← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 8855

القول المبين في أخطاء المصلين

مشهور آل سلمان

Полный текст (452 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

((ولا شئ في الباب أصح من حديث وائل المذكور، وهو المناسب لما أسلفنا من تفسير علي وابن عباس لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ بأن النحر وضع اليمين على الشمال في محلّ النحر والصدر)) (١) . والحكمة في هذه الهيئة: أنه صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع، ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النيّة، والعادة أن من احترز على حفظ شئ جعل يديه عليه (٢) . (ترك دعاء الاستفتاح والاستعاذة قبل قراءة الفاتحة. كثير من عوامّ المصلّين يتركون دعاء الاستفتاح للصّلاة والاستعاذة، وذلك من مستحبات الصّلاة. والظاهر مشروعية الاستعاذة في كلّ ركعة، لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ (٣) . وهو الأصح في مذهب الشافعية، ورجحه ابن حزم (٤) . [٣/١٩] (تكرير الفاتحة: يكره للمصلّي تكرير الفاتحة، كلاً أو بعضاً، لأنه لم ينقل عنه ﷺ ولا أصحابه، وهذا مذهب جمهور العلماء، وعليه الأئمة الأربعة، وفي بطلان الصلاة به خلاف، ولا أعلم له دليلاً، وهو قول عند الحنابلة، وإن كررها سهواً سجد للسهو عند الحنفية والشافعية، وكذا إن كررها عمداً عند الشافعية، ويأثم عند الحنفية، وعليه إعادة الصّلاة لرفع الإثم. ويحرم تكريرها عمداً عند المالكية، ولا تبطل به الصلاة، وإن كررها سهواًً سجد للسهو، ولعله الراجح (٥) .

стр. 107

[٤/١٩] (رفع البصر إلى السّماء أو النظر إلى غير مكان السجود: ومن أخطاء المصلّين: رفع البصر إلى السماء، أو النظر إلى الأمام، أو عن اليمين والشّمال، مما يسبب السّهو وحديث النّفس، وقد ورد الأمر بخفض البصر، والنّظر إلى موضع السجود (١) ، إلا في حالة الجلوس للتشهد، فإن النّظر يكون إلى الإشارة بالسبابة لا يتجاوزها، فقد ثبت في هديه ﷺ في الصلاة: ((لا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إشَارتَهُ)) (٢) . وسئل العز بن عبد السلام: إي حجة لمن يقول: يستحب للمصلّي أن ينظر في ركوعه إلى قدمه، وفي سجوده إلى أنفه، وفي قعوده إلى حجره من حديث أو أثر أو حكمة؟ فأجاب في ((الفتاوى)) : (ص ٦٨) ما نصه: ((ليس هذا قولاً صحيحاً، ولا حجة لقائله من كتاب ولا سنّة، والله أعلم)) . عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصّلاة، قال: هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد (٣)

стр. 108

٣) . وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السّماء في صلاتهم، فاشتدّ قوله في ذلك، حتى قال: لينتهُنَّ عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم (١) . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لينتهين أقوام عن رفعهم أبصارهم عند الدّعاء في الصلاة إلى السماء أو لتخطفن أبصارهم (٢) . وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لا ترجع إليهم (٣) . في هذه الأحاديث: النهي الأكيد، والوعيد الشديد، عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة، وقد نقل الإجماع في النهي عن ذلك (٤) . ويكره أن يلتفت المصلّي في صلاته لغير حاجة (٥) ، للحديث الأول، إذ

стр. 109

أضيف الالتفات إلى الشيطان، لأن فيه انقطاعاً من ملاحظة التوجّه إلى الحق سبحانه، وسمي فعله ذلك: ((اختلاساً)) وهو ما يؤخذ سلباً مكابرة، أو الذي يخطف من غير غلبة ويهرب ولو مع معاينة المالك له، والناهب يأخذ بقوّة، والسارق يأخذ في خفية، فلما كان الشيطان قد يشغل المصلي عن صلاته بالالتفات إلى شيء ما بغير حجة يقيمها، أشبه المختلس، وسمي ((اختلاساً)) تصويراً لقبح تلك الفعلة بالمختلس، لأن المصلي يقبل عليه الربّ والشيطان مرتصد له، ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا التفت اغتنم الشيطان الفرصة فسلبه تلك الحالة (١) . ولا تبطل الصلاة بالالتفات، إلا أن يستدير بجملته عن القبلة أو يستدبر القبلة، قال ابن عبد البر: وجمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصّلاة إذا كان يسيراً. ويكره أيضاً أن يصلّي على شيء يلهيه أو في مكان صور، أو على سجادة فيها صور ونقوش، أو إلى مكان عليه صور، كما تقدم في ((جماع أخطاء المصلّين في أماكن صلاتهم)) خوفا من نقص الخشوع، أو ترك استقبال القبلة ببعض البدن. [٥/١٩] (تغميض العينين في الصّلاة. قال ابن القيم: ((ولم يكن من هديه ﷺ تغميضُ عينيه في الصّلاة، وقد تقدّم انه كان في التشهد يُومئ ببصره إلى أصبعه في الدّعاء، ولا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إشارَتَهُ)) (٢) . وقال الفيروز آبادي: ((كان ﷺ يفتح عينه المباركة في الصَّلاة، ولم يكن يغمضها كما يفعله بعض المتعبّدين)) (٣) .

стр. 110

ودلّت كثير من الأحداث على أنه لم يكن يغمض عينيه في لصّلاة، مثل: مدّ يده في صلاة الكسوف ليتناول العنقود لما رأى الجنّة، وكذلك رؤيته النار وصاحبة الهرة فيها، وحديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمرّ بين يديه، وردّه الغلام والجارية، وكذلك أحاديث ردّ السلام بالإشارة على مَنْ سلّم عليه وهو في الصّلاة، فإنه كان يشير إلى من يراه، وكذلك حديث تعرُّض الشيطان له، فأخذه فخنقه، وكان ذلك رؤية عين، فهذه الأحاديث وغيرها، يستفادُ من مجموعها بأنه لم يكن يُغْمِضُ عينيه في الصلاة. وقد اختلف الفقهاء في كراهته، فكرهه الإِمامُ أحمد وغيره، وقالوا: هو فعل اليهود، وأباحه جماعة ولم يكرهوه، وقالوا: قد يكون أقربَ إلى تحصيل الخشوع الذي هو روحُ الصّلاة وسرُّها ومقصودُها. والصّواب أن يُقال: إنْ كان تفتيح العين لا يُخِلُّ بالخشوع، فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتّزويق أو غيره مما يُشوش عليه قلبه، فهنالك لا يُكره التغميضُ قطعاً، والقول باستحبابه في هذا الحال أقربُ إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة، والله أعلم (١) . [٦/١٩] (كثرة الحركة والعبث في الصّلاة. ومن أخطاء المصلّين: الحركة الزّائدة في الصّلاة التي لا حاجة لها، سوى العبث واللهو والإعراض عن الخشوع في الصّلاة، كتشبيك الأصابع، وتنظيف الأظافر، والتحريك المستمر للقدمين، وتسوية العمامة أو العقال، والنظر في الساعة، وربط الإزار، ونحو ذلك مما يبطل أجرها. ((والخشوع هو لبّ الصّلاة وروحها، فالمشروع للمؤمن أن يهتم بذلك،

