Полный текст (452 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
[٧/٣٣] ومن القصور: اقتصار بعض الأئمة على قولهم: ((استووا، استووا)) فقط!! أو
الاكتفاء بمجرد النّظر إلى رؤوس أصابع الرجلين، ومدى قربها وبعدها، عن الحبال الممدودة، ويظنون أنهم بقولهم وفعلهم هذا قد أدّوا ما عليهم، والأدهى من ذلك والأشنع أن يظنوا أن مجرد وقوف المأمومين بالهيئة المشار إليها تسوية للصفوف وإقامة لها!!
وكان عمر بن الخطاب يوكّل رجالاً بإقامة الصفوف، فلا يُكبّر، حتى يُخْبَر أن الصفوف قد استوت، وكان علي وعثمان يتعاهدان ذلك أيضاً، وكان علي يقول: تقدّم يا فلان، تأخر يا فلان (١) .
قال ابن حزم: ((ونستحب أن لا يكبّر الإمام حتى يستوي كل من وراءه في صف أو أكثر من صف، فإن كبّر قبل ذلك أساء وأجزأه)) (٢) .
ومن أخطاء بعض الأئمة في هذا الأمر:
[٨/٣٣] قولهم: ((إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج)) !! مع أن هذا الحديث لم يصح ولم يثبت عن رسول الله ﷺ ، بل لا أصل له.
[٩/٣٣] ومن أخطائهم: أنه إذا اقتدى بهم واحد فقط، أخّروه عنهم قليلاً بمقدار شير أو دونه، مع أن السنّة، أن لا يتقدم عنه ولا يتأخّر، بل يقف حذاءهُ عن يمينه، هكذا وقف عبد الله بن عباس عندما صلّى خلف رسول الله ﷺ ، وقد ترجم البخاري لحديثه بقوله: ((بلب يقوم عن يمين الإمام بحذائه سواء، إذا كانا اثنين)) (٣) .
فقوله: ((سواء)) أخرج به مَنْ كان إلى جنبه، لكن على بُعد منه، ومعناه: لا
стр. 212
يتقدم ولا يتأخّر عنه (٤) .
ويتأيّد هذا بما يلي:
أولاً: لو وقع تأخّر عن الإمام حال صلاة رجل واحد معه، لنُقل لنا، لا سيما أن الاقتداء به أفراد الصحابة قد تكرر.
ثانياً: وقع تصريح في بعض طرق صلاة ابن عباس مع النبي ﷺ ، جاء فيه قول النبي ﷺ له:
((ما شأني أجعلك حذائي - يعني في الصّلاة - فتخنس؟)) (١) .
وأدار رسول الله ﷺ جابراً إلى يمينه ووضعه بجانبه، لما وقف عن يساره، كما في صحيحي البخاري ومسلم.
قال الإمام مسلم: ((وكذلك سنة رسول الله ﷺ في سائر الأخبار عن ابن عباس أن الواحد مع الإمام يقوم عن يمين الإمام لا عن يساره)) (٢) .
قال ابن ضويان: ((ويقف الرجل الواحد عن يمين الإمام محاذياً له، لأنه ﷺ أدار ابن عباس وجابراً إلى يمينه، لما وقفا عن يساره)) (٣) .
ثالثاً: وهذا ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم.
عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة، فوجدتُه يسبّح، فقمتُ وراءه، فقرّبني حتى جعلني حذاءه عن يمينه (٤) .
стр. 213
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلتُ لعطاء: الرجل يصلّي مع الرّجل، أين يكون منه؟ قال: إلى شقّه الأيمن. قلتُ: أيحاذي به، حتى يصف معه، لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم. قلت: أتحبّ أن تساويه، حتى لا يكون بينهما فرجة؟ قال: نعم (٥) .
((فهذا الأثر مع الأحاديث المذكورة حجة قوّية على المساواة المذكورة، فالقول باستحباب أن يقف المأموم دون الإمام قليلاً، كما جاء في بعض المذاهب - على تفصيل ذلك لبعضها - مع أنه مما لا دليل عليه في السنّة، فهو مخالف لظواهر هذه الأحاديث، وأثر عمر هذا، وقول عطاء المذكور، وهو الإمام التابعي الجليل ابن أبي رباح، وما كان من الأقوال كذلك، فالأحرى بالمؤمن أن يدعها لأصحابها، معتقداً أنهم مأجورون عليها، لأنهم اجتهدوا قاصدين إلى الحق، وعليه هو أن يتبع ما ثبت في السنّة، فإن خير الهدي، هدي محمد
ﷺ )) (٦) .
[٣٤] * ترك الصّلاة في الصّف الأوّل ووقوف غير أولي النّهي خلف الإمام فيه:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : لو يعلم الناس ما في النّداء والصّف الأوّل، ثم لم يجدوا، إلا أن يستهموا عليه، لاستهموا (١) .
стр. 214
وفي رواية: لو تعلمون ما في الصّف المقَدَّم لكانت قُرْعَةً (٢) .
وعنه أيضاً ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : خير صفوف الرجال أولها، وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرُها، وشرُّها أوّلها (٣) .
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: إن الله وملائكته يصلّون على الصّف الأوّل، والصّفوف الأُولى (٤) .
في الحديث الأوّل: لو يعلمون ما في الصّف الأول من الفضيلة، وجاءوا إليه دفعة واحدة، وضاق عنهم، ثم لم يسمح بعضهم لبعض به، لاقترعوا عليه.
وفي الثّاني: إن صفوف الرّجال خيرها أوّلها أبداً، وشرّها آخرها أبداً، أما صفوف النّساء، فالمراد بالحديث: صفوف النّساء اللواتي يصلّين مع الرّجال، وأما إذا صلّين متميزات لا مع الرّجال، فهن كالرّجال، خير صفوفهن أوّلها، وشرها آخرها (٥) .
стр. 215
المراد بشرّ الصّفوف في الرّجال والنّساء: أقلها ثواباً وفضلاً، وأبعدها من مطلوب الشّرع، وخيرها بعكسه. وإنما فضل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال، لبعدهن من مخالطة الرجال، ورؤيتهم وتعلّق القلب بهم عند رؤية حركاتهم، وسماع كلامهم، ونحو ذلك. وذم أوّل صفوفهن لعكس ذلك، والله أعلم (٦) .
وقال العلماء في فوائد الصّف الأوّل: المسارعة إلى خلاص الذّمة، والسبق لدخول المسجد، والقرب من الإمام، واستماع قراءته والتعلّم منه، والفتح عليه، والتّبليغ عنه، والسّلامة من اختراق المارّة بين يديه، وسلامة البال مِنْ رؤية مَنْ يكون قدّامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلّين (١) .
وإن من المؤسف:
[١/٣٤] أن ترى بعض المبكّرين في الحضور إلى المسجد، لا يحرصون على الصفّ الأول، ويزهدون فيه، وبعضهم يعتقد أن الثّواب المذكور يتحصل عليه مَنْ أتى مبكراً، وإن لم يصلّ في الصّف الأوّل!! وهذا اعتقاد فاسد.
قال الإمام النووي ـ رحمه الله تعالى ـ: ((واعلم أن الصف الأوّل الممدوح الذي قد وردت الأحاديث بفضله، والحثّ عليه، وهو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه، متقدّماً أو متأخّراً، وسواء تخلله مقصورة ونحوها أم لا، هذا هو الصحيح، الذي يقتضيه ظواهر الأحاديث،
стр. 216
وصّرح به المحققون.
