← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 8855

القول المبين في أخطاء المصلين

مشهور آل سلمان

Полный текст (452 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يركع، حتى يتنفس (١) ، وأكثر الأئمة على خلاف ذلك)) (٢) . [١٦/٤٠] العاشر: يلتزم كثير من الأئمة قراءة سورة (الجمعة) في العشاء الآخرة ليلة الجمعة، والحديث الوارد في ذلك غير صحيح، فلا يثبت به الاستحباب ولا السنيّة، والتزام ذلك بدعة من البدع (٣) . [١٧/٤٠] ومن اللازم عليّ في خاتمة هذا المبحث أن أشير إلى أن ساحة المسجد خلت من الأئمة الصّادقين الفقهاء من طلبة العلم وأهله، إلا من رحم الله، وتقدم اليوم كثير من العوام والجهال لهذا المنصب، وهم لا يحسنون الفاتحة، فضلاً عن إجابة سائل يسأل عن حكم أو خلق يهمّه ويفيده في دينه ودنياه، ولم يتقدّم هؤلاء إلا ليسترزقوا من طريقه وبابه، ويشغلوا هذا المكان الشاغر من أهله وأكفائه ... !! حتى صرنا ـ في بعض بلاد المسلمين، يا للأسف ـ لا نستغرب أن نجد إماماً لمسجد من المساجد، لا يتوفر فيه شرط من شروط الإمامة، ولا نستغرب أن نجده يحلق لحيته، ويطيل من شواربه، ويجرّ ثوبه وعباءته تبختراً، أو يلبس ذهباً، أو يشرب دخاناً، أو يسمع الأَغاني، أو يتعامل الربا، ويغشّ في المعاملة، ويساهم في الحرام، أو تتبرّج نساؤه، ويترك أولاده الصلاة، وربما يصل الأمر إلى أكبر من ذلك! لا صبّحهم الله بخير، ولا رحم فيهم مغرز إبرة.

стр. 247

[٤١] * مسابقة الإمام ومساواته بأفعال الصّلاة: عن أنس بن مالك ﵁ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم فلما قضى الصّلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: أيُّها النّاس! إنّي إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف (١) . وعن أبي هريرة قال: قال محمد ﷺ : أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يُحوِّلَ اللهُ رأسَه رأسَ حمار (٢) . وزاد البزّار والطبراني: ((الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد الشّيطان)) (٣) . وعن البراء بن عازب قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يحْنِ أحدٌ منّا ظهره، حتى يقعَ النبيُّ ﷺ ساجداً، ثم نقعُ سجوداً بعده (٤) . وعن معاوية بن أبي سفيان رفعه: إنّي قد بَدَّنْتُ، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، فإني مهما أسبقكم حين أركع تدركوني حين أرفع، ومهما أسبقكم حين أسجد تدركوني حين أرفع (٥) .

стр. 248

وعن سمرة بن جندب: أن رسول الله ﷺ قال: إذا قُمْتُم إلى الصّلاة فلا تَسْبِقُوا قارئكم بالركوع والسجود، ولكن هو يَسْبِقُكم (٦) . [١/٤١] من هذه الأحاديث يتبيّن لنا خطأ بعضهم في حال كونه مأموماً في الصَّلاة: إذ تكون أعمالُه فيها مساويةً لأعمال الإمام، بل بعضهم يسبقه فيها!! والمسابقة محرّمةٌ اتّفاقاً لظاهر الأحاديث السابقة، إذ فيها توعد بالمسخ، وهو من أشدّ العقوبات. فإن سبقه بالإحرام أو السلام، بطلت صلاة المأموم (١) ، وإن سبقه بغيرهما، وانتظر حتى أدركه الإمام، فهو حرام، يأثم فاعله، وصلاته صحيحة (٢) .

стр. 249

وعن ابن عمر وأحمد: أنها باطلة، بناء على أن النهي يقتضي الفساد (٢) . واختلف في معنى التحويل المذكور في حديث أبي هريرة: فقيل: هو باقٍ على ظاهره، فيمسخه الله مسخاً حسيّاً، ويؤيّده: ورود الوعيد بلفظ المستقبل، ولا يُقالُ: ليس في الحديث ما يدّل على وقوع المسخ، بل غايته: أن فاعل ذلك متعرّض لهذا الوعيد، ولا يلزم من التعرّض للشيء وقوع ذلك الشيء، لأنه: لا مانع من وقوعه. وقيل: إن التحويل المذكور يقع يوم القيامة. ويحتمل أن يراد: المسخ المعنوي، الذي هو طمس القلوب والبصائر، فيكون أعمى القلب عن طريق الحقّ، فلا يسلكه (٣) . وقال ابن حجر عن بعض المحدّثين: أنه رحل إلى دمشق لأخذ الحديث عن شيخٍ مشهورٍ بها، فقرأ عليه جملة، لكنه كان يجعل بينه وبينه حجاباً، ولم ير وجهه، فلما طالت ملازمتُه له، ورأى حرصه على الحديث، كشف له الستر، فرأى وجهه: وجه حمار، فقال له: احذر يا بُنيَّ أن تسبق الإمام، فإني لما مرّ بي في الحديث استبعدتُ وقوعه، فسبقتُ الإمام، فصار وجهي كما ترى (٤) . وعلاج مَنْ يسابق الإمام ودواؤه: أن يعلم أنه لا سبب لفعل ذلك، إلا طلب الاستعجال، واستحواذ الشيطان، واستحضار أنه لا يسلّم قبل الإمام، فلا ثمرة في الاستعجال، بل فيه الإثم والعقاب.

стр. 250

[٢/٤١] والمشاهد: أن أغلب الذين يسابقون الإمام مَنْ يبكرون في الحضور للمسجد، فيا لله من فعلهم هذا! فإنهم على الرغم من طول انتظارهم، ما استفادوا شيئاً من الثواب، ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحدّ، بل لحقهم كثيرٌ من العقاب. ورحم الله ابن الجوزي عندما قال: ((ومن العوام مَنْ يعتمد على نافلةٍ ويضيّع فرائض، مثل: أن يحضر إلى المسجد قبل الأذان ويتنفّل، فإذا صلّى مأموماً سابق الإمام)) (١) . ومن أخطاء بعض الحجيج والعُمّار قيامهم قبل تسليم الإمام حتى يتمكنوا من تقبيل الحجر الأسود! قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: ((رأيت أمراً عجباً ... رأيتُ من يقوم قبل أن يسلّم من الصلاة المفروضة ليسعى بشدّة إلى تقبيل الحجر، فيبطل صلاته المفروضة، التي هيَّ أحد أركان الإسلام لأجل أن يفعل هذا الأمر الذي ليس بواجب، وليس بمشروع أيضاً، إلا إذا قرن بالطواف، وهذا من جهل الناس المطبق الذي يأسف الناس له)) (٢) . وفي القابل: [٣/٤٠] هناك فريق يتأخر عن الإمام، حال السجود والقيام منه، أو حال الركوع والاعتدال منه، وهؤلاء خالفوا قول الرسول ﷺ : ((إنما جُعِل الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا)) (٣) .

