← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 880

شرح الشاطبية فتح الوصيد في شرح القصيد - ت أحمد الزعبي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

الفرَّاء (١) ذهب بالياء إلى الإخبار عن المشركين في مخاطبة اليهود، لأنَّ النبي ﷺ لما ظهر يوم بدرٍ قالت اليهود: هذا هو النبي الذي لاتُردُّ رايته، فلمَّا ظهر المشركون يوم أحدٍ رجعوا وكذبوا وأظهروا السُّرور، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ للذِين كَفَرُوا﴾ (٢) أي: لليهود سيغلبون ويحشرون يعني المشركين، وقال بذلك أيضاً أحمد بن يحيى. وقال آخرون: الياء والتاء [واحدٌ] (٣) وهذا كما تقول: قل لزيدٍ: إنه ذاهبٌ وإنك ذاهبٌ، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ للذين كَفَرُوا إن ينْتَهُوا﴾ (٤)، واحتجَّ أبو عمرو بن العلاء لما اختاره بأنَّ بعدها ﴿قد كَان لَكُمْ﴾ (٥). «ويرون الغيبُ خُصَّ» أي: خصَّ المقاتلين في سبيل الله تعالى، وخلل بمعنى خص أيضاً يقال: عمَّ بدعوته، وخلل أي: عمَّ وخص قال الشاعر (٦): أبلغ كلاباً وخلل في سراتهم … .............. وقال آخر (٧): بني مالك أعني بسعد بن مالك … أعمُّ بخير صالحٍ واخلل

стр. 702

ومَنْ قرأ بالتاء جعل الخطاب لليهود أي: ترونهم لو رأيتموهم مثليهم، وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر والكفار ألفاً، وقيل: تسعمائة وخمسين، فهم أكثر من ثلاثة أمثالهم، ولكن الآية أنهم يراهم الرأي فيراهم المسلمون مثليهم، فقللهم الله في أعينهم ليشجعهم عليهم لأنهم [لايعجز] (١) واحدٌ عن اثنين وقد يعجز عن الثلاثة، ويجوز أن يكون الخطاب للمسلمين الذين أنزل عليهم هذا أي: ترونهم لورأيتموهم كما كانوا يرونهم مثليهم رأي العين، فهو عامٌّ لأنَّ المعنى الرأي منكم مثليهم. ٣ - ورِضْوَانٌ اضْمُمْ غَيْرَ ثَانِي العُقُودِ كَسْـ … ـرَهُ صَحَّ إِنَّ الدِّينَ بِالفَتْحِ رُفِّلا قوله: «اضمم كَسْرَه صَحَّ» أي: صح الضم فيه، وأنه لغةٌ فصيحةٌ حكاها سيبويه (٢) وغيره يقال: رَضِيَ يَرْضَى رِضَاً، ومَرْضَاةً ورُضْوَاناً ورِضْوَاناً، وقال بعض الناس: في قراءة الضم فرْقٌ بين المصدر والاسم، إذ الاسم لا يجيء إلا مكسوراً نحو: «رضوان خازن الجنة» (٣)، واستثنى ﴿من اتبعَ رِضْوَانَه سُبل السَّلام﴾ (٤) فكسره ليجمع بين اللغتين، وليشعر بأنهما لغتان فصيحتان، ويقال: الضم لغة بني تميم، والكسر لغة الحجاز. «وإنَّ الدين بالفتح رُفِّلا» أي: عُظِّم، قال الشيخ ﵀: لأنَّ البدل مع فتح الهمزة أظهر، وعليه يجيء حسن المعنى قال: وقد قيل: إنه معطوفٌ في وإن الدين وحرف العطف محذوفٌ، والأول أظهر، ومعنى البدل/ الذي

стр. 703

أشار إليه أنَّ الإسلام في معنى التوحيد أولاً فأبدل منه؛ وقال المبرِّد: المعنى بأنه لا إله إلا هو أن الدين إلا أنه أسقط الخافض فتعدى إليه الفعل. وقال الكسائي: انصبهما جميعاً بمعنى شهد الله أنه كذا وأنَّ الدين، وقال أبو إسحاق (١) مثله، وقيل أيضاً: يجوز أن يكون التقدير لأنه لاإله إلا هو، فيكون الأول مفعولاً من أجله، ومَنْ كسر فعلى الاستئناف، ويكون الكلام قبله تامَّاً. ٤ - وَفِي يَقْتُلُونَ الثَّانِ قَالَ يُقَاتِلُو … نَ حَمْزَةُ وَهُو الحبْرُ سَادَ مُقَتَّلا المُقَتَّل المجرِّبُ للأمور المطَّلع عليها، يشير إلى أنَّ حمزة ﵀ قد اطَّلع على هذا العلم، وعَلِم أنَّ قراءة ابن مسعودٍ وقاتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، روي (٢) أنَّ بني إسرائيل قتلوا من أول النهار ثلاثةً وأربعين نبيِّاً في ساعةٍ واحدةٍ، فقام قومٌ من عبَّادهم ينكرون عليهم ذلك، ويأمرونهم بالمعروف، فقتلوا من آخره؛ فقراءة حمزة (٣) دالَّةٌ على أنهم قتلوهم بعد المقاتلة، وقراءة غيره على القتل. ٥ - وفي بَلَدٍ مَيْتٍ مَع الميْتِ خفَّفُوا … صَفَا نفراً والْمَيْتَةُ الخِفُّ خُوِّلا خُوِّل أي: حُفظ، من خال الراعي يخُول إذا حفظ فهو خائل، وأصل ميِّتٍ عند البصريين مَيْوِت، وقال الكوفيون: هذا لانظير له في الصحيح، وإنما أصله مَوِيت مثل: طويل، ثم قلبت الواو ياءً للإدغام في الياء، ويلزمهم مثل هذا في طويلٍ وعويلٍ.

стр. 704

وقال البصريون: هو الأصل وإن لم يكن له في الصحيح نظيرٌ، وقد قالوا: قاضٍ وقضاةٌ، ولا/ يوجد مثله في الصحيح فعلى قولهم: لما اجتمعت الياء والواو وسبقت الأولى منهما بالسكون قُلِبت الواو ياءً وأدغمت الياء في الياء، ومثله: سيِّد، وهيِّن، والأصل سَيْوِد، وهَيْوِن، فالتثقيل هو الأصل، أنَّ بعض العرب يسثقل التضعيف في الياء فيحذف العين فيقول: سيِّد، وميِّت، وهيِّن، وعليها جاءت قراءة التخفيف (١) ومنه قولهم: هين لين، و قوله ﵇: «المؤمنون هَينُون ليِّنُون» (٢). وقال الشاعر (٣): ليس من مات فاستراح بميْتٍ … إنما الميْتُ ميِّتُ الأحياءِ وإنما بقوا الزائد وحذفوا الأصلي وهو العين، لأنهم لو بقوا العين لوجب قلبها ألفاً لتحركها وانفتاح ماقبلها، ولو فعلوا هذا لكان إخلالاً بالكلمة بعد إخلالٍ وذلك ممتنع، ونظير هذا الحذف قولهم: هارٍ، وشاكٍ، أصله هاير، وشايك فحذفوا العين؛ وأصل صيرورةٍ، وقيدودةٍ، صيِّرورةٌ، وقيِّدودةٌ، والحذف فيهما ملتزمٌ لكثرة حروفهما. «والميتة» عنى به قوله تعالى: ﴿وآيةٌ لهم الأرضُ الميتة﴾ (٤) فإن قيل: فهذا يُشْكِلُ على المبتدئ بقوله: ﴿الميتة والدَّمُ﴾ (٥).

стр. 705

قلت: ذلك مما لاخلاف فيه، وقد سبق لفظه في البقرة، فلا يقع مع ذلك هاهنا فيه إشكال وإنما أراد ماذكرته في يس [وأيضاً فإنه قال: «وفي بلدٍ ميتٍ مع الميت» فكأنه قال: والأرض الميتة لأنها من جنس ذلك] (١)، وهي ثلاثة مواضع انفرد نافعٌ فيها بالتثقيل هذا منها، والموضعان هما في البيت بعده. ٦ - وَمَيْتَاً لَدَى الأَنْعَامِ وَالحُجَرَاتِ خُذْ … ومَالَمْ يَمُتْ للكُلِّ جَاءَ مُثَقَّلا قوله تعالى: ﴿أومَنْ كَان مَيْتَا﴾ (٢)، و ﴿لحم أخِيه مَيْتَاً﴾ (٣)، ومالم يمت كقوله تعالى:/ ﴿إنَّك مَيِّت وإِنَّهم مَيِّتُون﴾ (٤)، ﴿وما هُو بميت﴾ (٥)، و ﴿ثم إنَّكم بَعْدَ ذَلكَ لَمَيِّتُون﴾ (٦)، وكذلك لا خلاف بينهم في تخفيف ﴿الميْتَة والدَّمُ﴾ (٧)، و ﴿بَلدةً ميْتاً﴾ (٨). ٧ - وكَفَّلَهَا الكُوفي ثَقِيلاً وَسَكَّنُوا … وضَعْتُ وَضَمُّوا سَاكِنَاً صَحَّ كُفَّلا معنى ﴿وكفَّلَها﴾ (٩) أي: وكفلها الله زكريا، فيكون على ما قبله أي: فتقبلها الله وأنبتها وكفلها، وتكفيله إياه إياها بإخراج قلمه دون أقلام