وقال طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه، لا يتخلله شيء، وإن تأخّر. وقيل: الصف الأوّل عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أوّلاً، وإنْ صلّى في صفٍّ متأخرٍ. وهذان القولان غلط صريح، وإنما أذكره ومثله، لأنبّه على بطلانه، لئلا يغترّ به، والله أعلم)) (٢) انتهى.
وقد حذّر النبي ﷺ من التأخر عن الصّفوف، فقال عندما رأى في بعض أصحابه تأخّراً: تقدّموا، فائتموا بي، وليأتمّ بكم من بعدكم، لا يزال قوم يتأخّرون حتى يؤخّرهم الله (٣) .
ومعنى قوله: ((لا يزال قوم يتأخّرون)) أي: عن الصفوف الأولى ((حتى يؤخّرهم الله)) عن رحمته أو عظيم فضله ورفع المنزلة، وعن العلم، ونحو ذلك (٤) .
ومن المؤسف أيضاً:
[٢/٣٤] أن ترى بعض العوام، يداومون على الوقوف خلف الإمام مباشرة، مع أن النبي ﷺ يقول: ((ليلني منكم أولوا الأحلام والنّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ولا
стр. 217
تختلفوا، فتختلف قلوبكم، وإياكم وهيشات الأسواق)) (١) .
في هذا الحديث: تقديم الأفضل فالأفضل إلى الإمام، لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى استخلاف، فيكون هو أولى، ولأنه يتفطّن لتنبيه الإِمام على السهو، لما لا يتفطن له غيره،وليضبطوا صفة الصلاة، ويحفظوها وينقلوها،ويعلّموها النّاس،وليقتدي بأفعالهم مَنْ وراءهم (٢) .
وإن هؤلاء العوام قمينّ بهم أن يؤخَّروا، مرّة تلو أُخرى، حتى يعرفوا منازلهم، فلا يتعدوها، وأن يفعل بهم أهلُ العلم والنهى والأحلام ما فعل أُبي بن كعب ببعض التّابعين.
عن قيس بن عباد قال: بينما أنا بالمدنية في المسجد في الصّف المقدّم، قائم أُصلّي، فجذبني رجل من خلفي جذبة، فنحاني وقام مقامي، قال: فوالله ما عقلتُ صلاتي، فلما انصرف فإذا هو أُبيّ بن كعب، فقال: يا فتى لا يسؤك الله، إن هذا عهد من النبي ﷺ إلينا أن نليه، ثم استقبل القبلة، فقال: هلك أهل العقدة، ورب الكعبة، ثلاثا ثم قال: والله ما عليهم آسى، ولكن آسى على مَنْ أضلّوا، قال: قلت: مَنْ تعني بهذا؟ قال: الأمراء (٣) .
وفي فعل أبيّ ﵁ بيان أن أولي الأحلام والنّهى، أحق بالصف الأوّل. وأن لهم شق الصفوف عند حضورهم، ليقوموا بالصف الأوّل (٤) .
والأفضل لهؤلاء العوام أن يصلوا في ميامن الصفوف، دون الإيطان في مكان معيّن، كما قدمنا.
стр. 218
عن البراء بن عازب قال: كنّا إذا صلّينا خلف النبي ﷺ ، أحببنا أن نكون عن يمينه (٥) .
وعن عائشة مرفوعاً: إن الله وملائكته يصلّون على ميامن الصفوف (١) .
ومن المؤسف أيضاً: أن ترى بعض الناس يقف بإزاء الإمام ـ من غير حاجة كضيق المصلّى ونحوه ـ في صلاة الجماعة، ومعتمد هؤلاء: ما أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) : (١/١/٣٧) والعُقيلي في ((الضعفاء الكبير)) : (٤/٢٢) والطبراني في ((الأوسط)) ـ كما في ((مجمع الزوائد)) : (١/٣٢٧) .
عن ابن عباس أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! علّمني عملاً أدخل به الجنة. فقال: كن مؤذّناً. قال: ما أقدر على ذلك. قال: فكن إماماً. قال: لا أقدر على ذلك. قال: فَقُم بإزاء الإِمام.
وهذا الحديث منكر، فيه محمد بن إسماعيل الضَبي، قال العقيلي: ((لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به)) . وقال البخاري فيه: ((منكر الحديث)) وهذه العبارة من البخاري شديدة الجرح، فقد قال ـ كما في ((الميزان)) (١/٦، ٢٠٢) : ((من قلتُ فيه هذه العبارة، فلا تحلُّ الرواية عنه))
وعليه فإن العمل الذي يقوم به بعضهم لا مستند صحيح له، والله الموفّق.
стр. 219
[٣/٣٤] ومن أخطاء بعض الأئمة: أمرهم المأمومين بعدل الصف، عندما يرونهم متّجهين إلى الميامن.
قال الشيخ ابن باز - رحمه الله تعالى -: ((قد ثبت عن النبي ﷺ ما يدل على أن يمين كل صفّ، أفضل من يساره، ولا يشرع أن يقال للناس: [اعدلوا الصف] ولا حرج أن يكون يمين الصف أكثر، حرصاً على تحصيل الفضل.
أما ما ذكره بعضهم من حديث: ((مَنْ عمر مياسر الصفوف، فله أجران)) فلا أعلم له أصلاً (٢) !! والأظهر أنه موضوع، وضعه بعض الكسالى الذين لا يحرصون على يمين الصف، أو لا يسابقون إليه، والله الهادي إلى سواء السبيل)) (٣) انتهى.
[٤/٣٤] ومن أخطاء الأئمة على وجه خاص، والمصلّين عموماً، حرصهم على جعل الصّبيان في صفوفٍ خاصّة خلف الرّجال، ومستندهم في ذلك: ما أخرجه أحمد في ((المسند)) : (٥/٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣) وأبو داود في ((السنن)) : (١/١٨١) والبيهقي في ((السنن)) (٣/٩٧) كان رسول الله ﷺ يجعل الرّجال قدّام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنّساء خلف الغلمان.
قال الشيخ الألباني: ((لكن إسناده ضعيف، فيه شهر بن حوشب، وهو ضعيف. وفي صف النساء وحدهنّ وراء الرّجال أحاديث صحيحة، وأما جعل الصّبيان وراءهم، فلم أجد فيه سوى هذا الحديث، ولا تقوم به حجة. فلا أرى بأساً من وقوف الصّبيان مع الرّجال، إذا كان في الصّف متّسع، وصلاة اليتيم مع أنس وراءه ﷺ حجة في
стр. 220
ذلك)) (١) .
[٣٥] * الصّلاة في الصفوف المقطّعة:
عن قرّة بن إياس ﵁ قال: كنا ننهى أن نصف بين السّواري على عهد رسول الله ﷺ ، ونطرد عنها طرداً (٢) .
وعن عبد الحميد بن محمود قال: صلّيت مع أنس بن مالك يوم الجمعة، فدُفعنا إلى السواري، فتقدّمنا وتأخرنا. فقال أنس: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله ﷺ (٣) .
وكان ابن مسعود ﵁ يقول: لا تصفوا بين السواري (٤) .
قال الترمذي: ((وقد كره قوم من أهل العلم أن يُصَفّ بين السّواري. وبه يقول أحمد وإسحاق)) (٥) .
стр. 221
قلت: وكرهه ابن مسعود - كما مضى - والنخعي، وروي عن حذيفة وابن عباس (١) .
والعلّة: قطع الصّف، وعليه: لو كان الصف صغيراً، قدر ما بين الساريتين لم يكره، ولايكره للإِمام أن يقف بين الساريتين.
قال ابن العربي في تعليل النهى: ((إما لانقطاع الصف، وهو المراد من التبويب ـ أي تبويب الترمذي بباب ما جاء في كراهية الصف بين السّواري ـ، وإما لأنه موضع جمع النّعال، والأوّل أشبه، لأن الثاني محدث.