стр. 251

فمقتضى الحديث أن ركوع المأموم يكون بعد ركوع الإمام، إما بعد تمام انحنائه، وإما أن يسبقه الإمام بأوّله، فيشرع فيه بعد أن يشرع، لا أن يتأخّر عنه، حتى يقارب القيام منه، ومن ثم يركع المأموم، ويبقى على هذا الحال، يلاحق الإمام ملاحقة، فلا هو مطمئن في صلاته، ولا يدري ما يقول فيها، ويتخوّف عليها من النقصان أو البطلان. وعلى الأئمة أن يتّقوا الله في صلاتهم وصلاة الناس، فإنهم ضامنون، فعليهم بالطمأنينة والتؤدة وعدم العجلة، والله الهادي إلى سواء السبيل. قال الإمام أحمد: ((فما أولى الإمام بالنّصيحة لمن يصلّي خلفه، وأن ينهاهم عن المسابقة في الركوع والسجود، وأن لا يركعوا ويسجدوا مع الإمام، بل يأمرهم بأن يكون ركوعهم وسجودهم ورفعهم وخفضهم بعده، وأن يحسن أدبهم وتعليمهم، إذ كان راعياً لهم، وكان غداً مسؤولاً عنهم. وما أولى بالإمام أن يحسن صلاته، ويتمها ويحكمها، وتشتد عنايته بها، إذ كان له مثل أجر من يصلّي خلفه إذا أحسن، وعليه مثل وزرهم إذا أساء)) (١) . ومن الطريف ـ أخي القاريء ـ أن أسرد لك هذه القصة، لتعلم حرص سلفك الصالح على عدم مسابقة الإمام، وأنَّ مَنْ يسابق الإمام سارقٌ خائنٌ في نظرهم.

стр. 252

قال ابن كثير: إن الحجاج بن يوسف صلّى مرّة بجنب سعيد بن المسيّب ـ وذلك قبل أن يلي شيئاً ـ فجعل يرفع قبل الإمام، ويقع قبله في السجود، فلما سلّم أخذ سعيد بطرف ردائه ـ وكان له ذكر يقوله بعد الصّلاة ـ فما زال الحجاج ينازعه رداءه، حتى قضى سعيد ذكره، ثم أقبل عليه سعيد، فقال له: يا سارق! يا خائن! تصلّي هذه الصّلاة؟! لقد هممتُ أن أضرب بهذا النّعل وجهك. فلم يرد عليه، ثم مضى الحجاج إلى الحج، ثم رجع فعاد إلى الشّام، ثم جاء نائباً على الحجاز. فلما قتل ابن الزبير، كرّ راجعاً إلى المدينة، نائباً عليها، فلما دخل المسجد، إذا مجلس سعيد بن المسيب، فقصده الحجاج، فخشي الناس على سعيد منه، فجاء حتى جلس بين يديه، قال له: أنت صاحب الكلمات؟ فضرب سعيد صدره بيده، وقال: نعم! قال: فجزاك الله من معلّم ومؤدّب خيراً، ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا أذكر قولك، ثم قام ومضى (١) . [٤٢] * تكبير المسبوق للإحرام وهو نازل إلى الركوع: ومن أخطاء المسبوقين في صلاة الجماعة: [١/٤٢] أن ينشغل عن تكبيرة الإحرام في القيام، طمعاً في إدراك الركوع مع الإمام، لكي يلحق الركعة، فيأتي بالتكبيرة وهو نازل للركوع!! وهذا منافٍ لقوله ﷺ : ((إذا قمت للصلاة فكبر)) (٢) . فالتكبير يكون في القيام، لا في القعود ولا في الهوي إلى السجود أو النزول للركوع. قال الشوكاني: ((اعلم أن تكبير الافتتاح من قعود أو بغير اللفظ الذي ثبت عن الشارع،

стр. 253

بدعة، وكل بدعة ضلالة، فما لنا للتعرض لمثل هذا، وأنه قد قال به فلان، أو عمل به فلان، وجعل ذلك ذريعة إلى الاعتراض على مَنْ قال بالحق، ودان بالصّواب)) (٣) . وقد صرّح جمهور الفقهاء على وجوب الإتيان بتكبيرة الإحرام في القيام. قال النووي: ((يجب أن يكبر للإحرام قائماً، حيث يجب القيام. وكذا المأموم الذي يدرك الإمام راكعاً، يجب أن تقع تكبيرة الإحرام بجميع حروفها في حال قيامه، فإن أتى بحرفٍ منها، في غير حال القيام، لم تنعقد صلاته فرضاً بلا خلاف، وفي انعقادها نفلاً الخلاف)) (٤) . وقال ابن قدامة: ((وعلى المسبوق أن يأتي بالتكبيرة منتصباً، فإن أتى بها أن انتهى في الانحناء، إلى قدر الركوع أو ببعضها، لم يجزئه، لأنه أتى بها في غير محلّها، إلا في النافلة، ولأنه يفوته القيام، وهو من أركان الصلاة، ثم يأتي بتكبيرة أخرى للركوع، في حال انحطاطه إليه، فالأولى ركن لا تسقط بحال، والثانية تكبيرة الركوع)) (٥) . وقال الإمام علي القاري في هذه المسألة: ((وأما لو كبّر منحنياً كما يفعله العامة والجهلة من جهة العجلة، فلا تنعقد صلاته، إذ القيام شرط في تكبير التحريمة للقادر عليه، كيف وبعضهم يكبّرون حال الركوع، وحينئذ لا يكون محسوباً أبداً. نعم، إنْ كبّر تكبيرة التحريمة قائماً، ثم كبّر تكبيرة الركوع في الركوع أو تركها، صحت صلاته مع الكراهة. والنقول في هذه المسائل مشهور، وفي كتب المذهب مسطورة، وإنما أردنا تنبيه الغافلين،

стр. 254

ولو كانوا بزعمهم من العلماء العالمين، أو المشايخ الكاملين!!)) (١) . وسئل الشيخ ابن باز: إذا حضر المأموم إلى الصّلاة والإمام راكع، هل يكبّر تكبيرة الافتتاح أو يكبّر ويركع؟ فأجاب: الأولى والأحوط أن يكبر التكبيرتين: إحداهما: تكبيرة الإحرام، وهي ركن، ولا بدّ أن يأتي بها وهو قائم. والثّانية: تكبيرة الركوع، يأتي بها حين هويه إلى الركوع. فإن خاف فوت الركعة، أجزأته تكبيرةُ الإحرام في أصح قولي العلماء، لأنهما عبادتان اجتمعتا في وقت واحد، فأجزأت الكبرى عن الصغرى، وتجزىء هذه الركعة عند أكثر العلماء (٢) . انتهى. وصرح جماعة من العلماء الأقدمين ـ كالزّهري وسعيد بن المسيب والأوزاعي ومالك ـ بأن التكبيرة الواحدة في مثل هذه الحالة تجزىء (٣) . قلت: [٢/٤٢] ولا داعي لما يفعله بعض المصلّين من وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام وقبل النزول للركوع، إذ وضع اليدين حال القراءة، ولا قراءة في هذه الحالة. [٤٣] * انشغال المسبوق بدعاء الاستفتاح، وتأخره عن اللحوق بصلاة الجماعة: ومن أخطاء بعض المسبوقين:

стр. 255

[١/٤٣] الانشغال بقراءة دعاء الاستفتاح والطمأنينة فيه، وفي الاستعاذة والبسملة، فما يكاد ينتهي منها إلا والإمام راكعٌ، أو قارب من الركوع. قال ابن الجوزي: ((ومن الموسوسين من تصح له التكبيرة خلف الإمام، وقد بقي من الركعة يسير، فيستفتح ويستعيذ، فيركع الإمام. وهذا تلبيس لأن الذي شرع فيه من التعوذ والاستفتاح مسنون، والذي تركه من قراءة الفاتحة، وهو لازم للمأموم عند جماعة من العلماء، فلا ينبغي أن يقدّم عليه سنّة)) (١) . وقال: ((وقد كنتُ أُصلّي وراء شيخنا أبي بكر الدّينوري الفقيه في زمان الصّبا، فرآني مرّة أفعل هذا، فقال: يابني إن الفقهاء قد اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة خلف الإِمام، ولم يختلفوا في أن الاستفتاح سنّة، فاشتغل بالواجب، ودع السنن)) (٢) ومن أخطائهم: [٢/٤٣] التأخر عن اللحوق بصلاة الجماعة – إذا كان الإمام في غير القيام أو الركوع -، وانتظار قيام الإمام، حتى يلتحق به، ويفوته في هذه الحالة فضل السجود الوارد في كثير من الأحاديث. فضلاً عن مخالفته لقول الرسول ﷺ : ((إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم بالسكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)) (٣) . قال الحافظ ابن حجر: ((واستدل به أيضاً على استحباب الدخول مع الإمام في أيّ حالة وجد عليها، وفيه حديث أصرح منه: أخرجه ابن أبي شيبة عن رجل من الأنصار مرفوعاً: من