стр. 706

المستهمين على كفالتها؛ وفي التخفيف إسناد الفعل إلى زكريا، لأنَّ الله سبحانه لما كفله كفلها وهما في المعنى متقاربان. وقوله: «وسكَّنُوا وضعْتُ» يعني تسكين العين، «وضمُّوا ساكناً» يريد سكون التاء، و «كفلا» جمع كافل، والكلام كلُّه مستوفٍ في هذه القراءة على نمط واحد رب إني وضعتها أنثى وأنت أعلم بما وضعت، وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم. وقد قال قوم: بأنَّ تلك القراءة أصحُّ في المعنى قالوا: لأنها قالت: رب إني وضعتها أنثى فكيف يقول بعد ذلك والله أعلم بما وضعت (١)؟ وليس الأمر كمازعموا إنما هذا كقول القائل: رب إني مسني الضر وأنت أعلم فلا يحتاج سائلك إلى إخبارٍ أو شرح حالٍ، و القراءة الأخرى تحتمل أن تكون من كلام أمِّ مريم أي: والله أعلم بما وضعت أَمَتُك، وهو الأحسن فيما أرى، والله أعلم ليتحِدَ معنى القراءتين. وقد قيل: هو كلام مُعْتَرِض خاطبنا الله تعالى به في أثناء القصة، ثم رجع الكلام إلى استتمام الحكاية. ٨ - وقُلْ زَكَرِيَّا دُونَ هَمْزِ جَمِيعِهِ … صِحَابٌ وَرَفْعٌ غَيْرُ شُعْبَةَ الَاوَّلا زكريا اسمٌ أعجميٌّ وللعرب فيه أربع لغاتٍ، فَمِنْ أهل الحجاز مَنْ يَمُدُّه، ومنهم من يقصر وبهما نزل القرآن، وأهل نجد يقولون: زَكَريٌّ فيحذفون ألفه وينونونه على لفظ النسب، وحكى الأخفش لغةً رابعةً زَكْرٍ مثل: عَمْرو، وقال أبو حاتم: زكري لا ينصرف لأنه أعجمي؛ وغلط في

стр. 707

ذلك لأنَّ ما كان منسوباً من الأسماء العربية منصرف وهذا مثله، وقال أبو علي (١): «القول فيه أنه حذف الياءين اللتين كانتا في (زكرياء) الممدود أو المقصور وأَلْحَقَ الكلمة ياءَي النسب». قال: «ويَدُلُّك على ذلك صرف الاسم، ولو كانت الياءان في زكريٍّ هما اللتان كانتا في (زكريا) لوجب أن لا يصرف الاسم للعجمة والتعريف، و (زكريا) الممدود والمقصور لا ينصرف في معرفة ولا نكرة لأنه مُشَبَّهٌ بما فيه ألف التأنيث الممدودة أو المقصورة». قال أبو علي (٢): «لا يخلوا أن تكون الهمزة للتأنيث أو للإلحاق، أو منقلبةً ولا يجوز أن تكون منقلبة، لأنَّ الانقلاب لا يخلو إما أن يكون من نفس الحرف يعني الكلمة، أو من حرف الإلحاق، فلا يجوز أن يكون من نفس الحرف، لأنَّ الواو والياء لا يكونان أصلاً فيما كان على أربعة أحرف، ولا يكون منقلباً من حرف الإلحاق لأنه ليس في الأصول شيءٌ يكون هذا مُلْحَقاً به فإذا بَطَلَ هذا ثبت أنه للتأنيث، وكذلك القول في المقصور ونظيره: (الهيجاء واليهجا) لَمَّا أُعرِبت الكلمة وافقت العربية». وقرأ صحابٌ (٣) بغير همزٍ فَيَبْقَى الباقون على الهمز، وفيهم أبو بكر وهو يقرأ وكفَّلها بالتشديد فينصب زكريا لأنه مفعولٌ ثانٍ، فهذا معنى/ قوله: «ورفعٌ غيرُ شعبة الاولا».

стр. 708

وهذا بيانٌ شافٍ، ولم يقع في التيسير مُتَّضِحَاً كما وقع هاهنا [والاولا في آخر البيت مفعول والفاعل (غير)، و (رفع) هو العامل الرافع للفاعل، والناصب للمفعول كما تقول: أعجبني ضربُ غيرُ زيدٍ عَمْراً] (١). ٩ - وَذَكِّرْ فَنَادَاهُ وَأَضْجِعْهُ شَاهِداً … ومِنْ بَعْدُ أَنَّ اللهَ يُكْسَرُ فِي كِلا يجوز لفظ التذكير في الجماعة قال الله تعالى: ﴿فَسَجَد الملائكَةُ﴾ (٢) وتقديره: جمع الملائكة، «وأضجعه» أي: أمِلْهُ «شاهداً» أي: في حال شهادته لهذه القراءة أنها بالألف، أو شاهداً أنَّ أصلها الياء، ويروى عن ابن عباسٍ أنَّ الذي ناداه جبريل [وحده] (٣)، ويُرْوى في قراءة ابن مسعود فناداه جبريل وحده. قال أبو محمد مكيٌّ ﵀ (٤): «فلا وجه للتأنيث على هذا التفسير»، وهذا التفسير لا يباين القراءة لأنَّ المعنى أتاه النداء من هذا الجنس كما يقال: رَكِبَ السُّفُنَ؛ وإنما ركب واحدةً أي: جعل ركوبه هذا الجنس. «ومن بعد أنَّ الله» أي: ومن بعد فناداه. «يكسر في كلا» أي: في كلاءٍ وهو من كَلا ت كذا أي: حفظته أي: يكسر في حفظٍ قال جميل (٥): فكوني بخيرٍ في كِلاءٍ وغبطةٍ … وإن كنتِ قد أزمعتِ هجري وبغضتي

стр. 709

قال أبو علي (١): "مَنْ فَتَح أضمر الجار أى: نادته بأنَّ؛ فأنَّ عند سيبويه في موضع نصب (٢)، وعند الخليل في موضع جرٍّ، ومَنْ كسر أضمر القول أي: فقالت: (إنَّ) مثل: ﴿والملئكة يَدخُلون عَليهم من كلِّ باب سلامٌ / عَليكم﴾ (٣)، ﴿والملَئِكَةُ باسِطُوا أيدِيهم أَخْرِجُوا﴾ (٤) ". قال (٥): «وزعموا أنَّ في حرف عبد الله فنادته الملائكة يا زكريا، وموضعه نصبٌ بالنداء، وكذلك إن أضمرته كما تحذف المفعولات، فلا يجوز الفتح في (أنَّ) على هذا، لأنَّ نادى قد استوفى مفعوليه: الضمير والمنادى». ومعنى ما ذكره أنَّ مَنْ فتح قدَّر حرفَ الجر محذوفاً، فيكون (أن) في موضع نصبٍ بإسقاط الخافض، والخليل يجيز إعمالَ حَرْفِ الجر محذوفاً لِكَثْرَة حذفه مع (أنَّ)، فهي على قياس قوله في موضع جرٍّ، ومثل هذا قولهم: (اللهَِ لأ فعلنّ) بالنصب والخفض، فَمَنْ نَصَبَ، فلأنَّ الفعل اتصل به فنَصَبه لما حذف حرف القسم، ومَنْ خفض أعمل حرْف الجر، وهو محذوفٌ لكثرة حذفه في القسم، ومَنْ كسر (إن) أضمر القول أي: فنادته الملائكة فقالت. ويجوز أن يكون أقام النداء مقام القول لأنه قولٌ، وأيَّدَ ذلك قراءة عبد الله يازكريا إنَّ الله، وإليه أشار بقوله: «يكسر في كلا» أي: في حفظٍ [وحراسةٍ] (٦).

стр. 710

١٠ - مَعَ الكَهْفِ وَالإسْرَاءِ يَبْشُرُكَمْ سَمَا … نَعَمْ ضُمَّ حَرِّكْ وَاكْسِرِالضَّمَّ أَثْقَلا يقول: فيبشر هاهنا في آل عمران وهو موضعان يبشرك، ويبشرك مع الكهف والإسراء (١) «ضُمَّ» يعني في الياء «حَرِّك» يعني افتح يريد افتح الباء، لأنَّ التحريك إذا جرى غير مقيَّد فهو الفتح وضدُّه الإسكان. «واكسر الضم» يعني في الشين وقيَّدَه بقوله: «اكسر الضم»، ولو قال: واكسر. وسكت لكان ضدُّه الفتح، فلذلك قيَّدَه. «أثقلا» أي: في حال ثقله، وكم هاهنا خبرية أي: سما سمواً كثيراً. وقوله: «نعم» قدَّرَ أنَّ قائلاً قال له لما ذكر يبشر في السور الثلاث وأثنى عليه:/ ما شأنه؟، فقال: «نعم ضُمَّ حَرِّك واكسِر الضمَّ أثقلا»، وإنما أشار إلى قوَّةِ التشديد وسُمُوِّه لشهرته عن إنكار المنكرين، كما قال أبو حاتمٍ في التخفيف: لا نعرف فيه أصلاً نعتمد عليه؛ وأنكره. وأيضاً فإنهم أجمعوا على تشديد ﴿فَبَشِّر عِبَاد﴾ (٢)، وعلى ﴿فَبَشَّرَه بِمَغْفِرة﴾ (٣)، وعلى ﴿فَبَشَّرْنَاها بإسْحَاق﴾ (٤)، و ﴿فبَشَّرْنَه بِغُلام﴾ (٥)، وعلى ﴿فَبَشِّرْهُم بعذاب﴾ (٦) إلى غير ذلك، وهو أكثر استعمالاً في الكلام وأيسر، والذي قاله أبو حاتم ليس بصوابٍ.