стр. 111

ويحرص عليه، أما تحديد الحركات المنافية للطمأنينة وللخشوع بثلاث حركات فليس ذلك بحديث عن النبي ﷺ ، وإنما ذلك من كلام بعض أهل العلم، وليس عليه دليل يعتمد. ولكن يكره العبث في الصّلاة، كتحريك الأنف واللحية والملابس والاشتغال بذلك، وإذا كثر العبث وتوالى أبطل الصلاة.. أما إن كان قليلاً عرفاً، أو كان كثيراً، ولكن لم يتوال، فإن الصلاة لا تبطل به، ولكن يشرع للمؤمن أن يحافظ على الخشوع، ويترك العبث، قليله وكثيره، حرصاً على تمام الصلاة وكمالها)) (١) . وقد رأى النبي ﷺ أقواماً يعبثون بأيديهم في الصلاة، ويحركونها من غير حاجة، فقال لهم: ((ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْسٍ (٢) ، اسكنوا في الصّلاة)) (٣) . ففي هذا الحديث: الأمر بالسكون في الصلاة، والخشوع فيها، والإقبال عليها. ومن المناسب في هذا المقام: أن أُشير إلى وضع ذلك الحديث الدّارج على ألسنة كثير من المسلمين، يزعمون: أن النبي ﷺ رأى رجلاً يعبث بلحيته وهو في الصلاة، فقال: لو خشع قلب هذا، لخشعت جوارحه. وهذا حديث موضوع، عزاه السيوطي في ((الجامع الصغير)) : (٥/٣١٩ ـ مع شرحه) للحكيم وأشار إلى ضعفه، وقال شارحه المناوي:

стр. 112

((قال الزين العراقي في ((شرح الترمذي)) : فيه سليمان بن عمرو هو أبو داود النخعي، متفق على ضعفه، وإنما يعرف هذا عن ابن المسيب، وقال في ((المغني)) : سنده ضعيف، والمعروف أنه من قول سعيد. ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) وفيه رجل لم يسم. وقال ولده: فيه سليمان بن عمرو مجمع على ضعفه. وقال الزيلعي: قال ابن عدي: أجمعوا على أنه يضع الحديث)) (١) . قلت: وهو موقوف على سعيد عند ابن المبارك في ((الزهد)) عن رجل عنه، بل وهذا سند ضعيف لجهالة الرجل، فالحديث موضوع مرفوعاً، ضعيف موقوفاً بل مقطوع (٢) . ومن أخطاء المصلين في حالة وقوفهم بين يدي ربهم العجلة الزّائدة في قراءة الفاتحة، وعدم إتقانهم لها على الوجه الصحيح، بإسقاط بعض الحروف، أو بلحنهم الجلي تارة والخفي تارة أُخرى، وسيأتيك تفصيل ذلك في مبحث ((جماع أخطاء المصلين في صلاة الجماعة)) إن شاء الله تعالى. [٢٠] * جملة من أخطائهم في الرّكوع والقيام منه: يقع كثير من المصلّين في مجموعة مخالفات عند الركوع والقيام منه واستدعى ذلك التنبيه عليها، لا سيما أن بعضاً منها من الأركان والواجبات، وهي: [١/٢٠] (عدم تعمير الأركان. يكره عند الجمهور للمصلّي تأخير الأذكار المشروعة في الانتقال من ركن إلى ركن إلى غير محلّها، بأن يكبّر للركوع بعد إتمامه، ويقول: سمع الله لمن حمده بعد اعتداله، لأن السنّة ـ عندهم ـ تعمير الركن بذكره، بأن يبتدئ بالذّكر ثم يشرع بالركوع أو السجود (٣) .

стр. 113

وقالت المالكية: إن ذلك خلاف المندوب. قلت: واحرص ـ أخي المصلي ـ على تكبيرات الانتقال، وإياك أن تتهاون فيها، أو أن تضعها في غير موضعها. قالت الحنابلة: إنه مبطل للصلاة إن تعمده، ويجب عليه سجود السهو إن فعله ساهياً، لأن تعمير الأركان بالذّكر واجب عندهم (١) ٢) . والراجح: ما ذهب إليه الحنابلة، إذ عدُّ هذه التكبيرات من السنن، ينافي أمر النبي ﷺ المسيء صلاته بها، كما جاء في روايةٍ لأبي داود وغيره من حديث رفاعة بن رافع (٢) ، فهي إذن واجبة، ومؤيّد بعموم قوله ﷺ ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) . وقد قرر الإمام الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (٣) ثم في ((السيل الجرار)) (٤) أن الأصل في جميع الأمور الواردة في حديث المسيء صلاته الوجوب، وفد نصّ الشوكاني نفسه في ((النيل)) أن هذه التكبيرات مما جاء فيه في بعض الروايات، ثم نسي ذلك في ((السيل)) فذكرها (١/ ٢٢٧ ـ ٢٢٨) في جملة السنن!! فسبحان ربّي لا يضلّ ولا ينسى، وقد ذهب إلى الوجوب الإِمام أحمد، كما

стр. 114

حكاه النووي في ((المجموع)) (١) عنه، واحتجّ له بالعموم السابق، وخفي عليه حديث المسيء، فإنه قال محتجّاً عليه لمذهبه: ((ودليلنا على أحمد: حديث المسيء صلاته، فإن النبي ﷺ لم يأمره بتكبيرات الانتقال، وأمره بتكبيرة الإحرام)) !! فلم يتنبه لرواية أبي داود وغيره (٢) . وقد جاءت هذه التكبيرات في أحاديث كثيرة، منها: عن أبي هريرة – ﵁ – قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصّلاة يكبّر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صُلبَه من الرّكعة، ثم يقول وهو قائم: ربَّنا لك الحمد – وقال بعض الرواة: ولك الحمد – ثم يكبّر حين يهوي، ثم يكبّر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبّر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصّلاة كلّها حتى يقضِيَها، ويكبّر حين يقوم من الثِّنتَين بعد الجلوس (٣) . والحكمة في شرعية تكرار التكبير: تنبيه المصلّي على أن الله سبحانه أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، فلا ينبغي التشاغل عن طاعته بشيء من الأشياء، بل ينبغي الإقبال عليها بالقلب والقالب، والخشوع فيها تعظيماً له سبحانه، وطلباً لرضاه (٤) . [٢/٢٠] ومن أخطاء المصلّين في تركهم تعمير الأركان، ما قاله النووي بعد ذكره أن رسول الله ﷺ كان إذا قال سمع الله لمن حمده، قال: اللهم ربنا ولك الحمد، وحديث ((صلّوا كما رأيتموني أُصلي)) قال: ((فيقتضي هذا مع ما قبله: أن كلّ مصلّ يجمع بينهما، ولأنه ذكر يستحب للإمام فيستحب لغيره، كالتسبيح في الرّكوع وغيره، ولأن الصّلاة مبنيّةٌ على أن لا

стр. 115

يفتر عن الذّكر في شيء منها، فإن لم يَقُلْ بالذّكرَيْن في الرفع والاعتدال، بقي أحد الحالين خالياً عن الذّكر. وأما الجواب عن قوله ﷺ : ((وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد)) فقال أصحابنا: فمعناه: قولوا ربنا لك الحمد مع ما قد علمتموه من قول: ((سمع الله لمن حمده)) وإنما خصّ هذا بالذّكر، لأنهم كانوا يسمعون جهر النبي ﷺ بسمع الله لمن حمده، فإن السنة فيه الجهر، ولا يسمعون قوله: ((ربنا لك الحمد)) ، لأنه يأتي به سراً، وكانوا يعلمون قوله ﷺ : ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) مع قاعدة التأسي به ﷺ مطلقاً، وكانوا يوافقون في ((سمع الله لمن حمده)) فلم يحتج إلى الأمر به، ولا يعرفون ((ربنا لك الحمد)) فأمروا به، والله أعلم)) (١) انتهى. قلت: من الواضح أن في حديث أبي هريرة السابق (( ... ثم يقول: سمع الله لمن حمده، حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد)) ذكرين اثنين: أحدهما: قوله: ((سمع الله لمن حمده)) في اعتداله من الركوع. والآخر: قوله: ((ربنا ولك الحمد)) إذا استوى قائماً. فإذا لم يقل المقتدي ذكر الاعتدال، فسيقول مكانه ذكر الاستواء، وهذا أمر مشاهد من جماهير المصلّين، فإنهم ما يكادون يسمعون منه ((سمع الله لمن حمده)) إلا سبقوه بقولهم: ((ربنا ولك الحمد)) وفي هذا مخالفة صريحة للحديث، فإن حاول أحدهم تجنّبها وقع في مخالفة أخرى، وهي إخلاء الاعتدال من الذّكر المشروع فته بغير حجّة (٢) .

