Полный текст (1 125 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
المبحث الخامس: تلامذته وترجمة أشهرهم:
انتفع بهذا الإمام خلق كثير فكلهم كان يقبل عليه، ويأخذ من علمه ويقرأ عليه فازدحم الناس عليه في الديار المصرية، ومن أشهر هؤلاء:
١ - الإمام علم الدين علي بن محمد بن عبد الصمد الهمداني أبو الحسن السخاوي (١)، شيخ القراء في دمشق. ومؤلف هذه الرسالة.
٢ - علي بن شجاع بن سالم بن علي، الشيخ الإمام كمال الدين الضَّرير (٢)، المعروف بصهر الشاطبي شيخ القرّاء بالديار المصرية في زمانه.
قرأ القراءات السبعة والقصيد على الإمام الشاطبي، وقد قرأ من أول القرآن إلى سورة الأحقاف فتوفي الشاطبي قبل إكمال الختمة وقد تزوج بعد ذلك بابنة الشاطبي وجاءه منها الأولاد، توفي سنة (٦٦١ هـ).
قلت: وسند القصيدة الشاطبية اليوم إنما جاء من طريق صهر الشاطبي عن الشاطبي نفسه، ولا أعلم طريقاً غير هذا الطريق في أيامنا هذه والله أعلم.
٣ - المقرئ الزين بن عمر بن حسين الكردي (٣)، وهو من كبار القراء في عصر السخاوي، أخذ القراءات عن الشاطبي وتصدر للإقراء، توفي سنة (٦٢٨ هـ).
٤ - محمد بن عمر بن يوسف أبو عبد الله القرطبي (٤) المقرئ الفقيه المالكي الزاهد قرأ القراءات على الشاطبي، وسمع منه، جلس للإقراء بعد موت الشاطبي ثم تزهد. توفي سنة (٦٣١ هـ).
_________
(١) انظر: ترجمته في قسم الدراسة من هذه الرسالة.
(٢) غاية النهاية ١/ ٥٤٤.
(٣) معرفة القراء الكبار ٢/ ٦٣٨.
(٤) معرفة القراء ٢/ ٦٣٩.
стр. 37
٥ - محمد بن القاسم بن فيره ولد الإمام الشاطبي (١) بقي إلى سنة (خمس وعشرين وستمائة)، وعاش نحو الثمانين سنة.
٦ - محمد بن محمد بن وضاح أبو بكر اللخمي (٢) الأندلسي المقرئ خطيب جزيرة شقر سمع حرز الأماني من أبي القاسم الشاطبي، وتصدر للإقراء ببلده توفي سنة (٦٣٤ هـ).
٧ - أبو عمرو عثمان بن عمر بن الحاجب (٣) المقرئ أحد الأعلام قرأ القراءات على الشاطبي توفي سنة (٦٤٦ هـ).
٨ - عيسى بن أبي الحرم المقرئ إمام جامع الحاكم (٤) توفي سنة (٦٤٩ هـ)
٩ - عبد الله بن محمد أبو الفضل الأنصاري المصري المعروف بابن فار اللبن (٥)، سمع الشاطبية على مؤلفها أبي القاسم، وطال عمره، وكان آخر من روى عن أبي القاسم في الدنيا. توفي سنة (٦٦٤ هـ).
وقد ذكر الإمام الذهبي بعضاً من تلامذته منهم (٦): أبو الحسن بن خيرة، وحدث عنه محمد بن يحيى.
وذكر ابن الجزري منهم (٧): عيسى بن مكي، ومرتضى بن جماعة، وأبوالقاسم عبدالرحمن بن سعيد الشافعي.
_________
(١) غاية النهاية ٢/ ٢٣٠.
(٢) / ٦٤٤.
(٣) معرفة القراء الكبار ٢/ ٦٥٧.
(٤) معرفة القراء الكبار ٢/ ٦٥٢.
(٥) معرفة القراء الكبار ٢/ ٦٦١.
(٦) معرفة القراء الكبار ٢/ ٥٧٤.
(٧) غاية النهاية ٢/ ٢٣.
стр. 38
المبحث السادس: كراماته، ومؤلفاته، وثناء العلماء عليه، ووفاته.
شَهِدَ العلماء بولاية الإمام الشاطبي وتناقلوا بعضاً من أخبار كراماته، قال عنه الإمام ابن السبكي (١): «كان الشاطبي من العلماء المتورعين وأولياء الله المخلصين».
وقال عنه الحافظ ابن الجزري (٢): «هو وليُّ الله».
وقد ذكر تلميذه وخليفته من بعده الإمام السخاوي بعضاً من هذه الكرامات قال (٣): «وذكرتُ له يوماً جَامِعَ مصر، وقلتُ: قد قيل: إنَّ الأذَانَ يُسمَعُ فيه مِنْ غَيْرِ المؤذِّنين ولايُدرى ماهو؟.
فقال: قد سَمِعْتُه مِرَارَاً لا أُحصيها عند الزَّوَال.
وقال لي يوماً: جَرَتْ بيني وبين الشيطان مخاطبةٌ، فقال لي: فعلتَ كذا فسأُهلِكُك
فقلتُ له: واللهِ ما أبالي بك.
وقال لي يوماً: كنتُ في الطريق وتخلَّفَ عنَّي من كان معي، وأنا على الدابَّةِ، وأقبل اثنانِ فسَبَّني أحدُهما سبَّاً قبيحاَ، وأقبلتُ على الاستعاذة، وبَقي كذلك ما شاء الله، ثم قال له الآخر: دَعْهُ، وفي تلك الحال لَحِقَني من كان معي، فأخبرتُه بذلك فطلبَ يميناً وشِمَالاً فلم يَجدْ أحداً».
وكان ﵀ يَعْذِلُ أصحابَه في السِّر على أشياء لا يعلمها منهم إلا الله .
_________
(١) طبقات السبكي ٧/ ٢٧٠.
(٢) غاية النهاية ٢/ ٢٠.
(٣) انظر: قسم التحقيق من هذه الرسالة ص ١/ ١٠.
стр. 39
قال الحافظ ابن الجزري (١): كان الشاطبي يصلي الصبح ثم يجلس للإقراء، فكان الناس يتسابقون السُّرى إليه ليلاً، وكان إذا قعد لايزيد على قوله: من جاء أولاً فليقرأ، ثم يأخذ على الأسبق فالأسبق: فاتفق بعض الأيام أن بعض أصحابه سبق أولاً، فلما استوى الشيخ قاعداً قال: من جاء ثانيا فليقرأ، فشرع الثاني في القراءة وبقي الأول لا يدري حاله، فأخذ يتفكر فيما وقع منه بعد مفارقة الشيخ من ذنب أوجب حرمان الشيخ له، فتذكر أنه أجنب تلك الليلة ولشدة حرصه على النوبة نسي ذلك لمَّا استيقظ من نومه، فبادر إلى النوبة، فاطلع الشيخ على ذلك، فأشار للثاني بالقراءة، ثم إنَّ ذلك الرجل بادر إلى الحمام المجاور للمدرسة فاغتسل به، ثم رجع قبل فراغ الثاني، فلما فرغ الثاني قال الشيخ: من جاء أولاً فليقرأ، فقرأ.
قال الإمام السخاوي (٢): سمعت أبا عبدالله الكردي يقول: حججت سنة ثمانين وخمسمائة فسمعت جماعةً من المغاربة يقولون: من أراد أن يصلي خلف رجلٍ لم يعص الله قطُّ في صغره ولاكبره فليصلِّ خلف أبي القاسم الشاطبي.