стр. 711

وبشَّرْتُه وأَبْشَرْتُه يستعمل بمعنىً واحدٍ، يقال: بشَرْتُه بالتخفيف وأَبْشَر وبَشَرَ أي: سُرَّ وفَرِحَ (١) قال الشاعر (٢): ثم أبشرتُ إذا رأيتُ سوَامَا … وبيوتاً مبثوثةً وجلالا ومنه قوله تعالى: ﴿وأبْشِرُوا بالجنة﴾ (٣)، وفي الحديث أنَّ النبي ﷺ قال لرجل: «إنّ الله يبشرك بغلام» (٤) بالتخفيف فولد له غلام، وقال الشاعر أنشده الفرَّاء (٥): بشرت عيالي إذا رأيت صحيفةً … أتتك من الحجَّاجِ يُتْلى كِتَابُها وأصل ذلك كله أنَّ بَشَرَةَ الوجه تنبسط عند السرور، وتقول: فلان ذو بِشْرٍ أي: وجه منبسط ويقال: بشَّره بالتشديد من البِشَارة وبشَرَهُ يَبْشُره بالتخفيف أي: سرَّه لذلك ما حكى اليزيدي عن أبي عمروٍ أنه خفّف التي في الشورى، لأنه ليس فيها بكذا قال: ومعناها: ينضر الله وجوههم أي: تُرى النضَّرة فيها. ١١ - نَعَمْ عَمَّ فِي الشُّورَى وَفي التَّوْبَةِ اعْكِسُوا … لِحَمْزَةَ مَعَ كَافٍ مَعَ الحِجْرِ أَوَّلا أي: عم هذا الحكم في الشورى، وهو التثقيل مع الضم والفتح المذكور «وفي التوبة اعكسوا» فيكون موضع الضمِّ الفتحُ، وموضع التحريك الإسكانُ، وموضع كسر الضم الضمُّ، وموضع التثقيل التخفيفُ، فيقرأ

стр. 712

﴿يَبْشُرُهم رَبُّهم﴾ (١) مع كافٍ في أولها ﴿إنَّا نُبْشِرُكَ بِغُلامٍ﴾ (٢)، وفي آخرها ﴿لتَبْشُرَ بِهِ المتقين﴾ (٣) مع الأولى في الحجر ﴿لا تَوْجَل إِنَّا نَبْشُرُك﴾ (٤)؛ وهذه الترجمة لم يأت بها أحدٌ وجيزةً سليمةً من الاختلال فيما علمت إلا صاحب القصيد ﵀. والمختلف فيه تسعة مواضع خفف حمزة جميعها، ووافقه الكسائي على خمسةٍ منها، وهي موضعا آل عمران، وموضع في الإسراء، وموضع في الكهف ﴿ويُبْشِرُ المؤمنين﴾ (٥) وفي الشورى ﴿ذلك الذي يَبْشُرُ الله﴾ (٦)، ووافقه أبو عمروٍ، وابن كثير على الذي في الشورى، وما سوى ذلك فبالتشديد لهما وللباقين. ١٢ - نُعَلِّمُهُ بِالياءِ نَصُّ أئِمَّةٍ … وَبِالكَسْرِ إِنِّي أَخْلُقُ اعْتَادَ أَفْصَلا معنى القراءة بالياء أنَّ قبله ﴿يخلق ما يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرَاً﴾ (٧) فهو راجعٌ إليه، ومعنى النون (٨) أنَّ الله تعالى يقول ذلك عن نفسه إما بحكاية الملائكة ذلك عنه، أو تكون مخاطبةً من الله تعالى لها إذ قالت ربِّ أنَّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر، قال كذلك الله يخلق ما يشاء ويعلمه.

стр. 713

و «أني أخلق» كسره على الابتداء أي: يقول إني أخلق، وعلى هذه القراءة تقف من ربكم، وهو معنى قوله: «اعتاد أفصلا» أي: فاصلاً يعني الكسر والفتح على البدل من قوله: بآية أي: بأني أخلق؛ فيكون في موضع خفضٍ، أو على البدل من ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بآية﴾ (١). فيكون في موضع نصبٍ أي: ويكلمهم رسولاً بأني قد جئتكم بآيةٍ، أو على أنه خبر ابتداءٍ في موضع رفع أي: هي أني أخلق. ١٣ - وَفي طَائِرَاً طَيْراً بِهَا وَعُقُودِهَا … خُصُوصَاً وَيَاءٌ فِي نُوَفِّيهِمُو عَلا قال في التيسير (٢): «نافع فيكون طائراً هنا، وفي المائدة بألفٍ وهمزةٍ على التوحيد، والباقون بغير ألفٍ ولا همزةٍ على الجمع». وقال هاهنا: «وفي طائراً طيراً» ولم يقل/: على الجمع، لأنَّ سيبويه (٣) يقول: لايكون فَعْل جمع فاعل، وإنما هو اسمٌ للجمع، والأخفش يعتقد في ذلك الجمع، فيكون كَتَاجِر وتَجْر، ورَاكِب ورَكْب. وعلى الأول طائرٌ واحدٌ وهو صفة، وطير اسم جنس؛ ومعنى فأنفخ فيه هاهنا فيكون طيراً أي: فأنفخ في المهيأ فيكون طيراً، أو فأنفخ في المخلوق، ويجوز أن يعود الهاء على الكاف في كهيئة لأنها بمعنى مثل، ويجوز أن يعود على لفظ الطير، وجاء في هذه القراءة لفظ الطير على الذي قبله، وكذلك رُسِم، وفي العقود الهاء فيها تعود على الهيئة، وهي مصدر في موضع المهيأ، ويجوز أن تعود على الطير في الموضعين؛ فيكون معنى طائراً هاهنا أي: فأنفخ في الواحد منه فيكون طائراً.

стр. 714

وفي المائدة فتنفخ فيها أي: في الطير لأنَّ الطير يذكَّر ويؤنث، فيكون طائراً، أوعلى الهيئة كما سبق. ومعنى ﴿فَيُوفِّيهم﴾ (١) بالياء فيوفيهم الله، لأنَّ قبله ﴿إذ قال الله﴾ (٢)، والنون على فنوفيهم نحن أخبر الجبار سبحانه عن نفسه بفعل الجماعة تعظيماً، وهو وحده أهلُ ذلك. وقوله: «علا» كما تقول: فيوفيهم جَلَّ وعَلا. ١٤ - ولا ألِفُ فِي هَاهَأنْتُمْ زَكَا جَنَاً … وَسَهِّلْ أَخَا حَمْدٍ وَكَمْ مُبْدِلٍ جَلا ترجمة هأنتم يصعب على المصُنِّفِين ضبطُها فتنتشر عليهم العبارة فيها، وقد أتقنها في القصيد مع الإيجاز، وفيما كتب لي على القصيد عند فراغي منها، وبعد عَرْضِها عليه إشارة إلى حُسْنِ عبارته في هذا الموضع لأنه ذكر قصيدةً وأثنى عليها في ذلك الكلام الذي أملاه، فقال/ تارة يسهل عبارة طالما شغل الأفكار عبُورُها كالكلام في أأنتم وهاأنتم ونحوهما مما انقاد بعد انشماس غُميضاؤها وعبورها، وليس بعد هاأنتم ألف في قراءة قنبل، ولا في قراءة ورش. وعن ورشٍ في الهمزة بعدها مذهبان: مِنْ أهل الأداء مَنْ سَهَّلها له بين بين، وهو أقوى في العربية، وإليه ذهب الأئمة في مصنفاتهم كأبي يعقوب، وعبد الصمد، وداود وقالوا: يُسَهِّلها على مذاق الهمزة، وكذلك سهَّلها قالون، وأبو عمرو، إلا أنهما يأتيان بألفٍ قبل الهمزة، فلذلك أفرد ورشاً عنهما في حذف الألف، وأدخله معهما في

стр. 715

التسهيل فقال: «وسهل أخا حمدٍ»، ثم قال: «وكم مبدِل جلا»، وذهب إلى أنَّ وَرْشاً يُبدل الهمزة ألفاً جماعةٌ من أهل الأداء ودَوَّنَه الأئمة في كتبهم أيضاً، وقالوا: أبدلها ألفاً خالصةً وأشْبِع مَدَّها لوقوع النُّونِ السَّاكنة بعدها ثم قال: ١٥ - وفِي هَائِهِ التَّنْبِيهُ مِنْ ثَابِتٍ هُدَىً … وَإِبْدَالُهُ مِنْ هَمْزَةٍ زَانَ جَمَّلا اعلمْ أنَّ الهمزة تبدل هاءً وذلك كثيرٌ في كلامهم يقولون في إياك: هياك، وفي أرقت: هرقت. وأتى صواحبها فقلن هذا الذي … منح المودةَ غيرَنا وجَفانا (١) ثم اعلمْ أنَّ هاء التي للتنبيه تدخل على (ذا)، و (ذان)، و (ألاء)؛ فإذا صحبها الضمير المنفصل فَمِنْ العرب مَنْ يأتي به بعد وهو الأصل فيقول: هذا أنا، وهذا أنت، وهذا هو، وهذان أنتما، وهذان هما، وهؤلاء نحن، وهؤلاء أنتم، وهؤلاء هم، ومنهم مَنْ يُقدِّم الضمير على (ذا) وأخواته فيقول: هاذا، وهاأنتما ذان، وهاأنتم أولاء. ومِن العرب مَنْ يُدخل هاء التنبيه على المضمر والمبهم معاً فيقول: هاأنت هذا، وهاأنتما هذان، وهاأنتم هؤلاء، فقراءة ابن ذكوان، والبزي، والكوفيين تقتضي أن تكون (ها) للتنبيه لأنهم ليس من مذهبهم أن يفصلوا بين الهمز بألفٍ، وقد مدُّوا هاأنتم فما هي إلا ألف (ها) مُدَّت لهمزة أنتم، وقراءة قنبل وورش تقتضي أن تكون الهاء مبدلةً من همزة. أما قنبل فقد قرأ بهمزةٍ بعد الهاء، ولو كانت التي للتنبيه لأتى بألفٍ وقرأها كما يقرأ هؤلاء.