стр. 116

[٣/٢٠] (عدم الطمأنينة في الركوع والاعتدال منه. عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفةُ رجلاً لا يُتِمُّ الرّكوع والسجود، قال: ما صلَّيت، ولو مُتَّ مُتَّ على غير الفطرة التي فطر الله محمداً ﷺ (١) . ففي هذا الأثر: وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود، وأن الإخلال بها مبطل، لأنه قال له: ((ما صليت)) وهو نظير قوله ﷺ للمسيء صلاته، كما في الحديث الآتي: عن أبي هريرة ﵁ قال: إن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل، فصلّى، ثم جاء فسلّم على النبي ﷺ ، فردّ ﵇، فقال: ارْجِعْ، فَصَلِّ، فإنّك لم تُصَلّ، ثلاثاً. فقال: والذي بعثك بالحقّ، ما أحسن غيره، فعلّمني. قال: إذا قُمتَ إلى الصَّلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فَكبِّر، ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى

стр. 117

تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها (١) . فيه: دليل على وجوب الطمأنينة، وأن مَنْ تركها، لم يفعل ما أُمر به، فيبقى مطالباً بالأمر. وتأمل أمره بالطمأنينة في الركوع والاعتدال في الرفع منه، فإنه لا يكفي مجرد الطمأنينة في ركن الرفع حتى تعتدل قائماً. فلم يكتف من شرع الصلاة بمجرد الرفع حتى يأتي به كاملاً، بحيث يكون معتدلاً فيه (٢) . وهذا الخطأ - أعني: عدم الطمأنينة في الاعتدال من الركوع - يقع فيه من يشار إليه، أو يظن به العلم!! لا سيما في صلاة النافلة. قال القرطبي: ((ينبغي للإنسان أن يحسن فرضه ونفله، حتى يكون له نفل يجده زائداً على فرضه يقرّبه من ربه، كما قال : ((وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتى أحبه. . . .)) . فأما إذا كان نفل يكمل به الفرص، فحكمه في المعنى حكم الفرض. ومن لا يحسن أن يصلّي الفرض، فأحرى وأولى ألا يحسن التّنفّل، لا جرم تنفل الناس في أشدّ ما يكون من النقصان والخلل، لخفته عندهم، وتهاونهم به، حتى كأنّه غير معتدٍ به!! ولعمر الله، قد يشاهد في الوجود، مَنْ يشار إليه، ويظن به العلم، تنفّله كذلك، بل فرضه، إذ ينقره نقر الدّيك، لعدم معرفته بالحديث، فكيف بالجهّال الذين لا يعلمون؟! وقد قال العلماء: ولا يجزئ ركوع ولا سجود، ولا وقوف بعد الركوع، ولا جلوس بين

стр. 118

السجدتين، حتى يعتدل راكعاً وواقفاً وساجداً وجالساً. وهذا هو الصحيح في الأثر، وعليه جمهور العلماء، وأهل النّظر)) (١) . وقد جاءت أحاديث صحيحة في وجوب الاعتدال عند القيام من الركوع. عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول لله ﷺ : لا تُجزئ صلاةُ الرجّل، حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود (٢) . وهذا نص صريح في أن الرفع من الركوع والسجود، والاعتدال فيه، والطمأنينة فيه ركن، لا تصح الصّلاة إلا به (٣) . وقد جعل رسول الله ﷺ لص الصّلاة وسارقها شراً من لص الأموال وسارقها. عن أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته، لا يتم ركوعها ولا سجودها، ولا خشوعها، أو قال: لا يقيم صلبه في الركوع والسجود (٤) . فصرح بأنه أسوأ حالاً من سارق الأموال، ولا ريب أن لص الدين شر من

стр. 119

لص الدنيا (١) . وقد نهى النبي ﷺ عن نقر المصلّي صلاته، وأخبر أنه صلاة المنافقين. عن عبد الرحمن بن شبل قال: نهى رسول الله ﷺ عن نقرة الغراب، وافتراش السبع. وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير (٢) . وعن علاء بن عبد الرحمن أنه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قال: فَصَلُّوا العصر، فقمنا فصلّينا، فلما انصرفنا، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: تلك صلاة المنافق، يجلس يَرْقُبُ الشّمس، حتى إذا كانت بين قَرْني الشيطان، قام فنقرها أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلاً (٣) . وحالة من ينقر صلاته، كما هو مشاهد عند بعض المصلّين، أن يمر بالأركان مرّ السهم، لا يزيد على ((الله أكبر)) في الركوع والسجود بسرعة، ويكاد سجوده يسبق ركوعه، وركوعه يكاد يسبق قراءته، وربما ظن الاقتصار على تسبيحة واحدة أفضل من ثلاث!! وأني ـ والله ـ سمعت مراراً وتكراراً وممن يقتدى به!! في بعض الأحايين ـ التلفظ بالتحميد، عندما تكاد تصل الجبهة إلى الأرض، والتأمين على الفاتحة، عند النزول للركوع، وكأن رجلاً يلاحقه بعصا، وما علم أنه بفعله هذا كالمستهزئ اللاعب!!

стр. 120

وحكي قديماً عن بعضهم!!. أنه رأى غلاماً يطمئن في صلاته، فضربه، وقال: لو بعثك السلطان في شغل، أكنت تبطئ في شغله مثل هذا الإبطاء؟ وهذا كله تلاعب بالصّلاة، وتعطيل لها، وخداع من الشيطان، وخلاف لأمر الله ورسوله، حيث قال الله تعالى ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَة﴾ (١) فأمرنا بإقامتها، وهو الإتيان بها قائمة تامة القيام والركوع والسجود والأذكار، وقد علّق الله - سبحانه - الفلاح بخشوع المصلي في صلاته، فمن فاته خشوع الصلاة، لم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل الخشوع مع العجلة والنّفر قطعاً، بل لا يحصل الخشوع قطّ إلا مع الطمأنينة، وكلما زاد طمأنينة، ازداد خشوعاً، وكلما قلّ خشوعه، اشتدّت عجلته، حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع ولا إقبال على العبودية (٢) ٢) . وأكثر ما يقع فيه الناس ترك القومة بعد الركوع، وترك الجلسة بين السجدتين، أو عدم الطمأنينة فيهما، قال الإمام علي القاري ﵀: ((ثم اعلم أنّ أكثر الناس تركوا القومة والجلسة فضلاً عن الطمأنينة، فإنها صارت كالشريعة المنسوخة، حتى يسمي العامة فاعلها من أرباب الرياء والسمعة!!)) (٣) . أما الركوع، فقد وردت في كيفيته أحاديث، منها: عن ابن عباس قال: سأل رجل النبي ﷺ عن شيء من أمر الصلاة؟ فقال له رسول الله ﷺ : إذا ركعت فضع كفّيك على ركبتيك حتى تطمئن، وإذا سجدت فأمكن

стр. 121

جبهتك من الأرض، حتى تجد حجم الأرض (١) . وورد في صفة ركوعه ﷺ : أنه كان إذا ركع سوّى ظهره، حتى لو صُبَّ عليه الماءُ لاستقرَّ (٢) . ومنه تعلم خطأ بعض المصلين عندما يعملون على تدلية رؤوسهم، وأن الصّواب تسوية الظهر، مع عدم رفع الرأس ولا خفضه، لأنه ورد أنه ((كان لا يصب رأسه ولا يقنع)) (٣) ولا بد من الطمأنينة في الركوع حتى تسترخي المفاصل. فقد قال ﷺ للمسىء صلاته: ((إنها لا تتم صلاةُ أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله.. ثم يكبّر.. ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يستوي قائماً حتى يقيم صلبه ... )) (٤) . وأخيراً.. ((يجب أن يعلم أن الاطمئنان الواجب لا يحصل إلا بتحقيق ما يأتي: ١- وضع اليدين على الركبتين. ٢- تفريج أصابع الكفّين. ٣- مدّ الظّهر. ٤- التمكين والمكث فيه حتى يأخذ كلُّ عضوٍ مأخذه.

