٣٦ - وفِيهَا وَفِي نَصَّ النِّسَاءِ ثَلاثَةٌ … أَوَاخِرُ إِبرَاهَامَ لاحَ وَجَمَّلا
«/ أواخر» صفة لثلاثة، وإبراهيم عطف بيان، وقوله «وفيها» يعني في البقرة وإبراهيم في البقرة خمسة عشر موضعاً وفي نص النساء ثلاثة أواخر، وذلك قوله تعالى: ﴿واتَّبَعَ مِلَّة إبْرَاهيم حَنِيفَاً﴾ (١) وبعدها ﴿واتَّخَذَ الله إبْرَاهِيم خَلِيلاً﴾ وبعده ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلى إبْرَاهِيم﴾ (٢).
٣٧ - ومع آَخِرِ الأَنْعَامِ حَرْفَا بَرَاءةٍ … أخِيرَاً وَتَحْتَ الرَّعْدِ حَرْفٌ تَنَزَّلا
الحرف المؤخّر في الأنعام ﴿دِينَاً قِيَمَاً مِلَّة إبْرَاهِيم﴾ (٣) والأخيران في براءة قوله تعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيم﴾، وبعده ﴿إنَّ إبْرَاهِيم لأَوَّاهٌ﴾ (٤) «وتحت الرعد» يعني في سورة إبراهيم قوله: ﴿وإذ قَال إبْرَاهِيم رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنَاً﴾ (٥).
٣٨ - وفي مَرْيَمٍ وَالنَّحْلِ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ … وَآخِرُ (٦) مَافي العَنْكَبُوتِ مُنَزَّلا
في النحل موضعان من الخمسة وهما قوله تعالى: ﴿إنَّ إبْرَاهِيم كَانَ أُمَّةً﴾ (٧) وبعده ﴿أَنْ اتَّبِع مِلَّة إبْرَاهِيم﴾، وفي مريم ثلاثة ﴿واذكُرْ في الكِتَابِ إبْرَاهِيم﴾ (٨)، و ﴿أرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْرَاهيم﴾ (٩)،
стр. 632
﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ومِنْ ذُرِّية إبْرَاهِيم﴾ (١) «وآخر ما في العنكبوت» قوله تعالى ﴿ولمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إبْرَاهِيم﴾ (٢).
٣٩ - وفي النَّجْمِ والشُّورَى وَفِي الذَّارِياتِ وَالْحـ … ـدِيدِ وَيرْوِي فِي امْتِحَانِهِ الاوَّلا
وفي الشورى ﴿ومَاوَصَّيْنَا به إبراهيم﴾ (٣)، وفي الذاريات ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيم﴾ (٤)، وفي والنجم ﴿وإبْرَاهيم الذِّي﴾ (٥)، وفي الحديد ﴿ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحَاً وإبْرَاهيم﴾ (٦) والأول في الامتحان ﴿أُسْوَةٌ حَسَنةٌ فِي إبْرَاهِيم﴾ (٧)، والهاء في قوله «في امتحانه» تعود إلى لفظ إبراهيم لأنه مذكور فيها، أو إلى القرآن لأنه معروف فهو كالمذكور وإن لم يَجْرِ اللفظ بذكره فهذه ثلا ثةٌ وثلاثون موضعاً.
٤٠ - وَوَجْهَانِ فِيه لابْنِ ذَكْوَانَ هَاهُنَا … وَوَاتَّخِذُوا بالفَتْحِ عَمَّ وَأَوْغَلا
«هاهنا» يعني في البقرة، قال الحافظ أبو عمروٍ: وقرأتُ لابن ذكوان في البقرة خاصة بالوجهين، قال أبو الحسن بن غلبون (٨): قرأت على أبي لابن ذكوان في سورة البقرة بالألف والياء جميعاً وفي ما بقي من القرآن بالياء وأنا آخذُ بهما جميعاً.
стр. 633
واعلمْ أنَّ ابن عامرٍ إنما اتَّبع في هذه القراءة الأثر، ألاتراه قرأ بذلك في مواضع مخصوصة حتى قرأ في السورة الواحدة بالياء في موضع وبالألف في موضع.
وإبراهيم لفظٌ أعجمي وأصله بالعبرانية إبراهام فمن العرب من تركه على حاله ولم يعربه، ومنهم من قال إبراهيم لأنه ليس في العربية إفعالال.
وأما قوله تعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِنْ مَقَام إبْرَاهِيم مُصَلَّى﴾ (١) فمعنى قراءة الفتح أنَّ الناس المذكورين اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى فهي عامَّةٌ فينا وفي مَنْ قبلنا فلذلك قال: «عم وأوغلا» يقال: أوغل في الشيء إذا أمعن فيه، ومنه الإيغال في السير.
ومعنى واتخذوا الأمر رُوي أنَّ عمر ﵁ قال: يارسول الله أفلا نتخذه مصلى فأنزل الله تعالى ﴿واتَّخِذُوا مِنْ مَقَام إبْرَاهِيم مُصَلَّى﴾ (٢) فكان ذلك سبب النزول، والذي رواه مالك يمنع أن يكون هذا سبب النزول لأنه روى عن جابرٍ أنَّ النبي ﷺ أتى مقام إبراهيم فسبقه إليه عمر، فقال: يارسول الله هذا مقام أبيك إبراهيم الذي قال الله: ﴿واتَّخِذُوا مِنْ مَقَام إبْرَاهِيم مُصَلَّى﴾، فقال النبي ﷺ : نعم هذا مقام أبينا إبراهيم الذي قال الله: ﴿واتَّخِذُوا مِنْ مَقَام إبْرَاهِيم مُصَلَّى﴾ (٣).
стр. 634
فهذا يدل على أنَّ الآية نزلت قبل ذلك إلا أنَّ مالكاً قال: إنَّ النبي ﷺ قال: ﴿واتّخِذُوا﴾ بكسر الخاء، فهو حجة لقراءة الكسر والقراءتان ثابتتان.
٤١ - وأَرْنَا وَأرْنِي سَاكِنَا الكَسْرِ دُمْ يَدَاً … وَفِي فُصِّلَتْ يَرْوِي صَفَادَرّه كُلا
أصل أرنا أرْءِنا فنقلت حركة الهمزة إلى الراء ثم حذفت الهمزة فالإسكان لتوالي الحركات وليست بحركة إعراب، فإسكانه حسنٌ على تشبيه المنفصل بالمتصل كما قالوا فخْذٌ والاختلاس أيضاً حسن.
وأنكر بعض الناس الإسكان من أجل أنَّ الكسرة تدل على ما حذف واستقبح حذفها، قال أبو علي (١): وليس هذا بشيء، ألا ترى أنَّ الناس أدغموا ﴿لكنَّا هو الله ربي﴾ (٢) فذهاب الحركة في (أرنا) ليس بدون ذهابها في الإدغام يقول إنَّ الأصل لكن أنا فطُرِحت حركة الهمزة على النون فحركت النون بالفتح فاجتمع نونان فأدغمت الأولى في الثانية.
وقوله: «دم يدا» منصوبٌ على التمييز، واليد بمعنى النعمة وهو دعاء لمن يخاطبه أتى به بعد الإخبار بالقراءة كما تقول: خرج زيدٌ أكرمك الله؛ والكُلا جمع كُلية وإنما قال ذلك في الذي في فصلت لقوَّة الحجة بانضياف ابن عامرٍ وأبي بكر إلى من تقدم.
٤٢ - وأَخْفَاهُمَا طَلْقٌ وَخِفُّ ابنِ عَامِرٍ … فَأُمْتِعُهُ أَوْصَى بِوَصَّى كَمَا اعْتَلا
الطَّلق السمح، والإخفاء يريد به الاختلاس وليس فيه مقالٌ لأحدٍ فوجهه في العربية سهلٌ مشهورٌ فلذلك قال: «طلق وخِفُّ ابن عامر فأمتِعُهُ» / أي في: فأمْتِعُهُ، وأَمْتَع ومتَّع بمعنىً واحدٍ، وهما لغتان جيدتان وليس لأحدٍ أن يقول: هذا أولى من هذا.
стр. 635
وقد أخذ قومٌ في ترجيح فأمتعه لأنَّ التشديد كثير في القرآن كقوله: ﴿فَمتَّعْنَاهم إلى حين﴾ (١)، وقالوا: هو أولى لما فيه من التكرير، وما أدري ما وجه هذا الترجيح في كتاب الله المنزل، وأيضاً فما ذكروه لا يستقيم لأنه لا يجوز أن يقع أفعل وفعَّل بمعنى واحد كأكرم وكرَّم وهو الظاهر هاهنا في قراءة التشديد أنها بمعنى التخفيف، لأنه لم يقصد المبالغة وإنما قصد تقليل المدَّة وتحقيرها لقوله: قليلاً، وكذلك القول في أوصى ووصَّى.
والدليل على ذلك قوله: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُون تَوْصِية﴾ (٢) أي: أيضاً و ﴿أمْ كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُم اللهُ بهَذَا﴾ (٣)، وعلى قراءة نافع وابن عامرٍ رسُم في مصاحف المدينة والشام (٤) بألف وسقطت الألف في باقي المصاحف.
ومعنى قوله «كما اعتلا» أي: اقرأه كما اعتلا، واعتلاؤه بالرسم الشاهد له.
٤٣ - وفي أَمْ يَقُولُونَ الخِطَابُ كَمَا عَلا … شَفَا وَرَءُوفٌ قَصْرُ صُحْبَتِهِ حَلا
قوله: «الخطاب كما علا شفا» لأنه جاء على لفظ ما قبله من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّوننا﴾ (٥)، وعلى لفظ ما بعده وهو قوله: ﴿قُلْ ءَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ الله﴾ (٦) ومن قرأ بالياء فلأنَّ العرب تخرج كثيراً من الخطاب إلى لفظ الغيبة ومن الغيبة إلى الخطاب كما قال تعالى ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُم في الفُلْكِ
стр. 636
وَجَرَيْنَ بهم﴾ (١) على أنَّ قبله أيضاً ما يلائم الغيب وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُم به فَقَدْ اهْتَدُوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنما هُمْ في شِقَاق فَسَيَكْفِيكَهُم الله﴾ (٢).
