← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 8855

القول المبين في أخطاء المصلين

مشهور آل سلمان

Полный текст (452 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

((وأما وجوبه، فقد أمر به النبي ﷺ في حديث أبى هريرة المتقدّم لمجرد الشك، فقال: إذا قام أحدكم يصلى، جاءه الشيطان، فلبّس عليه صلاته، حتى لا يدرى كم صلى فإذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين وهو جالس)) وذكر أربعة أحاديث أخرى، ثم قال: ((فهذه خمسة أحاديث صحيحة، فيها كلها يأمر الساهي بسجدتي السهو، وهو لما سهى عن التشهد الأول سجدها بالمسلمين قبل السلام، ولما سلم في الصلاة من ركعتين أو من ثلاث، صلى ما بقي، وسجدها بعد الصلاة، ولما ذكّروه أنه صلى خمساً سجدها بعد السلام والكلام. وهذا يقتضى مداومته عليهما وتوكيدهما، وأنه لم يدعهما في السهو المقتضي لهما قط، وهذه دلائل بيّنة واضحة على وجوبهما، وهو قول جمهور العلماء، وهو مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة وليس مع من لم يوجبوهما حجة تقارب ذلك)) . [٩/٢١] * جملة أخطاء في كيفية سجود السهو ومكانة والأسباب الموجبة له. اختلف الفقهاء في كيفية الأخذ بالأحاديث الواردة في سجود السهو، فمنهم من قال: إنه يكون قبل السلام بإطلاق! ومنهم من ذهب إلى أنه بعد السلام بإطلاق!! وأصح الأقوال وأظهرها ـ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوي)) : (٢٣/٢٤) ـ الفرق بين الزيادة والنقص، وبين الشك مع التحرى، والشك مع البقاء على اليقين، وهذا إحدى الروايات عن أحمد، وقول مالك قريب منه، وليس مثله. فمن ترك التشهد الأول سجد قبل السلام، ومن زاد سجد بعد السلام، وإذا شك فتحرى سجد بعد السلام، وإذا شك فبنى على اليقين سجد قبل السلام، وإذا سلم من نقص سجد بعد السلام. يقول ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ أيضاً: ((وهذا القول هو الذي يستعمل فيه جميع الأحاديث، لا يترك منها حديث، مع استعمال القياس

стр. 142

الصحيح فيما لم يرد فيه نص، وإلحاق ما ليس بمنصوص بما يشبهه من النصوص)) . ومن الأخطاء التي تقع لبعض المصلين في الحالة التي ينبغي عليهم أن يسجدوا بعد السلام: تركه حال نسيانه، فمن الفقهاء من قال: إذا طال الفصل لم يسجد، ولم يبن، ولم يحدّ هؤلاء طول الفصل لغير قولهم، وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي وأحمد. وقيل: يسجد ما دام في المسجد، فإنْ خرج انقطع، وهذا هو الذي ذكره الخرقي وغيره، وهو منصوص عن أحمد، وهو قول الحكم وابن شبرمة. وقيل: كلٌّ منهما مانعٌ من السجود: طول الفصل، والخروج من المسجد. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يسجد، وإنْ خرج من المسجد وتباعد، وهو قول للشافعي، وهذا هو الأظهر، فإن تحديد ذلك بمكان أو بزمان لا أصل له في الشرع، أفاده شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) : (٢٣/٤٣) . ومن الأخطاء أيضاً في الحالة السابقة قراءة التشهد بعد سجود السهو، وقبل السلام! نعم أخرج أبو داود في ((سننه)) : رقم (١٠٣٩) والترمذي في ((جامعه)) : رقم (٣٩٥) وابن حبان في ((صحيحه)) : رقم (٥٣٦ – موارد) وابن خزيمة في ((صحيحه)) : (٢/١٣٤) والحاكم في ((المستدرك)) : (١/٣٢٣) والبيهقي في ((السنن الكبرى)) : (٢/٣٥٥) وابن الجارود في ((المنتقى)) : رقم (٣٤٧) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري ثنا أشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن المهلب عن عمران بن حصين ﵁ قال: ((صلى رسول الله ﷺ بالناس، فسها في صلاته، فسجد سجدتي السهو، ثم تشهد، ثم سلّم) ، إلا أن هذا حديث ضعيف شاذ.

стр. 143

وإنْ قال الحاكم: ((صحيح على شرط الشيخين)) ووافقه الذهبيُّ!! قلت: لا، وأشعث بن عبد الملك وإن كان ثقةً، فإن مسلماً لم يُخرج له مطلقاً، وعلَّق له البخاريُّ في ((الصحيح)) فلا يكونُ على شرط واحدٍ منهما. والله أعلم. وقال الترمذيُّ: ((حديث حسنُ غريبٌ)) . وفي بعض النسخ زيادة: ((صحيحُ)) . قلت: وهذا السندُ وإن كان ظاهرُهُ الصحة، فإن ذكر التشهد قبل السلام من سجود السهو شاذ؛ لأن أشعث بن عبد الملك هو الذي تفرد بذكر التشهد في سجود السهو. وقد صحّ الحديث بدون هذه الزيادة. فأخرجه مسلم (٥٧٤) ، وأبي عوانة (٢/١٩٨-١٩٩) ، وأبو داود (١٠١٨) ، والنسائي (٣/٢٦) وابنُ ماجه (١٢١٥) ، وأحمد (٤/٤٢٧، ٤٤١، والطيالسيُّ (٨٤٧) ، وابن خزيمة (٢/١٣٠) ، وابنُ حبان (ج ٤/رقم ٢٦٦٣) ، وابنُ الجارود (٢٤٥) ، والطحاويُّ في ((شرح المعاني)) (١/٤٤٢/٤٤٣) ، والبيهقيُّ (٢/٣٣٥، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٥٩) من طرقٍ عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين أن رسول الله ﵌ صلى صلاة العصر ثلاث ركعات، فسلَّم، فقيل له. فصلى ركعةً، ثم سلَّم، ثم سجد سجدتين، ثم سلَّم)) . وقد رواه عن خالد الحذَّاء جماعة منهم: ((شعبة، ووهيب، وابنُ عُلَيَّةَ، والثقفي، وهشيم، وحماد بن زيد،

стр. 144

ومعتمر بن سليمان، ويزيد بن زريع، ومسلمة بن محمد وغيرهم)) . فثيت بذلك أن الحديث ثابت بغير هذه الزيادة، يدلُّ على ذلك أن محمد بن سيرين، قيل له: فالتشهُّدُ؟! - يعني بعد سجود السهو - قال: ((لم أسمع في التشهد شيئاً)) . وقال ابنُ المنذر: ((لا أحسب التشهد في سجود السهو يثبُتُ)) . وقال البيهقيُّ: ((أخطأ أشعث فيما رواه)) . وأغرب ابن التركماني ﵀ في ردِّه على البيهقيّ في ((الجوهر النقي)) إذ زعم أن هذه زيادة ثقة، فيجب أن تقبل. وما ذكرتُه من التحقيق يردُّهُ. وقال الحافظ في ((الفتح)) : ((زيادة أشعث شاذَّةٌ)) . ثم رأيت النسائي (٣/٢٦) ، وابن خزيمة (٢/١٣٤) رويا هذا الحديث من طريق أشعث بسنده المتقدم كرواية الجماعة عن خالد الحذاء يعني لم يذكر التشهد. فهذا يؤكد شذوذ هذه الزيادة. ولكن قال الحافظ في ((الفتح)) (٣/٩٩) : ((لكن قد ورد في التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داود والنسائيّ. وعن المغيرة عند البيهقيّ، وفي إسنادهما ضعف، فقد يُقال: إن الأحاديث الثلاثة في التشهد باجتماعها ترتقي إلى درجة الحُسْن. قال العلائي: وليس ذلك ببعيد)) ا. هـ. قلت: ولا يُفهم من هذا أن الحافظ يميلُ إلى تقوية هذه الزيادة، فإنه

