← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 880

شرح الشاطبية فتح الوصيد في شرح القصيد - ت أحمد الزعبي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه أستعين باب فرش الحروف القرَّاءُ يُسمُّون (١) ما قلَّ دَوره من الحروف: فرشاً لانتشاره. فكأنَّه انفرش، إذ كانت الأصول ينسحب حكم الواحد منها على الجميع. سورة البقرة ١ - ومَايَخْدَعُونَ الفَتْحُ مِنْ قَبْلِ سَاكِنٍ … وَبَعْدُ ذَكَا وَالغَيْرُ كَالْحَرْفِ أَوَّلا مَنْ قرأ ﴿يَخْدعُون﴾ (٢) جعل ﴿يُخَدِعُون﴾ الأول بمعنى ﴿يَخْدَعُون﴾، فهو مثل عافاك الله. ففي قراءتهم ﴿يَخْدَعُون﴾ تنبيهٌ على أنَّ الأول بمعناه. ولاطائل تحت قول من قال: إنَّه جعل المخادعة في الأول لله وللذين آمنوا، فكيف يجعلها ثانياً لأنفسهم، وقال: هي مناقضة، لأنَّ معناه كقولك: ظلمت زيداً، وما ظلمت إلا نفسك، لأنَّ مخادعتهم لله عائدةٌ عليهم، فكأنَّهم إنما خادعوا أنفسهم. وحجة ﴿يُخَدِعُون﴾: أنه موافق للأول. ومَنْ قال أيضا - محتجاً لهذه القراءة -: إنَّ الإنسان لايخدع نفسه، فجوابه: أنه لم يُرِد أنهم خدعوا أنفسهم، ولكنْ لما عاد مكرهم عليهم صاروا خادعين لأنفسهم في المعنى.

стр. 597

وأصل الخديعة من الاختفاء، ومنه المخدع في البيت. ويقولون: خَدَع الضبُّ في جُحْرِه .. إذا دخل فيه واختفى. ثم استُعْمِل في التمويه والحيل والمكر وما يخالف النصح، قال النبي ﷺ : «المكر والخديعة في النار» (١). وكذلك استُعْمِلَ في الفساد، قال الشاعر (٢): ............... … طيِّبُ الرِّيقِ إذا الريقُ خَدَع أي: فسد. وقوله: «الفتح من قبل ساكن» يعني: فتح الياء، والساكن: الخاء. و «بعد»: يعني فتح الدال، و «ذكا» (٣) معناه: اشتعل وأضاء، و «أوّلا»: منصوبٌ على الحال، والتقدير: كالحرف المنزل أولا. أوعلى الظرف. ٢ - وخَفَّفَ كُوفٍ يَكْذِبونَ وَيَاؤُهُ … بِفَتْحٍ وَلِلبَاقِينَ ضُمَّ وثُقِّلا قال الله تعالى ﴿ومَا هُمْ بِمُؤْمِنِين﴾ (٤)، فأخبر عن كذبهم في قولهم: ﴿آمنِّا﴾ (٥) ويلزم من كذبهم تكذيبُهم، فَمَنْ قرأ ﴿بِمَا كَانوا

стр. 598

يَكْذِبون﴾ بالتخفيف .. فمعنى القراءة: كَذِبُهم هذا الذي أخبر الله تعالى به، وذلك الكذب استهزاءٌ بالله ورسوله، لأنَّ الله تعالى أخبر عنهم بذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُون﴾. ومَنْ قرأ ﴿يُكَذِّبون﴾ فمعناه: التكذيب الذي له كانوا كاذبين (١). ٣ - وقِيلَ وغِيضَ ثُمَّ جِيئَ يُشِمُّها … لَدَى كَسْرِهَا ضَمَّاً رِجَالٌ لِتَكْمُلا أصل «قيل»: قُوِلَ، استثقلت الكسرة في الواو فنقلت إلى القاف، فلما سكنت الواو وانكسر ما قبلها قلبت ياء، وكذلك سيء، وسيق، وحيل .. أصلها سُوِئ، وسُوِق، وحُوِلَ. وأما غِيض، وجِيء فهما من الياء، استثقلت الحركة فيهما على الياء فنقلت إلى ماقبلها، والأصل: غُيِض وجُيِئَ. وإنما كان هذا النقل بعد إزالة الضمة التي في أوائلها، لأنها لاتتحرك بالكسر، وهي متحركة بالضم، وذلك أنهم استثقلوا الضمة وبعدها واوٌ أو ياءٌ مكسورةٌ/ فأزيلت. والعلماء يعبِّرُون عن هذا بالإشمام والروم والضم والإمالة. وإنما أختارُ من هذه الألفاظ (الإشمام)، لأنها عبارة عامَّةِ النحويين وجماعة من القرَّاء المتأخرين. وفي العبارة بها: تنبيهٌ على أنَّ أول الفعل لايُكسر كسرةً خالصة. والذين سموه (روماً) قالوا: هو رومٌ في الحقيقة، وتسميته (بالإشمام) تَجَوُّزٌ في العبارة. والذين سموه (ضمَّاً)، وهم عامة أئمة القرَّاء، فإنما عبَّروا عنه بذلك

стр. 599

كما عبَّروا عن (الإمالة) بـ (الكسر) تقريباً ومجازاً، لأنَّ الممال فيه (١) كسرٌ، وهذا فيه شيءٌ من الضم. وأما الذين عَبَّروا عنه (بالإمالة) فلأنَّ الحركة ليست بضمة (٢) ولا كسرة خالصة، كما أنَّ (الإمالة) ليست بكسرٍ محضٍ ولا فتحٍ خالص. وحقيقة هذا (الإشمام): أن تَنْحُوَ بكسرة فاء الفعل نحو الضمة، فتمال كسرة فاء الفعل، وتميل الياء الساكنة بعدها نحو الواو قليلاً إذ هي تابعة لحركة ماقبلها. وإنما قيل لذلك: (إمالة) لأنه قد دخله من الخلْط والشَّوْب ما دخل الإمالة، كما سموا (المبالغة) في تفخيم الرِّبا والصَّلاة والزَّكاة .. حتى نحوا به نحو الواو إمالةً، وعلى هذه اللغة كتبوه بالواو تنبيهاً على الإمالة نحوها. قال الحافظ أبوعمروٍ ﵀: وقد زعم بعض من يُشَارُ إليه بالمعرفة - وهو بمعزلٍ عنها وخالٍ منها -: أنَّ حقيقة الإشمام في هذا أنَّ يكون إيماءً بالشفتين إلى ضمة مقدرة مع كسرة فاء الفعل كسراً خالصاً. قال: وإن شئت أومأت بشفتيك قبل [اللفظ] (٣) بالحرف المُشَمِّ الذي تُومئ إلى/ حركته، وإن شئت بعده، وإن شئت معه. قال أبوعمرو: وهذا كلُّه خطأٌ باطلٌ [لاشك] (٤) فيه من قِبَل أنَّ الإيماء قبل اللفظ بالحرف المشمِّ الذي تُومئ إلى حركته [غير ممكن، إذ لم يحصل قبل ملفوظاً به، فكيف تومئ إلى

стр. 600

حركته] (١) وهو معدوم في النطق أيضا. هذا مع تمكن الوقوف على ما قبله والابتداء به، فيلزم أن يكون ابتداء المبتدئ بذلك إعمال [العضو] (٢) وتهيئته قبل النطق، ولم يسمع بهذا قط، ولا ورد في لغة، ولا جاء في قراءة، ولايصح في قياس، ولا يتحقق في نظر. وأما الإيماء بعد اللفظ به مكسوراً محضاً فغير مستقيم، وكذلك الإيماء معه في تلك الحال لا يمكن، إذ لو كان ذلك لوجب أن يستعمل في النطق بذلك عضو اللسان للكسرة والشفتان للإشارة، ومحال أن يجتمعا معاً على حرفٍ واحدٍ في حال تحريكه بحركةٍ خالصةٍ، إذ ليس في الفطرة إطاقة ذلك. وإنما حمل القائل على هذا القول: القياس منه على كيفية الإشمام عند الوقف على أواخر الكلم، إذ يؤتى به هناك بعد سكون الحرف والفراغ منه، وبين المكانين فُرقانٌ غير مشكوك فيه على ما بَيّنَّا. وزعم آخرون أنَّ حقيقته: أن يضم أوله ضماً مشبعاً، ثم يؤتى بالياء الساكنة بعد تلك الضمة الخالصة، وهو باطل، لأنَّ الضمة إذا أُخْلِصَتْ ومُطِّط اللفظ بها انقلبت الياء بعدها واواً، إذ لاتصح ياء بعد ضمة، كما لاتصح واوٌ بعد كسرة. وزعم قوم من أهل الأداء أن حقيقة الإشمام في ذلك: أن يشم أوله ضمًا مختلسًا، وهذا أيضًا باطل؛/ لأن ما يختلس من الحركات ولا يتم الصوت به كهمزة بين بين وغيرها؛ لا يقع أبدًا أولاً، وذلك لقربه بالتضعيف والتوهين من الساكن المحض، وإنما دخل الوهم على هؤلاء وعلى قوم من جهلة النحاة