وأما قول من احتج للقراءة بالياء بأنه إخبار اليهود والنصارى وهو غيبٌ، [فإنما يتجه على قطعه عما أُمر الرسول ﵇ بمخاطبتهم به ورجوعهم إلى السابق من كلام الله فيهم] (٣).
«ورؤوف قصر صحبته حلا» لخفته بحذف الواو منه، ورؤوف أشبه بالصفات
كغفور وشكور، وهما لغتان مستعملتان قال الشاعر (٤):
ترى للمسلمين عليك حقاً … كفعل الوالدِ الرؤف الرحيم
وقال آخر (٥):
نطيع نبينا ونطيع رباً … هو الرحمن كان بنا رؤوفا
وقال أمية:
نبي هدىً طيب صادق … رؤوف رحيم بوصل الرحم
стр. 637
٤٤ - وخَاطَبَ عَمَّا يَعْمَلُونَ كَمَا شَفَا … وَلامُ مُولِّيهَا عَلَى الفَتْحِ كُمِّلا
مَنْ قرأ بالخطاب فلقوله: ﴿وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وجُوهَكُم شَطْرَهُ﴾ (١) ومن قرأ بالغيب فلأنَّ قبله من ربهم، وإنما قال: «ولام موليها على الفتح كُمِّلا» فالتكميل من قبل أنه لاحذف في هذه القراءة لأنه جاء على ترك تسمية الفاعل وهو يعود إلى كلٍ وولي يتعدَّى إلى مفعولين أقيم الأول مقام الفاعل وهو الضمير المستتر في مولى، والمفعول الثاني هو الضمير البارز بعده وهو هاء، وهو عائد على الوجهة أي: الله يوليه إياها، والمفعول الثاني في القراءة الأخرى محذوف، لأنه بُني الفعل للفاعل وهو الله تعالى، والتقدير: ولكل فرقة وجهةٌ الله موليهم إياها هذا قول الزجاج (٢)، والقراءتان على هذا ترجعان إلى معنىً واحدٍ.
وقيل التقدير: ولكلٍ وجهة هو موليها نفسه، أووجهة أي: هو مستقبلها والذي أضيف إليه كل محذوف أي: ولكل فربق وجهة هو موليها نفسه، أو مولي نفسه/ إياها ولم يقل: هم مولوا أنفسهم، أو وجوههم إياها لأنه وحَّد الضمير على لفظ كلٍ والتقدير الأول أولى.
٤٥ - وَفِي يَعْمَلُونَ الغَيْبُ حَلَّ وَسَاكِنٌ … بحَرْفَيْهِ يَطَّوْعْ وَفِي الطَّاءِ ثُقِّلا
مَنْ قرأ بالياء فوجهه أنَّ قبله ﴿يَعْرِفُونَه كَمَا يَعْرفُون أَبْنَاءَهم وإنَّ فِرِيقَاً منهم لَيَكْتُمُون الحقَّ وهُم يَعْلَمُون﴾ (٣) ووجه القراءة بالتاء أنَّ قبله ﴿ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسْجِدَ الحرَامَ وَإنه للحَقُّ مِنْ رَبِّك﴾ (٤).
стр. 638
وقوله: «بحرفيه يطوع» يعني قوله تعالى ﴿أن يَطَّوَّف بهِمَا ومَن تَطَوَّعَ﴾ (١)، وقوله سبحانه بعد ذلك ﴿فمن تَطَوَّعَ خيراً فهو خَيرٌ له﴾ (٢) ومَنْ قرأ (يطّوّع) قلب التاء طاء وأدغمها في الطاء والأصل يتطوع، وجعله فعلا مستقبلاً واختاره قوم لأنَّ الكلام شرط وجزاء فالمستقبل فيه هو الأصل، ومن قرأ (تطوّع) جعله فعلاً ماضياً فإما أن يكون ماضياً في المعنى ويكون (من) بمعنى الذي، والتقدير والذي تطوع فيما مضى خيراً فهو خيرٌ له، وكذلك والذي تطوع فيما مضى خيراً فإنَّ الله شاكر عليم، [أو يكون معناه الاستقبال وتكون من شرطية] (٣) واختار هذا قومٌ لأنه أخفُّ في اللفظ؛ والقراءتان ثابتتان.
٤٦ - وفي التَّاءِ ياءٌ شَاعَ وَالرِّيحَ وَحَّدَا وَفي … الكَهْفِ مَعْهَا وَالشَّرِيعةِ وَصَّلا
قوله: «وفي التاء» أي: وفي موضع التاء ياء، وقوله: «شاع» أي: انتشر واشتهر يعني ماذكرته من كون المستقبل في الشرط والجزاء أولى، وأما الريح فمن وحَّدَ فيحتمل أن يُراد به الجنس فيرجع إلى معنى الجمع فالريح/ يقوم مقام الرياح.
قال بعضهم: ولذلك أنثت لأنَّ معناها الجماعة، ومن قرأ الرياح بالجمع فلأنه جمع ريح، والمراد الرياح المختلفة المجاري في مهابها مشرقاً ومغرباً وغير ذلك؛ واتفقوا على توحيد المنكَّر من ذلك كقوله: ﴿ولَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً﴾ (٤) وأما مافيه الألف واللام فالخلاف منه في أحد عشر موضعاً وستأتي مبينةً في الأبيات.
стр. 639
وقوله: «وفي الكهف معها» أي: مع البقرة وهو قوله تعالى ﴿تَذْرُوه الرِّيَاح﴾ (١)، وفي الشريعة ﴿وتَصْرِيف الرِّيَاح﴾ (٢) وصلاً يعني حمزة والكسائي فهذه ثلاثةٌ.
٤٧ - وَفي النَّمْلِ والأعْرَافِ والرُّومِ ثَانِياً … وَفَاطِرِ دُمْ شُكْرَاً وَفي الحِجْرِ فُصِّلا
وفي النمل ﴿ومِن يُرْسِل الرِّيَاح﴾ (٣)، وفي الأعراف ﴿وهوالذِّي يُرْسِل الرِّيَاح نشرًا﴾ (٤)، والثاني في سورة الروم ﴿الذِّي يُرْسِل الرِّيَاح فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ (٥)، ولم يختلفوا في الأول أنه على الجمع لقوله: ﴿مُبَشِّرَات﴾ (٦)، وفي فاطر ﴿الله الذي أرسَلَ الرِّيَاح﴾ (٧)، وفي الحجر ﴿وأرْسَلْنَا الرِّيَاح﴾ (٨) فهذه خمسة.
٤٨ - وَفي سُورَةِ الشُّورَى وَمِنْ تَحْتِ رَعْدِهِ … خُصُوصٌ وَفِي الفُرْقَانِ زَاكِيهِ هَلَّلا
وفي الشورى ﴿إن يَسْكُن الرِّيح﴾ (٩)، «ومن تحت رعده» يعني في إبراهيم ﴿اشتَدَّتْ به الرِّيح﴾ (١٠)، وفي الفرقان ﴿أرْسَلَ الرِّيح نُشْرَاً بين يَدَي رَحْمَتِهِ وأنْزَلْنَا مِنْ السَّماء مَاءً طَهُورَاً﴾ (١١) وهذه ثلاثة قرأ نافع
стр. 640
جميعها بالجمع تفَرَّد مِنْ ذلك في سورة إبراهيم والشورى، وقرأ ابنُ كثيرٍ منهما خمسة مواضع منها بالتوحيد تفَرَّد مِنْ ذلك بسورة الفرقان، وقرأ أبوعمروٍ، وابن عامرٍ، وعاصم بالتوحيد فيما تفرد به نافع [فجمعه] (١)، وقرأ حمزة جميع ذلك بالتوحيد/ إلا الذي في الفرقان، وتَفَرَّد مما قرأه بالتوحيد في سورة الحجر، وقرأ الكسائي بالتوحيد إلا في الحجر حيث تَفَرَّد بالتوحيد حمزة وإلا في الفرقان حيث تَفَرَّد به ابن كثير.
وقوله: «خصوصاً» لأنَّ القرَّاء اختصوا به دون نافع، وقوله: «زاكيه هللا» الهاء في زاكيه تعود على الموضع، وهللا إذا قال: لاإله إلا الله، والزَّكِي والزاكي واحد يشير إلى ذكر الله عند النعمة التي تحصُل بالغيث، وكذلك قوله: «دم شكراً»، والمواضع التي جاء ذكر الريح فيها لغير المطر لم يُشِر فيها كما فعل في غيرها كالذي في البقرة، والكهف، والجاثية.
واعلمْ أنَّ الذي في الأعراف، والفرقان، والنمل، والروم، وفاطر تَقْوَى فيه الحجة لقراءة التوحيد عندي ويظهر معناها ظهوراً واضحاً، وذلك أنَّ هذه السورذكر فيها الريح التي تتقدم المطر وهي واحدةٌ لأنَّ العرب تقول: الجنوب تجمع السحاب والشمال تعصره وتأتي بالمطر ففي الأعراف ﴿وهوالذِّي يُرْسِل الرِّيَح نشرًا بين يَدَي رَحْمَتِه﴾ (٢) يعني ريحَ الجنوب لتقدمها قبل المطر وجمْعِها للسحاب وكذلك في الفرقان والنمل وقد ظهر هذا المعنى في سورة الرُّوم حيث قال سبحانه ﴿يُرْسِل الرِّيَاح فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ (٣)، وكذلك في فاطر، ومعنى القراءة بالجمع في هذه المواضع أنها لما كانت تجيء متكررة أبداً كانت جمعاً.
стр. 641
٤٩ - وأَيُّ خِطَابٍ بَعْدُ عَمَّ وَلَوْ تَرَى … وَفِي إِذْ يَرَوْنَ اليَاءُ بالضَمِّ كُلِّلا
قوله: «بعد» أي: بعد ذكر الريح وأشار بقوله: «وأي خطابٍ» إلى تعظيم/ الأمر الحاصل في القراءة بالتاء، والخطاب للنبي ﷺ والتنبيه لغيره كما قال ﴿ألم تعلمْ أنَّ الله على كل شيءٍ قدير﴾ وجواب (لو) محذوف، والتقدير: أرأيت أمراً فظيعاً كما يقول القائل: لورأيت فلاناً والسيوف قد أحاطت به، أو يكون الخطاب للظالم والتقدير: ولوترى أيها الظالم الذين ظلموا، ويشهد لذلك قراءة الياء لرأيت أمراً عظيماً أوفظيعاً لأنَّ القوة لله، أو يجعل جواب لو لرأيت أنَّ القوة لله، والرؤية هاهنا بمعنى الإبصار، ومَنْ قرأ بالياء فالذين ظلموا فاعل يرى وهو من رؤية البصر أيضاً.