стр. 145

إنما أورد هذا الكلام على لسان من يُظن أنه يعترض على الحكم بشذوذها. وإن كان سكوت مثله ﵀ عن سوق هذا الاعتراض بدون التعقب عليه غير سديد. فلننظر في هذه الشواهد: أولاً: حديث ابن مسعود ﵁. أخرجه النسائيُّ في الصلاة ـ من ((الكبرى)) ـ كما في ((تحفة الأشراف)) (٧/١٥٨) ، وأبو داود (١٠٢٨) ومن طريقه الدارقطنيُّ (١/٣٧٨) ، والبيهقيُّ (٢/٣٣٦، ٣٥٥، ٣٥٦) من طريق محمد بن سلمة، عن خُصيف، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود مرفوعاً: ((إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاثٍ أو أربعٍ، وأكبرُ ظنك على أربع، تشهدت، ثم سجدت سجدتين وأنت جالسٌ قبل أن تُسلِّم، ثم تشهدت أيضاً ثم تُسلِّمْ)) . قال أبو داود: ((رواه عبدُ الواحد عن خصيف، ولم يرفعه. ووافق عبد الواحد أيضاً سفيان، وشريك، وإسرائيل. واختلفوا في متن الحديث، ولم يسندوه)) . قلت: يشير أبو داود إلى أنه اختلف عن خصيف في إسناده فالأكثرون رووه موقوفاً. ورواية الثوري أخرجها عبد الرزاق في ((المصنف)) (٢/٣١٤/٣٤٩٩) عنه، عن خصيف، عن أبي عبيدة، عن ابن مسعود أنه تشهد في سجدتي السهو. وأخرجه عبد الرزاق أيضاً (٢/٣١٢) ، والبيهقيُّ (٢/٣٤٥) من هذا الوجه عن ابن مسعود من قوله وكذلك يضاف إلى من ذكرهم أبو داود، محمدُ بنُ فضيل. أخرجه أحمد (١/٤٢٩) ، وابنُ أبي شيبة (٢/٣١) قالا: حدثنا محمد بن فضيل، ثنا خصيف، ثنا أبو عبيدة، عن أبيه موقوفاً بلفظ الثوري

стр. 146

المتقدم. فحاصل الأمر أن خمسة من الثقات خالفوا محمد بن سلمة فيه ومحمد بن سلمة ثقةٌ رفيعُ القدر، وهذا الاختلاف هو من جهة خصيف بن عبد الرحمن. ضعّفه أحمد قال: ((ليس بحُجَّةٍ، ولا قوي في الحديث)) . وقال مرةً: ((شديد الاضطراب في المُسند)) . يشير إلى أنه يرفع أحاديث، وهي في الأصل موقوفة. وقال أبو حاتم: ((صالحٌ، يخلطُ. وتكلم في سوء حفظه)) . ووثقه جماعة كابن معين، وأبي زرعة وغيرهما. فرفعُهُ لهذا الحديث هو آت من سوء حفظه. فالراجح في الحديث أنه موقوف، ثم فوق ذلك فإنه منقطع لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، فيكون الموقوفُ ضعيفاً أيضاً ... وقال البيهقيُّ: هذا غير قوي، ومختلفٌ في رفعه ومتنه. وفي ((نيل الأوطار)) (٣/١٣٨) عن البيهقيّ قال: ((ومتنه غير قوي)) . ثانياً: حديث المغيرة بن شعبة ﵁. أخرجه البيهقيُّ (٢/٣٥٥) من طريق عمران بن أبي ليلى، عن ابن أبي ليلى، قال: حدثني الشعبيُّ عن المغيرة بن شعبة ((أن النبي ﵌ تشهد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو)) . قال البيهقيُّ:

стр. 147

((وهذا يتفرد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الشعبي. ولا يفرح بما يتفرد به. واللهُ أعلمُ)) ا. هـ. وعمران: هو ابن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وثقه ابن حبان. وقال الحافظ عنه: ((مقبولٌ)) يعني عند المتابعة. وقد تابعه هشيم بن بشير على إسناده ولكنه خالفه في متنه فرواه عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي قال: ((صلى بنا المغيرة بنُ شعبة فنهض في الركعتين. فسبَّح به القومُ، وسبَّح بهم. فلما صلى بقية صلاته سلَّم، ثم سجد سجدتي السهو، وهو جالس. ثم حدثهم أن رسول الله ﷺ فعل بهم مثل الذي فعل)) . أخرجه الترمذيُّ (٣٦٤) . فلم يذكر ما ذكره عمران بن محمد عن أبيه في رواية البيهقيّ وتابع هشيماً عليه، سفيان الثوري. أخرجه أحمد (٤/٢٤٨) حدثنا عبدُ الرزاق، أنا سفيان به فهذا الاضطراب في متنه هو من ابن أبي ليلى وهو سيىء الحفظ جدّاً ونقل الترمذيُّ عن أحمد عقب الحديث قوله: ((لا يُحتج بحديث ابن أبي ليلى)) . وعن البخاري قال: ((ابنُ أبي ليلى هو صدوقٌ، ولا أروي عنه، لأنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه، وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئاً)) . وقال البيهقيُّ في ((المعرفة)) : ((لا حجة فيما تفرد به لسوء حفظه، وكثرة خطئه في الروايات)) نقله الشوكاني في ((النيل)) (٣/١٣٩) .

стр. 148

قلت: فهذا ما ذكره الحافظ ونقل عن العلائي أنه لا يستبعد حسنه. وتبين من التحقيق أنها شواهد ضعيفة لا تصلح أن يقوي بعضها بعضاً لشدة الاختلاف فيها وهنالك حديث آخر عن عائشة وفيه: ((وتشهدي وانصرفي ثم اسجدي سجدتين وأنت قاعدة، ثم تشهَّدي)) . أخرجه الطبراني وفي إسناده موسى بنُ مُطيْر، عن أبيه. وموسى واهٍ تركه أبو حاتم والنسائيُّ وغيرهما، بل كذبه يحيلا بن معين. وأبوه قال أبو حاتم: ((متروك الحديث)) . فالحديث ساقط. والله أعلم (١) . ونشير في ختام هذا المبحث إلى أن بعض الفقهاء قد أوجبوا سجود السهو في حالاتٍ لم يقم الدليل عليها!! بل قام الدليل على عكسها، كما في قنوت الفجر الراتب، فقد نص بعضهم على سجود السهو حال تركه، والصحيح ـ كما تقدم ـ أنه لم يثبت عن النبي ﷺ البتة، وكذا قول بعضهم بوجوب سجود السهو إنْ قرأ المصلّي في الأخريين زيادة على فاتحة الكتاب، وقد تقدم أن الزيادة على فاتحة الكتاب كانت من هدي النبي ﷺ في بعض الأحاديث، لذا قال أبو الحسنات اللكنوي في ((التعليق الممجد على موطأ محمد)) : (ص ١٠٢) ما نصه: ((وأغرب بعض أصحابنا، حيث أوجبوا سجود السهو بقراءة سورة في الأخريين، وقد ردّه شراح ((المنية)) : إبراهيم الحلبي، وابن أمير حاج، وغيرهما، بأحسن رد، ولا شك في أن من قال بذلك لم يبلغه الحديث، ولو بلغه لم يتفوّه به)) . قلت: ومن هذا الباب ما ذكره بعض الفقهاء من وجوب سجود السهو على من يقرأ الصلاة الإبراهيمية أو بعضها في جلوس الركعة الثانية من الثلاثية أو الرباعية بعد التشهد، والصحيح قراءة ذلك كما سيأتي في موطنه إن شاء الله تعالى.