مؤلفاته:
١ - ألّف الإمام الشاطبي قصيدته المشهور المسماة بـ «حرز الأماني ووجه التهاني»، وقد سماها في القصيد قال:
وسَمَّيتُهَا حِرْزَ الأمَانِي تَيَمُّنَا … ووَجَهَ التَّهَانِي فَاهْنِهِ مُتَقَبَّلا
_________
(١) غاية النهاية ٢/ ٢١.
(٢) ذكره القسطلاني في كتابه. مختصر الفتح المواهبي ص ٥٠.
стр. 40
وقال عنها: «لايَقْرأُ أحدٌ قصِيدَتي هذه إلاويَنْفَعُه الله بها لأنني نَظَمْتُهَا للهِ سُبحَانه» (١).
وهي من أنفس ماكتب ونظم في هذا الفن حيث نظم كتاب التيسير لأبي عمرو الداني.
٢ - عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد تبلغ مائتين وثمانية وتسعين بيتاً حيث نظم فيها كتاب المقنع لأبي عمرو الداني وهي منظومة في رسم المصاحف. يقول فيها:
الحمدُلله مَوْصُولاً كما أَمَرا … مُبارَكاً طَيِّباً يسْتَنْزِلُ الدِّررا
ذو الفَضْل والمنِّ والإحسانِ خَالِقُنا … ربُّ العبادِ هو الله الذي قَهَرَا
ومن يَقُلْ بكلامِ اللهِ طَالَبَهم … لم يَحْلُ في العِلْمِ وِرْداً ولا صَدَرا
مالا يُطاقُ ففي تعيينِ كُلفَتِهِ … وجائزٍ ووقوعٍ عُضلةُ البُصرا
لله درُّ الَّذي تأليفُ مُعْجِزِهِ … والانتصارِ لهُ قَدْ أَوْضحا الغُرَرا
ولم يَزَلْ حِفْظُهُ بين الصحابة في … عُلا حياةِ رسولِ الله مُبْتَدِرا
وكلَّ عامٍ على جبريل يعْرِضهُ … وقيل آخر عامٍ عَرْضَتَيْنِ قَرَا
إنّ اليمامةَ أَهْوَاها مُسَيْلَمةُ الْـ … ـكذَّابُ في زَمَنِ الصِّدِّيقِ إذْ خَسِرَا
وبعدَ بأسٍ شديدٍ حانَ مَصْرَعُهُ … وكان بأساً على القُرَّاء مُسْتَعِرَا
نادى أبا بكرٍ الفاروقُ خِفْتُ على الـ … ـقُرَّاءِ فادِّرِك القُرآن مُسْتَطِرا
فأجمعوا جمْعَهُ في الصُّحْفِ واعْتَمَدُوا … زيدَ بن ثابتٍ العَدْلَ الرِّضَى نَظَرَا
فقامَ فيه بعونِ الله يَجْمَعُهُ … بالنُّصْحِ والجدِّ والحزْمِ الذي بَهَرَا
مِنْ كلِّ أوجههِ حتى استتمّ له … بالأحرفِ السبعة العَليا كما اشتَهَرَا
فأمسكَ الصُّحُفَ الصِّدِّيقُ ثُمَّ إلى … الفاروقِ أسلمها لمّا قَضَى العُمُرَا
_________
(١) انظر قسم التحقيق من هذه الرسالة ١/ ١٠٩.
стр. 41
وعند حفصةَ كانت بعدُ فاختلف الـ … ـقرَّاءُ فاعتزلوا في أحرفٍ زُمَرَا
وكان في بعضِ مغزاهُمْ مُشَاهِدَهُم … حذيفةٌ فرأى في خُلْفِهِم عِبرا
٣ - منظومة تسمى ناظمة الزهر في عدد الآي (١)، وعدد أبياتها مائتان وسبعة وتسعون بيتاً، يقول فيها:
بدأتُ بحمد الله ناظمةَ الزهر … لِتجني بعون الله عيناً من الزهر
وعذتُ بربي من شرورِ قضائهِ … ولذتُ به في السِّرِّ والجهر من أمري
وإني استخرتُ الله ثم استعنته … على جمع آي الذِّكر في مشرع الشِّعر
وأنيطت في أسرارها سر عذبها … فسر مُحيَّاه بمثل حَيا القَطْر
وقد صحَّ في السبع المعاني وغيرها … من العدِّ والتعيين مالاح كالفَجْر
ولمّا رأى الحفاظُ أسلافَهم عُنُوا … بها دونوها عن أولي الفضل والبرِّ
فعن نافعٍ عن شيبةٍ ويزيد أو … ول المدني إذ كلُّ كوفٍ به يُقري
وحمزة مع سفيان قد أسنداه عن … عليٍّ عن أشياخٍ ثقاتٍ ذوي خُبر
والآخر إسماعيل يرويه عنهما … بنقل ابن جمَّازٍ سليمان ذي النَّشْر
٤ - منظومة في خمسمائة بيت (٢) نظم فيها كتاب التمهيد لابن عبدالبر قال الإمام السخاوي (٣): وأَخْبَرَنِي: أنَّه نَظَمَ في كتابِ التَّمْهِيد لابن عبدالبَر ﵀ قصيدةً داليةً في خمسمائة بيتٍ من حفظِهِ، أحاطَ بالكتابِ عِلماً.
_________
(١) إتحاف البررة بالمتون العشرة ص ٣٤٢.
(٢) كتاب التمهيد لابن عبدالبر طبع الآن في ستٍ وعشرين مجلداً فكيف نظمه الشاطبي في (٥٠٠) بيت، فلعلها (٥٠٠٠) بيت. والله أعلم، ولاوجود لهذة القصيدة في المكاتب ولم يقف عليها أحد من العلماء.
(٣) انظر: قسم التحقيق من هذه الرسالة ص ١/ ١٠٩.
стр. 42
ثناء العلماء عليه:
أثنى الأئمة والمؤرخون وعلماء الحديث على الإمام الشاطبي وملئت كتبهم بذكره حتى أفرد الإمام القسطلاني رحمه كتاباً خاصاً عن حياة الإمام الشاطبي سماه الفتح المواهبي في مناقب الإمام الشاطبي (١).
وممن أثنى عليه تلميذه الإمام السخاوي قال (٢): «كان عالِماً بكتابِ اللهِ، بقراءاتِهِ وتفسيرِهِ، عَا لِمَاً بحديث رسول الله ﷺ ، مبرِّزَاً فيه».
وكذلك قال الإمام الذهبي (٣): «القاسم بن فِيره الشاطبي الرُّعيني كان إماماً علامةً ذكياً، كثير الفنون، منقطع القرين، رأساً في القراءات وكان موصوفا بالزهد والعبادة والانقطاع»
قال أبو شامة (٤):
رأيت جماعة فضلاء فازوا … برؤية شيخِ مصر الشاطبي
وكلهم يعظمه ويثني … كتعظيم الصحابة للنبي
قال السبكي (٥): «كان الشاطبي من العلماء المتورعين، وأولياء الله الفائزين»، وقال أيضاً: «كان الشاطبي إمام القراءات في عصره حرّر رواياتها، ورفع على هام الجوزاء راياتها، فأصبح في وقته والناس لغيره قالون، وعقدوا عليه إجماعهم وقالوا: هو قالون، انتهت إليه الرئاسة
_________
(١) وقد اختصره الدكتور محمد عقيل وسماه مختصر الفتح المواهبي في مناقب الإمام الشاطبي، حيث حذف الأسانيد وكان الأولى عدم اختصاره ولا سيما أنّ كتاب المناقب لم يطبع بل اختصره قبل أن يطبع.
(٢) انظر: قسم التحقيق من هذه الرسالة ص ١/ ١٠٩.
(٣) معرفة القراء الكبار ٢/ ٥٧٤.