قال أبو علي (١) وغيره: وأنَّ القوة لله مفعول والتقدير: ولويرى الذين ظلموا أنَّ القوة لله، ولايصح هذا لأنهم قد رأو أنَّ القوة لله جميعاً إذ رأوا العذاب فما معنى لو.
وقال أبو إسحاق (٢): ولو رأى المشركون عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أنَّ القوة لله جميعاً، وكذلك قال أبو عبيد قال: هي في التفسير لو رأى الذين كانوا يشركون عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أنَّ القوة لله جميعاً وأنَّ الله شديد العذاب، ومعناه لو رأوا عذاب الآخرة في الدنيا لعلموا حين يرونه أنَّ القوة لله جميعا وهوجيدٌ لولا قوله: كانوا يشركون، ولذلك قال المبرِّدُ: هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيد بعيدٌ وعبارته فيه غيرُ جيدة لأنه يقدر ولو يرى الذين ظلموا العذاب، فكأنه جعله مشكوكاً فيه وقد أوجبه الله عزوجل.
ولو أسقط أبو عبيد (كانوا) من عبارته وجعل التقدير ولو رأوا في الدنيا
стр. 642
لتخلص الكلام ولم يَرِد عليه اعتراض المبرِّد، قال الأخفش والمبرِّد (١): إنما التقدير ولو يرى الذين ظلموا/ أنَّ القوة لله ويرى بمعنى يعلم أي: لو يعلمون حقيقة قوة الله فيرى واقع [على أن، وجواب لو محذوف أي: لعلموا ضرر اتخاذ الآلهة، والحذف أشد في الوعيد لذهاب] (٢) وهم المخاطب إلى كل عقاب، وإذا كانت الرؤية رؤية القلب وإن سدت مَسَدَّ المفعولين ولكن يبقي في هذا القول إذ يرون العذاب بماذا يتعلق؛ فإن تعلق بيرى صار التقدير ولو عَلِم الذين ظلموا إذ رأوا العذاب أنَّ القوة لله جميعاً فيرِد عليه ما أُورد على أبي عبيد لأنهم إذا رأوا العذاب علموا ذلك يقيناً فلا معنى لقوله لو.
وأقرب مما قدَّروه عندي أن يجعل الذين في قراءة من قرأ بالغيب مفعولاً أيضاً والفاعل مستتر في يرى راجع إلى مَنْ في قوله ﴿من يتخذ من دون الله﴾، وجواب لو محذوف، وتقديره لعلم أو لرأى أنَّ القوة لله، وأنَّ اتخاذه الأنداد مِنْ دونه طلباً لدفعها، أو نفعها، والقوة في الدفع والنفع لغيرها من الضلال والخسار.
ومعنى قراءة ابن عامر ﴿إذ يُرون﴾ أي: إذ يُريهم الله فينا لما لم يُسَمَّ فاعله وأقيم الضمير في يرون مقام الفاعل.
وقوله: «الياء بالضم كللا» جعل الياء مكللة بالضم، وأراد به أن صورة الضمة عليها قد كللتها كما قالوا: روضة مكللة أي: محفوفة بالنور، والإكليل أيضاً عصابة من الجوهر يلبسها الملوك فكأنَّ الضمة على الياء في رأسها كالإكليل في رأس الملك.
стр. 643
٥٠ - وَحَيْثُ أَتَى خُطْوَاتٌ الطَّاءُ سَاكِنٌ … وقُلْ ضَمُّهُ عَنْ زَاهِدٍ كَيْفَ رَتَّلا
الخطَوة بفتح الطاء مصدر خَطَا خَطْوَة والخُطْوة بضمِّهَا الاسم وهو لما/ بين القدمين أي: لا تتبعوا طريقه ولا تسلكوا مسالكه، وجمع خُطْوة خُطُوَات بضم الطاء كغُرْفَة وغُرُفَات، والتخفيف لغة تميم وطائفة من قيس يسكنون تخفيفاً.
فإن قلت: فهلاّ قلتم: إنَّ هذا هو الإسكان الذي في الواحد فيكون قد جمع على الأصل.
قلت: بل هو التخفيف بعد تقديم الضم فيه، وأما في المفتوح الفاء فهو الإسكان الأصلي ولا يكون إلا في الضرورة كقوله (١):
أبتْ ذِكْرٌ عَوَّدْن أحشاء قلبه … خُفُوقاً ورفْضاتُ الهوى في المفاصل
وذلك أنَّ التحريك التزم في الأسماء دون الصفات للفرق، وكانت الأسماء أولى بذلك لخفتها وثقل الصفات، وحُرِّك في المفتوح الفاء بالفتح كجمرات لأنَّ الفتح أخف من غيره، وأسكن في الصفة كسَهْلاتٍ وصَعْبَاتٍ، ولم يسكن ذلك في الأسماء إلا في ضرورة الشعر لأنَّ الفتحَ خفيف فلا يكون إسكانه للتخفيف، وحرك في المكسور الفاء بالكسر على الإتْباع، وأُسكن طلباً للخفة وفتح أيضاً لذلك وذلك نحو: سِدْرات، وأسكن في الصفة لا غير للفرق نحو: رِخْوَات وكذلك في المضموم ضم للاتباع كحجراتٍ وظلماتٍ، وأسكن اتّساعاً وفراراً من الثقل، وفُتِح أيضاً لأنَّ الفتح أخف، وأسكن الصفة لاغير نحو: خلوات فالإسكان في المفتوح الفاء للضرورة، وفي الضربين بعده على السعة في لغة بني تميم وبعض قيس.
стр. 644
وقوله: «كيف رتلا» أي: كيف رتل القراءة فإنه يضم وقال: «عن زاهد» إشارة إلى عدالة نقله لأنَّ مكّيَّاً (١) وغيره اختار الإسكان وقال لخفته/ ولأنَّ عليه أكثر القرَّاء.
٥١ - وضَمُّكَ أُولَى السَّاكِنَيْنِ لِثَالِثٍ … يُضَمُّ لُزُومَاً كَسْرُهُ فِي نَدٍ حَلا
اعلمْ أنَّ الأصل في حركة التقاء الساكنين الكسر، وإنما كان ذلك لأنا رأينا الفعل يسكن آخره ويلقاه الساكن ولا بد من حذفٍ [أو تحريك في نحو: ينهى الأمير، ويغزو الغازي، ويرمي الرامي] (٢)، ويمحو الله، ويدع الداع، ويخشى الله، ويأتي الله.
وأما التحريك فبالحركات الثلاث، وإنما كان الكسر منها هو الأصل لأنَّ الضم والفتح يدخلان في الفعل للإعراب فاختير الكسر لالتقاء الساكنين ليغاير بين حالتي الإعراب والبناء فحركوا بالكسر لئلا يتوهم أنه إعراب، فقالوا: اضرب الرجل، ولم يذهب الكتاب، فلما تمهد ذلك حُمِل عليه جميع ما يلتقي فيه ساكنان من اسمٍ أوحرفٍ.
فإن قيل: فهلاّ جعلتم الحروف أصلاً دون الأفعال لأنها ساكنة للبناء.
قلنا: كيف نجعل أصلاً يقاس عليه ما ليس بأصلٍ في نفسه، وإنما يأتي لمعنى في غيره، ثم إنهم بعد ذلك ضَمُّوا الاعتراض أمرين:
أحدهما: الإتْباع كراهة للخروج من كسرٍ إلى ضمٍ لأنَّ الساكن بينهما ليس بحاجز حصين فلم يعتدُّوا به، والأمر الثاني ليدلوا في مثل ﴿قُلْ انْظُروا﴾ (٣)، ﴿ولَقَد اسْتُهْزِئ﴾ (٤)، مع ما تقدم من ذكر الأمر الأول
стр. 645
على أنَّ ألف الوصل المحذوفة من الكلام كانت مضمومة لأنَّ هذه الحروف قد حلَّتْ محل ألف الوصل لأنك إنما ابتدأت بهمزة الوصل في انظروا/ اتِّباعاً لضمة الظاء وإن حالت النون بينهما إلا أنها ساكنة فلم يُعتدَّ بها، فكذلك تضم اللام فتقول: ﴿قُلْ انْظُروا﴾ إتْباعاً لضمة الظاء ولا نعتدُّ بسكون النون، وقد حركوا بالفتح في التقاء الساكنين أيضاً في موضع يستثقل فيه غير الفتح وذلك مع الواو نحو: المسلمون لثقل الكسرة بعد الواو ومع الياء نحو: أين وكيف والزائدين لهذه العلة، ومع الكسرة نحو: مَنِ الرَّجُل، ومَنِ ابنُك لثقل توالي الكسرات.
وقوله: «لثالثٍ يضم لزوماً» هذا كلامٌ يحتاج إلى بسط، وذلك أنَّ الفعل المستقبل من الثلاثي ينقسم إلى ما هو مضموم العين وهو الثالث الذي أشار إليه نحو: يدخل، وإلى ما هو مكسورها نحو يضرب [وإلى ما هو مفتوح نحو يذهب] (١)؛ فعلى مذهب البصريين كسر الهمزة في نحو: اذهب، انطلق، اضرب لالتقاء الساكنين وهما الألف والحرف الذي بعدها لأنَّ هذه الألف أعني همزة الوصل اجتلبت ساكنة وليس لها في الحركة نصيب إذ أصل كل حرف السكون وبعدها حرف ساكن فكسرت لذلك.
وأما ما ثالثه مضموم نحو: اُدْخُلْ فإنما ضمُّوا ألف الوصل ثم لثقل الضمة بعد الكسرة وليس في كلامهم ضمة بعد كسرة ليست بضمة إعراب، وليس في كلامهم فعل فلما لم يكن بين الألف وبين الحرف المضموم إلاحرفٌ ساكن، والساكن كالميت ليس بحاجز حصين لم يكسروا الألف لذلك وأتبعوا الضمة الضمة طلباً للخفة فقالوا: ادخل ومثله في الأسماء أبلم وقالوا: اذهب، ومثله إصْبَع، وقالوا: اضرب ومثله إذخر، فما خرجوا عن أمثلة الأسماء التي هي أكثر كلامهم.