стр. 149

[٢٢] * جملة من أخطائهم في الجلوس والتّشهد والتسليم: من أركان الصلاة: الجلوس الأخير، والتّشهد فيه، ويقع بعض المصلّين في مجموعة أخطاء فيهما، يجدر التّنبيه عليها، فنقول، وعلى الله الاعتماد والتّكلان: [١/٢٢] (غلط قول ((السلام عليك أيها النبي)) في التّشهد. أخرج البخاري في ((صحيحه)) أن رسول الله ﷺ قال: (( ... . فإذا صلّى أحدكم، فليقل: التحيّات لله والصّلوات والطيّبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ... .)) (١) . قال الحافظ ابن حجر: ((وقد ورد في بعض طرقه، ما يقتضي المغايرة بين زمانه ﷺ ، فيقال: بلفظ الخطاب، وأما بعده فيقال بلفظ الغيبة. ففي الاستئذان من ((صحيح البخاري)) (١١/٥٦) رقم (٦٢٦٥) من طريق أبي معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهد، قال: ((وهو بين ظهرانينا، فلما قبض، قلنا: السلام)) يعني على النبي، كذا وقع في البخاري، وأخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) والسراج والجوزقي وأبو نعيم الأصبهاني والبيهقي من طرق متعددة إلى أبي نعيم شيخ البخاري، بلفظ: ((فلما قبض، قلنا: السلام على النبي)) بحذف لفظ يعني، وكذلك رواه ابن أبي شثيبة عن أبي نعيم. قال السبكي في ((شرح المنهاج)) بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة وحده: إن صح هذا عن الصّحابة، دلّ على أن الخطاب في السلام بعد النبي ﷺ غير واجب، فيقال: السلام على النبي. قلت (٢) : قد صح بلا ريب، وقد وجدتُ

стр. 150

له متابعاً قوياً: قال عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون، والنبي ﷺ حيّ: السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي، وهذا إسناده صحيح)) (١) . وقال ابن حجر أيضاً: ((فالظاهر أنهم كانوا يقولون (السلام عليك أيها النبي) بكاف الخطاب في حياة النبي ﷺ ، فلما مات النبي ﷺ تركوا الخطاب، وذكروه بلفظ الغيبة، فصاروا يقولون ((السلام على النبي)) (٢) . [٢/٢٢] * زيادة لفظ ((سيدنا)) في التّشهد، أو في الصّلاة على رسول الله ﷺ في الصّلاة. قال الشيخ محمد جمال الدّين القاسمي: للعلماء اختلاف في زيادة لفظ ((سيدنا)) في الصّلاة على النّبي ﷺ ، وقد وقفتُ على سؤالٍ رفع لابن حجر العسقلاني، فأجاب عنه وأجاد، وهاكه بنصه: سئل الحافظ ابن حجر ﵀ عن صفة الصّلاة على النبي ﷺ في الصلاة أو خارج الصّلاة، سواء قيل بوجوبها أم بندبها: هل يشترط فيها أن يصفه ﷺ بالسِّيادة، بان يقول مثلاً: اللهم صلّ على سيّدنا محمد، أو على سيّد الخلق، أو سيّد ولد آدم، أو يقتصر على قوله: اللهم صلّ على محمد، وأيهما أفضل: الإتيانُ بلفظ السيادة لكونها صفةً ثابتةً له ﷺ ، أو عدمُ الإتيان لعدم ورود ذلك في الآثار؟ فأجاب ﵁: نعم، اتّباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يُقال: لعلّه ترك ذلك تواضعاً منه

стр. 151

- ﷺ ، وأمّتُه مندوبةٌ إلى أن تقول ذلك كلما ذكر، لأنا نقول: لو كان ذلك راجحاً، لجاء عن الصّحابة، ثم عن التابعين، ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة ولا التابعين، أنه قال ذلك مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك، وهذا الإمام الشافعي ـ أعلى الله درجته، وهو من أكثر الناس تعظيماً للنبي ﷺ ـ قال في خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه: اللهم صلّ على محمد (١) . (تنبيهات: ومن الجدير بالذّكر أن أُشير هنا إلى أمور: [٣/٢٢] الأوّل: وضع الحديث: ((لا تسيّدوني في الصلاة)) وهو ملحون، وصحة اللفظ: ((لا تسودوني)) ، وهو حديث لم يصح ولم يثبت عن رسول الله ﷺ ، بل لا أصل له (٢) ، ولو صح لكان دليلاً لنا على صحة ما ذكرناه. [٤/٢٢] الثاني: أن جمهور المصلّين في صلاتهم على النبي ﷺ في الصّلاة، يلفّقون صيغة من مجموع الصّيغ المشروعة، فجلّهم يقولون: ((اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد)) . ولا يشرع هذا التلفيق، إذ الأصل في العبادات التوقيف، فلا يجوز الزيادة عليها، ولا النقصان منها، ولم ترد في السنة النبوية الصيغة السابقة، وإنما هي ـ كما قدمنا ـ تلفيق من صيغتين، هما:

стр. 152

الأولى: اللهم صل على محمد، وعلى (١) آل محمد، كما صليت على [إبراهيم، وعلى] آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت [على إبراهيم، وعلى] آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. والأخرى: اللهم صل على محمد [النبي الأُمي] ، وعلى آل محمد، كما صليت على [آل] إبراهيم، وبارك على محمد [النبي الأُمي] وعلى آل محمد، كما باركت على [آل] إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد (٢) . وعندما يأتي المسلم بالصلاة النبوية بإحدى رواياتها، عليه أن يحافظ على لفظها بدون زيادة شيء من عنده عليها، ولا أن ينقص شيئاً منها، لأن الصيغة الواردة توقيفيّة متعبّد بها، والتوقيفي في العبادات يؤتى بنصِّ لفظه، بلا زيادةٍ ولا تنقيصٍ ولا تبديل. وقد هجر الناس الصلاة النبوية التوقيفية، واقتصروا على غيرها، وزاد بعضهم، فقال: إنّ غيرَها أنفعُ منها، فليحذر المسلم من هذا الهجر، ومن هذا القول، فمحمد ﷺ أنفعُ الخلق وأرفعهم، وفعلُه أرفع الأفعال وأنفعها، وقوله أرفع الأقوال وأنفعها. وبعد أن عرفنا أن الصّلاة على النبي ﷺ عبادة، وأنها توقيفية، فقد صار واجباً علينا أن نصلّي على النبي ﷺ بما ثبت عنه من الألفاظ والصلوات الإبراهيمية الصحيحة، ولا يجوز لنا الزيادة عليها، أو اختراع صيغ جديدة، لأنّ في ذلك استدراكاً على صاحب الشريعة الذي أُمرنا بطاعته وحُبِّه.

стр. 153

وكما أنه لا يجوز لنا أن نزيد في التشهد أو أن نستبدل به ألفاظاً أخرى، كذلك لا تجوز الزيادة على الصلوات الإِبراهيمية، أو استبدال أُخرى بها، لأنّ كُلاّ من التشهد والصلاة الإِبراهيمية توقيفيٌّ حدّده النبي ﷺ حين سُئل عن ذلك، وهو لا يختار إلا الأحسن والأعظم ثواباً. فليكن هدفُنا دائماً الاتباع، ولنحذر الابتداع (١) . قلت: وكذا من الخطأ قول بعضهم في أول التشهد: ((بسم الله)) وكذا قولهم آخره: ((أسال الله الجنة)) و ((أعوذ بالله من النار)) ، وبعضهم يقول هذا مع التسليم وسيأتي التنبيه عليه في آخر هذا الفصل. قال مسلم في ((التمييز)) : (١٤١-١٤٢) : وقد روي التشهد عن رسول الله ﷺ من أوجه عدّة صحاح، فلم يذكر في شيء منه. . . قوله: بسم الله وبالله، ولا في آخره من قوله: أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار)) . [٥/٢٢] الثّالث: قال الإِمام النووي ـ رحمه الله تعالى ـ: أعلم أن العلماء اختلفوا في وجوب الصّلاة على النبي ﷺ عقب التشهد الأخير في الصلاة، فذهب أبو حنيفة ومالك ـ رحمهما الله تعالى ـ والجماهير إلى أنها سنّة، لو تركت صحت الصلاة، وذهب الشافعي وأحمد ـ رحمهما الله تعالى ـ إلى أنها واجبة، لو تركت لم تصح الصّلاة، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ﵄، وهو قول الشعبي وقد نسب جماعةٌ الشافعيَّ ـ رحمه الله تعالى ـ في هذا إلى مخالفة الإجماع، ولا يصح قولهم، فإنه مذهب الشعبي كما ذكرنا، وقد رواه عن البيهقي. وفي الاستدلال لوجوبها خفاء، وأصحابنا يحتجّون بحديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ المذكور هنا: أنهم قالوا: ((كيف نصلّي عليك يا رسول الله؟