(٤) غاية النهاية ٢/ ٢١.
(٥) طبقات السبكي ٧/ ٢٧٠.
стр. 43
في إقراء القراءات ومعرفة وجوهها وتقرير علومها، مع المعرفة التامة بالحديث، والنحو، واللغة وغير ذلك مما انفرد به، واعترف له به أهل عصره ومن بعدهم، وانتفع به جماعة من الأجلاء، وارتقوا ببركته إلى المناصب العلية والمراقي السَّنِيَّة».
قال الإمام أبو إسحاق الجعبري (١): «كان إماماً في علوم القراءات، ناصحاً لكتاب الله، متقناً لأصول العربية رُحْلَةً في الحديث، لا يجلس للإقراء إلا متطهراً».
وقال الصلاح الصفدي (٢): «كان إماماً علامةً نبيلاً، محققاً ذكياً، حافظاً للحديث كثير العناية به».
قال الإمام ابن الجزري (٣): «هو ولي الله العلامة أحد الأعلام الكبار المشهورين في الأقطار كان إماماً كبيراً أعجوبة في الذكاء آية من آيات الله».
قال القسطلاني (٤): «هو الإمامُ العارِفُ، الوَليُّ الكاشف، قطب دائرة القراء، وحامل لواء الإقراء، أربى في فصاحته على سحبان، كان علم المهتدين، وحجة السالكين، متكلماً بنور بصيرةٍ تشرق على السرائر، ولايته أشهر من الشمس وأضوأ من القمر، فهو الولي الذي ما شكّ أحدٌ بحمد الله في صدق ولايته، والإمام الذي ودَّ كل إمام أن يصلى خلفه ليعدَّ من جماعته».
_________
(١) كنز المعاني مخطوط ورقة ٩.
(٢) نكت الهميان ٨٢٨.
(٣) غاية النهاية ٢/ ٢٠.
(٤) مختصر المواهب ص ٤٩.
стр. 44
وفاته:
وبعد هذه الرحلة العظيمة لهذا العالم المتقن الذي صنعته الأقدار لحفظ كتاب الله العظيم توفي إمام العلم المقرئ الكبير الإمام الشاطبي بعد صلاة العصر من يوم الأحد سنة تسعين وخمسمائة في القاهرة (١)، ودفن يوم الاثنين بمقبرة البيساني، وصلى عليه أبو إسحاق المعروف بالعراقي إمام جامع عمرو بن العاص، وكانت جنازته مشهودة لم يتخلف عنها أحدٌ وأسف الناس لفقده.
_________
(١) انظر قسم التحقيق من هذه الرسالة ١/ ١١٠، ١١١.
стр. 45
الفصل الثاني: قصيدة الشاطبية
وفيه عدة مباحث:
المبحث الأول: أهمية قصيدة الشاطبية في علم القراءات.
المبحث الثاني: صفاتها ومزاياها.
المبحث الثالث: الكتب التي شرحت القصيدة الشاطبية.
стр. 46
الفصل الثاني
قصيدة الشاطبية
وفيه عدة مباحث:
المبحث الأول: أهمية قصيدة الشاطبية في علم القراءات:
تُعَدُّ قصيدة الشاطبية المسماة بـ (حرز الأماني ووجه التهاني) من أهم وأبدع ما أُلِّف في علم القراءات حيث نظم فيها كتاب التيسير لأبي عمرو الداني (١) فكانت قوية متينةً، اشتهرت في الآفاق والبلدان، وطارت بها الركبان، وأثنى عليها علماء القراءات وغيرهم.
قال الإمام أبو شامة (٢): «ثم إن الله تعالى سهَّل هذا العلم على طالبيه بما نظمه الشيخ الإمام العالم الزاهد أبو القاسم الشاطبي ﵀ من قصيدته المشهورة المعروفة بحرز الأماني التي نبغت في آخر الدهر أعجوبة لأهل العصر، فنبذ الناس من مصنفات القراءات، وأقبلوا عليها لما حَوَتْ من ضبط المشكلات، وتقيد المهملات مع صغر الحجم وكثرة العلم».
قال الإمام الذهبي (٣): «وقد سارت الركبان بقصيدته (حرز
_________
(١) كتاب التيسير لأبي عمرو الداني وقد طبع بتصحيح الأستاذ أوتريرتزل.
(٢) إبراز المعاني لأبي شامة ص ٨.
(٣) معرفة القراء ٢/ ٥٧٤.
стр. 47
الأماني)، وحفظها خلق لا يحصون، وخضع لها فحول الشعراء وكبار البلغاء وحذاق القراء فلقد أبدع وأوجز وسهَّل الصعب».
وقال الإمام ابن الجزري في وصف القصيدة الشاطبية (١): «ولقد رزق هذا الكتاب من الشهرة والقبول مالا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن، بل أكاد أقول: ولا في غير هذا الفن، فإني لا أحسب أنَّ بلداً من بلاد الإسلام تخلو منه، بل ولا أظن أنَّ بيت طالبِ علم يخلو من نسخة منه، ولقد تنافس الناس فيه ورغبوا في اقتناء النسخ الصحاح حتى إنه كان عندي نسخة جامعة للقصيدة اللامعة بخط السخاوي فأعطيت وزنها فضة ثمنا لها فلم أقبل».
قال في مرآة الجنان (٢): «نظم القصيدتين اللتين سارت بهما الركبان وخضعت لبراعة نظمها فحول الشعراء وأئمة القراء والبلغاء».
وقد مدحها زكي الدين بن سفيان فقال (٣):
لله درُّ الشَّاطبي الذي … أهدى لنا الدُّرَ بنظمٍ غَلا
قصيدةٌ جَلَّت عن الشِّعر بل … عروسُ حُسْنٍ قد غَدَت تُجْتَلا
«حِرز الأماني» أحرزت للمنى … وجه التهاني فاهنها مُتَقَبَّلا
يقول من ذاق جنا شهدها: … لله ما أعذبَ ما أنهلا
_________
(١) غاية النهاية ٢/ ٢٢ - ٢٣.
(٢) / ٤٦٧.
(٣) مختصر الفتح المواهبي ص/ ٦٥.
стр. 48
أعجوبةٌ تُعْجِبُ كلَّ الورى … لكنها تُعْجِزُ كُلَّ المَلا
تكاد تُعدُّ له آية … تُعْجِزُ مَنْ قد رام أو مَثَّلا
فلو يشاء مُبْتَكِرٌ مثلها … قالت قَوافيها الكلُّ: لا
قلت: ومن بركة إخلاص مؤلفها عموم النفع والشهرة التي طارت في الأفاق، فكل طالب علم من عصر مؤلفها إلى يومنا هذا إذا أراد تعلم القراءات فأول ما يبدأ به هو حفظ القصيدة الشاطبية.
ولقد أصبحت من المراجع الأساسية حتى إنها تدرس في جامعات العالم الإسلامي إذ إنها حوت القراءات السبعة المتواترة بأسلوب جميل.
وكان طالب العلم إذا أراد تعلم القراءات يحفظ كتاباً من كتب القراءات كالتيسير وغيره، فجاء الإمام الشاطبي وفتح هذا العلم بنظمه البديع حتى سهَّل العلم على طالبيه.
لذلك تنافس الطلاب على مرِّ العصور بحفظها والوقوف على معانيها، وغدت من أمهات المتون.