стр. 646
وقال الكوفيون:/ ألف الوصل في الأمر مبنية على عين الفعل فتكسر إذا كانت مكسورة أو مفتوحة، وتضمُّ إذا كانت مضمومة، وإنما كسروا مع المفتوحة وكان القياس الفتح قالوا: لئلا يلتبس الخبر بالأمر فيصير اذهب كقولك: اذهب أنا، قالوا: وذلك للإتْباع.
وردَّ ابن الأنباري قول البصرين أنَّ همزة الوصل اجتلبت ساكنة، وقال: إذا كانوا لا يبتدئون بساكنٍ فمن المحال أن يأتوا بحرفٍ ساكنٍ للابتداء، قالوا وإنما بُنِى التحريك على الثالث دون غيره، لأنَّ حركته لا تتغير وهو من أصول الكلمة، فأما الأول فهو زائد، والزائد لا يُبْنَي عليه.
والثاني ساكن والساكن لا يبتدأ به، والرابع حرف إعراب تتغير حركته من نصبٍ إلى رفعٍ إلى جزمٍ.
وقوله: «يضم لزوماً» احترز به من نحو ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَك﴾ (١) لأنَّ الضمة ليست بلازمة، وقوله: «كسره في ندٍ» أي: في محلٍ رطبٍ لَيِّن حلا لأنه الأصل ثم مثَّل ذلك فقال:
٥٢ - قُلِ ادْعُوا أَوِ انْقُصْ قَالتِ اخْرُجْ أَنِ اعْبُدُوا … مَحْظُورَاً انظُرْ مَعْ قَدِ اسْتُهْزِئَ اعْتَلى
هذا البيت من عجائب هذا النظم لأنه جمع فيه [جميع] أمثلة الساكن لأنه لايكون إلا أحد هذه الستة لام، أو واو، أو تاء، أو نون، أو تنوين، أو دال نحو: اذكر، ونحو: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ﴾ (٢)، ﴿ولكِن انْظُر﴾ (٣)، و ﴿مُبِينٌ اقْتُلُوا﴾ (٤)، و ﴿أو ادْعُوا الرَّحْمَن﴾ (٥).
стр. 647
٥٣ - سِوَى أَوْ وَقُلْ لابنِ العَلا وَبَكَسْرِهِ … لِتَنْوِينِهِ قَالَ ابنُ ذَكْوَانَ مِقْوِلا
إنما استثنى أبو عمروٍ الواو واللام من أو وقل لأنَّ الضم في الواو توجيه الضمة بعدها لأنها منها، وأما الأمر من قل فإنَّ الضمة فيها تناسب/ ضمة القاف قبلها والضمة بعدها فيعمل اللسان عملاً واحداً ولو كُسِرت [لكانت بين ضمتين وهذا شيءٌ، يقال] (١): والأصل في ذلك الأثر وهو جمع بين اللغتين.
وأما كسر التنوين لابن ذكوان فيتجه فيه أن يُقال: لما كان يحذف في مررت بزيد بن خالد، وجاءني زيد بن عمرو، وهذا أبو عمرو بن زيد، ومع الألف واللام في نحو (٢):
* إذا غُطَيْفُ السُّلَمِي فرَّا *
بقي على الأصل في الكسر لأنَّ الضم للإتْباع يرجِّح فيما استقر فلم يذهب بحال.
٥٤ - بِخُلْفٍ لَهُ فِي رَحْمَةٍ وَخَبِيثَةٍ … وَرَفْعُكَ لَيْسَ البِّرُ يُنْصَبُ فِي عُلا
الضمُّ في رحمة وخبيثة رواية الأخفش عن ابن ذكوان من طريق ابن الأخرم، والكسر من طريق النقاش عن الأخفش، ووجه الضم عنه في قوله تعالى: ﴿برَحْمَةٍ ادْخُلُوا﴾ (٣) أنَّ هذا ليس كغيره من التنوين من أجل اجتماع ضمتين في ادخلوا فكان ضم التنوين مناسباً لذلك لتتبع الضمة الضمتين،
стр. 648
ولأنَّ هذه الكلمة وأختها وهي ﴿خَبِيثَةٍ اجتُثَّتْ﴾ (١) قد طالتا وكثرت حروفهما فثقل الكسر فيهما بعد الكسر والخروج من ذلك إلى الضم، والذي يستقيم في ذلك كلِّه أنَّ هذه المخالفة للأصول أوجبها الإتْباع والنقل.
«ورفعك ليس البر بنصب في علا» يشير إلى ما ذكره العلماء من ترجيح قراءة النصب من قبل إنَّ ما كان أقوى في التعريف أولى بأن يكون اسماً، قالوا: وأن تولوا أقوى في التعريف من البر، لأنَّ ما فيه الألف واللام قد يتنكر وأن تولوا لا يكون إلا معرفة لأنَّ التقدير: ليس توليتكم البر لا سيما وتوليتكم مضاف إلى مضمر وما أضيف إلى مضمر فهو أقوى في التعريف من المعرَّف باللام.
وأيضاً فإنَّ أنَّ وصلتها/ مشبهة بالمضمرات من قبل أنهما لا يوصفان والمضمر أولى بأن يكون اسم ليس من الظاهر فهذا معنى قوله: «في علا» (٢) أي: في حجج معتلية ولا معنى لهذا الترجيح فإنَّ القراءتين ثابتتان قويتان.
ومِن حجة الرفع أنَّ ما ولي ليس من هذين أولى بأن يكون اسمَها لأنها مع اسمها بمنزلة الفعل والفاعل وقد دلَّ قوله تعالى ﴿وليس البر بأن تأتوا﴾ (٣) على أنه الاسم لأنَّ الباء لا تكون إلا في الخبر، ويروى أنها في مصحف ابن مسعود وأبي ﴿ليس البر بأن تولوا﴾ وهذا لايلبس بقوله: ﴿وليس البر﴾ لأنه بالواو وقد قال: «ورفعك ليس البر».
стр. 649
٥٥ - وَلَكِنْ خَفِيفٌ وَارْفَعِ البرَّ عَمَّ فِيـ … ـهما وَمُوصٍّ ثِقْلُهُ صَحَّ شُلْشُلا
«فيهما» يعني هذا، وقوله تعالى: ﴿ولكِن البرُّ مَنْ اتَّقَى﴾ (١) ومعنى «عم» أنه عم الموضعين؛ وقد تقدم أنَّ (لكن) إذا خُفِّفَت بَطَلَ عملُها وصار العمل للابتداء، والتقدير: ولكنِ البرُّ بِرُّ من آمن بالله؛ ويجوز أن تُقَدِّرَ ولكن ذو البر من آمن بالله كما في (٢):
............................... … فإنما هي إقبالٌ وإدبارٌ
ويجوز أن يكون البر بمعنى البار كما قال (٣):
شتان هذا والعناق والنوم … والمشرب البارد والظل الدُّوم
والشلشل الخفيف أي: صح ثِقْلُه خفيفاً يعني: أنَّ معنى الثقل صح في حال الخِفَّة فوَصَّى وأَوْصَى واحد كما يُقال: كَرَّم وأَكْرَم، وقد سبق القول فيما تقدم.
٥٦ - وَفِدْيَةُ نَوِّنْ وَارْفَعِ الخَفْضَ بَعْدُ فِي … طَعَامٍ لَدَى غُصْنٍ دَنَا وَتَذَّللا
معلومٌ أنَّ الفدية هي الطعام؛ فالإضافة من باب: خاتمِ حديدٍ.
ومن نوَّن جعل (طعام) بدلاً من فدية، أو عطفَ بيانٍ؛ ولما كان هذا الوجهُ قريبَ المعنى مفهوماً ظاهراً جعله كالغُصْن الدَّاني المتذَلل الذي لا يعْجَزُ الضعيفُ عن نيلِ ثمرته.
стр. 650
٥٧ - مَسَاكِينَ مَجْمُوعَاً وَلَيسَ مُنَوَّنَاً … وَيُفْتَحُ مِنْهُ النُّونُ عَمَّ وَأَبْجَلا
وجه مساكين بالجمع أنه قال ﴿وعَلَى الَّذِين يُطِيقُونَه﴾ (١) والواجب على جماعةٍ طعامُ مساكين وهو معنى قوله: «عم» أي: شمل الجميع، «وأبجلا» أي: كفى ووجه الإفراد أنه بمثابة أتينا الأمير، فأعطانا جُبَّةً أي: كلَّ واحدٍ منا، ومنه قوله تعالى: ﴿فاجْلِدُوهُم ثَمَانين جَلْدَةً﴾ (٢).
٥٨ - وَنَقْلُ قُرَانٍ وَالقُرَانِ دَوَاؤُنَا … وَفِي تُكْمِلُوا قُلْ شُعْبَةُ المِيمَ ثَقَّلا
لا ريب في قوله: «نقل القران دواؤنا» وأراد نقل الحركة إلى الساكن وإسقاط الهمزة للتخفيف، ونقل القرآن روايته فهو لفْظٌ موجَّه، ويحتمل أن تكون هذه القراءة من قرنتُ الشيء إذا جمعتَه فيكون وزنه فُعالاً ووزنه على الوجه الأول فعانٌ، وأصله فُعْلان، لأنه من قرأتُ بمعنى ضممتُ وجمعتُ، وكَمَّل وأَكْمَل بمعنىً واحدٍ.
٥٩ - وَكَسْرُ بُيُوتٍ وَالبُيُوتَ يُضَمُّ عَنْ … حِمَى جِلَّةٍ وَجْهَاً عَلَى الأَصْل أَقْبَلا
أصل فَعْل أن يجمع على فُعول كفَلْس وفُلُوس؛ فهذا معنى قوله: «على الأصل» والكسر لأجل الياء بعده لتُجانِسَ الحركة ما بعدها، وهي لغةٌ مشهورةٌ ومَنْ قال: هي لغة رديئةٌ؛ فقد افترى إثماً عظيماً.
