَفي شَاءَ مَيَّلا والكلام في حاق، وزاغ كالكلام في خاب؛ وحاق في كتاب الله تعالى في تسعة مواضع: في الأنعام ﴿فَحَاقَ بِالذِّينَ سَخِرُوا﴾ (١)، وفي هود ﴿لَيْسَ مَصْرُوفَاً عَنْهُم وحَاقَ﴾ (٢)، وفي النحل ﴿فَحَاقَ بِهِمْ﴾ (٣)، وفي الأنبياء ﴿فَحَاقَ بِالذِّينَ سَخِرُوا مِنْهُم﴾ (٤)، وفي الزمر ﴿وحَاقَ بِهِمْ﴾ (٥) ﴿وحَاقَ بِالِ فِرْعَوْنَ﴾ (٦)، وفيها ﴿وحَاقَ بِهِمْ﴾ (٧)، ومثله في الجاثية (٨)، وكذلك في الأحقاف (٩). وأما زاع فموضعان: في النجم ﴿مَازَاغَ البَصَرُ﴾ (١٠)، وفي الصف: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ (١١)، وفتحوا من هذا الباب الفعل ﴿أَزَاغَ اللهُ﴾ (١٢)، وزاغت في موضعان: في الأحزاب ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ (١٣)، وفي ص

стр. 457

﴿زَاغَتْ عَنْهُم﴾ (١) وإنمالم يذكر أزاغ لأنه ليس من هذا الباب، وهو مثل ﴿أصَابَهُم القَرْح﴾ (٢). وعلة فتح زاغت في الموضعين اتباع الأثر، والجمع بين اللغتين. وأما جاء فأصله جَيَأ فأميلت الألف والجيم لما سبق في خاب، وأيضاً فإنَّ آخره همزة، وهي تُشبه الألف لأنها تبدل منها كثيراً وتقاربها في المخرج فصارت كأنها ألفٌ، وأيضاً فإنَّ عين المستقبل منه مكسورة. وأصل شاء شَيِئ مثل عَلِمَ، والكلام فيه بعد كالكلام في جاء، وزاد مثل خاب أصله زَيَدَ، ووافق ابن ذكوان على شاء وجاء لقوة الإمالة فيهما بما ذكرت من العلل. وجملة ما جاء من جاء في القرآن مائتان واثنان وعشرون موضعاً، وليس ﴿فَأَجَآءَهَا المخَاضُ﴾ (٣) من هذا، ولا خلاف في فتحه لأنه رباعي، وأوْ وَلي جاء اسمٌ ظاهرٌ، أومكني نحو: ﴿جَاءَ رَبُّكَ﴾ (٤)، و ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ﴾ (٥)، و ﴿جَاءَ نَصْرُ اللهِ﴾ (٦)، و ﴿فَمَنْ جَاءَهُ﴾ (٧)، و ﴿مَا جَاءَكَ مِنْ العِلْمِ﴾ (٨)، و ﴿جَاءَتْك آيَتِي﴾ (٩)، و ﴿جَاءتَهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ (١٠)، و ﴿لما

стр. 458

جَاءَهُمْ﴾ (١)، و ﴿أفَكُلَّمَا جَاءَكُم﴾ (٢)، و ﴿مِنْ بَعْدِ مَاجَاءتْهُ﴾ (٣)، و ﴿جَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ (٤)، و ﴿جَاءَتْهُم البَيِّنَات﴾ (٥)، و ﴿إِذَا جَاءُوكَ﴾ (٦)، و ﴿جَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ (٧)، و ﴿جَاءَنَا نَذِيرٌ﴾ (٨)، وكذلك ﴿جَاءَ مِنْ أَقْصَى المدِينَةِ﴾ (٩)، و ﴿جَاءَ مَعَهُ الملئِكَةُ﴾ (١٠)، و ﴿إِذَا جَاءَ لايُؤَخَّرُ﴾ (١١)، و ﴿إذا جاءنا﴾ ابن ذكوان عن ابن عامر، فأما حمزة فهو يقرأه ﴿جاءنا﴾. وأما شاء ففي مائة موضعٍ وستة مواضع في النصف الأول نصفها، وكذلك في النصف الثاني. فأما يشاء، ونشاء، وتشاء فلا خلاف في فتحه/ في اللغة والقراءة. وزاد في خمسة عشر موضعاً في البقرة ﴿فَزَادَهُم اللهُ مَرَضَاً﴾ (١٢)، وفيها ﴿وزَادَهُ بَسْطَةً﴾ (١٣)، وفي آل عمران ﴿فَزَادَهُم إيمناً﴾ (١٤)، وفي