ولا خلاف في جوازه عند الضّيق، وأما مع السّعة فهو مكروه للجماعة، وقد صلى النبي ﷺ في الكعبة بين سواريها (٢)) ) (٣) .
وقال البيهقي معقّباً على أثر ابن مسعود السابق: ((وهذا ـ والله أعلم ـ لأن الإسطوانة، تحول بينهم وبين وصل الصف)) (٤) .
وزاد القرطبي في سبب الكراهة أمراً ثالثاً، فقال: روي في سبب كراهة ذلك أنه مصلّى الجنّ للمأمومين (٥)
والأوجه في سبب المنع: قطع الصف، والله أعلم. ولهذا قال الإمام مالك: ((لا بأس بالصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد)) (٦) .
стр. 222
وعليه: فإن المنبر الطويل ذا الدرجات الكثيرة، الذي يقطع الصف الأول، وتارة الثاني أيضاً، في حكم السارية.
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: ((وإنما يقطع المنبر الصف إذا كان مخالفاً لمنبر النبي ﷺ ، فإنه كان له ثلاث درجات، فلا ينقطع الصف بمثله، لأن الإمام يقف بجانب الدّرجة الدّنيا منها فكان من شؤم مخالفة السنّة في المنبر، الوقوع في النهي الذي في هذا الحديث.
ومثل ذلك في قطع الصف: المدافىء التي توضع في بعض المساجد، وضعاً يترتب منه قطع
الصف، دون أن ينتبه لهذا المحذور إمام المسجد أو أحد من المصلّين فيه، لبعد الناس أوّلاً عن التفقه في الدّين، وثانياً لعدم مبالاتهم بالابتعاد عما نهى عنه الشّارع وكرهه.
وينبغي أن يعلم: أن كل من يسعى إلى وضع منبر طويل، قاطع للصفوف، أو يضع المدفأة التي تقطع الصف، فإنه يخشى أن يلحقه نصيب وافر من قوله ﷺ : (( ... من قطع صفاً قطعه الله)) )) (١) .
[٣٦] * الوقوف الطّويل، والدّعاء قبل تكبيرة الإحرام، والهمهمة بكلمات لا أصل لها:
[١/٣٦] ومن أخطاء كثير من الأئمة:
الوقوف الطويل قبل تكبيرة الإحرام، وسببه: إما الوسوسة بالتلفظ بالنّية فيكررها، ويخطىء فيها، حتى تستقيم
стр. 223
بزعمه (٢) .
وإما لقراءة أدعية مخترعة، لا أصل لها، يهمهم بها الإمام، ويؤمّن عليها المؤتمّون، كقول بعضهم: ((الهم أحسن وقوفنا بين يديك، ولا تخزنا يوم العرض عليك)) أو ((أقامها الله وأدامها. وجعلنا من صالحي أهلها)) .
[٢/٣٦] وكذلك قول المؤتمين عند أمر الإمام بتسوية الصفوف:
((سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير)) أو ((الله أكبر كبير، وأنا بك مستجير)) .
وكقولهم عند قول الإمام: ((استووا يرحمكم الله)) : ((علينا وعليكم الرحمة)) أو ((يهدينا ويهديكم الله إلى صراط مستقيم)) .
وغير ذلك من الأدعية، التي لم ترد في حديث صحيح أو حسن، بل ولا في ضعيف أو موضوع.
قال ابن رزوق في ((عمدة المريد في البدع)) : ((تعمق الإمام في المحراب، وطول قيامه قبل الإحرام، ودخوله قبل استواء الصفوف، وقراءته بالثّانية بأطول من الأولى، كله بدعة)) (٣) .
ولطول قيام الإمام سيّئة، قد تفسد على بعض المؤتمين صلاتهم، حيث لا يرون الإمام،
بسبب اعتراض المنبر، فينوون قبله، ظنّاً منهم أنه نوى، فإذا كبر تكبيرة الإحرام، ظنّوا أنّه ركع، وهو لا يزال واقفاً (١) .
стр. 224
أخطاؤهم من تكبيرة الإحرام حتى التّسليم.
* غلط النطق بـ (الله أكبر) في تكبيرة الإحرام وتكبيرات الانتقال.
* غلط الأئمة في الجهر والإسرار بالبسملة.
* غلط في كيفية قراءة الفاتحة.
* دعاء المأمومين أثناء قراءة الإمام الفاتحة وعند الانتهاء منها، والتّنبيه على أغلاط في التأمين وأثناء قراءة الإمام وفيها.
* مسابقة الإمام ومساواته في أفعال الصّلاة.
* تكبير المسبوق للإحرام وهو نازل إلى الركوع.
* انشغال المسبوق بدعاء الاستفتاح، وتأخّره عن اللحوق بصلاة الجماعة.
стр. 225
[٣٧] * غلط في النطق بـ ((الله أكبر)) في تكبيرة الإحرام وتكبيرات الانتقال:
ومن أغلاط بعض الأئمة:
[١/٣٧] إدخال همزة الاستفهام على لفظ الجلالة، فيقولون: ((آلله أكبر)) . وهذا كفر لفظي.
أو: إدخال همزة الاستفهام على لفظ (أكبر) فيقولون: ((آكبر)) فيكون ((آكبر)) خبر مبتدأ محذوف، تقديره أهو أكبر؟ وهذا كفر أيضاً.
ومن أغلاط بعضهم:
[٢/٣٧] إدخال ألف بعد الباء وقبل الراء، فيقولون: ((أكبار)) ، فيكون جمع ((كبر)) مصدر، وجمع ((كَبرَ)) وهو الطبل، وكلاهما كفر، لا يصح إطلاقُه على الباري (١) .
قال النّووي: المذهب الصحيح المشهور: أنه يستحب أن يأتي بتكبيرة الإحرام بسرعة، ولا يمدها.
стр. 226
ونقل عن الإمام الشافعي قوله: يرفع الإمام صوته بالتكبير، ويمدّه من غير تمطيط ولا تحريف.
وقال أصحابه: أراد بالتمطيط: المد. وبالتّحريف: إسقاط بعض الحروف، كالرّاء من أكبر (٢) .
ووقع في ((مسند الطيالسي)) وغيره من حديث عبد الرحمن بن أبزى قال: ((صليتُ خلف النبي ﷺ فلم يتم التكبير)) وقد نقل البخاري في ((التاريخ الكبير)) عن أبي داود الطيالسي أنه قال: هذا عندنا باطل. وقال الطبري والبزار: تفرد به الحسن بن عمران وهو مجهول (١) .
وقال ابن عابدين: اعلم أن المدّ إن كان في ((الله)) فإما في أوّله أو أوسطه أو آخره، فإن كان في أوّله، لم يصر به شارعاً، وأفسد الصّلاة ولو في أثنائها، ولا يكفر إن كان جاهلاً، لأنه جازم، والإكفار للشك في مضمون الجملة.
وإن كان في وسطه، فإن بالغ حتى حدث ألف ثانية بين اللام والهاء، كره، قيل: والمختار أنها لا تفسد، وليس ببعيد. وإن كان في آخره، فهو خطأ، ولا يفسد أيضاً.
وإن كان المد في ((أكبر)) : فإنْ كان في أوله، فهو خطأ مفسد، وإن تعمده، قيل: يكفر للشك، وقيل: لا، ولا ينبغي أن يختلف في أنه لايصح الشروع به، وإنّ كان في وسطه أفسد، ولا يصح الشروع به (٢) .
