← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 8855

القول المبين في أخطاء المصلين

مشهور آل سلمان

Полный текст (452 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وجود المكبّر!! لأننا نقول: إنه لا دليل على ذلك، فيمكن أن يكون في الأمر، مقاصد أخرى، قد تخفى على الناس، فالأولى المحافظة على هذه السنّة، على كلّ حال (٣) . وبهذه المناسبة ننبّه إلى أن السنة الالتفات بالرأس يمنة ويسرة، دون الصدر، ((أما تحويل الصدر، فلا أصل له في السنّة البتة، ولا ذكر له في شيء من الأحاديث الواردة في تحويل العنق)) (١) . نقل حرب عن الإمام أحمد: هل يدور في المنارة؟ فقال: يلتفت عن يمينه وشماله، وأما الدّوران، فكأنه لم يعجبه (٢) . [٧/٢٣] سادساً: التثويب في الأذان الثّاني للصبح وإيقاعه قبل وقته. ومن أخطاء المؤذّنين أنهم لا يؤذّنون للصبح إلا أذاناً واحداً، ومن يؤذّن منهم أذانين، فإنهم يقعون فيما يلي: ١- إيقاع الأذان قبل وقته.وهذا الخطأ من الأخطاء القديمة الجديدة، فقد شكى منه الحافظ ابن حجر العسقلاني - رحمه الله تعالى - فقال: ((من البدع المنكرة، ما أحدث في هذا الزّمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان)) وقال أيضاً: ((وقد جرّهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذّنون إلا بعد الغروب بدرجةٍ، لتمكين الوقت، زعموا!! ، فأخّروا الفطر، وعجّلوا السّحور، وخالفوا السنّة، فلذلك قلّ عنهم الخيرُ، وكَثُر فيهم الشر، والله

стр. 177

المستعان)) (٣) . ٢- التثويب في الأذان الثاني للصبح.وهذا خطأ آخر، إنما يشرع التثويب في الأذان الأوّل، الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة تقريباً، لحديث ابن عمر ﵁ قال: ((كان في الأذان الأول بعد حي على الفلاح: الصّلاة خير من النّوم، مرتين)) (٤) . وحديث أبي محْذورة مطلق، وهو يشمل الأذانين، ولكن الأذان الثاني غير مراد، لأنه جاء مقيّداً في رواية أُخرى بلفظ: ((وإذا أذّنت بالأول من الصبح، فقل: الصّلاة خير من النّوم، الصّلاة خير من النّوم)) (١) . فاتّفق حديثه مع حديث ابن عمر. ولهذا قال الصّنعاني معقّباً على اللفظ السابق: ((وفي هذا تقييد لما أطلقته الروايات. قال ابن رسلان: وصحح هذه الرواية ابنُ خزيمة. قال: فشرعية التثويب إنما هي في الأذان الأوّل للفجر، لأنه لإيقاظ النّائم. وأما الأذان الثاني، فإنه إعلام بدخول الوقت، ودعاء إلى الصلاة. اهـ. من ((تخريج الزركشي لأحاديث الرافعي)) . ومثل ذلك في ((سنن البيهقي الكبرى)) عن أبي محذورة: أنه كان يثوب في الأذان الأوّل من الصّبح بأمره ﷺ . قلت: وعلى هذا ليس ((الصلاة خير من النوم)) من ألفاظ الأذان المشروع

стр. 178

للدّعاء إلى الصلاة، والإخبار بدخول وقتها، بل هو من الألفاظ التي شرعت لإيقاظ النائم، فهو كألفاظ التسبيح الأخير، الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخّرة، عوضاً عن الأذان الأوّل (٢) . وهذا ما أيّده العلّامة الطحاوي، وقال فيه: ((وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى)) (٣) . ومما سبق: يتبيّن أن جعل التثويب في الأذان الثاني بدعة، مخالفة للسنة، وتزداد المخالفة حين يعرضون عن الأذان الأول بالكليّة، ويصرّون على التثويب في الثّاني، فما أحراهم بقوله تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْر﴾ (٤) ... وبقوله سبحانه: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ (٥) [٨/٢٣] ومن الجدير بالذّكر في هذا المقام: أن من السنن المهجورة في زماننا: أن يكون مؤذّن الأذان الأوّل، غير مؤذّن الأذان الثاني، كما ثبتت في ذلك الأحاديث الصحيحة، فهنيئاًً لمن وفّقه الله ﵎ لإحيائها (١) . وستأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ جملةٌ من أخطاء المؤذّنين بين يدي خطيب يوم الجمعة، في ((جماع أخطاء المصلّين في صلاة الجمعة)) . وأخيراً. . . لا يفوتنا أن نشير إلى أخطاء غير المؤذنين عند سماعهم الأذان، فمن ذلك: [٩/٢٣] * مسح العينين أثناء الأذان بالإبهامين.

стр. 179

أورد أبو العباس أحمد بن أبي بكر الرداد اليماني المتصوّف في كتابه ((موجبات الرحمة وعزائم المغفرة)) بسندٍ فيه مجاهيل مع انقطاعه عن الخضر ﵇ أنه: من قال حين يسمع المؤذّن، يقول: (أشهد أن محمداً رسول الله) مرحباً بحبيبي وقرّة عيني محمد بن عبد الله ﷺ ، ثم يقبل إبهاميه، ويجعلهما على عينيه، لم يرمد أبداً. قال السخاوي بعد إيراد هذا الحديث وآخر نحوه: ((ولا يصح في المرفوع من كل هذا شيء)) (٢) . هذا مستند العوام، فيما يفعلونه، حين سماعهم المؤذّن، يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، ومنه تعلم خطأهم، وفّقنا الله ـ وجميع المسلمين ـ لما يحب ويرضى، وللعمل الصالح، ولصالح العمل، اللهم آمين. [١٠/٢٣] (عدم متابعة المؤذّن وسبقه في بعض العبارات. ومن أخطاء المصلّين عند سماعهم الأذان، قولهم: (لا إله إلا الله) قبل أن يتلفظ بها المؤذّن، فتسمعهم حين يقول المؤذن في آخر الأذان (الله أكبر، الله أكبر) يقولون (لا إله إلا الله) وبهذا يفوتهم القول مثل ما يقول المؤذن، فضلاً عن مسابقته. [١١/٢٣] ومن تمام السنّة أن يقول السامع للأذان، عند قول المؤذّن: ((حي على الصلاة)) و ((حي على الفلاح)) مثل ذلك، ومن ثم يقول: ((لا حول ولا قوة إلا

стр. 180

بالله)) عملاً بالأحاديث جميعها، وإعمال الأدلة كلها، خير من إهمالها، أو إهمال بعضها، وفي هذا، دعوة الإنسان نفسه بالإجابة بمثل ما يقول المؤذّن، ويتبرّأ من حوله وقوته (١) . وينبغي تدارك إجابة المؤذّن، إنْ كان المستمع في شغل، ولم يطل الفصل، ويبطل التدارك بطول الفصل (٢) . ومن أخطائهم أيضاً: [١٢/٢٣] زيادة بعض الألفاظ التي لم تثبت عن رسول الله ﷺ ، عند انتهاء الأذان، من مثل: ((والدرجة الرفيعة)) و ((يا أرحم الراحمين)) . قال فيها ابن حجر: ((وليس في شيء من طرقه ذكر ((الدّرجة الرّفيعة)) وزاد الرافعي في ((المحرر)) في آخره: ((يا أرحم الراحمين)) وليست أيضاً في شيء من طرقه)) (٣) . ومن مثل: ((إنك لا تخلف الميعاد)) . وهي عند البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤) إلا أنها شاذة، لأنها لم ترد في جميع طرق الحديث عن علي بن عياش، اللهم إلا في رواية الكشمهيني لصحيح البخاري، خلافاً لغيره، فهي شاذة لمخالفتها لروايات الآخرين للصحيح، وكأنه لذلك لم يلتفت إليها الحافظ، فلم يذكرها في ((الفتح)) (٥) على طريقته في جمع الزّيادات من طرق الحديث (٦) .

