← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 880

شرح الشاطبية فتح الوصيد في شرح القصيد - ت أحمد الزعبي

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (1 125 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

٣٧ - وبالزُّبُرِ الشَّامِي كَذَا رَسْمُهُمْ وبالـ … ـكِتَابِ هِشَامٌ واكْشِفْ الرَّسْمَ مُجْمِلا إنما قال: «مجملا» لأنَّ أبا محمد مكِّيَّاً (١) زعم أنه لم يرسم في الثاني باء أصلاً ذكر ذلك في كتاب الهداية، وقال أبو عمرو في المقنع (٢): «هو في الموضعين بالياء، ورواه عن هشام، عن أيوب بن تميم، عن يحيى بن الحارث، عن ابن عامر، وعن هشام، عن سويد بن عبد العزيز، عن الحسن بن عمران، عن عطية بن قيس، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن مصاحف أهل الشام». قال أبو عمرو: «ورأيت هارون بن موسى الأخفش يقول في كتابه: إنَّ الباء زيدت في الإمام يعني الذي وُجَّه به إلى الشام في ﴿وبالزبر﴾ (٣) وحدها،/ قال أبو عمرو (٤): «والأول عندي أثبت لأنه عن أبي الدرداء قال: وفي سائر المصاحف بغير باءٍ في الحرفين». قلت: قد رأيته في بعض المصاحف القديمة الشامية كما ذكره أبو محمد. ٣٨ - صَفَا حَقُّ غَيْبٍ يَكْتُمُونَ يُبَيِّنُنـ … ـنَّ لا تَحْسَبَنَّ الغَيْبُ كَيْفَ سَمَا اعْتَلى ٣٩ - وحَقَّاً بِضَمِّ البَاءِ فَلا يَحْسِبُنَّهُمْ … وغَيْبٍ وَفِيهِ العَطْفُ أوْ جَاءَ مُبْدَلا التقدير صفا في يكتمون يُبَيِّنُن حق غيب، أو صفا حق غيب يكتمون يبينن محله، أو هو يكتمون يبينن، والغيبة على أنه باقٍ على الحكاية عنهم، والخطاب على معنى فقال لهم: لتبيننه للناس ولا تكتمونه.

стр. 737

وقرأ نافع وابن عامر ﴿لا يَحْسَبَنَّ الذِّين يَفْرَحُونَ فَلا تَحْسَبَنَّهُم﴾ (١) بالتاء، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالياء فيهما، وضم الباء مِنْ ﴿يَحْسبُنَّهم﴾، وقرأ الباقون وهم: الكوفيون بالتاء فيهما مع فتح الباء. فوجه قراءة نافع، وابن عامر أنَّ (الذين يفرحون) فاعل (تحسبن)، والمفعول الأول محذوف وهو أنفسهم، و (بمفازةٍ من العذاب) في موضع المفعول الثاني. و ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُم﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمفعول الأول الهاء والميم، والمفعول الثاني محذوف، والتقدير فلا يحسبنهم كذلك والفاء عاطفة كما تقول: ما ظننت زيداً قائماً فلا تظننه، ومنه: ﴿والله ورسُولُه أَحقُّ أنْ يُرْضُوه﴾ (٢)، أي: ورسوله كذلك؛ ويجوز أن تجعل مفعولي يحسبن محذوفين. وأما قراءة ابن كثير، وأبي عمرو فعلى ما تقدَّم من إسناد الفعل إلى الذين يفرحون، والمفعول الأول (أنفسهم)، و (بمفازة من العذاب) الثاني، وفلا يحسبنهم مكرر للتأكيد كقوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحدَ عَشَرَ كَوْكَبَاً والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيتُهم لي سَاجِدِين﴾ (٣) أي: أحد عشر كوكباً والشمس والقمر لي ساجدين رأيتهم. ويجوز أن تجعل (بمفازةٍ من العذاب) مفعولاً ثانياً ليحسبنهم، ويكون بدلاً من (لا يحسبنهم) فيُغني لإبداله منه عن ذكر مفعوليه، وتكون الفاء زائدةً، وضم الباء من يحسبنهم من أجل ضمير الجماعة بعده وهو الواو، وإنما حذفت لالتقاء الساكنين هي والنون المدغمة.

стр. 738

وأما قراءة الباقين فالخطاب للنبي ﷺ ، و (الذين يفرحون) المفعول الأول، و (بمفازة من العذاب) الثاني، وفلا يحسبنهم إما مكرر للتأكيد، أو بدل على ما سبق. ٤٠ - هُنَا قَاتَلُوا أَخِّرْ شِفَاءً وَبَعْدُ فِي … بِرَاءَةَ أَخِّرْ يَقْتُلُونَ شَمَرْدَلا إنما قال: «أخِّرْ شفاءً» لأنَّ أبا عُبيدٍ اختار قراءة غيرهما فنبَّه على أنَّ هذه القراءة ثابتةٌ صحيحةٌ، وفيها شفا لكونها أبلغَ في المدح، لأنهم إذا قُتِلوا وقاتلوا بعد وقوع القتل فيهم فذلك أبلغ في مدحهم. ووجه القراءة الأخرى ظاهر، ويجوز أن تكون بمعنى هذه القراءة وهو الأولى عندي أي: وقاتلوا ووقع القتل فيهم، لا أنَّ القتل أتى على جميعهم، وفي براءة ﴿فيُقْتَلُون ويَقْتُلُونَ﴾ (١). وقوله: «شمر دلا» أي: خفيفاً يعني أنه قرأ ذلك بغير تثقيل. ٤١ - وياآتُهَا وَجْهِي وَإِنِّي كِلاهُمَا … وَمِنِّي وَاجْعَلْ لِي وَأَنْصَارِي المِلا ﴿وجْهِي لله ومَن اتَّبَعَنِ﴾ (٢)، ﴿إِنِّي أُعِيذُهَا﴾ (٣)، ﴿أَنِّي أَخْلُقُ﴾ (٤)، ﴿مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ (٥)، ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ (٦)، ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلى اللهِ﴾ (٧). و «الملا» جمع مليء [وهو الثقة] (٨).

стр. 739

سورة النساء ١ - وَكُوفِيُّهُم تَسَّاءلون مخَفَّفَاً … وحَمْزَةُ وَالأرْحامَ بالخفْضِ جَمَّلا أصل تساءلون تتساءلون، فلما اجتمع التاءان خفف بحذف إحداهما على ما سبق من الخلاف في تظاهرون، وعلى هذا الضرب من التخفيف قراءة الكوفيين، وخففه آخرون بالإدغام، وعليه القراءة الأخرى. وأدغمت التاء في السين لما بينهما من التقارب، إذ هما من طرف اللسان وهما مشتركان في الهمس، والتاء مع ذلك أضعف من السين، لأنَّ للسين صفيراً ليس لها فهي تقوى بالإدغام. وقراءة حمزة ﵀ ﴿والأرحامِ﴾ (١) قراءةٌ صحيحةٌ ثابتةٌ قرأ بها الأعمش، وإبراهيم النخعي، وقتادة. والذي أنكره البصريّون من القراءة بها لأنَّ عطفَ الظاهر على المضمر المخفوض لا يجوز إلا بإعادة الخافض عندهم إنكار من لم يتثبت، لأنَّ للمحتج عليهم أن يقول: إن المضمر هاهنا والظاهر سواء لأنَّ ظاهره لا يصح أن يتنكر فهو كمضمره، فكما يجوز أن تقول: بالله والرَّحم يجوز أن تقول: به والرَّحم، وله أن يقول أيضاً: ليست هذه واو العطف، وإنما هي واو القسم، أقسم الله تعالى بها كما أقسم بالتين تنبيهاً على المنَّة به، فالقسم بالأرحام تنبيهاً على صلتها، وتعظيماً لشأنها أولى. فإن اعتُرِض على هذا الوجه بما روي «أنَّ قوماً من مضر جاؤوا إلى رسول الله ﷺ حفاةً عراةً فتغير وجهه ﷺ لما رأى من فاقتهم، ثم صلَّى

стр. 740

الظهر وخطب الناس؛ فقال: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ﴾ إلى قوله: ﴿والأرحام﴾، ثم قال: تصدَّقَ رجلٌ بديناره تصدَّق/ رجلٌ بدرهمه تصدَّق رجلٌ بصاع من تمره … » الحديث (١). وهذا الحديث اعترض به ابن النحاس (٢)، وقال: معنى هذا على النصب لأنه حضَّهم على صلة أرحامهم. قلت: ولو روي أنه قرأه بالنصب لم يكن في ذلك حجةً لأنا لا نقول: إنَّ قراءة النصب ليست ثابتةً، وهذا الحديث إنما يصلح حجةً لها، ولا نقول: إنَّ رسول الله ﷺ كان يقرأ بجميع الوجوه ونحن نقول: إنَّ وجه قراءة النصب واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ووجه قراءة الخفض القسم على ما بينّا. وإذا كان لهذه القراءة وجهان فلا تُوْرَدُ كل واحدة من القراءتين إلا بحيث يليق بها، فالنبي ﷺ لو ثبت أنه قرأ بالنصب لم يكن في ذلك ما يَرُدُّ الأخرى لأنه قرأ بما يليق ذلك المقام، ألا تراه يقول في حديث هشام بن حكيم «هكذا أنزلت هكذا أنزلت» (٣). واحتج الشافعي ﵀ بقوله تعالى: ﴿وأرْجُلِكَم﴾ (٤) بالخفض لمسح الخفين، وبالنصب لغسل الرجلين لأنهما ثابتتان منزلتان، ولو سُلِّم أنَّ الواو عاطفةٌ فقد نُقل ذلك في الكلام والشعر، روى قطرب: مافيها غيره وفرسِه. وأنشد الفرّاء (٥): تُعَلَّقُ في مثل السواري سيوفُنا … وما بينها والكعبِ غَوْطٌ نفانِف