стр. 256

وجدني راكعاً أو قائماً أو ساجداً فليكن معي على حالتي التي أنا عليها (٤)) ) (٥) . وعن أبي بكرة ﵁ أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصّفّّ، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: زادك اللهُ حرصاً ولا تَعُدْ (٦) . وفي هذا الحديث أيضاً: استحباب موافقة الداخل للإمام على أي حالٍ وجده عليها (٧) . ومن أخطائهم: [٣/٤٣] إذا لم يجد فرجة في الصَّف، أو مكاناً فيه، قام بجذب رجل من الصّف الأخير، ليصّف معه، والأحاديث الواردة في ذلك غير صحيحة (١) ، فبقي هذا العامل تشريعاً بدون نص صريح، وهذا لا يجوز، بل الواجب أن ينضمّ إلى الصف إذا أمكن، وإلا صلّى وحده، وصلاته صحيحة، لأنه ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعهاَ﴾ ، وحديث الأمر بالإعادة (٢) محمول على إذا ما قصر في الواجب، وهو الانضمام إلى الصّفّ وسد الفرج، وأما إذا لم يجد فرجة، فليس بمقصّر، فلا يعقل أن يحكم على صلاته بالبطلان في هذه الحالة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن

стр. 257

تيمية (٣) . قال الشيخ عبد العزيز بن باز: في جواز الجذب نظر، لأن الحديث الوارد فيه ضعيف، ولأن الجذب يفضي إلى إيجاد فرجة في الصّف، والمشروع سد الخلل، فالأولى ترك الجذب، وأن يلتمس موضعاً في الصف، أو يقف عن يمين الإمام، والله أعلم (٤) .

стр. 258

أخطاؤهم في ثواب صلاة الجماعة وبعض أخطاء المتخلفين عنها، والتشديد في حقّ مَنْ تركها. * ثواب الصلاة في بيت المقدس. * صلاة الجماعة في غير المساجد. * صلاة الجماعة الثانية، وتعدد الجماعات في المسجد الواحد والأنفة عن الصّلاة خلف المخالف في المذاهب. * التشديد في التخلّف عن الجماعة.

стр. 259

[٤٤] * ثواب الصّلاة في بيت المقدس: [١/٤٤] : الشائع عند عوام المصلّين، بل عند غير واحد من خواصّهم: أن الصلاة في بيت المقدس خمس مئة صلاة!! اعتماداً على ما رفعه جابر: ((صلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة، وصلاة في مسجدي ألف صلاة، وفي بيت المقدس خمسمائة صلاة)) . وهذا الحديث عند البيهقي في ((شعب الإيمان)) . والخطيب في ((المتفق والمفترق)) ، وفيه إبراهيم بن أبي حية وهو واهٍ، كما قال السيوطي في ((الجامع الكبير)) : (٢/٦١/١) . ونحوه عن أبي الدرداء مرفوعاً أيضاً. عند: الطبراني في ((الكبير)) وابن خزيمة في ((الصحيح)) والبزار في ((المسند)) وقال: إسناده حسن، ذكره المنذري في ((الترغيب والترهيب)) : (٢/١٣٧) وقال عقبه: (كذا قال)) !!

стр. 260

وفصّل الحافظ الناجي في ((عجالة الإملاء المتيسرة)) : (لوحة ١٣٥/١) أن تحسين البزار ليس حسناً، وأن كلام المنذري يفيده، فقال معلّقاً على كلام المنذري: ((وهو كما قال المصنّف، إذ فيه سعيد بن سالم القدّاح، وقد ضعّفوه، ورواه عن سعيد بن بشير، وله ترجمة في آخر الكتاب في الرواة المختلف فيهم)) (١) . والصّحيح المحفوظ: أنّ الصّلاة في المسجد الأقصى تعدل خمسين ومئتي صلاة فيما سواه إلا مسجدي مكة والمدينة، فإن لهما فضلاً عليه، فقد أخرج ابن ماجه في ((السنن)) رقم (١٤٠٦) وأحمد في ((المسند)) : (٣/٣٤٣ و ٣٩٧) عن جابر أن النبي ﷺ قال: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، فصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه. واسناده صحيح على شرط الشيخين (١) . قال البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) (٢) : ((هذا إسناد صحيح رجاله ثقات)) . وقال أيضاً: ((وأصله في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة، وفي مسلم وغيره من حديث ابن عمر، وفي ابن حبان والبيهقي من حديث عبد الله بن الزّبير)) . والدليل على ما قلناه: عن أبي ذر ﵁ قال:

стр. 261

تذاكرنا ـ ونحن عند رسول الله ﷺ أيّهما أفضل: أمسجد رسول الله ﷺ أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله ﷺ : صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلَّى هو. وليوشكن أن يكون للرجل مثل شطن (٣) فرسه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس خير له من الدنيا جميعاً. قال: أو قال: خير من الدنيا وما فيها (٤) . أخرجه ابن طهمان في ((مشيخته)) : رقم (٦٢) ومن طريقه الحاكم في ((المستدرك)) : (٤/٥٠٩) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) : (١/١٦٣ - ١٦٤) والطحاوي في ((مشكل الآثار)) : (١/٢٤٨) والبيهقي كما في ((الترغيب والترهيب)) : (٢/٢١٧ ـ ط عمارة) . وإسناده صحيح (٥) . وبهذه المناسبة:

стр. 262

[٢/٤٤] أُشير إلى خطأ بعض مَنْ يتورّعون في الصّلاة في الزّيادات التي أُضيفت على المسجد الحرام ومسجد رسول الله ﷺ ، ظنّاً منهم: أنهم لن ينالوا الأجر الوارد في حديث جابر السّابق!! ويتأكد لك ـ أخي المصلّي ـ خطأ أولئك، عندما تقرأ أثر عمر بن الخطاب عند ابن شبة في كتاب ((أخبار المدينة)) : ((لو مُدّ مسجد النبيّ ﷺ إلى ذي الحليفة، لكان منه)) . وفي لفظ: ((لو زدنا فيه حتى بلغ الجبّانة كان مسجد رسول الله ﷺ ، وجاءه الله بعامر)) . ويشهد له: عمل السّلف الصالح، فقد زاد عمر وعثمان في مسجده ﷺ من جهة القبلة، فكان يقف الإمامُ في الزّيادة، ووراءه الصّحابة في الصّف الأوّل، فما كانوا يتأخّرون إلى المسجد القديم، كما يفعل بعض النّاس اليوم (١) !! قال شيخ الإسلام: ((وقد جاءت الآثار بأن حكم الزّيادة في مسجده ﷺ حكم المزيد، تضعف فيه الصّلاة بألف صلاة، كما أن المسجد الحرام حكم الزّيادة فيه حكم المزيد، فيجوز الطواف فيه، والطواف لا يكون إلا في المسجد لا خارجاً منه. ولهذا اتّفق الصّحابة على أنهم يصلّون في الصّف الأوّل من الزّيادة التي زادها عمر ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده، لكانت تلك صلاة في غير مسجده، ويأمرون بذلك)) ثم قال: ((وهذا هو الذي يدلّ عليه كلام الأئمة المتقدّمين وعملهم، فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل. وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنّة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر وعثمان ﵄، فإن كليهما مما زاد من قِبلي المسجد، فكان مقامه في الصّلوات الخمس في الزّيادة، وكذلك مقام الصّف