стр. 154

فقال: قولوا: اللهم صلّ على محمد. . .)) الخ قالوا: والأمر للوجوب. وهذا القدر لا يظهر الاستدلال به إلا إذا ضمّ إليه الرواية الأُخرى: كيف نصلّي عليك إذا نحن صلّينا عليك في صلاتنا؟ فقال ﷺ : قولوا: اللهم صل على محمد. . . الخ. وهذه الزّيادة صحيحة، رواها الإمامان الحافظان أبو حاتم ابن حبان البستي والحاكم أبو عبد الله في ((صحيحيهما)) . قال الحاكم: هي زيادة صحيحة. واحتج لها أبو حاتم وأبو عبد الله أيضا في ((صحيحيهما)) بما روياه عن فضالة بن عبيد ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلّي، لم يحمد الله ولم يمجده، ولم يصلّ على النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : عجّل هذا، ثم دعاه النبي ﷺ ، فقال: إذا صلّى أحدكم، فليبدأ بحمد ربّه والثّناء عليه، وليصلّ على النبي ﷺ ، وليدع ما شاء. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. وهذان الحديثان، وإن اشتملا على ما لا يجب بالإِجماع!! كالصّلاة على الآل والذّريّة والدّعاء، فلا يمتنع الاحتجاج بهما، فإن الأمر للوجوب، فإذا خرج بعض ما يتناوله الأمر عن الوجوب بدليل، بقي الباقي على الوجوب، والله أعلم. والواجب عند أصحابنا: اللهم صل على محمد، وما زاد عليه سنّة، ولنا وجه شاذ أنه يجب الصلاة على الآل، وليس بشيء، والله أعلم (١) انتهى.

стр. 155

قال الأمير الصنعاني: ودعوى النووي وغيره الإجماع على أنَّ الصّلاة على الآل مندوبة، غيرُ مسلَّمة، بل نقول: الصّلاة عليه ﷺ لا تتم، ولا يكون العبد ممتثلاً بها، حتى يأتي بهذا اللفظ النبوي، الذي فيه ذكر الآل، لأنه قال السائل: كيف نصلّي عليك؟ فأجابه بالكيفية أنها الصّلاة عليه وعلى آله، فمن لم يأت بالآل، فما صلّى عليه بالكيفية التي أمر بها، فلا يكون ممتثلاً للأمر، فلا يكون مصلّياً عليه ﷺ (١) . وقد رجّح ابن العربي وجوب الصّلاة عليه في الصلاة، فقال رحمه الله تعالى: الصّلاة على النبي ﷺ فرض في العمر مرة بلا خلاف، فأما في الصّلاة فقال محمد بن الموّاز والشافعي: إنها فرض، فمن تركها بطلت صلاته. وقال سائر العلماء: هي سنة في الصّلاة. والصحيح ما قاله محمد بن الموّاز للحديث الصحيح: إن الله أمرنا أن نصلّي عليك، فكيف نصلّي عليك؟ فعلم الصلاة ووقتها، فتعيّنا كيفيّة ووقتاً (٢) .

стр. 156

وقد ذهب إلى الوجوب أيضاً شيخنا الألباني في ((صفة صلاة النبي ﷺ )) (١) . فإنه ذكر تحت عنوان ((وجوب الصّلاة على النبي ﷺ )) حديث فضالة بن عبيد، الذي ذكره النووي وقال: ((رواه أحمد وأبو داود وابن خزيمة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي)) . ثم قال: ((واعلم أن هذا الحديث يدّل على وجوب الصّلاة عليه ﷺ في هذا التشهد للأمر بها، وقد ذهب إلى الوجوب الإِمام الشافعي وأحمد في آخر الروايتين عنه، وسبقهما إليه جماعة من الصحابة وغيرهم، ومن نسب الإِمام الشافعي إلى الشذوذ لقوله بوجوبهما فما أنصف، كما بيّنه الفقيه الهيتمي في ((الدر المنضود في الصّلاة والسلام على صاحب المقام المحمود)) انتهى. [٦/٢٢] الرابع: إذا علمت هذا، فاعلم أن الصّلاة على النبي ﷺ لا تختص بالتشهد الأخير، بل هي مشروعة في الأول أيضاً. وهو نص الإمام الشافعي في ((الأم)) فقال: ((والتشهد في الأولى والثانية لفظ واحد لا يختلف، ومعنى قولي ((التشهد)) التشهد والصلاة على النبي ﷺ ، لا يجزيه أحدهما عن الآخر)) (٢) . وليس من السنة، ولا يكون المصلّي منفذاً للأمر النبوي، إذا اقتصر على قوله: ((اللهم صل على محمد)) فحسب، بل لا بد من الإتيان بإحدى الصيغ المشروعة، وقد قدمنا كلام الأمير الصنعاني في هذا (٣) . بل دلت الأحاديث الصحيحة على مشروعية الدعاء عقب التشهد الأول، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين، غير أن نسبّح، ونكبّر، ونحمد ربَّنا، وإن محمداً ﷺ علَّم فواتح الخيرِ،

стр. 157

وخواتمَهُ، فقال: إذا قعدتم في كل ركعتين، فقولوا: التحيّات لله، والصّلوات، والطّيّبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله الصّالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه (١) . ففي الحديث مشروعية الدّعاء في التشهد الأول، ولم أرَ مَنْ قال به من الأئمة غير ابن حزم، والصواب معه، وإن كان هو استدلّ بمطلقات، يمكن للمخالفين ردّها بنصوصٍ أُخرى مقيّدة، أما هذا الحديث، فهو في نفسه نصّ واضحٌ مفسرٌٌ، لا يقبل التقييد، فرحم الله امرءاً أنصف، واتبع السنّة (٢) . [٧/٢٢] الخامس: من أحدث قبل السلام بطلت صلاته، مكتوبة كانت أم غير مكتوبة (٣) . [٨/٢٢] السادس: من أخطاء بعض المصلّين: فعل التّورك في الثّنائيّة، كالفجر والجمعة والنّافلة، أو تركه في الرّباعيّة أو الثّلاثية في التّشهد الأخير منها، وإن كان فعله وتركه غير مخلّ ٍ بصحة الصّلاة، لكن العمل بالسنّة أفضل، وهو أن يكون التورّك في التشهد الأخير في الثلاثيّة أو الرباعيّة، على أن لا يضايق مَنْ بجانبه مِنَ المصلّين (٤) . [٩/٢٢] السابع: الأشهر في تفسير الصالح في التشهد: ((عباد الله الصالحين)) أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وتتفاوت

стр. 158

درجاته. قال الترمذي الحكيم: من أراد أن يحظى بهذا السّلام الذي يسلّمه الخلق في الصّلاة، فليكن عبداً صالحاً، وإلا حرم هذا الفضل العظيم (١) . [١٠/٢٢] الثامن: قال القفال في ((فتاويه)) : ترك الصّلاة يضرّ بجميع المسلمين، لأن المصلّي لا بدّ أن يقول في التّشهد: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)) فيكون تارك الصلاة مقصّراً بخدمة الله، وفي حقّ رسوله، وفي حق نفسه، وفي حق كافة المسلمين، ولذلك عظمت المعصية بتركها (٢) . ولا بد في هذا المقام من الإشارة إلى أن التشهد الأوسط ـ في أصح قولي أهل العلم ـ واجب، وعلى هذا جمهور المحدثين، حتى قال الشوكاني في ((السيل الجرار)) : (١/٢٢٨) : ((الأوامر بالتشهد لم تخص التشهد التشهد الأخير، بل هي واردة في مطلق التشهد فما قدمنا في التشهد الأخير من الاستدلال على وجوبه، فهو بعينه دليل على وجوب التشهد الأول، ومع هذا فالتشهد الأوسط مذكور في حديث المسيء، الذي هو مرجع الواجبات، ولم يرد ذكر التشهد الأخير في في حديث المسيء، فكان القول بإيجاد التشهد الأوسط أظهر من القول بإيجاب الأخير، وأما الاستدلال على عدم وجوب الأوسط، بكون النبي ﷺ تركه سهواً، ثم سجد للسهو، فهذا إنما يكون دليلاً، لو كان سجود السهو مختصّاً بترك ما ليس بواجب، وذلك ممنوع)) (٣) . [١١/٢٢] (الإنكار على مَنْ يحرك سبابته في الصّلاة. ثبت في ((مسند أحمد)) : (٤/٣١٨) و ((المجتبى)) للنسائي: (٢/١٢٦ -