стр. 601

من أجل العبارة عنه بالإشمام، وقد ذكرت مراد القرَّاء بهذه التسمية وغيرها [والغرض بهذا الإشمام الذي هو حركةٌ مركبةٌ من حركتين ضمةٍ وكسرةٍ الدلالة] (١) على هاتين الحركتين في الأصل. أما الضمة ففي الفاء، وأما الكسرة ففي العين، لأنَّ الأصل فُعِلَ مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، كما أنَّ الحركة الممالة من الفتحة والكسرة، فلما كان هذا الإشمام دالاً على الأصل صارت الكلمة كأنها منطوق بها على أصلها من غير تغيير، فلذلك قال: «لتكملا». ومَنْ أخلص الكسر فللياء التي بعده، إذ لاتجد ياءً ساكنةً قبلها ضمة، ومن غاير جَمَع بين اللغتين. ٤ - وَحِيلَ بِإِشْمَامٍ وَسِيقَ كَمَا رَسَا … وَسِيءَ وَسِيئتْ كَانَ رَاويِهِ أَنْبَلا قوله: «كما رسا» أي: كما استقر في النقل وثبت. وقوله: «كان راويه أنبلا» لأنه قد اتفق عليه إمام المدينة، وإمام الشام، وإمام النحو والقراءة الكسائيُّ، ومعناه: كان راويه نبيلاً، يعني مَنْ ذكرتُه. ٥ - وهَاهُوَ بَعْدَ الوَاوِ وَالفَاْ وَلامِهَا … وَهَاهِي أَسْكِنْ رَاضِياً بَارِدَاً حَلا قوله: «أسكن راضياً بارداً حلا» أشار به إلى أنَّ هذه الأحرف التي هي الواو والفاء واللام في نحو: (وهو)، (وفهو)، و (لهو)، وكذلك (هي) قد عُدَّت لكونها لاتقوم بنفسها كأنها من نفس الكلمة، فخُفِّفَت الكلمة بالإسكان/ كما خُفِّفَ عَضْدٌ وكِتْف ونحوه، فارض بهذا الاحتجاج ودَعْ قولَ من فرَّق بين هو، وهي، فأسكن في (فهو) لثِقَلِ الضم، ورآه أحسن من الإسكان في (فهي) (٢) لكون الكسر أخف.

стр. 602

٦ - وثُمَّ هُوَ رِفْقَاً بَانَ وَالضَمُّ غَيْرُهُمْ … وَكَسْرٌ وَعَنْ كُلٍ يُملَّ هُوَ انْجَلا قوله: «رفقاً بان» أشار به إلى مَنْ ردَّ الإسكان فيه، واحتج بأنَّ ثمَّ (١) تنفصل ويمكن الوقف عليها بخلاف السابقة، فقال: أسكنه رفقاً غير مسارع إلى رده، فإنَّ ﴿ثم﴾ مشبهة للواو والفاء لأنها مشتركة في العطف، وقد أجروا المنفصل مُجْرى المتصل في نحو (٢): ....... أشرب غير ............................. وفي الحقيقة أنَّ تلك الأحرف ليست من الكلمة، كما أنَّ (ثم) ليست منها. وقوله: «والضم غيرهم» لأنَّ الضم هو الأصل وكذلك الكسر في (هي)، والدليل على ذلك أنها كذلك إذا لم تكن قبلها هذه الأحرف. وقوله: «وعن كل يمل هو» إنما ذكر هذا لأنه قال: «بعد الواو والفاء ولامها» فيدخل هذا فيه، فذكر أنه محرك لاغير، ونبَّه أيضاً على أنَّ الرواية التي جاءت عن قالون من طريق الحلواني في إسكانه لامعوَّلَ عليها فإنها مخالفة لما رواه جميع أصحاب قالون. ٧ - وَفِي فَأَزَلَّ اللامَ خَفِّفْ لحَمْزَةٍ … وَزِدْ أَلِفَاً مِنْ قَبْلِهِ فُتُكَمِّلا قوله: «فتكملا» أي فتُكَمِّل الألف الكلمة فترجع مِنْ زَلَّ إلى زَالَ، ووجه قراءته: (أنَّ الله أسكنهما، فأزالهما الشيطان) فالإزالة نقيض الاستقرار، وبعده (فأخرجهما) يُقَوِّي هذا المعنى، وليس ذلك بتكرارٍ.

стр. 603

/ لأنَّ الأول فأزالهما الشيطان عن الجنة أي: نحَّاهُما عنها فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم، ومَنْ قرأ فأزلهَّما كان بمعنى أزالهما إن قدَّرْتَه مِنْ زَلَّ عن الموضع إذا لم يثبت فيه، أو يكون معناه فأكسبهما الزَّلَّة. ٨ - وَآدَمَ فَارْفَعْ نَاصِبَاً كَلِمَاتِهِ … بِكَسْرٍ وَلِلمَكِّيِّ عَكْسٌ تَحَوَّلا وجه قراءة ابن كثير: أنَّ ماتلقيته فقد تلقاك، فالكلمات فاعلة وآدم مفعول، وآدم في القراءة الأخرى فاعل، والكلمات مفعولة، ومن الأفعال ماتستوي في المعنى إضافته إلى الفاعل والمفعول نحو: نالني كذا، ونلت كذا، وأصابني كذا، وأصبت كذا، كقوله (١): إِذَا أَنت لم تُعرض عن الجهل والخَنَا … أصبت حليماً أو أصابك جاهلُ ومثل قراءة ابن كثير ﴿لايَنَال عَهْدِي الظَّلمين﴾ (٢)، و ﴿بَلَغَنِيَ الكِبَر﴾ (٣)، ولأنَّ الكلمات لما كانت سبباً لتوبته وإنقاذِه حَسُن أن يسند الفعل إليها. ٩ - ويُقْبَلُ الاُولَى أَنَّثُوا دُونَ حَاجِزٍ … وَعَدْنَا جَمِيعَاً دُونَ مَا أَلِفٍ حَلا «دون حاجز» أي: دون مانع من التأنيث لأنَّ الشفاعة مؤنثة، ومَنْ قرأ بالياء فلأنَّ تأنيث الشفاعة غير حقيقي، وكل ما تأنيثه غير حقيقي فإلى التذكير مآله، لأنَّ التذكير هو الأصل والتأنيث داخل عليه، وهاهنا لم يدخل التأنيث على تذكيرٍ فهي إذاً بمعنى التشَفُّع، لاسيما وقد وقع الفصل بين الفعل والفاعل وذلك مما يجوز معه تذكير المؤنث الحقيقي، فغير الحقيقي أولى،

стр. 604

وعلى الجملة فمثل هذا يجوز فيه التذكير والتأنيث كما قال: ﴿فَقَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١)، و ﴿جَاءَتْهُم البَيِّنَة﴾ (٢) ومثله في القرآن كثير. وقوله: «وعدنا جميعاً» يعني هنا وفي الأعراف وطه (٣)، وإنما قال: «حلا» لأنَّ جماعة من الحذَّاق اختاروا هذه القراءة لموافقة اللفظ المعني، لأنَّ المعنى: إنَّ الله تعالى وعَدَ موسى، فهو منفرِدٌ بالوعد، والمفاعلة انما تكون بين الآدميين إذا كانت من اثنين. ومَنْ قرأ ﴿واعَدْنَا﴾ بألفٍ جعله بمعنى وعدنا، لأنَّ المفاعلة قد تكون من واحد حيث يمكن أن تقع من اثنين، كقولهم: عاقبت زيداً أو جازيته. فحيث لايقع من اثنين أولى، وهو مثل قوله: ﴿فَحَاسَبْنَاهَا﴾ (٤). وقد قيل: إنَّ ترقُّبَ موسى للميقات ومراعاته المصيرَ إليه قام مقام المواعدة، فيكون من اثنين، واختار هذه القراءة: الطبري، وأبوطاهر، ومكيٌّ (٥)، وأشار شيخنا إلى الأولى واختارها أبو عبيد. ١٠ - وإِسْكَانُ بَارِئْكُمْ وَيَأْمُرُكُمْ لَهُ … ويَأْمُرُهُمْ أَيْضَاً وَتَأْمُرُهُمْ تَلا اعلمْ أنَّ مِنْ النحويين مَنْ أنكر الإسكان في هذه القراءة، واحتج بأنها حركة إعراب فلا يجوز إسكانها. قال سيبويه (٦): لم يكن أبو عمروٍ يُسَكِّن شيئاً من هذا، وإنما كان يختلس فيظن من سمعه أنه أسكن. وقد ثبت الإسكان عن أبي عمروٍ والاختلاس معاً، ووجه الإسكان: أنَّ

стр. 605

من العرب من يجتزئ بإحدى الحركتين عن الأخرى، وقد عَزا الفرَّاء ذلك إلى بني تميمٍ وأسد وبعض النجديين، وذكر أنهم يخففون مثل ﴿يامركم﴾ فيسكنون الراء لتوالي الحركات. ١١ - وَيَنْصُرُكُمْ أَيْضَاً وَيُشْعِرُكُمْ وَكَمْ … جَلِيلٍ عَنْ الدُّورِيِّ مُخْتَلِسَاً جَلا وأما مَنْ أخذ للدوري بالاختلاس، وهي رواية العراقيين عن أبي عمروٍ، وكم فيهم من جليل كابن مجاهدٍ وغيره، وإنما أشار إلى وجه هذه القراءة بالمدح لأنه تخفيف لاينقص من الوزن ولايغير الإعراب على أنَّ سيبويه ﵀ لم يُنْكِر الإسكان بالكلية بل أجازه في الإعراب كما في البناء، واستشهد عليه بقول امرئ القيس (١): فاليوم أَشربْ غيرَ مستحقبٍ … إثماً مِنْ الله ولا واغِلِ وعلى البناء بقول أبي نخيلة (٢): إذا اعوجَجْنَ قلت صاحِبْ قَوِّمِ … بالدوِّ أمثالَ السفينِ العُوَّمِ ولكنه قال: القياس غير ذلك، فإن كان الاستبعاد من أجل ذهاب حركة الإعراب فقد أجمعوا على ذلك في الإدغام للمتماثلين والمتقاربين. ومَنْ قرأ بالإشباع فهو الأصل. ١٢ - وَفِيهَا وَفِي الأَعْرَافِ نَغْفِرْ بِنُونِهِ … وَلا ضَمَّ وَاكْسِرْ فَاءَهُ حِينَ ظَلَّلا مَنْ قرأ ﴿نَغْفِر﴾ (٣) فلقوله ﴿وإذْ قُلْنَا﴾ كأنَّه قال: قلنا ادخلوا نغفر، وبعده ﴿وسَنَزِيدُ المحْسِنِين﴾ فقد شهد له ماقبله ومابعده، فأمكنت الإقامة في ظلِّه.