стр. 122

وهذا كله ثابت في روايات عديدة)) (١) . واعلم أن في ترك الطمأنينة آفات كثيرة في الدنيا والعقبى (٢) ؛ منها: إيراث الفقير، فإن تعديل أركان الصلاة وتعظيمها من أقوى الأسباب الجالبة للرزق الحلال، وتركه من الأمور السّالبة له على وجه الكمال. ومنها: إيراث البغض لمن يرى من العلماء والفضلاء، لا سيما من المشايخ، ومن يدّعي أنّّه من الصّلحاء، وسقوط حرمته عندهم، حيث لا يبقى له اعتماد على أقوالهم وأفعالهم. ومنها: إهانة نفسه وإضاعة حق غيره بسقوط شهادته، فإن من اعتاد ترك القومة أو الجلسة أو الطمأنينة في أحدهما صار مصرّاً على المعصية، فلا تقبل له الشهادة. ومنها: إيقاع الناس في المعصية، فإنه يجب الإنكار على كل قادر يرى منكراً، فإذا لم ينكر صار سبب لمعصية الغير. ومنها: إظهار المعصية للناس في كل يوم وليلة مرات كثيرة، وهو أبعد من المغفرة، لأنها معصية، وإظهارها معصية أخري، بخلاف المعصية المخْفِيّة، فإنها للمغفرة أحرى. ومنها: وجوب الإعادة أو فرضيتها، فإذا لم يعدها تعددت المعصية وكثرت المصيبة. ومنها: ضرر اقتداء العالم به، على ظن أنه العالم بحكمه، فلولا أنه

стр. 123

جاز تركه لما أصرّ عليه مثله، فيكون ضالاً مضلاً. ومنها: أن العجلة من الشيطان، والتؤدة من الرحمن. ومنها: أنه سبب لإتيان الأذكار المشروعة في الانتقالات، بعد تمام الانتقال، وهو مكروه، كما صرح به في ((التاتارخانية)) ، بل قال في ((المنية)) : فيه كراهتان: تركها عن موضعها، وإتيانها في غير محلّها. وتوضيحة: أنه ـ مثلاً ـ إذا ترك القومة أو الطمأنينة فيها، يقع التسميع والتحميد ـ أو هما معاً ـ حين الانخفاض، بل قد يقع التكبير بعد السجود، والسنة أن يقع التسميع حين رفع الرأس، والتحميد حين الطمأنينة. ومنها: أنه باعث لِلَحْن في الأذكار، وهو حرام بلا خلاف. وبيانه: أن الإسراع يوجب ترك الحركة، أو تحريك السكون بلا مهلة، بل قد يقتضي ترك الحرف، من غاية السرعة، وهو إنْ كان مغيّراً للمعنى فمبطل، وإلا فمكروه وفعل مضلّ. إذا عرفت هذا، فاعلم مجملاً وقِسْ عليه مفصّلاً: أنك إذا اقتصرت في يوم وليلة على الفرائض المكتوبة والسنن المؤكدة يكون عدد ركعاتك اثنتين وثلاثين ركعة، وفي كل ركعة قومة وجلسة، فلو تركت طمأنينة كل منهما تكون قد ارتكبت أربعة وستين معصية، فكيف إذا انضم إلى ذلك عدم الطمأنينة في الركوع والسجود؟! [٤/٢٠] (ومن أخطاء المصلّين عند الاعتدال من الركوع: زيادة لفظه ((والشكر)) عند قولهم: ((ربنا ولك الحمد)) وهذه الزّيادة لم تثبت عن رسول الله ﷺ . [٥/٢٠] (القنوات الرّاتب وتركه عند النّوازل. اعتمد القائلون بمشروعية القنوات الراتب على حديث أنس ﵁ قال: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الصبح حتى فارق الدّنيا (١) .

стр. 124

وهذا لم يصح، لأن مدارة على أبي جعفر الرازي: قال ابن المديني: كان يخلط. وقال أبو زرعة: كان يهم كثيراً. وقال ابن حبان: كان ينفرد بالمناكير عن المشاهير (١) . ولا يحتج بما تفرد به أحدّ من أهل الحديث البتة، ولو صح، لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المعين البتة، فإنه ليس فيه أن القنوت هذا الدعاء، فإن القنوت يطلق على القيام والسكوت ودوام العبادة والدعاء والتسبيح والخشوع، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (٤) . وقال زيد بن أرقم: لما نزل قوله تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ﴾ (٥) أُمرنا بالسّكوت، ونُهينا عن الكلام (٦) . وأنس ﵁ لم يقل: لم يزل يقنت بعد الركوع رافعاً صوته:

стр. 125

((اللهم اهدني فيمن هديت. . .)) إلى آخره، ويؤمّن مَنْ خلفه، ولا ريب أن قوله: ((ربنا ولك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثّناء والمجد، أحقّ ما قال العبد،. . .)) إلى آخر الدّعاء والثناء الذي كان يقوله، قنوتٌ، وتطويلُ هذا الرّكن قنوت، وتطويل القراءة قنوت، وهذا الدّعاء المعيّن قنوت، فمن أين لكم أن أنساً إنما أراد هذا الدّعاء المعيّن دون سائر أقسام القنوت؟! ولا يُقال: تخصيصُه القنوت بالفجر دون غيرها من الصلوات دليل على إرادة الدعاء المعين، إذ سائر ما ذكرتم من أقسام القنوت مشترك بين الفجر وغيرها، وانس خصَّ الفجر دون سائر الصلوات بالقنوت، ولا يمكن أن يقال: إنه الدّعاء على الكفار، ولا الدعاء للمستضعفين من المؤمنين، لأن أنساً قد أخبر أنه كان قنت شهراً ثم تركه، فتعيَّن أن يكون هذا الدعاء الذي داوم عليه هو القنوت المعروف. الجواب من وجوه: أحدها: أن أنسا قد أخبر أنه ﷺ كان يقنت في الفجر والمغرب، كما ذكره البخْاري، فلم يخصص القنوت بالفجر، وكذلك ذكر البراء بن عازب سواء (١) فما بال القنوت اختص بالفجر؟! فإن قلتم: قنوت المغرب كان قنوتاً للنوازل لا قنوتاً راتباً. قال منازعوكم من أهل الحديث: نعم، كذلك هو، وقنوتُ الفجر سواء، وما الفرق؟ قالوا: ويدل على أن قنوت الفجر كان قنوت نازلة، لا قنوتاً راتباً: أن أنساً نفسه أخبر بذلك، وعمْدَتُكم في القنوت الراتب إنما هو أنس، وأنس أخبر أنه كان قنوت نازلة ثم تركه.

стр. 126

ففي ((الصحيح)) عن أنس قال: قنت رسولُ الله ﷺ شهراً يدعو على حيّ من أحياء العرب، ثم تركه (١) . الثاني: أن أنساً أخبر أنهم لم يكونوا يقنتون، وأن بدء القنوت هو قنوتُ النبي ﷺ يدعو على رِعل وذَكوان. ففي ((الصحيحين)) من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال: بعث رسول الله ﷺ سبعين رجلاً لحاجة، يقال لهم القُرَّاء، فعرض لهم حيَّانِ من بني سليم ورِعل وذَكوان عند بئر يقال له: بئر معونة، فقال القوم: والله ما إيّاكم أردنا، وإنما نحن مجتازون في حاجة لرسول الله ﷺ ، فقتلوهم، فدعا رسولُ الله ﷺ شهراً في صلاة الغداة، فذلك بدءُ القنوت، وما كنا نقنتُ (٢) . فهذا يدلّ على أنه لم يكن من هديه ﷺ القنوت دائماً، وقول أنس: فذلك بدء القنوت، مع قوله: قنت شهراً ثم تركه، دليل على أنه أراد بما أثبته من القنوت قنوتَ النوازل، وهو الذي وقّته بشهر، وهذا كما قنت في صلاة العتمة شهراً، كما في حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قنت في صلاة العتمة شهراً يقول في قنوته: اللهم أَنْجِ الوليد بن الوليد، اللهم أَنْجِ سلمة بن هشام، اللهم أَنْجِ عيّاش بن أبي ربيعة، اللهم أَنْجِ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطْأَتَكَ على مُضَرَ، اللهم اجعلها عليهم سنين كَسِني يوسف. قال أبو هريرة: وأصبح ذات يوم فلم يدعُ لهم، فذكرتُ ذلك له، فقال:

стр. 127

أو ما تراهم قد قَدِموا (١) . فقنوته في الفجر كان هكذا، لأجل أمر عارض ونازلة، ولذلك وقتّه أنس بشهر. وقد ثبت عن أبي هريرة أنه قنت لهم أيضاً في الفجر شهراً (٢) . والحاصل في المسألة: أنه لما صار القنوتُ في لسان الفقهاء، وأكثر الناس، هو هذا الدّعاء المعروف:: اللهم اهدني فيمن هديت ... إلى آخره، وسمعوا أنه لم يزل يقنُت في الفجر حتى فارق الدنيا، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصّحابة، حملوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم، ونشأ مَنْ لا يعرف غير ذلك، فلم يشك أن رسول الله ﷺ وأصحابه، كانوا مداومين عليه كلّ غداة، وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهورُ العلماء، وقالوا: لم يكن هذا من فعله الراتب، بل ولا يثبت عنه أنه فعله (٣) . والعجب ترك الأحاديث الصحيحةِ الصريحة بقنوت النّوازل، والعمل بالحديث الذي لم يثبت في القنوت الراتب (٤)

стр. 128

!! [٦/٢٠] (( (وقد ترك الناس القنوت في النوازل التي تنزل بالمسلمين، وما أكثرها في هذه العصور، في شؤون دينهم ودنياهم، حتى صاروا من تفرّقهم، وإعراضهم عن التعاون، حتى بالدّعاء في الصّلوات، صاروا كالغرباء في بلادهم، وصارت الكلمة فيها لغيرهم. والقنوت في النوازل بالدعاء للمسلمين، والدعاء على أعدائهم ثابت عن النبي ﷺ في الصلوات كلها، بعد قوله: ((سمع الله لمن حمده)) في الركعة الآخرة)) (١) كما قدمنا في حديث أنس وأبي هريرة ﵄. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يقول لما سئل عن القنوت في الفجر، فقال: إذا نزل بالمسلمين أمر، قنت الإِمام وأمَّن مَنْ خلفه، ثم قال: مثل ما نزل بالناس من هذا الكافر، يعني بابك (٢) . وقال إسحاق الحربي: سمعتُ أبا ثور يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: ما تقول في القنوت في الفجر؟ فقال أبو عبد الله: إنما يكون القنوت في النّوازل. فقال له أبو ثور: وأي نوازل أكثر من هذه النّوازل التي نحن فيها؟ قال: فإذا كان كذلك، فالقنوت (٣) . وقال عبد الله ابن الإِمام أحمد: قلت لأبي: يقنت في الغداة على ما قنت النبيّ ﷺ : دعا على المشركين، واستنصر للمسلمين؟

стр. 129

فقال: لا بأس إذا قنت الإِمام قنتوا (١) . قال ابن الهمام: يجب أن يكون بقاء القنوت في النّوازل مجتهداً فيه، لأنه لم ينقل عنه من قوله ﷺ إلا قنوت في نازلة بعد هذه، بل مجرد العدم بعدها، فيتجه الاجتهاد أن ذلك إنما هو لعدم وقوع نازلة بعده يستدعي القنوت، فتكون شرعيته مستمرة، وهو محمل قنوت مَنْ قنت بعد وفاته ﷺ (٢) . فقد ثبت أن أبا بكر قنت عند محاربة مسيلمة. وكذلك قنت عمر وعليّ ومعاوية للنوازل. وقال النووي: ((واعلم أن المنقول عن عمر – ﵁: ((عذّب كفرة أهل الكتاب)) ، لأن قتالهم ذلك الزمان مع كفرة أهل الكتاب، وأما اليوم فالاختيار أن يقول: ((عذّب الكفرة)) فإنه أعمّ)) (٣) . [٧/٢٠] (ولم يرد عن صحابة رسول الله ﷺ حال القنوت في الصلاة إلا التأمين، ومن أخطاء المأمومين زيادة عبارات لم يرد بها الأثر، وإنما هي مجرد نظر، من مثل قولهم: ((حق)) و ((أشهد)) !! وكذلك قلب أيديهم (٤) عند الدعاء على الكفرة، أو عند الدعاء برفع الشر أو البلاء. [٨/٢٠] (ومن أخطاء المصلّين في القنوت فتح عين ((ولا يَعِزّ)) في دعاء القنوت.

стр. 130

سئل السيوطي في الدعاء القنوت ((ولا يعز من عاديت)) هل هو بكسر العين أو فتحها؟ فقال: ((الجواب: هو بكسر العين مع فتح الياء، بلا خلاف بين العلماء، من أهل الحديث واللغة والتّصريف، وألَّفتُ في ذلك مؤلَّفاً سمّيتُه أولاً: ((الإعراض والتولّي عمن لا يحسن يصلّي)) ثم عدلت عن هذا الاسم. وسميته: ((الثبوت في ضبط القنوتُ)) (١) . ومن الخطأ أيضاً: ضم عينها، كقول بعضهم ((يَعُزّ)) فتنبه. ومن الجدير بالذكر هنا أن هذه اللفظة ثابتة عند البيهقي وغيره، وهذا مما فات النووي في ((روضة الطالبين)) : (١/٢٥٣) فذكر أنها زيادة من العلماء!! [٩/٢٠] ومن الخطأ أيضاً: مسح الوجه بعد الدّعاء، حتى قال العز بن عبد السلام: ((ولا يمسح وجهه بيديه عقيب الدّعاء إلا جاهل)) (٢) . [١٠/٢٠] (ومن الخطأ أيضاً: تخصيص القنوت في النصف الثاني من رمضان في الوتر. وهذا مشهور عند الشافعية، وبه قال الزهري، وهو رواية عن مالك وأحمد، ولكنهما رجعا عنه، والدليل الوارد في ذلك ضعيف، رواه أبو داود في ((سننه)) : (٢/٦٥) ، وفيه انقطاع، إذ رواه الحسن عن عمر، والحسن لم يدركه. وكذا ورد فيه حديث عن أنس قال: ((كان رسول الله ﷺ يقنت في النصف الآخر من رمضان ... .)) . وراويه عن أنس أبو العاتكة، وهو ضعيف، ولذا قال صاحب ((عون المعبود)) : ((وأبو عاتكة ضعيف، قال البيهقي: لا يصح إسناده)) (٣) . نعم، لقنوت الوتر في النصف الثاني من رمضان حالة خاصة، دل عليه أثر في ((صحيح ابن خزيمة)) (٢/١٥٥ ـ ١٥٦) رقم (١١٠٠) بسند صحيح، ولكن

стр. 131

القنوت ليس مختصاً في هذا الوقت، ومنحصراً به، في الوتر، بل هو مشروع في السنة كلها. [١١/٢٠] (ومِنْ خَلْطِ كثير من النّاس وخبطهم أنهم يقولون في قنوت النوازل ((اللهم اهدني فيمن هديت، ... )) ولا شك أن هذا الدعاء لا يتناسب وحال النازلة، بل هذا الدعاء محله قنوت الوتر فقط، ولا ينبغي أن يزاد عليه شىء، مثل قول كثير من الأئمة فيه: ((فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك)) ، فهذا مما ينبغي إن لا يقال في قنوت الوتر فضلاً عن قنوت صلاة الفجر، وقوفاً عند الثابت عنه ﷺ ، أما الصلاة على رسول الله ﷺ فقد ثبتت في حديث إمامة أُبيّ بن كعب الناس في قيام رمضان في عهد عمر ﵁، فهي من عمل السلف وإنْ ضعفها ابن حجر. ومن الجدير بالذّكر أن القنوت في الوتر يكون قبل الركوع، وفي النازلة بعده، إلا في النصف الثاني من رمضان فإن له شبهاً بالقنوتين. إذا وقعت بالمسلمين نازلة، كما في الأثر رواه ابن خزيمة (١) . ومن الأخطاء في القنوت، حتى عند القائلين بسنيته في الفجر على وجهٍ راتب!! - تطويله ورفع الصوت الزائد به، ولقد سمعتُ - والله - من بعض من يشار إليه بالبنان، في حال إمامته للفجر، ودعائه في القنوت - غير المشروع كما قدمنا - كأنه يخطب يوم الجمعة، ويقول صبحكم ومساكم، هذا عدا تطويله، وهكذا الشر، فلا يلد عنه إلا مثله، فإلى الله المشتكى. [٢١] * جملة من أخطائهم في السجود: تتعدد أخطاء المصلّين في السجود، وفيما يلي محاولة حصر لتلك المخالفات، ولو كان أغلبها من سنن الصلاة ومكملاتها. [١/٢١] (عدم تمكين أعضاء السجود من الأرض.