стр. 741

وقال آخر (١): إذا أوقدوا ناراً لحرب عدوهم … فقد خاب من يصلى بها وسعيرها واعترض من ردَّ القراءة، فقال: لو جاز هذا في الشعر والكلام لم يجز في هذه القراءة، قال: وهو خطأ في أمر الدين عظيم لأنَّ النبي ﷺ قال: «لا تحلفوا بآبائكم» (٢) والجواب:/ أنَّ الحكاية عنهم أنهم يتساءلون بالله والرحم ليست بيمينٍ. فإن قيل: كيف ينهى عن شيء ويحكيه عنهم؟ فالجواب: أنَّ تساؤلهم كان قبل ورود النهي، وأيضاً فليس في الحكاية ما يدلُّ على الإباحة ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ومِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ والأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ منه سَكَرَاً ورِزْقاً حَسَنَاً﴾ (٣)، وأنَّ الحكاية فيه لم تقتض الإباحة، والكوفيون يجيزون العطف المذكور ويختارون سواه، والبصريون يمنعونه، والقراءة ثابتةٌ وهي حجة، وهم يحتجون في العربية بقول بعض العرب يقول قائلهم: سمعت بعض العرب، ونَقْلُ القرآن أثبت وأصح. وقوله: «والأرحام بالخفض جملا» فيه تورية مليحةٌ لأنَّ الخفض في الجواري الختان وهو لهن جمال، والخفض الذي هو الإعراب جمالٌ للأرحام لما فيه من تعظيم شأنها.

стр. 742

٢ - وَقَصْرُ قِيَاماً عَمَّ يَصْلَوْنَ ضُمَّ كَمْ … صَفَا نَافِعٌ بِالرَّفْعِ وَاحِدَةً جَلَا قال الأخفش والكسائي والفرَّاء: القِيَم والقيام والقِوام واحد (١)، وقال البصريون: قِيم جمع قِيمةٍ كدِيمةٍ ودِيم، قال أبو علي (٢): "وليس ذلك بشيء بدليل قوله: ﴿ديناً قيماً﴾ (٣)، ألا ترى أنَّ الدين لا يوصف بذلك وإنما هو مصدر يعني القيام الذي يراد به الثبات والدوام كما أنشد أبو زيد (٤): إني إذا لم يُندِ حلقاً ريقُهُ … وثبت السبُّ وقامت سُوقه ومنه ﴿ويُقِيمُون الصَّلاوة﴾ (٥) ". قال الآخرون: «لو كان مفرداً لما اعتل كالعوَر والحوَل والعِوَض لأنه على غير مثال الفعل والأسماء الثلاثية المجردة إنما يُعلُّ منها ما جاء على مثاله نحو: رجل مال، وباب،/ ودار. والجواب: أنه اتبع فعله فأُعِلَّ لأنه مصدر بمعنى القيام فكأنه بُني على قام قيماً فلما اعتلَّ (قام) اعتلَّ هو أيضاً. وحكى الأخفش: «قِوَماً وقِيمَاً» قال: والقياس تصحيح الواو، وإنما انقلبت ياءً على وجه الشذوذ كقولهم: ثيرة، وقول بني ضبة: طِيَال في جمع طويل، وقالوا: جميعاً جياد في جمع جواد. قال أبو علي (٦): وإذا قالوا: دِيَم في جمع ديمة فأعلَّوا الجمع لاعتلال الواحد فإعلال المصدر لاعتلال فعله أولى، ألا ترى أنهم قالوا: معيشة

стр. 743

ومعايش، ومقام ومقاوم فصحت الجموع مع اعتلال الآحاد ولم يصححوا مصدراً أعلوا فعله لكن يجري المصدر على فعله». قلت: والذي قاله البصريون: من كونه جمعَ قيمةٍ يحتمله هذا الموضع، وإن كان لا يحتمله الذي في المائدة والأنعام، ومعناه التي جعلها الله قيمة لكم لأنَّ قيمة المرء ماله، ومنه الحسب المال، والسفهاء اليتامى وأراد بالأموال أموال اليتامى، وأضافها إلى المخاطبين لأنها أموال الخلق التي يملكونها، وقيل: السفهاء الأولاد أي: لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها. وقيل: السفهاء النساء، وقيل: لا يصح لأنَّ العرب إنما تقول: النساء سفايه وسفيهاتٌ، وإذا قلنا: إنَّ قيماً بمعنى قياماً فهو من قولهم: هو قيام القوم، وقِوامهم للذي يقوم عليهم ويصلح أمورهم، والكعبة قِيَمٌ للناس بمعنى قيام من هذا، لأنهم يقصدونها بما يوسع على مجاوريها؛ فكأنها تقوم عليهم وتصلح شأنهم، وديناً قيماً وقيِّماً مستقيماً. ومعنى التخفيف أنه مصدر وُصف به وهو كالشِّبع، والصِّغر والكبر على معنى ذا قيمٍ قال حسان (١): ونشهدُ أنك عند الملـ … ـيك أُرسلتَ حقاً بدين قيم وأصل قيِّم قَيْوِم فلما سبقت الياء بالسكون قلبت الواو ياءً وأدغم قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ للدِّينِ القَيِّمِ﴾ (٢)، و ﴿سيُصْلَوْنَ﴾ (٣) على ما لم يُسمّ فاعله أي: يصليهم غيرهم، وهو الحقيقة والأصل فلذلك قال: «كم صفا»، وسيصلون كما قال: اصلوها، ورفع واحدة على أنها كان التامة أي: وإن وقعت.

стр. 744

وقوله: «جلا» أي: كشف لأنَّ القراءة بالرفع ظاهرة مكشوفة المعنى، وبالنصب تحتاج إلى تقدير وإن كانت الوارثة واحدة وإلى أنَّ واحدةً بمعنى منفردةٍ، وقراءة النصب مطابقة لقوله: ﴿فَإنْ كُنَّ نِسَاءً﴾ (١). ٣ - ويُوصَى بِفَتْحِ الصَّادِ صَحَّ كَمَا دَنا … وَوَافَقَ حَفْصٌ فِي الأَخِيرِ مُجَمَّلا يوصي على معنى يوصي المذكور، «ويوصَى … صح» معناه وقرُب من الإفهام لأنَّ فيه تنبيهاً على عموم الحكم في كل ميتٍ من ذكرٍ أو أنثى. «ووافق حفصٌ في الأخير» ناقلاً ذلك، ومحِمَلاً إياه عن أئمته، وفيه حكم بجوازهما وصحتهما. ٤ - وَفِي أُمِّ مَع فِي أُمِّهَا فَلأُمِّهِ … لَدَى الوَصْلِ ضَمُّ الهَمْزِ بِالكَسْرِ شَمْلَلَا «في أم» يريد في ﴿أُمِّ الكِتَاب﴾ (٢)، و ﴿في أمها رسولاً﴾ (٣) و ﴿فَلأُمِّهِ﴾ (٤) هاهنا يختص الوصل في قراءتهما بكسر الهمزة لما يتصل بها من الكسر قبلها، أو الياء وذلك أخفُّ من الخروج منهما إلى ضمِّ، وأجروا الياء مجرى الكسرة في الحكم، أولم يعتدُّوا بها حاجزاً، وهي لغةٌ صحيحةٌ. قال الفرَّاء والكسائي: هي لغة قريش، وهذيل، وهوازن وقد ذكرها سيبويه (٥) ومن ضم فهو، الأصل و «ضم/ الهمز» مرفوع بالابتداء والخبر قوله: «في أم»، [وشملل معناه أسرع، ومنه ناقة شملال وشملة، وفي شملل ضمير راجع إلى] (٦) قوله: «في أم» وما اتصل به أي: أسرع في اللفظ يشير إلى خفته وتسهُّل النطق به.

стр. 745

٥ - وَفِي أُمَّهَاتِ النَّحْلِ وَالنُّورِ وَالزُّمَر مَعَ … النَّجْمِ شَافٍ وَاكْسَرِ المِيمَ فَيْصَلا يقول: اكسر الهمزة في المواضع الأربعة للكسرة قبلها ﴿والله أَخْرَجَكُم مِنْ بُطُونِ أِمهَاتِكُمْ﴾ (١)، ﴿أُو بيوت أمَّهَاتِكم﴾ (٢)، ﴿يَخْلُقُكُم في بُطُونِ أمَهَاتِكم﴾ (٣)، ﴿أَجِنَّةٌ في بُطُونِ أِمَهَاتِكُم﴾ (٤). وأضاف حمزة ﵀ إلى كسرها كسرَ الميم بعدها على الاتباع أعني في المواضع الأربعة، «واكسر الميم فيصلا» بين قراءة حمزة والكسائي. ٦ - وَنُدْخِلْهُ نُونٌ مَع طَلَاقٍ وَفَوْقُ مَعْ … نُكَفِّر نُعَذِّبْ مَعْهُ فِي الفَتْحِ إِذْ كَلَا التقدير وندخله ذو نونٍ «مع حرف الطلاق وفوق» يعني به التغابن أراد وفوق الطلاق [فلما قطعه عن الإضافة بناه «مع نكفر» في التغابن] (٥). «نعذب معه» أي: مع ندخله «في الفتح إذ كلا» إذ حفظ، من كلا إذا حرس وحفظ؛ والنون والياء معناهما واضح. ٧ - وَهَذَانِ هَاتَيْنِ اللَّذَانِ اللَّذَيْنِ قُلْ … يُشَدّدُ للْمَكِّي فَذَانِكَ دُمْ حَلا ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ (٦)، و ﴿إن هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٧)، و ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَين﴾ (٨)، و ﴿الّذَانِ يأتِيَانِها مِنْكُم﴾ (٩)، و ﴿أَرْنا الَّذَينِ أَضَلانَا﴾ (١٠).