стр. 606

١٣ - وذكِّرِ هُنَا أَصْلاً وَلِلشَّامِ أَنَّثُوا … وَعَنْ نَافِعٍ مَعَهُ فِي الاعْرَافِ وُصِّلا قوله: «أصلاً» لأنَّ تأنيث الخطايا غير حقيقي فهو في الأصل راجع إلى معنى الخطأ، ومَنْ أنَّث اعتبر اللفظ لأنه مؤنثٌ، وعن نافع مع ابن عامرٍ في الأعراف وُصِّل التأنيث يعني نقل فُوصِّل إلينا. ١٤ - وَجَمْعَاً وَفَرْدَاً فِي النَّبِئِ وَفِي النُّبُوَّ … ءَةِ الهَمْزُ كُلٌّ غَيْرَ نَافِعٍ ابْدَلا قوله: «جمعاً وفرداً» منصوبٌ على الحال، والتقدير: مجموعاً ومفرداً، والناس/ في قراءة من قرأ النبي والنبوة [بغير] (١) همزٍ على مذهبين: منهم من يقول: أصله نبيءٌ بالهمز وإنما كثر استعماله فأوجب ذلك تخفيفه فأبدل من الهمزة حرْفُ مدٍّ من جنس ماقبلها وأدغم ماقبله فيه فقال: النبي والنبوة وهوالذي اختاره الشيخ ﵀ لأنَّ فيه جمعاً بين القراءتين في معنىً واحدٍ، ولأنهم قالوا في تصغيره: نبوَّة نُبَيِّئَة فرُدَّ إلى أصله في الهمز، ولأنَّ كل مهموزٍ من فعيل إنما يجمع في الاستعمال على فُعَلاء مثل: بريء، وبُرآء، وقد قال العباس بن مرداس (٢): ياخاتم النُّبآء إنك مرسلٌ … بالحق كلُّ هُدَى السَّبِيل هُدَاكا والقول الثاني: أنه من نبأ ينْبُو إذا ارتفع؛ فإن قيل: فجمعه على أنبياء يدل على أنه من ذوات الياء [لأنَّ ماكان من ذوات الياء] (٣) يجمع على أفعلاء كغني وأغنياء فقولهم: أنبياء دليل على ذلك، وقلتم: هو من النباوة التي هي الرفعة كأنَّ النبي نبأ عن منازل الخلق أي: ارتفع عنها، ولهذا يسمى المكان المرتفع نبياً ويقال: نَبَا يَنْبُو إذا ارتفع.

стр. 607

وقال الكسائي وقطرب: النبي الطريق والعَلَم، والنبي ﷺ علمٌ على الهدى وطريق إليه فأقول: إنما قالوا: نبياً للزوم البدل في نبي فجُمع جمع ما أصل لامه حرف العلة، ألا ترى أنَّ عيداً لما لزم فيه البدل جمع على أعياد، وكانَ أصلُه يقتضي أن يجمع أعواداً لأنه من عاد يعود كما قالوا: ريح وأرواح. فإن قيل: فقد روي أنَّ رجلاً قال: «يانبيء الله فقال/ ﷺ : لست بنبيء ولكني نبي الله» (١). فأقول: الحديث غير صحيح الإسناد وعلى تقدير قبوله؛ فأقول: إنما أنكر الهمز إن صح. والله أعلم لأنه موهم وذلك أنَّ أبا زيدٍ حكى نبات من أرض إلى أخرى فأنا أنبأ نَبْئاً ونبوءاً إذا خرجت منها فإذا قال: يانبيء الله [على هذا احتمل أن يريد ياطريد الله الذي أخرجه من بلدةٍ إلى غيرها] (٢)، ألاترى أنَّ المسلمين كانوا يقولون لرسول الله ﷺ : راعنا، فوجد اليهود بذلك طريقاً إلى نبيه ﷺ فصاروا يقولون: راعنا ويعنون بذلك الرعونة، وقيل: إنها في لغتهم سبٌّ فنَهَى الله المسلمين عنها فقال: ﴿يأيها الذين آمنوا لاتقولوا رَاعِنَا﴾ (٣)، فأمر النبي ﷺ بترك لفظ النبيء بالهمز، لأنه موهمٌ إلى البدل المستعمل الذي لايوهم، والنبي مأخوذ من أنبأ إذا أخبر.

стр. 608

١٥ - وَقَالُونُ فِي الأَحْزَابِ فِي لِلنَّبِيِّ … مَعْ بُيُوتِ النَّبِيِّ اليَاءَ شَدَّدَ مُبْدِلا إنما أبدل قالون هاهنا لأنه يلزم على أصله في اجتماع همزتين مكسورتين أن يجعل الهمزة في النبي وبيوت النبي بين الهمزة والياء الساكنة وقبلها يافُعيل والمسهَّلَة كالياء الساكنة، ففي ذلك ما يشبه اجتماع الساكنين فقلب الهمزة ياءً وأدغم كما قدمته أولاً فراراً من اجتماع الساكنين. ١٦ - وَفِي الصَّابِئِنَ الهمْزُ وَالصَّابِؤنَ خُذْ .... وَهُزْؤَاً وَكُفْؤَاً فِي السَّوَاكِنِ فُصِّلا الهمز بالرفع على الابتداء، وبالنصب على أنه مفعول، وأشار بقوله: «خذ» إلى أنَّ الهمز تُختار القراءة به لأنه الأصل يقال: صَبَأ يَصْبَأ إذ خرج من دينٍ إلى آخر، ومنه صبأ ناب الصغير، وصبأت النجوم صُبُوءاً: طلعت، وصبأ عليهم يصبأ صَبْئَأً وصُبُوءاً إذا طلع لأنه ترك أرضه إلى غيرها، لأنهم خرجوا من اليهودية إلى المجوسية لأنهم صلُّوا إلى قبلتهم، وقرؤوا كتبهم، وعبدوا مع ذلك الملائكة. وقيل: عبدوا الكواكب فقد صبؤوا إلى غير ذلك الدين، ومَنْ قرأ الصابون أبدل من الهمزة ياءً مضمومة في الرفع، أو واواً مضمومة ثم نقل الحركة لثقلها إلى ماقبلها ولتصح الواو ثم حذف لالتقاء الساكنين، وفي حالة النصب أبدل من الهمزة ياءً مكسورة فاجتمع ياءان مكسورة وساكنة فثقل ذلك. فإما أن يقول: إنه نقل حركة الياء إلى الباء بعد أن أمال حركتها كما أزيلت لما نقلت إليها الضمة، أو يقول: حذف الكسرة ولم ينقل لأنه إنما نقل الضمة لتصِحَّ واو الجمع، فاجتمع ياءان ساكنان فحذف لالتقاء الساكنين.

стр. 609

واعلمْ أنَّ سيبويه (١) لا يجيز إبدال الهمزة المتحركة إلا المفتوحة المضموم ما قبلها أوالمكسور على ما سبق وأجاز إبدالها في الشعر خاصة، وقد أجاز إبدالها الأخفش، وأبو زيدٍ وغيرهما في غير الشعر، وهي لغة للعرب فاشية يقولون في سأل: سَال، وهو في الشعر كثيرٌ كقول الفرزدق (٢): ...................... … لا هَنَاكِ المرْتَعُ وقول حسان (٣): سالتْ هُذيلٌ رسول الله فاحشةً … ضلَّت هُذَيلٌ بما سالت ولم تُصب وقوله: «هزوا كفواً في السواكن فصلا» أي: ذكر في السواكن/ مفصلين لأنَّ الأصل الضمُّ وإنما أُسكن هذا تخفيفاً، وكذلك ما أشبهه وعيسى بن عمر ثم يروي فيما حكى الأخفش عنه أنَّ كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم فيه لغتان التخفيف والتثقيل، وهذا غير الأول وعلى هذا لا يكون أحدهما أصلاً للأخرى، ومثله الحُلُم، والحُلُم و ﴿هُزْوا﴾ (٤)، و ﴿كفوا﴾ مكتوبان بواوٍ على لغة من حرَّك، أوعلى الأصل، فمن خفف فإما أن يكون أسكن للتخفيف، أو على لغة التخفيف.