стр. 49
المبحث الثاني: صفاتها ومزاياها:
إنَّ قصيدة الشاطبية غزيرة المادة العلمية، جزلة في العبارة، مشرقة في بلاغتها وبيانها، حلوة في عبارتها، عميقة في أفكارها، بليغة في جملها قد نُظمت على البحر الطويل، وكانت لامية القافية، وقد نظم أولها في شاطبة في الأندلس (١) إلى قوله:
جَعَلْتُ أبَا جَادٍ عَلَى كُلِّ قَارِئٍ دَلِيلاً عَلَى المنْظُومِ أَوَّلَ أَوَّلا
ثم بعد ذلك رحل إلى مصر وأكمل نظم القصيدة فيها، ويلاحظ فيها براعة الإمام الشاطبي، وسهولة النظم، واختيار الألفاظ العذبة، وألبسها ثوباً أدبياً جميلاً متواضعاً، فقال:
وألْفَافُهَا زَادَتْ بنَشْرِ فَوَائدٍ فَلَفَّتْ حَيَاءً وجْهَهَا أَنْ تُفَضَّلا
ويلاحظ عليها إخلاص مؤلفها وخوفه من الله فقال:
ونَادَيْتُ اللَّهُمَّ يَا خَيْرَ سَامِعٍ … أَعِذْنِي مِنْ التَّسْمِيعِ قَوْلاً وَمِفْعَلا
أخِي أَيُّهَا المُجْتَازُ نَظْمِي بِبِابِه … يُنَادَى عَلَيْهِ كَاسِدَ السُّوقِ أَجْمِلا
ويلاحظ فيها غيرته على كتاب الله وعلى القراءات ورده على النحاة الذين جعلوا النحو ميزانا يَزِنُون القراءات فإذا خالفت قراءة قارئٍ قاعدةً في النحو عندهم طعنوا في هذه القراءة وضعَّفوها فقال:
.............. فلا تلم … مِنْ مُلِيمي النَّحْوِ إِلا مُجَهِّلا
وبالجملة فإن القصيدة تحتوي على علوم كثيرة في القراءات والنحو والبلاغة والأدب والأخلاق وإليك بعضاً من ذلك:
_________
(١) غاية النهاية ٢/ ٢٢.
стр. 50
وَفِي الفَجْرِ بِالوَادِي دَنَا جَرَيَانُهُ … وَفِي الوَقْفِ بِالوَجْهَينِ وَافَقَ قُنْبُلا
وَحَيْثُ أَتَاكَ القُدْسِ إِسْكَانُ دَالِهِ … دَوَاءٌ وَلِلبَاقِينَ بِالضَّمِّ أُرْسِلا
وَنَقْلُ قُرَانٍ وَالقُرَانِ دَوَاؤُنَا … وَفِي تُكْمِلُوا قُلْ شُعْبَةُ المِيمَ ثَقَّلا
انظر إلى هذه الأبيات كيف جمع القراءات فيها بإسلوب جميلٍ بديع، فقال: (بالوادي دنا جريانه) حيث ذكر جريان الوادي ليأتي برمز ابن كثير وهو (د) من (دنا)، وفي البيت الثاني أتى بكلمة القدس بإسكان الدال وهي قراءة ابن كثيرٍ، وأتى برمزه وهو الدال من (دواء)، وكذلك كلمة (قرآن والقرآن) في القرآن كله حيث قرأها ابن كثير بنقل الهمزة، وأتى بكلمة (دواؤنا) ليأخذ حرف الدال وهو رمز ابن كثير، وأتى بكلمة دواؤنا من الدواء وهو العلاج، ليبين أن القرآن دواء القلوب.
وبالجملة فإن القصيدة لو نظر وتأمل فيها أحد لاستخرج منها كنوزاً وفنوناً عديدة، فقد روى السخاوي عن شيخه الشاطبي أنه قال (١): «لو كان في أصحابي خيرٌ أو بركة لاستنبطوا من قصيدتي هذه مالم يخطر ببالي».
وقال أبو شامة في شرحه على الشاطبية (٢): رأيت الشيخ الشاطبي في المنام، وقلت له: ياسيدي حكى لنا عنك الشيخ أبو الحسن السخاوي أنك قلت: كيت وكيت، فقال: صدق.
_________
(١) إبراز المعاني ٨.
(٢) مختصر الفتح المواهبي ٥٨.
стр. 51
المبحث الثالث: الكتب التي شرحت القصيدة الشاطبية
لقد حظيت القصيدة الشاطبية بعنايةٍ كبيرة من علماء وأئمة القراءات، وتسابق العلماء لشرحها وبيان غموضها وتسهيل معانيها، وإليك أهمَّ هذه الشروح:
١ - «فتح الوصيد في شرح القصيد» للإمام السخاوي وهو الكتاب الذي بين يديك، وسأتكلم عن أهمية هذا الشرح عند دراسة الإمام السخاوي.
٢ - وشرحها المنتخب ابن أبي العز رشيد الهمَذاني المقرئ النحوي (١) توفي سنة (٦٤٣ هـ)، قال أبوشامة: وانتفع في معرفة قصيدة الشاطبي، ثم تعاطى شرحها فخاض، ثم عجز عن سباحته وجحد حقِّ تعليم شيخنا له وإفادته.
٣ - وشرحها العلامة أبو عبدالله محمد بن حسن بن محمد الغزالي الفاسي المقرئ توفي سنة (٦٥٦ هـ)، وسماه: «اللآلئ في شرح القصيدة» (٢)، قال الذهبي: وشرحه في غاية الحسن. اهـ، وهو لايزال مخطوطاً.
٤ - الإمام عبدالرحمن بن أبي القاسم الأزدي التونسي توفي سنة (٦٢٦ هـ)، وهو ممن قرأ على الإمام الشاطبي، وقد شرح الشاطبية.
٥ - وشرحها الإمام أو عبدالله محمد بن أحمد المعروف بـ «شعلة» وسماه «كنز المعاني» (٣) توفي سنة (٦٥٦ هـ) وهو مطبوع.
_________
(١) معرفة القراء الكبار ٢/ ٦٣٧.
(٢) معرفة القراء الكبار ٢/ ٦٦٨.
(٣) معرفة القراء الكبار ٢/ ٦٧١.
стр. 52
٦ - وشرحها الإمام المقرئ عبدالرحمن بن إسماعيل أبوشامة الدمشقي الشافعي المتوفى سنة (٦٦٥ هـ) وسماه: «إبراز المعاني» وهو مطبوع (١).
٧ - وشرحها العلامة المحقق إبراهيم بن عمر الجعبري، وسمى شرحه «كنز المعاني في شرح حرز الأماني» (٢)، وهو لايزال مخطوطاً.
٨ - وشرحها ابن سمين الحلبي وسماه: «العقد النضيد في شرح القصيد» وهو لايزال مخطوطاً.
٩ - وشرحها علي بن عثمان المشهور بابن القاصح، توفي سنة (٨٠١ هـ) وهو شرح مطبوع (٣).
١٠ - ومن القراء المعاصرين العلامة المقرئ الشيخ عبدالفتاح القاضي المتوفى سنة (١٤٠٣ هـ)، وهو كتاب مطبوع سهل العبارة، جمُّ الفائدة، غزير العلم.
هذه أهم الكتب التي شرحت القصيدة الشاطبية فيما وقفت عليها.
_________
(١) معرفة القراء الكبار ٢/ ٦٦٨.
(٢) معرفة القراء الكبار ٢/ ٧٤٣.
(٣) غاية النهاية ١/ ٥٥٥.
стр. 53
الباب الثاني
وفيه فصلان:
الفصل الأول: دراسة عن شارح القصيد الإمام السخاوي وفيه عدة مباحث:
١ ـ المبحث الأول: عصره من الناحية السياسية والعلمية.
٢ - المبحث الثاني: ولادته اسمه وكنيته، شهرته، صفاته.
٣ ـ المبحث الثالث: من يلقب بالسخاوي غير المؤلف.