стр. 746

ووجه التشديد التعويض مما حذف من هذه الأسماء في التثنية؛ فالمحذوف من هذان وهاتين ألف حذفت لالتقاء الساكنين، والمحذوف من اللذان واللذين ياءٌ حُذِفَت أيضاً لالتقاء الساكنين، وكان ينبغي ألا/ تحذف لأنَّ التثنية لم يحذف فيها شيءٌ لالتقاء الساكنين إلا هذا فلما حذف على خلاف الأصل أشبه ما حذف أصلاً لا لالتقاء الساكنين. إذ المحذوف لالتقاء الساكنين في تقدير الثابت. وقيل: إنها شُددت لأنها لا تسقط للإضافة بخلاف غيرها فأريد بذلك الفرق بينها وبين غيرها، وقيل: شُددت ليفرق بينها وبين النون التي ثبتت عوضاً من التنوين المنطوق به في المفرد. وأما فذانك واختصاصه في مذهب أبي عمروٍ بالتشديد ففيه تنبيهٌ على أنَّ المبهم أولى بالتعويض، لأنَّ الحذف له ألزم لأنَّ المحذوف منه لا يعود في التصغير لأنك تقول في تصغير (هذا): هذيّا، ولو صُغِّر على ما تقتضيه الأصالة لقيل: هذَيَيّا، الأولى عين الفعل، والثالثة لامه، والثانية للتحقير، فحذفت التي هي عين الفعل ولم تحذف التي هي لامه، لأنها لو حذفت لتحركت ياء التصغير لمجاورة الألف، وياء التصغير لا تتحرك بوجه. وإذا صُغِّرت (اللذان) قلت: (اللذيّا) فبرزت الياء المحذوفة ففي تشديد فذانك تنبيهٌ على أنَّ المبهم أولى بالتعويض ولم يشدد الباب جميعه نحو: هذان للجمع بين اللغتين، ولهذا قال: «فذانك دم حلا» كأنه قال: فذانك مثله دم أنت حلاً أي: محلياً مشبهاً ذلك كما تقول: دم جميلاً، أو دم ذا حلاً، والتخفيف إجراءٌ له مجرى المثنَّى، فخفف النون فيه كما يخفف في الزيدان، والعَمْران وإن كانت مبنياتٍ وليست بمعربات إلا أنَّ صيغتها صيغة التثنية وإن لم تكن تثنيةً في التحقيق.

стр. 747

٨ - وَضمّ هُنَا كُرْهاً وَ عِنْدَ بَرَاءَةٍ … شِهَابٌ وَفِي الأَحْقَافِ ثُبِّتَ مَعْقِلا الخلاف في كرهاً في أربعة مواضع هاهنا وفي التوبة ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعَاً أَوْ/ كُرْهَاً﴾ (١)، وفي الأحقاف موضعان (٢). والأخفش، وأكثر البصريين، والكسائي يذهبون إلى أنهما لغتان بمعنىً واحدٍ. والفرَّاء يزعم أنَّ الفتح بمعنى الإكراه والضم من قبلك أي: الذي يفعله كارهاً له من غير مكرِه كالأشياء التي فيها مشقةٌ ونصَبٌ، وكذلك قال ابن قتيبة (٣) وقال: يقول الناس لتفعلن ذلك طوعاً أو كَرهاً بالفتح أي: طائعاً أو مكرهاً، قال ولا يقال: [طوعاً] (٤) أو كُرهاً وكذلك قال أبو عمرو بن العلاء: الضمُّ ما تكره فِعلَه، والفتح فيما تستكره عليه. و «معقلا» يجوز أن يكون منصوباً على التمييز أي: ثبت معقله يعني الحرف المختلف فيه في الأحقاف، وذلك لقوته بانضياف عاصم، وابن عامرٍ من طريق ابن ذكوان إلى حمزة والكسائي فيه. ويجوز أن يكون الضمير في «ثبت» لشهاب، ويجوز أن ينتصب معقلاً على الحال أي: مُشْبِهاً معقلاً. والصحيح أنَّ (كَرهاً) و (كُرهاً) بمعنىً واحدٍ، ولولا ذلك لما كان لمن ضَمَّ في النساء وجهٌ؛ والقراءة صحيحةٌ ثابتةٌ.

стр. 748

٩ - وَفِي الكلِّ فَافْتَحْ يَا مُبَيِّنَةٍ دنا … صَحِيحاً وَكَسْرُ الجَمْعِ كَمْ شَرَفاً عَلا «دنا» أي: قريب من الإفهام في حال صحة نقله لأنَّ معنى مبينة يبينها من يدعيها ويوضحها فمعناه قريب غير غامض. وأما ﴿مبَيِّنَة﴾ (١) بكسر الياء فمعناه أنها تبين ظاهرة، يقال: بيَّنَت الشيء فبَيَّن بمعنى فتبين، فهو لازمٌ ومتعدٍّ، ويجوز أن يكون متعدِّياً بمعنى مُبَيِّنَةٍ صدقَ مُدَّعِيها. و ﴿مُبَيِّنَت﴾ بالكسر إما على معنى بينات، وإما على معنى أنها قد بينت الحق وأوضحته، وبالفتح على معنى أنَّ الله تعالى بينها قال الله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَا الآيات﴾ (٢). ١٠ - وَفِي مُحْصَنَاتٍ فَاكْسِرالصَّادَ رَاوِياً … وفي المحصَنَاتِ اكْسِرْ لَهُ غَيْرَ أوَّلا أشار بقوله: «راوياً» إلى ثبوت ذلك من جهة النقل، ومعنى الكسر أنهن أحصنَّ فروجهن أي: حفظن كقوله تعالى: ﴿التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ (٣)، أو أحصنَّ فروجهن بالتزويج، أو أحصن أزواجهن. و ﴿مُحْصَنات﴾ (٤) بالفتح قد يكون بمعنى محصنات بالكسر، يقال: أَحْصَنَ فهو محصَن، وألْفَج إذا أفلس فهو مُلْفَج، وأسهب فهو مُسْهَبٌ، ندرت بالفتح (٥)، ويكون بمعنى أُحْصِن بالأزواج، ولذلك وقع الإجماع على

стр. 749

فتح الأول، لأنَّ ذوات الأزواج محرمات، واستثنى السبايا منهن بقوله: ﴿إلا مَا مَلكَتْ أَيْمَانُكم﴾ (١). و «أولا» مخفوض ولكنه لا ينصرف للصفة ووزن الفعل، والتقدير غير حرف أول. ١١ - وَضَمٌ وَكَسْرٌ فِي أَحَلْ صِحَابُهُ … وُجُوهٌ وَفِي أَحْصَنَّ عَنْ نَفَرِ العُلَا صحابه رواته والقَرَأَةُ به وجوه رؤساء من قولك: هم وجوه القوم أي: أشرافهم ورؤساؤهم، وهو على مطابقة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُم﴾ (٢)، والفتح على ﴿كِتَابَ الله عَلَيْكُم وَأحلَّ﴾ (٣). و «عن نفر العلا» أي: المراتب العلا، ومعناه أحصنهن أزواجهن بالنكاح، أو أولياؤهن بالتزويج، والفتح بمعنى تزوجن، وفائدته أن لا تحسب أنَّ عليهن الرجم. ١٢ - مَعَ الحَجِّ ضَمُّوا مَدْخَلاً خُصَّهُ وَسَلْ … فَسَلْ حَرَّكُوا بِالنَّقْل رَاشِدهُ دَلا «خُصَّه» فعل أمر، والهاء مفعولة تعود على المدخل أي: خصَّه بالخلف في هذين الموضعين هنا ﴿ونُدْخِلْكُم مُدْخَلاً﴾ (٤)، وفي الحج ﴿لَيُدْخِلَنَّهُم مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾ (٥)، فأما الذي في الإسراء ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْق﴾ (٦) فلا خلاف في ضمِّه وإن كان فتحه جائزاً في العربية.

стр. 750

(٦٤/ ب) والمدخل بالضم يجوز أن يكون مصدراً للفعل الرباعي الذي قبله، ويكون مفعوله محذوفاً والتقدير وندخلكم الجنة مدخلاً، وفي الحج ولندخلنهم الجنة مدخلاً؛ فمدخلاً وإدخالاً بمعنىً واحدٍ، ويجوز/ أن يكون التقدير لَيُدْخِلَنَّهم الجنة فيدخلون مدخلاً على مالم يُسمّ فاعله (١). ويجوز أن يكون مكاناً فيكون مفعولاً أي: ويدخلكم وليدخلنهم مدخلاً أي: مكاناً. والفتح إما مصدر دخلت دخولاً ومدخلاً؛ والتقدير: فيدخلون مدخلاً أي: ويدخلكم الجنة فتدخلون مدخلاً، أو يكون مفعولاً بمعنى فتدخلون مكاناً. وقوله: «وسل فسل» يعني أنَّ سأَلَ يسْأَلُ إذا ورد الأمر منه في القرآن للمواجهة فإن لم يكن قبله واوٌ أو فاءٌ نحو: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَاءِيل﴾ (٢) فلا خلاف بين القرَّاء في نقل حركة الهمزة إلى السين وحذفها وترك همزة الوصل لوقوع الاستغناء عنها لأنَّ السين متحركة. ومِن العرب مَنْ يقول: اسأل، وإن كان قبله واوٌ أو فاءٌ، فالكسائي وابن كثيرٍ تجري قراءتهما على ما سبق من ترك الهمز، ولا فرقَ فيها بين ما قبله واوٌ أو فاءٌ وبين ماعَرِي عن ذلك نحو: ﴿وسئلوا الله﴾ (٣)، و ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بذلِك زَعِيم﴾ (٤). وقراءة الباقين بالهمز فيما قبله واوٌ أو فاءٌ لأنَّ الواو والفاء لما اتصلا بالكلمة أمكن معهما سكون السين إذ أصلها السكون فهما كهمزة الوصل التي تُجْتَلَب ليُتَوصَّل بها إلى النطق بالساكن.