стр. 610

١٧ - وَضُمَّ لِبَاقِيهمْ وَحَمْزَةُ وَقْفُهُ … بِوَاو وَحَفْصٌ وَاقِفَاً ثُمَّ مُوصِلا ومَنْ ضمَّ فلأنه الأصل أو أحد اللغتين، ووقف حمزة بواوٍ اتِّبَاعاً للرسم وقد اجتمع في قراءته اللغتان، وفي قراءة حفص قلب الهمزة واواً لانضمام ما قبلها وفيها موافقة الرسم. ١٨ - وَبِالغَيْبِ عَمَّا تَعْمَلُونَ هُنَا دَنَا … وغَيْبُكَ فِي الثَّانِي إِلَى صَفْوِهِ دَلا دنا أي: قرُب يريد ﴿يعملون﴾ (١) الذي دنا مما فرغنا منه وهو ﴿هزوا﴾، و ﴿كفوا﴾، ووجه هذه القراءة أنَّ الذي بعدها على الغيبة في قوله: ﴿أن يؤمنوا﴾ (٢) إلى آخر الكلام فيكون مردوداً عليها وهو خطابٌ للمؤمنين كأنه لما فرغ من حديثهم قال: ﴿ومَاالله غَافِلٌ عَمَّا تَعَملَون﴾، ﴿أَفَتَطْمَعُون أَنْ يُؤْمِنُوا﴾. ووجه الخطاب إجراءُ الكلام على ماقبله، والغيب في الثاني وهو الذي بعده ﴿أولئك الذين اشتروا﴾ (٣) «إلى صفوه دلا» أي: أرسل دلوه يقال: دلوت الدلو وأدليتها بمعنى، وفي دلا ضميرٌ مرفوع يعود على القارئ، وجعل هذه القراءة كماءٍ/ صافٍ أرسلت إليه دلواً من أجل ظهور معناه لأنَّ قبله ﴿يُردُّون﴾ (٤)، وبعده ﴿أولئك الذِّين اشْتَرَوا﴾ إلى قوله: ﴿عَنْهم ولا هم يُنْصَرُون﴾ (٥).

стр. 611

ومَنْ قرأ بالخطاب حَمَله على قوله قبله ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ مِنْكُم﴾ (١) وما قبله من لفظ الخطاب، وروي عن عبد الله بن مسعود ﵁، وأصحاب حمزة إذا قال ﴿وما الله تَعْمَلُون﴾ (٢) بالتاء، وإذا جاء وما ربك فهو بالياء، وليس هذا معتمد الفرق، وقول عبد الله محمولٌ على أنه وقع في قراءته كذلك، وإنما الفارق بينهما مع اتِّباع الأثر ما قبل الكلام من الغيبة والخطاب. ١٩ - خَطِيئَتُهُ التَّوْحِيدُ عَنْ غَيْرِ نَافِعٍ … وَلا يَعْبُدُونَ الغَيْبُ شَايَعَ دُخْلَلا قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سيئةً وأحَطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ (٣) جواب لليهود حين ﴿قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّاماً مَعْدُودَة﴾ (٤) أربعين يوماً عدد الأيام التي عُبِدَ فيها العجل أو سبعة أيام على قول، فقال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سيئةً﴾ أي: كفر كما كفرتم، وأحاطت به خطيئته أي: سيئته إلا أنه خولف بين اللفظين. وقيل: السيئة الشِّرْك، والخطيئة الكبيرة، وقيل: بعكس ذلك فإذا فهم هذا فمن قرأ بالتوحيد فإما أن يريد بالخطيئة السيئة المتقدمة، أو لأنها وإن انفردت فهي للجمع كما قال تعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله﴾ (٥) وفيها تشاكل اللفظين، ومَنْ قرأ بالجمع فعلى قولنا: السيئة والخطيئة الكفر، فمعنى

стр. 612

الجمع على هذا أنَّ الكافر في كل لحظة معترفٌ/ بكفره خطيئةً لاستمراره على المخالفة، ولأنه بكفره مرتكبُ المناهي [تارك للأوامر، وهذه خطايا محيطة بكل كافر. ومعنى الإحاطة أنَّ الكفر احتوى عليه كما يحتوي الحائط على ما تحوزه قال الله تعالى ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُها﴾ (١)، وعلى قولنا الخطيئة الكفر، والخطيئة الكبيرة فمعناه وأحاطت به كبائره التي كان يرتكبها بكفره حتى مات عليها، وعلى قولنا السيئة الكبيرة] (٢). والخطيئات الكفر فلأنه في كل زمان يكتسب خطيئة بالكفر فقد صاركفره في كل هفوةٍ خطيئةً قائمةً برأسها وأحاطت به من ذلك خطيئات كثيرة كما سبق. «ولا يعبدون الغيب شائع دخللا» أي: تابع، والأشياع الأتباع، والدخلل هو الدخيل الذي يداخلك في أمورك، ودخللا منصوبٌ على الحال من الغيب، أو مفعول أي: تابع ما قبله وهو قوله تعالى: ﴿وإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقُ بَنِي إِسْرَاءيل﴾ (٣) أي: تابع دخيلاً ليس بأجنبي، وارتفع يعبدون على حذف أن، وكان أصله ألا يعبدوا، وعلى ذلك قول طرفة (٤): ألا أيهذا اللائمي أحضرُ الوغى … وأن أحضُرِ اللذَّاتِ هَلْ أنت مُخْلِدِي

стр. 613

ومَن قرأ بالتاء فعلى حكاية حال الخطاب في وقته، وكذلك تقول: قلت لفلان: لا تضرب الرجل ولايضرب الرجل؛ قال أبو عمرو بن العلاء ﵀ محتجاً لهذه القراءة: ألا تراه يقول: ﴿وقُولُوا للنَّاسِ حُسْنَاً﴾ (١) فقد دلت المخاطبة على التاء، وأجاز ناظم القصيد ﵀ الغيب بالرفع والنصب، فالرفع على الابتداء ومابعده الخبر، والنصب/ على أنه مفعول، والضمير في شائع العائد على يعبدون فاعل لأنه شايع الغيب قبله أي: تابعه. ٢٠ - وقُلْ حُسْنَاً شُكْرُاً وَحُسْناً بِضَمِّهِ … وَساكِنِهِ البَاقُونَ وَاَحْسِنْ مُقْوِّلا «شكراً» مفعول له أي: قُلْ حسناً لأجل شكر الله، وأحسن مقولا أي: ناقلاً لأنَّ ناقل الصحيح العارف بالنقل قد حَسُن في نقله، والقراءتان ترجعان إلى معنىً واحد إن جعلت الحسْن لغةً في الحسن كالرُّشْد والرُّشد، والبُخْل والبَخَل. أي: قولوا للناس قولاً حسناً كما [تقول]: حلواً ومراً؛ وحسناً أيضاً مصدر كالكفر والشكر فالتقدير على هذا: وقولوا للناس قولاً ذا حُسْنٍ، وحُسْنَاً بالإسكان قراءة أُبَيٍّ، وبالتحريك قراءة ابنِ مسعود ﵄. قال أبو العباس ثعلب: قال بعض أصحابنا: اخترنا حَسَنَاً لأنه يريد قولاً حَسَنَاً، ومَن قرأ حُسْناً فهو مصدر حَسُنَ يَحْسُنُ حُسْنَاً. وقال بعضهم: الحَسَنُ بالتحريك شيءٌ من الحُسْنِ فأختار الحُسْنَ لأنه أَخَصُّ قال: ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بوَالدِيه

стр. 614

حُسْنَاً﴾ (١) أي: بجميع معاني الحُسْن من القول والفعل، وهاهنا أمرهم باستعمال الحَسَنِ من القول دون غيره من معاني الحُسْن التي تكون بغير القول ولا يُلْتَزم قولُ مَنْ ليست التفرقة إليه. وقد أشار بقوله: «واحسُن مِقولا» إلى هذا القول أي: لا تقل بهذا القول وقل بالذي تقدَّم من تصويب القراءتين والتسوية بينهما في المعنى. ٢١ - وتَظَّاهَرُونَ الظَّاءُ خُفِّفَ ثَابِتَاً … وَعَنْهُمْ لَدَى التَّحْرِيمِ أَيْضَاً تَحَلَّلا الأصل تتظاهرون فمن شدَّد أدغم التاء في الظاء لقرب المخرج، ومن خفف حذف إحدى التاءين لاجتماعهما. قال سيبويه (٢): المحذوفة الثانية لأنَّ الأولى تدل على المضارعة فلو حذفت لذهبت دلالتها، وقال الكوفيون: الأولى هي المحذوفة لأنها زائدة. و «ثابتاً» نصوب على الحال إن خفف الظاء في حال ثبوته لأنَّ التخفيف قد يكون بالحذف، أو خفف تخفيفاً ثابتاً، وتحللا من الحلول وتحلل مع لفظ التحريم حسنٌ. ٢٢ - وَحَمْزَةُ أَسْرَى فِي أُسَارَى وَضَمُّهُم … تُفَادُوهُمُ والمَدُّ إِذْ رَاقَ نُفِّلا «أسرى» جمع أسير لأنه فعيل بمعنى مفعول، وما كان كذلك فجمعه فَعْلَى كقتيل وقتلى، وجريح وجرحى. وأما أسارى فقيل: هو جمع أسير أيضاً كما قالوا: شيخ قديم وشيوخ قُدَامى، وقيل: هو جمع أسْرَى، وكان الأصل أسارى فضمت الألف كما قالوا: كُسَالى وكَسَالى، وسُكَارى وسَكَارى.