стр. 132

عن العباس بن عبد المطلب: عن النبي ﷺ قال: أُمرتُ أن أسجد على سبع (١) : الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين (٢) . فهذا الحديث: يدل على أن أعضاء السجود سبعة، وأته ينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها. قال الشوكاني: وقد اختلف العلماء في وجوب السجود على هذه السبعة الأعضاء: فذهبت العترة والشافعي في أحد قوليه إلى وجوب السجود على جميعها. وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه واكثر الفقهاء: الواجب السجود على الجبهة فقط، والحق ما قاله الأولون (٣) . وهذا هو الحق، لقوله ﷺ : ((لا صلاة لمن لم يمس أنفه الأرض)) (٤)

стр. 133

ومنه تعلم: خطأ من يسجد على جبهته ويرفع أنفه، أو يرفع قدميه عن الأرض، أو يضع إحداهما فوق الأخرى، دون أن تمس الأرض، فلا يكون ساجداً إلا على خمسة أو ستة أعضاء، مع أن أعضاء السجود سبعة معروفة كما في الحديث السابق. وقال للمسيء الصّلاة: ((إذا سجدتَ فمكّن لسجودك)) (١) . [٢/٢١] (عدم الطمأنينة في السجود: قد قدمنا في ((جملة أخطاء الركوع والقيام منه)) أنه ﷺ كان يحكم ببطلان صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، وأمر المسيء صلاته بالاطمئنان في السجود، وأنه كان يقول فيه: إنه من أسوأ الناس سرقة. ولا بد من الطمأنينة في السجود حتى يعود كل عظم إلى موضعه، فقد قال ﷺ للمسيء صلاته: ((إذا أنت سجدت، فأَثْبِتْ وجهك ويديك، حتى يطمئن كلُّ عظم منك إلى موضعه)) (٢) . وجاء في صفة صلاة النبي ﷺ أنه ((كان يمكّن أنفه وجبهته من الأرض)) و ((كان يمكّن أيضاً ركبتيه وأطراف قدميه)) (٣) .

стр. 134

والطمأنينة أن يكون السجود على الأعضاء السبعة المذكورة، مع بسط الكفّين، وعدم التفريج بين الأصابع، وتوجيههما قِبَل القبلة، وأن يكونا حذو المنكبين أحياناً، وحذو أذنيه أحياناً، مع استقبال القبلة بأطراف أصابع القدمين، ورص العقبين، مع نصب الرجلين، مع رفع الذراعين عن الأرض، ومباعدتهما عن الجنبين، حتى يبدو بياض الإبطين، مع عود كل عضو - والمصلي على الحالة السابقة - إلى موضعه، وتمكين الأعضاء التي على الأرض منها. [٣/٢١] (أخطاء في كيفية السجود: تبيّن لنا من معالجتنا للخطأ السابق، صفة السجود الصحيح، ويقع بعض المصلين في مجموعة أخطاء، فيخرجون عن صفة سجود النبي ﷺ ، ويقع بعضهم في بعض المنهيات، وهو أقرب ما يكون من ربّه !! وإليك تفصيل ذلك: بعض المصلين يتركون سنة التجافي في السجود، وصفة التجافي المطلوب: أن يرفع بطنه عن فخذيه، ويبعد عضديه عن جنبيه، بقدر ما يمكنه، ولا يضايق من يليه، وأن يرفع ذراعيه عن الأرض، ويضع كفيه حذاء منكبيه أو أذنيه، لا حذاء ركبتيه، لكن لا يبالغ في التجافي كثيراً، فيمد صلبه (ظهره) كهيئة المضطجع على بطنه، بحيث يصل رأسه إلى الصف الذي أمامه، ويكلّف نفسه بهذا الامتداد (١) . ومنه تعلم خطأ عدم التوسط في السجود بين المدّ والاجتماع. وبعضهم يتشبه بالحيوانات، وهو في صلاته! وهذا مشعر بالتهاون وقلة الاعتناء بالصّلاة، فيصلّي وهو يلتفت كالتفات الثعلب، أو يفترش ذراعيه في السجود كافتراش السبع، أو ينقرها كنقرة الغراب، أو يلزم مكاناً معيّناً من المسجد، يتوطنه كما يتوطّن البعير، أو يقعي كإقعاءِ الكلب، أو يرفع يديه يميناً وشمالاً عند السلام، كأذناب الخيل.

стр. 135

قال العلامة ابن القيم: ((جاءت الشريعة بالمنع من التشبّه بالكفار والحيوانات والشياطين والنساء والأعراب وكل ناقض، حتى نهى في الصلاة عن التشبه بشبه أنواع من الحيوان يفعلها، أو كثيراً منها الجهّال)) (١) . عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)) (٢) . قال الإِمام النووي ـ رحمه الله تعالى ـ: مقصود الحديث أنه ينبغي للساجد أن يضع كفَّيه على الأرض، ويرفع مرفقيه عن الأرض وعن جنبيه رفعاً بليغاً بحيث يظهر باطن إبطيه، إذا لم يكن مستوراً، وهذا أدب متفق على استحبابه، فلو تركه كان مسيئاً مرتكباً للنهي والنهي للتنزيه وصلاته صحيحة، والله أعلم. قال العلماء: والحكمة في هذا أنه أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالى، فإنّ المنبسط كشبه الكلب، ويشعر حاله بالتهاون بالصلاة وقلّة الاعتناء بها، والإقبال عليها)) (٣) . أما ترك نصب القدمين، وضمهما وإلزاق العقبين ببعضهما، والتوجّه بأطراف أصابعهما إلى القبلة (٤) ، حال السجود، فهو من السنن المهجورة عند كثيرين، فلعلّهم عند قراءة هذه السطور يفعلون، وفقنا الله جميعاً لسنة النبي الأمين صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أجمعين. [٤/٢١] (القول بوجوب كشف بعض أعضاء السجود أو بوجوب السجود

стр. 136

على الأرض أو على نوع منها. عن أنس ﵁ قال: كنّا نصلّي مع النبي ﷺ في شدّة الحرّ، فإذا لم يستطع أحدُنا أن يمكن جهته من الأرض، بسط ثوبه، فسجد عليه (١) . قال الشوكاني: ((وقد استدل بالحديث على جواز السجود على الثوب المتّصل بالمصلّي. قال النووي: وبه قال أبو حنيفة والجمهور، وحمله الشافعي على الثّوب المنفصل. ويجمع بين هذا الحديث، وحديث: ((شكونا إلى رسول الله ﷺ حرّ الرّمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا)) (٢) . بأن الشكاية كانت لأجل تأخير الصّلاة، حتى يبرد الحر، لا لأجل السجود على الحائل، إذ لو كان ذلك، لأذن لهم بالحائل المنفصل، كما ثبت أنه كان ﷺ يصلي على الخمرة)) (٣) . وظاهر الحديث السابق: ((أُمرت أن أسجد على سبع. . .)) يدل على أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء، لأن مسمى السجود يحصل بوضعها، دون كشفها. ومنه تعلم: أن الصلاة وأصابع اليدين بالكفوف لا مانع منها (٤) ، وأن ذلك كالصلاة

стр. 137

والقدمان في الجوربين أو الخفين. وقدمنا في مبحث ((جماع أخطاء المصلّين في أماكن صلاتهم)) أنه لم يرد حديث صحيح يدل على قداسة كربلاء، وفضل السجود عليها، وأن اتخاذ أقراص منها للسجود عليه عند الصّلاة، من بدع الرافضة وشعارهم، وصار علامة لمعشرهم. فينبغي اجتنابه لسببين: أحدهما: نفس موافقتهم في البدعة. والآخر: رفع التّهمة. [٥/٢١] (رفع شىء للمريض ليسجد عليه. عن عبد الله ابن عمر- ﵄ قال: عاد رسول الله ﷺ رجلاً من أصحابه مريضاً، وأنا معه، فدخل عليه، وهو يصلّي على عود، فوضع جبهته على العود، فأومأ إليه، فطرح العود، وأخذ وسادة، فقال رسول الله ﷺ : دعها عنك (يعني: الوسادة) ، إن استطعت أن تسجد على الأرض، وإلا فأوم إيماء، واجعل سجودك أخفض من ركوعك (١) . وذهب جمهور أهل العلم إلى كراهة سجود المريض على شيء يرفع إليه، من وسادة أو عود، أو نحو ذلك. قال مالك في المريض الذي لا يستطيع السجود: أنه لا يرفع إلى جبهته شيئاً، ولا ينصب بين يديه وسادة ولا شيئاً عليه (٢) .