стр. 263

الأوّل الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنّة والإجماع، وإذا كان كذلك، فيمتنع أن تكون الصَّلاة في غير مسجده، أفضل منها في مسجده، وأن يكون الخلفاء يصلّون في غير مسجده، وما بلغني عن أحدٍ من السّلف خلاف هذا. لكن رأيتُ بعض المتأخرين قد ذكروا أن الزّيادة ليست من مسجده، وما علمت له في ذلك سلفاً من العلماء)) (٢) . [٤٥] * صلاة الجماعة في غير المساجد: يظنّ كثير من البطّالين حين اجتماعهم في مجالس الدّنيا والخوض ـ بحق وباطل ـ في أمورها، ويحين موعد الآذان، أن صلاتهم في ناديهم ذاك، تسقط عنهم الجماعة في المسجد، وأنهم ينالون ثواب الجماعة، كما لو صلوها في المسجد، ولو لم يكن يبعد عنهم إلا أمتاراً يسيرة!! قال الحافظ ابن حجر: ((وقد جاء عن بعض الصحابة قصر التضعيف إلى خمس وعشرين، على التجميع ـ أي في المسجد الجامع ـ وفي المسجد العام، مع تقرير الفضل في غيره. وروى سعيد بن منصور بإسنادٍ حسن: عن أوس المعافري أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: أرأيت مَنْ توضأ، فأحسن الوضوء، ثم صلّى في بيته؟! قال: حسن جميل. قال: فإن صلى في مسجد عشيرته؟ قال: خمس عشرة صلاة. قال: فإن مشى إلى مسجد جماعة، فصلّى فيه؟

стр. 264

قال: خمس وعشرون)) (١) . قلت: وهذا مذهب الإمام البخاري ﵀، أعني: أن الأحاديث الواردة في فضل الجماعة، مقصورة على من جمع في المسجد، دون من جمع في بيته، كما في ((الفتح)) (٢) و ((إرشاد الساري)) (٣) و ((لامع الدّراري)) (٤) . وإلى هذا ذهب بعض الفقهاء؛ قال ابن نجيم: ((من جمع بأهله لا ينال ثواب الجماعة، إلا إذا كان لعذر)) (٥) . ويتأيّد ما قلناه: إذا علمتَ: أن الجماعة في نظر الشّارع، تكون في المساجد دون البيوت، فإن الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ إذا طمعوا في إدراك الجماعة، لم يكونوا يصلّونها في البيوت، وكانوا يذهبون إلى المساجد، فإن فاتتهم الجماعة صلّوها في البيوت. فجماعتهم لم تكن إلا في المسجد، ولم تكن في البيت إلا الصلاة منفرداً، وقد تغيّر العرف في زمننا، فجعل بعضُ المترفّهين يجمعون في بيوتهم (٦) ! قال ﷺ : ((صلاة الرجل في الجماعة، تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضّأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصّلاة، لم يخْطُ خطوة، إلا رفعت له بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة، فإذا صلّى لم تزل الملائكة تصلّي عليه، ما دام في مصلاّه: اللهم صلّ

стр. 265

عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة)) (١) . فقوله ﷺ : ((ثم خرج إلى المسجد)) علّةٌ منصوصة، فلا يجوز إلغاؤها، وحينئذ يختص تضعيف الأجر بمن أتاها من البعد، فلا يحصل التضعيف لمن صلّى في بيته في جماعة. قال الكشميري: ((إن شئت، قلت: إنّ الصّلاة في البيت مفضولة عن الصلاة في المسجد، فإنهما عبارتان عن معنى واحد، على الفرض المذكور، بقي تجميع فائت الجماعة في بيته، فهو بمعزل عن النظر، لأنه من العوارض، لا أن الجماعات مشروعة في البيوت، لتبنى عليها الأحكام)) (٢) . قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ: ((ومن تأمل السنّة حق التّأمل، تبيّن له أن فعلها في المساجد فرض على الأعيان إلا لعارضٍ يجوز معه ترك الجمعة والجماعة، فترك حضور المسجد لغير عذر كترك أصل الجماعة لغير عذر، وبهذا تتفق حميع الأحاديث والآثار. ولما مات رسول الله ﷺ ، وبلغ أهل مكة موته، خطبهم سهيل بن عمرو، وكان عتاب بن أسيد عامله على مكة، وقد توارى خوفاً من أهل مكة، فأخرجه سهيل، وثبت أهل مكة على الإسلام، فخطبهم بعد ذلك عتاب، وقال: يا أهل مكة! والله لا يبلغني أن أحداً منكم تخلّف عن الصّلاة في المسجد في الجماعة إلا ضربتُ عنقه. وشكر أصحابُ رسول الله ﷺ هذا الصّنيع، وزاده رفعة في أعينهم، فالذي ندين الله به أنه لا يجوز لأحد التخلف عن الجماعة في المسجد إلا من عذر، والله أعلم بالصواب)) (٣) .

стр. 266

[٤٦] * صلاة الجماعة الثانية، وتعدد الجماعات في المسجد الواحد، والأنفة عن الصلاة خلف المخالف في المذاهب: [١/٤٦] من أخطاء المتخلّفين عن صلاة الجماعة الأولى الأم: إقامة جماعة ثانية بعد جماعة الإمام الراتب أو مَنْ ينوب عنه. وقد منع ذلك جماعة من الفقهاء، واختاروا الصلاة فرادى على الصلاة في جماعة في مسجد قد صلّي فيه مرّة، وهم: سفيان الثوري وعبد الله بن المبارك ومالك بن أنس ومحمد بن إدريس الشافعي والليث بن سعد والأوزاعي والزهري وعثمان البتي وربيعة وأبو حنيفة وصاحباه: أبو يوسف ومحمد بن الحسن والقاسم ويحيى بن سعيد وسالم بن عبد الله وأبو قلابة وعبد الرزاق الصنعاني وابن عون وأيوب السختياني والحسن البصري وعلقمة والأسود والنخعي وعبد الله بن مسعود (١) . والأدلة على ذلك: ١- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٢) . ووجه الدلالة من الآية: قوله تعالى ﴿وتفريقاً بين المؤمنين﴾ فهي منطوق في أن الجماعة لا ينبغي أن تفرق، وينبغي للمؤمنين أن تجتمع كلمتهم، ولا يكون ذلك إلا بالجماعة الأولى مع الإمام الراتب. قال ابن العربي:

стр. 267

((يعني إنهم كانوا جماعة واحدة، في مسجد واحد، فأرادوا ـ أي المنافقين ـ أن يفرّقوا شملهم في الطاعة، وينفردوا عنهم للكفر والمعصية، وهذا يدلك على أن المقصد الأكثر، والغرض الأظهر، من وضع الجماعة: تأليف القلوب، والكلمة على الطاعة، وعقد الذّمام والحرمة بفعل الديانة، حتى يقع الأُنس بالمخالطة، وتصفو القلوب من وضر (٣) الأحقاد والحسادة. ولهذا المعنى تفطّن مالك ﵁ حين قال: إنه لا تصلى جماعتان في مسجدٍ واحدٍ ولا بإمامين ولا بإمام واحد، خلافاً لسائر العلماء (٤) !! وقد روي عن الشافعي المنع، حيث كان ذلك تشتيتاً للكلمة، وإبطالاً لهذه الحكمة، وذريعة إلى أن نقول: مَنْ أراد الانفراد عن الجماعة، كان له عذر، فيقيم جماعة، ويقدم إمامته، فيقع الخلاف، ويبطل النظام، وخفي ذلك عليهم!! وهكذا كان شأنه معهم، وهو أثبت قدماً منهم في الحكمة، وأعلم بمقاطع الشريعة)) (٥) . ٢- حديث أبي بكرة ﵁: أن رسول الله ﷺ أقبل من نواحي المدينة، يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلوا، فمال إلى منزله، فجمع أهله، فصلّى بهم (١) . ووجه الدلالة منه: أنه لو كانت الجماعة الثّانية جائزة بلا كراهة، لما ترك النبي ﷺ فضل المسجد النبوي (٢) .