стр. 181

ومن مثل قولهم عند أذان الغرب: ((اللهم هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك ... )) . وهذا حديث ضعيف، أخرجه الترمذي وغيره من طريق أبي كثير مولى أم سلمة عنها، وقال الترمذي: ((حديث غريب، وأبو كثير لا نعرفه)) . ولذلك قال النووي: ((رواه أبو داود والترمذي، وفي إسناده مجهول)) . فمثل هذا الحديث، لا يجوز نشره بين الأمة، إلا مع بيان حاله من الضّعف (٧) . ومن مثل قولهم عند سماع ((الصلاة خير من النوم)) في أذان الصبح: ((صدقت وبررت)) . قال الحافظ ابن حجر في هذه اللفظة: ((لا أصل لها)) (١) . وكذا قولهم عند سماع الأذان: ((مرحباً بذكر الله)) أو ((مرحباً بالقائلين عدلاً، ومرحباً بالصلاة أهلاً)) فالحديث الوارد فيها لا أصل له (٢) . [٢٤] * الإسراع في المشي إلى المسجد وتشبيك الأصابع فيه: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا سمعتم الإقامة، فامشوا إلى الصّلاة، وعليكم بالسّكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتموا (٣) .

стр. 182

وقوله: ((إذا سمعتم الإقامة)) أخص من قوله في حديث آخر: ((إذا أتيتم الصلاة)) (٤) . لكن الظاهر أنه من مفهوم الموافقة، لأن المسرع إذا أقيمت الصلاة، يترجى إدراك فضيلة التكبيرة الأولى ونحو ذلك، ومع ذلك، فقد نهي عن الإسراع، فغيره ممن جاء قبل الإقامة لا يحتاج إلى الإسراع، لأنه يتحقق إدراك الصّلاة كلها، فينهى عن الإسراع من باب الأولى. وقد لحظ فيه بعضهم معنى غير هذا، فقال: الحكمة في التقييد بالإقامة: أن المسرع إذا أقيمت الصّلاة، يصل إليها، وقد ابنهر، فيقرأ، وهو في تلك الحالة، فلا يحصل له تمام الخشوع في الترتيل وغيره، بخلاف مَنْ جاء قبل ذلك، فإن الصلاة قد لا تقام فيه، حتى يستريح. وقضية هذا: أنه لا يكره الإسراع لمن جاء قبل الإقامة، وهو مخالف لصريح قوله ﷺ : ((إذا أتيتم الصّلاة)) لأنه يتناول ما قبل الإقامة، وإنما قيد في الحديث بالإقامة، لأن ذلك هو الحامل في الغالب على الإسراع (٥) . والإسراع في المسير أو السعي الشديد، لإدراك الصّلاة في المسجد، أو لإدراك الركوع، يفوت السكينة واحترام الصلاة، ويشوش على المصلّين. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا توضّأ أحدُكُم للصَّلاة، فلا يُشَبِّك بين أصابعه (١) . فالنهي مقيّد إذا كان ماشياً للصلاة قاصداً لها، كما وقع التصريح به في حديث كعب بن عجرة: ((إذا توضأت فأحسنت وضوءك ثم خرجت غامداً إلى المسجد، فلا تتُشَبِّكَنّ بين أصابعك ـ أُراه قال ـ في صلاة)) . وفي رواية: ((إذا كنت في المسجد فلا تُشَبِّكَنَّ بين أصابعك، فأنت في صلاة ما انتظرت

стр. 183

الصلاة)) (٢) . وفي هذه الرواية: إن منتظر الصلاة في حكم المصلي، وإن النهي عن التشبيك يشملهما (٣) . [٢٥] * الخروج من المسجد عند الأذان: عن أبي هريرة: أنه رأى رجلاً خرج من المسجد بعد أن أذّن المؤذّن، فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ (٤) . ويشبه أن يكون الزّجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذّن المؤذّن، من معنى قوله ﷺ : ((إذا بُودِيَ للصّلاة، أدبر الشيطان وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين)) (٥) لئلا يكون متسبهاً بالشّيطان، الذي يفرّ عند سماع الأذان (٦) . وعن سعيد بن المسيّب قال: يُقال: لا يخرج أحد من المسجد، بعد النّداء، إلاّ أحدٌ يريد الرّجوع إليه،

стр. 184

أو منافق (١) . وهذا لا يقال من جهة الرأي، ولا يكون إلا توقيفاً، وقد صح عن أبي هريرة رفعه إلى النبي ﷺ : ((لا يسمع النّداء في المسجد، ثم يخرج منه إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق)) (٢) . قال النّووي معقباً على كلام أبي هريرة السابق: ((أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ : ((فيه كراهة الخروج من المسجد بعد الأذان، حتى يصلّي المكتوبة إلا لعذر، والله أعلم)) (٣) . وكلام أبي هريرة وحديثه مخصوص بمن ليس له ضرورة، أما مَنْ كان جنباً أو محدثاً أو راعفاً أو حاقناً أو نحوهم، وكذا مَنْ يكون إماماً لمسجد آخر، ومَنْ في معناه، فله أن يخرج من المسجد حينئذ، ودليل ذلك: عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ خرج، وقد أُقيمت الصّلاة، وَعُدِّلَتِ الصفوف، حتى إذا قام في مصلاّه، انتظرْنا أن يُكبِّرَ، انصرف، قال: على مكانكم، فمكثْنا على هيئتنا، حتى خرج إلينا، يَنطِفُ رأْسُه ماءٌ، وقد اغتسل (٤) . [٢٦] * دخول الرّجلين المسجد، وتقام الصّلاة، ويحرم الإمام، وهما في مؤخره يتحدّثان: ومن الأخطاء: [١/٢٦] دخول الرجلين المسجد، وهما في مؤخره، وتقام الصّلاة، وهما