٤ - المبحث الرابع: رحلاته وذكر شيوخه وترجمة أشهرهم.
٥ ـ المبحث الخامس: شهرته وثناء العلماء عليه.
٦ ـ المبحث السادس: تلامذته وترجمة أشهرهم.
٧ - المبحث السابع: آثاره ووفاته.
стр. 54
الفصل الأول
الإمام السخاوي
المبحث الأول: عصره من الناحية السياسية والعلمية.
ولد الإمام السخاوي في سنة (٥٥٨ هـ) وتوفي سنة (٦٤٣ هـ)، وماذكرته في عصر الإمام الشاطبي يجري على عصرالإمام السخاوي لأنهما متقاربان، ولكن سأتحدث عن الناحيتين السياسية والعلمية بعد وفاة شيخه الإمام الشاطبي أي: بعد سنة (٥٩٠). حيث كان عمر الإمام السخاوي اثنين وثلاثين عاماً.
توفي الملك صلاح الدين الأيوبي، وخلفه في الحكم أولاده وقد تقاسموا البلاد فيما بينهم وحصل نزاع وحروب طويلة، وعادت الأمة إلى كبوتها وغفلتها، وساد الفوضى وانتشر الفساد في الحكم، وغدت الخلافة العباسية رمزاً من غير تأثير في قلوب الناس.
في سنة (٦١٦ هـ) ظهر جنكيزخان بجيوشه الزاحفة حيث عبر نهر جيحون، فخربوا البلاد وأثاروا الفساد، وملكوا خلال سنةٍ واحدة سائر بلاد المسلمين ماعدا العراق والشام ومصر فخاف الناس، وقنتوا في الصلوات والأوراد.
بقيت الحركة العلمية قويةً، فكان هناك علماء مثل: الحافظ تقي الدين ابن الصلاح، والإمام الشيخ الحافظ عبد الغني العماد الحنبلي، والإمام ابن تيمية، والعز بن عبدالسلام.
كان حاكم دمشق الأشرف أبو الفتح موسى بن العدل بن أيوب (١).
_________
(١) ذيل الروضتين ص ١٠٤.
стр. 55
المبحث الثاني: ولادته اسمه وكنيته، شهرته. صفاته.
هو الإمام علي بن محمد بن عبد الصمد بن عبد الأحد بن غالب، علم الدين، أبو الحسن الهمْداني السَّخَاوي، المقرئ المفسِّر النَّحْوي (١)، شيخ القراء بدمشق في زمانه.
ولد سنة ثمانٍ أوتسع وخمسين وخمس مائة (بسخا) ونُسِبَ الإمامُ السَّخَاوي إلى (سخا) وهي مدينة في مصر، قال ياقوت الحموي (٢): سخا: كورة بمصر وقصبتها سخا بأسفل مصر، وهي الآن قصبة كورة الغربية، ودار الوالي بها، وهي من فتوح خارجة بن حنظلة بولاية عمرو بن العاص حين فتح مصر أيام عمر ﵁ اهـ.
قلت: والنسبة إلى (سخا) سَخَوِي لأن القاعدة: أنَّ الاسم إذا كانت فيه الألف الأصلية ثالثةً قلبت واواً كعَصاً وعَصَوِيٍّ، وفَتَىً وفَتَوِيٍّ، فتصبح النسبة في سَخَا سَخَوي قال ابن مالك:
لشبهها المُلْحِق، والأصليِّ ما … لها؛ وللأصليٍّ قَلبٌ يُعْتَمِي
قال ابن عقيل (٣) عند هذا الموضع: إنَّ ألف الإلحاق المقصورة كألف التأنيث في وجوب الحذف إن كانت خامسةً كَحَبَرْكي، وحَبَرْكيٍّ.
_________
(١) ذيل الروضتين ١٧٧، وفيات الأعيان ٣/ ٣٤٠، غاية النهاية ١/ ٥٦٨، طبقات السبكي ٨/ ٢٩٧، معرفة القراء ٢/ ٦٣١، النجوم الزاهرة ٦/ ٣٥٤.
(٢) معجم البلدان ٣/ ١٩٦.
(٣) شرح ابن عقيل جـ ٤/ ١٥٥.
стр. 56
وأما الألف الأصلية؛ فإن كانت ثالثةً قُلِبَت واواً كعَصَاً وعَصَوِيٍّ.
وأما هذه النسبة وهي السخاوي فهي من قبيل إطلاق الناس عليه، ويطلق عليه من شواذ النسب.
كان مبدؤه الاشتغال بالفقه على مذهب الإمام مالك بمصر، ثم انتقل إلى مذهب الإمام الشافعي، وسكن بمسجدٍ بالقرافة يؤمُّ فيه مدة طويلةً، ولما قدم الإمام الشاطبي بلاد مصر لازمه، وأخذ عنه الشاطبية حيث قرأ عليه الشاطبية أكثر من مرةٍ، قال في شرحه فتح القصيد (١): «والآن أبدأ بشرح حرز الأماني مستعيناً بالله، وهو خير مُعين.
قال ﵀، وقرأتها عليه غير مرةٍ عارضاً ومقيداً»، وبعد أن أتم القراءة رحل إلى دمشق مع الأمير موسك بن جكو (٢) ابن خال الملك صلاح الدين الأيوبي، حيث كان يعلم أولاده، ثم استوطن دمشق إلى أن مات.
صفاته:
قال الإمام ابن الجزري (٣): «كان إماماً علامةً مقرئاً محققاً بصيراً بالقراءات وعللها، إماماً في النحو واللغة والتفسير، عالماً بالفقه وأصوله، طويل الباع في الأدب، مع التواضع والدين والمودة وحسن الأخلاق، من أفراد العالم وأذكياء بني آدم، مليح المجاورة، حلو النادرة، حاد
_________
(١) انظر قسم التحقيق من هذه الرسالة ١/ ٤٧.
(٢) النجوم الزاهرة ٦/ ١١٠.
(٣) غاية النهاية ١/ ٥٦٩.
стр. 57
القريحة، مطرح التكليف، وافر الحرمة، كبير القدر، محبباً إلى الناس، ليس له شغلٌ إلا العلم والإفادة».
ولما جاء إلى دمشق وقرأ على علمائها لمع نجمه وعلا صيته، وأقبل الناس إليه يقرؤون، فصارت له حلقة بجامع دمشق، ثم ولي مشيخة الإقراء بتربة أم الصالح، وبها كان مسكنه.
وقد وصفه القاضي ابن خلكان قائلاً (١): «رأيته مراراً راكباً بهيمةً إلى الجبل - جبل قاسيون بدمشق - وحوله اثنان وثلاثة يقرؤون عليه دفعةً واحدة في أماكن من القرآن مختلفة وهو يرد على الجميع».
وقد أنكر الإمام الذهبي هذا العمل عندما ترجم للإمام السخاوي، فقال (٢): ما أعلم أحداً من المقرئيين ترخَّص في إقراء اثنين فصاعداً إلا الشيخ علم الدين، وفي النفس من صحة تحمل الرواية على هذا الفعل شيءٌ فإنَّ الله ماجعل لرجلٍ من قلبين في جوفه.
ولا ريب في أنَّ ذلك أيضاً خلاف السنة، لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ (٣)، وإذا كان هذا يقرأ في سورة، وهذا في سورة، وهذا في سورة في آنٍ واحدٍ، ففيه مفاسد:
أحدها: زوال بهجة القرآن عند السامعين.
_________
(١) وفيات الأعيان ٣/ ٣٤٠.
(٢) معرفة القراء ٢/ ٦٣٣.
(٣) الآية (٢٠٤) من سورة الأعراف.