стр. 716

فإن قيل: فلعلَّه حذف ألف (ها)؟ قيل: هذا من الحروف التي لا يحذف منها؛ فإن قيل: فما باله حقَّق الهمزةَ، ومِنْ مذهبه التسهيل كما في أأنذرتهم؟ قيل: أغناه عن ذلك إبدالُ الأولى (هاءً)، وأما ورش فالدليل على أنها على مقتضى قراءته مبدلة من همزة أنه سهلها، ولو كانت هاء التي للتنبيه لم تقتض ذلك التسهيل كما لم يقتض في هؤلاء، وأيضا فإنَّ الأصبهاني روى عن أصحابه عنه تحقيق الهمزة بعد الهاء من غير ألفٍ بينهما كقراءة قنبلٍ، فلو كانت للتنبيه لأتى بألفٍ بعدها. ١٦ - وَيَحْتَمِلُ الوَجْهَينِ عَنْ غَيْرِهِمْ وَكَمْ … وَجِيهٍ بِهِ الوَجْهَينِ لِلكُلِّ حَمَّلا «عن غيرهم» وهم: قالون، وأبو عمرو، وهشام تحتمل قراءتهم أن تكون الهاء فيها مبدلةً من همزة لأنهم يفصلون بين الهمزتين بألفٍ، وأن تكون (هاء) التي للتنبيه دخلت على (أنتم) فلما اتصلت بها وصارت لشدِّة الاتصال كأنها من نفس الكلمة صارت الهمزة في حكم المتوسطة، فخففها قالون، وأبو عمرو لأنَّ تخفيف الهمزة المبتدأة ضعيف/ وتخفيف المتوسطة قويٌّ كما سبق، ولهذا المعنى بعينه خُفِّفَت الهمزة الداخلة عليها همزةُ الاستفهام (١). فإن قيل: تخفيف الهمزة تقريبٌ من السَّاكن فكيف يَصِحُّ ذلك بعد الألف؟ قيل: إذا جاز أن يقع الساكن بعد الألف في نحو: ﴿دابة﴾ (٢) فالهمزة المخففة أولى وقوله: «وكمْ وجيهٍ به» أي: بالهاء حمل الوجهين للجميع أي: جعله محمَّلاً للوجهين لجميع القراء؛ والأول هو الأحسن، فيجوز هذا في

стр. 717

مذهب ورش وقنبل أن تكون ها التي للتنبيه دخلت على أنتم وحُذِفت ألفها لكثرة الاستعمال. وعلى قول مَنْ أبدل الهمزة لورش ألفاً اجتمع ألفان فحذفت إحدهما، وكذلك جَوَّز أن تكون على قراءة ابن ذكوان، والبزي، والكوفيين مبدلة من همزة، ويكون الأصل أأنتم، إلا أنهم فصلوا بينهما بألفٍ على لغة من قال (١): ....................... … آأنت أمْ أمُّ سالمِ وهؤلاء وإن لم يكن من مذهبهم أن يَفْصِلوا بين الهمزتين ولكن يحتمل أن يكون جمعاً بين اللغتين كما فعل هشام في الهمزتين المفتوحة والمكسورة، في المواضع السبعة المذكورة. ١٧ - وَيَقْصُرُ فِي التَّنْبِيِه ذُو القَصْرِ مَذْهَبَاً … وَذُو البَدَلِ الوَجْهَانِ عَنْهُ مُسَهِّلا ويقصر في التنبيه المذكور وهو لابن ذكوان، والكوفيين، والبزي. «ذو القصر مذهباً» يعني البزي، وكذلك في قراءة قالون، وأبي عمرو، ويحتمل أن تكون للتنبيه فيقصر على مذهبهما في قصر المنفصل. «وذو البدل الوجهان عنه مسهِّلا» يعني ورشاً لأنَّ ذا البدل المسهل لا تجده إلا ورشاً، لأنه قد قال: إنَّ «إبداله من همزةٍ لزان جمَّلا» (٢)، وقنبل: لا يُسَهِّل/ الهمزة هاهنا فيبقى ورشٌ، وله وجهان كما سبق فعلى قول: مَنْ يسهِّل بين بين يأتي بها بعدها همزةٌ مسهلة، وعلى قول من سهَّل بالبدل له

стр. 718

يأتي بها بعدها مدَّة مطولة لأجل الساكن بعدها وأراد بقوله: «مُسَهِّلا» مذهبي ورش البدل وبين بين ومقصوده بذلك أن يفصله من قنبلٍ. فإن قيل: هذه الهمزة قد تغيَّرت في مذهب قالون والدوري بالتسهيل، فإذا قدرتم لهما التنبيه في (ها) فينبغي ألا تمدُّوا لتَغَيُّرِ الهمزة، وعلى تقدير أنها مبدلة من همزة فينبغي أن لا يَمُدَّ مَنْ مدَّ لأنَّ الفصل لكراهية اجتماع المثلين وقد زال ذلك بالبدل. قيل له: التسهيل عارضٌ والتحقيق مراد فلا يمنع العارض ما ثبت بالأصالة، والبدلُ قد يكون في حكم ما أُبدِل منه، وقد قال الأخفش: لو سميت بأُ صَيْلال لم تصرفه لأنَّ النُّون منويةٌ مرادةٌ، واللام في حكمها. ١٨ - وضُمَّ وَحَرِّكْ تَعْلمُونَ الكِتَابَ مَعْ … مُشَدَّدَةٍ مِنْ بَعْدُ بِالكَسْرِ ذُلِّلا «ضُمَّ» يعني التاء، «وحرِّك» يعني فتح العين، «مع مشددة من بعد بالكسر» يعني اللام، وقوله: ذلل أي: قُرِّب في المعنى حتى فهمه كلُّ أحدٍ كما تُذَلَّل الثمرة أي: تُنَكَّس وتُقَرَّب فينالها القصير والصغير؛ لأنَّ «الربانيون» جاء في معناهم الذين يُربُّون الناس بالتعليم، كما قال محمد بن الحنفية (١) يوم مات ابن عباس: «اليوم مات رباني هذه الأمة». أي: كونوا ربانيين بفعلكم هذا؛ وقيل: الرباني منسوب إلى الرب سبحانه، والألف/ والنون تزاد في النسب للمبالغة كما يقال للكبير اللحية: لَحْياني، وللغليظ الرقبة: رَقَباني.

стр. 719

ومَنْ قرأ بالتخفيف احتجَّ لما اختاره بأنَّ بعده تدرسون، واحتج مَنْ شَدَّد بأنَّ المعلم عالم، وله أن يقول: تدرسون تتعلمون إذا قلنا: إنَّ الرباني هو المنسوب إلى الرَّب أي: بما كنتم تُعَلِّمُون وتتعلَّمون، لأنَّ الدارس قد يكون المتعلم. ١٩ - وَرَفْعُ وَلا يَأْمُرْكُمُو رُوحُهُ سَمَا … وَبالتَّاءِ آتَيْنَا مَعَ الضَّمِّ خُوِّلا قوله: «روحه سما» لظهور معنى القراءة وهو على القَطْع أي: ولا يأمركم الله، وقال الأخفش وهو لا يأمركم فأعاده على ما تقدَّمه، وقراءة النصب معناها ولا أن يأمركم فحذف (أن) وهي منويَّةٌ. قال سيبويه (١): «المعنى وما كان لبشر أن يأمركم». «وبالتاء آتينا» أي: في موضع النون وهي تاءٌ مضمومة، وقوله: «خُوِّلا» معناه مُلْك يقال: خَوَّلك الله كذا أي: مَلَّكَكَ لأنَّ أكثر القرَّاء على أتيتكم لقوله: ﴿ولقدْ أَخَذَ الله﴾ (٢) والقراءتان بمعنىً واحدٍ، والكل حقٌّ منزَّلٌ من عند الله لا معنىً لاختيار مختارٍ في ذلك. ومعنى آتيناكم التعظيم والتفخيم كما قال تعالى: ﴿ولقَدْ آتَيْنَا مُوسَى﴾ (٣)، ﴿وآتَيْنَا بني إِسْرَاءِيل﴾ (٤)، ﴿وآتَيْنَاهُم مُلْكَاً﴾ (٥)، ﴿وجَاوَزْنا ببني إسْرَاءِيل﴾ (٦) وهو في القرآن كثير.

стр. 720

٢٠ - وَكَسْرُ لِمَا فِيه وَبالغَيْبِ يُرْجَعُو … نَ عَادَ وَفِي تَبْغُونَ حَاكِيهِ عَوَّلا الهاء في «فيه» تعود على آتينا لأنه معه كأنه يقول في هذا الكلام فيكون كسرُ (لما) مبتدأ، و (فيه) الخبر أي: مستقر فيه، أوكائن فيه، وإن شئت أعدت الهاء على الكسر وقَدَّرْت الخبر محذوفاً لأنه معلومٌ أي: فيه كلام. ومعنى القراءة بكسر اللام أنَّ الله أخذ الميثاق عليهم للذي آتاهم كما تقول: أخذت الميثاق على زيدٍ لعمرو لأنَّ من توفية حق الذي آتاهم من العلم أن يبينوه للناس فكان الميثاق له، أو يكون أخذ الميثاق للذي آتاهم أي: من أجله لأنَّ العلماء هم الذين يؤخذ عليهم ذلك من أجل ما لديهم من العلم. وعلى (١) فتح اللام تكون لام الابتداء أي: الذي آتيتكم من كتابٍ وحكمةٍ والخبر لتؤمنن به، ويجوز أن تكون اللام في (لما) جواباً للقسم، لأنَّ أخذ الميثاق في معنى القسم كما تقول: لَزيدٌ قائمٌ، ويجوز أن تكون اللام توطئةً للقسم، وما شرطية في موضع نصب بآتيتكم، وجاءكم عطف على آتيتكم، واللام في لتؤمنن لام القسم. وقوله: «وبالغيب يرجعون عاد» أي: عاد على ما قبله لأنه قرأ قبله ﴿يَبْغُون﴾ (٢)، والغيب في يبغون راجعٌ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِك هُمْ الفَاسِقُون﴾ (٣) فهو حكايةٌ عنهم، ففي يبغون بالغيب عوَّل حاكيه أي: على حاكيه أي: عُوِّل في معناه على الحكاية، والخطاب فيهما أن يكون لمن خوطب في أأقررتم وأخذتم، أو يكون استئنافَ خطابٍ على معنى قل: لهم