стр. 751

قال أبو عمرو بن العلاء ﵀: قريش تقول: سل؛ فإذا أدخلوا الواو والفاء همزوا، رواه اليزيدي عنه، فإن كان الأمر غير مُواجَه به فلا خلاف أيضاً في الهمز نحو: ﴿ولْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾ (١) لأنَّ المواجهة لما كثرت في الاستعمال أوجب ذلك التخفيف في بعض اللغات. [وقوله: «راشده دلا» الراشد] (٢) السالك طريق الرشد، ومعنى دلا أخرج دلوه، فلا يقال: أدلا إذا أرسل دلوه، ودلا إذا أخرجها مملوءة. ١٣ - وفي عَاقَدَتْ قَصْرٌ ثَوَى ومَع الحَدِيـ … ـد فَتْحُ سُكُونِ البُخْلِ والضَّمِ شمللا معنى ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُم﴾ (٣) عقدت عهودكم أيمانكم، واليمين هاهنا أخت الشمال لأنَّ الحالف يمد يمينه إلى يمين صاحبه. ومعنى قوله: «قصر ثوى» أي: أقام فلا مغير له لأنه مما أنزله الله تعالى، لأنَّ صاحب الكشف قال (٤): «والقراءة بالألف أقوى في نفسي لأنَّ المقصود بالآية أصحاب الأيمان لا الأيمان لأنَّ الأيمان لا فعل يُنسب إليها حقيقي فبابه المفاعلة». انتهى كلامه وهذا بناء منه على ما فهمه من كلام صاحب الحجة (٥) في أنَّ الأيمان هاهنا جمع يمين وهو الحلف. ومعنى عاقدت بالألف على ما قلته عاقدتهم أيمانكم وصافحتموهم عند التحالف، والبُخْل والبَخَل لغتان كالعدَْم والعَدَم، والرُّشْد والرَّشَد.

стр. 752

الفرَّاء: المثقل المصدر وهي لغةُ أسد، والمخفف الاسم وهو لأهل الحجاز وقيل: التخفيف لغة قريش، والتثقيل للأنصار؛ والجيد أنهما لغتان، ومَنْ [ضَمَّ] (١) حمل المصدر فيه على النقيض وهو الجود. وحكى سيبويه (٢): بَخِل بُخْلاً؛ وقال: بعضهم يقول: البَخْل كالفَقْر، والبُخْل كالفُقْر، وبعضهم يقول: البَخْل كالكَرَم بالفتح، وشملل معناه أسرع أي: أتى الفتح فيهما مسرعاً، لأنه لظهوره ووجود دليله في اللغة/ وكثرة نقلته لا يبطئ على من أراد الاحتجاج له، بل يجد الحجة فيأتي بها مسرعاً، فكأنَّ الفتح في نفسه قد أسرع. ١٤ - وفي حَسَنَهْ حِرْمِيُّ رَفْعٍ وَضَمُّهُمْ … تَسَوَّى نَمَا حَقَّاً وَعَمَّ مُثَقَّلا الرفع على التامة، والنصب على وإن تك مثقال ذرة حسنة، وأنَّثَ ضمير المثقال لأنه مضافٌ إلى مؤنث كقوله (٣): ....................... … كما نَهلت صدر القناة … ويجوز أن يكون الضمير للذرة على وإن تك الذرة المذكورة حسنة تسوى بهم الأرض أي: يُدْفَنون فتسوى بهم كما تسوى بالموتى، وقيل ودُّوا أنهم لم يُبعثوا كما لم تبعث الأرض.

стр. 753

وقيل: هو معنى قوله: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابَا﴾ (١) يرون البهائم فيتمنون حالها وقوله: «نما حقاً» أي: نجا حقه وفاز من الإشكال الذي يضعف عن فهمه الضعفاء في القراءة الأخرى، وهو من نمى إذا نجا من قوله (٢): .................... … وليس سَليمها أبداً بنامي و «عم مثقلاً» أي: اشتهر مثله في العربية، لأنه أدغم التاء الثانية في السين فهو مثل تظَّاهرون، ويَسَّمعون، وتسَّاءلون، ويزَّكِّى، وماضيه اسَّوَّى، ومَنْ قرأ تَسَوَّى حذف التاء من تتسوى يقال: سواه فتسَوَّى. ١٥ - ولامَسْتُمْ اقْصُرْ تَحْتَها وَبِهَا شَفَا … وَرَفْعٌ قَلِيلٌ مِنْهُم النَّصْبَ كُلِّلا قوله: «شفا» لأنه بيّن معنى القراءة الأخرى، وأنَّ لامستم من باب طارقتُ النعل، فتكون الملامسة واللمس بمعنىً واحدٍ، ويكون اللمس بمعنى الجماع. وقد حمل بعضُ الصحابة الملامسة على الجماع، وبعضهم على اللمس باليد/ ومذاهب الفقهاء أيضاً كذلك (٣)، والذي يظهر أنَّ المراد باللمس والملامسة الجماع ومَن أبى ذلك فقال: إنَّ الجنابة قد تقدم ذكرها لم يُنْعِم النظر فإنَّ الذي تقدم أحكام من يجب عليه استعمال الماء، وهذا حكم من يجوز له التيمم، فلو لم تحمل الملامسة على الجماع لبقي الجنب الذي يباح له التيمم غير مذكور في الآية.

стр. 754

«ورفع قليل منهم» مبتدأ، وكلل النصب خبره، والمفعول الذي أقيم مقام الفاعل أعني الضمير في كلل هو العائد إلى رفع قليل، وإنما جاز أن يقال: كلل الرفع بالنصب أي: جعل له كالإكليل من قولهم: روضة مكللة محفوفة بالنور، لأنَّ الأولى عند النحويين قراءة الرفع على البدل، والنصب جائز على أصل الاستثناء، ويجوز أن يحمل على: إلا فعلاً قليلاً، فكأنَّ قراءة النصب لَمَّا كانت تابعةً لقراءة الرفع أشبهت الإكليل التابع للروضة. ١٦ - وأَنِّثْ يَكُنْ عَنْ دَارِمٍ تُظْلَمُونَ غَيْـ … ـبُ شُهْدٍ دَنَا إِدْغَامُ بَيَّتَ فِي حُلا الدارم الذي يقارب في مشيه الخطا، والشيخ يقارب الخطو، يشير إلى أنَّ القراءة منقولةٌ عن شيخٍ طعن في السن حتى قارب الخطو، وابن كثير أيضا دارمي، والقراءة منقولةٌ عن دارم لأنه منهم، والتأنيث للمودة والياء لأنَّ المودة بمعنى الودِّ وللفصل بين الفعل والفاعل، ولأنَّ المؤنث غير حقيقي والياء في يظلمون لأنَّ قبله ﴿ألم تَرَ إِلى الَّذِين قِيلَ لَهُمْ﴾ (١) إلى آخره؛ فالغيب ردٌّ على ذلك، والخطاب ردٌّ على قوله: ﴿قل مَتَعٌ الدُّنيا قَلِيل﴾ (٢) فهو للنبي ﷺ ومن معه، أو على قل لهم: ولا يظلمون. وشبَّه قراءةَ الغيب بالشُّهد الذي دنا لسهولة معناه وظهوره؛ فهو حلوٌ كالشهد الذي يتناوله مع دُنُو من غير بعد ولا كلفة، وإنما كان إدغام «بيَّت في حلا» وهو جمع حلية لأنَّ التاء من مخرج الطاء، والطاء أقوى منها، وإدغام الأضعف في الأقوى حسن، لأنه تقوية له فيصير بالتقوية في حُلَى، وكره ذلك أبو عبيد وأصحاب الاختيار، وقال: لأنَّ ترك الإدغام ممكن.

стр. 755

١٧ - وإِشْمَامُ صَادٍ سَاكِنٍ قَبْلَ دَالِه … كَأَصْدَقُ زَاياً شَاعَ وَارْتَاحَ أَشْمُلا قوله: «كأصدق» دليل على أنَّ له نظائر وذلك نحو: ﴿تَصْدِيَة﴾ (١)، و ﴿يَصْدِفُون﴾ (٢)، و ﴿تَصْدِيق﴾ (٣)، وجاء في اثني عشر موضعاً؛ في هذه السورة موضعان (٤)، وفي الأنعام ثلاثة (٥) والباقي سبعة في سبع سور: الأنفال (٦)، ويونس (٧)، ويوسف (٨)، والحجر (٩)، والنحل (١٠)، والقصص (١١)، والزلزلة (١٢). ومعنى قوله: «شاع» أي: انتشر في النقل والعربية، وارتاحت شمائله، والارتياح النشاط، والشمائل والأشمُل جمع شِمال، والشِّمال اليد والخُلُق قال جرير (١٣): ............................ … وما لومي أخي من شماليا أي: من خُلُقِي، والعلة في هذا الإشمام كالعلة المذكورة في الصراط لأنَّ الدال حرفٌ مجهورٌ والصاد مهموس.