стр. 185

في مؤخر المسجد، مقبلان إلى الإمام، فيحرم الإمام، وهما ينحدّثان، وهذا من المكروه البيّن، لأنه لهو، عما يقصدانه من الصّلاة، وإعراض عنه، وقال الإمام مالك في حقّ مَنْ يفعل هذا: ((أرى أن يتركا الكلام، إذا أحرم الإمام)) (٥) . وبهذه المناسبة، نقول: إن الإسلام لم يمنع الكلام المباح، ما لم يكن فيه تشويش على المتعبدين، في المسجد، ولكن على أن لا يكون فيه إعراض عن الصلاة، أو تشاغل عنها، كما في المسئلة السابقة، وما يروى من الأحاديث في المنع من الكلام، من مثل: ((الكلام المباح في المسجد، يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)) فلا أصل له (١) . وثبت عن الصحابة ﵃ أنهم كانوا يتكلون على مسمعٍ من رسول الله ﷺ في أمور الجاهلية، فيضحكون، ويبتسم ﷺ ، وفي هذا مشروعية التحدث بالحديث المباح في المسجد، وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات، وإن حصل ما فيه ضحك وغيره ونحوه، ما دام مباحاً (٢) . عن سماك بن حرب قال: قلتُ لجابر بن سمرة: أكنتَ تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، كثيراً، كان لا يقوم من مُصلاّه، الذي يصلّي فيه الصبح أو الغداة، حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمسُ، قام، وكانوا يتحدّثون، فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون، ويبتسّم (٣) .

стр. 186

هذا مع ملاحظة أن الأصل في الجلوس في المسجد أن يكون للصلاة والتلاوة والذّكر والتفكر، أو تدريس العلم، يشرط عدم رفع الصوت، وعدم التشويش على المصلّين والذّاكرين. عن ابن عمر ﵄ مرفوعا ً: لا تتخذوا المساجد طرقاً، إلا لذكرٍ أو صلاة (٤) . وعن أبي سعيد الخدري مرفوعاً: ألا إن كلكم مناج ربّه، فلا يؤذين بعضكم بعصاً، ولا يرفعنّ بعضكم على بعض بالقراءة، أو قال: في الصّلاة (٥) . وعن ابن مسعود ﵁ رفعه إلى النبي ﷺ : سيكون في آخر الزّمان، قوم يجلسون في المساجد، حلقاً حلقاً، إمامهم الدنيا، فلا تجالسوهم، فإنه ليس لله فيهم حاجة (٦) . ففي هذا الحديث: [٢/٢٦] النهي عما يفعله بعضُ النّاس من الحلق، والجلوس جماعة في المسجد، للحديث في أمر الدنيا، وما جرى لفلان، وما جرى على فلان (١) . فينبغي أن ينزه المسجد عن أن يصبح مقهى أو ما يشبه المقهى، فيتعاطى فيه

стр. 187

الناس، شرب الدّخان (٢) ، وتسميم جو المسجد، بالروائح الكريهة، وتلويث هوائه بالغازات الضّارة، كما ينزه أن يصبح متحفاً فنياً أو أثرياً، يدخله الأجانب للترويح عن النفس، ومعهم النساء الكاسيات العاريات!! أو يصبح تكيه للدراويش (٣) والصوفية، يضربون فيه بدفوفهم (٤) ، وينشدون أشعارهم الغزليّة، ويقومون بالرقص، ويشوشون على المصلّين!! أو يصبح مكاناً للاستجداء، وقد أصبحت المساجد ـ وإلى الله المشتكى ـ مراكز تجمع للسائلين (٥) !! [٢٧] * ترك تحية المسجد والسترة لها وللسنّة القبليّة: ومن أخطاء بعض الناس بعد دخول المسجد: [١/٢٧] أولاً: أنك تراه واقفاً في منتصف المسجد، أو في آخره، وبينه وبين جدار القبلة، الأمتار العديدة، فيصلّي دون أن يكلّف نفسه اتخاذ سترة، أو التقرب من جدار القبلة (٦) . على الرغم مِنْ أنه أحق بالسّارية التي في المسجد، ليتخّذها سترة، من الجالس المتكي المتحدّث إليها.

стр. 188

قال عمر ﵁: ((المصلّون أحقّ بالسّواري مِنَ المتحدّثين إليها)) (١) . [٢/٢٧] ثانياً: الجلوس دون صلاة الرّكعتين. عن أبي قتادة السّلمي أن رسول الله ﷺ قال: إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين، قبل أن يجلس (٢) . وفي رواية: أن أبا قتادة دخل المسجد، فوجد النبي ﷺ جالساً بين أصحابه، فجلس معهم، فقال ما منعك أن تركع؟ قال رأيتُك جالساً والناس جلوس. قال: فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يركع ركعتين (٣) . وفي هذا الحديث فائدتان: الأولى: مشروعية تحية المسجد لكل داخل. الثانية: فيه رد على من قال: إذا خالف وجلس، لا يشرع له التدارك. ويؤيّده: أن أبا ذر ﵁ دخل المسجد، فقال له النبي ﷺ : أركعت ركعتين؟ قال: لا. قال: قم فاركعهما (٤) .

стр. 189

ترجم عليه ابن حبان: أن تحية المسجد، لا تفوت بالجلوس. ومثله قصة سليك، كما سنأتي في ((جماع أخطاء المصلّين في صلاة الجمعة)) . وفيها: الحث على صلاة التحية، حتى ولو كان يخطب على المنبر. وإنْ كان المصلّي قد باشر صلاة تحية المسجد، وأقيمت الصلاة، قطع صلاته، ليلحق بالجماعة، كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - تفصيلُه. [٣/٢٧] وإنْ ضاق الوقت عن أداء تحية المسجد، ولا يوجد متسع إلا للسنة القبليّة أو الفريضة، فهل للمصلّي أن يحرم بصلاة ينوي بها الأمرين معاً ـ أعني: التحية والسنة أو التحية والفريضة ـ؟ قال النووي رحمه الله تعالى: ((واتّفق أصحابنا على التّصريح بحصول الفرض والتحيّة، وصرّحوا بأنه لا خلاف في حصولهما جميعاً، ولم أر في ذلك خلافاً، بعد البحث الشديد سنين)) (١) . [٢٨] * قراءة سورة الإخلاص قبل إقامة الصّلاة: قال الشيخ القاسمي رحمه الله تعالى: [١/٢٨] ((قراءة سورة الإخلاص ثلاثاً قبل إقامة الصّلاة، إعلاناً بإنه ستقام الصّلاة، بدعة، لا أصل لها، ولا حاجة لها)) (٢) . ومن ذلك: تلاوة شيءٍ من القرآن، قبل الإقامة، من قِبل أحد القراء، وفيه تشويش على المصلّين، مع أن النبي ﷺ نهى عن الجهر بالقرآن، فقال:

стр. 190

لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن (٣) . وقال القاسمي: ((وقرأت في ((حواشي متن الشيخ خليل)) : أن مَنْ رفع صوته بالقراءة في المسجد، يقام، ويخرج منه، إذا داوم على ذلك، وإلا فيؤمر بالسكوت، أو القراءة سراً)) . [٢/٢٨] ويلحق بهذه البدغة: قولهم بعدها ((إلى أشرف المرسلين الفاتحة)) أو ((إلى أرواح المسلمين)) أو ((إلى من نحن بحضرته)) إذا كان في المسجد قبر أو مزار!! والعياذ بالله تعالى (٤) . [٢٩] * صلاة النّافلة إذا أُقيمت الصّلاة: عن مالك بن بُحينة: أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً، وقد أُقيمت الصّلاة، يصّلي ركعتين، فلما انصرف رسولُ الله ﷺ لاثَ به النّاسُ، وقال له رسولُ الله ﷺ : آلصُّبح أربعاً، آلصُّبح أربعاً (٥) . وفي هذا الحديث: إن الدخول مع الإمام في الصّلاة عند سماع الإقامة، أولى من ركعتي الفجر، وقد أظهر رسول الله ﷺ الكراهية لمن فعل ذلك، ولم ينكر على مَنْ قضاها بعد الفريضة، كما ثبتت بذلك الأحاديث الصحيحة (٦) . عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال

стр. 191

إذا أُقيمت الصّلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة (٧) . وفي هذا الحديث: النهي الصريح عن افتتاح نافلة بعد إقامة الصّلاة، سواء كانت راتبة، كسنّة الصبح والظهر والعصر أم غيرها، وهذا مذهب الشافعي والجمهور (١) . قال ابن عبد البر وغيره: الحجّة عند التّنازع السنّة، فمن أدلى بها فقد أفلح، وترك التنفل عند إقامة الصّلاة، وتداركها بعد قضاء الفرض، أقرب إلى اتّباع السنّة، ويتأيّد ذلك من حيث المعنى، بأن قوله في الإقامة ((حي على الصّلاة)) معناه: هلموا إلى الصّلاة، أي التي يقام لها، فأسعد النّاس بامتثال هذا الأمر، مَنْ لم يتشاغل عنه بغيره (٢) . قال القاضي: والحكمة في النّهي عن صلاة النّافلة بعد الإقامة، أن لا يتطاول عليها الزمان، فيظن وجوبها. وتعقّبه النووي، فقال: وهذا ضعيف، بل الصحيح: أن الحكمة فيه، أن يتفرّغ للفريضة من أوّلها، فيشرع فيها، عقب شروع الإمام، وإذا اشتغل بنافلةٍ، فاته الإحرام مع الإمام، وفاته بعض مكملات الفريضة، فالفريضة أولى بالمحافظة على إكمالها. قال القاضي: وفيه حكمة أخرى: وهو النهي عن الاختلاف على الأئمة (٣) . مما سبق، يتبيّن لنا:

стр. 192

خطأ بعض المصلّين، يأتون فيجدون الإمام في الركعة الأولى أو الثانية، فلا ينضمون مباشرة إلى الجماعة، بل يتنحون ناحية، ليصلّوا السنّة. وأحياناً يدركون الإمام، وهو في القعود الأخير. وهذا من قلة فقههم، وقد تكون الصّلاة جهريّةً، والإمام يقرأ القرآن، وهم عن الاستماع والإنصات غافلون، يركعون ويسجدون بسرعة، ليدركوا جزءاً مِن الصّلاة مع الإمام، وهم يحسبون أنهم قد أصابوا هدفين برميةٍ واحدة، وهم في الحقيقة، لم يفقهوا من صلاتهم التي تطوعوا فيها شبئاً، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه (٤) . [٣٠] * التنفل بعد صلاة الفجر، بصلاةٍ لا سبب لها، سوى ركعتي الصّبح: عن حفصة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر، لا يصلّي إلا ركعتين خفيفتين (٥) . قال النووي: قد يستدلّ به مَنْ يقول: تكره الصّلاة من طلوع الفجر، إلا سنّة الصبح، وما له سبب. ولأصحابنا في المسئلة ثلاثة أوجه: أحدها هذا، ونقله القاضي عياض عن مالك والجمهور (١) . وقال القسطلاني: وذهب المالكيّة والحنفية، إلى ثبوت الكراهة من طلوع الفجر، سوى ركعتي الفجر، وهو مشهور مذهب أحمد، ووجه عند الشافعية. قال ابن الصلاح: إنه ظاهر المذهب، وقطع به المتولّي في ((التتمة)) . قلت:

стр. 193

والكراهية ثابتة في غير حديث، عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة ﵃ مع أن النبي ﷺ ، لم يزد على الركعتين، مع حرصه على الصّلاة، كما في الحديث السابق. عن يسار مولى ابن عمر قال: رآني ابن عمر، وأنا أُصلّي بعد طلوع الفجر، فقال: يا يسار! إن رسول الله ﷺ خرج علينا، ونحن نصلّي هذه الصّلاة، فقال: ليبلغ شاهدكم غائبكم، لا تصلّوا بعد الفجر إلا سجدتين (٢) . قال الترمذي عقبه: ((وهو ما اجتمع عليه أهل العلم: كرهوا أن يصلّي الرجل بعد طلوع الفجر، إلا ركعتي الفجر)) (٣) . وروى البيهقي وغيره بسندٍ صحيح عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلاً يصلّي بعد طلوع الفجر، أكثر من ركعتين، يكثر فيهما الركوع والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد! يعذّبني الله على الصّلاة؟! قال: لا، ولكن يعذّبك على خلاف السنّة (٤) . وهذا من بدائع أجوبة سعيد بن المسيب ـ رحمه الله تعالى ـ، وهو سلاح قوي

стр. 194

على المبتدعة، الذين يستحسنون كثيراً من البدع، باسم أنها ذكر وصلاة، ثم ينكرون على أهل السنة، إنكار ذلك عليهم، ويتهمونهم بأنهم ينكرون الذّكر والصّلاة!! وهم في الحقيقة إنما ينكرون خلافهم للسنّة في الذّكر والصّلاة ونحو ذلك (١) . [٣١] * أكل الثوم والبصل وما يؤذي المصلّين قبل الحضور للجماعة: عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال في غزوة خيبر: مَنْ أكل مِنْ هذه الشجرة - يعني الثّوم - فلا يقربنْ مسجدنا (٢) . وعن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: من أكل ثوماً أو بصلاً، فَلْيعْتزلنا - أو قال: فَلْيَعْتَزِلْ مسجدَنا - ولْيَقْعُدْ في بيته (٣) . وفي رواية: مَنْ أكل مِنْ هذه الشجرة المُنتنة، فلا يقربنّ مسجدنا، فإن الملائكة تأذّى، مما يتأذّى منه الإنس (٤) . وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من أكل من هذه الشجرة، فلا يقربَنّ مسجدنا، ولا يؤذينا بريح الثُّوم (٥) . في هذه الأحاديث:

стр. 195

[١/٣١] كراهية أكل الثوم والبصل، عند حضور المسجد، ذلك لأن الإسلام دين يراعي شعور الآخرين، ويحث على الذّوق السليم، والخلق الحسن. ويلحق بالثّوم والبصل والكرّاث، كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها. قال القاضي: ويلحق به مَنْ أكل فجلاً، وكان يتجشى (٦) . وقال أيضاً: وقاس العلماء على هذا، مجامع الصّلاة غير المسجد، كمصلّى العيد، والجنائز، ونحوها، من مجامع العبادات، وكذا مجامع العلم والذّكر والولائم ونحوها، ولا يلتحق بها الأسواق ونحوها (٤) . قلت: وحكم رحبة المسجد، وما قرب منها حكمه، ولذلك قال عمر في خطبة يوم الجمعة: ((ثم إنكم، أيها النّاس! تأكلون شجرتين، لا أراهما إلا خبيثين: هذا البصل والثّوم، لقد رأيتُ رسول الله ﷺ ، إذا وجد ريحهما من الرّجل في المسجد، أمر به، فأُخرج إلى البقيع، فمن أكلهما، فَليُمِتْهما طبخاً)) (٥) .