стр. 459

الأعراف ﴿وزَادَكُم في الخلْقِ بَصْطَةً﴾ (١)، وفي الأنفال ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَنَاً﴾ (٢)، وفي التوبة أربعة مواضع ﴿مَازَادُوكُم إِلا خَبَالاً﴾ (٣)، وَ ﴿أيُّكُمْ زَادَتْه هَذِه إِيمَناً﴾ (٤)، ﴿فَزَادَتْهُم إِيمَناً﴾ (٥)، وفي هود ﴿ومَا زَادُوهُم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (٦)، وفي الفرقان ﴿وزَادَهُمْ نُفُورَاً﴾ (٧)، وفي الأحزاب ﴿ومَا زَادَهُم إِلا إِيمَناً﴾ (٨)، وفي فاطر ﴿فلمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُم إلا نفوراً﴾ (٩)، وفي سورة محمد ﷺ ﴿زَادَهُم هُدَىً﴾ (١٠)، وفي سورة الجن ﴿فَزَادُوهُم رَهَقَاً﴾ (١١)، ثم ذكر الخلف فيه عن ابن ذكوان، فقال: ٣٠ - فَزَادَهُمُ الأولَى وَفِي الغَيْر خُلْفُهُ … وَقُلْ صُحْبَةٌ بَلْ رَانَ وَاصْحَبْ مُعَدَّلا يعني ﴿فَزَادَهُم اللهُ مَرَضَاً﴾ (١٢) وفي فتحه في أحد وجهيه ما بقى اتباع النقل، وإشعار بأنَّ الإمالة والفتح جائزان. قال أبو عمرو في التيسير (١٣): هي رواية ابن الأخرم عن الأخفش عنه، وروى غيره عنه الإمالة.

стр. 460

وأما ﴿بَلْ رَانَ﴾ (١) وهو موضعٌ واحدٌ فألفه على ياءٍ لقولك في المستقبل: يرين، وفي المصدر رَيْنَاً مع الكلام السابق في الكسر، ولم يمنع إمالته فتحة الراء كما منعها في ﴿رَاوَدَته﴾ (٢) لأنَّ فتحة الراء إنما تمنع في الأغلب إمالة الألف الزائدة، والألف في بل ران أصلية. «واصحب معدَّلا» يعني: مشهوداً له بالعدالة تنبيهاً على من يؤخذ عنه القراءة لصحة نقله، يقول: إنَّ العدول نقلوا الإمالة على ما بينته في هذه الأفعال العشرة لاغير. ٣١ - وفي أَلِفَاتٍ قَبْلَ رَا طَرَفٍ أَتَتَ … بِكَسْرٍ أَمِلْ تُدْعَى حَمِيدَاً وَتُقْبَلا احترز بقوله: «طرف» عن مثل ﴿نمَارِق﴾ (٣) و ﴿الحوَارِيِّن﴾ (٤) و ﴿فلا تُمَارِ﴾ (٥). واعْلَمْ أنَّ إمالة هذا تقوى من وجهين: أحدهما: أنَّ الكسرة على الراء قامت مقام كسرتين من قبل أنَّ الراء حرف تكرير.
следующие страницы →