стр. 756

١٨ - وفِيهَا وَتَحْتَ الفَتْحِ قُلْ فَتَثَبَّتُوا … مِنْ الثَّبْتِ وَالغَيرُ البَيَانَ تَبَدَّلا قوله: «من الثبت» ولم يقل: من التثبت كما قال مكي (١) وغيره، يشير به إلى أنَّ معنى القراءة طلب الثبت فهو تفعَّلوا بمعنى استفْعِلوا من طلب بيان الأمر، والقراءة الأخرى كذلك أمر بطلب بيان الأمر. ١٩ - وعَمَّ فَتَىً قَصْرُ السَّلامِ مُؤَخَّراً … وغَيْرُ أُولي بالرَّفْعِ في حَقِّ نَهْشَلا «فتى» أي: سَخِياً منصوبٌ على الحال وصاحبها قصر السلام، ومؤخراً حال يقال:/ ألقى السلم والسلام إذا استسلم وانقاد، وقيل السلام هنا: التسليم. ونهشل أراد به القبيلة جعله اسماً لطائفة الضعفاء إلى العدد فلم يصْرفه، وإذا أُرِيد به الأب صُرِفَ كما قال (٢): إنا بني نهشل لا ندَّعي لأب … عنه ولا هو بالأبناء يَشْرِينا قال سيبويه (٣): هو فعلل كجعفر، ونرجس نَفْعِل لأنه لا فَعْلِل في الكلام، وفائدة قوله: «في حق نهشلا» الإشارة باشتقاقٍ على طريق الكناية إلى الضرورة لأنه من نهشل الرجل إذا أسن واضطرب، وكذلك خنشل إذا كان الرفع صفة للقاعدوين وبه خرج إلى ﴿أولو الضَّرر﴾ (٤) من جملة القاعدين المفضل عليهم جاء في الحديث «لقد خلفتم بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم العذر» (٥)، ووُصِفَ القاعدون

стр. 757

وهو معرفة بغير الذي لا يتعرف بالإضافة لأنَّ (القاعدون) عام شائع فهو نكرة في المعنى كما قال (١): ولقد أمر على اللئيم يسبني … ........................... وعن المبرِّد هو بدل من (القاعدون)، وأما النصب فعلى الحال من (القاعدون)، على على الاستثناء منهم. فإن قيل: قد قضيتم بكونه: نكرة حتى وصفتموه بغير فكيف يصح الحال منه؟ قلنا: هو وإن كان معناه العموم والشياع فمعرفة في اللفظ. ٢٠ - ونُؤْتِيهِ باليَا فِي حِمَاهُ وَضَمُّ يَدْ … خُلُونَ وَفَتْحُ الضَّمِّ حَقٌّ صِرَىً حَلا الهاء في «حماه» عائدة على «يؤتيه»، وإنما كان في حماه لأنه مردودٌ على ما قبله وهو ﴿ومَن يَفْعَل ذلك ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ الله﴾ (٢)، ويؤتيه بالياء مبتدأ، وفي حماه الخبر والقراءة الأخرى بنون الأمر المطاع، «وضم يدخلون» في يائه «وفتح الضم» في الخاء، والصرى بالكسر والفتح الماء المجتمع المستنقِع، وإذا اجتمع الماء واستقر صفا، وهو مع ذلك حلوٌ فهو الغاية، فكأنَّ هذه القراءة في صفائها وحلاوتها بمنزلة ذلك الماء لأنهم يدخلون الجنة حقيقةً وإنما يدخلونها إذا أُدخلوا. ٢١ - وفي مَرْيَمٍ وَالطَّوْلِ الاوَّلِ عَنْهُمْ … وفي الثَّانِ دُمْ صَفْواً وَفي فَاطِرٍ حَلا في مريم ﴿فأولئكَ يَدْخُلونَ الجنَّة ولا يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ (٣)، والأول في الطول ﴿فأولئك يُدْخَلُونَ الجنَّة يُرْزَقُون فِيها﴾ (٤)، وعنهم عائد على الترجمة

стр. 758

الأولى «حق صرى»، «وفي الثاني» في الطول وهو قوله تعالى: ﴿سَيَدْخُلونَ جَهَنَّمَ داخِرِين﴾ (١) «دم صفواً» أي: ذا صفو، وفي فاطر ﴿ذَلك هُو الفَضْلُ الكَبِير﴾ (٢)، ﴿جَنَّاتٌ عَدْنٍ يَدْخُلونَها﴾ (٣)، وقافية هذا البيت مغايرةٌ لقافية الأول في المعنى وإن اتفق اللفظ، وذلك من باب التجنيس وليس بإيطاء (٤) وهو من قولهم: (حلا فلان امرأته) يحليها ويحلوها إذا جعلها ذات حُلِيِّ. كأنَّ هذا الحرف على قراءة أبي عمرو، وقد جعل المعنى ذا حلية لحسن القراءة ومُشاكلتها للمعنى، أو من حلوتُ فلاناً إذا أعطيته حُلواناً. ٢٢ - ويَصَّالَحَا فَاضْمُمْ وسَكِّنْ مُخَفَّفَاً … مَع القَصْرِ وَاكْسِرْ لامَهُ ثَابِتَاً تَلا مَنْ قرأ ﴿يُصْلِحَا﴾ (٥) فهو من أَصْلَحَ يُصْلِح، ومن قرأ ﴿يصَّالحا﴾ فهو من باب تصالحا يتصالحان، وأدغمت التاء في الصاد، والتلاء بالمدِّ الذِّمة وهو منصوبٌ على التمييز. ٢٣ - وتَلْوُوا بحَذفِ الواوِ الاُولى ولامَهُ … فَضُمَّ سُكُوناً لستَ فيه مُجَهَّلا إنما قال: «لستَ فيه مجهلا» لأنَّ أبا عبيدٍ قال: القراءة عندنا هي التي بواوين مأخوذة من لويت قال: وتحقيقه في تفسير ابن عباس لأنه قال في هذه الآية: هو القاضي يكون ليُّه وإعراضه لأحد الخصمين عن الآخر. ومعنى قوله: «بحذف الواو الأولى» أنَّ الواو الأولى استثقلت الكلمة بها

стр. 759

مضمومة وبعدها واوٌ أخرى فألقيت حركتها على اللام قبلها، وحذفت لالتقاء الساكنين فصار تَلوا وهو بمعنى تلووا؛ وقيل: هَمَزَ الواو لانضمامها كما فعلوا في (أدؤر)، ثم ألقى حركة الهمزة على اللام قبلها وحذفها. فإن قيل: فأي فائدةٍ في تلووا أو تعرضوا وهما بمعنىً واحدٍ؟. قلت: معناه وإن تلووا ألسنتكم عن شهادة الحق، أو القضاء به كما قال: ﴿يَلْوونَ أَلْسِنَتَهُم بِالكِتَاب﴾ (١) أو تعرضوا عن الشهادة فتمنعوها، أولا تسمعوها، ويحتمل أن يكون تلووا بمعنى وإن وليتم إقامة الشهادة، أو أعرضتم عنها. ٢٤ - ونُزِّلَ فَتْحُ الضَّمِّ والكَسْرِ حِصْنُهُ … وَأُنْزِلَ عَنْهُمْ عَاصِمٌ بَعْدُ نُزِّلا الهاء في «حِصْنُهُ» تعود على نُزل، وحصنه خبر المبتدأ، والمبتدأ «فتح الضم والكسر» وهما خبر «نُزِّل». وإنما كان الفتح حصنه لأنَّ قبله: ﴿آمِنُوا بالله ورسُولهِ﴾ (٢)؛ فيكون نزل عائداً على اسم الله تعالى؛ وكذلك ﴿والكِتَاب الذي أَنْزَل﴾ (٣)، وعلى هذا قرأ عاصمٌ ﴿وقد نَزَّلَ عَلَيْكُم في الكِتَاب﴾ (٤).

стр. 760

٢٥ - ويا سُوفَ نُؤْتِيهِمْ عَزِيزٌ وَحَمْزَةٌ … سَيُؤْتِيهِمُ في الدَّرْك كُوفٍ تَحَمَّلا ٢٦ - بالاِسكانِ تعدوا سكِّنُوه وخفَّفوا … خُصُوصاً وأخفى العينَ قالونُ مُسْهِلا إنما قال: «عزيز» لانفراد حفص به دون سائر القرَّاء، وحجته ﴿والذِّين آمَنُوا باللِه ورسُلِهِ ولم يُفَرِّقُوا بين أحدٍ مِنهم أولئك سوفَ نُؤْتِيهم﴾ (١) ردَّه على اسم الله تعالى قبله، وكذلك حمزة في قراءته ﴿والمؤْمِنُونَ بالله واليَوْمِ الآخِرِ أُولئك سنُؤْتِيهم﴾ (٢). وأما ﴿الدَّرْك﴾ (٣) فقد تحمله الكوفيون بالإسكان كما ذكر في البيت الذي يليه، قال عاصم: لو كان الدرك بالتحريك لقيل: السفلى أراد أنَّ الدرك جمع دركة كالدَّرَج في جمع درجة، فلما قال: الأسفل دلَّ على الدرك. وقولهم في جمعه: أدراك يدلُّ على أنه درك بالتحريك، قال أبو عبيد: وكذلك جاء ذكر الدرك في الآثار كلها لم نسمعه قط إلا بفتح الرَّاء، وأحسن ما قيل فيه: إنهما لغتان كالقَدْر والقَدَر. وأما ﴿تَعْدُوا﴾ (٤) فمَنْ قرأ ﴿تعْدُوا﴾ فهو من عدا يعْدو، ومَنْ قرأ لا تعدُّوا فأصله تعتدوا ألقيت حركة التاء على العين وأدغمت في الدال والإخفاء تنبيهٌ على أنَّ أصل العين السكون (٥).