стр. 227
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (( ... ثم يقول وهو قائم مع القدرة: ((الله أكبر)) لا يجزئه غيرها، والحكمة في افتتاحها بذلك ليستحضر عظمة مَنْ يقوم بين يديه، فيخشع، فإن مدّ همزة (الله) أو (أكبر) ، أو قال: إكبار، لم تنعقد)) (٣) .
قلت: [٣/٣٧] ومن الغلط في هذا الباب: حذف هاء لفظ الجلالة، وإبدال همزة أكبر بواو، كقولهم: ((اللاو آكبر)) !! وتمطيط ((الله أكبر)) في تكبيرات الانتقال، يفوّت سنّة، هجرها كثير من الناس هذه الأيام، خصوصاً الإئمة منهم.
عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: كان إذا أراد أن يسجد كبّر ثم يسجد، وإذا قام من القعدة كبّر ثم قام (٤) .
الحديث نص صريح في أنّ السنّة التكبير ثم السجود، وأنه يكبر وهو قاعد ثم ينهض. ففيه إبطال لما يفعله بعض المقلّدين من مدّ التكبير من القعود إلى القيام (١) !
وكذا فيه إبطال لما قاله بعضهم من التكبير مرتين، إذا جلس للاستراحة كبَّر تكبيرة يفرغ منها في الجلوس، ثم يكبّر أخرى للنهوض، حكاه تاج الدين المعروف بـ ((الفركاح)) وجهاً في ((الإقليد)) وقال ولده الشيخ برهان الدين: إنه قويّ متجه لحديث ((كان يكبّر لكل خفض ورفع)) !! .
والرافعي والنووي نفيا الخلاف في المسألة، والاستدلال بهذا الحديث عليها صعب، وما ينبغي أن يزاد في الصلاة تكبير بمجرد تعميم ظاهره الخُصوص، فإنّ الظاهر: أن المراد كل رفع وخفض من غير جلسة الاستراحة (٢) .
стр. 228
قال ابن حزم: ((لا يحل للإمام البتة أن يطيل التكبير، بل يسرع فيه، فلا يركع ولا يسجد ولا يقوم ولا يقعد إلا وقد أتم التكبير)) (٣) .
ثم قال: ((وبهذا يقول أبو حنيفة وأحمد والشافعي وداود وأصحابهم. وقال مالك بذلك، إلا في التكبير للقيام من الركعتين، فإنه لا يراه إلا إذا استوى قائماً، وهذا قول لا يؤيّده قرآن ولا سنّة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب، وهذا مما خالفوا فيه طائفة من الصحابة لا يعرف لهم منهم مخالف)) (٤) .
ومن أخطاء المأمومين في تكبيرة الإحرام وتكبيرات الانتقال:
[٤/٣٧] ما يفعله بعضهم ممن استحكم عليهم تلبيس إبليس من الجهر بالتكبير، والتشويش على المصلّين. فقد عدلوا في ذلك عن الشروع، وجانبوا المنقول عن الرسول ﷺ ، وصاروا يرفعوا أصواتهم بالتكبير، ويردد أحدهم التحريمة ويلتوي حتى كأنه يحاول أمراّ فادحاً، أو يتسوّغ أجاجاً مالحاً. فيقع في الخيبة والحرمان ويبلغ الشيطان منه مراده، ويؤذي من حوله بالجهر بالتكبير وترديده، ويظن أنه لا يسمع نفسه إلا بذلك، فيتضاعف وزره (٥) .
[٣٨] * غلط الأئمة في الجهر والإسرار بالبسملة:
من أخطاء بعض الأئمة: إصرارهم على ترك الجهر بالبسملة دائماً في الصلاة، ويقابل هذا الفريق: فريقٌ آخر من الجهال، حيث يتركون الصّلاة خلف مَنْ لا يجهر بها، كما وقع لي مع كبار السِّن في بعض المرّات.
قال ابن القيّم: ((وكان ﷺ يجهر بـ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر
стр. 229
بها. ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائماً في كل يوم وليلة خمس مرات أبداً، حضراً وسفراً، ويخفي ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال، حتى يحتاج إلى التشبُّث فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح، وهذا موضع يستدعي مجلّدا ضخماً)) (١) .
ونقول للفريق الأوّل، ما قاله الإمام الزّيلعي: ((وكان بعض العلماء يقول بالجهر ـ أي بالبسملة ـ سدّاً للذّريعة، قال: ويسوغ للإنسان أن يترك الأفضل لأجل تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، خوفاً من التنفير، كما ترك النبي ﷺ بناء البيت على قواعد إبراهيم، لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهليّة، وخشي تنفيرهم بذلك، ورأى تقديم مصلحة الاجتماع على ذلك، ولما أنكر الربيع على ابن مسعود إكماله الصّلاة خلف عثمان، قال: الخلاف شر.
وقد نص أحمد وغيره على ذلك في البسملة، وفي وصل الوتر، وغير ذلك، مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول، مراعاة لائتلاف المأمومين، أو لتعريفهم السنة، وأمثال ذلك، وهذا أصل كبير في سدّ الذّرائع)) (٢) .
ونقول لهم ما قاله الشوكاني منكراً على من ذهب إلى إجبار الناس على ترك الجهر بها ومعاقبتهم، فإنه قال ما نصه: ((فإن ما ذكرناه ها هنا، يكفي في دفع الإنكار، وردع المنكر لذلك، إذا كان ممن يعقل عن الله سبحانه، ويعرف مواطن الإنكار التي أيَّد الله عباده على من فعلها، وأخذ على الحاملين لحجج الله، أن يأخذوا على يد مرتكبيها، ويأطروه على الحق أطراً، وأما مثل هذه المسألة فليس الإنكار فيها إلا من باب إنكار المعروف، وتفريق كلمة عباد الله بغير حجة نيّرة، ولا برهان واضح والمهدي من هداه
стр. 230
الله)) (١) .
ونقول للفريق الثاني: ثبت عن النبي ﷺ أنه لم يجهر بالبسملة.
عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصّلاة بالحمد لله رب العالمين (٢) .
وفي رواية: صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحد منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم (٣) .
وفي رواية: فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم (٤) .
وزاد بعضهم:
ويجهرون بالحمد لله ربّ العالمين (٥) .
وفي رواية: وكانوا يسرّون ببسم الله الرحمن الرحيم (٦) .
стр. 231
وليس القول بعدم الجهر بها، بدعاً من القول، أو من الآراء الشّاذة أو الضعيفة، أو من الآراء المهجورة، بل ذهب إليه جماعة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، منهم: عمر وعلي وعمار وابن عباس، وقد اختلف عن بعضهم، فروي عنهم الجهر بها، ولم يختلف عن ابن مسعود أنه كان يسرّها. وبه قال الحسن وابن سيرين، وهذا مذهب سفيان وسائر الكوفيين وأهل الحديث: أحمد وإسحاق وأبي عبيدة ومَنْ تابعهم (٧) .
والخلاصة: الصواب أن يُقال: إن هذا أمر متّسع، والقول بالحصر فيه ممتنع، وكلّ مَنْ ذهب إلى رواية، فهو مصيب متمسك بالسنّة، والتّمام والكمال متابعة المصطفى ﷺ في كلّ الأحوال، فيجهر بها تارة، ويسر بها أكثر، والله المستعان، وهو يهدي إلى سواء السّبيل.
[٣٩] * غلط في كيفية قراءة الفاتحة:
سئلت أم سلمة ﵂ عن قراءة رسول الله ﷺ ، فقالت: كان يقطع قراءته آية آية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم* الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) .
وفي رواية: كان إذا قرأ قطع قراءته آية آية، يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. ثم يقف،
стр. 232
ثم يقول: الحمد لله رب العالمين، ثم يقف، ثم يقول: الرحمن الرحيم. ملك يوم الدين (٢) .