стр. 615

ورُوي عن أبي عمرو بن العلاء ﵀ أنه قال: الأسرى ما كان في أيديهم عند الأخذ فإذا بَرَد ذلك فهم الأُسارى، والذي حكاه أبو عبيد عنه أنه قال: ما كان في أيديهم فهم أسارى وما جاء مستأمناً سراً فهم الأسرى. وأنكر أبو عبيد الفرق بينهما وقال: في الكل أسرى لأنه جمع أسير؛ والوجه في أسارى والله أعلم أنهم شبهوا الأسير بالكسلان من حيث جَمَعَهُمَا المعنى وهوعدم النشاط والقعود عن التصرف فجمعوه جمعه فقالوا: أُسارى كما قالوا: كسالى، وقالوا أيضاً: جمع كسلان كسلى لهذا المعنى، والدليل على اعتبار هذا المعنى أنهم قالوا في/ مريض: مَرْضَى، وقالوا: مَوْتَى، وهَلْكَى وليس ذلك بمعنى مفعول لكن لما كانت هذه بلا ياءٍ أشبه ذلك في المعنى باب جريح، وقتيل فجمع جمعه. وأما تفادوهم فقيل: هو بمعنى تفدوهم، وقيل: هو من باب المفاعلة لأنَّ الأسير يعطي المال والأسر يُعطي الإطلاق فقد صار في معنى فاعل الذي بابه أن يكون من اثنين، وفرق بينهما قوم فقالوا: فداه إذا أعطي الفداء، وفاداه إذا أعطي فيه أسيراً مثلُه يقولون كان فلان أسيراً ففاديته بأسيرٍ، ومنه قول الشاعر (١): ولكني فاديتُ أميَ بعدما … علا الرأسَ منها كِبْرة ومشيبُ بعبدين مَرْضيين لم يك فيهما … عُرضاً للناظرين معيبُ وقال بعضهم: معنى تفادوهم تماكسون أسرائهم بالثمن ويماكسونكم، ومعنى تفدوهم تشترونهم وقد تكون فديته خلصته مما كان فيه وتكون بمعنى

стр. 616

التعويض عنه، قال الله تعالى: ﴿وفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظيمٍ﴾ (١)، ومعنى قوله: «نفلا»: أي: أعطى نفلاً وهوالغنم، يقول: «وضم تفادوهم» مع مده إذ راق أي: أعجب يعني هذا اللفظ، نُفِّل أي: أعطي الغنم يثني على القراءة به ويستحسنه لظهور معناه لأنَّ باب فاعلت يكون من اثنين في الغالب مثل خاصمت وقاتلت، ولأنَّ بعض الناس أبى هذه القراءة واختار تفدوهم، وقال: المعنى يدل على أنهم تَفْدونهم على كل حال بمالٍ أو برجالٍ، ولاوجه لهذا الترجيح، وقد ثبتت القراءة مع أنَّ تفادوهم أيضاً يصح أن يكون في معنى تفدوهم كما سبق. ٢٣ - وَحَيْثُ أَتَاكَ القُدْسِ إِسْكَانُ دَالِهِ … دَوَاءٌ وَلِلبَاقِينَ بِالضَّمِّ أُرْسِلا أهل الحجاز يثقلون القدس، وبنو تميم يخففون، وأشار بقوله: «إسكان داله» إلى أنَّ الأصل الضم ولكنه أسكن تخفيفاً، فالإسكان دواء يثقل كما قالوا: رُسْل وكتْب فخففوا لاجتماع ضمتين، وقيل: هما لغتان. ٢٤ - وَيُنْزِلُ خَفِّفْهُ وَتُنْزِلُ مِثْلُهُ … ونُنْزِلُ حَقٌّ وَهُوَ فِي الحِجْرِ ثُقِّلا نزَّل وأَنْزَلَ قد يكونان بمعنىً واحدٍ وهو التعدية نحو نزَّلتُ القومَ منازلهم، وكذلك أنزلتهم، وأخبرتك بكذا وخبَّرْتُك، وقد يكون نزَّل للتكرير والتكثير [ولذلك أجمعوا على تشديد ﴿ومَانُنَزِّلُه إِلا بقَدَرٍ مَعْلُوم﴾ (٢) في الحجر لظهور معنى التكرير والتكثير فيه] (٣).

стр. 617

وإنما قال: «حق» لأنَّ أنزل في القرآن أكثر من نزَّل، وبذلك احتجَّ أبو عمرو ابن العلاء، فهذه القراءة محمولة على الأكثر المجتمع عليه نحو: ﴿الذِّي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَاب﴾ (١)، ﴿وأنْزَلْنا مِنْ السَّماء﴾ (٢)، ﴿وبالحقِّ أَنْزَلْنَه﴾ (٣)، و ﴿بما أنزل إليك وماأنزل من قبلك﴾ (٤). ٢٥ - وَخُفَّفَ لِلبَصْرِي بِسُبْحَانَ وَالذِّي .... فِي الأَنْعَامِ لِلمَكِّيِ عَلَى أَنْ يُنَزِّلا سبحان وكان من أصله أن/ يخفف ليجمع بين اللغتين؛ ولأنَّ ﴿ولو نَزَّلَنَا عَلَيك كِتَباً في قِرْطَاس﴾ (٥) مشدَّد وهو جواب ﴿حَتَّى تُنَزِلَ عَلَينا كِتاَبَاً نَقْرَؤه﴾ (٦)، ولأنَّ ﴿ونُنَزِّلُ مِنْ القُرْءانِ﴾ (٧) قراءةٌ دالةٌ على الحالة التي نزل عليها من التكرير والتنجيم شيئاً بعد شيءٍ، وإنما ثَقَّل أبو عمرو ﴿قُلْ إنَّ الله قَادرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيةً﴾ (٨) لأنه جاء في جواب وقالوا: لولا نزل عليه، فقرأه على لفظه هذا مع ثبوت جميع ذلك نقلاً، وليس للأئمة فيه الاختيار.

стр. 618

٢٦ - وَمُنْزِلُهَا التَّخْفِيفُ حَقٌّ شِفَاؤُهُ … وَخُفِّفَ عَنْهُمْ يُنَزِلُ الغَيْثَ مُسْجَلا قوله: «حق شفاؤه» ثناءٌ على قراءة التخفيف لأنَّ قبله ﴿رَبَّنا أَنْزِل﴾ (١) فأما ﴿ويُنَزِّل الغَيْث﴾ (٢) في لقمان وقوله: في الشورى ﴿يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ (٣) فإنَّ حمزة والكسائي خالفا أصلهما في تخفيفه، وجرى فيه ابن كثير، وأبو عمرو على أصلهما، وإنما خفَّفه حمزة والكسائي لقوله: ﴿وأَنْزَلَ مِنْ السِّمَاء مَاء﴾ (٤) فلما جاء أنزل في المطر كان المستقبل فيه مثله. ٢٧ - وَجِبْرِيلَ فَتْحُ الجِيمِ وَالرَّا وَبَعْدَهَا … وَعَى هَمْزَةً مَكْسُورَةً صُحْبَةٌ وِلا جبريل اسمٌ أعجمي، وللعرب في الأعجمية مذهبان منها ما تتكلم به مردوداً إلى أبنية العربية، ومنها ما تكلمت به على غير البناء العربي. اعلمْ أنه في الأصل ليس من العربية ولا له اشتقاق في كلامها، وقد تكلمت العرب بهذا الاسم على أوجه فقالوا: جبرئيل وجَبْرَئل بحذف الياء، وجبريل بحذف الهمزة، وجِبريل بكسر الجيم، وهذه اللغات هي التي قرأ بها الأئمة السبعة، وجاء فيه جَبْرَال، وجِبْرال، وجبرائييل،/ وجبرءِلّ بكسر الهمزة وتشديد اللام، وجِبْرَاييل بياءين بعد الألف، وجَبْرِين وجِبْرِين (٥).

стр. 619

وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ في ذكر صاحب الصور: «جبرئيل عن يمينه» (١)، فهذه حجة لقراءة حمزة والكسائي. وقال كعب بن مالك (٢): نصرنا فما تلقى لنا من كَتيبةٍ … يدَ الدهر إلا جبرئيل إمامُها وقال آخر (٣): عَبَدُوا الصليب وكذَّبوا بمحمد … وبجبرئيل وكذبوا ميكالا فجبرئيل فعلئيل كقَفْشَلِيل، وسَلْسَبِيل، وغَلْفَقيق، وعَنْشَلِيل [و «وِلا» بالكسر وقد سبق تفسيره] ثم قال: ٢٨ - بِحَيْثُ أَتَى وَاليَاءَ يَحْذِفُ شُعْبَةٌ … وَمَكِّيُّهمْ فِي الجِيمِ بِالْفَتْحِ وُكِّلا يقول: هكذا أقوى إنما وقع يريد هاهنا وفي التحريم، وحذف الياء أبو بكر عن عاصم وهي لغة فيه ثابتة صحيحة، وكذلك قراءة ابن كثير بفتح الجيم وبالياء من غير همز. وقد اعترض ذلك قومٌ، وقالوا: ليس في الكلام فعليل، وقد ذكرت أنَّ الأعجمي قد تتكلم به العرب على وجه لا نظير له في لغتها كما قالوا: آجُرٌّ، وإبَريْسم فلا وجه للاعتراض. ورُوي عن ابن كثير أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام وهو يقرأ جَبْرِيل وميكائيل قال: فلا أقرؤها أنا إلا هكذا.