стр. 761

ومعنى قوله: «مسهلا» راكباً للسهل لأنَّ في الكلمة تشديداً ففي الإخفاء تخفيف. ٢٧ - وفي الأَنْبِيا ضَمُّ الزَّبُورِ وهَاهُنَا … زَبُورَاً وَفي الإِسْرَا لِحَمْزَة أُسْحِلا زُبوراً بالضم جمع زِبر وهو الكتاب كقِدر وقُدُور، وزبور يجوز أن يراد به الجمع كَعَدُوٍّ، ويمكن أن يكون واحداً، وهو اسم للكتاب الذي أنزل عليه. وقوله: «أسجل» أي: أبيح لحمزة يعني القراءة به والمسجِل/ المباح الذي لا يُمْنَعُ عن أحد، وأسجل الكلام إذا أرسله من غير تقييد.

стр. 762

سورة المائدة ١ - وسَكِّنْ مَعَاً شَنَآنُ صَحَّا كِلاهُمَا … وفي كَسْرِ أَنْ صَدُوكُمُ حَامِدٌ دَلا أشار بقوله: «المصادر نظيرُهُ فقد تكلمت به العرب، وقد جاء الليَّان مصدر لوى وهو فَعْلان؛ والشَنَآن بالتحريك صحَّا كلاهما» إلى صحة القراءتين في العربية، وأنَّ الشَّنْآن بالإسكان وإن لم يكثر في وإن كان بابه الحركة والاضطراب كالخفَقَانِ، والغَلَيان فقد استُعْمِل أيضاً هاهنا. وقد قيل: التسكين للاسم، والتحريك للمصدر كالسَّكْرَان، والطيران وأراد بقوله: «صحَّا كلاهما» الإسكان والتحريك، ولم يُرِد صحةَ الموضعين في السورة؛ لأنه لا معنى له. وأشار بقوله: «حامدٌ دلا» إلى جواز الكسر وحُسْنِ موقعه، قال أبو عبيد: «حدثنا حجاج، عن هارون، قال في قراءة ابن مسعود أن صدوكم قال أبو عُبيدٍ: فهذا لا يكون إلا على استئناف الصد» انتهى كلامه. والمعنى على الكسر إن وقع صَدٌ فلا يكسبنكم بغضُ مَنْ صَدَّكم أن تعتدوا، ومَنْ قرأ بالفتح فأَنْ صدُّوكم مفعولٌ من أجله؛ والصدُّ قد وقع عام الحديبية سنة ستٍ، ونزلت هذه سنة ثمانٍ عام الفتح. (٦٩/ ب) وقد ردَّ قومٌ قراءة الكسر تعويلاً على هذا التفسير وهو غير صحيحٍ لأنَّ سبب النزول وإن كان كما ذكرت لا يمنع ورود ذلك في المستقبل كما تقول لمن سبَّ زيداً إذ ضربه: لا يحملنك بغضُ أحدٍ إن ضربك/ على سبِّه، وإنَّ كان الضرب قد وقع إلا أنك نهيته أن يفعل ذلك في المستقبل [وإن يقع ذلك منه.

стр. 763

فإن قلت: فإن الصدَّ لم يقع في المستقبل] (١): قلت: هو متوقع إلى يوم القيامة وكم من مرةٍ قد وقع، ونحن مأمورون أن لا نعتدي إن صُدِدْنا عن البيت بسبب بغْض من صدَّنا، ودلى دلوه إذا أخرجها ملأى، ودلى إبله ساقها سوقاً رفيقاً، وقلاها إذا ساقها عنيفاً، قال (٢): لا تَقْلُواها وادلواها دلواً … إنَّ مع اليوم أخاه غُدوا لأنه مأمورٌ في هذه القراءة بالرفق على الدَّوام متى وقع الصد [أُمِرَ] (٣) بترك الاعتداء والرفق يلزم ذلك، وأخرج دلوه ملأى لهذا المعنى. ٢ - مَعَ القَصْرِ شَدِّدْ يَاءَ قَاسِيةً شَفَا … وَأَرْجُلِكُم بالنَّصْبِ عَمَّ رِضَاً عَلا إنما قال: «شفا» لأنه أبلغُ في الذمِّ مِنْ قاسٍ، وقيل: قَسِيَّة رديئة من قولهم: (دِرْهم قَسِيٌّ) أي: زائف، وحُكي عن المبرِّد أنه لشدة صوته بالغِش؛ وكل شيء صَلُب وذهب لينُه فهو قَسي، قالوا: ولهذا قيل للدراهم التي قَدُمت وطال عليها الدهر قسيَّة قال الشماخ (٤): لها صواهِلُ في صُمِّ السلام كما … صاح القسيَّاتُ في أيدي الصياريف يصف المساحيَ، وقاسيةٌ كما جاء ﴿فَوَيلٌ للقَاسِية قُلُوبُهم﴾ (٥) والقاسية قلوبهم بإجماعٍ فحجته أنهما لغتان بمعنىً واحدٍ؛ ورضاً منصوب على التمييز، أو على الحال بمعنى مرضياً؛ وفي عم ضمير يعود إلى وأرجلَكَم

стр. 764

بالنصب؛ وأشار بذلك إلى أنَّ هذه القراءة مرضيَّة/ قد عمَّ رضاها، أو عمَّت مرضيةً لأنه عطفُ المغسول على المغسول ولم يمنع ما فصل بينهما معترضاً كما قال: ﴿اليوم أُحِلَّ لَكُمْ الطّيبَات﴾ (١)، ثم قال بعد الجملة. المعترضة ﴿والمحصنات﴾ (٢) فجاء معطوفاً على الطيبات. ومَنْ قرأ بالجر فهو عطفٌ على الرؤوس والغَسْل مُضمرٌ كأنه قال: وأرجلِكم غَسْلاً. وقيل: لمَّا كان غَسْلُ الأرجل بصبِّ الماء فهي مَظِنَّةٌ الإسراف، وهو منهيٌّ عنه مذموم فعطفت على الممسوح لا لتُمْسَحَ ولكن ليُنَبِّهَ على وجوب الاقتصاد في صبِّ الماء عليها. وقوله: ﴿إلى الكَعْبَيْنِ﴾ (٣) دالٌ على الغُسل لأنَّ [المسح] (٤) لم يُجْعَل له حدٌّ؛ وقال الشافعي ﵀: أراد بالنصب قوماً، وبالجر آخرين؛ يعني أنهما نزلتا من السماء، فأفادت إحداهما وجوب الغسل، وأفادت الأخرى المسح على الخفين؛ ولذلك قال النبي ﷺ في القراءتين المختلفتين: «هكذا أنزلت هكذا أنزلت» (٥)؛ فهذا يؤيد ما ذهب إليه الشافعي.

стр. 765

٣ - وفي رُسْلُنَا مَعَ رُسْلُكُم ثُمَّ رُسْلُهُمْ … وفي سُبْلَنَا في الضَّمِّ الاسْكَانُ حُصِّلا مَنْ قرأ بالتحريك فعلى الأصل لأنَّ رسولاً يُجْمَع على رُسْل، ومَنْ قَرَأ بالإسكان خفف لتوالي الحركات مع كثرة الحروف؛ فإن نقصت الحروف نحو: رسله رجع إلى الأصل فهو معنى قوله: «في الضم الإسكان حصل»، وكذلك الكلام في ﴿سُبلنا﴾ (١). ٤ - وفي كَلِمَاتِ السُّحْتِ عَمَّ نُهَى فَتَىً … وكَيْفَ أَتَى أُذْنٌ بهِ نافِعٌ تَلا أصل سحت استأصل، ومالٌ مسحوتٌ ومُسْحَت من ذلك، ثم سُمِّيَ الحرام: سُحْتَاً وسُحُتَاً لأنه يَسحَت الدين، أو المروءة، أو البركة، أو آكله كما قال تعالى:/ ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ (٢)، وهو كالرُّعُب والرُّعْب بالتخفيف والتثقيل. وفي «عم» ضميرٌ يعود إلى الإسكان في البيت قبله، والنُهى جمع نُهْيَة وهي الغاية والنهاية، ومعناه أنَّ الإسكان في السحت دلَّ على نُهَى القارئ به فعمها، والهاء في «به» تعود على الإسكان أي: كيف ما أتى (أذن) منكَّراً، أو معرَّفاً، أو مفرداً، أو مثنى؛ فنافع يتلوه بالإسكان، وقيل: الإسكان هو الأصل فيه، وإنما ضم اتِّباعاً، وقيل: بل الأصل التحريك وإنما أسكن تخفيفاً كالأكْل من الأكُل. وقيل: هما لغتان كالنكْر والنكُر.