قال أبو عمرو الداني في تفسير الوقف الحسن: ((ومما ينبغي له: أن يقف علة رؤوس الآي، لأنهن في أنفسهن مقاطع، وأكثر ما يوجد التام فيهن، لاقتضائهن تمام الجمل، واستبقاء أكثرهن انقضاء القصص.
وقد كان جماعة من الأئمة السّالفين، والقرّاء الماضين يستحبون القطع عليهن، وإن تعلّق بعضهن ببعض، لما ذكرنا من كونهن مقاطع، ولسن بمشبهات، لما كان من الكلام التام في أنفسهن دون نهاياتهن)) .
ثم روى عن اليزيدي عن أبي عمرو: أنه كان يسكت على رأس كل آية، فكان يقول: إنه أحب إليّ إذا كان آية، أن يسكت عندها، وقد وردت السنة أيضاً بذلك عن رسول الله ﷺ عند استعماله التقطيع، ثم ساق الحديث السابق (٣) .
[١/٣٩] وهذه سنة تركها أكثر قرّاء هذا الزّمان، فتسمعهم ـ حتى في الصّلاة ـ يقرأون الفاتحة بِنَفَسٍ واحدٍ، لا يقفون على رؤوس الآي، أعرضوا عن السُنن، وتنكبوا السّنَن، هدانا الله وإياهم للاتباع، وموافقة الحبيب ﷺ ، في جميع أحواله وأقواله وأفعاله.
[٢/٣٩] هذا عن الأئمة، أما عن العوام، فالخطب أشد وأخطر، إذ أنهم كثيرو اللحن في
قراءتها، وربما يسقطون حرفاً منها، أو يبدّلون حروفاً بحروف أخرى، كأن يقولوا: ((اللزين))
بالزاي، بدل الذال المعجمة، أو يقولوا: ((الهمد لله)) بالهاء بدل الحاء، أو يقولوا: ((الظّالين)) بالظّاء المشددة بدل الضاد، أو يقولوا: ((إياك نعبد إياك نستعين)) بإسقاط الواو (١) ، أم بإسقاط الشدّة في ((إياك نعبد)) فيقولونها بتخفيف الياء، وإن قصد المعنى كفر، لأن الإباك ضوء الشمس.
стр. 233
[٣/٣٩] وربما اجتمع لبعضهم مجموعة من الأخطاء المذكورة، إن لم تكن كلّها، ومع هذا، تجده معرضاً عن الاستماع لدروس العلم، صادّاً عن مجالس العلماء، عجلاً إلى مجالس اللغو واللهو، ولا يخفى أن جلوس العالم لبثّ العلم من أكبر النّعم على العامّة، إذ يجب عليهم السعي لطلب العلم النافع، فإذا كان بين أظهرهم، يعظهم ويعلمهم، وهم عنه معرضون، فما أشقاهم! وما أتعسهم! فعليهم أن يتقوا الله في هذه المخالفات، وأن يطلبوا النّجاة، بطلب العلم والفقه في الدّين، فإنه مرقاة النجاة (٢) .
[٤٠] * دعاء المأمومين أثناء قراءة الإمام الفاتحة وعند الانتهاء منها، والتنبيه على أغلاط في التأمين وأثناء قراءة الإمام وفيها:
ومن أخطاء المأمومين وأغلاطهم:
[١/٤٠] قولهم: ((استعنت بك يا رب)) حين يقرأ الإمام (إياك نعبد وإياك نستعين) أو قولهم: ((رب اغفر لي ولوالدي)) حين يقرأ الإمام: ((اهدنا الصّراط المستقيم)) .
وبعضهم يهمهم بها وبدعوات أُخرى، عندما يكاد الإمام أن ينتهي من قراءة الفاتحة، وذلك طمعاً في تأمين المأمومين على دعائه، كما في ظنّه، ولم يدر هذا المسكين أن المأمومين يؤمنون على الفاتحة، ولم يخطر ببالهم، لا هو، ولا دعاؤه المبتدع!! ومن الجدير بالذّكر هنا أمران:
[٢/٤٠] الأوّل: أنّ من السنّة أن يجهر الإمام بـ ((آمين)) عقب قراءته الفاتحة.
عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من قراءة أُم القرآن رفع صوته، وقال: آمين (٣) .
стр. 234
في الحديث: مشروعية رفع الإمام صوته بالتأمين، وبه يقول الشافعي وأحمد واسحاق وغيرهم من الأئمة.
وهو مذهب البخاري إذ ترجم في ((صحيحه)) : ((باب جهر الإمام بالتّأمين)) وأورد فيه مجموعة آثار معلّقة وحديثاً مرفوعاً، فقال: ((أمَّن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجَّة.
وقال نافع: كان ابن عمر لا يَدَعه، ويحضّهم، وسمعت منه في ذلك خيراً.
وذكر بسنده حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: إذا أمّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينُه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)) (١) .
قال ابن حجر: ((وإذا ترّجّح أن الإمام يؤمّن، فيجهر به في الجهريّة، كما ترجم به المصنّف ـ أي الإمام البخاري ـ وهو قول الجمهور، خلافاً للكوفيين ورواية عن مالك فقال: يسرّ به مطلقاً. ووجه الدّلالة من الحديث: أنه لو لم يكن التأمين مسموعاً للمأموم لم يعلم به.
وقد علق تأمينه بتأمينه، وأجابوا بأن موضعه معلوم، فلا يستلزم الجهر به، وفيه نظر لاحتمال أن يخلّ به، فلا يستلزم علم المأموم به)) (٢) .
قلت: ويؤكّد ذلك الحديث السابق وما وقع في رواية ابن شهاب في الحديث الذي عند البخاري، فقال: ((وقال ابن شهاب: وكان رسول الله ﷺ يقول آمين)) (٣) .
[٣/٤٠] الثّاني: ويدلّ قوله ﷺ : ((إذا أمّن الإمام فأمنوا)) على وجوب التأمين على المأموم، واستظهره الشوكاني، لكن لا مطلقاً، بل مقيداً بأن يؤمّن الإمام،
стр. 235
وأما الإمام والمنفرد فمندوب فقط (٣) .
وقال ابن حزم: ((وأما قول (آمين) فإنه كما ذكر: يقوله الإمام والمنفرد ندباً وسنّة، ويقولها المأموم فرضاً ولا بد)) (٤) .
قال الألباني معلّقاً عليه: ((قلت: فيجب الاهتمام به، وعدم التّساهل بتركه. ومن تمام
ذلك موافقة الإمام فيه وعدم مسابقته، وهذا أمر قد أخلّ به جماهير المصلّين في كل البلاد التي أتيح لي زيارتها، ويجهرون بها بالتأمين. فإنهم يسبقون الإمام، يبتدئون به قبل ابتداء الإمام، ويعود السبب في هذه المخالفة المكشوفة، إلى غلبة الجهل عليهم، وعدم قيام أئمة المساجد وغيرهم من المدرسين والوعاظ بتعليمهم وتنبيهمهم، حتى أصبح قوله ﷺ : ((إذا أمن الإمام فأمنوا ... )) نسياً منسياً عندهم، إلا من عصم الله، وقليل ما هم، والله المستعان)) (١) .
ومن أخطاء المأمومين في التأمين أيضاً:
[٤/٤٠] التمطيط في مدّ (آمين) فيمدّون مدّ البدل الذي في أوّلها أكثر من حركتين، بل قد يوصلونها إلى ستة كما في بعض المساجد.