فإن قال: فليس في كلامهم الخروج من كسرٍ إلى ضمٍّ.
قيل: إنما يمتنع ذلك إذا لم يُقصد به تحسين اللفظ وتقريب بعضه من بعض، فأمَّا في التقريب وطلب المشاكلة فلا؛ فقد قالوا: لِهِم ومِحِكٌ، وشِهِدَ ولِعِبَ وإن لم يكن في الكلام فِعِلٌ إلا إِبِل وليس في كلامهم فِعِيل،
стр. 651
وقد قالوا: شِعِيرٌ ورِغيفٌ، وقد قالوا في تصغير بيتٍ:/ بِيَيْت، ولم يقولوا: فِلَيس وما ذاك إلا لأنهم كَرِهوا الخروج من ضمٍّ إلى ياءٍ.
وقوله: «يُضَمُّ عن حمى جلة» يُشير به إلى نصرتهم لقراءة الضمِّ، وقول أبي حاتمٍ والنحاس (١) وغيرهما: لا يجوز غير الضم، وقد سبق الجواب، وكذلك القول في الغُيُوب والجُيُوب، والعُيُون، وشِيُوخاً.
٦٠ - وَلا تَقْتُلُوهُمْ بَعْدَهُ يَقْتُلُوكُمُو … فَإِنْ قَتَلُوكُم قَصْرُهَا شَاعَ وَانْجَلا
«شاع» اشتهر، «وانجلا» انكشف أي: لا تبدؤهم بقتلٍ حتى يبدؤكم فإن قتلوكم أي: قتلوا بعضكم كما قال (٢):
سَقَيْنَاهم كأساً سقونا بمثلها … ولكنهم كانوا على الموتِ أصْبَرَا
ولا تقاتلوهم معناه أيضاً لا تبدؤهم حتى يبدؤكم.
وقد غَفَل مَنْ قال: هذه القراءة قياس على قوله: ﴿وقَاتِلُوا في سَبيلِ الله الذِّين يُقَتِلونَكم﴾ (٣)، ﴿وقَتِلُوهم حَتَّى لا تكونَ فِتْنَةٌ﴾ (٤)، ﴿ومَن يُقَتِل في سَبِيلِ الله﴾ (٥) إلى نظائر ذلك في القرآن لأنَّ القراءة لا يقاس منها موضعٌ على موضعٍ وإنما ثبتت نقلاً، وقد ردَّ فيما حكوْا أبو العباس المبرِّد قراءةَ القصر، وقال: لأنَّ المعنى يصير لا تقتلوهم ولا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم؛
стр. 652
والقراءة ثابتة ووجهها ظاهر وكأنه قال: واقتلوهم حيث ثقفتموهم إلا عند المسجد الحرام فلا تقتلوهم عنده حتى يقتلوكم، فيصير المعنى وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم واقتلوهم إلا عند المسجد الحرام فلا تقاتلوهم فلا تقتلوهم عنده حتى يقاتلوكم ويقتلوكم لأنه أمرٌ بالقتال والقتل.
ثم استغنى في الاستثناء بأحدهما لأنَّ كلَّ واحدٍ [/ منهما يدلُّ على الآخر، وكذلك قال المفسرون] (١): المعنى ولا تبدؤوهم بقتلٍ أو قتالٍ حتى يبدؤكم به؛ فَمَنْ قرأ ولا تقاتلوهم أراد ولا تقاتلوهم ولاتقتلوهم، ومَنْ قرأ ولاتقتلوهم أراد القتال أيضاً ويدُلُّ عليه قوله: تعالى بعد ذلك ﴿فاقتلوهم﴾.
٦١ - وبالرَّفْعِ نَوِّنْه فَلا رَفَثٌ وَلا … فُسُوقٌ وَلا حَقَاً وَزَانَ مُحَمَّلا
الرَّفَث الجماع وما يريد الرجل من المرأة، والفسوق قيل: هو السباب، والجدال المراء، فالرفع والتنوين على وجهين:
أحدهما: أنَّ (لا) بمعنى ليس أي: ليس رفثٌ ولا فُسوقٌ، والخبر محذوف والتقدير كائناً في الحج فهذا خبر، ومعناه النهي أي: لا يكن رفث ولا فسوق في الحج، والوجه الثاني الرفع بالابتداء والخبر مقدَّرٌ وتقديره: لارفث ولافسوق في الحج، والفرق بين هذا وبين الأول أنَّ ذاك خبر ليس وهذا خبرُ المبتدأ، ووجه قراءة النصب أنه بناه مع (لا) لأنها تدخل على النكرة العامة فتبنى معها فيصيران بمنزلة خمسة عشر، وإنما بُنِيَت النكرة معها على الفتح، لأنها ناقضت (إنَّ) وهم يعطون الشيء حكم نقيضه وذلك أنها للنفي وإنَّ للإثبات؛ فقالوا: لارجل كما قالوا: إن مالاً وإنما جُعلا بمنزلة
стр. 653
شيءٍ واحدٍ لأنها جواب: هل من رجل في الدار؟ لأنَّ (مِنْ) للإستغراق، فقيل في الجواب: لارجل في الدار على الاستغراق، ولمَّا كان الجارُّ والمجرور كشيءٍ واحدٍ جُعلت (لا) مع ما عملت فيه كشيءٍ واحدٍ تشبيهاً لها بما يقع جواباً عنه، وإنما بُنيت مع ما بعدها لأنها وقعت من النافية في الرتبة الثالثة، وذلك أنَّ أقوى النفي ما كان بليس فلذلك عملت على كل حال/ وبعدها (ما)، ولذلك نقصت عنها فلم تعمل إلا بشرط أن يليها الاسم ويتأخر الخبر ولا يفصل بينهما بإلا وبعدها لا ولذلك نقصت عن (ما) فلم تدخل إلا على النكرة وبُنِيت مع ما بعدها لضعفها وبعدها (لات) ولنقصها عن (لا) حُذِف اسمها أوخبرها، ولا يكون اسمها وخبرها إلا ظرفاً، فإذا قلت: لا رجل في الدار فمعناه حق نفي جميع الرجال لأنَّ ذلك جواب من قال: هل من رجل في الدار.
فمعنى قوله: «لا رفث» نَفْيُ جميع الرفث و (لا) مع ما بعدها في موضع رفع بالابتداء وفي الحج خبر عن جميعها.
فإن قلت: فما معنى هذا النفي وهل هو مثل قولك: لا رجل في الدار؛ والرفث يتصوَّر وجودُه في الحج.
قلت: معناه أنَّ الرفث إذا وقع بَطَل الحج وفسد لأنَّ مواقعة النساء والفسوق الذي هو الخروج عن حدود الله التي لايَصِحُّ الحج مع تعديها مُفْسِدٌ للحج فلا رفث ولا فسوق في الحج (١)، وقد وافق من قرأ بالرفع والتنوين على فتح ولا جدال لأنه عندهما وعند الآخرين بمعنى لا يقع جدال في الحج أي: تمارٍ في أنه في ذي الحجة.
стр. 654
٦٢ - وَفَتْحُكَ سِينَ السِّلْمِ أَصْلُ رِضَىً دَنَا … وحَتَّى يَقُولَ الرَّفْعُ في اللامِ أُوِّلا
السَّلم بالفتح والكسر واحد في الإسلام والمصالحة والمُسَالمة، وقوله: «أصلُ رضىً دنا» لأنَّ بعضهم يقول: الفتح أعرب اللغتين وأعلاهما في جميع ذلك، قال ابن السَّكِّيت: السَّلم بالفتح الصلح.
وقال يونس: السِّلم بالكسر الاستسلام؛ وحكى ثعلب عن أبي عمروٍ ﵀ أنه كان/ يكسر التي في البقرة ويذهب بمعناها إلى الإسلام، ويفتح السين في الأنفال والقتال وتناول فيهما المسالمة، وقال يونس: يجوز في المصالحة الفتح والكسر.
وأنكر المبرِّد هذه التفرقة؛ وأبو عمرو ﵀ شديد الأخذ بالإتْباع ولم يفرِّق معتمداً على قياس، وهذا ظنٌ سيئٌ ممن ظنَّه، والقراءتان بمعنىً واحدٍ، وكل واحد يستعمل في الصلح والإسلام جميعاً، وصاحب القراءة مُتَّبِعٌ لأئمته فيما قرأ به.
ووجه رفع (حتى يقول) أنَّ المعنى وزلزلوا فقال الرسولُ، والفعل المستقبل بعد حتى إذا كان بمعنى فُعِل أو يُفْعَل الآن رُفع كقولك: سرتُ حتى أدخُلُها أي: كنت سِرْت فدخلتها فقد مضيا جميعاً، ولا تعمل حتى على هذا بإضمار أن لأنَّ بعدها جملة وهي كقوله (١):
فيا عجبا حتى كُليبٌ تَسبُّني … كأنَّ أباها نهشلٌ أو مجاشِع
فهذا تقدير قراءة الرفع، فالرفع في اللام أُوِّل بهذا، وتقول: سِرْت حتى أدخُلَها على أنَّ السيرَ قد مضى والدخول حاضِرٌ أي: وأنا أدخلها الآن.
стр. 655
وحكى سيبويه من ذلك: «مَرِض حتى ما يرْجُونه» (١) أي: حتى إنه الآن لا يُرجى، ولا يصح تأويل القراءة عليه إلا أن يراد بالرسول نبيِّنُا ﷺ .
وأما قراءة النصب فتقديرها: وزُلْزِلُوا إلى أن يقول الرسول؛ ويجوز أن تكون بمعنى كي يقول الرسول، وذلك أنَّ المعنى أم حسبتم أن تدخلوا الجنه ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم أي: ولما ينزل بكم ما نزل ممن تقدم قبلكم من المؤمنين مع الأنبياء مسَّتهم البأساء والضراء أي: شدة الحاجة والأوصاب.