стр. 159

١٢٧) و (٣/٣٧١) و ((سنن أبي داود)) : رقم (٧١٣) و ((صحيح ابن خزيمة)) رقم (٤٨٠) و (٧١٤) و ((المنتقى)) لابن الجارود: رقم (٢٠٨) و ((صحيح ابن حبان)) : رقم (١٨٥١ - موارد) و ((السنن الكبرى)) للبيهقي: (٢/٢٧ و ٢٨ و ١٣٢) و ((المعجم الكبير)) للطبراني: (٢٢/٣٥) عن وائل بن حُجر ﵁ قال: لأنظرنّ إلى رسول الله ﷺ كيف يصلّي؟ فنظرت إليه، فكبَّر، ورفع يديه ... إلى أن قال: ثم قعد ... ثم رفع أصبعه ورأيتُه يُحركها، يدعو بها. فهذه رواية صحيحة صريحة في تحريك الأصبع، وجاء وصف فعله ﷺ بـ ((يحرِّك)) وهو فعل مضارع، يفيد الاستمراريّة حتى تسليم المصلّي وفراغه من صلاته، ويدل على ذلك، قوله: ((يدعو بها)) ، فما قيّده بعض الفقهاء من أن الرفع يكون عند ذكر لفظ الجلالة أو الاستثناء، مما لا دليل عليه البتة (١) . قال الشيخ العظيم آبادي معلقاً على الحديث: وفيه تحريكها دائماً (٢) . وثبت في ((صحيح مسلم)) : (٢/٩٠) وغيره عن عبد الله بن الزّبير ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصّلاة، جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه. فإن قيل: أليس العمل بهذا الحديث مقدّم على العمل بالحديث الأوّل، لا سيما: أولاً: أنه وردت في بعض الروايات زيادة في حديث ابن الزبير: ((يشير

стр. 160

بأصبعه إذا دعا، ولا يحركها)) كما في ((سنن أبي داود)) : رقم (٩٨٩) . ثانياً: أن البيهقي في ((سننه)) : (٢/١٣٠) قال: يحتمل أن يكون المراد بالتحريك: الإشارة بها، لا تكرير تحريكها، فيكون حديث وائل موافقاً لحديث ابن الزبير. قلت: لم تثبت زيادة ((ولا يحركها)) ، لأن الحديث من رواية محمد بن عجلان عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه، وابن عجلان متكلم فيه، وقد رواه عنه أربعة من الثّقات دون قوله: ((لا يحركها)) وكذلك رواه ثقتان عن عامر، فثبت بذلك شذوذ هذه الزيادة وضعفها، وحسبك دلالة على وهنها أن مسلماً أخرج الحديث - كما سبق - دونها من طريق ابن عجلان أيضاً (١) . قال ابن القيم: ((وأما حديث أبي داود عن عبد الله بن الزّبير أنّ النبيّ ﷺ كان يشير بأصبعه إذا دعا ولا يُحركها، فهذه الزّيادة في صحتها نظر، وقد ذكر مسلم الحديث بطوله في ((صحيحه)) عنه، ولم يذكر هذه الزّيادة، بل قال: كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصّلاة، جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه، وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه. وأيضاً فليس في حديث أبي داود عنه: أن هذا كان في الصلاة (٢) . وأيضاً لو كان في الصّلاة، لكان نافياً، وحديث وائل بن حُجر مثبتاً، وهو مقدَّم. وهو حديث صحيح)) (٣) انتهى.

стр. 161

ولو ثبتت هذه الزّيادة، لكان يمكن العمل بها، مع الإبقاء على ظاهر حديث وائل، ويجمع بينهما، بأنه كان تارةً يحرك، وتارةً لا يحرك، كما ذهب إليه القرطبي، فقال: ((اختلفوا في تحريك أصبع السبابة، فمنهم من رأى تحريكها، ومنهم مَنْ لم يره، وكل ذلك مرويٌّ في الآثار الصحاح المسندة عن النبي ﷺ ، وجميعه مباح، والحمد لله)) (١) . وهذا اختيار الأمير الصنعاني في ((سبل السلام)) : (١/١٨٧ - ١٨٨) ومن قبله: الرافعي، كما حكاه المباركفوري عنه، ومن ثم أيّده بقوله: ((والحق ما قال الرافعي ومحمد بن إسماعيل الأمير)) (٢) والأرجح وفقاً للقاعدة الفقهية: ((المثبت مقدَّم على النافي)) التحريك، والعجب من بعض شراح ((المنهاج)) للنووي، عندما قال بعد ذكر حديث وائل وحديث ابن الزّبير، ولحظ الترجيح السابق، إلا أنه عدل عنه ولم يرتضه، وتحكم في ذلك، فقال: ((وتقديم الأول ـ النافي ـ (أي أنه لا يحركها) على الثاني ـ المثبت (أي كان يحركها) لما قام عندهم في ذلك، ولعله طلب عدم الحركة في الصّلاة)) (٣) . قلت: وزاد بعض المتأخرين، فقال: ((ولا يحركها لعدم وروده)) !! وقال أيضاً: ((وفي وجه: أنه حرام! مبطل للصّلاة!! حكاه النووي في ((شرح المهذب)) (٤) .

стр. 162

وهذا من التعصب المذهبي، إذ من طباع البشر وأخلاقهم: أن يألفوا ما أخذوه بالرّضا والتّسليم، ويأنسوا به، فإذا وجدوا لهم مخالفاً فيه، تعصّبوا له، ووجّهوا قواهم إلى استنباط ما يؤيّده ويثبته، ويدفع عنه حجج المخالفين لهم فيه، لا يلتفتون إلى تحري الحق، واستبانة الصّواب، فيما تنازعوا فيه. وذكر النووي في ((شرح المهذب)) ثلاثة وجوه في تحريكها: لا يحركها، ويحرم تحريكها، وقال ما نصه: ((يحرم تحريكها، فإن حركها بطلت صلاته، حكاه عن أبي علي ابنُ أبي هريرة، وهو شاذ ضعيف)) . ومن ثم قال: ((يستحب تحريكها، حكاه الشيخ أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب وآخرون. وقد يحتج بحديث وائل بن حجر: ((ثم رفع أصبعه، فرأيتُه يحركها، يدعو بها)) رواه البيهقي بإسناد صحيح)) (١) . والقول بالبطلان لتحريك الأصبع شاذ ضعيف، كما قال النووي، ويردده بعضهم بناء على أنه إذا تحرك المصلّي ثلاث حركات تبطل صلاته!! وهو مما لا دليل عليه البتة، قال الشيخ ابن باز فيه: ((أما تحديد الحركات المنافية للطمأنينة وللخشوع بثلاث حركات، فليس ذلك بحديث عن النبي ﷺ ، وإنما ذلك من كلام بعض أهل العلم، وليس عليه دليل يعتمد)) (٢) . وأما حديث ابن الزبير الذي فيه الإِشارة فحسب، فليس نصّاً في نفي التحريك، لما هو معهود في الاستعمال اللغوي، أنه قد يقترن معها التحريك في

стр. 163

كثير من الأحيان، فنَصْبُ الخلاف بينهما غير سليم لغةً وفقهاً (١) . والصواب الجمع بين الروايتين، والأخذ بالتحريك والعمل به، فتكون السنّة: الإشارة بالسبابة وتحريكها حركة شديدة، كما قال الإمام أحمد في ((مسائل ابن هانىء)) : (١/٨٠) ، والله تعالى أعلم. وأخيراً. . . لا بُدَّ من التّنبيه على ما يلي: [١٢/٢٢] أولاً: أنه قد ورد في بعض الروايات: ((رأيت رسول الله ﷺ وهو قاعد في الصلاة. . . . رافعاً إصبعه السبابة، وقد حناها شيئاً، وهو يدعو)) . ولكنه ضعيف الإسناد، لأن فيه مالكاً بن نمير الخزاعي وقد قال فيه ابن القطان والذهبي: ((لا يعرف حال مالك، ولا روى عن أبيه غيره)) . قاله الألباني، وقال أيضاً ولم أجد حني الإِصبع إلا في هذا الحديث، فلا يشرع العمل به بعد ثبوت ضعفه، والله أعلم)) (٢) . [١٣/٢٢] ثانياً: ورد في بعض الروايات أن النبي ﷺ أشار بالسبابة ثم سجد، فتكون الإِشارة بين السجدتين مشروعة أيضاً!! ولكن هذه الرواية تخالف جميع الروايات الأخرى التي لم تذكر فيها السجدة بعد الإِشارة، فتكون الرواية السابقة شاذة، وعليه فلا يشرع للمصلّي تحريك سبابته بين السجدتين (٣) . [١٤/٢٢] ثالثاً: تكره الإِشارة بمسبحة اليسرى، حتى لو كان أقطع اليمنى،