وبعضهم يلفظ (آمين) بتشديد الميم، حكاه بعض أهل اللغة، وهو ضعيف عند جماعة منهم، وصرّح المتولّي من الشافعيّة بأن من قاله هكذا بطلت صلاته (٢) !
بقي بعد هذا أُمور:
[٥/٤٠] الأوّل: ثبت من هديه ﷺ أنه إذا مرّ بآية رحمة يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مرّ بآية عذاب يستعيذ به من النار أو من العذاب، أو من الشر،
стр. 236
أو من المكروه، ولكن هذا في قيام الليل،فمقتضى الاتباع الصحيح الوقوف عند الوارد، وعدم التّوسع فيه بالقياس والرأي، فإنه لو كان ذلك مشروعاً في الفرائض أيضاً لفعله ﷺ ، ولو فعله لنقل، بل لكان نقله أولى مِنْ نقل ذلك في النّوافل كما لا يخفى (٣) .
[٦/٤٠] الثّاني: يقول كثير من المأمومين عند قراءة الإمام سورة التين عند قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ آللَّهُ بِأَحْكَمِ آلْحَاكِمِينَ﴾ (٤) . فيقولون: ((بلى وأنا على ذلك من الشاهدين)) . وإسناده ضعيف، فيه راوٍ لم يسم (٥) .
وكذا يقول بعضهم عند قراءة الإمام سورة الرحمن، وبلوغه: ﴿فَبِأَىِّءَ الَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
: ((ولا بشيء من نِعَمِكَ رَبَّنا نكذِّب، فلك الحمد)) .
وهذا وارد في حديث ضعيف، عند الترمذي في ((الجامع)) : رقم (٣٢٩١) والحاكم في ((المستدرك)) : (٢/٤٧٣) وابن عدي في ((الكامل)) : (٣/١٠٧٤) و (٥/١٨٥٨) وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) : (١/١٨١) والبيهقي في ((الدلائل)) : (٢/٢٣٢) من طريق الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن ابن المنكدر عن جابر قال: ((قرأ رسول الله ﷺ سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال: ما لي أراكم سكوتاً؟! للجن كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت عليهم من مرة ﴿فَبِأَىِّءَ الَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالوا: ولا بشيء من
نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد)) .
وإسناده ضعيف فيه تدليس الوليد بن مسلم، وزهير بن محمد ـ وإن كان صدوقاً ـ فإن أهل الشام إن رووا عنه، فتكثر المناكير في روايته، والوليد شامي. نعم، لم يتفرد به، فقد تابع الوليد مروان بن محمد كما عند البيهقي في ((الدلائل)) : (٢/٢٣٢) ، إلا أنه شامي، فبقيت العلّة الثانية.
стр. 237
[٧/٤٠] الثّالث: صح لفظ: ((سبحانك فبلى)) عند تلاوة الإمام: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (١) .
عن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته، وكان إذا قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ .
قال: سبحانك فبلى. فسألوه عن ذلك؟ فقال: سمعته من رسول الله ﷺ (٢) .
[٨/٤٠] الرّابع: ومن أخطاء بعض المأمومين: التنحنح في الصلاة تعمّداً من غير عذر ولا ضرورة (٣) ، ليسمع رجلاً أو ينبّه الإمام بأنه قد أطال في الصلاة، وهذا لا يفعله إلا الجهّال ـ كما قال ابن رشد (٤) ـ ومن فعل فقد أساء، ولا شيء عليه، لأن التنحنح ليس له حروف هجائية تفهم.
قال ابن قدامة: ((واختلفت الرواية عن أحمد في كراهة تنبيه المصلّي بالنحنحة في صلاته، فقال في موضع: لا تنحنح في الصّلاة، قال النبي ﷺ : ((إذا فاتكم شيء في صلاتكم، فلتسبح الرجال، وليصفق النساء)) .
وروى عن المروزي: أنه كان يتنحنح ليعلم أنه في صلاة. وحديث علي (١) يدلّ عليه.
стр. 238
فيقدّم على العام. وأجاب الجمهور بأن حديث علي فيه اضطراب، لا ينهض معه الاحتجاج به)) (٢) .
[٩/٤٠] الخامس: بعض الأئمة يطيلون الركعة الثانية في الصلاة - سواء كانت جهرية أم سريّة - أكثر من الركعة الأُولى، وهذا مخالف لهدية ﷺ .
قال العلامة ابن القيم: ((وكان ﷺ يُطيلُ الركعة الأُولى على الثّانية من صلاة الصّبح ومن كل صلاة، وربما كان يطيلها - أي صلاة الظهر - حتى لا يسمع وقع قدم (٣)) ) (٤) .
ومرّ معنا قول ابن رزوق: ((تعمق الإمام في المحراب، وطول قيامه قبل الإِحرام، ودخوله قبل استواء الصفوف، وقراءته بالثانية بأطول من الأولى، كله بدعة)) .
وهذا فيما لم يرد فيه نص خاص. أما هو فلا يكره، كما ورد أنه ﷺ كان يقرأ في أولى الجمعة والعيدين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وفي الثانية بالغاشية، وهي تزيد على الأعلى بسبع آيات.
[١٠/٤٠] السادس: ليس هناك دليل صحيح يدل على شرعية سكوت الإمام حتى يقرأ المأموم الفاتحة في الصلاة الجهرية (٥) .
стр. 239
[١١/٤٠] السّابع: يكتفي كثير من الأئمة بقراءة اليسير من القرآن الكريم في الصلاة
الجهرية، وبعضهم يجزىء بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا ... ﴾ إلى آخر السورة، وهذا مخالف لهدي النبي ﷺ .
قال ابن القيم: ((وأما الاقتصار على قراءة أواخر السورتين من (يا أيها الذين آمنوا ... ) إلى آخرها. فلم يفعله قط، وهو مخالف لهديه الذي كان يُحافظ عليه)) (١) .
وربما احتج بعضهم بالتخفيف الوارد في الأحاديث النبويّة، من مثل قوله ﷺ : ((يا أيها الناس، إنّ منكم مُنَفِّرِينَ، فأيُّكم أمَّ النّاس فليوجز، فإنّ من ورائه الكّبير والضعيف وذا الحاجة)) (٢) أو بفعل النبي ﷺ للتخفيف.
عن أنس ﵁ قال: ((ما صلّيتُ وراء إمامٍ قط أخفّ صلاة ولا أتمّ من رسول الله ﷺ )) (٣) .
[١٢/٤٠] والتخفيف الوارد في قوله ﷺ وفعله، ليس هو التخفيف الذي اعتاده سُرَّاق الصّلاة، والنقَّارون لها، وأن ما وصفه أنس من تخفيف النبي ﷺ صلاته، هو مقرون بوصفه إياها بالتمام، كما تقدم، وهو الذي وصف تطويله ركني الاعتدال، كما في حديث آخر صحيح، قال: حتى كانوا يقولون: قد أوهم (٤) ، ووصف صلاة عمر بن عبد العزيز بأنها تشبه صلاة النبي ﷺ ، مع أنهم قدروها بعشر تسبيحات (٥) .
والتخفيف الذي أشار إليه أنس، هو تخفيف القيام مع تطويل الركوع والسجود، وهذا بخلاف ما كان يفعله بعض الأمراء الذين أنكر الصحابة صلاتهم من إطالة القيام على ما كان النبي ﷺ يفعله غالباً، وتخفيف الركوع والسجود
стр. 240
والاعتدالين (٦) .
وأما تخفيف النبي ﷺ الصلاة عند بكاء الصبي، فلا يعارض ما ثبت عنه من صفة صلاته،
بل قد قال في الحديث نفسه: ((إني أدخل في الصلاة، وأنا أريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز)) (١) .