стр. 58
وثانيها: أن كل واحدٍ يشوش على الآخر، مع كونه مأموراً بالإنصات.
وقد دافع الإمام ابن الجزري عن فعل الإمام السخاوي، وردَّ على قول الإمام الذهبي فقال (١): في النفس شيء، ألم يسمع وهو يرد على الجميع مع أنَّ السخاوي لانشك في ولايته.
قلت: لا يمنع أن يكون دقة الشيخ وقوة حفظه وضبطه من السماع لاثنين أثناء القراءة، ولكن الأفضل أن يقرأ التلاميذ عليه واحداً واحداً فإنه أكثر ضبطاً لكتاب الله.
_________
(١) غاية النهاية ١/ ٥٦٩ - ٥٧١.
стр. 59
المبحث الثالث: من يلقب بالسخاوي غير المؤلف.
أحببت أن أبين للقراء من لُقِّبَ بالسخاوي من العلماء الذين وقفت عليهم في كتب التراجم وذلك خوف اشتباه الأسماء.
١ - الأديب أبو الفتح بن عبدالرحمن بن علوي السخاوي الحنفي (١) (ت ٦٢٩ هـ)، فقيه أديب، شاعر خطيب، توفي بدمشق، ومن مؤلفاته: الإيضاح، التجريد، وكلها في الفقه.
٢ - عز الدين محمد بن أبي الكرم الحنفي (٢)، وكان قاضياً توفي سنة (٦٤٦ هـ)
٣ - محمد بن الحسن بن علي السخاوي (٣)، من آثاره الثغر الباسم في صناعة الكاتب. بقي حياً إلى (٨٤٦ هـ).
٤ - علي بن إسماعيل اليمني السخاوي (٤)، شاعر من آثاره ديوان شعر.
٥ - محمد السخاوي القاضي بن أحمد بن موسى السخاوي المدني (٥)، من القضاة، ولي قضاء المدينة ثلاثين سنة.
_________
(١) الجواهر المضية ٢/ ٢٦١، معجم المؤلفين ٨/ ٤٧.
(٢) ذيل الروضتين ص/ ١٨٢.
(٣) إيضاح المكنون ١/ ١٨٥، معجم المؤلفين ٩/ ٢٠١.
(٤) معجم المؤلفين ٧/ ٢٧٧.
(٥) معجم المؤلفين ٩/ ٢٣.
стр. 60
٦ - محمد بن أبي بكر بن عثمان السخاوي (١)، مؤرخ. وهو من تلامذة الإمام ابن حجر العسقلاني. توفي بالمدينة سنة (٩٠٢ هـ).
قلت: وقد اشتهر بالسخاوي اثنان وهما: الإمام علم الدين علي بن محمد السخاوي صاحب هذه الرسالة، والسخاوي المؤرخ والمحدث محمد بن أبي بكر السخاوي.
_________
(١) معجم المؤلفين ٩/ ١١٣.
стр. 61
المبحث الرابع: رحلاته وذكر شيوخه وترجمة أشهرهم.
رحل إلى مصر ولازم الإمام الشاطبي، وأخذ عنه القراءات، وروى عنه قصيدته بعد أن أجازه بها، وكانت إجازته في آخر شعبان سنة أربعٍ وثمانين وخمسمائة، وكان عمر الإمام السخاوي سبعةً وعشرين عاماً، يقول الإمام الشاطبي في نصِّ الإجازة (١):
«بسم الله الرحمن الرحيم: يقول أبو القاسم بن فيرُّه بن أبي القاسم بن أحمد الرُّعيني ثم الشاطبي: إنَّ صاحبه أبا الحسن علي ابن الشيخ الصالح أبي عبدالله محمد بن عبد الصمد السخاوي عرض عليه قصيدته التي عملها في مذاهب الأئمة الأمصار. وقد أذنت لصاحبنا المذكور أن يرويها عني ويُرَوِّيها من أحب لمن أحب ثقةً بعلمه لها وفهمه فيها على حسن ما أخذته عليه، والله تعالى يجعل ذلك كله وُصلةً إلى ما يحبه ويرضاه، ويعين جميعنا على ما يقرب في دنياه وأخراه، ويجعلنا ممن يغبط في حمل العلم ونشر مَراحه ومغداه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وكتب أبو القاسم المذكور في آخر شعبان الذي من سنة أربعٍ وثمانين وخمسمائة».
قلت: ويعد الإمام السخاوي أقرب تلميذٍ لشيخه الإمام الشاطبي، بل خليفته من بعده.
رحل إلى الإسكندرية، وأخذ عن الإمام المحدث أبي طاهر السلفي، ثم رحل إلى الشام واستقر فيها إلى حين وفاته فالتقى بالشام بشيخ قرائها بتاج الدين الكِنْدِي المقرئ النحوي فقرأ عليه.
_________
(١) مختصر الفتح المواهبي ص ٥٩.
стр. 62
ذكر شيوخه وترجمة أشهرهم:
١ - الإمام أو القاسم الشاطبي الذي أخذ عنه قصيدته اللامية.
٢ - الإمام المحدث أبو طاهر السلفي الذي انفرد بعلوِّ الإسناد في عصر في الحديث، وقد روى عنه الحديث وعلومه.
٣ - زيد بن الحسن تاج الدين أبو اليُمن الكندي البغدادي المقرئ، النحوي الحنفي (١)، شيخ القراء والنحاة بدمشق.
عُمِّر طويلاً، وانفرد في الدنيا بعلو الإسناد في القراءات، وانتهى إليه أيضاً علو الإسناد في الحديث، وقد مدحه الإمام السخاوي بقوله:
لم يكن في عصر عمرو مثله … وكذا الكندي في آخر عصر
فهما زيدٌ وعمرو إنما … بُنِيَ النحو على زيدٍ وعمرو (٢)
توفي سنة (٦١٣ هـ)، وسبب قراءته عليه أنَّ الإمام السخاوي عندما عزم الرحيل إلى دمشق ودَّع شيخه الإمام الشاطبي، فقال الإمام الشاطبي (٣): إذا مضيت إلى الشام فاقرأ على الكندي ولاتروي عنه، فأخذ عنه القراءات والنحو واللغة، والأدب.
٤ - غياث بن فارس بن مكي أبو الجود اللخمي المنذري المصري (٤) المقرئ شيخ القراء بديار مصر، أقرأ الناس دهراً، ورحل إليه، وكان ديناً فاضلاً، بارعاً في الأدب توفي سنة (٦٠٥ هـ).
_________
(١) معرفة القراء ٢/ ٥٨٦، غاية النهاية ١/ ٢٩٧.
(٢) هو إمام النحو سيبويه لأن اسمه عمرو.
(٣) بغية الوعاة ٢/ ١٩٢.
(٤) معرفة القراء ٢/ ٥٨٩.
стр. 63
٥ - محمد بن يوسف بن علي أبو الفضل الغزنوي (١) الإمام المقرئ، الفقيه الحنفي تصدر للإقراء في القاهرة، وقرأ القراءات على سبط الخياط، قرأ عليه الإمام السخاوي. توفي سنة (٥٩٩ هـ).
٦ - أبو الجيوش عساكر بن علي المقرئ النحوي الشافعي (٢) توفي سنة (٥٨١ هـ).
٧ - هبة الله البوصيري (٣).
٨ - إسماعيل بن ياسين (٤).
_________
(١) معرفة القراء ٢/ ٥٧٩.
(٢) معرفة القراء ٢/ ٦٣١.
(٣) غاية النهاية ١/ ٥٦٩.
(٤) غاية النهاية ١/ ٥٦٩.
стр. 64
المبحث الخامس: شهرته وثناء العلماء عليه.