стр. 164

لم يشر بمسبحة اليسرى، لأن سنّتها البسط دائماً (١) . (ثلاثة أخطاء في التّسليم: أما التسليم: فهو ركن من أركان الصّلاة، وفرض من فروضها، لا تصح إلا به، هذا مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم (٢) . وننبّه على الأخطاء التالية فيه: [١٥/٢٢] أولاً: يلاحظ أن بعض المصلّين إذا سلّم يشير بيده اليمنى جهة اليمين، وباليسرى للجهة الثانية، وقد كان الصحابة يفعلونه، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك. عن جابر بن سمرة قال: كنا إذا صلّينا مع رسول الله ﷺ ، قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله ﷺ : ما لي أراكم ترفعون أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْس (٣) . فاتركوا الرفع، واكتفوا بالتّسليم. [١٦/٢٢] ثانياً: يستحب أن يدرج لفظ السلام، ولا يمدّ مدّاً. قال ابن سيّد النّاس: لا أعلم في ذلك خلاف بين العلماء. [١٧/٢٢] ثالثاً: سئل ابن تيمية عن رجل إذا سلم عن يمينه يقول: السلام عليكم ورحمة الله، أسألك الفوز بالجنّة، وعن شماله: السلام عليكم، أسألك النّجاة من النار، فهل هذا مكروه أم لا؟ فأجاب:

стр. 165

الحمد لله، نعم يكره هذا، لأن هذا بدعة، فإن هذا لم يفعله رسول الله ﷺ ، ولا استحبّه أحد من العلماء، وهذا إحداث دعاء في الصّلاة في غير محله، يفصل بأحدهما بين التسليمتين، ويصل التسليمة بالآخر، وليس لأحد فصل الصفة المشروعة على هذا كما لو قال: سمع الله لمن حمده، أسألك الفوز بالجنة، ربنا ولك الحمد، أسألك النجاة من النار، وأمثال ذلك (١) .

стр. 166

الفصل الرابع جماع أخطاء المصلّين في المسجد وصلاة الجماعة * أخطاؤهم حتى إقامة الصلاة. * أخطاؤهم من إقامة الصلاة حتى تكبيرة الإحرام. * أخطاؤهم من تكبيرة الإحرام حتى التسليم. * أخطاؤهم في ثواب صلاة الجماعة وبعض أخطاء المتخلّفين عنها والتشديد في حق مَنْ تركها.

стр. 167

أخطاؤهم حتى إقامة الصلاة (١) * جملة من أخطاء المؤذّنين، ومستمعي الأذان. * الإِسراع في المشي إلى المسجد، وتشبيك الأصابع فيه. * الخروج من المسجد عند الأذان. * دخول الرجلين المسجد، وتقام الصلاة، ويحرم الإمام، وهما في مؤخره يتحدّثان. * ترك تحيّة المسجد والسّترة لها وللسنّة القبليّة. * قراءة سورة الإخلاص قبل إقامة الصلاة. * صلاة النّافلة إذا أُقيمت الصّلاة. * التّنفل بعد طلوع الفجر، بصلاةٍ لا سبب لها، سوى ركعتي الصبح. * أكل الثّوم والبصل وما يؤذي المصلّين قبل الحضور للجماعة.

стр. 168

[٢٣] * جملة من أخطاء المؤذّنين، ومستمعي الأذان: لا يفوتنا أن نشير في بداية هذا المبحث إلى أن وظيفة المسجد تتطلب مؤذّناً ينوب عن الإمام في كل ما يقوم به، وقد خلّف الرسول ﷺ ابن أُم مكتوم في المدينة في بعض أسفاره، وكان مُؤَذّنوه على مستوى هذه النيابة. . إنه مؤذّن يقرأ ويكتب، ويفهم ويضبط الأوقات، ويساعد جماعة المسجد لإقامة الجماعات في المسجد. وإن مما يؤسف له اليوم، ومن سلسلة ضياع المسجد، وكثافة الضباب على مناره أن كثيراً ممن يزاولون الأذان لا يعرفونه ولا يدركون عظم مسؤولية هذه الشعيرة في الشريعة. . . .!! وقد سمعنا بعض المؤذنين لا يعرفون الأَذان، بل لا يعرف السامع لهم: هل هم يؤذّنون، أم يبكون، أم يصرخون (١) . .؟! بعد هذا، نتعرض لمجموعةٍ من الأخطاء في حكم الأذان وكيفيته وطريقته، فنقول والله المستعان: [١/٢٣] المشهور عند الناس أنّ الأذان لجماعة الرجال في الحضر مندوب،

стр. 169

و ((لا نشك مطلقاً في بطلانه، كيف وهو من أكبر الشّعائر الإسلاميّة، التي كان ﵊ إذا لم يسمعه في أرض قوم، أتاهم ليغزوهم، وأغار عليهم، فإنْ سمعه فيهم، كفَّ عنهم، كما ثبت في ((الصحيحين)) وغيرهما، وقد ثبت الأمر به في غير ما حديث صحيح، والوجوب يثبت بأقلّ من هذا، فالحقّ أن الأذان فرض على الكفاية)) (٢) وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ومذهب المالكية والحنابلة وعطاء ومجاهد والأوزاعي. قال العدوي: ((وأما في المصر فهو فرض كفاية، ويقاتلون على تركه)) (٣) . وقال ابن عبد البر: ((ولا أعلم اختلافاً في وجوب الأذان جملة على أهل المصر، لأن الأذان هو العلامة الدالة المفرّقة بين دار الإسلام ودار الكفر)) (١) . وقال ابن قدامة: ((ومن أوجب الأذان من أصحابنا، فإنما أوجبه على أهل المصر، كذلك قال القاضي، لا يجب على غير أهل المصر من المسافرين)) وعلل ذلك بقوله: ((وذلك أن الأذان إنما شرع في الأصل للإِعلام بالوقت، ليجتمع الناس إلى الصلاة، ويدركوا الجماعة، ويكفي في المصر أذان واحد، إذا كان بحيث يسمعهم)) (٢) . بقي بعد هذا: أن الأذان عند الحنفية سنّة مؤكدة، من شعائر الدّين، يأثم تاركُه، وهو مشهور مذهب الشافعية، كما في ((المجموع)) : (٣/٨٢) و ((الروضة)) : (١/١٩٥) لأن ترك السنة المؤكدة، بمنزلة ترك الواجب العملي في

стр. 170

الإِثم. فنزاعهم قريب من النّزاع اللفظي، فإن كثيراً من العلماء يطلق القول بالسنّة على ما يذم تاركه شرعاً، ويعاقب تاركه شرعاً، فالنزاع بين الحنفية والشافعية، وبين مَنْ يقول: إنه واجب، نزاع لفظي، ولهذا نظائر متعددة، كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى (٣) . وقال رحمه الله تعالى: ((وأما مَنْ زعم أنه سنة، لا إثم على تاركيه، فهذا القول خطأ)) (٤) . وقال الشوكاني: ((والحاصل: أنه ما ينبغي في مثل هذه العبادة العظيمة، أن يتردد متردد في وجوبها، فإنها أشهر من نار على علم، وأدلتها هي الشمس المنيرة)) (٥) . بعد هذا العرض الموجز، في دحض اعتقاد غير الصواب في حكم الأذان عند عوام الناس، نتعرض – وبإيجاز أيضاً – إلى جملة من أخطاء المؤذّنين، فنقول، والله المستعان، لا ربّ غيره: [٢/٢٣] أوّلاً: رفع الصّوت بالصّلاة والسلام على النبي ﷺ بعده، كما جرت به عادةُ غالب مؤذّني الزّمان، فهو بدعة مخالفة لهدي النبي ﷺ (١) .