стр. 196

ولذلك قال بعض الفقهاء: كلّ مَنْ وجد فيه رائحة كريهة، يتأذّى بها الإنسان، يلزم إخراجه من المسجد، ولو يجره من يده ورجله، دون لحيته وشعر رأسه، كذا في ((مجالس الأبرار)) (١) . [٢/٣١] وما دامت علّة المنع من صلاة الجماعة: الرائحة الكريهة، كما جاء في بعض الأحاديث، وتأذي الملائكة، ويؤذيها ما يؤذي بني آدم، كما في الأحاديث الأخرى، فإن الدّخان يلحق بالبصل والثوم، بل هو أشدّ منه. قال الشيخ ابن باز معلقاً على الأحاديث السّابقة: ((هذا الحديث، وما في معناه من الأحاديث الصحيحة، يدل على أن كراهة حضور المسلم لصلاة الجماعة، ما دامت الرائحة توجد منه ظاهرة، تؤذي من حوله، سواء كان ذلك من أكل الثوم أو البصل أو الكراث أو غيرهما من الأشياء المكروهة الرائحة، كالدخان، حتى تذهب الرائحة ... مع العلم بأن الدخان مع قبح رائحته هو محرم، لأضراره الكثيرة، وخبثه المعروف، وهو داخل في قوله سبحانه عن نبيّه ﷺ في سورة الأعراف: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ (٤) ويدل على ذلك أيضاً قوله سبحانه في سورة المائدة: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَات﴾ (١) .

стр. 197

ومعلوم أن الدخان ليس من الطيّبات، فعلم بذلك أنه من المحرمات على الأمة)) (٢) . وقال الشيخ عبد الله الجبرين في ((تنبيهات على بعض الأخطاء التي يفعلها بعض المصلين في صلاتهم)) (٣) . ((استعمال ما يسبب الروائح المنتنة المستكرهة في مشام النّاس، كالدّخان والنارجيلة (الشيشة) ، مما هو أقبح من الكراث والثّوم والبصل، الذي تتأذى منه الملائكة والمصلّون، فعلى المصلّي أن يأتي وهو طيب الرائحة، بعيداً من تلك الخبائث)) انتهى. قلت: والأقبح من جميع ما ذكر رائحة الجوارب التي تنبعث من بعض المصلين، فهي أسوأ رائحة من رائحة الثوم والبصل. وإن من قلّة الذوقّ، ومن مخالفة قوله ﷺ : ((فإن الله أحقّ أن يتزين له)) ، أن يأتي المصلّي، وثيابه متّسخة، فلا ينظفها، قبل أن يدخل المسجد، ثم يزاحم الآخرين بهذه الثياب القذرة، التي ربما تنبعث منها الرائحة الكريهة. وقد حثّ النبي ﷺ ـ كما سيأتي ـ على التطيّب، لا سيما يوم الجمعة، وعلى الاغتسال، وذلك ليكون المسلم نظيف الجسم، نظيف الثّوب والظّاهر، كما هو نظيف القلب والباطن.

стр. 198

ومما يلحق بهذا: [٣/٣١] أن يحدث المصلّي في المسجد. أي: أن يخرج الريح الكريهة، وفي ذلك إيذاء للآخرين، وإفساد لجو المسجد، وقد أخبرنا ﷺ أنّ الملائكة تصلّي على الشخص الذي يأتي المسجد للصلاة، فتقول: اللهم صلّ عليه، اللهم ارحمه، ما لم يحدث فيه. قيل: وما يحدث؟ قال: يفسو أو يضرط (١) . قال النووي: ((لا يحرم إخراج الربح من الدّبر في المسجد، لكن الأولى اجتنابه، لقوله ﷺ : ((فإن الملائكة تتأذّى مما يتأذّى منه بنو آدم)) (٢) . [٤/٣١] ومن أوهام العوام وخرافاتهم: اعتقادهم إذا خرج من الإنسان ريح في المسجد، أن الملك يتلقاه بفمه، ويخرج به إلى خارج المسجد، فإذا تفوّه به مات الملك، وخطؤه واضح، فإن مثل ذلك لا يعلم إلا من قبل صاحب الوحي ﷺ . ولم يرد عنه في ذلك أصل يعتمد عليه، ولأنه خلاف المشاهد، فإنا نجد الريح ينتشر في داخل المسجد، ويستمر في الهواء، كانتشاره واستمراره خارج المسجد (٣) ، والفقه في ذلك ما قدمنا من كراهته لتأذي الملائكة به.

стр. 199

أخطاؤهم من إقامة الصّلاة حتى تكبيرة الإِحرام * أخطاء مقيمي الصّلاة ومستمعيها. * عدم إتمام الصُّفوف وترك التّراص وسد الفُرج فيها. * ترك الصّلاة في الصف الأول، ووقوف غير أولي النّهي خلف الإمام فيه. * الصَّلاة في الصفوف المقطّعة. * الوقوف الطّويل والدّعاء قبل تكبيرة الإحرام، والمهمهمة بكلماتٍ لا أصل لها.

стр. 200

[٣٢] * أخطاء مقيمي الصّلاة ومستمعيها: [١/٣٢] اعتقاد أنه لا تجزىء الإقامة إلا من المؤذّن، ويعتمد القائلون بهذا على حديث ضعيف، لم يصح عن النبي ﷺ ، ألا وهو: ((مَنْ أذّن فهو يقيم)) (١) . قال الألباني: ((ومن آثار هذا الحديث السيّئة، أنه سبب لإثارة النزاع بين المصلّين، كما وقع ذلك غير ما مرّة، وذلك حين يتأخر المؤذّن عن دخول المسجد لعذر، ويريد بعض الحاضرين أن يقيم الصّلاة، فما يكون من أحدهم إلا أن يعترض عليه محتجّاً بهذا الحديث، ولم يدر المسكين أنه حديث ضعيف، لا يجوز نسبته إليه ﷺ ، فضلاً عن أن يمنع به الناس من المبادرة إلى طاعة الله تعالى، ألا وهي إقامة الصّلاة)) (٢) .