стр. 766

٥ - ورُحْمَاً سِوَاالشَّامِي ونُذْرَاً صِحَابُهُم … حَمَوْهُ ونُكْرَاً شَرْعُ حَقٍّ لَهُ عُلا الرُّحْم والرُّحُم لغتان، وفي التخفيف اعتبار الموافقة في رؤوس الآي، والتثقيل لغة أخرى معروفة، قال الشاعر وأنشده أبو عمرو (١): ومن ضريبته التقوى ويعصمه … من سيِّئ العثراتِ اللهُ والرُّحِمِ «ونذراً صحابهم حموه» لأنهم احتجوا له بموافقة رؤوس الآي، وبالإجماع على تسكين الذي قبله، وهما لغتان وكذلك نكْراً ونكُراً، ومعنى «شرح حق» هو ما أشرت إليه من موافقة الآي. ٦ - ونُكْرٍ دَنَا والعَيْنَ فَارْفَعْ وعَطْفَهَا … رِضَىً والجُرُوحَ ارْفَعْ رِضَى نَفَرٍ مَلا لما قرأ ابن كثير ﴿نُكْرَاً﴾ (٢) المنصوب مُسَكِّنَاً قرأ المخفوض مثلَه لأنها لغةٌ واحدةٌ فهو يدنو من المنصوب، والذين أسكنوا ذاك وحرَّكوا هذا حجتهم موافقة الآي؛ وقال رضاً لأنها قراءة رسول الله ﷺ ، واختارها أبو عبيد ﵀ لذلك، وقال: إنما/ تُنْفَى القراءة إذا كانت مفارِقةً للخط أو مستكِرهة في العربية؛ فإذا لم يكن ذلك فإنا لا نرى لتارك قراءة رسول الله ﷺ عُذْرَاً. والرفع على ثلاثة أوجه: العطف على محل النفس لأنَّ المعنى وكتبنا عليهم النفس بالنفس أي: قلنا لهم: النفس بالنفس، والعين بالعين إلى والجروح قصاص. أو على الاستئناف عطفُ جملةٍ على جملةٍ لا على الاشتراك في العامل، أو على ضمير النفس أي: إنَّ النفس مأخوذةٌ هي بالنفس.

стр. 767

«والجروح ارفع رِضَا نفرٍ ملا» أي: أشراف وهم الذين اختاروا هذه القراءة، وذلك أنَّ الأسماء التي قبله معطوفةٌ على لفظ (النفس)، (والجروح) مستأنف، و (قصاص) خبره ومَن نصب ﴿والجروحَ﴾ عطفه على ماقبله، و (قصاص) خبر (أنَّ)؛ وهي قراءة نافع، وحمزة، وعاصم. ٧ - وحَمْزَةُ ولْيَحْكُمْ بِكَسْرٍ وَنَصْبِهِ … يُحَرِّكُهُ تَبْغُونَ خَاطَبَ كُمَّلا وجه قراءة حمزة أنها لام كي، والمعنى وللهدى والموعظة آتيناه الإنجيل وللحكم، وإن جعلنا ﴿وهدىً وموعظة﴾ (١) منصوبين على الحال كمصدقاً قدَّرنا وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه آتيناه الإنجيل. ومعنى القراءة الأخرى الأمر، وهو أمرٌ سابق محكيٌّ أي: وقلنا له: وليحكم أهل الإنجيل كما قيل لنا: ﴿وما آتَاكُم الرَّسُولُ فخُذُوه﴾ (٢)، والتاء في تبغون للخطاب؛ ومعنى (خاطب كمل) أي: عيَّرَهم بأنهم أهل كتابٍ وعلمٍ، وهم مع ذلك يبغون حكم الجاهلية التي لا ترجع أحكامُها إلى كتابٍ إنما ترجع إلى الجهل والهوى. وكُمَّل جمع كامل، والياء للغيبة لأنَّ قبله ﴿فَإنْ تَولَّوْا فَاعْلَم أَنَّما يُرِيدُ الله أنْ/ يُصِيبَهُمْ ببعضِ ذُنُوبِهم﴾ (٣).

стр. 768

٨ - وقَبْلَ يَقُولَ الواوُ غُصْنٌ ورَافِعٌ … سِوَى ابْنِ العَلا مَنْ يَرْتَدِدْ عَمَّ مُرْسَلا ٩ - وحُرِّكَ بالإِدْغَامِ للغَيْرِ دَالُهُ … وبالخفْضِ والكُفَارَ رَاوِيهِ حَصَّلا ثبتت الواو في مصاحف أهل العراق (١)؛ وعلى ذلك قراءتهم، وسقطت من مصاحف أهل الحجاز والشام كما قرؤوا، وجعل الواو غصناً لأنها تعطف الكلام وتصل بعضه ببعض فهي كغُصنٍ امتدَّ من شجرةٍ إلى أخرى فاتصلتا، ومَنْ رفع وقرأ بالواو وهم: الكوفيون فعلى معنى: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت؛ فهو كلامٌ مستأنف. ومَنْ رفع بغير واوٍ فعلى جواب قائلٍ قال: فماذا يقول الذين آمنوا حينئذٍ؛ فقيل: يقولوا الذين آمنوا: أهؤلاء الذين أقسموا. وقرأ أبو عمروٍ ﴿ويقولَ﴾ (٢) عَطْفاً على أن يأتي على تقدير عسى أن يأتي الله بالفتح؛ فهو عطفٌ على المعنى، لأنَّ معنى عسى الله أن يأتي وعسى أن يأتي الله واحِدٌ، فعطف على تقدير عسى أن يأتي الله ولا يحسُنُ العطف على اللفظ من غير هذا التقدير، كما لا يحسن عسى الله أن يقول الذين آمنوا، لأنَّ التقدير يرجع إلى ذلك، ويجوز إبدال أن يأتي من اسم الله تعالى فيصير التقدير عسى أن يأتي الله ويقول الذين آمنوا، وقد جُوِّز أن يعطف على الفتح، لأنه بمعنى أن يفتح فتقديره عسى الله أن يفتح وأن يقول؛ فاحتيج إلى تقدير أن يكون مصدراً مع القول، ويكون عطفَ اسمٍ على اسمٍ كما قال (٣): ولُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني … أحبُّ إلي من لُبْسِ الشُّفوف

стр. 769

﴿ومن يرتدد﴾ (١) رُسِم في مصاحف أهل المدينة والشام بدالين (٢) وهو الأصل، ورسم/ في المصاحف المكية والعراقية بدالٍ واحدةٍ على الإدغام، لأنه اجتمع فيه مثلان فَخُفِّفَ بالإدغام وحُرِّك لالتقاء الساكنين. وقوله: «مرسلا» المرسل المطلق كأنه لما فُكِّكَ إدغامُهُ أرسل الحرف وأطلق من عِقال الإدغام، أو ساكناً فإنَّ الساكن مرسل كما أنَّ المتحرك مشكول. وقوله: «حُرِّك بالإدغام» أراد به الفتح لأنه غير مقيَّد، وقوله: «راويه حَصَّلا» لأنَّ قراءة الخفض تساعدها الرواية إذ في قراءة أُبِيٍّ «ومن الكفار»، وفي قراءة ابن مسعودٍ: «ومن الذين أشركوا»، وفيها قُرْبُ المعطوف من المعطوف عليه، ومعناها وصفُ اليهود والكفار كلهم باتخاذ ديننا هزؤاً؛ وبذلك شهد القرآن ﴿قَا لُوا إنَّما نحنُ مُسْتَهْزِءُون﴾ (٣)، ﴿إنَّا كَفَيْنَاكَ المسْتَهْزِءِين﴾ (٤). ﴿والكفارَ﴾ (٥) بالنصب عطفٌ على الذين اتخذوا، واختار أبوعبيد ﵀ قراءة الخفض.

стр. 770

١٠ - وباعَبَدَ اضْمُمْ واخْفِضْ التَّاءَ بَعُدَ فُزْ … رسَالَتَهَ اجْمَعْ واكْسِرالتَّاكَمَا اعْتَلا ١١ - صَفَا وتَكُونُ الرَّفْعُ حَجَّ شُهُودُهُ … وعَقَّدْتُمُ التَّخْفِيفُ مِنْ صُحْبَةٍ وِلا ١٢ - وفي العَيْنِ فَامْدُدْ مُقْسِطَاً فَجَزَاءُ نَوْ … وِنُوا مِثْلُ مَافي خَفْضِهِ الرَّفْعُ ثُمَّلا قوله: «فز» لأنَّ مِنَ النَّحويين مَنْ ردَّه؛ قال الفرَّاء (١): مَنْ قرأ عَبُدَ الطاغوت فإن تكن فيه لغة مثل: حَذِر و حَذُر، وعَجِل وعَجُل فهو وجهٌ، وإلا فلا يجوز في القراءة؛ وقال نصير النحوي: هو وهمٌ ممن قرأ به فليتق الله مَنْ قرأ به، وليسأل عنه العلماء حتى يوقف على أنه غير جائز. قال أبو عبيد: إنما معنى العَبُد عندهم الأعْبُد يريدون خَدَم الطاغوت، ولم نجد هذا يصح عن أحدٍ من فصحاء العرب أن يجمع العَبْدُ فيقال: عَبُد وإنما هو عبْدٌ وأعبُد بالألف. قال أبو علي (٢): «ليس عَبُد لفظ جمعٍ، ألاترى انه ليس في أبنية الجمع مثله ولكنه واحدٌ يراد به الكثرة مثل: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ الله لا تحصُوهَا﴾ (٣) وجاء على فَعُلَ، لأنَّ هذا البناءَ يراد به الكثرة والمبالغة نحو: يقُظٍ، ونَدُسٍ (٤) فكأنَّ هذا قد ذهب في عبادة الطاغوت، والتذلل له كلَّ مذهبٍ». وكلام أبي عليٍّ يَرُدُّ كلام أبي عبيدٍ، والمعنى: وجعل منهم عَبُدَ الطاغوت.