стр. 620

ومَنْ قرأ جِبْريل فهو فِعْلِيل ومثاله: قِنْدِيل، [ومِنْدِيل] (١). وقال ورقة بن نوفل (٢): إن يكُ حقاً ياخديجة فاعلمي … حديثك إيانا فأحمد مُرْسَلُ وجبريل يأتيه وميكال معهما … من الله وحيٌ يَشْرَحُ الصدرَ مُنْزَل وقال عمران بن حطان (٣): والرُّوحُ جبريلُ فيهم لاكِفاءَ له … وكان جبريل عند الله مأمونا وقال حسان بن ثابت (٤): وجبريلٌ رسولُ الله فينا … وروح القدس ليس له كفاء ٢٩ - وَدَعْ يَاءَ مِيكَائِيلَ وَالهَمْزَ قَبْلَهُ … عَلَى حُجْةٍ وَاليَاءُ يُحْذَفُ أَجْمَلا ميكائل كجبريل اسمٌ أعجمي تكلمت به العرب على وجوه، فمن قرأ ميكال أتى به على البناء العربي لأنه كحِمْلاق، وقِنْطَار، وشِنْعَاف، وهي لغة أهل الحجاز حذفوا همزته ليدخل في أبنية كلام العرب وليشبهوه بها، قال القرشي يمدح النبي (الشاعر (٥): ويوم بدر لَقِيناكم لنا مَدَدٌ … فيه مع النصر جِبْرِيل وميكال فهذا معنى قوله: «على حجة»، وحجة نافع في ميكئل أنها لغة للعرب وقراءة ثابتة قرأ بها على أئمته، وأيد ذلك أنها في الرسم ميكيل بعد

стр. 621

الكاف ياءٌ ولام، ورأى الألف تحذف من مثل هذا نحو: إبراهيم، وإسماعيل، وكذلك الألف من ميكيل التي بعد الكاف حذفت. قال أبو عبيد: رأيتها في الذي يقال له الإمام مصحف عثمان بن عفان ﵁ ميكئيل، فإثبات الياء صورة الهمزة، وأتى بالألف باللفظ وإن سقطت في الخط كما يؤتى بها في إبراهيم، وإسماعيل ولم يمد بعد الهمزة لذلك، ومَنْ قرأ ميكايل فحجته الحديث السابق. قال أبو عبيد:/ هكذا هما في الحديث ممدودان مهموزان يعني جبريل وميكائيل وعن ابن عباس [إنما هو جبريل وميكائيل كقولك: عبدالله وعبدالرحمن لأنَّ (جبر) هو العبد و (إيل)] (١) هو الربوبية، وكذلك مِيكَا، وجاء في هذا الاسم أيضاً ميكئيل، وميكيئيل. وقوله: «أجملا» منصوبٌ على الحال. ٣٠ - وَلَكِنْ خَفِيفٌ وَالشَّيَاطِينُ رَفْعُهُ … كَمَاشَرَطُوا وَالعَكْسُ نَحْو سَمَا العُلا يعني كما شرط أهل العربية إنك إذا خففت ﴿لَكِنَّ﴾ (٢) أبطلت عملها ورفعت مابعدها، وهي كإنَّ في التشديد والتخفيف ويفترقان في أنَّ (إنَّ) تعمل مع التخفيف دون لكن، والأصل أن لاعمل مع التخفيف لأنَّ أيضاً لأنَّ اللفظ الذي به شابهت الفعل قد زال، وكذلك دخلت على الأفعال في حال التخفيف، ودخولها دليلٌ على إبطال العمل لأنَّ العامل لايدخل على العامل.

стр. 622

وقد زعم الفرَّاء وغيره أنَّ تشديد (لكن) مع الواو أوجهُ من تخفيفها وأفصح، وإلى ذلك أشار بقوله: «والعكس نحو سما العلا» أي: نحو رفيعٌ طال العُلا، ومعنى قول الفرَّاء هذا أنها إذا كان معها الواو فخففتها جمعت بين حرفي نسق لأنها إذا خُففت حرف نسق فالتشديد مع الواو أولى. قال الفراء: وهي مع التخفيف مشبهةٌ لـ (بل) فيكون مابعدها كما بعد بل فإذا جاؤوا بالواو خرجت عن شبه بل من حيث إنَّ الواو لاتدخل عليها فآثروا التشديد والنصب. ٣١ - وَنَنْسَخْ بِهِ ضَمٌّ وَكَسْرٌ كَفَا وَنُنْـ … سِهَا مِثْلُهُ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ ذَكَتْ إِلى النسخ يكون على ثلاثة معانٍ: إذهاب الشيء وإقامة آخر مقامه، ومنه قول العرب: نسخت الشمسُ الظل، فالظل قد ذهب ونور الشمس قد حلَّ/ موضعه. والنقل ومنه قولهم: نسخت الكتاب. والإبطال لا إلى بدل ومنه نسخت الريح الأثر. وقد اختلفوا في تأويل قراءة ابن عامر، فقال أحمد بن يحيى، وأبو عبيد وغيرهما: معنى ماننسخ أي: ماننسخك من آيةٍ فيكون من نسخت الكتاب، وأنسخته غيري، واعترض أبو علي هذا وتابعه أبو محمد، ومعنى مااعترض به أن يؤدي إلى أنَّ كلَّ آية نزلت أتى بآية خيرٍ منها لأنَّ الإنساخ إنزال في المعنى. والجواب عنه: أن يُقال إنما المعنى ماننسخك يامحمد من آيةٍ أوننسها أي: نتركها نأت بخيرٍ كائن أو صادر منها أن أنسخناك إياها، أو بمثلها في الخير إن تركنا إنساخك إياها في ذلك الوقت.

стр. 623

وقيل معنى ماننسخ من آية أي: ماننسخك من آيةٍ أي: نجعلك ذا نسخٍ لها أي: كتابة يقال: أنسخته أي: جعلته ذا نسخٍ كما يقال: أقبرته أي جعلته ذا قبرٍ قال الله تعالى ﴿ثُم أمَاتَه فَأقْبَرَه﴾ (١) وهو في معنى الأول، وقد سبق الاعتراض عليه والجواب عنه. واختار أبو علي (٢) ومن تابعه ماننسخ أي: مانجد منسوخاً كما يقال: أحمدته إذا وجدته حميداً، وأكرمته وأنجلته، قال: إنما يجدها سبحانه كذلك لنسخه تعالى لها فيتحد المعنى على هذا في قراءة الضم والفتح، ويكون من نسخت الريح الأثر، والهاء في به تعود إلى اللفظ ونفسها مثله بين غير همز يقال: نسيت الشيء تركته وأنسيته أيضاً، وقيل: أنسيته أي: أمرت بتركه وأنشد ابن الأعرابي (٣): إنَّ عَليَّ عُقْبةً أقضيها … لست بناسيها ولا مُنسيها أي: لست بتاركها ولا آمراً بتركها. ومعنى «ذكت إلى» أي: ذكت [هذه القراءة نعمة، فإلى منصوب على التمييز وهو واحد الآلاء وهي النعم] (٤)، وقراءة الهمز وفتح النون بمعنى التأخير والنسأ التأخير يقال: نسأ الله أجلك أي: أخَّر، ومعنى ذلك تأخير إنزالها إلى وقتٍ هو أولى بها وأصلح لهم، فيكون بمعنى الترك في القراءة الأولى على ما سبق، وقد طال خَبْطُ الناس في هذا وتشعب القول حتى قالوا: ننسها من النسيان المضاد للذِّكْر واستدلوا بما لا يستقيم وأنكروا أُنسِيَ بمعنى ترك، وقد ذكرت الاحتجاج، وأوضحت المنهاج والله المستعان.

стр. 624

٣٢ - عَلِيمٌ وَقَالُوا الوَاو الاُولَى سُقُوطُهَا … وكُنْ فَيَكُونُ النَّصْبُ فِي الرَّفْعِ كُفَّلا إنما قال: عليم ليزول اللبس لأنَّ ﴿وقالوا﴾ قد جاء بعد قوله: ﴿إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُون بَصِيرٌ﴾ (١)، ﴿وقَالُوا لَنْ يَدْخُل الجنَّة﴾ (٢)؛ فلو قال: وقالوا ولم يقيده بما قبل لالتبس بهذا فاحتاج إلى تقييده بما قبله وهو قوله: ﴿إنَّ الله واسعٌ عَلِيم﴾ (٣). حجة ابن عامر أنه بغير واوٍ في مصحف الشام، والمعنى واحد في إثباتها وحذفها لأنَّ الواو تعطف جملة على جملة ويُستغى عنها إذا التبست الجملة الثانية بالأولى وإن أتى بها فحَسَنٌ، وتحتمل قراءة ابن عامر الاستئناف. وقوله: «وكن فيكون النصب في الرفع كُفلا» أي: حُمِل النصب في موضع الرفع يشير بذلك إلى طعن من طعن في قراءة النصب، ويعتذر لهذه القراءة [بأنها] (٤) مجملة لِلَّفظ لأنه لما جاء اللفظ على صورة الأمر أُجري النصب مُجْرى جواب الأمر وإن لم يكن [جواباً] (٥) في الحقيقة، [وكذلك قيل في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِباد/ الَّذِين ءامَنُوا يُقِيمُوا الصَّلوة﴾ (٦) إنه جزمٌ على الجواب على اللفظ وإن لم يكن جواباً في الحقيقة] (٧).