стр. 268

٣- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لقد هممتُ أن آمر فتيتي أن يجمعوا حزم الحطب، ثم آمر بالصلاة، فتقام، ثم أحرق على أقوام لا يشهدون الصّلاة (٣) . ووجه الدلالة منه: أن الجماعة الثانية لو كانت ثابتة، لما كان لذلك التحريق معنى، إذ لهم الاعتذار بشمول الجماعة الثانية. فإن قيل: يلزم على النبيّ ﷺ فعل ما ينهى عنه غيره، وهو ترك الجماعة الأولى. قلنا: لزوم ذلك على النبي ﷺ ، إذا فرض أن يصلي في مسجده ذلك، ونحن نعلم أنه لو فعل ذلك الإحراق، لصلى في مسجد آخر، أو في موضع غيره، ما لم يصل فيه مرّة. وقوله: (لا يشهدون الصلاة) يعني التي أمر بها أن تقام، فإن المعرفة إذا أعيدت كانت عين الأولى، مع أن الأصل في اللام إنما هو العهد، وهذا يعيّن ما قلنا من أمر الجماعة الثانية، فإنه لو كانت الجماعة الثانية معمولاً بها، لكان المناسب حينئذ أن يُقال: (لا يشهدون الصلاة) (٤) . ٤- الآثار: قال الإمام الشافعي: ((وإذا كان للمسجد إمام راتب، ففاتت رجلاً أو رجالاً

стр. 269

فيه الصلاة، صلّوا فرادى، ولا أحب أن يصلّوا فيه جماعة، فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه، وإنما كرهت ذلك لهم، لأنه ليس مما فعل السَّلفُ قبلنا، بل قد عابه بعضهم)) (٥) . فقوله: (عابه بعضهم) يدل على كراهة الجماعة الثّانية عند السلف، والمراد بالسلف في كلام المجتهدين هو الصحابة والتابعون ﵃. وقال أيضاً: ((وإنا قد حفظنا أن قد فاتت رجالاً معه – أي: النبي ﷺ الصلاة، فصلّوا بعلمه منفردين، وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا، وأن قد فاتت الصّلاة في الجماعة قوماً، فجاءوا المسجد، فصلّى كلُّ واحدٍ منهم منفرداً، وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا في المسجد، فصلّى كل واحد منهم منفرداً، وإنما كرهوا لئلا يجمعوا في المسجد مرتين)) (١) . يشير الإمام الشافعي إلى فعل عبد الله بن مسعود وغيره. أخرج عبد الرزاق ومن طريقه الطبراني: عن معمر عن حماد عن إبراهيم: أن علقمة والأسود أقبلا مع ابن مسعود إلى المسجد، فاستقبلهم الناس قد صلوا، فرجع بهما إلى البيت، فجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم صلى بهما (٢) . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندهما إلى الحسن البصري قال: كان أصحاب محمد ﷺ إذا دخلوا المسجد، وقد صلّي فيه صلّوا فرادى (٣) .

стр. 270

فلو كانت الجماعة الثانية في المسجد جائزة مطلقاً، لما جمع ابن مسعود في البيت، مع أن الفريضة في المسجد أفضل، ولما صلى أصحاب النبي ﷺ فرادى، مع استطاعتهم على التجميع. وعن سحنون عن ابن القاسم عن مالك عن عبد الرحمن بن المجبر قال: دخلت مع سالم بن عبد الله مسجد الجمعة، وقد فرغوا من الصلاة، فقالوا: ألا تجمع الصلاة؟ فقال سالم: لا تجمع صلاة واحدة في مسجدٍ مرّتين. قال ابن وهب: وأخبرني رجال من أهل العلم عن ابن شهاب ويحيى بن سعيد وربيعة والليث مثله (٤) . ففي قول سالم دلالة صريحة على كراهة تكرار الجماعة في مسجد واحد، ووافقه في ذلك جماعة من التابعين. ٥- أن الجماعة الثانية، تؤدّي إلى تفريق الجماعة الأولى، لأن الناس إذا علموا أن الجماعة تفوتهم يستعجلون، فتكثر الجماعة، وإذا علموا أنهم لا تفوتهم يتأخرون، فتقل الجماعة، وتقليل الجماعة مكروه (١) . قال القاضي ابن العربي في حكمة الكراهة: ((هذا معنى محفوظ في الشريعة، عن زيغ المبتدعة، لئلا يتخلّف عن الجماعة، ثم يأتي، فيصلّي بإمام آخر، فتذهب حكمةُ الجماعةِ وسنّتُها)) (٢) .

стр. 271

وقال الإمام الشافعي: ((وأحسب كراهية من كره ذلك منهم، إنما كان لتفريق الكلمة، وأن يرغب الرجل عن الصلاة خلف إمام جماعة، فيتخلّف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصّلاة، فإذا قضيت دخلوا فصلّوا، فيكون في هذا اختلاف وتفريق كلمة، وفيهما المكروه)) (٣) . وعلق الشيخ أحمد شاكر على كلام الإمام الشافعي بقوله: ((والذي ذهب إليه الشافعي من المعنى في هذا الباب، صحيح جليل، ينبىء عن نظرٍ ثاقبٍ، وفهمٍ دقيقٍ، وعقلٍ درّاك لروح الإسلام ومقاصده. وأوّل مقصدٍ للإِسلام ثم أجلّه وأخطره: توحيد كلمة المسلمين، وجمع قلوبهم في غاية واحدة، هي إعلاء كلمة الله، وتوحيد صفوفهم في العمل لهذه الغاية، والمعنى الروحي في هذا: اجتماعهم على الصلاة وتسوية صفوفهم فيها. وهذا شيء لا يدركه إلا مَنْ أنار الله بصيرته بالفقه في الدّين، والغوص على دُرَرِه، والسمو إلى مداركه، كالشافعي وأضرابه. وقد رأى المسلمون بأعينهم آثار تفرق جماعاتهم في الصلاة، واضطراب صفوفهم، ولمسوا ذلك بأيديهم، إلا مَنْ بطلت حاستُهُ، وطمس على بصره، وإنك لتدخل كثيراً من مساجد المسلمين، فترى قوماً يعتزلون الصّلاة مع الجماعة، طلباً للسنّة، زعموا!! ثم يقيموا جماعات أخرى لأنفسهم، ويظنّون أنهم يقيمون الصّلاة بأفضل مما يقيمها غيرُهُم، ولئن صدقوا!! لقد حملوا من الوزر ما أضاع أصل صلاتهم، فلا ينفعهم ما ظنّوه من الإنكار على غيرهم في ترك بعض السنن أو المندوبات. وترى قوماً آخرين، يعتزلون مساجد المسلمين، ثم يتّخذون لأنفسهم مساجد أخرى، ضراراً وتفريقاً للكلمة، وشقاً لعصا المسلمين، نسأل الله العصمة والتوفيق، وأن يهدينا إلى جمع كلمتنا، إنه سميع الدّعاء. وقد كان من تسلهل المسلمين في هذا، وظنّهم أنّ إعادة الجماعة في