стр. 201

[٢/٣٢] وليس للمؤذّن أن يقيم الصّلاة بغير إذن الإمام، وغير المؤذّن أولى بذلك، فعلى المصلّين مراعاة ذلك، وعليهم أن يعرفوا هذا الحق للإمام، فلا يتدخل أحد في أمر إقامة الصلاة حتى يأذن بها الإمام، وفق الله الجميع لما يحبّه ويرضاه. ومن أخطاء الإقامة: [٣/٣٢] زيادة لفظ ((سيدنا)) في ألفاظها، مع أن ألفاظها مأثورة، متعبّد بها، رويت بالتواتر خلفاً عن سلف، في كتب الحديث الصحاح والحسان، والمسانيد والمعاجم، ولم يرو أحد قط استحباب هذه الزيادة عن صحابي ولا تابعي، بل ولا فقيه من فقهاء الأئمة ولا أتباعهم، وليس تعظيمه صلوات الله وسلامه عليه، بزيادة ألفاظ في عبادات مشروعة، لم يسنها هو، ولم يستحبها خلفاؤه الراشدون، مما يرضاه صلوات الله عليه، لأن لكل مقام مقالاً (١) . ومن أخطاء المقيمين: [٤/٣٢] وقوفهم خلف الإمام مباشرة، وقد لا يكونون من أولى الأحلام والنّهي، وكذلك إقامتهم الصّلاة، وهم يمشون، وقد سأل عبد الله بن أحمد أباه، فقال: ((قلت لأبي: الرجل يمشي في الإِقامة؟ قال: أحبّ إليّ أن يقيم مكانه)) (٢) و ((ذلك لأن الإقامة شرعت للإعلام، فشرعت في موضعه، ليكون أبلغ في الإعلام)) (٣) . ومن أخطاء مستمعي الإقامة: [٥/٣٢] قولهم عند سماع: ((قد قامت الصّلاة)) : ((أقامها الله وأدامها)) لأنه لم يصح عن النبي ﷺ إلا قوله: ((إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثلما يقول ... )) فالصواب

стр. 202

أن يُقال: ((قد قامت الصلاة)) وتخصيص عموم الحديث، بحديث ضعيف لا يجوز، وقد ضعفه النووي وابن حجر، فقال: ((أخرج أبو داود من حديث أبي أمامة: أن بلالاً أخذ في الإِقامة، فلما بلغ: ((قد قامت الصلاة)) قال النبي ﷺ : ((أقامها الله وأدامها)) . وقال عقبه: ((وهو ضعيف، والزيادة فيه - أي: أقامها الله وأدامها - لا أصل لها)) (٤) . [٣٣] * عدم إتمام الصفوف وترك التّراص وسدّ الفُرَج فيها: عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربّها؟ فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربّها؟ قال: يتمّون الصفوف، الأوّل فالأوّل، ويتراصّون في الصّفوف (١) . من هذا يتبيّن لنا خطآن يقع فيهما كثير من المصلّين: [١/٣٣] الأول: الصّلاة في أمكنة بعيدة عن الصفّ، استرواحاً أو تعوّداً الصّلاة في مكان معيّن في المسجد (٢) !!

стр. 203

فترى بعض المصلّين قد تعوّدوا أن يصلّوا في ((السّدة)) التي في المسجد، فيبتعدوا عن الإمام، ويصلّوا في هذه ((السّدة)) ، على الرّغم من وجود أمكنة شاغرة في الصفوف الأولى، وهذ مخالف للحديث السابق، ولقوله ﷺ ، وقد رأى في أصحابه تأخُّراً، فقال لهم: تقدّموا، فائتمُّوا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخّرون حتى يؤخّرَهم الله (٣) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((ولا يصف في الطّرقات والحوانيت، مع خلو المسجد، ومَنْ فعل ذلك، استحق التّأديب، ولمن جاء بعده تخطيه، ويدخل لتكميل الصفوف المتقدمة، فإن هذا لا حرمة له. قال: فإن امتلأ المسجد بالصفوف، صفّوا خارج المسجد، فإذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحت صلاتهم. وأما إذا صفوا وبينهم وبين الصف الآخر، طريق يمشي النّاس فيه، لم تصح صلاتهم في أظهر قولي العلماء، وكذلك إذا كان بينهم وبين الصفوف حائط، بحيث لا يرون الصفوف، ولكن يسمعون التكبير، من غير حاجة، فإنه لا تصح صلاتهم في الأظهر، وكذلك مَنْ صلى في حانوته، والطريق خالٍ، لم تصح صلاته، وليس له أن يقعد في الحانوت، وينتظر اتصال الصفوف به، بل عليه أن يذهب إلى المسجد، فيسد الأول فالأول فالأول)) (٤) . [٢/٣٣] الثاني: ترك التراص في الصفوف، ووجود الفرج فيها، ومنشأ ذلك اعتقاد جماهير المسلمين أن تسوية الصفوف وإقامتها بالمناكب فحسب!! وخفي عليهم أن من تسوية الصف تسويته بالأقدام أيضاً. عن أنس عن النبي ﷺ قال:

стр. 204

أقيوا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري. قال أنس: وكان أحدنا يُلْزِق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه (١) . وفي رواية: قال أنس: لقد رأيت أحدنا يُلْزِق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه. ولو ذهبت تفعل ذلك اليوم، لترى أحدهم، كأنه بغل شموس (٢) . ولهذا قال بُشَيْر بن يسار الأنصاري عن أنس: أنه لما قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله ﷺ ؟ قال: ما أنكرت إلا أنكم لا تقيمون الصفوف (٣) . فظهر أن إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصّفوف سنّة، قد عمل بها الصّحابة – ﵃ – خلف النبي ﷺ وهو المراد بإقامة الصّف وتسويته على ما قال الحافظ ابن حجر كما سيأتي. وقول أنس بن مالك: ((ولو ذهبت تفعل ذلك اليوم لترى أحدهم، كأنه بغل شموس)) وهكذا حال أكثر النّاس في هذا الزّمان، فإنه لو فعل بهم ذلك، لنفروا كأنهم حمر وحش! وصارت هذه السنّة عندهم، كأنها بدعة ـ عياذاً بالله ـ فهداهم الله تعالى، وأذاقهم حلاوة السنّة (٤) . قال الحافظ ابن حجر معلّقاً على زيادة أنس في الحديث السابق:

стр. 205

((وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي ﷺ ، وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته)) (٥) . وصرح بما ذكره أنس بن مالك من إلزاق المنكب بالمنكب والكعب بالكعب النعمانُ بن بشير، وزاد: الركبة بالركبة، فقال: أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه، فقال: أقيموا الصفوف، ثلاثاً، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم. قال النعمان: فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه (١) . قال الألباني معلقاً على حديث أنس والنعمان السّابقَيْن: ((وفي هذين الحديثين، فوائد هامّة: الأولى: وجوب إقامة الصفوف وتسويتها والتراص فيها، للأمر بذلك، والأصل فيه الوجوب إلا لقرينه، كما هو مقرر في الأصول، والقرينة هنا تؤكد الوجوب، وهو قوله ﷺ :