فهذا تخفيف لعارضٍ، وهو من السنّة، كما يخفف صلاة السفر وصلاة الخوف، وكل ما ثبت عنه من التخفيف فهو لعارض، كما ثبت عنه أنه قرأ في السفر في العشاء بـ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ . وكذلك قراءته في الصبح بالمعوذتين، فإنه كان في سفر (٢) .
وأما حديث معاذ (٣) ؛ فهو الذي فتن النقّارين وسرّاق الصّلاة، لعدم علمهم بالقصّة وسياقها.
فإن معاذاً صلّى مع النبي ﷺ عشاء الآخرة، ثم ذهب إلى بني عمرو بن عوف بقباء، فقرأ بهم سورة البقرة، هكذا جاء في ((الصحيحين)) من حديث جابر: ((أنه استفتح بهم بسورة البقرة، فانفرد ببعض القوم، وصلّى وحده، فقيل: نافق فلان!! فقال: والله ما نافقتُ، ولآتين رسول الله ﷺ ، فأتاه فأخبره، فقال النبي ﷺ حينئذٍ: أفتّان أنت يا معاذ؟ هلا صليت بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى
﴾ )) (٤) .
وهكذا نقول:
стр. 241
أنه يستحب أن يصلي العشاء بهذه السور وأمثالها. فأيُّ متعلّق في هذا للنقّارين وسرّاق الصلاة؟ ومن المعلوم أن النبي ﷺ كان يؤخر العشاء الآخرة، وبُعْدُ ما بين بني عمرو بن عوف وبين المسجد، ثم طول سورة البقرة، فهذا الذي أنكره النبي ﷺ ، وهو موضع الإِنكار، وعليه يحمل الحديث الآخر: ((يا أيها الناس إن منكم منفرين)) ، ومعلوم أن الناس لم يكونوا ينفرون من صلاة رسول الله ﷺ ، ولا ممن يصلي بقدر صلاته، وإنما ينفرون
ممن يزيد في الطول على صلاته، فهذا الذي ينفر.
وأما إن قدر نفور كثير ممن لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، وكثير من الباطولية الذين يعتادون النقر، كصلاة المنافقين، وليس لهم في الصلاة ذوق، ولا لهم فيها راحة، بل يصلّيها أحدهم استراحة منها لا بها، فهؤلاء لا عبرة بنقورهم، فإن أحدهم يقف بين يدي المخلوق معظم اليوم، ويسعى في خدمته أعظم السعي، فلا يشكو طول ذلك ولا يتبرّم به، فإذا وقف بين يدي ربه في خدمته جزءاً يسيراً من الزّمان، وهو أقلّ القليل بالنسبة إلى وقوفه في خدمة المخلوق، استثقل ذلك
الوقوف، واستطال وشكا منه، وكأنه واقف على الجمر يتلوّى ويتقلّى، ومن كانت هذه كراهته لخدمة ربه، والوقوف بين يديه، فالله تعالى أكره لهذه الخدمة منه (١) .
والحاصل: إن الإيجاز والتخفيف المأمور به، والتطويل المنهي عنه، لا يمكن أن يرجع فيه إلى عادة طائفة وأهل بلد وأهل مذهب، ولا إلى شهوة المأمومين ورضاهم، ولا إلى اجتهاد الأئمة الذين يصلّون بالناس ورأيهم في ذلك، فإن ذلك لا ينضبط، وتضطرب فيه الآراء والإرادات أعظم اضطراب، ويفسد وضع الصّلاة، ويصير مقدارها تبعاً لشهوة الناس.
ومثل هذا لا تأتي به شريعة، بل المرجع في ذلك والتحاكم إلى ما كان يفعله ﷺ ، وكان يصلي وراءه الضعيف والكبير والصغير وذو الحاجة، ولم يكن بالمدينة إمام غيره صلوات الله وسلامه عليه.
ففي صلاة الفجر: كان رسول الله ﷺ يقرأ ما بين الستين إلى المائة في
стр. 242
الركعتين، كما ثبت في ((الصحيحين)) (٢) ، فكان يقرأ سورة ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد﴾ (٣) وسورة الواقعة (٤) وسورة الفتح (٥) وسورة المؤمنين (٦) وسورة الطور (٧) وسورة الروم (٨) وسورة ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ (٩) وسورة الصافات (١٠) .
وهذا مقياس صلاة الفجر، وقد اعتبر الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ قراءة سورة (الصافات) من باب التخفيف فيها.
فثبت عن ابن عمر قال:
стр. 243
كان رسول الله ﷺ يأمر بالتخفيف، ويؤمّنا بـ (الصافات) (١) .
وفي صلاة الظهر: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية. وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، كما في ((صحيح مسلم)) وفي رواية فيه: ((أن قدر قيامه في الأُوليين بـ ﴿الم *تَنزِيلُ الْكِتَابِ﴾ ) (٢) .
وكان من طولها، ما قاله أبو سعيد الخدري: كانت صلاة الظهر تقام، فينطلق أحدنا إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ، ثم يرجع إلى المسجد، ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى، مما يطولها (٣) .
وفي صلاة العصر: فالغالب أنها على النصف من صلاة الظهر (٤) .
وفي صلاة المغرب: ثبت عنه ﷺ أنه كان يقرأ سورة الطور (٥) وسورة محمد (٦) وسورة المرسلات (٧)
стр. 244
وسورة الأنفال (٨) وسورة الأعراف (٩) ، فكان الغالب على قراءته ﷺ فيها من طوال المفصل وما يقاربه.
[١٣/٤٠] فما يفعله كثير من الأئمة من المداومة على قراءة قصار السور فيها، خروج عن كمال هديه ﷺ ، وبعضهم يحتج بتلك العبارة الشائعة على الألسنة (المغرب غريب) !! والصحيح عند أهل العلم أن وقت المغرب يمتد إلى مغيب الشفق، وفي هذا رد على القول الجديد عند الشافعية، إذْ أنهم يعتبرون أن نهاية وقت المغرب غير ممتدة، بل مضيقة، بحيث تتسع للوضوء وستر العورة والأذان والإقامة!!
وهذا ما رجحه جماعة من محققي الشافعية، قال النووي: ((الأحاديث الصحيحة مصرّحة بما قاله في القديم، وتأويل بعضها متعذّر، فهو الصواب، وممن اختاره مِنْ أصحابنا: ابن خزيمة والخطابي والبيهقي والغزالي في ((الإحياء)) والبغوي في ((التهذيب)) وغيرهم)) (١) .
وقد صرح الحافظ أنه لم ير حديثاً مرفوعاً فيه التنصيص على القراءة في صلاة المغرب من قصار المفصل، إلا حديثاً واحداً، وبيّن أنه معلول (٢) .
وفي صلاة العشاء: المقدار الغالب في ذلك هو ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ ونحوها من السور (٣) .
[١٤/٤٠] الثّامن: وبهذه المناسبة:
стр. 245
لا بد من التنبيه على قراءة أولئك النقّارين في قيام رمضان، الذين لا يتعدون الآية والآيتين في كل ركعة!! ويزعمون أنهم يطبقّون قوله ﷺ : ((فمن أمّ قوماً فليخفف)) (٤) !! وما علموا أن السّلف الصّالح ـ رضوان الله عليهم ـ أفهم منهم وأعلم في معنى هذا الحديث، وإليك صورة صلاتهم، ومعنى التخفيف فيها عندهم.
أخرج مالك عن محمد بن يوسف عن السّائب بن يزيد أنه قال: أمر عمرُ بنُ الخطّاب أُبيَّ بن كعب وتميماً الدَّاريّ أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. قال: وقد كان القارىء يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العِصِيّ من طول القيام. وما كنّا ننصرف إلا في فُرُوعِ الفجر (٥) .