стр. 272

المساجد جائزة مطلقاً، أنْ فشت بدعةٌ منكرةٌ في الجوامع العامّة، مثل الجامع الأزهر والمسجد المنسوب للحسين ﵁ وغيرهما بمصر، ومثل غيرهما في بلاد أخرى، فجعلوا في المسجد الواحد إمامين راتبين أو أكثر، ففي الجامع الأزهر ـ مثلاً ـ إمام للقبلة القديمة، وآخر للقبلة الجديدة، ونحو ذلك في مسجد الحسين، وقد رأينا فيه أن الشافعية لهم إمام يصلّي بهم الفجر في الغلس، والحنفيّون لهم إمام يصلّي الفجر بإسفارٍ، ورأينا كثيراً من الحنفيين ـ من علماء وطلاّب وغيرهم ـ ينتظرون إمامهم ليصلّي بهم الفجر، ولا يصلّون مع إمام الشافعيين، والصّلاة قائمة، والجماعة حاضرة، ورأينا فيهما وفي غيرهما جماعاتٍ تقام متعددةٍ في وقت واحد، وكلهم آثمون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، بل قد بلغنا أن هذا المنكر كان في الحرم المكي، وأنه كان يصلّي فيه أئمة أربعة يزعمونهم للمذاهب الأربعة، ولكنا لم نر ذلك، إذ أننا لم ندرك هذا العهد بمكة، وإنما حججنا في عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ﵀، وسمعنا أنه أبطل هذه البدعة، وجميع الناس في الحرم على إمام واحد راتب، ونرجو أن يوفّق الله علماء الإسلام لإبطال هذه البدعة من جميع المساجد في البلدان، بفضل الله وعونه، إنه سميع الدّعاء)) (١) . [٢/٤٦] وسئل ابن تيمية عن المذاهب الأربعة، هل تصح صلاة بعضهم خلف بعض أم لا؟ وهل قال أحدٌ من السَّلف أنه لا يصلي بعضهم خلف بعض؟ ومن قال ذلك فهل هو مبتدع أم لا؟ وإذا فعل الإمام ما يعتقد أن صلاته معه صحيحة، والمأموم يعتقد خلاف ذلك، فهل تصح صلاة المأموم والحال هذه؟ فأجاب: نعم، تصح صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة والتّابعون لهم بإحسان ومن بعدهم الأئمة الأربعة، يصلّي بعضهم خلف بعض، مع تنازعهم في هذه المسائل المذكورة، ولم يقل أحد من السلف أنه لا يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك، فهو مبتدع ضال، مخالف للكتاب والسنّة وإجماع سلف

стр. 273

الأمة وأئمتها. وإنما خالف بعضُ المتعصبين من المتأخرين، فزعم أن الصّلاة خلف الحنفي لا تصح، وإن أتى بالواجبات، لأنه أدّاها وهو لا يعتقد وجوبها، وقائل هذا القول إلى أن يستتاب كما يستتاب أهل البدع، أحوج منه إلى أن يعتدّ بخلافه. وقد ثبت في ((الصحيح)) وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: ((يصلّون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإنْ أخطأوا فلكم وعليهم)) (١) فقد بيّن النبي ﷺ أن خطأ الإمام لا يتعدى إلى المأموم، ولأن المأموم يعتقد أن ما فعله الإمام سائغ له، وأنه لا إثم عليه فيما فعل، فإنه مجتهد، أو مقلّد مجتهد، وهو يعلم أن الله قد غفر له خطأه، فهو يعتقد صحة صلاته، وأنه لا يأثم إذا لم يعدها (٢) . ولم يظهر تعدد الجماعات إلا في القرن السادس الهجري، كما في ((فتح العلي المالك)) : (١/٩٢) ، ولهذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم إذا فاتته الصلاة جماعة صلى الفريضة وأكثر من التنفّل، حتى يتحصل على ثواب الجماعة (٣) . ٦- أن سبب الجماعة الثانية، التكاسل في أمر الجماعة الأولى، وسبب المكروه مكروه، فافهم. ٧- ومن دلائل الكراهة: عدم أمره ﷺ في صلاة الخوف بتكرار الجماعة وعدم ثبوت الجماعة بعد جماعته ﷺ ، وثبوت أن الصحابة والتابعين إذا فاتتهم الجماعة يصلون فرادى، أو في البيوت جماعة، كما مضى. ٨- وقد تفوت المصلي الجماعة وهو معذور، وحينئذ فله ثواب الجماعة، وإن صلاها منفرداً.

стр. 274

قال ﷺ : ((إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى الصلاة، لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حطّ الله عنه سيّئة، فلْيُقرب أحدكم أو ليبعد، فإن أتى المسجد فصلّى في جماعة غفر له، فإن أتى المسجد وقد صلوا بعضاً وبقي بعض، صلى ما أدرك، وأتم ما بقي، كان كذلك، فإن أتى المسجد، وقد صلوا، فأتم الصلاة، كان كذلك)) (١) . وقال ﷺ : ((من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح، فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر مَنْ صلاها وحضرها، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً)) (٢) . قال السندي: ظاهر الحديث أن إدراك فضل الجماعة، يتوقف على أن يسعى لها بوجهه، ولا يقصر في ذلك، سواء أدركها أم لا، فمن أدرك جزءاً منها، ولو في التشهد فهو مدرك بالأولى، وليس الأجر والفضل مما يعرف بالاجتهاد، فلا عبرة بقول من يخالف قوله الحديث في هذا الباب أصلاً (٣) . قلت: فإن كان الأمر كذلك، فما الدّاعي لإقامة الجماعة الثانية!! فتأمل.

стр. 275

ومن الجدير بالذكر التنبيه على أمور: [٣/٤٦] الأوّل: أن الاعتراضات التي وجهها المخالفون ـ وهم المجيزون ـ لا تستقيم فضلاً عن قوة مناقشة المانعين لها، وقد أتينا عليها في كتابنا ((إعلام العابد في حكم تكرار الجماعة في المسجد الواحد)) ، ونجتزىء هنا على أقواها وأظهرها في رأيهم، وهو استدلالهم بحديث أبي سعيد الخدري: ((ألا رجل يتصدّق على هذا)) (٤) .وهذا الاستدلال ليس في محلّه، إذ ((أن الخطاب لجماعة قد صلوا فريضتهم)) (٥) وليس لإقامة جماعة أخرى في مسجد قد صلي فيه مرّة! ونقول بعبارة أخرى: أن المتصدِّق ـ وهو مَنْ صلّى فرضه ثم قام يصلّي مع مَنْ تأخر عن الجماعة الأم ـ يتصدق على من فاتته الجماعة، بثواب ست وعشرين درجة، إذ لو صلى منفرداً، لم يحصل له إلا ثواب صلاة واحدة، وعبارة رسول الله ﷺ : (يتصدّق) فيها رد صريح على المجيزين، فنقول لهم: عرفنا من المتصدِّق ومَن المتصدَّق عليه في الحادثة، ولكن يا ترى من المتصدِّق والمتصدَّق عليه، حال قيام الجماعة الثانية؟! ومن ثم إن عبد الله بن مسعود ﵁ يقول في صلاة الجماعة: ((ما