وزلزلوا أي: حُركوا بما آذاهم،/ وأصل ذلك زلَّ الشيءُ مِنْ مكانه؛ وكل ما كان مكررا كُرِّرت فاؤه نحو: قُلْقُل، وذلك أنهم خُوِّفُوا مرةً بعد مرةٍ ثم قال: حتى يقول الرسول أي: إلى أن يقول الرسول، أي: يأتيكم مثل ما أتاهم فيزلزلون حتى يقول الرسول، واختار أبو عُبيدٍ قراءة النصب قال: والنصب من وجهين:
أحدهما: اختلاف الفعلين وذلك أنَّ قولَه: (وزُلْزِلوا) فعلُ ماضٍ وقوله: يقول الرسول فعل مستقبلٌ فلما اختلفا كان الوجُه النصبَ، قال: وهذه حجة أبي عمرو قال: والأخرى: أنَّ الفعل الماضي إذا تطاول كان بمنزلة المستقبل عند العرب قال: وهذه حجة الكسائي، قال أبو جعفر النحاس (٢): «أما الحجة الأولى بأنَّ (زلزلوا) ماض، و (يقول) مستقبل فشيء ليس فيه علةٌ لرفع ولا نصب، وكأنَّ هذه الحجةَ غَلَطٌ وإنما يتكلم بها في باب الفاء؛ وحجة الكسائي أنَّ الفعل إذا تطاول صار بمنزلة المستقبل كلا حُجَّة، لأنه لم تكن العلة في النصب قال: ولو كان مستقبلاً لكان السؤال
стр. 656
بحاله، قال: ومذهب سيبويه في حتى أنَّ النصب فيما بعدها من جهتين والرفع من جهتين.
تقول: سِرْتُ حتى أدخلها على أنَّ السير والدخول قد مضيا أي: سرت فدخلتها، والوجه الآخر في الرفع على أنَّ السير قد مضى والدخول الآن كما تقول: سرت حتى أنا أدخلُها لا أُمْنع، والنصب بمعنى إلى أن أدخلَها قال: وهذه غايةُ؛ وعلى ذلك قراءة من قرأ بالنصب.
قال: والوجه الآخر في النصب في غير الآية سِرْتُ حتى أدخُلَها أي: كي أدخلها قال: والرفع أبْيَن/ وأوضح معنىً أي: وزلزلوا حتى الرسول يقول أي: حتى هذه حاله لأنَّ القول إنما كان من الزلزلة غير منقطع منها» هذا معنى كلامه.
٦٣ - وَفي التَّاء فَاضْمُمْ وَافْتَح الجيمَ … تَرْجِعُ الأُمورُ سَمَا نَصَّاً وحَيْثُ تَنَزَّلا
سما نصُّه لأنهم عللوا ذلك بأنه قياس على نظائره مما لم يُسَمَّ فيه الفاعل نحو: ﴿تُقْلَبُون﴾ (١)، ﴿وردُّوا إلى الله﴾ (٢)، و ﴿تحشرون﴾ (٣) وشبهه فنبَّه بقوله: «سما نصا» على أنها ثابتة نصَّاً، ولا وجه لقولهم قياساً على كذا، وكذلك القراءة الأخرى وجهها النقل دون القياس على قوله تعالى: ﴿ألا إلى اللهِ تَصِيُر الأُمُور﴾ (٤)، وقوله: ﴿إلى الله مَرْجِعُكُم﴾ (٥)، والقراءتان بمعنىً واحدٍ لأنَّ الأمور إذا رُجِعت رجعت وهي في معنى يَدخلون ويُدخلون.
стр. 657
٦٤ - وَإِثْمٌ كَبِيرٌ شَاعَ بِالثَّا مُثَلَّثَاً … وَغَيْرُهُمَا بالبَاءِ نُقْطَةٌ اسْفَلا
أشار بقوله: «شاع» إلى تواتر النقل فيه لأنَّ من تقدم أخذ يحتج لهذا ويقدم بعضاً على بعض فقال قوم: قراءة (كثيرٍ) أولى لأنَّ شارب الخمر يهجو وينطق بالفحشاء والكفر، ويرتكب المناهي، ويترك ما أُمِر به فوجب أن يوصف الإثم بالكثرة قالوا: ويدل على ذلك قوله ﴿ومَنَفِعُ للنَّاس﴾ (١) فقابل بالجمع الجمع والجمع يُوصف بالكثرة، قالوا: وقد قال الله تعالى: ﴿ذكْرَاً كثيراً﴾ (٢)، وقال: ﴿وادْعُوا ثُبوراً كَثيراً﴾ (٣).
قالوا: ووصفُ الإثم بالكثرة أبلغ مِنْ وصْفِهِ بالكِبْر، وقال آخرون قراءة الباء أولى واحتجُّوا بقوله : ﴿وإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (٤) ولم يقل: (أكثر)، وبقوله : ﴿إِنَّه كَان حُوبَاً كَبِيرَاً﴾ (٥) قالوا: وكما يقال:/ إثم صغير كذلك يقال: كبير وكما لا يقال: إثم قليل كذلك لا يقال: كثير.
قالوا: والعلماء يقولون (٦): كبائر الآثام وصغائرها؛ فقال لهم الأولون: إنما قال وإثمها أكبر لأنَّ الإثم الثاني واحد والأول بمعنى الآثام فحسن في الأول كثير لكثرته ولم يحسن في الثاني لقلَّتِه في المعنى، وهذا كله كما تراه غَلَطٌ
стр. 658
وغَفْلَة إنما يصلح هذا فيما يرجع إلى الآراء فأما ما كان ثابتاً مُنزَّلاً مِنْ عند الله فكلُّه سواء في الفضل والحُسْن كذا أحسن من سورة كذا؛ فلذلك أشار إلى النقل والتواتر بأنه الحجة بقوله: «شاع» والقراءتان بمعنىً واحدٍ لأنَّ ما كَبُرَ فقد كَثُرَ.
٦٥ - قُلْ العَفْوَ للبَصْرِيِّ رَفْعٌ وَبَعْدَهُ … لأَعْنَتَكُمْ بالخُلْفِ أَحْمَدُ سَهَّلا
لقراءة الرفع وجهان:
أحدهما أن تكون (ما) وحدها اسماً مرفوعاً بالابتداء، و (ذا) بمعنى الذي وهو الخبر، ويُنفقون صلة الذي والعائد محذوف والتقدير: ما الذي ينفقونه؛ فيكون الجواب: الذي ينفقونه العفو، و (ذا) لا يكون بمعنى الذي عند سيبوبه إلا في نحو قوله تعالى: ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ (١) لأنَّ بعده أساطير الأولين بالرفع، وتقديره عنده الذي أنزل على ما تزعمون أساطير الأولين.
وقال أبو زيد وغيره: لم يُقرُّوا بإنزال الله تعالى فكأنهم لم يجعلوا أساطير الأولين خبر الذي أنزل، وسيبويه (٢) جعل (ذا) بمعنى الذي لما قام على ذلك من الدليل وهو رفع أساطير بعده لأنَّ القائل إذا قال لك: ماالذي فعلت [فإنك تقول: خيرٌ على معنى الذي فعلت خير/؛ ولو قال لك: ما فعلت فإنك تقول] (٣): خيراً بالنصب، لأنك تريد فعلت خيراً؛ وكذلك إذا قال لك: ماالذي ضربت ومن ضربت هذا هو الأحسن، ولك أن تنصب حيث رفعت وترفع حيث نصبت بمعنى ضربت زيداً والذي ضربت زيدٌ كما يقول
стр. 659
بعض العرب إذا قيل لك: كيف أصبحت؟
صالح أي: أنا صالح.
ولو أجرى الجواب على قوله السائل لقال: صالحاً وكذلك إذا قال: ماذا صنعت إن نسيت قلت: خيرٌ وخيراً الرفع على أن تجعل (ذا) بمنزلة الذي، فرفعت الجواب كما ترفعه لو قال لك: ماالذي صنعت، والنصب على أن تجعل (ما) و (ذا) اسماً واحداً فيجرى الجواب كما لو تكلم السائل بما وحدها فعلى الأول جاء قوله تعالى ﴿وإِذَا قِيلَ لهمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين﴾ (١) عند سيبويه والأخفش وغيرهما.
وعلى الثاني جاء قوله تعالى: ﴿وقِيلَ للذين اتَّقوا مَاذَا أَنزلْ رَبُّكُمْ قَالوا خَيراً﴾ (٢) لأنَّ (ذا) و (ما) لما صُيِّرا اسماً واحداً منتصباً بأنزل جَرى الجواب عليه نصباً، ويجوز الرفع في موضع النصب، والنصب في موضع الرفع في الكلام على ما قدمت، ومن الدليل على جعل (ذا) بمنزلة الذي قول لبيد (٣):
ألا تسألانِ المرء ماذا يحاول … أنَحْبٌ فيُقضى أم ضلالٌ وباطل
ويدل على جعلهما اسماً واحداً قول الشاعر (٤):
دعي ماذا علمتِ سأتقيه … ولكن بالمغيب نبِّئني
والوجه الثاني أنَّ ترفع على أن (ما) و (ذا) اسمٌ واحدٌ، والتقدير قل: هو العفو كما تقدم والنصب على وجهين:
أحدهما: وهو الأولى أن يجعلا اسماً واحداً منصوباً ينفقون فخرج الجواب على لفظ السؤال/ كأنه قيل: أي شيءٍ ينفقون قل: ينفقون العفو، ويجوز
стр. 660
أن تكون (ما) وحدها اسماً و (ذا) بمعنى الذي وينصب على معنى قل: أنفقوا العفو.
وأما قراءة البزي ﴿لأعْنَتَكُم﴾ (١) فروى أبو ربيعة وابن الحباب لأعنتكم بتليين الهمزة ونصَّ عليه البزي في كتابه، وقد تقدَّمت علة تسهيل الهمز وما أريد بذلك من طلب الخفة وكيفية التليين، وروى الخزاعي وابن هرون عنه الهمز المحض، وفي قراءته هذه جمع بين اللغتين.