стр. 206

((أو ليخالفن الله بين قلوبكم)) فإن مثل هذا التهديد، لا يقال فيما ليس بواجب، كما لا يخفى. الثانية: أن التسوية المذكورة، إنما تكون بلصق المنكب بالمنكب، وحافة القدم بالقدم، لأن هذا هو الذي فعله الصحابة ﵃ حين أمروا بإقامة الصفوف (٢) . ومن المؤسف أن هذه السنّة من التسوية، قد تهاون بها المسلمون، بل أضاعوها، إلا قليل منهم، فإني لم أرها عند طائفة منهم إلا أهل الحديث، فإني رأيتهم في مكة سنة (١٣٦٨) حريصين على التمسك بها، كغيرها من سنن المصطفى ﵊، بخلاف غيرهم من أتباع المذاهب الأربعة ـ لا استثني منهم حتى الحنابلة ـ فقد صارت هذه السنّة عندهم نسياً منسيّاً، بل إتهم تتابعوا على هجرها، والإعراض عنها، ذلك لأن أكثر مذاهبهم نصّت على أن السنة في القيام التفريج بين القدمين بقدر أربع أصابع، فإن زاد كره، كما جاء مفصّلاً في ((الفقه على المذاهب الأربعة)) : (١/٢٠٧) ، والتقدير المذكور لا أصل له في السنة، وإنما هو مجرد رأي، ولو صح لوجب تقييده بالإمام والمنفرد، حتى لا يعارض به هذه السنة الصحيحة، كما تقتضيه القواعد الأصوليّة. أنني أُهيب بالمسلمين – وخاصة أئمة المساجد – الحريصين على اتباعه ﷺ ، واكتساب فضيلة إحياء سنته ﷺ ، أن يعملوا بهذه السنة، ويحرصوا عليها، ويدعوا الناس إليها، حتى يجتمعوا عليها جميعاً، وبذلك ينجون من تهديد: أو ليخالفن الله بين قلوبكم)) (١) انتهى. قلت: ما لم يفعل المصلّون ما فعله أنس والنعمان ﵄، ستبقى

стр. 207

الفرجُ والخللُ في الصفوف، والمشاهد أن المصلين - على الغالب - لو تراصوا، لاتّسعت الصفوف - وخاصة الأوّل منها - اثنين أو ثلاثة آخرين، فإن لم يفعلوا: أولاً: وقعوا في المحظور الشرعي السابق. ثانياً: تركوا الخلل للشيطان، وقطعهم الله سبحانه. عن ابن عمر – رضي اللع نهههما – أن رسول الله ﷺ قال: أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولا تذروا فرجات للشيطان، مَنْ وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله (٢) . والفُرجات: جمع فُرجة، وهي المكان الخالي بين الاثنين. والخلل: هو ما يكون بين الاثنين من اتساع عند عدم التّراص. ثالثاً: تضاربت قلوبهم، وكثر الخلاف بينهم (٣) ، إذ في حديث النّعمان فائدة أصبحت معروفة في علو النفس، وهي: أن فساد الظّاهر يؤثر في فساد الباطن، والعكس بالعكس. مع أن في سنة التراص والتزاحم في الصف، ما يوحي للنفوس بالأخوّة والتعاون، فكتف الفقير ملتصقة بكتف الغني، وقدم الضعيف لاصقة بقدم القويّ، وكلها صف واحد، كالبنيان المرصوص المتماسك. رابعاً: فاتهم الثّواب العظيم، الوارد في كثير من الأحاديث الصحيحة، منها:

стр. 208

قوله ﷺ : ((إن الله وملائكته يصلّون على الذين يصلون الصفوف)) (٤) . وقوله ﷺ : ((من وصل صفاً وصله الله)) (٢) . ((خياركم ألينكم مناكب في الصّلاة، وما من خطوة أعظم أجراً من خطوة مشاها رجل إلى فُرجةٍ في الصف، فَسَدَّها)) (٣) . وفي هذا الحديث: [٣/٣٣] تنبيه لذلك الصنف من المصلّين، الذين يأنفون أن يصف بجانبهم أحدٌ، على الرغم من وجود الفرجة في الصف، فطالما شاهدنا مصلّين - خصوصاً كبار السّن - يرجعون من الصف إلى الذي يليه، إنْ جاء محبٌّ للسنّة، طامعاً في ثواب الله ليسدّ فرجة، وليتذكر هؤلاء قوله ﷺ : ((خياركم ألينكم مناكب في الصلاة)) وقوله ﷺ : ((لينوا بأيدي إخوانكم)) (٤) ، والذّكرى تنفع المؤمنين.

стр. 209

قال ابن الهمام بعد أن أورد الحديث السابق: ((وبهذا يعلم جهل مَنْ يستمسك عند دخول داخل بجنبه في الصف، ويظن أن فسحه له رياء، بسبب أنه يتحرك لأجله، بل ذاك إعانة له على إدراك الفضيلة، وإقامة لسدّ الفرجات المأمور بها في الصف، والأحاديث في هذا شهيرة كثيرة)) (٥) . وفيه: [٤/٣٣] فضل المشي لسدّ فرجة، وإن كان صاحبها في الصّلاة، فمن رأى مِنَ المأمومين فرجة، فليتقدم خطوةً لسدها، إن كانت في الصف الذي أمامه، فإن لم يتقدم أحد، فليسدها من كانت الفرجة بجانبه، عن طريق المشي إلى جهة اليسار، إنْ كان واقفاً عن يمين الإمام، مإلى جهة اليمين، إن كان واقفاً عن شماله، لقوله ﷺ : ((رصُّوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق، فوالذي نفسي بيده، إني لأرى الشيطان يدخل من خَلَل الصفّ كأنها الحَذَف)) (١) . والحَذَف:غنم سود صغار حجازية أو جُرَشيّة، بلا أَذناب ولا آذان، كما في ((القاموس)) . ومنها: قوله ﷺ : ((مَنْ سَدّ فُرْجَةً، رفعه الله بها درجة، وبنى له بيتاً في الجنة)) (١) . [٥/٣٣] ومن واجبات الإمام أن يتفقد الصفوف، وأن يأمر بسدّ الفرج، حتى

стр. 210

إذا رأى الصفوف استوت كبّر، كما كان يفعل النبي ﷺ . عن النعمان بن بشير – ﵁ – قال: كان رسول الله ﷺ يُسوِّي صفوفنا، حتى كأنما يُسوِّي بها القِدَاح (٢) ، حتى رأى أنّا قد عقلنا عنه، ثم خرج يوماً، فقام، حتى كاد يُكبِّر، فرأى رجلاً بادياً صدره من الصف، فقال: عباد الله!! لتُسوُّنَّ صفوفكم، أو ليخالفنّ اللهُ بين وجوهكم (٣) . في الحديث: ضرورة تسوية الصفوف، واعتناء الإمام بها، والحثّ عليها. ومضى في حديث أنس قوله ﷺ : ((أقيموا صفوفكم وتراصّوا)) (٤) . [٦/٣٣] ويتبيّن من هذين الحديثين: ((أن شروع الإمام في تكبيرة الإحرام، عند قول المؤذّن ((قد قامت الصلاة)) بدعة، لمخالفتها السنّة الصحيحة، كما يدلّ على ذلك هذان الحديثان، لا سيما الأوّل منهما، فإنهما يفيدان أن على الإمام بعد إقامة الصلاة واجباً ينبغي عليه القيام به، وهو أمر الناس بالتسوية مذكراً لهم بها، فإنه مسؤول عنهم: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) (٥)) ) (٦) .