стр. 276

يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النّفاق)) (١) . فيا ترى الضمير في (عنها) على ماذا تعود، على صلوات الكسالى التي تقام بعد صلاة الإمام الرّاتب حتى دخول وقت الصلاة التي تليها، كما نشاهده في بعض مساجدنا!! ولو كان الأمر كذلك، كيف يُعرف هذا المنافق، بالتخلّف عن الجماعة؟! [٤/٦٤] الثاني: للمتخلّف عن صلاة الجماعة، دون تعود أو تعمّد أن يبحث عن رجل ـ صلّى فرضه ـ يتصدّق عليه، ولا خلاف في ذلك، وهذه الصورة منصوص عليها في حديث أبي سعيد السابق. [٥/٤٦] الثالث: ليس للإمام إعادة الصلاة مرتين، وجعل الثانية عن فائتة أو غيرها، والأئمة متّفقون على أنه بدعة مكروهة، ذكره الشيخ تقيّ الدين (٢) . [٦/٤٦] الرابع: لا كراهة في تكرار الجماعات في مساجد الطرقات التي لا إمام راتب لها ولا مؤذّن. ومحل الكراهة المذكورة: في المسجد الذي له إمام راتب، وصلى في وقته المعلوم، ونائب الراتب حكمه حكم الراتب. ولا فرق بين كون الإمام راتباً في كلّ الصّلوات أو بعضها. [٧/٤٦] الخامس: يحرم ـ اتّفاقاً ـ تعدد الجماعات لصلاة الفرض، في وقت واحد، وفي مسجد واحد (٣) . [٨/٤٦] السادس: كراهة صلاة الجماعة مرة ثانية في مسجد له إمام راتب، لا تنافي حصول فضل الجماعة لمن جمع مع الإمام الراتب (١) .

стр. 277

[٤٧] * التشديد في التخلّف عن الجماعة: [١/٤٧] عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لقد هممتُ أن آمر فتيتي أن يجمعوا حزم الحطب، ثم آمر بالصلاة، فتقام، ثم أحرق على أقوامٍ لا يشهدون الصَّلاة (٢) . قال ابن القيم: ((ولم يكن ليحرق مرتكب صغيرة، فتركُ الصّلاة في الجماعة هو من الكبائر)) . وقد منع قومٌ الاستدلال بهذا الحديث على وجوب الجماعة، ونتعرض بإيجاز لشبههم ونَردّها. أما تركه ﷺ التحريق بعد همّه به. فإن في ((المسند)) وغيره زيادة في الحديث، بيَّنَتْ المانع الذي منعه ﷺ ، وهي: ((لولا ما في البيوت من النّساء والذريّة لأمرت أن تقام الصّلاة ... )) . فبيّن ﷺ أنه إنما منعه من ذلك: مَنْ فيها مِنْ النّساء والذرية، فإنهم لا يجب عليهم شهود الصلاة، وفي تحريق البيوت قتل مَنْ لا يجوز قتله، وكان ذلك بمنزلة إقامة الحدّ على الحبلى، وقد قال : ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاء لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣) . ومن حمل ذلك على ترك شهود الجمعة:

стр. 278

فسياق الحديث يبيّن ضعفه، حيث ذكر صلاة العشاء والفجر، ثم أتبع ذلك بهمّه بتحريق من لم يشهد الصّلاة. وأما مَنْ حمل العقوبة على النّفاق، لا على ترك الصّلاة، فقوله ضعيف لأوجه: أحدها: أن النبي ﷺ ما كان يقتل المنافقين على الأمور الباطنة، وإنما يعاقبهم على ما يظهر منهم من ترك واجب، أو فعل محرم، فلولا أن في ذلك ترك واجب لما همّ بحرقهم. الثاني: أنه رتب العقوبة على ترك شهود الصلاة،فيجب ربط الحكم في السبب الذي ذكره. الثالث: أن ذلك حجة على وجوبها أيضاً، كما ثبت في ((صحيح مسلم)) وغيره عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ((من سره أن يلقى الله غداً مسلماً، فليصلّ هذه الصّلوات الخمس حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيّه سنن الهدى، وإن هذه الصلوات الخمس في المساجد التي ينادى بهن من سنن الهدى، وإنكم لو صلّيتم في بيوتكم كما صلى هذا المتخلّف في بيته، لتركتم سنّة نبيكم، ولو تركتم سنّة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النّفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصّف)) (١) . فقد أخبر عبد الله بن مسعود أنه لم يكن يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النّفاق، وهذا دليل على استقرار وجوبها عند المؤمنين، ولم يعلموا ذلك إلا من جهة النبي ﷺ ، إذ لو كانت عندهم مستحبّة كقيام الليل والتطوعات التي مع الفرائض، وصلاة الضحى، ونحو ذلك، كان منهم من يفعلها، ومنهم من لا يفعلها مع إيمانه، كما قال له الأعرابي: ((والله لا أزيد على ذلك، ولا أنقص منه)) فقال: ((أفلح إن صدق)) .

стр. 279

ومعلوم أن كل أمر لا يتخلف عنه إلا منافق، كان واجباً على الأعيان. كخروجهم إلى غزوة تبوك، فإن النبي ﷺ أمر به المسلمين جميعاً، لم يأذن لأحدٍ في التخلّف، إلا من ذكر أن له عذراً، فأذن له لأجل عذره (٢) . ويؤكد وجوب صلاة الجماعة: ما رواه مسلم في ((صحيحه)) انّ رجلاً أعمى قال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسولَ الله ﷺ أن يرخّص له، فلما ولّى دعاه فقال: هل تسمع النّداء؟ قال نعم. قال: فأجب (٣) . والأمر المطلق للوجوب، فكيف إذا صرح صاحب الشرع بأنه لا رخصة للعبد في التخلّف عنه لضرير، شاسع الدار (٤) ، ((ليس له قائد يقوده إلى المسجد، بل وفي طريقه الأشجار والأحجار كما في بعض الروايات الصحيحة في الحديث، فهل هناك حكم اجتمع فيه مثل هذه القرائن المؤكّدة للوجوب، ومع ذلك يقال: هو ليس بواجب؟!)) (٥) ومن أدلة الوجوب: قوله تعالى:

стр. 280

﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ (١) وذلك من وجهين: أحدهما: أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في حال الخوف، وذلك دليل على وجوبها حال الخوف، وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن. الثّاني: أنه سنّ صلاة الخوف جماعة، وسوّغ فيها ما لا يجوز لغير عذر، كاستدبار القبلة، والعمل الكثير، فإنه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق، وكذلك مفارقة الإمام قبل السلام عند الجمهور، وكذلك التخلّف عن متابعة الإمام كما يتخلّف الصف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كان العدو أمامهم. وهذه الأمور مما تبطل الصلاة بها لو فعلت لغير عذر، فلو لم تكن الجماعةُ واجبةً بل مستحبّة، لكان قد التزم فعل محظور مبطل للصلاة، وتُرِكَت المتابعة الواجبة في الصلاة لأجل فعل مستحب! مع أنه قد كان من الممكن أن يصلّوا وحداناً صلاة تامة، فعلم أنها واجبة (٢) . واعلم أنه لا ينافي القول بالوجوب ما تفيده بعض الأحاديث من صحة صلاة المنفرد التي تفيد أن صلاة المنفرد صحيحة، حيث جعلت له درجة واحدة، لأن هذا لا ينافي الوجوب الذي من طبيعته أن يكون أجره مضاعفاً على أجر ما ليس بواجب، كما هو واضح (٣) . قال ابن القيم في الرد على هذا الاستدلال: ((التفضيل لا يستلزم براءة الذّمة من كل وجه، سواء كان مطلقاً أم مقيداً، فإن التفضيل يحصل مع مناقضة المفضل للمفضّل عليه من كل وجه، كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (٤)