стр. 721

أفغير دين الله تبغون والمغايرة بينهما على أن يبغون على ما تقدم في الغيبة، وترجعون على ما ذكرته في الخطاب. ٢١ - وبِالكَسْرِحَجُّ البَيْتِ عَنْ شَاهِدٍ وَغَيْـ … ـبُ مَا تَفْعَلُوا لَنْ تُكْفَرُوهُ لَهُمْ تَلا قوله: «عن شاهدٍ» لأنَّ سيبويه (١) ﵀ حكى: حَجَّ حِجَاً مثل ذَكَرَ ذِكْراً؛ فالفتح والكسر لغتان، قال أبو عمرو: الكسر لغة تميم؛ وقال الفرَّاء: الكسر لبعض قيس؛ وهما لغتان فصيحتان، والفتح لغة/ أهل الحجاز، وبني أسد؛ وقال أحمد ابن يحيى: هما لغتان، قال: ونحن نذهب إلى اللغتين إذا شُهِرتا جُمِع بينهما، فالقراءة بهما صواب. وقال الكسائي: الكسر لغة أهل نجد، والفتح لأهل العالية، وقال أبو إسحاق وغيره (٢): الفتح المصدر والكسر عمل السَّنَة، وفي «تلا» ضمير فاعلٍ يعود على الغيب في قوله: «وغيب ما يفعلوا لن يكفروه» أي: تلا ما تقدمه، والغيب راجع إلى قوله: ﴿يَتْلون﴾ (٣)، و ﴿يُؤْمِنُونَ بالله﴾ (٤) وما بعده من لفظ الغيبة، والخطاب راجعٌ إلى قوله: ﴿كُنْتُم خَيرَ أُمَّةٍ﴾ (٥) لأنَّ ذكر أهل الكتاب مقصوصٌ على هذه الأمة، ومذكورٌ لهم، وهم المخاطبون، فلما انتهى القول في أهل الكتاب رجع إلى المخاطبين فقال: ﴿وما تفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوه﴾ (٦).

стр. 722

٢٢ - يَضِرْكُمْ بِكَسْرِ الضَّادِ مَعَ جَزْمِ رَائِهِ … سَمَا وَيَضُّمُّ الغَيْرُ وَالرَّاءَ ثَقَّلا «يَضِرْكم» بالتخفيف من ضارَ يضير، وأشار بقوله: «سما» إلى حسنه واطِّراح قولِ مَنْ يقول: إنَّ ضَرَّ أكثرُ مِنْ ضَارَّ، ويشهد له قوله تعالى: ﴿لا ضير﴾ (١)، وأصله لا يَضِيْرُكُمْ، فلما سكنت الرَّاء للجزم وكانت الياء قبلها ساكنةً لَّما نُقِلت حركتها إلى الضاد حُذِفت الياء لالتقاء الساكنين وكانت أولى بالحذف، لأنَّ كسرتها المنقولة إلى ما قبلها دالة عليها. ومن شدَّد فهو مِنْ ضرّ يضُرُّ وهو مجزومٌ في جواب الشرط، والأصل يَضْرُرْكم، فلما أُرِيد إدغام الرَّاء نُقِلت حركتها إلى الضاد ثم أُدْغِمت في الرَّاء الأخرى وضُمَّت اتباعاً لضمة الضاد لما لم يكن بُدٌّ من تحريكها، كما قيل لم يرُدُّ، ويجوز الفتح لخفته وهو كثيرٌ مستعمل، والكسر على أصل التقاء الساكنين،/ وذهب الفرَّاء (٢) والكسائي إلى أنَّ الفعل مرفوع، وأنها حركة إعراب، وأن (لا) بمعنى ليس مع إضمار الفاء كما قال (٣): من يفعل الحسنات اللهُ يشكرها … ..................... والتقدير: فالله يشكرها؛ وكما قال (٤): فإن كان لا يُرْضيك حتى تَرُدَّني … إلى قَطَرِيّ لا إخالك راضياً أي: فلا إخالك، فالتقدير: فليس يضركم، وقال بعضهم: هو مرفوع

стр. 723

على تقدير تقديمه أي: لا يضركم أن تصبروا، واحتجَّ بما أنشد سيبويه (١): ...................... … إنك إن يُصرَعْ أخوك تُصْرَعُ ٢٣ - وَفِيمَا هُنَا قُلْ مُنْزَلِينَ وَمُنْزِلُو … نَ لليحْصَبِي فِي العَنْكَبُوتِ مُثَّقَّلا [أنزل ونزَّل لغتان] (٢). ٢٤ - وَحَقُّ نَصِيرٍ كَسْرُ وَاوِ مُسَوِّمِيـ … ـنَ قُلْ سَارِعُوا لاوَاوَ قَبْلُ كَمَا انْجَلَى ﴿مُسَوِّمين﴾ (٣) يجوز أن يكون مأخوذاً من السُّوْمة، والسُّوْمةُ العلامة يُعْلِمُ الفارس بها نفسه في الحرب، ويجوز أن تكون بمعنى مرسلين حكى الأخفش (٤) ذلك، وحكى غيره: سوَّم علامَه [أي] (٥): خلَّى سبيله، فمَنْ كسر فعلى إسناد الفعل إليهم كيفما جعلته من السُّوْمة أو الإرسال، ومَنْ فتح بناه لما لم يُسمَّ فاعله. والواو من قوله: ﴿وسَارِعُوا﴾ (٦) لم تُرْسَم في مصاحف المدينة والشام وثبتت في غيرها (٧)، ولحذفها معنيان: الاستئناف، والآخر أنَّ الجملة إذا التبست بالأولى استُغْني عن حرف العطف، قال الله تعالى: ﴿وثَامِنُهُم﴾ (٨)

стр. 724

ويجوز حذف الواو كما قال: ﴿سَادِسُهُم﴾ (١) قبله، وقد سبق في ﴿وقَالُوا اتَّخَذَ﴾ (٢) مثلُ هذا (٣)، «وكما انجلى» معناه كما انكشف. ٢٥ - وَقَرْحٌ بِضَمِّ القَافِ وَالقَرْحُ صُحْبَةٌ … وَمَعْ مَدِّ كَائِن كَسْرُ هَمْزَتِهِ دَلا ٢٦ - وَلا يَاءَ مَكْسُورَاً وَقَاتَلَ بَعْدَهُ … يُمَدُّ وَفَتْحُ الضَّمِّ وَالكَسْرِذُو وِلا القَرْح والقُرْح كالفَقْرِ والفُقْرِ، والكَرْه والكُرْه، والضَعْف والضُعْف، قال الأخفش والكسائي والزَّجاج (٤): هما واحد. وقال الفراء (٥): «كأنَّ القَرْح الجراحات»، والقُرْح بالضم ألمها، وكأيّن وكائِنْ لغتان بمعنى كم، ويقال أيضاً: كَأْيِن مثل: كَعْيٍ وكَيْنٍ مثل: كَعٍ، والأصل كأيِّن، وهي كاف التشبيه دخلت على أيّ، وإنما ذكر المدَّ وكسر الهمزة وحَذَفَ الياء المكسورة لتأخُذَ بضدِّ ذلك لغير ابن كثير، فإنك إذا قصرت وفتحت الهمزة وأتيت بياءٍ مكسورةٍ صارت كأيَّن إلا أنه يبقى عليه تشديد الياء، ولم يتسع له التنبيه عليه فاعتمد في ذلك على شهرته و «دلا» من دلوتُ الدلو إذا أخرجتها ملأى يشير بذلك إلى كثرة استعماله وشهرته في أشعار العرب قال الشاعر (٦): وكائن بالأباطح من صديق … يراني لو أُصِبْتُ هو المصَابا

стр. 725

وقال آخر (١): وكائن ترى من صامتٍ لك مُعْجِبٍ … زيادتُه أو نقصه في التكلم وهو كثير في الشعر. وقال قطرب والخليل: هي مقلوبةٌ من المشددة كأينُق في جمع ناقةٍ، ومعنى ذلك أنَّ الياء المشددة قُدّمت موضع الهمزة فَأُخِّرت الهمزة موضعها وأعطيت كلَّ واحدة منهما حركة الأخرى، لأنهم يُبقون الحركاتِ مع القلب على ما كانت عليه كما قالوا: ملائكة، ففتحوا اللام وكسروا الهمزة، وكان الأصل مَأَلِكةً بفتح الهمزة وكسْرِ اللام،/ وكذلك قالوا: رَعَمْلي في لَعَمْري فصار على هذا كَيَّائِن، ثم خُفف فحذف الياء المدغم فيها فصار كيائِن كما قال الفرزدق (٢): تنظَّرتُ نصراً والسِّماكيْنِ أيْهُمَا … عليَّ من الغيثِ استهلَّت مَوَاطِرُه فحذف الياء الثانية من (أي) ثم قُلبت الياء من كيائن ألفاً كما قُلِبت في (آية) والأصل أيَّة فصار كائن هذا معنى قول أبي علي (٣). وقال غيره: إنَّ الياء الأولى من كأيَّن قُدِّمت موضع الهمزة وأُخِّرت الهمزة إلى موضعها، وحركت الياء بحركة الهمزة وهي الفتحة، وسكنت الهمزة كما كانت الياء ساكنةً، فلما تحركت الياء وقبلها فتحةٌ قُلِبت ألفاً فاجتمع ساكنان الألف والهمزة فكُسِرت الهمزة لالتقاء الساكنين، وبقيت الياء الثانية متحركةً طرفاً فذهبت حركتها كما فُعِلَ في قاضٍ فبقيت ساكنةً والتنوين ساكنٌ