стр. 211

[٧/٣٣] ومن القصور: اقتصار بعض الأئمة على قولهم: ((استووا، استووا)) فقط!! أو الاكتفاء بمجرد النّظر إلى رؤوس أصابع الرجلين، ومدى قربها وبعدها، عن الحبال الممدودة، ويظنون أنهم بقولهم وفعلهم هذا قد أدّوا ما عليهم، والأدهى من ذلك والأشنع أن يظنوا أن مجرد وقوف المأمومين بالهيئة المشار إليها تسوية للصفوف وإقامة لها!! وكان عمر بن الخطاب يوكّل رجالاً بإقامة الصفوف، فلا يُكبّر، حتى يُخْبَر أن الصفوف قد استوت، وكان علي وعثمان يتعاهدان ذلك أيضاً، وكان علي يقول: تقدّم يا فلان، تأخر يا فلان (١) . قال ابن حزم: ((ونستحب أن لا يكبّر الإمام حتى يستوي كل من وراءه في صف أو أكثر من صف، فإن كبّر قبل ذلك أساء وأجزأه)) (٢) . ومن أخطاء بعض الأئمة في هذا الأمر: [٨/٣٣] قولهم: ((إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج)) !! مع أن هذا الحديث لم يصح ولم يثبت عن رسول الله ﷺ ، بل لا أصل له. [٩/٣٣] ومن أخطائهم: أنه إذا اقتدى بهم واحد فقط، أخّروه عنهم قليلاً بمقدار شير أو دونه، مع أن السنّة، أن لا يتقدم عنه ولا يتأخّر، بل يقف حذاءهُ عن يمينه، هكذا وقف عبد الله بن عباس عندما صلّى خلف رسول الله ﷺ ، وقد ترجم البخاري لحديثه بقوله: ((بلب يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء، إذا كانا اثنين)) (٣) . فقوله: ((سواء)) أخرج به مَنْ كان إلى جنبه، لكن على بُعد منه، ومعناه: لا

стр. 212

يتقدم ولا يتأخّر عنه (٤) . ويتأيّد هذا بما يلي: أولاً: لو وقع تأخّر عن الإمام حال صلاة رجل واحد معه، لنُقل لنا، لا سيما أن الاقتداء به أفراد الصحابة قد تكرر. ثانياً: وقع تصريح في بعض طرق صلاة ابن عباس مع النبي ﷺ ، جاء فيه قول النبي ﷺ له: ((ما شأني أجعلك حذائي - يعني في الصّلاة - فتخنس؟)) (١) . وأدار رسول الله ﷺ جابراً إلى يمينه ووضعه بجانبه، لما وقف عن يساره، كما في صحيحي البخاري ومسلم. قال الإمام مسلم: ((وكذلك سنة رسول الله ﷺ في سائر الأخبار عن ابن عباس أن الواحد مع الإمام يقوم عن يمين الإمام لا عن يساره)) (٢) . قال ابن ضويان: ((ويقف الرجل الواحد عن يمين الإمام محاذياً له، لأنه ﷺ أدار ابن عباس وجابراً إلى يمينه، لما وقفا عن يساره)) (٣) . ثالثاً: وهذا ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم. عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة، فوجدتُه يسبّح، فقمتُ وراءه، فقرّبني حتى جعلني حذاءه عن يمينه (٤) .

стр. 213

وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلتُ لعطاء: الرجل يصلّي مع الرّجل، أين يكون منه؟ قال: إلى شقّه الأيمن. قلتُ: أيحاذي به، حتى يصف معه، لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم. قلت: أتحبّ أن تساويه، حتى لا يكون بينهما فرجة؟ قال: نعم (٥) . ((فهذا الأثر مع الأحاديث المذكورة حجة قوّية على المساواة المذكورة، فالقول باستحباب أن يقف المأموم دون الإمام قليلاً، كما جاء في بعض المذاهب - على تفصيل ذلك لبعضها - مع أنه مما لا دليل عليه في السنّة، فهو مخالف لظواهر هذه الأحاديث، وأثر عمر هذا، وقول عطاء المذكور، وهو الإمام التابعي الجليل ابن أبي رباح، وما كان من الأقوال كذلك، فالأحرى بالمؤمن أن يدعها لأصحابها، معتقداً أنهم مأجورون عليها، لأنهم اجتهدوا قاصدين إلى الحق، وعليه هو أن يتبع ما ثبت في السنّة، فإن خير الهدي، هدي محمد ﷺ )) (٦) . [٣٤] * ترك الصّلاة في الصّف الأوّل ووقوف غير أولي النّهي خلف الإمام فيه: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : لو يعلم الناس ما في النّداء والصّف الأوّل، ثم لم يجدوا، إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا (١) .

стр. 214

وفي رواية: لو تعلمون ما في الصّف المقَدَّم لكانت قُرْعَةً (٢) . وعنه أيضاً ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : خير صفوف الرجال أولها، وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرُها، وشرُّها أوّلها (٣) . وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن الله وملائكته يصلّون على الصّف الأوّل، والصّفوف الأُولى (٤) . في الحديث الأوّل: لو يعلمون ما في الصّف الأول من الفضيلة، وجاءوا إليه دفعة واحدة، وضاق عنهم، ثم لم يسمح بعضهم لبعض به، لاقترعوا عليه. وفي الثّاني: إن صفوف الرّجال خيرها أوّلها أبداً، وشرّها آخرها أبداً، أما صفوف النّساء، فالمراد بالحديث: صفوف النّساء اللواتي يصلّين مع الرّجال، وأما إذا صلّين متميزات لا مع الرّجال، فهن كالرّجال، خير صفوفهن أوّلها، وشرها آخرها (٥) .

стр. 215

المراد بشرّ الصّفوف في الرّجال والنّساء: أقلها ثواباً وفضلاً، وأبعدها من مطلوب الشّرع، وخيرها بعكسه. وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال، لبعدهن من مخالطة الرجال، ورؤيتهم وتعلّق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك. وذم أوّل صفوفهن لعكس ذلك، والله أعلم (٦) . وقال العلماء في فوائد الصّف الأوّل: المسارعة إلى خلاص الذّمة، والسبق لدخول المسجد، والقرب من الإمام، واستماع قراءته والتعلّم منه، والفتح عليه، والتّبليغ عنه، والسّلامة من اختراق المارّة بين يديه، وسلامة البال مِنْ رؤية مَنْ يكون قدّامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلّين (١) . وإن من المؤسف: [١/٣٤] أن ترى بعض المبكّرين في الحضور إلى المسجد، لا يحرصون على الصفّ الأول، ويزهدون فيه، وبعضهم يعتقد أن الثّواب المذكور يتحصل عليه مَنْ أتى مبكراً، وإن لم يصلّ في الصّف الأوّل!! وهذا اعتقاد فاسد. قال الإمام النووي ـ رحمه الله تعالى ـ: ((واعلم أن الصف الأوّل الممدوح الذي قد وردت الأحاديث بفضله، والحثّ عليه، وهو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه، متقدّماً أو متأخّراً، وسواء تخلله مقصورة ونحوها أم لا، هذا هو الصحيح، الذي يقتضيه ظواهر الأحاديث،
следующие страницы →