стр. 771

قال الزمخشري (١): «معناه الغلو في العبودية كقولهم: رجل حَذُرٌ، وفَطُنٌ للبليغ في الحذر والفطنة قال (٢): أبني لُبَيْنَى إنَّ أمَّكُمُ … أَمَةٌ وإنَّ أباكُمُ عَبُدُ» والقراءة الأخرى عطْفٌ على صلة «مَنْ» كأنه قيل: ومن عبدَ الطاغوت، وهو فعلٌ ماضٍ، وجمع رسالاته بمعنى أنه أرسل بالشرائع والأحكام، وهي رسالاتٌ كثيرة: أصولُ الشريعة وفروعها، والرسالة تدلُّ على هذا المعنى أيضاً وإن كان مفرداً. وقوله: «كما اعتلا صفا» أشار به إلى ظهور المعنى، واعتلائه وصفوه، وقد قال الله تعالى حكايةً عن نوحٍ ﵇ وغيره: ﴿أُبَلِّغُكُم رسَالاتِ ربِّي﴾ (٣)، [وقال حكايةً عن صالحٍ ﵇: ﴿لقد أبْلَغْتُكُمْ رسَالة ربي﴾ (٤)] (٥)؛ والمعنى ورفع تكون حج شهوده أي: غلبوا في الحجة؛ لأنهم جعلوا حسِب بمعنى أيقن، ولزم أن تكون «أن» المخففة من الثقيلة، فيكون التقدير أنه لا تكون فتنةٌ، وقد جاء بخلاف ذلك قوله: ﴿أيحسَبُ الإنسنُ أن لَنْ نجَمَع﴾ (٦)، و ﴿أحسِبَ النَّاسُ أن يُتْرَكُوا﴾ (٧) ولكن الاستفهام ليس من الثابت المحقق/ وهولاء قد نزَّل حسبانهم لقوته عندهم وتصميمهم عليه منزلة اليقين.

стр. 772

والنصب على أنَّ حسب على بابه، وأنْ الناصبة للفعل، «وعقدتم التخفيف من صحبةٍ ولاء» التخفيف مبتدأ وخبره ولاء أي: متابعة للمعنى لأنَّ الكفارة تجب بعقد يمينٍ واحدةٍ، ومَنْ مَدَّ فهو مثل: عافاه الله، ويجوز أن يكون من اثنين مثل: تحالفتم، ومَنْ شدَّد فلأنَّ الخطاب لجماعة؛ فالفِعْلُ متردد من فاعليه، ومثله: يُذبَّحون. ومعنى «مقسطاً» عادلاً، و «ثُمَّلا» جمع ثامِل، والثامل المصلِح والمقيم أيضاً يقال له: ثمُلَ يثمل بضم العين وكسرها فهو ثامِل، وهو منصوبٌ على الحال أي: نوَّنوا مقيمين على هذه القراءة على وجه الاختيار لها، أو مصلحين المعنى بلفظها، و (مثل) في هذه القراءة صفةٌ لجزاء، والتقدير: فعليه جزاءٌ مماثل ما قتل. و ﴿من النَّعَمِ﴾ (١) أيضاً في موضع الصفة، وإنما أشار بمقيمين أومصلحين إلى استبعاد قومٍ القراءة الأخرى، قالوا: لأنَّ قاتل الصيد ليس عليه جزاءٌ مِثلَ ما قتل إنما عليه جزاء ما قتل، ووجهها أنْ يقال: إنَّ الأصل (فجزاءٌ مِثلَ) بالتنوين والنصب، بمعنى فعليه أن يجزي مثل ما قتل، ثم أضيف كما تقول: عجبتُ مِنْ ضَرْبٍ زيدٍ، ثم من ضربِ زيدٍ؛ فهذا لامقال فيه. ١٣ - وكَفَّارَةٌ نَوِّنْ طَعَامِ بِرَفْعِ خَفْـ … ـضِهِ دُمْ غِنَىً واقْصُر قِيَامَاً لَهُ مُلا التنوين والرفع على أنَّ طعام عطفُ بيانٍ لكفارة والإضافة لأنَّ الكفارات على أضرب: كفارة طعام، وكفارة صيام، وكفارة مماثلة من النعم. و «دم غنى» أي: غنياً وقد تقدم القول في قيماً؛ وقوله: «له ملا» الملا جمع ملاءة وهي الملحفة؛ والمقصود بالملاءة التغطية، وكذلك الحجة كأنها سِتْرٌ على/ ما يحتج له وغطاءٌ له.

стр. 773

١٤ - وضَمَّ اسْتُحِقَّ افْتَحْ لحفْصٍ وَكَسْرَهُ … وفي الأَوْلَيَانِ الأوَّلِينَ فَطِبْ صِلا [قرأ] (١) حفص ﴿اسْتُحِقَّ عليهم الأوَّلِيان﴾ (٢) وهي قراءة أُبَيٍّ، وعليِّ، وابن عباسٍ والأَوْليان تثنية أَوْلَى وهو فاعل استحق؛ والمعنى من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان أي: الأحقَّان مِنْ بينهم بالشهادة والأوْليان بأن يجردوهما للقيام بالشهادة ويُظهروا بهما كذبَ الكاذبين، كأنَّ هذين الشاهدين استحقَّا على الذَين هما منهم أن يستشهدوهما وأن [يعيِّبُوهما] (٣). وقرأ حمزة، [وأبو بكر] (٤) ﴿اسْتُحِقَّ عليهم الأوَّلِين﴾ على أنه وصْفٌ للذين استحق عليهم، وهو مجرورٌ أو منصوبٌ بأعني، وجعلهم أولين إما لتقدُّم ذكرهم في أولِ القصَّة وهو قوله: ﴿يا أيها الذِين آَمَنُوا شَهَادَة بينكم﴾ (٥)، أو لتقدُّمِهم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحقَّ بها. وقرأ الباقون ﴿استُحِقَّ عليهم الأوْلَيَانِ﴾ قالوا: ومعناه من الذين استحق عليهم الإثم أي: جُني عليهم، و (الأوليان) على هذا مرفوع على تقدير قول قائل: ومَنْ هما؟ فقيل: [هما الأوليان، أو على البدل من (آخران)، أو من الضمير في (يقومان)، أو على الابتداء والتقدير فالأوليان آخران] (٦). وأجاز الأخفش (٧) أن تكون صفةً لآخران لأنه لما وصِفَ بيقومان اختصَّ، فلما اختص جاز أن يوصف بما وصف به المعارف.

стр. 774

وقيل: هو مفعول لما لم يُسمَّ فاعلُهُ أي: استحق عليهم إقامة الأوليين منهم للشهادة، وهو وجْهٌ حسن. قال أبو محمد في الكشف (١): «وهذه الآية في قراءتها، وإعرابها، وتفسيرها، ومعانيها، وأحكامها/ من أصعب آيةٍ في القرآن وأشكلها وتحتمل أن يُبْسَط ما فيها من العلوم في ثلاثين (٢) ورقةً أو أكثر؛ وقد ذكرنا من ذلك طرفاً في «كتاب الهداية»، وذكرنا من مشكل إعرابها طرفاً في «مشكل الإعراب»، ثم ذكرناها مشروحةً بجميع وجوهها من تفسيرٍ وإعرابٍ في كتاب منفرد». ولعمري إنها لمشكلةٌ جداً كما ذكر، وما رأيت أحداً تَخَلَّصَ كلامُهُ فيها من أولها إلى آخرها وأشكل مافيها قوله تعالى: ﴿مَنْ الذِين اسْتَحَقَّ عَلَيْهِم﴾ (٣) إلا ما ذكرته فيها من قول بعضهم. ويحتمل عندي وهو الذي لايغلب على الظنِّ سواه أنَّ معنى قوله: ﴿اسْتَحَقَّ عليهم﴾ أي: استحق خصومهم الحقَّ عليهم؛ لأنَّ الخصمين مستَحِق ومستَحَق عليه؛ فقد كانوا بتحليف المذكورين مستحِقاً عليهم، فلما حصلت الريبة في الحالفين ووقع ما شكك في صدقهما قام آخران من الذين استحق عليهم؛ واستعار الصِّلا في قوله: «فطب صلا» للذكاء لأنهم يقولون: هو يتوقَّدُ ذكاءً، فالمعنى فطب ذكاءً. ١٥ - وضَمَّ الغُيُوبِ يَكْسِرَانِ عُيُونَاً الـ … ـعُيُونِ شُيُوخَاً دَانَهُ صُحْبَةٌ مِلا «يكسران» يعني أبا بكرٍ، وحمزة في قوله: «فطب صلا»، وقد تقدَّم القول في علَّةِ ذلك عند ذكر «البيوت» (٤)، ومَنْ ضمَّ بعضاً، وكسَرَ بعضاً فإنه جَمَعَ بين اللغتين مع اتِّباعِ الأثر.

стр. 775

ومعنى «دانه» أي: دان به أي: اتخذه ديناً، أو دان له صحبة بمعنى انقاد له يعني أنَّ ابن كثيرٍ، وصحبةً، وابنَ ذكوان اتفقوا على كسر ﴿العيون﴾ (١)، و ﴿شيوخاً﴾ (٢)؛ و «مِلا» جمع ملآن يعني أنهم مُلِئُوا علماً. ١٦ - جُيُوبِ مُنِيرٌ دُونَ شَكٍّ وسَاحِرٌ … بِسِحْرٍ بِهَا مَع هُودَ والصَّفِّ شَمْلَلا (٧٤/ ب) / «بها» يعني قوله: ﴿إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبين﴾ (٣)، ومع هود ﴿ولئن قلتَ إنَّكم مَبْعُوثون من بعدِ الموتِ ليقولنَّ الذِّين كَفَرُوا إن هَذا إلا سِحْرٌ مُبِين﴾ (٤)، وفي الصف ﴿[فلما جَاءهم] (٥) بالبينَت قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مبين﴾ (٦). ومعنى مبين أي: ظاهر السحر، ومَنْ قرأ سِحْر فهو مصدر سَحَرَ يَسْحَرُ سِحْرَاً، ومثله: خَدَعَ يَخْدَعُ خِدْعاً، ويجوز أن يراد بالسحر: الساحر أي: ذو سحرٍ، ومعنى «شمللا» أسرع لأنَّ أوصل المعنى أسرع من تقدير (٧) حذف المضاف.
следующие страницы →