стр. 625

واعلمْ أنَّ جماعةً من النحاة والقرَّاء قد طعنوا في هذه القراءة وضعَّفُوها وغلَّظوا في ذلك وقالوا: هذا وإن كان على لفظ الأمر فليس بأمرٍ في الحقيقة كأنَّ التقدير يكون فيكون، وإذا لم يكن أمراً لم يجز أن ينصب الفعل بعد الفاء على الجواب، كما لم يجز ذلك في الإيجاب في نحو «آتيك فأحدثك» إلا في الشعر في نحو (١): ................... … ويأوي إليها المستجير فيعصما قالوا: ومما يدل على امتناع النصب أنَّ الجواب بالفاء نظير الجزاء لأنَّ اذهب فأعطيك نظير إنْ تذهب أعطيتك، ولو جاز اذهب فتذهب لجاز إنْ تذهب ذهبتُ، ولا فائدة في هذا وإنما الفائدة إذا اختلف الفاعلان وضعَّفوا ذلك جداً؛ هذا تلخيص ما ذكره صاحب الحجة ومن تابعه عليه كمكيٍّ وغيره (٢). واعلمْ أنَّ هذه القراءة ثابتةٌ عن إمام من أئمة المسلمين وما اتَّبَع فيها إلا الأثر، ودليل ذلك أنه قرأ ﴿ثُمَّ قَالَ لَه كُنْ فَيَكُون﴾ (٣) بالرفع في آل عمران، ﴿ويومَ يقولُ كُنْ فَيَكُون﴾ (٤) في الأنعام؛ فهذا التغليط لا وجه له مع أنَّ ما أنكروه من كونه أمراً من قبل أنه لا بدَّ من مأمورٍ، والمأمور هنا إن كان موجوداً فلا معنى لأمره وإن كان معدوماً فلا يؤمر. قد أجيبوا عنه بأنه

стр. 626

مخصوص في موجود نحو قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِيئن﴾ (١)، وقد حمل على إحياء أموات، وإماتة أحياء. وإن حمل على العموم فهو تغليبٌ للموجودات على المعدومات للاشتراك الذي بينها كما غُلِب من يعقل، و يكون الأمر في حالة الايجاد غير متقدم/ عليها، وأيضاً فالعرب تشير إلى المتوقع كالإشارة إلى الواقع تقريباً لأمره. وأيضاً فإنَّ المعدوم معلومٌ لله عزوجل موجودٌ في عِلْمِه، وإن لم يكن موجوداً عندنا وقد خاطبوا مالايعقل خطاب مَنْ يعقل؛ فالمعدوم إذا كان معلوم الوجود أولى، ثم على تسليم أنه خبرٌ لاأمر فالنصب في الواجب قد جاء عن العرب، وأنشد سيبويه (٢): ثُمَّت لاتجزونني عند ذاكم … ولكن سَيَجزيني المليك فيُعْقِبَا وأنشد (٣): سأترك منزلي لبني تميم … وألحق بالحجاز فأستريحا وأنشد لطرفة (٤): لنا هضْبة لاينزل الذُّلُ وسطها … ويأوي إليها المستجيُر فيُعْصَمَا واعلمْ أنَّ هذا كلام غير شافٍ في الجواب لأنَّ الخصم يتنزل على ذلك ويقول لايوجد مثل هذا في هذه القراءة من أجل اتفاق الفعلين، فالمأمور يكن هو المضمر في فيكون وأنا أقول.

стр. 627

أما قولههم: إنَّ هذا ليس بأمرٍ على الحقيقة فغير صحيح والقائل بذلك معتزليٌّ أو تابع للمعتزلة غير عالم بغرضهم، وذلك أنا استدللنا في مسألة القرآن على أنه قديم لقوله تعالى: ﴿فإنما يقُولُ له كُنْ فَيَكُون﴾ وقلنا: لو كان القول مخلوقا لافتقر إلى قولٍ آخر إلى مالا يتناهى فيؤدِّي إلى القول بأقوال غير متناهية وذلك محال، أو إلى القول بقول مخلوقٍ لم يقل له كن وذلك باطل لأنه خلاف القرآن، أو إلى القول بأنَّ له قولاً قديماً فلما ألزمناهم ذلك، قالوا هذا القول على جهة المجاز والتوسُّع كما قال الشاعر (١): امتلأ الحوض وقال قَطْني … مهلاً رويداً قد ملأت بطني وقال آخر (٢): قد قالت الأنساعُ للبطن الحقي … ........................ وقال الشاعر أيضاً (٣): وقالت له العينان سمعاً وطاعةً … واحذرنا كالدر لما يُنَظَّمِ وأجبنا عن ذلك بأنْ قلنا: إنَّ الشاعر أضاف القول فيما ذكر إلى مالا يصح منه القول فعلم أنه على جهة المجاز والتوسع والله قائل فوجب حَمْلُه على الحقيقة دون المجاز. فإن قالوا: الدليل على أنه محمولٌ على المجاز أنه ليس هناك مقول له كن.

стр. 628

قلنا: بل هناك مخاطب وذلك أنَّ الله سبحانه إذا ألف أجزاء المخلوقين مثلاً قال لتلك الأجزاء هذا القول، فكانت بشراً أو حيواناً، أو شجرة أو غير ذلك وهذا واضح. فإن قيل: فكيف نقدِّره تقدير الجزاء؟ فالجواب: أنَّ الخلاف وقع في ستة مواضع هنا، ﴿وإِذا قَضَى أَمْرَاً فَإِنما يَقُولُ لَه كُنْ فَيَكُون﴾ (١)، وفي آل عمران ﴿كَذِلِك الله يَخْلُق مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أمْرَاً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ (٢)، وفي النحل ﴿إنما قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ (٣)، وفي مريم سبحانه: ﴿إِذا قَضَى أَمْرَاً فَإِنما يَقُولُ لَه كُنْ فَيَكُون﴾ (٤)، وفي يس ﴿إِنَّما أَمرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أنْ يَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُون﴾ (٥)، وفي الطَّوْل ﴿فَإذا قَضَى أَمْرَاً فَإِنما يَقُولُ لَه كُنْ فَيَكُون﴾ (٦). فالقول في النحل ويس بالعطف وسيأتي إن شاء الله، وأما الذي في البقرة فإنه جاء بعد قوله: ﴿وقَالُوا اتَّخَذَ الله/ وَلَدَاً سُبْحَانَه﴾ (٧) يعني النصارى فقال سبحانه تعجباً من مقالتهم وقولهم: [إنَّ عيسى ابن الله لكونه وُلِدَ من غير أب، ثم ردَّ عليهم إلى أن قال ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ والأرض﴾ والبديع الذي يوجد مالم يسبق إليه، أي وكذلك أبدع عيسى كما أبدع

стр. 629

السموات والأرض، ثم قال: ﴿وإِذا قَضَى أَمْرَاً فَإِنما يَقُولُ لَه﴾ لسببه ﴿كُنْ فَيَكُون﴾ المسبب على حذف مضاف] (١). والأمر هاهنا للذي به يكون المكوِّن مثال ذلك أنه سبحانه قضى النفخ في مريم الذي يخلق به عيسى في وقتٍ كذا فلما جاء الوقت بعث إليها الملك ﵇ وأمره بالنفخ ثم قال للنفخ: كن على ماأردنا فتكوَّن عيسى مخلوقاً من غير أبٍ، أو تكون الهاء في (له) عائدة إلى المكون بمعنى لأجله أي: يقول لأجل إيجاده للسبب كن فيكون المقضيّ، أو المسبب. والذي في آل عمران ومريم مثله، وفي الطول ﴿هُوَ الَّذِي يحيي ويميتُ، فَإِذا قَضَى أَمْرَاً﴾ من إحياءٍ أو إماتةٍ ﴿فَإِنما يقولُ﴾ لسببه: ﴿كُنْ فيكون﴾ حياً أو ميتاً، أو يقول لأجله على ما سبق. وأما قراءة الجماعة فيكون بالرفع فعلى فهو يكون، وقال الفرَّاء والكسائي هو معطوف على يقول كما قال تعالى: ﴿يَوْم يَأْتِيهم العَذَابُ فَيَقُول﴾ (٢) وهذا من قولهما حيث وقع يقول مرفوعاً. ٣٣ - وَفي آلِ عِمْرَانٍ في الاولى وَمَرْيمٍ … وَفي الطَّوْلِ عَنهُ وهوباللفْظِ أُعْمِلا يعني أنَّ هذه المواضع اعتُبر فيها لفظ الأمر وإن لم يكن أمراً ورتَّبَ عليه الجواب وإن لم يكن جواباً في الحقيقة، وإنما قال بقول/ غيره فيه أنه ليس بأمرٍ وإنما جاء على لفظ الأمر، وكذلك قالوا: هو من باب النصب بالفاء في الجواب.

стр. 630

٣٤ - وفي النَّحْلِ مَعْ يَس بالعْطْفِ نَصْبُهُ … كَفَى رَاوِياً وانْقَادَ مَعْنَاهُ يَعْمَلا يعني كفى راويه إطالة القول لظهوره، «وانقاد معناه» مشبهاً يعملا، واليعمل جمع يعملة وهومشتق من العمل، وذلك أنه منصوبٌ بالعطف على أن يقول لا على الجواب، وقد جعله الزجاج (١) منصوباً على الجواب فغلط فيه حين قال: هو منصوب بكن وإنما نصب بالعطف. ٣٥ - وتَسَلْ ضَمُّوا التَّاءَ وَاللامَ حَرَّكُوا … بِرَفْعٍ خُلُودَاً وَهوَ مِنْ بَعْدِ نَفْي لا تحتمل قراءة الرفع وجهين: أحدهما: أن يكون ولا تُسْأَل في موضع الحال أي: أرسلناك غير مسؤول عن أصحاب الجحيم، وتحتمل أن تكون في موضع رفعٍ على الاستئناف، والتقدير، ولست تُسأْلُ فلذلك قال: «خلوداً» أشار به إلى دوام هذا المعنى. وخلوداً منصوب على المصدر وتحتمل قراءة نافع وجهين: أحدهما أن يكون نفياً معنوياً وذلك على ما رُوي أنه ﷺ قال: «ليت شعري ما فعل أبواي» (٢) فأنزل ذلك. والثاني: أن يكون لفظه النهي ومعناه تفخيم الأمر وتعظيمه كما يقول القائل: لا تسل عن زيدٍ يعني أنه قد صار إلى أعظم مما تظن من خيرٍ أوشرٍّ.