стр. 171

بل لا دليل على إسرار المؤذّن بالصّلاة والسّلام على رسول الله ﷺ عقب الأذان. فإن قيل: هو داخل في قوله ﷺ : ((إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثلما يقول، ثم صلّوا عليّ)) . فالجواب: إن الخطاب فيه للسامعين المأمورين بإجابة المؤذّن، ولا يدخل فيه المؤذّن نفسه، وإلا لزم القول بأنه يجيب أيضاً نفسه بنفسه، وهذا لا قائل به، والقول به بدعة في الدّين. فإن قيل: فهل يمنع المؤذّن من الصّلاة عليه ﷺ سراً؟ قلت: لا يمنع مطلقاً، وإنما يمنع من أن يلتزمها عقب الأذان خشية الزّيادة فيه، وأن يلحق به ما ليس منه، ويسوى بين من نصّ عليه ﷺ وهو السامع - ومن لم ينص عليه - وهو المؤذّن - وكل ذلك لا يجوز القول به، فليتأمل (٢) .

стр. 172

[٣/٢٣] ثانياً: التلحين في الأذان، والتغنّي فيه، بما يؤدّي إلى تغيير الحروف والحركات والسكنات، والنّقص والزّيادة، محافظة على توقيع النّغمات، ورحم الله الإمام القرطبي، فإنه قال: ((وحكم المؤذّن أن يترسل في أَذانه، ولا يطّرب به، كما يفعله اليوم كثير من الجهّال، بل وقد أخرجه كثير من الطّغام والعوام عن حدّ الإطراب، فيرجعون فيه الترجيعات، ويكثرون فيه التقطيعات، حتى لا يفهم ما يقول، ولا بما به يصول)) (٣) . [٤/٢٣] ثالثاً: وجراء حبّ الطّرب وسماع أصوات المؤذّنين المشهورين بالتنغيم والتطريب، انتشرت بدعة الأذان عن طريق مسجلات الصّوت!! وقد يضعون شريط أذان الفجر سهواً، فتنادي الآلة نهاراً (الصلاة خير من النّوم) ، أو يستمر الشريط بعد الأذان ويكون فيه موسيقى أو غناء (١) !! وإن الأذان عن طريق مسجلات الصّوت فيه محاذير كثيرة، منها: ١ـ تفويت الأجر والثواب على المؤذّنين، وقصره على المؤذّن الأصلي. ٢ـ فيه مخالفة لقوله ﷺ : ((إذا حضرت الصلاة، فليؤذّن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم)) (٢) . ٣- إنّ فيه مخالفة للمتوارث بين المسلمين من تاريخ تشريعه في السنّة الأولى من الهجرة وإلى الآن، بنقل العمل المستمر بالأذان لكل صلاة من الصّلوات الخمس، في كل مسجد، وإن تعددت المساجد في البلد الواحد.

стр. 173

٤- إن النية من شروط الأذان، ولهذا لا يصح من المجنون، ولا من السكران، ونحوهما، لعدم وجود النية في أدائه، فكذلك في التسجيل المذكور. ٥- إن الأذان عبادة بدنيّة.قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: ((وليس للرجل أن يبني على أذان غيره، لأنه عبادة بدنيّة، فلا يصح من شخصين كالصلاة)) (٣) . ٦- إنه يرتبط بمشروعية الأذان لكل صلاة، في كلّ مسجد، سنن وآداب، ففي الأذان عن طريق التسجيل، تفويت لها، وإماتة لنشرها، مع فوات شروط النية فيه. ٧- إنه يفتح على المسلمين، باب التلاعب بالذّين، ودخول البدع على المسلمين، في عباداتهم وشعائرهم، لما يفضي إليه من ترك الأذان بالكليّة، والاكتفاء بالتّسجيل. وبناء على ما تقدم فإن مجلس المجمع الفقهي الإِسلامي برابطة العالم الإسلامي، المنعقد بدورته التاسعة، في مكة المكرمة، من يوم السبت ١٢/٧/١٤٠٦هـ قرر ما يلي: إن الاكتفاء بإذاعة الأذان في المساجد، عند دخول وقت الصلاة، بواسطة آلة التسجيل ونحوها، لا يجرىء ولا يجوز في أداء هذه العبادة، ولا يحصل به الأذان المشروع، وأنه يجب على المسلمين، مباشرة الأذان لكل وقتٍ من أوقات الصلوات، في كلّ مسجدٍ، على ما توارثه المسلمون من عهد نبيّنا ورسولنا محمد ﷺ إلى الآن، والله الموفق. وقد صدرت مجموعة من الفتاوى من فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله تعالى ـ برقم (٣٥) في ٣/١/١٣٨٧هـ ومن هيئة كبار العلماء بالمملكة في دورتها المنعقدة في شهر ربيع الآخر/ عام ١٣٩٨هـ ومن الهيئة

стр. 174

الدائمة بالرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والدعوة والإرشاد في المملكة برقم (٥٧٧٩) في ٤/٧/١٤٠٣ هـ، وتتضمن هذه الفتاوى الثلاث عدم الأخذ بذلك، وأن إذاعة الأذان عند دخول وقت الصلاة في المساجد، بواسطة آل التسجيل ونحوها لا تجزىء في أداء هذه العبادة. [٥/٢٣] رابعاً: قال في ((شرح العمدة)) من كتب الحنابلة: ((يكره قول المؤذّن قبل الأذان: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (١) وكذلك إن وصله بعد بذكرٍ، لأنه محدث)) . وفي ((الإِقناع)) وشرحه من كتبهم أيضاً: ((وما سوى التأذين قبل الفجر من التسبيح والنشيد، ورفع الصوت بالدّعاء ونحو ذلك، في المآذن، فليس بمسنونٍ، وما أحد من العلماء قال إنه يستحب، بل هو من جملة البدع المكروهة، لأنه لم يكن في عهده ﷺ ، ولا عهد أصحابة، وليس له أصل فيما كان على عهدهم يردّ إليه، فليس لأحد أن يأمر به، ولا ينكر على مَنْ تركه، ولا يعلّق استحقاق الرّزق به، لأنه إعانة على بدعة، ولا يلزم فعله، ولو شرطه واقف، لمخالفته السنّة)) (٢) . وقال ابن الجوزي: ((وقد رأينا مَنْ يقوم بالليل كثيراً على المنارة، فيعظ ويذكّر، ويقرأ سورة من القرآن، بصوتٍ مرتفعٍ، فيمنع النّاس من نومهم، ويخلط على المتهجدين قراءتهم، وكل ذلك من المنكرات)) (٣) . قلت: فما بالك إنْ استخدمت في التسابيح والتذكيرات مكبرات الصّوت؟! إنها حقّاً دعاية سيّئة مبتدعة للإسلام، وتشويه لثوبه الزاهي القشيب، وتنفير عن السكنى بالقرب من المسجد بسبب ماذا؟!

стр. 175

بسبب الزّعيق الذي فيه كثير من العبارات السخيفة المستهجنة، المخالفة لعقيدة التوحيد، كقول المذكِّر!! عن الرسول ﷺ : ((يا أوّل خلق الله)) !! و ((يا ساكن الحجرة)) !! وكأن الحجرة هي التي شرفت الرسول ﷺ (١) . [٦/٢٣] خامساً: الأذان داخل المسجد: إن الأذان في المسجد، أمام مكبّر الصّوت، لا يشرع لأُمور، منها: التشويش على مَنْ فيه مِنَ التّالين والمصلّين والمذكّرين. ومنها:عدم ظهور المؤذّن بجسمه، فإن ذلك من تمام هذا الشّعار الإِسلامي العظيم (الأذان) . لذلك نرى: أنه لا بد للمؤذن من البروز على المسجد، والتأذين أمام المكبّر، فيجمع بين المصلحتين، وهذا التحقيق يقتضي، اتخاذ مكان خاص فوق المسجد، يصعد إليه المؤذّن، ويوصل إليه مكبّر الصوت، فيؤذّن أمامه، وهو ظاهر للناس. ومن فائدة ذلك: أنه قد تنقطع القوّة الكهربائية (٢) ، ويستمر المؤذّن على أذانه وتبلغه إياه إلى الناس من فوق المسجد، بينما هذا لا يحصل، والحالة هذه، إذا كان يؤذّن في المسجد، كما هو ظاهر. ولا بد من التّذكير هنا بأنه لا بدّ للمؤذّنين من المحافظة على سنة الالتفات يمنة ويسرة عند الحيعلتين، فإنه كادوا أن يطبقوا على ترك هذه السنّة، تقيّداً منهم باستقبال لاقط الصّوت، ولذلك نقترح وضع لاقطين على اليمين واليسار قليلاً، بحيث يجمع بين تحقيق السنة المشار إليها والتبليغ الكامل. ولا يقال: إن القصد من الالتفات هو التبليغ فقط، وحينئذ فلا داعي إليه مع