стр. 138

وقال الشافعي: لا يرفع إلى جبهته شيئاً ليسجد عليه، لأنه لا يقال له ساجد، حتى يسجد بما يلصق بالأرض، فإن وضع وسادة على الأرض فسجد عليها أجزأه ذلك إن شاء الله تعالى (١) . وكره للمريض أن يسجد على شيء يرفع إليه، كثير من السلف، وبعضهم اعتبر ذلك محدثاً لم يكن معروفاً في عهد النبي ﷺ . عن عمر بن محمد قال: دخلنا على حفص بن عاصم نعوده في شكوى، قال: فحدثنا قال: دخل عليّ عمي عبد الله بن عمر قال: فوجدني قد كسرتُ لي نمرقة - يعني الوسادة - قال وبسطت عليها خمرة، قال: فأنا أسجد عليها. قال: فقال لي: يا ابن أخي لا تصنع هذا ,تناول الأرض بوجهك فإن لم تقدر على ذلك، فأومىء برأسك إيماء (٢) . وسئل ﵁ عن صلاة المريض على العود، فقال: لا آمركم أن تتخذوا من دون الله أوثاناً، إن استطعت أن تصلّى قائماً، وإلا فقاعداً، وإلا فمضطجعاً (٣) . وعن عبد الله بن مسعود أنه دخل على أخيه يعوده وهو مريض، فوجده يسجد على عود، فطرحه، وقال: إن هذا شيء عرض به الشيطان، ضع وجهك على الأرض، فإن لم تستطيع، فأوم إيماءً. وروى ابن أبي شيبة نحو ذلك عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وكرهه أيضاً الحسن البصري ويونس وشريح القاضي وعطاء بن أبي رباح، وخلق كثير من

стр. 139

الصحابة والتابعين (١) . وهذا الذي يتفق مع يسر الإسلام وسهولته، ورفعه الحرج والمشقة عن المريض في الصلاة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وقد بيّن النبي ﷺ بفعله وقوله رفع الحرج عن المريض في الصّلاة، وصلى جالساً. ولم يرفع شيئاً يسجد عليه، وأمر الصحابة إذا كان أحد منهم مريضاً أن يصلي على قدر طاقته، بل قد نهى صحابته عن الصلاة على الوسادة والعود. ولا شك أن السجود على حجر أو عود أو وسادة ونحو ذلك، فيه تشبه بأرباب الأوثان والأصنام وأصحاب البدعة والخرافات، فلهذا لما سئل ابن عمر عن صلاة المريض على العود قال للسائل لا آمركم أن تتخذوا من دون الله أوثاناً. والحق أنه إذا عجز المريض عن القيام والقعود للصّلاة، صلّى على جنبه مومئاً، ويستقبل القبلة حسب طاقته، أو على ظهره مستلقياً (٢) . ومن المفيد – بهذه المناسبة – أن أنبّه إلى أن بعض الناس يعجز عن السجود، فيصلّي على كرسي، وهذا لا مانع منه، ولكن هنالك شرط، وهو: إذا قدر على الوقوف في كل ركعة لقراءة الفاتحة وما بعدها فيجب عليه الوقوف في كل ركعة لأجل قراءتها، إذ أنه لا يعفى الشخص عما يقدر عليه. [٦/٢١] (قول ((سبحان من لا يسهو ولا ينام)) في سجود السهو. ومن أخطاء العوام في الصلاة: قول بعضهم عند سهوه في الصلاة، في سجود السهو: ((سبحان من لا يسهو ولا ينام)) ولا يوجد لهذا القول أصل يعتمد عليه في الشرع. قال صاحب ((السنن والمبتدعات)) (٣) .

стр. 140

((ولم يحفظ عنه ﷺ ذكر خاص لسجود السهو، بل أذكاره كسائر أذكار سجود الصّلوات. وأما ما يُقال من أنه يقول فيه: ((سبحان من لا يسهو ولا ينام)) فلم يفعله النبي ﷺ ولا أصحابه، ولم يدل عليه دليل من السنّة البتة، وإنما هو منام رآه بعض كبار مخرفي الصّوفية، فلا تلتفتوا إليه، وخذوا دينكم من كتب السنّة الصحيحة، وما عداه فردّوه إلى قائله، ثم إثبات هذا في المؤلفات، وجعله ديناً وشرعاً، ضلال كبير، وفساد عريض)) . [٧/٢١] (خطأ في سبب سهو الإمام. ومن المفيد أن أشير بهذه المناسبة إلى خطأ اعتقاد بعضهم أن سبب سهو الإمام في الصّلاة، أو التباس القراءة عليه، عدم إحسان المأمومين أو بعضهم الطهور، ومعتمدهم في ذلك: عن شبيب أبي روح عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أنه صلّى صلاة الصبح، فقرأ (الروم) ، فالتبس عليه، فلما صلى قال: ما بال أقوام يصلّون معنا، لا يحسنون الطهور؟! فإنما يلبس علينا القرآن أولئك. والحديث ضعيف، فيه شبيب وهو ابن نعيم، ويُقال ابن أبي روح، وكنيته: أبو روح الحمصى، قال ابن القطان: لا تعرف عدالته، وفيه علّة أخرى (١) ، مع مخالفة متنه لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا﴾ (٢) . [٨/٢١] (خطأ في حكم سجود السهو. ذهب بعض الفقهاء إلى أن سجود السهو مستحب وليس واجباً!! وهو قول مرجوح، فالراجح أنه واجب لا مستحب، لأمره ﷺ به، ومداومته عليه، كلما وقع منه ما يقتضي السجود. قال ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)) : (٢٣/٢٦) :

стр. 141

((وأما وجوبه، فقد أمر به النبي ﷺ في حديث أبى هريرة المتقدّم لمجرد الشك، فقال: إذا قام أحدكم يصلى، جاءه الشيطان، فلبّس عليه صلاته، حتى لا يدرى كم صلى فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين وهو جالس)) وذكر أربعة أحاديث أخرى، ثم قال: ((فهذه خمسة أحاديث صحيحة، فيها كلها يأمر الساهي بسجدتي السهو، وهو لما سهى عن التشهد الأول سجدها بالمسلمين قبل السلام، ولما سلم في الصلاة من ركعتين أو من ثلاث، صلى ما بقي، وسجدها بعد الصلاة، ولما ذكّروه أنه صلى خمساً سجدها بعد السلام والكلام. وهذا يقتضى مداومته عليهما وتوكيدهما، وأنه لم يدعهما في السهو المقتضي لهما قط، وهذه دلائل بيّنة واضحة على وجوبهما، وهو قول جمهور العلماء، وهو مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وليس مع من لم يوجبوهما حجة تقارب ذلك)) . [٩/٢١] * جملة أخطاء في كيفية سجود السهو ومكانة والأسباب الموجبة له. اختلف الفقهاء في كيفية الأخذ بالأحاديث الواردة في سجود السهو، فمنهم من قال: إنه يكون قبل السلام بإطلاق! ومنهم من ذهب إلى أنه بعد السلام بإطلاق!! وأصح الأقوال وأظهرها ـ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوي)) : (٢٣/٢٤) ـ الفرق بين الزيادة والنقص، وبين الشك مع التحرى، والشك مع البقاء على اليقين، وهذا إحدى الروايات عن أحمد، وقول مالك قريب منه، وليس مثله. فمن ترك التشهد الأول سجد قبل السلام، ومن زاد سجد بعد السلام، وإذا شك فتحرى سجد بعد السلام، وإذا شك فبنى على اليقين سجد قبل السلام، وإذا سلم من نقص سجد بعد السلام. يقول ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ أيضاً: ((وهذا القول هو الذي يستعمل فيه جميع الأحاديث، لا يترك منها حديث، مع استعمال القياس