٦٦ - وَيَطْهُرْنَ فِي الطَّاءِ السُّكونُ وَهَاؤُهُ … يُضَمُّ وَخَفَّا إِذْ سَمَا كَيْفَ عُوِّلا
أشاربقوله: «إذ سما» إلى ردِّ قول من رجح عليه قراءة التشديد مثل أبي عبيد وغيره، ومعنى قوله: «إذ سما كيف عُوِّلا» أي: ارتفع في الجودة والحسن كيف عُوِّل في التأويل، لأنَّ يطهرن بالتخفيف يحتمل أن يراد به انقطاع الدم؛ فيكون التقدير على هذا على رأي من لا يجيز الوطء إلا بعد الغسل حتى يطهرن ويتطهرن بالماء، ويدل على ذلك قوله ﴿فإذا تَطَهَّرْنَ﴾ (٢)، وهذا كما تقول: لا تكلم زيداً حتى يجلس فإذا طابت نفسه فكلِّمه أي: فإذا جلس وطابت نفسه فكلِّمه؛ فهذا وجه قد سما فيه عند مَنْ عوَّل عليه، وأبو حنيفة يجيز الوطء من غير اغتسال إذا انقطع الدم لأكثر مدة الحيض عنده وهو عشرة أيام.
وأباح الأوزاعي وطأها بعد انقطاع الدم إذا غسلت فرجها، وكذلك يقول مجاهد إذا توضأت وأصحاب هذه الإباحة يحتجون بظاهر اللفظ،
стр. 661
وفي قوله: حتى يطهرن ويحملون قوله ﴿فإذا تطهرن﴾ على ذلك ويجعلونه بمعناه ويحتمل التخفيف/ أيضاً أن يكون حتى يطهرن بالغسل كما تقول لمن اغتسل من الجنابة: قد طهرت، وهو معنى تفسير الحسن، ومَنْ قرأ يطَّهَّرن فأصله يتطهرن فأدغمت التاء في الطاء.
٦٧ - وَضَمُّ يَخَافَا فَازَ وَالكُّلُّ أَدْغَمُوا … تُضَارِرْ وَضَمَّ الرَّاءَ حَقٌّ وَذُو جِلا
قوله «فاز» لأنه اختيار أبي عبيد، وقال أبو علي (١): وقول حمزة إلا أن يخافا مستقيم لأنه لما بُني الفعل للمفعول لم يبق شيء يتعدى إليه، فأما (أن) من قوله: ﴿إِلا أنْ يُقِيمَا﴾ (٢) فإنَّ الفعل يتعدى إليه بالجار كما في قوله (٣):
.............. … لوخافك الله عليه حرَّمَه
وأما قوله: ﴿إلا أنْ يَخَافَا﴾ (٤) فموضع (أن) جُرَّ بالجارِّ المقدر على قول الخليل (٥) والكسائي، ونصبٍ في قول غيرهما لأنه لما حُذف الجارُّ وصل الفعل إلى الثاني فقوله مستقيم كما ترى. انتهى كلام أبي علي؛ فلهذا قال «فاز» لأنَّ أبا عُبيدٍ إمام في القراءة وأبا عليٍّ إمام في النحو فَطَعْنُ غيرهما على هذه القراءة لايُلتفت إليه.
стр. 662
قال أبو عبيد: القراءة عندنا ضم الياء من يخافا لقوله: ﴿فإنْ خِفْتُم﴾ (١) فجعل الخوف لغيرهما ولم يقل: فإن خافا، وفي هذا حجة لمن جعل الخلع إلى السلطان وأنكره ابن النحاس وقال (٢): ماعلمت في اختياره شيئاً أبعد من هذا الحرف لأنه لايوجب الإعراب ولااللفظ ولا المعنى مااختاره.
فأما الإعراب فإنه يُحتج له بأنَّ عبدالله بن مسعودٍ قرأ إلا أن تخافوا ألا يقيما حدودالله؛ فهذا في العربية إذا رُدَّ إلى مايُسمَّ فاعله قيل: إلا أن يُخاف ألا يقيما حدود الله يعني ابنُ النحاس/ أنَّ الفرَّاء (٣) احتج لحمزة فقال: إنه اعتبر قراءة عبدالله إلا أن تخافوا، وقد خَطَّأه أبو علي (٤) وقال: لم يُصِبْ لأنَّ الخوف في قراءة عبد الله واقع على (أن)، وفي قراءة حمزة واقع على الرجل والمرأة رجع إلى حكاية قول ابن النحاس قال: وأما اللفظ فإن كان على لفظ يخافا وجب أن يقال: فإن خيفا، وإن كان على لفظ فإن خفتم وجب أن يقال: إلا أن تخافوا.
وأما المعنى فإنه يبعد أن يقال: لايحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئاً إلا أن يخاف غيركم، ولم يقل سبحانه: ولاجناح عليكم أن تأخذوا له منها فدية فيكون الخلع إلى السلطان، وقد صَحَّ عن عمر، وعثمان، وابن عمر أنهم أجازوا الخلع بغير سلطان. انتهى كلامه.
ووجه القراءة بَيِّنٌ والذي ذكره ابن النحاس غير لازمٍ لأنه لما قال سبحانه: ﴿ولايحلُّ لَكُمْ أنْ تَأْخُذُوا مما آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيئاً﴾ (٥) وجب على
стр. 663
الحكام منع من أراد أخْذَ شيءٍ من ذلك ثم قال إلا أن يخافا فالضمير راجع إلى الزوجين والخائف محذوف وهم الولاة والحكام، فالتقدير: إلا أن يخاف الولاةُ الزوجين ألا يقيما حدود الله فيجوز الافتداء والخوف بمعنى الظن قال الفرَّاء (١) الخوف في هذا الموضع كالظن، وفي قراءة أبي إلا أن يَظُنَّا، وقال أبوعبيدة: إلا أن يوقنا، وقال غيره: إلا أن يعلما، وقال الشاعر (٢):
أتاني كلام عن نصيب يقوله … وماخفت يا سلام أنك عائبي
يريد يا أبا سلام وهي كنية نُصيب أي: ماظننت.
وأما قول ابن النحاس (٣): «لوكان على لفظ يخافا لوجب أن يقال فإن خيف» فلايلزم لأنَّ هذا من باب الالتفات كما تقول: لاتفعل كذا إلا أن يضرب زيد فإن ضربته فافعل، فالتفت إلى الفاعل فسميته وهو من محاسن العربية؛ ويلزم من قرأ بفتح الياء على قول أبي جعفر أيضاً أن يقرأ فإن خافا وإنما هو في القراءتين على الالتفات.
وأما مااحتج به الفرَّاء (٤) لحمزة فلا يلزم من خطأ الفرَّاء في وجهٍ تخيَّله خطأُ أبي عُبيدٍ فيما اختاره على أنه ما أخطأ لأنَّ قراءة عبدالله إلا أن تخافوا دالَّة على ذلك لأنَّ التقدير: إلا أن تخافوهما أن لا يقيما و الخوفُ واقعٌ في
стр. 664
قراءة حمزة على (أن) لأنها في موضع رفع على البدل من ضميرهما وهوبدل الاشتمال كما تقول: خيف زيدٌ شرُّهُ فاندفع ماذكره أبو علي من تخطئته.
وأما قوله: يبعد من جهة المعنى أن يقال: لايحل لكم ان تأخذوا مما آتيتموهنَّ شيئا إلا أن يخاف غيرُكم فقد سبق الجواب عنه.
وأما قراءة الفتح فمعناها أنَّ الزوجين إذا خافا ألا يقيما حدود الله وما أمربه من حُسنِ الصحبة والعشرة، وما يجب من الحق حلَّ لهما ولم يكن عليهما جناح، وإنما قال عليهما إزالةٌ لتوهُّم تحريم الافتداء على المرأة فبين أنه لاجناح عليها في الافتداء ولاعلى الزوج في أخْذِ ما افتدت به؛ و (أنْ) على قراءة الفتح في موضع نصب بـ يخافا.
وأما (تضار) فوجه القراءة بالرفع أنه جاء تابعاً لما قبله وهو قوله: ﴿لاتُكَلَّفٌ﴾ (١) فهو نفيٌ لانهي.
قال أبو عُبيدٍ: وأحسبهما/ آثرا الرفع لقوله: ﴿لاتُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾ (٢) فأتبعا الرفع نسقاً عليه وجعلاه خبراً بمعنى النهي، وقد يأتى الأمر بلفظ الخبر كقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بأنفسِهنَّ﴾ (٣) وكذلك النهي.
ومن قرأ ﴿لاتُضارَّ﴾ بفتح الراء فهو جزْمٌ بالنهي، والفتح يُخْتَار في التضعيف إذا كان قبله فتحٌ أو ألف للموافقة كقولك: عَضَّ زيداً، وضَارَّ بَكْرَاً.
وإنما قال: «وضمُّ الراء» ولم يقل: ورفع الراء ضرورةً، لأنَّ الحركة في إحدى القراءتين للبناء والأخرى للإعراب فلابُدَّ من الإخلال باسم إحداهما؛
стр. 665
فلو قال: ورفع الراء للزم من ذلك أن تكون القراءة الأخرى بالنصب وهي بالفتح فقال: وضمُّ الرَّاء لأنَّ الأخرى بالفتح.
وقوله: «تُضَارَرْ» اختلف فيه فقيل: أصله تضارَرْ وكذلك هو في قراءة ابن مسعود وإليه ذهب الفرَّاء وغيره، وفي قراءة ابن عباس تضارِرْ وإليه ذهب الزجَّاج (١)؛ فقال أبو القاسم شيخنا ﵀: تُضَارِرْ وتُضَارَرْ ذاهباً إلى تصويب المذهبين جميعاً، و (والدَةٌ) على ذلك مفعولةٌ لما لم يُسَمَّ فاعِلُه، وعلى القول الآخر فاعلة؛ فَمَنْ فَتَحَ فمعناه لاتُمْنَعُ من إرضاع ولدها وهي راضيةٌ بما رضي به غيرُها ولايمنع من نفقته، وعلى الكسر تكون فاعلةً ومعناه لا تتعدَّى في طلب ماليس لها من الأجر ولاتُضَارِر بالامتناع من الإرضاع، ولامولودٌ له داخلٌ في حكم ماقبله على المعنيين.
وقوله: «وذو جلا» أي: وذو انكشاف وظهُور.
٦٨ - وَقَصْرُ أَتَيْتُمْ مِنْ رِبَاً وَأَتَيْتُمُو … هُنَا دَارَ وَجْهَاً لَيْسَ إِلا مُبَجِّلا
يقال: أتى إليه إحساناً بالقصر أي: فعل ذلك ومنه قوله تعالى: ﴿إنَّه كَانَ وعدُهُ/ مَأْتِيَّاً﴾ (٢) أي: مفعولاً؛ ومَنْ قرأ ﴿آتيتم﴾ بالمد فمعناه أعطيتم، وحقيقته إذا سلمتم إليهن ما أردتم إعطاءه، وهو كقوله تعالى: ﴿إذا قُمْتُم إِلى الصَّلوة﴾ (٣).