стр. 176

وجود المكبّر!! لأننا نقول: إنه لا دليل على ذلك، فيمكن أن يكون في الأمر، مقاصد أخرى، قد تخفى على الناس، فالأولى المحافظة على هذه السنّة، على كلّ حال (٣) . وبهذه المناسبة ننبّه إلى أن السنة الالتفات بالرأس يمنة ويسرة، دون الصدر، ((أما تحويل الصدر، فلا أصل له في السنّة البتة، ولا ذكر له في شيء من الأحاديث الواردة في تحويل العنق)) (١) . نقل حرب عن الإمام أحمد: هل يدور في المنارة؟ فقال: يلتفت عن يمينه وشماله، وأما الدّوران، فكأنه لم يعجبه (٢) . [٧/٢٣] سادساً: التثويب في الأذان الثّاني للصبح وإيقاعه قبل وقته. ومن أخطاء المؤذّنين أنهم لا يؤذّنون للصبح إلا أذاناً واحداً، ومن يؤذّن منهم أذانين، فإنهم يقعون فيما يلي: ١- إيقاع الأذان قبل وقته.وهذا الخطأ من الأخطاء القديمة الجديدة، فقد شكى منه الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله تعالى - فقال: ((من البدع المنكرة، ما أحدث في هذا الزّمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان)) وقال أيضاً: ((وقد جرّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذّنون إلا بعد الغروب بدرجةٍ، لتمكين الوقت، زعموا!! ، فأخّروا الفطر، وعجّلوا السّحور، وخالفوا السنّة، فلذلك قلّ عنهم الخيرُ، وكَثُر فيهم الشر، والله

стр. 177

المستعان)) (٣) . ٢- التثويب في الأذان الثاني للصبح.وهذا خطأ آخر، إنما يشرع التثويب في الأذان الأوّل، الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة تقريباً، لحديث ابن عمر ﵁ قال: ((كان في الأذان الأول بعد حي على الفلاح: الصّلاة خير من النّوم، مرتين)) (٤) . وحديث أبي محْذورة مطلق، وهو يشمل الأذانين، ولكن الأذان الثاني غير مراد، لأنه جاء مقيّداً في رواية أُخرى بلفظ: ((وإذا أذّنت بالأول من الصبح، فقل: الصّلاة خير من النّوم، الصّلاة خير من النّوم)) (١) . فاتّفق حديثه مع حديث ابن عمر. ولهذا قال الصّنعاني معقّباً على اللفظ السابق: ((وفي هذا تقييد لما أطلقته الروايات. قال ابن رسلان: وصحح هذه الرواية ابنُ خزيمة. قال: فشرعية التثويب إنما هي في الأذان الأوّل للفجر، لأنه لإيقاظ النّائم. وأما الأذان الثاني، فإنه إعلام بدخول الوقت، ودعاء إلى الصلاة. اهـ. من ((تخريج الزركشي لأحاديث الرافعي)) . ومثل ذلك في ((سنن البيهقي الكبرى)) عن أبي محذورة: أنه كان يثوب في الأذان الأوّل من الصّبح بأمره ﷺ . قلت: وعلى هذا ليس ((الصلاة خير من النوم)) من ألفاظ الأذان المشروع

стр. 178

للدّعاء إلى الصلاة، والإخبار بدخول وقتها، بل هو من الألفاظ التي شرعت لإيقاظ النائم، فهو كألفاظ التسبيح الأخير، الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخّرة، عوضاً عن الأذان الأوّل (٢) . وهذا ما أيّده العلّامة الطحاوي، وقال فيه: ((وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى)) (٣) . ومما سبق: يتبيّن أن جعل التثويب في الأذان الثاني بدعة، مخالفة للسنة، وتزداد المخالفة حين يعرضون عن الأذان الأول بالكليّة، ويصرّون على التثويب في الثّاني، فما أحراهم بقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْر﴾ (٤) ... وبقوله سبحانه: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ (٥) [٨/٢٣] ومن الجدير بالذّكر في هذا المقام: أن من السنن المهجورة في زماننا: أن يكون مؤذّن الأذان الأوّل، غير مؤذّن الأذان الثاني، كما ثبتت في ذلك الأحاديث الصحيحة، فهنيئاًً لمن وفّقه الله ﵎ لإحيائها (١) . وستأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ جملةٌ من أخطاء المؤذّنين بين يدي خطيب يوم الجمعة، في ((جماع أخطاء المصلّين في صلاة الجمعة)) . وأخيراً. . . لا يفوتنا أن نشير إلى أخطاء غير المؤذنين عند سماعهم الأذان، فمن ذلك: [٩/٢٣] * مسح العينين أثناء الأذان بالإبهامين.

стр. 179

أورد أبو العباس أحمد بن أبي بكر الرداد اليماني المتصوّف في كتابه ((موجبات الرحمة وعزائم المغفرة)) بسندٍ فيه مجاهيل مع انقطاعه عن الخضر ﵇ أنه: من قال حين يسمع المؤذّن، يقول: (أشهد أن محمداً رسول الله) مرحباً بحبيبي وقرّة عيني محمد بن عبد الله ﷺ ، ثم يقبل إبهاميه، ويجعلهما على عينيه، لم يرمد أبداً. قال السخاوي بعد إيراد هذا الحديث وآخر نحوه: ((ولا يصح في المرفوع من كل هذا شيء)) (٢) . هذا مستند العوام، فيما يفعلونه، حين سماعهم المؤذّن، يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، ومنه تعلم خطأهم، وفّقنا الله ـ وجميع المسلمين ـ لما يحب ويرضى، وللعمل الصالح، ولصالح العمل، اللهم آمين. [١٠/٢٣] (عدم متابعة المؤذّن وسبقه في بعض العبارات. ومن أخطاء المصلّين عند سماعهم الأذان، قولهم: (لا إله إلا الله) قبل أن يتلفظ بها المؤذّن، فتسمعهم حين يقول المؤذن في آخر الأذان (الله أكبر، الله أكبر) يقولون (لا إله إلا الله) وبهذا يفوتهم القول مثل ما يقول المؤذن، فضلاً عن مسابقته. [١١/٢٣] ومن تمام السنّة أن يقول السامع للأذان، عند قول المؤذّن: ((حي على الصلاة)) و ((حي على الفلاح)) مثل ذلك، ومن ثم يقول: ((لا حول ولا قوة إلا

стр. 180

بالله)) عملاً بالأحاديث جميعها، وإعمال الأدلة كلها، خير من إهمالها، أو إهمال بعضها، وفي هذا، دعوة الإنسان نفسه بالإجابة بمثل ما يقول المؤذّن، ويتبرّأ من حوله وقوته (١) . وينبغي تدارك إجابة المؤذّن، إنْ كان المستمع في شغل، ولم يطل الفصل، ويبطل التدارك بطول الفصل (٢) . ومن أخطائهم أيضاً: [١٢/٢٣] زيادة بعض الألفاظ التي لم تثبت عن رسول الله ﷺ ، عند انتهاء الأذان، من مثل: ((والدرجة الرفيعة)) و ((يا أرحم الراحمين)) . قال فيها ابن حجر: ((وليس في شيء من طرقه ذكر ((الدّرجة الرّفيعة)) وزاد الرافعي في ((المحرر)) في آخره: ((يا أرحم الراحمين)) وليست أيضاً في شيء من طرقه)) (٣) . ومن مثل: ((إنك لا تخلف الميعاد)) . وهي عند البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤) إلا أنها شاذة، لأنها لم ترد في جميع طرق الحديث عن علي بن عياش، اللهم إلا في رواية الكشمهيني لصحيح البخاري، خلافاً لغيره، فهي شاذة لمخالفتها لروايات الآخرين للصحيح، وكأنه لذلك لم يلتفت إليها الحافظ، فلم يذكرها في ((الفتح)) (٥) على طريقته في جمع الزّيادات من طرق الحديث (٦) .
следующие страницы →