وأخرج عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج يقول: ما أدركتُ الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان. قال: وكان القارىء يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها في اثْنَتَيْ عشرة ركعة، رأى الناس أنه قد خفَّف (٦) .
[١٥/٤٠] التاسع: يصل كثير من الأئمة القراءة بتكبيرة الركوع، وهذا غلط. والصواب: السكوت حتى يرجع النفس لصاحبه قبل الركوع.
قال الإمام أحمد: ((وكان النبي ﷺ يسكت إذا فرغ من القراءة قبل أن
стр. 246
يركع، حتى يتنفس (١) ، وأكثر الأئمة على خلاف ذلك)) (٢) .
[١٦/٤٠] العاشر: يلتزم كثير من الأئمة قراءة سورة (الجمعة) في العشاء الآخرة ليلة الجمعة، والحديث الوارد في ذلك غير صحيح، فلا يثبت به الاستحباب ولا السنيّة، والتزام ذلك بدعة من البدع (٣) .
[١٧/٤٠] ومن اللازم عليّ في خاتمة هذا المبحث أن أشير إلى أن ساحة المسجد خلت من الأئمة الصّادقين الفقهاء من طلبة العلم وأهله، إلا من رحم الله، وتقدم اليوم كثير من العوام والجهال لهذا المنصب، وهم لا يحسنون الفاتحة، فضلاً عن إجابة سائل يسأل عن حكم أو خلق يهمّه ويفيده في دينه ودنياه، ولم يتقدّم هؤلاء إلا ليسترزقوا من طريقه وبابه، ويشغلوا هذا المكان الشاغر من أهله وأكفائه ... !!
حتى صرنا ـ في بعض بلاد المسلمين، يا للأسف ـ لا نستغرب أن نجد إماماً لمسجد من المساجد، لا يتوفر فيه شرط من شروط الإمامة، ولا نستغرب أن نجده يحلق لحيته، ويطيل من شواربه، ويجرّ ثوبه وعباءته تبختراً، أو يلبس ذهباً، أو يشرب دخاناً، أو يسمع الأَغاني، أو يتعامل الربا، ويغشّ في المعاملة، ويساهم في الحرام، أو تتبرّج نساؤه، ويترك أولاده الصلاة،
وربما يصل الأمر إلى أكبر من ذلك! لا صبّحهم الله بخير، ولا رحم فيهم مغرز إبرة.
стр. 247
[٤١] * مسابقة الإمام ومساواته بأفعال الصّلاة:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم فلما قضى الصّلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: أيُّها النّاس! إنّي إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف (١) .
وعن أبي هريرة قال: قال محمد ﷺ : أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحوِّلَ اللهُ رأسَه رأسَ حمار (٢) .
وزاد البزّار والطبراني: ((الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد الشّيطان)) (٣) .
وعن البراء بن عازب قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يحْنِ أحدٌ منّا ظهره، حتى يقعَ النبيُّ ﷺ ساجداً، ثم نقعُ سجوداً بعده (٤) .
وعن معاوية بن أبي سفيان رفعه: إنّي قد بَدَّنْتُ، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، فإني مهما أسبقكم حين أركع تدركوني حين أرفع، ومهما أسبقكم حين أسجد تدركوني حين أرفع (٥) .
стр. 248
وعن سمرة بن جندب: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قُمْتُم إلى الصّلاة فلا تَسْبِقُوا قارئكم بالركوع والسجود، ولكن هو يَسْبِقُكم (٦) .
[١/٤١] من هذه الأحاديث يتبيّن لنا خطأ بعضهم في حال كونه مأموماً في الصَّلاة: إذ تكون أعمالُه فيها مساويةً لأعمال الإمام، بل بعضهم يسبقه فيها!! والمسابقة محرّمةٌ اتّفاقاً لظاهر الأحاديث السابقة، إذ فيها توعد بالمسخ، وهو من أشدّ العقوبات.
فإن سبقه بالإحرام أو السلام، بطلت صلاة المأموم (١) ، وإن سبقه بغيرهما، وانتظر حتى أدركه الإمام، فهو حرام، يأثم فاعله، وصلاته صحيحة (٢) .
стр. 249
وعن ابن عمر وأحمد: أنها باطلة، بناء على أن النهي يقتضي الفساد (٢) .
واختلف في معنى التحويل المذكور في حديث أبي هريرة: فقيل: هو باقٍ على ظاهره، فيمسخه الله مسخاً حسيّاً، ويؤيّده: ورود الوعيد بلفظ المستقبل، ولا يُقالُ: ليس في الحديث ما يدّل على وقوع المسخ، بل غايته: أن فاعل ذلك متعرّض لهذا الوعيد، ولا يلزم من التعرّض للشيء وقوع ذلك الشيء، لأنه: لا مانع من وقوعه.
وقيل: إن التحويل المذكور يقع يوم القيامة.
ويحتمل أن يراد: المسخ المعنوي، الذي هو طمس القلوب والبصائر، فيكون أعمى القلب عن طريق الحقّ، فلا يسلكه (٣) .
وقال ابن حجر عن بعض المحدّثين: أنه رحل إلى دمشق لأخذ الحديث عن شيخٍ مشهورٍ بها، فقرأ عليه جملة، لكنه كان يجعل بينه وبينه حجاباً، ولم ير وجهه، فلما طالت ملازمتُه له، ورأى حرصه على الحديث، كشف له الستر، فرأى وجهه: وجه حمار، فقال له: احذر يا بُنيَّ أن تسبق
الإمام، فإني لما مرّ بي في الحديث استبعدتُ وقوعه، فسبقتُ الإمام، فصار وجهي كما ترى (٤) .
وعلاج مَنْ يسابق الإمام ودواؤه: أن يعلم أنه لا سبب لفعل ذلك، إلا طلب الاستعجال، واستحواذ الشيطان، واستحضار أنه لا يسلّم قبل الإمام، فلا ثمرة في الاستعجال، بل فيه الإثم والعقاب.
стр. 250
[٢/٤١] والمشاهد: أن أغلب الذين يسابقون الإمام مَنْ يبكرون في الحضور للمسجد، فيا لله من فعلهم هذا! فإنهم على الرغم من طول انتظارهم، ما استفادوا شيئاً من الثواب، ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحدّ، بل لحقهم كثيرٌ من العقاب.
ورحم الله ابن الجوزي عندما قال: ((ومن العوام مَنْ يعتمد على نافلةٍ ويضيّع فرائض، مثل: أن يحضر إلى المسجد قبل الأذان ويتنفّل، فإذا صلّى مأموماً سابق الإمام)) (١) .
ومن أخطاء بعض الحجيج والعُمّار قيامهم قبل تسليم الإمام حتى يتمكنوا من تقبيل الحجر الأسود!
قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: ((رأيت أمراً عجباً ... رأيتُ من يقوم قبل أن يسلّم من الصلاة المفروضة ليسعى بشدّة إلى تقبيل الحجر، فيبطل صلاته المفروضة، التي هيَّ أحد أركان الإسلام لأجل أن يفعل هذا الأمر الذي ليس بواجب، وليس بمشروع أيضاً، إلا إذا قرن بالطواف، وهذا من جهل الناس المطبق الذي يأسف الناس له)) (٢) .
وفي القابل:
[٣/٤٠] هناك فريق يتأخر عن الإمام، حال السجود والقيام منه، أو حال الركوع والاعتدال منه، وهؤلاء خالفوا قول الرسول ﷺ : ((إنما جُعِل الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا)) (٣) .
следующие страницы →