стр. 142

الصحيح فيما لم يرد فيه نص، وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يشبهه من النصوص)) . ومن الأخطاء التي تقع لبعض المصلين في الحالة التي ينبغي عليهم أن يسجدوا بعد السلام: تركه حال نسيانه، فمن الفقهاء من قال: إذا طال الفصل لم يسجد، ولم يبن، ولم يحدّ هؤلاء طول الفصل لغير قولهم، وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي وأحمد. وقيل: يسجد ما دام في المسجد، فإنْ خرج انقطع، وهذا هو الذي ذكره الخرقي وغيره، وهو منصوص عن أحمد، وهو قول الحكم وابن شبرمة. وقيل: كلٌّ منهما مانعٌ من السجود: طول الفصل، والخروج من المسجد. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يسجد، وإنْ خرج من المسجد وتباعد، وهو قول للشافعي، وهذا هو الأظهر، فإن تحديد ذلك بمكان أو بزمان لا أصل له في الشرع، أفاده شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) : (٢٣/٤٣) . ومن الأخطاء أيضاً في الحالة السابقة قراءة التشهد بعد سجود السهو، وقبل السلام! نعم أخرج أبو داود في ((سننه)) : رقم (١٠٣٩) والترمذي في ((جامعه)) : رقم (٣٩٥) وابن حبان في ((صحيحه)) : رقم (٥٣٦ – موارد) وابن خزيمة في ((صحيحه)) : (٢/١٣٤) والحاكم في ((المستدرك)) : (١/٣٢٣) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) : (٢/٣٥٥) وابن الجارود في ((المنتقى)) : رقم (٣٤٧) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري ثنا أشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن المهلب عن عمران بن حصين ﵁ قال: ((صلى رسول الله ﷺ بالناس، فسها في صلاته، فسجد سجدتي السهو، ثم تشهد، ثم سلّم) ، إلا أن هذا حديث ضعيف شاذ.

стр. 143

وإنْ قال الحاكم: ((صحيح على شرط الشيخين)) ووافقه الذهبيُّ!! قلت: لا، وأشعث بن عبد الملك وإن كان ثقةً، فإن مسلماً لم يُخرج له مطلقاً، وعلَّق له البخاريُّ في ((الصحيح)) فلا يكونُ على شرط واحدٍ منهما. والله أعلم. وقال الترمذيُّ: ((حديث حسنُ غريبٌ)) . وفي بعض النسخ زيادة: ((صحيحُ)) . قلت: وهذا السندُ وإن كان ظاهرُهُ الصحة، فإن ذكر التشهد قبل السلام من سجود السهو شاذ؛ لأن أشعث بن عبد الملك هو الذي تفرد بذكر التشهد في سجود السهو. وقد صحّ الحديث بدون هذه الزيادة. فأخرجه مسلم (٥٧٤) ، وأبي عوانة (٢/١٩٨-١٩٩) ، وأبو داود (١٠١٨) ، والنسائي (٣/٢٦) وابنُ ماجه (١٢١٥) ، وأحمد (٤/٤٢٧، ٤٤١، والطيالسيُّ (٨٤٧) ، وابن خزيمة (٢/١٣٠) ، وابنُ حبان (ج ٤/رقم ٢٦٦٣) ، وابنُ الجارود (٢٤٥) ، والطحاويُّ في ((شرح المعاني)) (١/٤٤٢/٤٤٣) ، والبيهقيُّ (٢/٣٣٥، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٩) من طرقٍ عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين أن رسول الله ﵌ صلى صلاة العصر ثلاث ركعات، فسلَّم، فقيل له. فصلى ركعةً، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين، ثم سلَّم)) . وقد رواه عن خالد الحذَّاء جماعة منهم: ((شعبة، ووهيب، وابنُ عُلَيَّةَ، والثقفي، وهشيم، وحماد بن زيد،

стр. 144

ومعتمر بن سليمان، ويزيد بن زريع، ومسلمة بن محمد وغيرهم)) . فثيت بذلك أن الحديث ثابت بغير هذه الزيادة، يدلُّ على ذلك أن محمد بن سيرين، قيل له: فالتشهُّدُ؟! - يعني بعد سجود السهو - قال: ((لم أسمع في التشهد شيئاً)) . وقال ابنُ المنذر: ((لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبُتُ)) . وقال البيهقيُّ: ((أخطأ أشعث فيما رواه)) . وأغرب ابن التركماني ﵀ في ردِّه على البيهقيّ في ((الجوهر النقي)) إذ زعم أن هذه زيادة ثقة، فيجب أن تقبل. وما ذكرتُه من التحقيق يردُّهُ. وقال الحافظ في ((الفتح)) : ((زيادة أشعث شاذَّةٌ)) . ثم رأيت النسائي (٣/٢٦) ، وابن خزيمة (٢/١٣٤) رويا هذا الحديث من طريق أشعث بسنده المتقدم كرواية الجماعة عن خالد الحذاء يعني لم يذكر التشهد. فهذا يؤكد شذوذ هذه الزيادة. ولكن قال الحافظ في ((الفتح)) (٣/٩٩) : ((لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائيّ. وعن المغيرة عند البيهقيّ، وفي إسنادهما ضعف، فقد يُقال: إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحُسْن. قال العلائي: وليس ذلك ببعيد)) ا. هـ. قلت: ولا يُفهم من هذا أن الحافظ يميلُ إلى تقوية هذه الزيادة، فإنه

стр. 145

إنما أورد هذا الكلام على لسان من يُظن أنه يعترض على الحكم بشذوذها. وإن كان سكوت مثله ﵀ عن سوق هذا الاعتراض بدون التعقب عليه غير سديد. فلننظر في هذه الشواهد: أولاً: حديث ابن مسعود ﵁. أخرجه النسائيُّ في الصلاة ـ من ((الكبرى)) ـ كما في ((تحفة الأشراف)) (٧/١٥٨) ، وأبو داود (١٠٢٨) ومن طريقه الدارقطنيُّ (١/٣٧٨) ، والبيهقيُّ (٢/٣٣٦، ٣٥٥، ٣٥٦) من طريق محمد بن سلمة، عن خُصيف، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود مرفوعاً: ((إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاثٍ أو أربعٍ، وأكبرُ ظنك على أربع، تشهدت، ثم سجدت سجدتين وأنت جالسٌ قبل أن تُسلِّم، ثم تشهدت أيضاً ثم تُسلِّمْ)) . قال أبو داود: ((رواه عبدُ الواحد عن خصيف، ولم يرفعه. ووافق عبد الواحد أيضاً سفيان، وشريك، وإسرائيل. واختلفوا في متن الحديث، ولم يسندوه)) . قلت: يشير أبو داود إلى أنه اختلف عن خصيف في إسناده فالأكثرون رووه موقوفاً. ورواية الثوري أخرجها عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢/٣١٤/٣٤٩٩) عنه، عن خصيف، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود أنه تشهد في سجدتي السهو. وأخرجه عبد الرزاق أيضاً (٢/٣١٢) ، والبيهقيُّ (٢/٣٤٥) من هذا الوجه عن ابن مسعود من قوله وكذلك يضاف إلى من ذكرهم أبو داود، محمدُ بنُ فضيل. أخرجه أحمد (١/٤٢٩) ، وابنُ أبي شيبة (٢/٣١) قالا: حدثنا محمد بن فضيل، ثنا خصيف، ثنا أبو عبيدة، عن أبيه موقوفاً بلفظ الثوري
следующие страницы →