стр. 281

وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ (٥) وهو كثير. فكون صلاة الفذّ جزءاً واحداً من سبعة وعشرين جزءاً من صلاة الجميع، لا يستلزم إسقاط فرض الجماعة، ولزوم كونها ندباً بوجهٍ من الوجوه، وغايتها أن يتأدّى الواجب بهما، وبينهما من الفضل ما بينهما، فإن الرجلين يكون مقامُهما في الصّفّ واحداً، وبين صلاتهما في الفضل كما بين السماء والأرض)) (١) . ولعل القارىء يجد في بعض ما ذكرناه من أدلة على وجوب صلاة الجماعة، ودفعنا للشُبَهِ على هذا الحكم، بيانَ عظم الخطر عليه في التخلّف عنها، وأن يقلع عن الصلاة في البيت متوجّهاً إلى المسجد، ((والواجب على أئمة المساجد أن ينصحوا المتخلّفين ويذكرهم ويحذرهم غضب الله وعقابه)) (٢) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((من اعتقد أنّ الصّلاة في بيته أفضل من صلاة الجماعة في مسجد المسلمين، فهو ضال مبتدع، باتّفاق المسلمين. فإن صلاة الجماعة إما فرض على الأعيان، وإما على الكفاية، واللازم من الكتاب والسنّة أنّها واجبة على الأعيان)) (٣) . ((واعلم أخي المصلّي ـ بصّرك الله بالحقّ ـ أن للشيطان طرقاً كثيراً لصدّك عن الصّلاة، وعن مناجاة ربّك، فأوّل الطّرق ترك الجماعة، ويليه ترك التسبيح عقب الصلاة، ويليه ترك الصلاة كما شاهدنا. فكيف تسوغ لنفسك ـ بربك ـ ترك أجر سبع وعشرين درجة، والاكتفاء بدرجةٍ واحدةٍ؟! أبَلَغَ بك أن استغنيتَ عن الأجر والحسنات!! إن للحسنات سوقاً كبيراً

стр. 282

غداً عند ربّ العالمين. فتدبّر هذا واعقله، ولا يغرنّك كثرة المتقاعسين، الذين عقد الشّيطان عليهم، فلا يقومون لصلاة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان، يقومون إليها كسالى،فحذار أن يجرّك الشيطان لصفّه. واعلم أن السكينة لا تدرك في البيت، وإنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر، ألست منهم أنت؟ !. واعلم أنه جاء في ((صحيح البخاري)) : ((أن من غدا إلى المسجد أو راح، أعدّ الله له نزلاً في الجنة كلما غدا أو راح، فهل استغنيت عن هذا؟؟ وفي هذا بيان لمن وفّق للخير، وهدي إليه)) (٤) . والعجب من قول بعضهم: ((لا تتم مروءةُ الرَّجل حتى يترك الصّلاة في الجماعة!! وتعقب هذه المقولة الخاطئة الإمام الذهبي، فقال في ((السير)) : (٧ /٧٢) : ((قلت: لعن الله هذه المروءَةَ، ما هي إلا الحُمْقُ والكِبْر، كيلا يُزاحِمًه السُّوْقة! وكذلك تَجِدُ رؤساء وعُلماء يُصلّون في جماعةٍ في غير صَفّ، أو تُبْسَطُ له سَجَّادةٌ كبيرة حتى لا يلتصق به مُسلم. فإنا لله!)) . وتجدر الإشارة ـ في الختام ـ إلى بيان ضعف بعض الأحاديث التي يتداولها كثير من الدّعاة، الذين كرسوا جهْدهم في حثّ النّاس على الصّلاة، وتذكيرهم بها ـ جزاهم الله خيراً ـ ولكن فاتهم تمحيص الصحيح، وفصله عن الضعيف، منها: [٢/٤٧] ((إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد، فاشهدوا له بالإيمان)) .

стр. 283

وهو من طريق دَرَّاج أبي السَّمْح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. ودراج هذا، قال الحافظ فيه في ((التقريب)) : (١/٢٣٥) : ((صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف)) . ولذلك تعقّب الذّهبيُّ الحاكم، بقوله: ((قلت: درّاج كثير المناكير)) (١) . [٣/٤٧] ومنها: الدّعاء بالمغفرة عند الدخول إلى المسجد، وهو مع أنه منقطع كما بيّنه مخرّجُه التّرمذي، فإن الدّعاء بـ ((اللهم اغفر لي ذنبي)) تفرّد بذكره في الحديث ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. وقد تابعه على رواية أصل الحديث ـ وفيه الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ عند الدخول إلى المسجد فحسب ـ إسماعيل بن عليّة، وهو ثقة جليل، ولكنه لم يذكر فيه هذا الدّعاء، فدلّ ذلك كله على أنه لا يصح فيه، وأنه منكر. ولذلك فإني أرى أنه لا يشرع التزامه مع الأدعية الصحيحة، ولا إيراده فيها، ولاسيما مع القطع بأنه من السنة! فتأمل (٢) . [٤/٤٧] ومنها: ((جنّبوا مساجدكم صبيانكم)) وهذا حديث لا يصح عن النبي ﷺ ، قال البزّار فيه: لا أصل له (٣) . وبنى كثير من العوام عليه: اعتقاد منع دخول الصّبيان بيوت الله !! سئل الإمام مالك ﵀ عن الرّجل يأتي بالصّبي إلى المسجد،

стр. 284

أيستحب ذلك؟ قال: إن كان قد بلغ موضع الأدب، وعرف ذلك، ولا يعبث في المسجد، فلا أرى بأساً، وإن كان صغيراً، لا يقرّ فيه، فلا أحبّ ذلك. قال ابن رشد: ((المعنى في هذه المسألة مكشوف، لا يفتقر إلى بيان، إذ لا إشكال في إباحة دخول الولد إلى المساجد، قال الله : ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ....﴾ (١) . وكان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصّبي في الصّلاة، فيتجوّز في الصّلاة، مخافة أن تفتن أمّه (٢) . وإلا فالكراهة في إدخالهم فيه، إذا كانوا لا يقرّون فيه ويعبثون، لأن المسجد ليس موضع العبث واللعب، وبالله التوفيق)) (٣) . هذا، وقد شهدتُ خطر هذا الحديث الواهي عندما رأيتُ بعض العامة من الجهلة يطردون النّاشئة من بيوت الله محتجّين بهذا الحديث، فينفّرونهم من الدين، على حين تفتح المؤسسات التبشيرية صدرها وذراعيها لأبناء المسلمين مع أبنائهم. [٥/٤٧] ومنها: قصة ثعلبة بن حاطب، التي يزعم واضعها ـ قبحه الله ـ أنه كان ملازماً للمسجد، حتى سمّي (حمامة المسجد) ، ومن ثم أغراه كثرة ماله، المتمثل بالغنم، على ترك صلاة الجمعة، ومن ثم الجماعة، ومن ثم على منع الزكاة، ثم تذكر، فجاء إلى النبي ﷺ تائباً، فلم يقبله رسول الله ﷺ ولا أبو بكر وعمر!! وتتردد هذه القصة على ألسنة الكثيرين من الخطباء والوعّاظ، من غير أن

стр. 285

يتنبهوا أنهم يحكمون بنفاق صحابي جليل شهد بدراً، ومن غير أن يتفطنوا إلى أنهم ينسفون مبدأ إسلامياً عظيماً، وهو إجبار مانعي الزكاة على دفعها، حتى لو أدى ذلك إلى حربهم (٤) . ورحم الله ابن حزم، فإنه قال في هذه القصة: ((فلا يخلو ثعلبة من أن يكون مسلماً، ففرض على أبي بكر وعمر قبض زكاته، ولا بُدّ، ولا فسحة في ذلك. وإن كان كافراً، فلا يقرّ في جزيرة العرب، فسقط هذا الأثر بلا شك. وفي رواية: معان بن رفاعة والقاسم بن عبد الرحمن وعلي بن يزيد وهو أبو عبد الملك الألهاني، وكلهم ضعفاء)) (١)
следующие страницы →