стр. 726

فحذفت لذلك. فإن قيل: فما الدليل على أنه أراد جميع المواضع؟ قلت: كأيِّن إنما وقع في القرآن مع الواو وقد وقع مع الفاء أيضاً فتكلَّم فيه هاهنا مجرَّداً عنهما ليدُلَّ على أنه أراد العموم. قوله: «وقاتل بعده» أي: بعد كائن يُمَدُّ، «وفتح الضم والكسر» مبتدأ، و «ذو وِلا» خبره. أي: ذو متابعة للمد لأنه لا يكون إلا معه، ومعنى ﴿قَاتَل مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ (١) إما أن يكون النبي هو الذي قاتل، أو الربيون قاتلوا معه، وكذلك يجري المعنيان في ﴿قُتِل﴾. فإن قلت: فكيف يَصِحُّ قتلُ الربيين مع قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا … وَمَا ضَعُفُوا وَما اسْتَكَانُوا﴾ (٢). قلت: معناه أنه قُتل بعضهم فما وَهَن البعض الباقي، ويحتمل أن يكون (فما وهنوا) عائداً على الأنبياء. ٢٧ - وُحُرِّكَ عَيْنُ الرُّعْبِ ضَمَّاً كَمَا رَسَا … وَرُعْبَاً وَيَغْشَى أَنَّثُوا شَائِعَاً تَلا الرُّعُب والرُّعْب لغتان (٣)، وقيل: الأصل التحريك فأسكن تخفيفاً كالرُّسْل، وقيل: بل الأصل الإسكان وإنما ضُمَّ اتباعاً كما قالوا: الصُّبُح في الصُّبْح. ومعنى قوله: «كما رسا» أي: كما ثبت واستقر، والتأنيث في «تغشى» للآمنة، والتذكير للنعاس، وكل ذلك صحيحٌ لأنه أبدل النعاس من الأمنة، فالأمنة هي النعاس هاهنا جعله أمنة لَمّا كانت الأمنة تلزمُهُ.

стр. 727

وقوله: «شائعاً» منصوبٌ على الحال من الضمير في «تلا»، والضمير في تلا عائدٌ على تغشى، وتلا بمعنى تبع لأنه تَبِعَ ما قبله، وتقديره: وتغشى أنثوا، ثم قال: «تلا شائعاً» ماقبله، ويجوز أن يكون حالاً من مفعول أنثوا المحذوف، والتقدير أنثوه شائعاً، وتلا أيضاً في موضع الحال أي: تالياً. ٢٨ - وَقُلْ كُلَّهُ للهِ بالرَّفْعِ حَامِدَاً … بِمَا يَعْمَلُونَ الغَيْبُ شَايَعَ دُخْلُلا معنى قوله: «حامداً لله» مع إيجاب الأمر له والتفويض إليه، ورفع كلُّه على الابتداء، ولله الخبر، والجملة خبر (إنَّ) ونصب على التأكيد للأمر، ولله خبر إنَّ. و «شايع» معناه تابع يعني الغيب دُخْلُلا مشبهاً ذلك، والدُّخْلُل المداخل في الأمور فكأنَّ الغيب تابعٌ ما قبله مُشبهاً دُخْلُلا ليس بأجنبي عنه وهو قوله تعالى ﴿لِيَجْعَل الله ذلكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ (١)؛ ومَنْ قرأ بالتاء فوجهه ﴿يأيها الذِّينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا﴾ (٢). ٢٩ - ومِتُّمْ وَمِتْنَا مِتُّ فِي ضَمِّ كَسْرِهَا … صَفَا نَفَرٌ وِرْدَاً وَحَفْصٌ هُنَا اجْتَلَى يقال: مات يموت، ودام يدوم قال أبو زبيد (٣): إنما مِتُّ غيرَ أنِّيَ حَيٌّ … يوم بانَتْ بوُدِّها خَنْساء ويقال: مَات يَمَاتُ، ودَامَ يدَامُ، قال الراجز (٤): بُنَيتيَّ يا أسعد البنات … عيشي ولا نأمُن أن تَمَاتي فَمَنْ قرأ متم بضم الميم فعلى قولهم: مات يموت وذلك أنَّ ما كان من

стр. 728

الأفعال على (فَعَل) بفتح الفاء والعين، والعينُ منه واوٌ، أوبَنَيْتَهُ لمتكلمٍ، أو مخاطبٍ، أو جماعة مؤنثٍ فحكمه أن ينقل من فَعَل إلى (فَعُل) وإن كانت عينه ياءً نقل إلى فَعِل ثم تنقل حركة العين إلى الفاء فتبقى العين ساكنة وبعدها ساكن فتحذف العين وهي الواو أوالياء وذلك نحو: مُتُّ، وقلتم، وبِعْن. وإنما وجب النقل إلى (فَعُل)، و (فَعِل) ليقع الفرق بين ذوات الياء والواو لأنك كنت تقول: قَلْت، وبَعْت ولا تفرق بينهما وذلك أنَّ الاعتلال لا بُدَّ أن يلحق عينه فتبقى ساكنةً ولامه ساكنة حين بُنِيت مع الضمائر المذكورة، والدليل على أنَّ أصل فَعُل فَعَل بفتح العين أنَّ فَعُل لا يتعدى نحو: شرُّف وهذا منه ما يتعدى نحو: قلته، وطلت زيداً. وقوله: «في ضم كسرها صفا نفرٌ ورداً» لأنهم قرؤوا بالوجه الذي لا مقال فيه فصفا وِرْدُهم، ومَنْ قرأ مِت بكسر الميم فمذهب سيبويه (١) وغيره من متقدمي البصريين أنه من (فَعِل) بكسر العين (يَفْعُل) بالضم، و (فَعِل) (يَفْعُل) شاذٌّ قليلٌ. قالوا: ومثله في الصحيح فَضِلَ يَفْضُلُ قالوا: فنُقِلت حركة العين إلى الفاء كما فعل في خِفْتُ، فلما كان فَعِلَ يَفْعُلُ شاذاً في المعتل والصحيح سَلِمَت قراءة مَنْ ضمَّ مِنْ مثل هذا القول فصفا وردُهُ، وحَمْلُ هذه القراءة على لغة من قال: مات يمات أولى لأنه يكون مثل: خَافَ يَخَافُ أصله فَعِلَ يَفْعَلُ/ فحُوِّلَت حركة العين في المستقبل إلى ما قبلها فانقلبت العين ألفاً لسكونها وانفتاح ما قبلها.

стр. 729

وإذا كان المستقبل يَفْعَل بفتح العين فالماضي فَعِلَ بكسرها نحو: عمل يعمل إلا أن تكون العين أواللام حرفاً حلقياً؛ وفي قراءة حفص جمع بين اللغتين. ٣٠ - وبالغَيْبِ عَنْهُ تَجْمَعُونَ وَضُمَّ فِي … يَغُلَّ وَفَتْحُ الضَمِّ إِذْ شَاعَ كُفِّلا «عنه» يعني عن حفص؛ فالتاء على ما تقدّم من المخاطبة، والياء على معنى خيرٌ مما يجمع الجامعون. ولما كان أكثر القرَّاء على ﴿يُغَلّ﴾ (١) بضم الياء وفتح العين، قال: [«إذ شاع» أي: اشتهر كفل أي: حُمِّل يعني حمله السَّلَفُ الخلفَ لِشياعه] (٢). ومعنى (يغل) يُغَل منه أي: يخان أي: ما كان لنبي أن تخونه أمته في الغنيمة، ويجوز أن يكون معناه يوجد غالاً كما يقول: أكرمتُ زيداً أي: وجدته كريماً، ويعضُدُه قول الضحاك أنهم قالوا: نبادِر الغنائم قبل أن تؤخذ، ويدلُّ على صحته قول النبي ﷺ حين ألحوا عليه: «والله لو كان لي ملء الأرض ذهباً لقسمته عليكم ثم لا تجدوني جباناً ولا بخيلاً» (٣). ويجوز أن يكون معناه: يغلل فحُذفت اللام تخفيفاً، ومعناه أن يُنْسَب إلى الغلول، أي: يقال: غللت، ومعنى يغل بالفتح يأخذ في خفيةٍ من الغنائم أي: ما أباح الله له ذلك، وإذا لم يكن له ذلك فكيف يفعله؟ أي: إنه إنما يفعل ما يكون له، ويقال: إنها قراءة النبي ﷺ .

стр. 730

٣١ - بِمَا قُتِلُوا التَّشْدِيدُ لَبَّى وَبَعْدَهُ … وَفِي الحَجِّ لِلشَّامِي والآخِرُ كَمَّلا ٣٢ - دَرَاكِ وَقَدْ قَالا فِي الانْعَامِ قَتَّلُوا … وبالخُلْفِ غَيْبَاً يَحْسَبنَّ لَه وَلا هو قوله تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ (١)، وبعده ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الذِّين قُتِلُوا﴾ (٢)، والآخر قوله تعالى في آخر السورة: ﴿وقَاتَلُوا وقُتِّلُوا﴾ (٣) قتِّلُوا على التشديد للتكثير وقُتِلوا المخفف قد يكون بمعنى المشدد فقراءة التشديد دَلَّت على أنَّ قراءة التخفيف بذلك المعنى. و «دراك» مثل نَزالِ بمعنى أنزل. وأما ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الذِّين قُتِلُوا﴾ (٤) فقال أبو عمرو ﵀: قرأته على أبي الفتح، عن قراءته على عبد الباقي وأبي طاهر الأنطاكي بالياء لهشام، وقرأته على أبي الحسن، وعلى أبي الفتح مِنْ طريق عبد الله بالتاء. والخطاب للنبي ﷺ [والغيب على ولا يحسبن حاسِبٌ، أو لا يحسبنَّ الرسول أي: ولا يحسبن الذين قُتِلوا أنفسَهم أمواتاً فيكون (الذين) فاعلاً، فالمفعول الأول محذوف] (٥) كما قال: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (٦) أي: بل هم أحياءٌ، والولاء بالفتح مصدر وَلي وَلاءً.