يُعَدُّ الإمام علم الدين السخاوي من الأئمة المشهورين في علوم القراءات والتفسير والنحو، وقد كانت له شهرة في الآفاق، لذلك وجدت ترجمته في أكثر من عشرين مرجعاً في كتب التراجم والتاريخ والطبقات، وقد احتل مكانةً عالية عند القراء والنحاة وغيرهم: قال تلميذه الشيخ المقرئ شهاب الدين أبو شامة مثنياً (١): «توفي شيخنا علم الدين علامة زمانه، وشيخ أوانه بمنزله بالتربة الصالحية، وخُتِمَ بموته موت مشايخ الشام يومئذ».
وترجم ياقوت الحموي ترجمة واسعة، وهي أقدم ترجمة للإمام السخاوي حيث كتبها في حياته سنة (٦١٩ هـ). قال (٢): «كان مبدؤه الاشتغال بالفقه على مذهب الإمام مالك، وهو أديب فاضل، دين، يُرْحَلُ إليه للقراءة عليه».
قال الإمام الذهبي (٣): «كان إماماً كاملاً ومقرئاً محققاً، ونحوياً علامةً مع بصره بمذهب الشافعي ﵁، ومعرفته بالأصول، وإتقانه للغة، وبراعته في التفسير، وكان من أفراد العالم، ومن أذكياء بني آدم، ولا أعلم أحداً من القراء في الد نيا أكثر أصحاباً منه».
_________
(١) ذيل الروضتين ص ١٧٧.
(٢) معجم الأدباء ١٥/ ٦٥.
(٣) معرفة القراء ٢/ ٦٣٢.
стр. 65
قال الإمام ابن الجزري (١): «كان إماماً علامةً مقرئاً محققاً بصيراً بالقراءات وعللها، إماماً في النحو واللغة والتفسير، عالماً بالفقه وأصوله، أتقن هذه العلوم إتقاناً بليغاً، وليس في عصره من يلحقه فيها».
وقال في شذرات الذهب (٢): «قرأ القراءات على الشاطبي وغيره حتى فاق أهل زمانه في القراءات، وانتهت إليه رئاسة الإقراء والأدب بدمشق».
_________
(١) غاية النهاية ١/ ٥٦٩.
(٢) / ٢٢٢.
стр. 66
المبحث السادس: تلامذته وترجمة أشهرهم وذكر مؤلفاته.
عاش الإمام السخاوي قرابة التسعين عاماً، ونال شهرة عظيمة في قلوب الناس مما جعل الناس يتزاحمون عليه للقراءة حتى كثر تلامذته عن غيره من شيوخ الإقراء، وقال عنه القاضي ابن خلكان (١): «رأيته بدمشق والناس يزدحمون عليه في الجامع لأجل القراءة ولا يكون لواحدٍ منهم نوبة إلا بعد زمان».
وقال الإمام الذهبي (٢): «لا أعلم أحداً من القرَّاء في الدنيا أكثر أصحاباً منه».
ومن أشهر هؤلاء التلاميذ:
١ - عبد الرحمن بن إسماعيل أبوشامة المقدسي الدمشقي الشافعي المقرئ النحوي (٣): الأصولي صاحب التصانيف، قرأ على الإمام السخاوي، ولازمه مدة طويلةً من شعبان سنة أربع عشرة وستمائة إلى سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
وقد درّس وأفتى وبرع في اللغة، وصنف شرحاً للشاطبية سماه: إبراز المعاني، وصنف الكثير من المصنفات منها الذيل على الروضتين. توفي سنة (٦٦٥ هـ).
_________
(١) وفيات الأعيان ٣/ ٣٤١.
(٢) معرفة القراء ٢/ ٦٣٢.
(٣) معرفة القراء ٢/ ٦٧٣.
стр. 67
٢ - محمد بن عبد الله بن مالك الشافعي النحوي (١) نزيل دمشق، حافظ اللغة وصاحب الألفية المشهورة: ألفية ابن مالك.
٣ - محمد بن علي بن موسى أبو الفتح الأنصاري الدمشقي (٢)، أحد الكبار من أصحاب أبي الحسن السخاوي، وقد ولِي مشيخة القراء بعد شيخه بتربة أم الصالح، وكان عارفاً بوجوه القراءات، جيد اللغة، توفي سنة (٦٥٧ هـ).
٣ - جعفر بن القاسم الدمشقي المقرئ (٣)، قرأ القراءات على الإمام السخاوي، توفي سنة إحدى وتسعين وست مائة ٠
٤ - أحمد بن عبد الله أبو العباس الخابوري (٤)، ثم الحلبي المقرئ الشافعي، خطيب جامع حلب قرأ القراءات على الإمام السخاوي. توفي سنة (٦٩٠ هـ)
٥ - إبراهيم بن داود أبو إسحاق العسقلاني (٥) المقرئ الشافعي، قرأ بالروايات على الإمام السخاوي ولزمه ثمانية أعوام، حتى إنه جمع عليه سبع ختمات للسبعة، وحمل عنه الكثير من التفسير والآداب والحديث توفي سنة (٦٩٢ هـ)، وهو من شيوخ الإمام الذهبي.
_________
(١) بغية الوعاة ٣٢.
(٢) معرفة القراء ٢/ ٦٦٩.
(٣) معرفة القراء ٢/ ٧٠٦.
(٤) معرفة القراء ٢/ ٧٠٥، غاية النهاية ١/ ٧٣.
(٥) معرفة القراء ٢/ ٦٥٥.
стр. 68
٦ - الحسن بن أبي عبد الله أبو علي الأزدي المقرئ (١)، قرأ القراءات على أبي الحسن السخاوي وهو من جلة أصحابه توفي سنة (٦٦٩ هـ) ٠
٧ - رشيد الدين أبو بكر (٢)، قرأ القراءات على العلم السخاوي، وكان من كبار المقرئين توفي سنة (٦٧٣ هـ).
٨ - عبد السلام بن علي بن عمر بن سيد الناس (٣)، الإمام الكبير، المقرئ شيخ القراء في زمانه بدمشق وشيخ المالكية وفقيهم، قرأ القراءات على الشيخ علم الدين السخاوي توفي ﵀ سنة (٦٨١ هـ).
٩ - ركن الدين إلياس بن علوان الإربلي المقرئ (٤)، قرأ على السخاوي، وتصدر للإقراء بجامع دمشق زمانا، يقال ختم عليه أكثر من ألف نفسٍ.
١٠ - أحمد بن إبراهيم أبو العباس الفزاري المقرئ النحوي الشافعي (٥)، خطيب جامع دمشق، قرأ القراءات على الشيخ علم الدين السخاوي، كان فصيحاً، وفوهاً، عديم اللحن، عذب العبارة طيب الصوت، توفي سنة (٦٣٠ هـ).
_________
(١) معرفة القراء ٢/ ٦٧٥.
(٢) معرفة القراء ٢/ ٦٧٦.
(٣) معرفة القراء ٢/ ٦٧٦.
(٤) معرفة القراء ٢/ ٦٨٦.
(٥) معرفة القراء ٢/ ٧١٤.
стр. 69
المبحث السابع: آثاره ووفاته.
آثاره:
ترك المؤلف رحمه آثاراً عظيمةً من المؤلفات، في موضوعات شتى، فقد ألف في القراءات، ورسم المصاحف، والتفسير، والفقه، والنحو، واللغة، والشعر، ذكرت منها مايلي (١).
١ - فتح الوصيد في شرح القصيد شرح فيه القصيدة الشاطبية في مجلدين، وهو الرسالة التي بين يديك.
٢ - الوسيلة في شرح العقيلة، شرح فيه قصيدة عقيلة أتراب القصائد للإمام الشاطبي.