وقوله: «دار وجهاً» في دار ضمير يعود على أتيتم، ووجهاً منصوبٌ على التمييز، واسْمُ ليس مستتر وهو يعود على الوجه والمبَجَّل الموقر، وأشار
стр. 666
بذلك إلى طعنِ مَنْ طَعَنَ على هذه القراءة كقول ابن الأنباري: لا يحتمل أن يكون معناه غير ماجئتم بالمعروف من المجيء، قال: وليست في هذا الموضع حسنةً فدارَ وجهُهُ على ما قدَّمته مُبَجَّلاً عن مثل هذا الطعن.
٦٩ - مَعَاً قَدْرُ حُرِّكْ مِنْ صِحَابٍ وَحَيْثُ جَا … يُضَمُّ تَمَسُّوهُنَّ وَامْدُدْه شُلْشُلا
قدْرٌ وقدَرٌ لغتان بمعنىً واحدٍ كما قال تعالى: ﴿أودِيةٌ بِقَدَرِها﴾ (١)، و ﴿إنَّا كلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاه بِقَدَرٍ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شِيءٍ قَدْرَاً﴾ (٣).
وقيل: الساكن من هذا الباب مصدر والمتحرك اسمٌ كالعدِّ والعدد قال الله تعالى ﴿إنما نَعُدُّ لهمْ عَدَّاً﴾ (٤)، وقال في الاسم: ﴿سِنِين عَدَدَاً﴾ (٥)، وكذلك ﴿فليمدُد له الرحمان مَدّاً﴾ (٦)، ﴿ولو جِئْنَا بمثْلِهِ مَدَدَا﴾ (٧).
فكان القدْر بالتسكين الوسع يقال: هو ينفق على قَدْرِه أي: على وُسْعه؛ قال أبو جعفر: وأكثر ما يستعمل القدَر بالتحريك للشيء إذا كان مساوياً للشيء يقال: هذا على قدَر هذا، والذي عليه أكثر أئمة العربية أنهما لغتان.
وتماسُّوهن بمعنى تَمَسوهن (٨) كما يقال: داويت العليل، وعاقبت زيداً وطارقْتُ النعل وذلك في القرآن ثلاثة: موضعان هنا، وفي الأحزاب موضع.
стр. 667
«وامدده شلشلا» أي: خفيفاً وهو حال من الفاعل في امدده يقال: رجل شلشل أي: خفيفٌ.
٧٠ - وَصِيةً ارْفَعْ صَفْوُ حِرْمِيُّهُ رِضَاً … وَيَبْصُطُ عَنْهُم غَيْرَ قُنْبُلٍ اعْتَلَى
﴿وصيةٌ﴾ يُرْفع على أنه خبر ابتداء محذوف والتقدير: ووصية الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصيةٌ لأزواجهم، أو وحكم الذين يُتوفون منكم وصية، أوأمرهم وصية ومثله قوله تعالى: ﴿بَلغٌ فَهلْ يُهْلَكُ﴾ (١)، و ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَة﴾ (٢) وقد قال الشاعر (٣):
وقائلةٍ خوْلانُ فانكِح فتاتَهم … وأُكرُومةُ الحيَّيْنِ خِلْوٌ كَما هِيَا
أو الذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجاً أهلُ وصية؛ فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، أو يجعل مبتدأ ويُقَدَّر الخبر متقدماً محذوفاً عليهم وصية، أو يجعل مبتدأً ويجعل لأزواجهم الخبر.
قال أبو علي (٤): «وحسن الابتداء بالنكرة لأنه موضع تخصيص كسلامٌ عليك، وخيرٌ بين يديك و «أمْتٌ في حَجَرٍ لا فيك» (٥)؛ والأول أحسن».
وقوله: «صفو حرميه رضا» الهاء في «حرميه» تعود على الرفع، وصفو مبتدأ، ورضا خبره وأشار بذلك إلى اختيار أبي عبيد له، وقوله: هي القراءة عندنا لاعتبارها بقراءة أُبي بن كعب وعبد الله، ثم قال: حدثنا حجاج عن هارون، قال في حرف أُبي ابن كعب: متاعٌ لأزواجهم رفع.
стр. 668
قال هارون: ورأيت في مصحف ابن مسعود الوصيةُ لأزواجهم متاعاً، قال أبو عبيدٍ: ومع هذا إنا رأينا هذا المعنى كلَّه في القرآن رفعاً مثل قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرْضْتُم﴾ (١)، ﴿فَفِدْيةٌ مِنْ صِيامٍ﴾ (٢)، ﴿فَدِيةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أهلِهِ﴾ (٣)، وقال ومعنى هذا: لتكن وصية، قال: ومَنْ نَصَبَ أراد أوْصُوا وصيةً وهو وجهٌ. هذا آخر/ كلامه.
ووجه قراءة النصب كما ذكر توصون وصيةً كما قالوا: ما أنت إلا سير الإبل أي: تسير وتشرب.
«ويبسط عنهم» أي: عن المذكورين بالصاد ويدل على أنه أراد الصاد قوله بعد ذلك: «وبالسين باقيهم» والأصل السين إذ لو كانت الصاد الأصل لم ينطق بالسين لأنَّ السين تُرَدُّ إلى الصاد لأنها موافقة للطاء في الإطباق والاستعلاء؛ فأيُّ علةٍ توجب ردَّه إلاالسين فثبت أنَّ السين الأصل والعرب تجيز السين والصاد مع الطاء.
وقال أبو عُبيدٍ: إذا كان في الاسم طاءٌ أو قافٌ أو خاءٌ أو غين ولا يكون في غير ذلك مثل الصِّراط، والبُصَاق، والسِّنْخِ، والمِصْدَغة، والغرض بذلك المشاكلة، لأنَّ السين حرفٌ مستفِلٌ وقد وقع بعده الطاء وهومطبق مستعل فكان من أبدل استصعب الخروج من تَسَفُّلٍ إلى تَصَعُّدٍ وعكس ذلك غير مُسْتَصْعَبٍ لأنه انتقال من تَصَعُّدٍ إلى تَسَفُّلٍ نحو: طسم؛ وهما لغتان جيدتان، والرسم بالصاد ولذلك قال: «اعتلى»؛ وقد مضى في الفاتحة الكلام على هذا الأصل.
стр. 669
٧١ - وَبالسِيِن باقِيهمْ وفي الخَلْقِ بَصْطَةً … وَقُلْ فِيهِمَا الوَجْهَانِ قَوْلا مُوَصَّلا
يعني ﴿وزادَكُم في الخلْقِ بَصْطَة﴾ (١) في الأعراف حكمه كحكم يبصط، ثم قال: «وقل فيهما» يعني في يبصط وبصطة المذكوين الوجهان عن خلاد وابن ذكوان (٢) أما خلاد فقال أبو عمرو: قرأتُ على أبي الفتح فيهما بالصاد، وعلى أبي الحسن بالسين
وأما ابن ذكوان فقال: أقرأني الفارسي عن النقاش والأخفش هنا ﴿يَقْبِضُ ويَبْصُطُ﴾ (٣) بالسين، وفي الأعراف ﴿بَصْطَة﴾ بالصاد، ورأيت ابن داود قد رواهما عن أبي سهل، عن ابن السَّفَرِ، عن الأخفش بالسين، وقرأتهما على أبي الفتح وأبي الحسن جميعاً بالصاد ذكر ما حكيتُه عن خلاد وابن ذكوان في غير التيسير.
فأما ﴿بسْطَة﴾ الذي في البقرة فليس فيما تلوناه خلاف أنه بالسين، وقد رُوِي عن الكسائي بالصاد وعن نافع أيضاً من طريق المسيبي والمعوَّل عليه [السين] (٤) لجميع [القراء] (٥)، [وقوله: «قولاً موصلاً» أي: منقولاً] (٦).
стр. 670
٧٢ - يُضَاعِفَهُ ارْفَعْ بالحَدِيدِ وَهَاهُنَا … سَمَا شُكْرُهُ والعَيْنُ في الكُلِّ ثُقِّلا
إنما قال: «سما شكره» لأنَّ النحويين يقولون: إنه الوجه ويفضلونه على النصب؛ فكأنه يقول: سما شكرهم له فهو مضافٌ إلى المفعول، وللرفع وجهان:
العطف على ما في الصِّلة وهو يُقْرض ويكون المعنى: من ذا الذي يقرض الله فيضاعف الله له أي: ومن ذا الذي يضاعف الله له.
والثاني: الاستئناف أي: فهو يضاعفه وللنصب تقديران: أحدهما حمْلُ الكلام على المعنى والمعنى الشرط والجزاء والتقدير إن يكن إقراض تبعته مضاعفة، فأضمر أن بعد الفاء لتكون مع الفعل بتأويل المصدر فيعطف ذلك المصدر على المصدر المقدَّر أولاً وهو الإقراض كأنك قلت: إن يكن إقراض فمضاعفة قال: من اختار هذا ويقبح أن يحمل النصب على جواب الاستفهام بالفاء لأنَّ الإقراض غير مستفهم عنه إنما وقع الاستفهام [عن المقرض] (١).
ألا ترى أنك تقول: أتقرضني فأشكرك بالنصب لَمَّا كان الاستفهام عن الإقراض ولو قلت: أأنت تقرضني. قلتَ فأشكرُك بالرفع لأنَّ الاستفهام وقع على المخاطب/ لا على الإقراض.
والثاني النصب على جواب الاستفهام حملاً على المعنى لأنَّ أنقرِضُ الله ومن ذا الذي يقرض الله سواءٌ، و (من) مبتدأ و (ذا) خبره و (الذي) نعتٌ لذا أو بدلٌ؛ ولا يكون مَنْ مع ذا اسماً واحداً كما كانت ما لأنَّ ما وذا مبهمتان فَحَسُنَ أن تزاد ذا معها وليس كذلك مَنْ في الإبهام، و (قرضاً) هاهنا اسم لما تعطيه فتجازى عليه، والمصدر الإقراضُ والعين في الكل ثقلا.