стр. 631

٣٦ - وفِيهَا وَفِي نَصَّ النِّسَاءِ ثَلاثَةٌ … أَوَاخِرُ إِبرَاهَامَ لاحَ وَجَمَّلا «/ أواخر» صفة لثلاثة، وإبراهيم عطف بيان، وقوله «وفيها» يعني في البقرة وإبراهيم في البقرة خمسة عشر موضعاً وفي نص النساء ثلاثة أواخر، وذلك قوله تعالى: ﴿واتَّبَعَ مِلَّة إبْرَاهيم حَنِيفَاً﴾ (١) وبعدها ﴿واتَّخَذَ الله إبْرَاهِيم خَلِيلاً﴾ وبعده ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلى إبْرَاهِيم﴾ (٢). ٣٧ - ومع آَخِرِ الأَنْعَامِ حَرْفَا بَرَاءةٍ … أخِيرَاً وَتَحْتَ الرَّعْدِ حَرْفٌ تَنَزَّلا الحرف المؤخّر في الأنعام ﴿دِينَاً قِيَمَاً مِلَّة إبْرَاهِيم﴾ (٣) والأخيران في براءة قوله تعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيم﴾، وبعده ﴿إنَّ إبْرَاهِيم لأَوَّاهٌ﴾ (٤) «وتحت الرعد» يعني في سورة إبراهيم قوله: ﴿وإذ قَال إبْرَاهِيم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنَاً﴾ (٥). ٣٨ - وفي مَرْيَمٍ وَالنَّحْلِ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ … وَآخِرُ (٦) مَافي العَنْكَبُوتِ مُنَزَّلا في النحل موضعان من الخمسة وهما قوله تعالى: ﴿إنَّ إبْرَاهِيم كَانَ أُمَّةً﴾ (٧) وبعده ﴿أَنْ اتَّبِع مِلَّة إبْرَاهِيم﴾، وفي مريم ثلاثة ﴿واذكُرْ في الكِتَابِ إبْرَاهِيم﴾ (٨)، و ﴿أرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْرَاهيم﴾ (٩)،

стр. 632

﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ومِنْ ذُرِّية إبْرَاهِيم﴾ (١) «وآخر ما في العنكبوت» قوله تعالى ﴿ولمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إبْرَاهِيم﴾ (٢). ٣٩ - وفي النَّجْمِ والشُّورَى وَفِي الذَّارِياتِ وَالْحـ … ـدِيدِ وَيرْوِي فِي امْتِحَانِهِ الاوَّلا وفي الشورى ﴿ومَاوَصَّيْنَا به إبراهيم﴾ (٣)، وفي الذاريات ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيم﴾ (٤)، وفي والنجم ﴿وإبْرَاهيم الذِّي﴾ (٥)، وفي الحديد ﴿ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحَاً وإبْرَاهيم﴾ (٦) والأول في الامتحان ﴿أُسْوَةٌ حَسَنةٌ فِي إبْرَاهِيم﴾ (٧)، والهاء في قوله «في امتحانه» تعود إلى لفظ إبراهيم لأنه مذكور فيها، أو إلى القرآن لأنه معروف فهو كالمذكور وإن لم يَجْرِ اللفظ بذكره فهذه ثلا ثةٌ وثلاثون موضعاً. ٤٠ - وَوَجْهَانِ فِيه لابْنِ ذَكْوَانَ هَاهُنَا … وَوَاتَّخِذُوا بالفَتْحِ عَمَّ وَأَوْغَلا «هاهنا» يعني في البقرة، قال الحافظ أبو عمروٍ: وقرأتُ لابن ذكوان في البقرة خاصة بالوجهين، قال أبو الحسن بن غلبون (٨): قرأت على أبي لابن ذكوان في سورة البقرة بالألف والياء جميعاً وفي ما بقي من القرآن بالياء وأنا آخذُ بهما جميعاً.

стр. 633

واعلمْ أنَّ ابن عامرٍ إنما اتَّبع في هذه القراءة الأثر، ألاتراه قرأ بذلك في مواضع مخصوصة حتى قرأ في السورة الواحدة بالياء في موضع وبالألف في موضع. وإبراهيم لفظٌ أعجمي وأصله بالعبرانية إبراهام فمن العرب من تركه على حاله ولم يعربه، ومنهم من قال إبراهيم لأنه ليس في العربية إفعالال. وأما قوله تعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِنْ مَقَام إبْرَاهِيم مُصَلَّى﴾ (١) فمعنى قراءة الفتح أنَّ الناس المذكورين اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فهي عامَّةٌ فينا وفي مَنْ قبلنا فلذلك قال: «عم وأوغلا» يقال: أوغل في الشيء إذا أمعن فيه، ومنه الإيغال في السير. ومعنى واتخذوا الأمر رُوي أنَّ عمر ﵁ قال: يارسول الله أفلا نتخذه مصلى فأنزل الله تعالى ﴿واتَّخِذُوا مِنْ مَقَام إبْرَاهِيم مُصَلَّى﴾ (٢) فكان ذلك سبب النزول، والذي رواه مالك يمنع أن يكون هذا سبب النزول لأنه روى عن جابرٍ أنَّ النبي ﷺ أتى مقام إبراهيم فسبقه إليه عمر، فقال: يارسول الله هذا مقام أبيك إبراهيم الذي قال الله: ﴿واتَّخِذُوا مِنْ مَقَام إبْرَاهِيم مُصَلَّى﴾، فقال النبي ﷺ : نعم هذا مقام أبينا إبراهيم الذي قال الله: ﴿واتَّخِذُوا مِنْ مَقَام إبْرَاهِيم مُصَلَّى﴾ (٣).

стр. 634

فهذا يدل على أنَّ الآية نزلت قبل ذلك إلا أنَّ مالكاً قال: إنَّ النبي ﷺ قال: ﴿واتّخِذُوا﴾ بكسر الخاء، فهو حجة لقراءة الكسر والقراءتان ثابتتان. ٤١ - وأَرْنَا وَأرْنِي سَاكِنَا الكَسْرِ دُمْ يَدَاً … وَفِي فُصِّلَتْ يَرْوِي صَفَادَرّه كُلا أصل أرنا أرْءِنا فنقلت حركة الهمزة إلى الراء ثم حذفت الهمزة فالإسكان لتوالي الحركات وليست بحركة إعراب، فإسكانه حسنٌ على تشبيه المنفصل بالمتصل كما قالوا فخْذٌ والاختلاس أيضاً حسن. وأنكر بعض الناس الإسكان من أجل أنَّ الكسرة تدل على ما حذف واستقبح حذفها، قال أبو علي (١): وليس هذا بشيء، ألا ترى أنَّ الناس أدغموا ﴿لكنَّا هو الله ربي﴾ (٢) فذهاب الحركة في (أرنا) ليس بدون ذهابها في الإدغام يقول إنَّ الأصل لكن أنا فطُرِحت حركة الهمزة على النون فحركت النون بالفتح فاجتمع نونان فأدغمت الأولى في الثانية. وقوله: «دم يدا» منصوبٌ على التمييز، واليد بمعنى النعمة وهو دعاء لمن يخاطبه أتى به بعد الإخبار بالقراءة كما تقول: خرج زيدٌ أكرمك الله؛ والكُلا جمع كُلية وإنما قال ذلك في الذي في فصلت لقوَّة الحجة بانضياف ابن عامرٍ وأبي بكر إلى من تقدم. ٤٢ - وأَخْفَاهُمَا طَلْقٌ وَخِفُّ ابنِ عَامِرٍ … فَأُمْتِعُهُ أَوْصَى بِوَصَّى كَمَا اعْتَلا الطَّلق السمح، والإخفاء يريد به الاختلاس وليس فيه مقالٌ لأحدٍ فوجهه في العربية سهلٌ مشهورٌ فلذلك قال: «طلق وخِفُّ ابن عامر فأمتِعُهُ» / أي في: فأمْتِعُهُ، وأَمْتَع ومتَّع بمعنىً واحدٍ، وهما لغتان جيدتان وليس لأحدٍ أن يقول: هذا أولى من هذا.

стр. 635

وقد أخذ قومٌ في ترجيح فأمتعه لأنَّ التشديد كثير في القرآن كقوله: ﴿فَمتَّعْنَاهم إلى حين﴾ (١)، وقالوا: هو أولى لما فيه من التكرير، وما أدري ما وجه هذا الترجيح في كتاب الله المنزل، وأيضاً فما ذكروه لا يستقيم لأنه لا يجوز أن يقع أفعل وفعَّل بمعنى واحد كأكرم وكرَّم وهو الظاهر هاهنا في قراءة التشديد أنها بمعنى التخفيف، لأنه لم يقصد المبالغة وإنما قصد تقليل المدَّة وتحقيرها لقوله: قليلاً، وكذلك القول في أوصى ووصَّى. والدليل على ذلك قوله: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُون تَوْصِية﴾ (٢) أي: أيضاً و ﴿أمْ كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُم اللهُ بهَذَا﴾ (٣)، وعلى قراءة نافع وابن عامرٍ رسُم في مصاحف المدينة والشام (٤) بألف وسقطت الألف في باقي المصاحف. ومعنى قوله «كما اعتلا» أي: اقرأه كما اعتلا، واعتلاؤه بالرسم الشاهد له. ٤٣ - وفي أَمْ يَقُولُونَ الخِطَابُ كَمَا عَلا … شَفَا وَرَءُوفٌ قَصْرُ صُحْبَتِهِ حَلا قوله: «الخطاب كما علا شفا» لأنه جاء على لفظ ما قبله من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّوننا﴾ (٥)، وعلى لفظ ما بعده وهو قوله: ﴿قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ الله﴾ (٦) ومن قرأ بالياء فلأنَّ العرب تخرج كثيراً من الخطاب إلى لفظ الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب كما قال تعالى ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُم في الفُلْكِ
следующие страницы →