стр. 731

٣٣ - وأنَّ اكْسِرُوا رِفْقَاً وَيحْزُنُ غَيْرَ الانْـ … ـبِياءِ بِضَمٍّ وَاكْسِرِ الضَّمَّ أَحْفَلا إنما قال: «رفقاً» وهو مصدر في موضع الحال لأنَّ بعض المتأخرين فضَّله واحتجَّ له بأنَّ قراءة الفتح إنما معناها يستبشرون بنعمةٍ من الله وفضل، وبأنَّ الله قال. ولا يَصِحُّ الاستبشار بأنَّ الله لا يضيع أجر المؤمنين لأنَّ الاستبشار لا يكون، إنما يكون بما لم يتقدم به عِلمٌ، وقد علموا قبل موتهم أنَّ الله لا يضيع أجر المؤمنين؛ فقال «رفقاً» أي: رافقين غير مغترين بقول هذا القائل فإنهم استبشروا بأنَّ الله ما أضاع أجورهم حين اختصهم بالشهادة، ومنحهم أتم النعمة، وختم لهم بالنجاة والفوز، وقد كانوا يخشون على إيمانهم، ويخافون سوء الخاتمة المحبطة للأعمال؛ فلما رأوا ما للمؤمنين عند الله من السعادة،/ وما اختصهم به من حسن الخاتمة التي تَصِحُّ معها الأجور وتضاعف الأعمال استبشروا؛ لأنهم كانوا على وَجَلٍ من ذلك. ويجوز أن يكون استبشارهم لمن خلفوه بعدهم من المؤمنين لمّا عاينوا منزلتهم عند الله تعالى، أو رافقين محسنين الظنَّ بالكسائي، وأنه ما اختار الكسر إلا بعد نقله، قال الكسائي: إنما اخترت الكسر لأنَّ في مصحف عبد الله: «والله لا يضيع». يقال: حَزَنَهُ الشيء يَحْزُنُه، وأحْزَنَهُ يُحْزِنُهُ لغتان صحيحتان، قال الخليل ﵀: ومعنى حَزَنْتُه: جعلت فيه حُزْنَاً كما تقول: دهنتُه أي: جعلت فيه دُهْنَاً وإذا قلت: أحزنته فمعناه جعلته حزيناً كما تقول أدخلته أي: جعلته داخلاً، وعلى ذلك قراءة نافع.

стр. 732

قال الخليل: وبعض العرب تستعمل حزنته بمعنى أحزنته، والذي في الأنبياء قوله تعالى: ﴿لا يَحْزُنُهم الفَزَعُ الأَكْبَر﴾ (١) قرأه مثلَ الجماعة، وهو جمعٌ بين اللغتين. و «أحفلا» منصوبٌ على الحال أي: حافلاً بقراءة نافع يشير بذلك إلى ردِّ قول من فضَّل عليها القراءة الأخرى. ٣٤ - وخَاطَبَ حَرْفَا يَحْسَبَنَّ فَخُذْ وَقُلْ … بِمَا يَعْلَمُونَ الغَيْبُ حَقٌّ وَذُو مَلا «حرفا يحسبن» مرفوع على أنه فاعل كما يقول: قام غلاما زيدٍ جعلتهما مخاطبين لأنَّ الخطاب بهما. وقوله: «فخذ» أي: فخذ بالخطاب؛ لأنَّ أبا حاتمٍ ومن تابعه (٢) يَرُدُّون ذلك، ويزعمون أنه لحنٌ، ومعنى القراءة لا تحسبن يامحمد الذين كفروا أنَّ إملاءنا خيرٌ؛ فالذين وما يتصل به مفعول، و (أنما نملي) وما يتصل به بدل منه، و (أن) وما اتصل بها سدَّ مسد مفعولي حَسِب كما كان ذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُون﴾ (٣). و (ما) مصدرية، وهذا قول أبي إسحاق (٤)، ولا فرق في قيامها مقام مفعولين بين البدل وغيره. فإن قيل: الاقتصار على أحد المفعولين في حسِبَ لايجوز فكيف يصح أن تكون (أن)، وما اتصل بها بدلاً من الذين وما اتصل به وإنما يكون ذلك بعد ذكر المفعولين.

стр. 733

قيل: إنما جاز ذلك بناءً على أنَّ البدل والمبدل منه بمنزلة شيءٍ واحدٍ كما تقول: جعلت متاعك بعضه على بعضٍ مع أنَّ الاقتصار على المفعول لا يجوز. فإن قيل: فكيف يَصِحُّ بدلُ الإملاء من الذين كفروا وهو غيره، ومن شأن المفعول الثاني في هذا الباب أن يكون الأول. قيل: هو على تقدير حذف المضاف أي: ولا تحسبن حال الذين كفروا الإملاء. فإن قيل: فيلزم أن تنصب خيراً على هذا التأويل الذي تأوله أبو إسحاق لأنه إذا أبدل أنما نملي وجب نصب خير على أنه مفعول ثان. قيل الجواب: من وجهين: أحدهما: ما تقدَّم مِنْ رَفْعِه على أنه خبر أن وأنها سدت مسدَّ المفعولين. والثاني: أن يرتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، والتقدير هو خير لهم فتكون الجملة المفعول الثاني، والقياس أن تكتب أن هذه منفصلة ولكنها في الرسم متصلة، وقال الكسائي والفرَّاء: وجه هذه القراءة التكرير والتأكيد، والتقدير: ولا يحسبن الذين كفروا ولا تحسبن أنما نملي، قال الفرَّاء (١): ومثله: ﴿فهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَة أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ (٢) أي: هل ينظرون إلا أن تأتيهم. ويجوز أن تكون (ما) بمعنى الذي وما بعده صلة له، والضمير محذوف وتقديره: نمليه لهم، وعلى القراءة بالياء الذين كفروا فاعل، وأن وما بعدها سدت مسدَّ المفعولين و (ما) مصدرية، أو بمعنى الذي، ويجوز على الياء أن تسند الفعل إلى النبي ﵇ أي: ولا يحسبن الرسول الذين كفروا أنما نملي لهم فتكون القراءتان بمعنىً واحدٍ.

стр. 734

والثاني من حرفي تحسبن/ قوله تعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الذِّين يَبْخَلُون بِمَا آتَاهُم الله مِنْ فَضْلِهِ هُو خَيْرَاً لَهُمْ﴾ (١) قرأ حمزة بالتاء وجرى فيه من الطعن ما جرى في الأول قال النحاس (٢): «هو بعيدٌ جداً». ووجهه عند أهل الحذق أنه على حذف مضافٍ أي: ولا تحسبن يامحمد بخل الذين يبخلون خيراً لهم، وهو زائدٌ فاصِلٌ فذهب ما استبعده النحاس من كون (الذين) مفعولاً، وخيراً مفعولاً ثانياً؛ لأنَّ المفعول الثاني في هذا الباب لا بد أن يكون الأول، ويجوز أن يكون الذين مفعولاً على تقدير ولا تحسبن الذين يبخلون بخلهم خيراً لهم، فحذفه لدلالة يبخلون عليه. ومثله قولهم: ومن كذب كان شرَّاً له أي: كان كذِبُه شرَّاً له، ومَنْ قرأ بالياء فوجه قراءته أنَّ الذين فاعل تحسبن ولا بد من تقدير محذوف أي: ولا يحسبن الذين يبخلون البخلَ خيراً لهم كما تقدم في الوجه الثاني للقراءة الأولى ومثله قول الشاعر (٣): إذا نُهي السفيه جرى إليه … وخالَفَ والسفيه إلى خلاف دل السفيه على السفه؛ فالهاء في إليه عائدة إليه، وقوله: «بما يعملون الغيب حق»؛ لأنَّ مكّياً (٤) قال: التاء أحب إليَّ لأنَّ قبله ﴿وإِنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكُم أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٥) مع ما قبل ذلك من المخاطبة فلذلك قال:

стр. 735

«الغيب حق» أيضاً لأنَّ قبله ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا به﴾ (١) مع ما قبله من لفظ الغيبة فهو حق، وذو ملاءٍ ينصرونه، أو ذو ملاء، والملاء الذمة أي: له ذمة. ٣٥ - يَمِيزُ مَعَ الأنْفَالِ فَاكْسِرْ سُكُونَهُ … وَشَدِّدْهُ بَعْدَ الفَتْحِ والضَّمِّ شُلْشُلا «شلشلا» منصوب على الحال أي: خفيفاً. فإن قلت: كيف يَصِحُّ قوله: «شدده» خفيفاً؛ قلت: معناه فاكسر سكونه خفيفاً؛/ فالعامل في الحال [فاكسر وصاحب الحال ضمير الفاعل فيه، ويجوز أن يكون العامل شدده، وفاعله صاحب الحال] (٢) لا أنك تشدده في حال خفته. و «يميز» بالتخفيف والتثقيل لغتان يقال: مَيَّزْت الشيء من الشيء، ومِزْتُه أمِيزُه مَيْزَاً، ورُوي عن أبي عمرو أنه لا يكون بالتشديد إلا لكثير من كثير، والتخفيف بمعنىً واحدٍ من واحد. ٣٦ - سَنَكْتُبُ ياءٌ ضُمَّ مَعْ فَتْحِ ضَمِّهِ … وَقَتْلَ ارْفَعُوا مَعْ يَا نَقُولُ فَيَكْمُلا معنى قراءة حمزة ﵀ في ترك تسمية الفاعل أولاً وتسميته أخيراً المغايرة لتغاير المعنى؛ فالإحصاء عليهم في الدنيا غير مُسَمَّى الفاعل، ويقول الله تعالى في القيامة: ﴿ذُوقُوا عَذَاب الحَرِيق﴾ (٣)، و «فيكملا» منصوبٌ بالفاء في جواب ارفعوا، ويكون معنى الاستقبال أنَّ قولهم يُجْمَعُ إلى قتلهم الأنبياء في القيامة ويعاقبون على ذلك والكتب الجمع.