٣ - شرح المفصل للزمخشري في أربع مجلدات.
٤ - جمال القراء وكمال الإقراء، في مجلد.
٤ - تفسير نصف القرآن إلى سورة الكهف في أربع أسفار، توفي قبل إكماله.
٥ - الإفصاح وغاية الإشراح في القراءات السبع.
٦ - أقوى العدد في معرفة العدد.
٧ - القصائد السبعة في مدائح النبوية، وقد شرحها تلميذه المقرئ أبوشامة المتقدم.
_________
(١) معرفة القراء ٢/ ٦٣٣، وهدية العارفين ١/ ٧٠٨.
стр. 70
٨ - منازل الإجلال والتعظيم في فضائل القرآن العظيم.
٩ - الجواهر المكللة في الأخبار المسلسلة.
١٠ - مناسك الحج في أربعة مجلدات.
١١ - شرح المحاجاة في الأحاجي والمغلوطات للزمخشري.
١٢ - شرح مصابيح السنة للبغوي.
١٣ - متشابهات الكتاب.
١٤ - إفصاح الموجز في إيضاح المعجز.
هذا بعض آثاره التي وقفت عليها.
وفاته.
بعد هذه الرحلة الممتعة في حياة شيخنا الإمام السخاوي، انتقل إلى جوار ربه في سنة (٦٤٣ هـ) في شهر، ومن شعره قبل وفاته وهو في مرضه (١):
قالوا غداً نأتي ديار الحمى … وينزل الرَّكب بمَغْناهُمُ
وكلُّ من كان مطيعاً لهم … أصبح مسروراً بلقياهُمُ
قلت: فلي ذنبٌ فما حيلتي … بأيٍّ وجهٍ أتلقاهُمُ
قيل: أليس العفوُ من شأنهم … لا سيما عمَّنْ ترجَّاهُمُ
قال تلميذه الإمام أبو شامة (٢): توفي شيخنا علم الدين، علامة زمانه، وشيخ أوانه بمنزله بالتربة الصالحية في ثاني عشر من شهر جمادى الآخرة سنة
_________
(١) معرفة القراء ٢/ ٦٣٤، غاية النهاية ١/ ٥٧٠ - ٥٧١.
(٢) ذيل الروضتين ص ١٧٧.
стр. 71
ثلاثٍ وأربعين وستمائة، وصُلي عليه بعد الظهر بجامع دمشق، ثم خرج بجنازته في جمعٍ إلى جبل قاسيون، وكانت على جنازته هيبةٌ وجلالةٌ وإخبات، حضرت الصلاة عليه مرتين بالجامع، وخارج باب الفرج، وشيعته إلى سوق الغنم، ثم رجعت لضعفٍ كان من أثر المرض، وكان يوماً ماطراً وفي الأرض وحل.
стр. 72
الفصل الثاني
وصف كتاب «فتح الوصيد»
وفيه عدة مباحث:
المبحث الأول: أهمية كتاب فتح الوصيد على شروح الشاطبية.
المبحث الثاني: إثبات نسبة الكتاب إلى مصنفه.
المبحث الثالث: منهج المصنف في الكتاب.
المبحث الرابع: وصف مخطوطات الكتاب ونماذج منها.
المبحث الخامس: أسانيد الباحث المتصلة إلى قصيدة الشاطبية، وكتاب فتح الوصيد.
стр. 73
المبحث الأول: أهمية كتاب «فتح الوصيد» على شروح الشاطبية.
ذكرت مكانة القصيدة الشاطبية في علم القراءات ووقفت على ثناء العلماء والقراء على هذه القصيدة، وذكرت أيضاً عناية أئمة القراء للقصيدة، وتهافتهم على خدمتها وشرحها، وذكرت شراحها، وأذكر هنا منزلة كتاب فتح الوصيد في شرح القصيد وهو هذه الرسالة.
لمّا كانت القصيدة الشاطبية بهذه المكانة الرفيعة كان لزاماً أن يكون لها شرح واسع يحل ألغازها ورموزها، ويسهل معانيها، وقد بقيت الشاطبية من غير شرحٍ في حياة ناظمها، ولكن بعد وفاته قيض الله واحداً من أقرب تلامذته لشرحه، وهو الإمام السخاوي، وقال الإمام الشاطبي لتلامذته أثناء شرحه القصيدة لتلامذته: يقيض الله فتىً يشرحها
قال الإمام أبو شامة في شرحه (١): «حكى لنا بعض أصحابنا أنه سمع بعض الشيوخ المعاصرين للإمام الشاطبي يقول: لُمته في نظمه لها لقصور الأفهام عن دركها، فقال: ياسيدي هذه يقيض الله لها فتىً يبينها» فلما رأيت السخاوي قد شرحها علمت أنه ذلك الفتى الذي أشار إليه
قال العلامة أبوشامة مبيناً أهمية كتاب فتح الوصيد (٢): «وإنما شهرها بين الناس وشرحها، وبين معانيها وأوضحها، ونبّه على قدر ناظمها، وعرَّف بحال عالمها شيخنا الإمام العلامة علم الدين بقية مشايخ المسلمين. علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي».
_________
(١) إبراز المعاني ص ٨.
(٢) إبراز المعاني ص ٨.
стр. 74
وقال العلامة المقرئ أبو إسحاق الجعبري في شرحه (١): «وكلٌّ كَلٌّ على فاتح وصيدها ومانح نضيدها الشيخ العلامة تاج القراء، سراج الأدباء، علم الدين السخاوي، لأنه قرأها على مؤلفها غير مرةٍ، وهو أعلم بها من غيره من الشارحين».
قلت: رحم الله الإمام الجعبري على هذا التواضع واعترافه بالفضل لغيره، فلقد شرح الشاطبية وسماه كنز المعاني في مجلدين، ولكنه أبى إلا أن يرد الفضل لأهله.
قال الإمام ابن الجزري (٢): «بل هو والله السبب في شهرتها في الآفاق، وإليه أشار الشاطبي بقوله: يقيض الله فتىً يشرحها».
_________
(١) كنز المعاني ورقة ٢. مخطوط.
(٢) غاية النهاية ١/ ٥٦٨.
стр. 75
المبحث الثاني: إثبات نسبة الكتاب إلى مصنفه.
اتفقت جميع المصادر التي ترجمت للإمام السخاوي والتي رجعت إليها بأنَّ له كتاباً شرح فيه قصيدة شيخه الإمام الشاطبي سماه: فتح الوصيد في شرح القصيد.
وهذا الذي ذكره الإمام السخاوي في مقدمة كتابه حيث قال: وسمَّيْتُه: «فتح الوصيد في شرح القصيد».
وهو مثبتٌ على صفحة الغلاف في جميع النسخ المخطوطة التي رجعت إليها ففي نسخة شيستربتي كتب على الغلاف: كتاب فتح الوصيد في شرح القصيد، تصنيف الشيخ الفقيه الإمام الكامل الحافظ المؤرخ علم الدين أبي الحسن علي بن محمد السخاوي بدمشق.
وفي نهاية نسخة دار الكتب كُتب: قرأت جميع هذا الجزء والذي قبله وهما جميع كتاب فتح الوصيد في شرح القصيد على مصنفه شيخنا وسيدنا الإمام العالم العلامة سيد العلماء والنحاة والقراء شيخ الإسلام بقية السلف وعمدة الخلف علم الدين أبي الحسن علي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي، أمتعنا الله بطول حياته وأعاد على الكافة من بركاته.
فهذه تؤكد أن كتاب فتح الوصيد في شرح القصيد من مؤلفات الإمام السخاوي.
следующие страницы →