стр. 736

٣٧ - وبالزُّبُرِ الشَّامِي كَذَا رَسْمُهُمْ وبالـ … ـكِتَابِ هِشَامٌ واكْشِفْ الرَّسْمَ مُجْمِلا إنما قال: «مجملا» لأنَّ أبا محمد مكِّيَّاً (١) زعم أنه لم يرسم في الثاني باء أصلاً ذكر ذلك في كتاب الهداية، وقال أبو عمرو في المقنع (٢): «هو في الموضعين بالياء، ورواه عن هشام، عن أيوب بن تميم، عن يحيى بن الحارث، عن ابن عامر، وعن هشام، عن سويد بن عبد العزيز، عن الحسن بن عمران، عن عطية بن قيس، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن مصاحف أهل الشام». قال أبو عمرو: «ورأيت هارون بن موسى الأخفش يقول في كتابه: إنَّ الباء زيدت في الإمام يعني الذي وُجَّه به إلى الشام في ﴿وبالزبر﴾ (٣) وحدها،/ قال أبو عمرو (٤): «والأول عندي أثبت لأنه عن أبي الدرداء قال: وفي سائر المصاحف بغير باءٍ في الحرفين». قلت: قد رأيته في بعض المصاحف القديمة الشامية كما ذكره أبو محمد. ٣٨ - صَفَا حَقُّ غَيْبٍ يَكْتُمُونَ يُبَيِّنُنـ … ـنَّ لا تَحْسَبَنَّ الغَيْبُ كَيْفَ سَمَا اعْتَلى ٣٩ - وحَقَّاً بِضَمِّ البَاءِ فَلا يَحْسِبُنَّهُمْ … وغَيْبٍ وَفِيهِ العَطْفُ أوْ جَاءَ مُبْدَلا التقدير صفا في يكتمون يُبَيِّنُن حق غيب، أو صفا حق غيب يكتمون يبينن محله، أو هو يكتمون يبينن، والغيبة على أنه باقٍ على الحكاية عنهم، والخطاب على معنى فقال لهم: لتبيننه للناس ولا تكتمونه.

стр. 737

وقرأ نافع وابن عامر ﴿لا يَحْسَبَنَّ الذِّين يَفْرَحُونَ فَلا تَحْسَبَنَّهُم﴾ (١) بالتاء، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالياء فيهما، وضم الباء مِنْ ﴿يَحْسبُنَّهم﴾، وقرأ الباقون وهم: الكوفيون بالتاء فيهما مع فتح الباء. فوجه قراءة نافع، وابن عامر أنَّ (الذين يفرحون) فاعل (تحسبن)، والمفعول الأول محذوف وهو أنفسهم، و (بمفازةٍ من العذاب) في موضع المفعول الثاني. و ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُم﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمفعول الأول الهاء والميم، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير فلا يحسبنهم كذلك والفاء عاطفة كما تقول: ما ظننت زيداً قائماً فلا تظننه، ومنه: ﴿والله ورسُولُه أَحقُّ أنْ يُرْضُوه﴾ (٢)، أي: ورسوله كذلك؛ ويجوز أن تجعل مفعولي يحسبن محذوفين. وأما قراءة ابن كثير، وأبي عمرو فعلى ما تقدَّم من إسناد الفعل إلى الذين يفرحون، والمفعول الأول (أنفسهم)، و (بمفازة من العذاب) الثاني، وفلا يحسبنهم مكرر للتأكيد كقوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحدَ عَشَرَ كَوْكَبَاً والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيتُهم لي سَاجِدِين﴾ (٣) أي: أحد عشر كوكباً والشمس والقمر لي ساجدين رأيتهم. ويجوز أن تجعل (بمفازةٍ من العذاب) مفعولاً ثانياً ليحسبنهم، ويكون بدلاً من (لا يحسبنهم) فيُغني لإبداله منه عن ذكر مفعوليه، وتكون الفاء زائدةً، وضم الباء من يحسبنهم من أجل ضمير الجماعة بعده وهو الواو، وإنما حذفت لالتقاء الساكنين هي والنون المدغمة.

стр. 738

وأما قراءة الباقين فالخطاب للنبي ﷺ ، و (الذين يفرحون) المفعول الأول، و (بمفازة من العذاب) الثاني، وفلا يحسبنهم إما مكرر للتأكيد، أو بدل على ما سبق. ٤٠ - هُنَا قَاتَلُوا أَخِّرْ شِفَاءً وَبَعْدُ فِي … بِرَاءَةَ أَخِّرْ يَقْتُلُونَ شَمَرْدَلا إنما قال: «أخِّرْ شفاءً» لأنَّ أبا عُبيدٍ اختار قراءة غيرهما فنبَّه على أنَّ هذه القراءة ثابتةٌ صحيحةٌ، وفيها شفا لكونها أبلغَ في المدح، لأنهم إذا قُتِلوا وقاتلوا بعد وقوع القتل فيهم فذلك أبلغ في مدحهم. ووجه القراءة الأخرى ظاهر، ويجوز أن تكون بمعنى هذه القراءة وهو الأولى عندي أي: وقاتلوا ووقع القتل فيهم، لا أنَّ القتل أتى على جميعهم، وفي براءة ﴿فيُقْتَلُون ويَقْتُلُونَ﴾ (١). وقوله: «شمر دلا» أي: خفيفاً يعني أنه قرأ ذلك بغير تثقيل. ٤١ - وياآتُهَا وَجْهِي وَإِنِّي كِلاهُمَا … وَمِنِّي وَاجْعَلْ لِي وَأَنْصَارِي المِلا ﴿وجْهِي لله ومَن اتَّبَعَنِ﴾ (٢)، ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا﴾ (٣)، ﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ (٤)، ﴿مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ (٥)، ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ (٦)، ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلى اللهِ﴾ (٧). و «الملا» جمع مليء [وهو الثقة] (٨).

стр. 739

سورة النساء ١ - وَكُوفِيُّهُم تَسَّاءلون مخَفَّفَاً … وحَمْزَةُ وَالأرْحامَ بالخفْضِ جَمَّلا أصل تساءلون تتساءلون، فلما اجتمع التاءان خفف بحذف إحداهما على ما سبق من الخلاف في تظاهرون، وعلى هذا الضرب من التخفيف قراءة الكوفيين، وخففه آخرون بالإدغام، وعليه القراءة الأخرى. وأدغمت التاء في السين لما بينهما من التقارب، إذ هما من طرف اللسان وهما مشتركان في الهمس، والتاء مع ذلك أضعف من السين، لأنَّ للسين صفيراً ليس لها فهي تقوى بالإدغام. وقراءة حمزة ﵀ ﴿والأرحامِ﴾ (١) قراءةٌ صحيحةٌ ثابتةٌ قرأ بها الأعمش، وإبراهيم النخعي، وقتادة. والذي أنكره البصريّون من القراءة بها لأنَّ عطفَ الظاهر على المضمر المخفوض لا يجوز إلا بإعادة الخافض عندهم إنكار من لم يتثبت، لأنَّ للمحتج عليهم أن يقول: إن المضمر هاهنا والظاهر سواء لأنَّ ظاهره لا يصح أن يتنكر فهو كمضمره، فكما يجوز أن تقول: بالله والرَّحم يجوز أن تقول: به والرَّحم، وله أن يقول أيضاً: ليست هذه واو العطف، وإنما هي واو القسم، أقسم الله تعالى بها كما أقسم بالتين تنبيهاً على المنَّة به، فالقسم بالأرحام تنبيهاً على صلتها، وتعظيماً لشأنها أولى. فإن اعتُرِض على هذا الوجه بما روي «أنَّ قوماً من مضر جاؤوا إلى رسول الله ﷺ حفاةً عراةً فتغير وجهه ﷺ لما رأى من فاقتهم، ثم صلَّى

стр. 740

الظهر وخطب الناس؛ فقال: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ﴾ إلى قوله: ﴿والأرحام﴾، ثم قال: تصدَّقَ رجلٌ بديناره تصدَّق/ رجلٌ بدرهمه تصدَّق رجلٌ بصاع من تمره … » الحديث (١). وهذا الحديث اعترض به ابن النحاس (٢)، وقال: معنى هذا على النصب لأنه حضَّهم على صلة أرحامهم. قلت: ولو روي أنه قرأه بالنصب لم يكن في ذلك حجةً لأنا لا نقول: إنَّ قراءة النصب ليست ثابتةً، وهذا الحديث إنما يصلح حجةً لها، ولا نقول: إنَّ رسول الله ﷺ كان يقرأ بجميع الوجوه ونحن نقول: إنَّ وجه قراءة النصب واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ووجه قراءة الخفض القسم على ما بينّا. وإذا كان لهذه القراءة وجهان فلا تُوْرَدُ كل واحدة من القراءتين إلا بحيث يليق بها، فالنبي ﷺ لو ثبت أنه قرأ بالنصب لم يكن في ذلك ما يَرُدُّ الأخرى لأنه قرأ بما يليق ذلك المقام، ألا تراه يقول في حديث هشام بن حكيم «هكذا أنزلت هكذا أنزلت» (٣). واحتج الشافعي ﵀ بقوله تعالى: ﴿وأرْجُلِكَم﴾ (٤) بالخفض لمسح الخفين، وبالنصب لغسل الرجلين لأنهما ثابتتان منزلتان، ولو سُلِّم أنَّ الواو عاطفةٌ فقد نُقل ذلك في الكلام والشعر، روى قطرب: مافيها غيره وفرسِه. وأنشد الفرّاء (٥): تُعَلَّقُ في مثل السواري سيوفُنا … وما بينها والكعبِ غَوْطٌ نفانِف
следующие страницы →